← Джавами‘

Джавами‘ · id 37793

دروس الشيخ حمد الحمد

حمد الحمد

Полный текст (802 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

ما يحرم من حيوان البر قال: [ويحرم من حيوان البر الحمر الأهلية]. أي: لما جاء في الصحيحين: (أن النبي ﵊ نهى يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهلية وأذن في الخيل). فالحمر الأهلية هي هذه الحمر المعروفة التي تُركب، وليست الوحشية ذات الخطوط، فإن الوحشية من الصيد، ولذا فإن النبي ﵊ لما أُهدي له حمار وحش كما في الصحيحين قال: (كلوا ما بقي من لحمه). وفي الصحيحين: (أن الصعب بن جثامة أهدى له حماراً وحشياً)، فالحمار الوحشي صيد. وأما الحمار الأهلي الذي يُركب فهو حرام ولو توحش، أي: لو أن الناس تركوه في البراري -ولم يتخذوه كما في هذا الزمن- حتى توحش وصار يأكل من أعشاب الأرض ويأكل ما يجد من الجيف وغير ذلك؛ فإنه يبقى حراماً باتفاق العلماء، وإنما الكلام في الحمار المتوحش الذي له خطوط، فهو نوع آخر، وهو صيد. قال المؤلف ﵀: [وما يفترس بنابه كأسد، ونمر، وذئب، وفهد، وكلب، وقرد، ودب، ونمس، وابن آوى، وابن عرس، وسنور ولو برياً، وثعلب، وسنجاب، وسمّور]. فما له ناب فإنه يحرم عند الجمهور خلافاً لـ مالك، ويدل على ذلك ما ثبت في صحيح مسلم: (أن النبي ﵊ نهى عن كل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير)، وهذا زائد على ما جاء في القرآن: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [الأنعام:١٤٥]، فإن الآية مكية، ونهي النبي ﵊ عن كل ذي مخلب من الطير، وكل ذي ناب من السباع إنما كان في المدينة. وما ذكر المؤلف ﵀ هنا من الحيوانات فإنها كلها تحتاج إلى تحقيق المناط، فما كان ذا ناب يفترس به فهو حرام؛ لأن بعض هذه الأنواع قد نجهلها ولا نجزم بأنها ذات ناب حتى نتحقق من ذلك إما بأنفسنا أو بسؤال أهل الخبرة، فالمقصود من ذلك أن ما كان فيه ناب يفترس به فهو حرام. وذكر المؤلف السنور، والسنور الهرة، ويدل على تحريم أكل الهرة نهي النبي ﵊ عن ثمنها وبيعها، فقد نهى النبي ﷺ عن ثمن السنور، ونهى ﵊ -كما في أبي داود - عن أكل الهر، ولأن لها ناباً كما تقدم.

стр. 597

ما يحرم من الطير قال: [ويحرم من الطير ما يصيد بمخلبه، كعقاب، وباز، وصقر، وباشق، وحدأة، وبومة]. لأن هذه المذكورة لها مخلب تأكل به وتعدو به، فهذه كلها حرام داخلة في النهي الوارد في صحيح مسلم: (وكل ذي مخلب من الطير). قال: [وما يأكل الجيف]. الذي يأكل الجيف حرام، ولذا نهى الشرع عن أكل الغراب الأبقع، فقد جاء في الصحيحين أن النبي ﵊ قال: (خمس يُقتلن في الحل والحرم: الحية، والغراب الأبقع) وهو الذي في رأسه بياض أو في بعض بدنه بياض (والفأرة، والحدأة، والكلب العقور). وأمر الشرع بقتلها دال على النهي عن أكلها، إذ لو جاز أكلها لم يأمر بقتلها؛ لأن الشرع نهى عن إضاعة المال، ولأمر الشرع بذبحها لتؤكل، لكنه قال: (يُقتلن) فدل ذلك على أنها لا تُذبح فتؤكل، وعلى ذلك فلازم أمر الشرع بقتلها نهيه عن أكلها، فكل ما أمر الشرع بقتله فإنه لا يؤكل. إذاً: هذه هي قاعدة قال أهل العلم إنها أصل في المطعومات، وهي أن كل ما أمر الشرع بقتله فإنه لا يجوز أكله؛ لأن الشرع ينهى عن إضاعة المال، ولو كان أكله جائزاً لأمر بذبحه لا بقتله. وكذلك قالوا -وهو أصل آخر- ما نهى الشرع عن قتله فحرام أكله؛ لأنه لو أجزنا أكله لكان ذلك ذريعة إلى قتله، وقد جاء في سنن أبي داود: (أن النبي ﵊ نهى عن قتل أربع: النملة، والنحلة، والهدهد، والصرد)، والصرد: نوع من الطير. فهذه نهى الشارع عن قتلها فلا يجوز أكلها، إذ لو جاز أكلها لكان ذلك ذريعة إلى قتلها. كما أن الشارع نهى عن قتل الضفدع كما جاء في سنن أبي داود والنسائي ومسند أحمد، ففيها أنه: (أتاه طبيب فسأله عن أكل الضفدع للدواء؟ فنهى النبي ﵊ عن قتل الضفادع)، فلا يجوز أكلها؛ لأنا لو أذِنّا في قتلها لقتلها الناس أو ذبحوها. قال: [وما يأكل الجيف كنسر، ورخم، وقاق، ولقلق] وهو نوع من الطير يأكل الحيات، [وغراب، وخفاش، وفأر، وزنبور، ونحل، وذباب، وهدهد، وخطاف، وقنفذ، ونيص، وحية، وحشرات]. هذه كلها تأكل الجيف، وعلى ذلك فتحرم. إذاً: كل ما يأكل الجيف فإنه يحرم، وهذه الأنواع -كما ذكرت- تحتاج إلى تحقيق المناط، أعني تحقيق العلة؛ فإن ثبت لنا أن العلة متحققة فيها وهي أكل الجيف قلنا إنها حرام؛ لأن الجيف خبيثة، وأكلها يؤثر على اللحم، ولذا نهى النبي ﵊ عن أكل الجلالة التي تأكل النجاسات وعن شرب لبنها، كما جاء هذا في سنن أبي داود والترمذي، وهو حديث صحيح، فكذلك ما يأكل الجيف لأن لحمه يتأثر بهذا الخبث الذي يأكله، وعلى ذلك فيكون ضاراً. وهذا الذي ذكر المؤلف يحتاج إلى تحقيق المناط، فالغراب الأبقع يأكل الجيف، ولذا نهى عنه الشارع؛ لكن النيص لا يأكل الجيف وإنما يأكل جمار النخل، ولذا فإن الصحيح أن النيص حلال، والنيص: شبيه بالقنفذ وإن كان يختلف عنه في الحجم، ولذا فإنهم يقولون: هو عظيم القنافذ. وأدخل المؤلف أنواعاً ليس تحريمها لأكل الجيف، وإنما تحريمها لأن الشرع نهى عن قتلها كالنمل والنحل.

стр. 598

حل ما تولد من مأكول طاهر قال: [ويؤكل ما تولد من مأكول طاهر]. أي: إذا كان عندنا مأكول طاهر مثل التمر والجبن فتولد منه دود، فهذا الدود يتبعه في الحل، ولذا قال هنا: [ويؤكل ما تولد من مأكول طاهر كذباب الباقلا، ودود الخل والجبن، تبعاً لا انفراداً]. يعني: ما يجمع ويؤكل، وإنما يكون تبعاً للجبن وتبعاً للخل وتبعاً للباقلا، فهذا جائز؛ لأنه يثبت تبعاً ما لا يثبت استقلالاً.

стр. 599

تلخيص أصول الأطعمة المحرمة إذاً ما كان ذا ناب من السباع، وما كان ذا مخلب من الطير، وما أمر الشرع بقتله، وما نهى الشرع عن قتله، وما كان يأكل الجيف، وما كان ضاراً بالأبدان أو العقول أو الأخلاق؛ فإن ذلك يحرم. وهذه عدة أصول يجمعها هذا الأصل الأخير: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف:١٥٧]. فكل ما كان ضاراً بالأبدان أو العقول أو الأخلاق فهو حرام، ومنه كل ذي مخلب من الطير، وكل ذي ناب من السباع، وما يأكل الجيف، وما نهى الشرع عن قتله كالهدهد والنحل، وما أمر الشرع بقتله كالحية والعقرب؛ فهذه أصول الأطعمة المحرمة. وما ذُكر لنا من أنواع إن كان النبي ﵊ قد نص على حكمها فهذا واضح، وإن كان لم ينص عليه فنحتاج إلى ما يسمى بتحقيق المناطق، أي: تحقيق العلة، فما تحققت فيه العلة التي تقتضي النهي قلنا بتحريمه، وما لم تتحقق فيه قلنا بإباحته. قال: [فصل: ويباح ما عدا هذا كبهيمة الأنعام]. قال الله جل وعلا: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ﴾ [المائدة:١]. [والخيل]. للحديث المتقدم: (أن النبي ﵊ حرّم يوم خيبر الحمر الأهلية وأذن بالخيل)، فالخيل مباحة. [وباقي الوحش كضبع]. الضبع صيد كما جاء عند الخمسة وصححه البخاري من حديث جابر ﵁: (أن الضبع صيد). فإن قيل: إنه ذو ناب؟ ف الجواب أن أضراسه صفيحة وليست ناباً كسائر السباع؛ ولأنه لا يفترس في العادة، يعني إلا عند الحاجة، فليس له افتراس في العادة أو في الغالب، إنما غالب أكله الأعشاب ولذا فهو صيد، وهذا نص عن النبي ﵊. قال: [وزرافة، وأرنب، ووبر، ويربوع، وبقر وحش، وحمره]. حمر الوحش كما تقدم مباحة لما جاء في الصحيحين من حديث أبي قتادة وغيره. قال: [وضب]. لأن النبي ﵊ وإن لم يأكله؛ لكنه أقر خالداً على أكله في مائدته ﵊ -كما في الصحيحين- وقال: (إني لم أجده في أرض قومي فأجدني أعافه). [وظباء]، [وباقي الطير كنعام ودجاج]. فقد أكل النبي ﵊ الدجاج كما في الصحيح. [وطاووس، وببغاء، وزاغ] هذا نوع من الطير، [وغراب زرع] لأن غراب الزرع لا يأكل الجيف، وإنما يأكل الزرع.

стр. 600

حكم حيوان البحر قال: [ويحل كل ما في البحر]. كل ما في البحر فهو حلال لقول الله جل وعلا: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾ [المائدة:٩٦]. وروى الخمسة أن النبي ﵊ قال في البحر: (هو الطهور ماءه الحل ميتته). قال: [غير ضفدع]. أي: فتحرم؛ لأن النبي ﵊ نهى عن قتله كما روى ذلك أحمد وأبو داود والنسائي. [وحية] لأنها من المستخبثات، والمقصود حية البحر، وهذا يحتاج إلى تحقيق مناط فإن كانت ذات سم تلدغ كحية البر فلها حكم حية البر، وأما إذا كانت كحية البر في الصورة فقط ولا تلدغ فهي حلال، ولذا فإن القول الثاني لأهل العلم هو الجواز. قال: [وتمساح] قالوا؛ لأن التمساح له ناب. إذاً: كل ما في البحر فهو حلال لعموم الحديث، ولا يستثنى من ذلك إلا الضفدع والحية والتمساح.

стр. 601

حكم الجلالة قال: [وتحرم الجلالة، وهي التي أكثر علفها النجاسة، ولبنها، وبيضها] يعني: ويحرم لبنها وبيضها. فالجلالة من الدجاج والغنم والبقر والإبل التي يكون غالب أكلها النجاسات حرام؛ لنهي النبي ﵊ عن الجلالة عن أكلها وشرب لبنها، كما جاء هذا في أبي داود والترمذي، وهو حديث صحيح. قال: [حتى تُحبس ثلاثاً وتُطعم الطاهر] كما صح ذلك عن ابن عمر ﵄. فإذا حُبست الجلالة ثلاثة أيام لا تُطعم إلا طاهراً، فإن دمها يطهر من هذه النجاسة التي ترد إليها فتحل. فبعض الناس يشتري دجاجاً يُطعمه أهله القاذورات من الأرواث النجسة وغيرها، فيشتريه ويحبسه عنده ثلاثة أيام يطعمه الشعير والخبز ونحوه فيحل، وقد صح ذلك عن ابن عمر ﵁ ولا يُعلم له مخالف.

стр. 602

الأطعمة المكروهة قال: [ويُكره أكل تراب وفحم وطين وأُذن قلب] يعني: الغدة التي تكون داخل القلب مثل الأذن، ولم أقف على دليل صحيح يدل على كراهية ذلك. أما ما ذكر من أكل التراب والفحم والطين، فإن كان يضر فهو حرام، وإن كان لا يضر فإنا لا نقول إنه حرام ولا مكروه؛ لأن الكراهة حكم شرعي يحتاج إلى دليل. وبعض النساء الحوامل يكون وحام بعضهن أكل التراب، وبعضهن يكون وحامها أكل الفحم، وإذا أكلت ذلك لم يضرها. إذاً: المناط هو الضرر، فإن كان يضر إما بقول طبيب ثقة، أو كان ذلك بالعلم التجريبي عند الناس فإنه حرام، وإن كان غير ضار كأن يأكل الشيء اليسير منه فإنا لا نقول إنه حرام ولا نقول إنه مكروه أيضاً؛ لأن الكراهة حكم شرعي يحتاج إلى دليل. قال: [وبصل، وثوم، ونحوهما] يعني ككراث وفجل، وذلك لكراهة رائحتها، ولذا فإن النبي ﵊ قال: (من أكل ثوماً أو بصلاً فلا يقربن مصلانا فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه ابن آدم) متفق عليه. وجاء في الترمذي أن النبي ﵊ إنما كره ذلك من أجل ريحه، ولذا فإنها تُمات طبخاً حتى تذهب رائحتها، فهذه كراهة من أجل الريح، فكل طعام له رائحة مكروهة فإنه يُكره؛ لأن هذا يؤذي الملائكة، والملائكة تتأذى مما يتأذى منه ابن آدم. قال: [ما لم ينضج بطبخ] أي: فإذا نضج بطبخ وزالت رائحته أو خفّت جداً فإنه لا يُكره.

стр. 603

أكل الميتة للمضطر قال: [فصل: ومن اضطر جاز له أن يأكل من المحرم ما يسد رمقه فقط]. لقول الله جل وعلا: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة:١٧٣]] أي: من اضطر لأكل ما يحرم مما تقدم ذكره ((غَيْرَ بَاغٍ)) أي غير طالب لذلك ولا مريد له، فلا يشتهي هذا ويرغبه ويطلبه ((وَلا عَادٍ)) يعني: لا يتجاوز سد رمقه؛ لأن الضرورة تقدر بقدرها، ولذا قال المؤلف هنا: [ما يسد رمقه فقط]. إذاً: من اضطر وهو لا يحمله على ذلك الشهوة وإنما حمله الاضطرار، ولا يأكل فوق ما يسد رمقه فهو غير باغ ولا عاد، فيجوز أن يأكل من الميتة أو من النجاسات ما يسد الرمق فقط، وما يدفع ضرورته فقط لا يتجاوز ذلك. وعنه: له الشبع؛ يعني: له أن يشبع من الميتة، والصحيح ما قاله الموفق ﵀: وأن له الشبع إذا كان لا يرجو زوال ضرورته. يعني: إذا كان في حال بحيث إنه لا يرجو أن تزول عنه هذه الضرورة قريباً، وذلك أن بعض الناس يكون في مفازة ويجد ميتة ولا يرجو الوصول إلى الطعام فيقول: كيف أنتظر وليس لي طريق بحيث أني أنجو من هذه المفازة، فهذا له أن يأكل حتى يشبع، وأما إذا كان يرجو زوال هذه الضرورة فإنه يأكل ما يسد رمقه فقط. قال: [ومن لم يجد إلا آدمياً مباح الدم كحربي وزان محصن فله قتله وأكله]: إذا لم يجد طعاماً يأكله، ولم يجد إلا آدمياً مباح الدم، أي: غير معصوم الدم، ومعصوم الدم هو المسلم والذمي، فإذا كان معصوم الدم فلا يجوز قتله لدفع المجاعة ودفع الاضطرار. وأما إذا كان حربياً أو كان زانياً محصناً قد أُبيح دمه لزناه، فإنه يجوز قتله وأكله. فإن وجد معصوماً ميتاً، فهل له أن يأكله؟ إذا لم يجد ما يأكل إلا هذا المعصوم الميت فالمذهب أنه لا يجوز أكله. والقول الثاني في المسألة وهو الراجح: أنه يجوز أكله، وهو مذهب الشافعية؛ لأن حرمة الحي تُقدم على حُرمة الميت، فهو لم يقتله لكنه ميت وهو معصوم الدم فأكل منه ما يدفع به ضرورته. وهل يجوز أن يأكل من بدنه كفخذه ونحوه ما تزول به ضرورته؟ قولان: المشهور في المذهب أنه لا يجوز. والقول الثاني في المذهب: الجواز، وهو أصح؛ لأن أكله شيئاً من فخذه مفسدة صغرى فتُقدم على المفسدة الكبرى وهي هلكته؛ فلا بأس بذلك على الصحيح.

стр. 604

انتفاع المضطر بمال الغير أو أكله قال: [ومن اضطر إلى نفع مال الغير مع بقاء عينه وجب على ربه بذله مجاناً]. هذا رجل احتاج إلى مال غيره من غير إتلاف لهذا المال، كأن يُضطر إلى ثوب يدفع به البرد، أو يُضطر إلى سكين يذبح بها، فيأخذه مجاناً بلا أُجرة ما دام مُضطراً إليه؛ لأن ذلك من الماعون الذي قال الله جل وعلا: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ [الماعون:٧] فيجب بذله مجان ما دام أن العين ترجع إلى صاحبها. وإن كان بحيث تتلف العين كرجل في مفازة فمر على رجل من أهل البادية وعنده طعام، فالواجب عليه أن يبذله له بثمنه، فإن أبى أن يبذله له بالقيمة فإنه يأخذه قهراً؛ لأن هذا من باب دفع الصائل، أي: أن هذا الذي منع كالذي يصول على الأبدان. إذاً: إذا كان بحيث يتلف كالطعام فيبذل له بالقيمة وجوباً، واختار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم وجوب بذله مجاناً للمضطر، قال: لأن إحياء النفس واجب، وهذا من إحياء النفس، فيجب أن يُبذل له مجاناً، وهذا هو الراجح.

стр. 605

أكل المار من البستان واحتلابه الماشية قال: [ومن مر بثمر بستان لا حائط عليه ولا ناظر فله من غير أن يصعد على شجرة أو يرميه بحجر أن يأكل ولا يحمل]. من مر على بستان، وهذا البستان ليس له حائط، أي: جدار أو نحوه، وليس له ناظر، أي: حارس، ومثل ذلك من مر على ماشية وليس معها راع، فله أن يحتلب من غير أن يحمل، وهذا الذي يمر على البستان له أن يأكل من غير أن يحمل إذا لم يكن عليه حائط ولا ناظر. ويدل على ذلك ما جاء في الترمذي وغيره وهو حديث صحيح، أن النبي ﵊ قال: (من مر على ماشية وكان معها صاحبها فليستأذن وليحتلب وليشرب، وإن لم يكن معها صاحبها فليصوت ثلاثاً ثم ليحتلب وليشرب، ولا يحمل). ونحوه في البيهقي من حديث أبي سعيد وفيه ذكر الحائط، قال ابن القيم: جاء ذلك عن طائفة من الصحابة. ثم قال: [وكذا الباقلا والحمّص] وشبه ذلك مما يؤكل رطباً، فإنه يأخذه ويأكله إذا لم يكن عليه حائط ولا ناظر، وإن كان عليه حائط أو ناظر فلا بد من إذن.

стр. 606

حكم الضيافة قال: [وتجب ضيافة المسلم على المسلم في القرى دون الأمصار]. الأمصار فيها مطاعم يمكنه أن يأتي هذه المطاعم ويأكل، وأما في القرى والبوادي -وهي التي ليس فيها أماكن يُباع فيها الطعام- فإن الضيافة تجب كما قال: [يوماً وليلة] أي: لقول النبي ﵊: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليُكرم ضيفه جائزته قالوا: وما جائزته؟ قال: يوم وليلة، الضيافة ثلاثة أيام فما زاد فصدقة)، يعني: وما وراء ذلك فصدقة. فالضيافة تجب يوماً وليلة، وتُستحب ثلاثة أيام، وما زاد فصدقة، ولذا قال: [وتستحب ثلاثاً] أي: ثلاثة أيام. واختار ابن رجب أن هذه الضيافة تجب للذمي أيضاً، وهذا هو الراجح لعموم الحديث، يعني: حتى الذمي الذي يمر على البوادي والقرى يجب أن يُكرم. فإذا لم يُكرم فله أن يأخذ من أهل هذا البيت ما ينبغي له، يعني: ما يُضيف به، وله أن يُقاضيهم عند القاضي؛ لأن ذلك واجب له وحق له كالنفقة، ولذا قال ﵊ كما في الصحيحين: (وإذا نزلتم بقوم فأمروا لكم بما ينبغي للضيف فاقبلوا، وإن لم يفعلوا فخذوا منهم حق الضيف الذي ينبغي له) يعني يؤخذ منهم حق الضيف من غير مفسدة، وإلا فله أن يرفع ذلك إلى القاضي ليأخذ حقه؛ لأن هذه الضيافة واجبة. وفي هذا الزمان توجد المطاعم التي يستغني بها الناس والمارة، أما إذا لم توجد فإن الواجب على أهل البيت الذين يمر عليهم الضيف أن يُكرموا ضيفهم. ونقف عند هذا القدر، والله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله، وصحبه

стр. 607

دليل الطالب_كتاب الأطعمة [٢] سيد الطعام اللحم، واللحم من المنتجات الحيوانية، ولا يحل لحم الحيوان إلا بذكاة شرعية، والذكاة الشرعية لها شروط يجب توفرها في الذابح والآلة والمذبوح، ولها آداب وسنن ينبغي مراعاتها، وفيها مكروهات ينبغي تجنبها.

стр. 608

أحكام الذكاة

стр. 609

الشرط الأول للذكاة كون الفاعل عاقلاً مميزاً قاصداً للذكاة قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب الذكاة: وهي] أي الذكاة [ذبح أو نحر الحيوان المقدور عليه]. فالذكاة هي ذبح أو نحر، فالنحر في الإبل والبقر، والذبح في الغنم والبقر وغيرها، والبقر قد تُنحر وقد تُذبح. قوله: [لا ما ند] سيأتي الكلام عليه إن شاء الله فإذا كان الحيوان مقدوراً على تذكيته فلا بد أن يُذكى. قال: [وشروطها] أي الذكاة، [أربعة: أحدها: كون الفاعل عاقلاً مميزاً قاصداً للذكاة]. فلا بد أن يكون المذكي له قصد، والذي يكون له قصد هو العاقل المميز، وأما المجنون والسكران والطفل غير المميز فإنهم لا قصد لهم، وعلى ذلك فلا تجزئ تذكيتهم؛ ولأن التذكية لا بد فيها من التسمية، والتسمية عبادة وهؤلاء لا تصح عبادتهم. أي: الطفل غير المميز وهو من كان دون سبع سنين، وكذلك المجنون، وكذلك السكران لا تصح عبادتهم. إذاً لا بد أن يكون أهلاً للتذكية وهو العاقل المميز، ولا يشترط أن يكون بالغاً، بل هو العاقل المميز قال: [فيحل ذبح الأنثى]. كما جاء في البخاري في جارية ذبحت شاة كادت أن تموت، فكسرت حجراً فذبحتها به، يعني: أصبح هذا الحجر حاداً كالسكين، فسُئل النبي ﵊ عن ذلك، فأمر بأكلها. ولا خلاف بين أهل العلم أن المرأة تجزئ تذكيتها. [والقن] وهو العبد، [والجنب] أي: لا يشترط أن يكون المذكي غير جنب، والمرأة كذلك ولو كانت حائضاً، وإذا كان ذبح أهل الكتاب يجزئ فأولى من ذلك الجنب والحائض، ولا خلاف بين أهل العلم في هذا. قال: [والكتابي]: يعني تجزئ تذكيته، والكتابي لا يشترط -خلافاً للمشهور في المذهب- أن يكون أبواه كتابيين، وهو ظاهر الأدلة، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: وعليه أقوال الصحابة لا نزاع بينهم في ذلك، وعليه نصوص أحمد وهو قول أكثر الفقهاء. فهذا هو الصواب خلافاً للمشهور في المذهب، قال الله جل وعلا: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة:٥] وهذا من الذين أوتوا الكتاب. قال ابن عباس ﵁ كما في البخاري: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [المائدة:٥] أي ذبائحهم. فذبيحة الكتابي يهودياً كان أو نصرانياً تحل ولا يُشترط -كما تقدم- أن يكون أبواه كتابيين، وأما غير الكتابي فلا تجزئ ذكاته، ولذا قال المؤلف: [إلا المرتد]. المرتد ولو انتقل لدين أهل الكتاب؛ لأنه لا يقر على ذلك، فإن النبي ﵊ قال: (من بدّل دينه فاقتلوه). قال: [والمجوسي، والوثني، والدرزي، والنصيري]. أي: لأن هؤلاء ليسوا على الإسلام فلا تحل ذبائحهم. وهنا مسألتان في الكتابي: إذا ذكر الكتابي اسم المسيح على ذبيحته فهل تحل؟ قولان لأهل العلم أصحهما وعليه الجمهور: أنها لا تحل؛ لقول الله جل وعلا: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [المائدة:٣]. والمسلم إذا أشرك فأهل لغير الله بذبيحته لم تحل فأولى من ذلك الكتابي، فإذا كانت الذبيحة قد ذُكر عليها اسم المسيح فإنها لا تحل. المسألة الثانية: إذا ذبح الكتابي ما لا يحل له في شريعته فقولان لأهل العلم أصحهما: إجزاء تذكيته وإن كان هذا الطعام لا يحل له هو في شريعته، كالإبل إذا نحرها، وكذلك الغنم والشحوم، قال تعالى: ﴿وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا﴾ [الأنعام:١٤٦] فإن ذكى فللمسلم أن يأكل الشحوم؛ لأن الدليل دل على إجزاء تذكيته وإنما يحرم الشحم عليه هو، وأما نحن فلم يحرم ذلك علينا وتذكيته مجزئة فدل ذلك على أن كل ما يدخل في هذا الحيوان ومنه الشحم أنه مباح.

стр. 610

الشرط الثاني للذكاة الآلة قال: [الثاني: الآلة: فيحل الذبح بكل محدد من حجر وقصب وخشب وعظم غير السن والظفر]. لقول النبي ﵊: (ما أنهر الدم وذُكر اسم الله عليه فكل غير السن والظفر، أما السن فعظم، وأما الظفر فمدى الحبشة) يعني سكينهم، فإن الحبشة يذبحون بأظافرهم. وعلى ذلك فيجزئ الذبح بكل محدد كحجر إذا كان له حد كالسكين، وأما إذا ذبح بعرضه فإن ذلك لا يجزئ ولا بد أن يكون محدداً، لكن لو ذبح بثقله فإن ذلك لا يجزئ؛ لأنه لا بد أن يكون ذا حد يُنهر الدم، ولذا قال النبي ﵊ في الحديث المتقدم: (ما أنهر الدم وذُكر اسم الله عليه فكل).

стр. 611

الشرط الثالث للذكاة قطع الحلقوم والمريء قال: [الثالث: قطع الحلقوم والمريء]: الحلقوم: هو مجرى النفس. والمريء: هو مجرى الطعام والشراب. فإذا قطع الحلقوم والمريء فقد أنهر الدم، والحديث يقول فيه النبي ﵊: (ما أنهر الدم). وقال بعض العلماء وهو رواية عن أحمد: لا بد كذلك أن يقطع الودجين، وهما مجرى الدم، وعليه فيقطع الحلقوم والمريء والودجين. وقال بعض الفقهاء كما في الكافي: إنه يكفي قطع الودجين؛ لأن الودجين هما مجرى الدم، والنبي ﵊ يقول: (ما أنهر الدم) وهذا هو الصحيح، لكن الأكمل أن يقطع الودجين والحلقوم والمريء. قال: [ويكفي قطع البعض منهما]: لأنه إذا قطع البعض فقد أنهر الدم، ولو أخذ سيفاً وقطع رأسه مرة واحدة أجزأ ذلك؛ لأن هذا ينهر الدم، ولأن فيه قطعاً للجميع كما تقدم إيضاحه. قال: [ويحل ذبح ما أصابه سبب الموت من منخنقة ومريضة وأكيلة سبع، وما صيد بشبكة أو فخ، أو أنقذه من مهلكة إن ذكاه وفيه حياة مستقرة كتحريك يده أو رجله أو طرف عينه]. أي: إذا كان في هذا الحيوان حياة مستقرة كما قال المؤلف: (كتحريك يده أو رجله أو طرف عينه) فإذا كانت فيه هذه الحياة المستقرة فأدركته فذبحته فقد حل؛ لقول الله جل وعلا: ﴿وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة:٣] فإذا أدركت هذه الشاة من فم الذئب وفيها حياة مستقرة فذبحتها فقد حلت، وإذا أدركتها وقد سقطت من الجبل وفيها حياة مستقرة فذبحتها فقد حلت إذاً: لا بد من الحياة المستقرة. وقال الأحناف: إذا كان فيها حياة ولو كانت هذه الحياة غير مستقرة فإنها تذكى وتحل، والحياة غير المستقرة مثل أن تتحرك حركة المذبوح؛ قالوا: لأن النبي ﵊ في حديث الجارية التي أدركت الشاة قبل أن تموت فذبحتها بحجر لم يستفصل هل فيها حياة مستقرة أم لا، وترك الاستفصال في مقام الاحتمال ينزّل منزلة العموم في المقال. وقيد شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ هذا القول بأن يخرج الدم أحمر؛ لأن خروج الدم أحمر يدل على حصول التذكية؛ لأن الميتة يكون دمها أسود، وهذا ظاهر. وعلى ذلك فالصحيح ما ذهب إليه الأحناف بهذا القيد، وهو أن يخرج الدم أحمر. قال: [وما قُطع حلقومه أو أُبينت حشوته] أي قطعت أمعائه [فوجود حياته كعدمها]، والصحيح ما تقدم، وأنه إن أُدرك وفيه نوع حياة وكان الدم أحمر فإن تذكيته تجزئ. قال: [لكن لو قطع الذابح الحلقوم ثم رفع يده قبل قطع المريء لم يضر إن عاد فتمم الذكاة على الفور]، وهذا واضح؛ يعني أنه قد يقطع الحلقوم ويرفع يده ثم يعود ويقطع المريء، فهذا يجزئ، وهذا ظاهر لإطلاق الحديث: (ما أنهر الدم) وهذا قد أنهر الدم. قال: [وما عجز عن ذبحه كواقع في بئر ومتوحش فذكاته بجرحه في أي محل كان]. أي: ما عُجز عن ذبحه كناقة وقعت في بئر لا يستطيعون أن يخرجوها فينحروها. وأيضاً: بعض الغنم تتوحش فتكون على رءوس الجبال ولا يستطيعون أن يُمسكوها فهذه تُرمى بالسهم كالصيد وتُجرح من أي موضع كانت. ويدل على ذلك ما في الصحيحين: (أن بعيراً ند فأهوى رجل بسهم فرماه فحبسه، فقال النبي ﵊: إن لهذه البهائم أوابد كأوابد الوحش، فما ند منكم فاصنعوا به هكذا)، أي: إذا توحش ولم تتمكنوا من إمساكه وتذكيته فاصنعوا به هكذا، يعني: ارموه بسهم أو نحوه كالصيد.

стр. 612

الشرط الرابع للذكاة البسملة قال: [الرابع: قول باسم الله، لا يجزئ غيرها عند حركة يده بالذبح]. أي: أن يقول عند حركة يده بالذبح: باسم الله. قوله: (لا يجزئ غيرها) أي: لا يجزئ أن يقول باسم الرحمن، ولا باسم العزيز؛ لأن النص جاء بلفظ الجلالة كما في صحيح مسلم؛ ولأن ذكر الله إذا أُطلق فإنه ينصرف إلى لفظ الجلالة، وقد قال تعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام:١٢١]. قال: [وتجزئ بغير العربية ولو أحسنها]. أي: إذا كان يُحسن العربية وهو غير عربي فذكر اسم الله بلغته فإن ذلك يجزئ ولو كان يُحسن العربية. والقول الثاني في المسألة وهو قول بعض الحنابلة: أنه إن كان يُحسن العربية ويُحسن أن يقول باسم الله فلا يجزئه إلا أن تكون بالعربية، هذا هو الراجح، وقد قالوا كما تقدم: إنه لا يجزئه أن يقول باسم الرحمن، أو يقول باسم العزيز، وهذا أولى من غير العربي؛ ولأن النص جاء بلفظ الجلالة (الله). وعلى ذلك فلا يجزئه ولو كان غير عربي إلا أن يقول باسم الله؛ لكن إن كان لا يُحسن فيجزئه أن يقول ذلك بلغته. قال: [ويُسن التكبير] كما جاء في صحيح مسلم أن النبي ﵊ قال: (باسم الله والله أكبر). قال: [وتسقط التسمية سهواً]. قال ابن عباس ﵁ كما في البخاري: إذا نسي فلا بأس، فالتسمية تسقط سهواً؛ ولأن الله قال: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام:١٢١] ومن ترك التسمية سهواً فليس ذلك منه فسق؛ لأن الفسق إنما يكون على جهة التعمد لا على جهة النسيان. قال: [لا جهلاً] أي: إن سقطت جهلاً فلا تجزئ التذكية، لا إن تركها ناسياً. والصحيح أنه لا فرق بين الجهل والنسيان؛ لأن النبي ﵊ سوّى بينهما في عدم المؤاخذة، فقال ﵊ فيما رواه أبو داود وغيره: (رُفع عن أمتي الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه). وفي لفظ: (إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه). فالصحيح أن الجاهل معذور. إذاً: التسمية فرض للآية، ولحديث (ما أنهر الدم وذُكر اسم الله عليه فكلوا) فدل على أن التسمية فرض، لكنها تسقط عند النسيان في قول جمهور العلماء وهو قول ابن عباس ﵁، ولا يُعلم له مخالف. قال: [ومن ذكر مع اسم الله جل وعلا اسم غيره لم تحل]؛ لأن هذا شرك، والله جل وعلا يقول: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [المائدة:٣]، فإذا ذكر شيخاً أو سيداً مع الله جل وعلا فهذا من الشرك، فلا تحل ذبيحته.

стр. 613

ذكاة الجنين قال: [فصل: وتحصل ذكاة الجنين بذكاة أمه]. أي: إذا ذبحت شاة وفي بطنها جنين فإن ذكاة الجنين ذكاة أمه، فتذكيتك للأم يبيح ما في بطنها فلا يحتاج إلى ذكاة، قال ﵊: (ذكاة الجنين ذكاة أمه) رواه الإمام أحمد في مسنده، وهو حديث صحيح. قال: [وإن خرج حياً حياة مستقرة لم يُبح إلا بذبحه] لأنه أصبح مستقلاً عن أمه، فإذا ذبحت الشاة وخرج الجنين من بطنها وهو حي حياة مستقرة فلابد من ذبحه، أما إذا كانت حياة غير مستقرة كحركة المذبوح فله حكم أمه.

стр. 614

مكروهات الذبح قال: [ويكره الذبح بآلة كالّة] لأن هذا من تعذيب الحيوان [وسلخ الحيوان أو كسر عنقه قبل زهوق نفسه] وهذا كذلك من تعذيب الحيوان. وقد جاء في صحيح مسلم أن النبي ﵊ قال: (إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته -أي السكين- وليرح ذبيحته)، وظاهر الأمر الوجوب وأن تعذيب الحيوان بهذه الصورة لا يجوز.

стр. 615

آداب الذبح قال: [وسن توجيهه للقبلة] حُكي ذلك عن ابن عمر، ولا خلاف بين أهل العلم في هذا؛ ولأن الذبح عبادة فكان كالأذان، فيستحب أن يكون إلى القبلة، يعني أن يوجهها إلى القبلة. والعامة يعتقدون أنها إن ذُبحت إلى غير القبلة لم تُجزئ! وهذا لا أصل له في كلام أهل العلم، ولذا قال العلماء إنه يُسن أن توجه إلى القبلة. قال: [وعلى جنبه الأيسر] لأنه إذا جعلها على الجنب الأيسر كان هذا أرفق بهذا الحيوان وأقوى في الذبح، [والإسراع في الذبح] للحديث المتقدم.

стр. 616

حكم ما ذبح فغرق أو تردى قال: [وما ذُبح فغرق أو تردى من علو أو وطئ عليه شيء يقتله مثله لم يحل]. أي: إذا ذبح الذبيحة ولم تمت بعد فوقع عليها شيء ثقيل يقتل، أو وقعت منه في الماء فلا يدري هل الذي أماتها الذبح أم الماء، أو: هل هو الذي ذبحها أو هذا الشيء الثقيل الذي وقع عليها، فلا تحل؛ لأن النبي ﵊ قال لـ عدي: (فإذا وقعت في الماء فلا تأكل، فإنك لا تدري الماء قتله أو سهمك). يعني: إذا رميت الصيد بالسهم فوقع في الماء الذي يحصل به الغرق، أو تردى من علو كجبل، كأن يذبحها في مكان مرتفع وقبل أن تموت وقعت، فلا يدري هل الذي قضى عليها هو الذبح أم الوقوع؟ فهنا لا تحل لهذا الشك وتغليباً لجانب الحرمة.

стр. 617

دليل الطالب_كتاب الصيد والذبائح من طرق اكتساب الطعام الاصطياد، وقد بين الله ما يحل من الصيد وما يحرم، والاصطياد يكون بالسلاح المحدد وبالحيوان المعلم، وله شروط لابد من مراعاتها وإلا حرم الصيد، وإذاً فيجب على من أراد الصيد أن يتفقه فيها

стр. 618

أحكام الصيد

стр. 619

إباحة الصيد قال: [كتاب الصيد]: الأصل في إباحته الكتاب والسنة والإجماع. قال الله جل وعلا: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة:٢]. ولحديث عدي في الصحيحين في الصيد، قال ﵊: (إذا أرسلت كلبك وذكرت اسم الله عليه فكل). وأجمع أهل العلم على إباحة الصيد. قال: [يُباح لقاصده] لما تقدم في الكتاب والسنة والإجماع، [ويُكره لهواً]، أي: إذا كان لمجرد اللهو فيُكره، وإذا كان يصيده لهواً ويرميه ولا يأكله، أو يؤذي الناس في زروعهم وفي مواشيهم فإن ذلك يحرم؛ لأنه إذا كان يرميه عبثاً ولا يأكله فهذا من إضاعة المال فلا يجوز. وأما إذا كان يصيده لهواً ويأكله أو يهديه؛ فإن ذلك يجوز. قال: [وهو أفضل مأكول] أي: لأنه من الحلال الذي لا شبهة فيه.

стр. 620

تذكية الصيد قال: [فمن أدرك صيداً مجروحاً متحركاً فوق حركة مذبوح واتسع الوقت لتذكيته لم يُبح إلا بها]. وهذه من المسائل التي يجهلها كثير ممن يشتغل بالصيد، يعني أن الصيد إذا أمسكته وهو يتحرك حركة المذبوح فلا يحتاج إلى ذبح، لكن إذا أدركته وفيه حياة فلا بد أن تذبحه لأنه أصبح مقدوراً عليه، بعض الناس يدركه وفيه حياة مستقرة فيتركه حتى يموت! هذا لا يحل، ولذا قال: (فمن أدرك صيداً مجروحاً متحركاً فوق حركة مذبوح واتسع الوقت لتذكيته لم يُبح إلا بها؛ لأنه مقدور على ذبحه). قال: [وإن لم يتسع بل مات في الحال حل] أي: لما أمسكه مات فلم يتسع الوقت لذبحه فإنه يحل.

стр. 621

شروط الصيد

стр. 622

الشرط الأول أهلية الصائد للذكاة قال: [بأربعة شروط] هذه شروط الصيد [أحدها: كون الصائد أهلاً للذكاة حال إرسال الآلة] أي: كالذكاة. وعلى ذلك يحل صيد الكتابي، أما صيد الوثني فلا يحل، وصيد الطفل غير المميِّز لا يحل، لأن بعض الأطفال يصيدون العصافير وهم غير مميزين كابن أربع أو ابن ثلاث سنين، فلا يحل؛ لأنه لابد أن يكون له قصد. فلا بد أن يكون الذي أرسل الآلة ممن تحل تذكيته. قال: [ومن رمى صيداً فأثبته ثم رماه ثانياً فقتله لم يحل] وذلك لأنه صار مقدوراً عليه بعد الرمية الأولى، رماه مثلاً بقدمه فوقع وأصبح مقدوراً عليه، ثم رماه ثانياً فقتله، لم يحل.

стр. 623

الشرط الثاني الآلة قال: [الثاني: الآلة وهي نوعان] أي أن الشرط الثاني: الآلة، [وهي نوعان: الأول: ما له حد يجرح به كسيف وسكين وسهم]. أما الحجر لو رمى بها فقتلت بثقلها فلا يحل الصيد، ولا بد أن تكون الآلة تجرح، ولذا قال النبي ﵊ في حديث عدي لما سأله عن صيد المعراض؟ قال: (إن رميت بحده فكل، وإن رميت بعرضه فلا تأكل)؛ لأنه إذا رماه بعرضه فقد قتل بثقله، مثل الرمح ترسله، فإن أصاب بحده حل الصيد، وإن أصاب بعرضه فإنه لا يحل، والحديث رواه البخاري. قال: [الثاني: جارحة معلمة ككلب غير أسود]، أما الكلب الأسود فشيطان كما في صحيح مسلم، فلا يحل أن يُتخذ للصيد؛ ولأنه لا يجوز اقتناؤه كذلك، فهو شيطان فلا يحل الصيد به. قال الله جل وعلا: ﴿مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ﴾ [المائدة:٤] مكلبين: يعني مؤدبين، فأنتم تؤدبون هذه الكلاب وتعلمونها حتى تصيد، لكن يستثنى من ذلك الكلب الأسود. قال: [وفهد، وباز، صقر، وعقاب، وشاهين]. يعني: سواء كان من الطيور أم من السباع التي تُعلم الصيد. قال: [فتعليم الكلب والفهد بثلاثة أمور: بأن يسترسل إذا أُرسل]. يعني: إذا أُرسل فإنه ينطلق هذا تعليمه. قال: [وينزجر إذا زُجر]. أي: إذا زجروه فمنعوه فإنه ينزجر ويمتنع. وكذلك فإن المُعلَّم إذا صوِّت له للزيادة زاد. قال: [وإذا أمسك لم يأكل]: ولذا جاء في حديث عدي (فإن أكل فلا تأكل) يعني إن أكل الكلب فلا تأكل (فإني أخاف أن يكون إنما أمسك لنفسه)، والله جل وعلا يقول: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة:٤]. قال: [وتعليم الطير بأمرين] إذاً الكلب يتعلم بثلاثة أمور، وأما الطير فبأمرين: [بأن يسترسل إذا أُرسل ويرجع إذا دُعي]، أي: أما إذا أكل فلا يضر؛ لأنه لا يمكن ضرب الطير كما يمكن ضرب السبع. إذاً الكلب يكون تعليمه بثلاث: يسترسل إذا أُرسل، وينزجر إذا زُجر، ولا يأكل لنفسه، ويُرجع في مثل هذا إلى أهل الخبرة، فأهل الخبرة في باب التعليم يُرجع إليهم في هذا. والطير بأمرين: يسترسل إذا أُرسل، وينزجر إذا زُجر، ولا يُشترط أن لا يأكل لنفسه؛ لأن الطير لا يمكن أن يُضرب كما يُضرب الكلب. قال: [ويشترط أن يجرح الصيد، فلو قتله بصدم أو خنق لم يُبح]. للحديث المتقدم في حديث عدي ﵁، فالكلب لو أنه لم يجرحه لكنه أخذ يطارحه حتى مات بخنق أو ثقل أو نحوه فإنه لا يحل.

стр. 624

الشرط الثالث قصد الفعل قال: [الثالث: قصد الفعل: وهو أن يُرسل الآلة لقصد الصيد] كما تقدم في الذكاة، فلا بد من القصد، فلو أنه أرسل كلبه لا لصيد وإنما لتعليم فصاد له فإنه لا يحل؛ لأنه لم يقصد الصيد. قال: [فلو سمى وأرسلها لا لقصد الصيد، أو لقصده ولم يره] يعني: يريد الصيد ولكنه لا يرى صيداً، [أو استرسل الجارح بنفسه فقتل صيداً لم يحل]؛ لأن النبي ﵊ قال: (إذا أرسلت كلبك المعلَّم وذكرت اسم الله عليه فكل) فلا بد إذاً من القصد ليذكر اسم الله.

стр. 625

الشرط الرابع البسملة قال: [الرابع: قول: باسم الله عند إرسال جارحة أو رمي سلاحه]؛ للحديث المتقدم: (إذا أرسلت كلبك وذكرت اسم الله) فلا بد إذاً أن يقول: باسم الله. قال: [ولا تسقط هنا سهواً]. هذا هو المذهب، قال الحنابلة: إن التسمية لا تسقط هنا سهواً، أما في الذبيحة فتسقط سهواً، قالوا: لأن الصيد على خلاف الأصل، فالصيد يكون بجرحه في أي موضع كان، وأما الذبح فإنه يكون من الحلقوم والمريء، فلما كان الصيد بخلاف الأصل لم يُعف فيه عن النسيان. والقول الثاني في المسألة وهو رواية عن أحمد، وهو مذهب المالكية والأحناف، وهو الصواب: أن الصيد كالذكاة يُعفى فيه عن النسيان؛ لعموم الحديث: (إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه). ولأن التسامح في الصيد أكثر من الذبيحة، ولذا فإنه يجوز أن يكون الجرح في أي موضع كان، فالتسامح فيه أكثر، ولذا فإن الراجح وهو اختيار الشيخ عبد الرحمن بن سعدي أيضاً: أن التسمية تسقط بالنسيان.

стр. 626

حكم ما صيد فوقع في ماء ونحوه قال: [وما رُمي من صيد فوقع في ماء أو تردى من علو أو وطئ عليه شيء وكل من ذلك يقتل مثله لم يحل] لما تقدم في حديث عدي ﵁. قال: [ومثله لو رماه بمحدد فيه سم] أي: لأنه لا يدري هل الذي قتله السهم أم السم، ولذا فإنه لا يحل إذا وضع سماً في السهم فلا يُدرى لعل السم هو الذي قتله. قال: [وإن رماه بالهواء أو على شجرة أو حائط فسقط ميتاً حل]. أي: لأنه لا يمكن إلا هذا، إذا كان في الهواء فرماه بسهم فوقع فلا نقول: قد يكون التردي من السماء هو الذي قتله؛ لأنه لا يُمكن إلا هذا، إذ لو كان ذلك لا يحل لأدى إلى ألا يحل طير أبداً. ونقف عند هذا القدر والله أعلم. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله، وصحبه.

стр. 627

دليل الطالب_كتاب الأيمان [١] الحلف بالله يحتاج إليه المكلف لتأكيد ما يقوله أو يدعيه، فإذا حنث في اليمين المنعقدة وجبت الكفارة المذكورة في كتاب الله، واليمين منها لغو ومنها غموس ومنها منعقدة، ولكل منها أحكام تتعلق بها بينها الفقهاء في كتبهم.

стр. 628

ما تنعقد به اليمين قال المؤلف رحمه الله تعالى: [كتاب الأيمان]. الأيمان: جمع يمين، وهي الحلف والقسم. واليمين: هي تأكيد الأمر المحلوف عليه بذكر معظّم، يقول: والله لا أزور فلاناً في داره، فالأمر المحلوف عليه هو ترك زيارة فلان في داره، فيؤكد هذا بمعظّم وهو الله ، قال الله جل وعلا: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ [المائدة:٨٩] الآية. قال: [لا تنعقد اليمين إلا بالله تعالى، أو اسم من أسمائه، أو صفة من صفاته كعزة الله وقدرته وأمانته] أي: كأن يقول: وقدرة الله، وعزة الله. قال: [وإن قال: يميناً بالله أو قسماً أو شهادة انعقدت] أي: فإن ذلك كله قسم ويمين. كذلك لو قال: حلفت بالله، أو أحلف بالله فإن ذلك كله من القسم. وإن قال: حلفت ونوى اليمين بالله فيمين أيضاً، أي: إذا قال: حلفت ألا تفعل كذا، أقسمت ألا تفعل كذا ونوى القسم بالله أو الحلف بالله فيمين أيضاً. [وتنعقد بالقرآن]؛ لأن القرآن كلامه جل وعلا، فلو قال: والقرآن، أو والفاتحة فإن ذلك يمين، [وبالمصحف] فلو قال: والمصحف فكذلك؛ لأن المصحف كلام الله جل وعلا، [وبالتوراة، ونحوها من الكتب المنزّلة]؛ لأن التوراة كذلك كلام الله جل وعلا، ويكون مراده التوراة المنزّلة لا ما دخل فيها من تحريف]. إذاً: الحلف بالله أو بصفة من صفاته أو بالقرآن ذلك كله يمين فيها الكفارة. قال: [ومن حلف بمخلوق كالأولياء والأنبياء ﵈] كالذي يقول والنبي [أو بالكعبة أو نحوها حرم]؛ لأن النبي ﵊ قال: (إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، من حلف فليحلف بالله أو ليصمت) متفق عليه، وفي الترمذي: (من حلف بغير الله فقد أشرك أو كفر). وفي الصحيحين (من حلف باللات والعزى فليقل: لا إله إلا الله). وفي أبي داود (من حلف بالأمانة فليس منا). هذا يدل على أن الحلف بغير الله شرك لا يجوز، وهو من الشرك الأصغر الذي لا ينقل عن الملة إلا أن يعظم المحلوف به كتعظيمه لله، كالذين يحلفون بـ الحسين، أو بالشيخ، أو بالسيد، ونحو ذلك يعظّمونه بالحلف، ويعظّمونه بأنواع من القرب والعبادات. قال: [ولا كفارة] يعني: لا كفارة في ذلك. فالذي يحلف بالكعبة أو يحلف بالنبي ﵊ يأثم ولو حنِث لم يكفّر؛ لأنها يمين غير محترمة، وإنما شُرعت الكفارة لرفع المؤاخذة، والمؤاخذة إنما تكون عن اليمين المحترمة لا اليمين المحرمة التي لا احترام لها، قال جل وعلا: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ﴾ [المائدة:٨٩] فدل ذلك على أن الكفارة شُرعت لرفع المؤاخذة، وهذا إنما يكون في اليمين التي لها احترام دون اليمين التي لا حرمة لها، وهي اليمين بغير الله جل وعلا.

стр. 629

شروط وجوب الكفارة

стр. 630

أن يكون الحالف مكلفاً مختاراً قال: [فصل: وشروط وجوب الكفارة خمسة أشياء: أحدها: كون الحالف مكلفاً]. أن يكون الحالف مكلفاً؛ لأن غير المكلف قد رُفع عنه القلم فلا مؤاخذة، والله جل وعلا يقول: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ﴾ [المائدة:٨٩]، والصبي الذي لم يبلغ وإن كان مميزاً لا يؤاخذ، ففي الحديث: (رُفع القلم عن ثلاثة وذكر منهم: الصبي حتى يبلغ)، وهذا هو المشهور في المذهب لأن قلم التكليف مرفوع عنه. وكذلك المجنون، وكذلك السكران، وكذلك الطفل غير المميز فهؤلاء كلهم لا كفارة في أيمانهم. [الثاني: كونه مختاراً]. يعني: لا مُكرهاً؛ لقول النبي ﵊: (إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه)، فإذا كان مُكرهاً فلا كفارة عليه.

стр. 631

أن يكون الحالف قاصداً لليمين [الثالث: كونه قاصداً لليمين فلا تنعقد ممن سبق على لسانه بلا قصد كقوله: لا والله، وبلى والله في عرض حديثه]. أي: لقوله جل وعلا: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ [المائدة:٨٩]، قالت عائشة كما في البخاري: هو قول الرجل: لا والله، وبلا والله. وبعض الناس يقول: والله إلا تتفضل، والله إلا تجلس! يجري ذكر الله على لسانه باليمين من غير قصد، فإذا سألته: هل تقصد اليمين؟ قال: أنا لا أقصد اليمين، فهذه لغو يمين. وأصح القولين أيضاً وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية والشيخ محمد بن إبراهيم: أن اليمين التي قصد صاحبها منها الإكرام كذلك؛ لأن يمينه على كل حال برة لا يدخلها حنث، فإذا قال رجل لآخر: والله لتجلسن هنا وقام له من مجلسه ليجلس فيه إكراماً له، فهذا لو لم يجلس هذا لا يُعد حانثاً؛ لأنه إنما أراد أن يُظهر كرامته بهذه اليمين، بل إن بعض أهل البادية يرى أنه إذا لم يحلف فإنه قد تنقّصه ولم يعطه حقه من الإكرام، فهذه اليمين يمين برة لا كفارة فيها لأنه لا يطرأ عليها الحِنث. ولذا فإن النبي ﵊ لما أمر أبا بكر أن يصلي بالناس وأشار إليه تأخر أبو بكر ﵁ ولم يمتثل أمره ﵊؛ لأنه علم أن مقصود النبي ﵊ إكرام أبي بكر وقد حصل الإكرام بأمره له أن يمكث. ومن هذا النوع أن بعض الناس يقول: والله لتخرجن قبلي من الباب! يريد إكرامه، أو نحو ذلك من الأيمان التي يُراد منها الإكرام فقط.

стр. 632

أن تكون اليمين على أمر مستقبل قال: [الرابع: كونه على أمر مستقبل لا على أمر ماض]. لأن الأمر الماضي لا يدخله الحِنث بل إما الصدق أو الكذب. فإذا قال: والله لا أزور فلاناً غداً، فهذا مستقبل، وكذا لو قال: والله لا أدخل دار فلان، أو قال: والله لأسافرن غداً إلى مكة، وهنا ننظر: فإن ترك ما حلف على فعله أو فعل ما حلف على تركه فقد حنث، فعليه الكفارة. أما الأمر الماضي فلا كفارة في كل حال؛ لكنه إن كان صادقاً فلا إثم عليه، وإن كان كاذباً فهي اليمين الغموس التي تغمس صاحبها في الإثم ثم في النار. وقد ذكر النبي ﵊ الكبائر كما في البخاري من حديث عبد الله بن عمرو وذكر منها اليمين الغموس فسأله ابن عمرو عنها؟ فقال ﵊: (هي اليمين التي يقتطع بها مال امرئ مسلم هو فيها كاذب). والفقهاء أطلقوا ورأوا أن كل يمين كاذبة يعلم صاحبها أنه كاذب فيها فهي يمين غموس؛ لأنها يمين فاجرة، لكن الصنعاني ﵀ يرى أن اليمين الغموس هي اليمين التي يقتطع بها مال المسلم هو فيها كاذب دون غيرها، والصحيح ما عليه الجمهور؛ وذلك لأنها يمين فاجرة، لأنه حلف بالله وهو يعلم كذب نفسه، وأقبحها اليمين التي يقتطع بها مال أخيه المسلم وهو فيها كاذب. إذاً: اليمين التي فيها الكفارة هي اليمين التي تكون على أمر مستقبل لا على أمر ماض، ولذا قال: [فلا كفارة على ماض بل إن تعمد الكذب فحرام]؛ أي: لأنها اليمين الغموس، [وإلا فلا شيء عليه]، يعني: إذا لم يتعمد الكذب وظن صدق نفسه. بعض الناس يقول: والله لقد حصل كذا وكذا قبل سنة! وهو إنما حصل قبل سنين لكنه يظن صدق نفسه، أو يقول: والله إن الذي أقبل هو فلان! فيتبين أنه شخص آخر وكان يظن صدق نفسه؛ فهذه يمين لا يلحقه فيها إثم؛ لأنه يظن صدق نفسه، أما التي يعلم كذب نفسه فيها فهي اليمين الغموس كما تقدم.

стр. 633

حنث الحالف بمخالفة ما حلف عليه قال: [الخامس: الحِنث]. والحنث: هو أن يفعل ما حلف على تركه، أو يترك ما حلف على فعله، ولذا قال المؤلف هنا: [الحنث بفعل ما حلف على تركه أو ترك ما حلف على فعله]، كأن يقول: والله لا أزور فلاناً فيزوره، أو يقول: والله لأسافرن غداً ولا يسافر. قال: [فإن كان عيّن وقتاً تعيّن]. أي: لو قال: والله لأسافرن غداً إلى مكة فسافر بعد غد فإنه يحنث؛ لأنه عيّن وقتاً، وعليه الكفارة. وأما إذا لم يُعيّن وقتاً كأن قال: والله لأسافرن إلى مكة ولم يُعيّن وقتاً فقال المؤلف: [وإلا لم يحنث] فلا يكون عليه الكفارة، [حتى ييأس من فعله بتلف المحلوف عليه] أي: كما لو قال: والله لأضربن زيداً فمات زيد قبل أن يضربه! فهو هنا لم يُعيّن وقتاً، فإذا يئس بموت المحلوف عليه [أو موت الحالف] نفسه قبل أن يفعل، فقد حنث فعليه الكفارة.

стр. 634

حكم الاستثناء في اليمين قال: [ومن حلف بالله لا يفعل كذا، أو ليفعلن كذا إن شاء الله، أو إن أراد الله، أو إلا أن يشاء الله]. هذه هي اليمين يقيّدها الحالف بتعليق الأمر بالمشيئة فيقول: والله لأزورن فلاناً غداً إن شاء الله، أو قال: والله لأسافرن إلى مكة بعد أسبوع إن شاء الله، أو إن أراد الله، أو إلا أن يشاء الله فلا يحنث؛ لما روى الخمسة أن النبي ﵊ قال: (من حلف على يمين فقال إن شاء الله لم يحنث)، وعلى ذلك لا كفارة عليه. قال المؤلف: [واتصل لفظاً أو حكماً به] أي: بشرط أن يتصل لفظاً أو حكماً فاتصالها لفظاً بأن يقول: والله لأزوراً فلاناً غداً إن شاء الله! بلا فاصل. واتصالها حكماً: بأن يكون هناك فاصل لا يقطع في العرف، كأن يعطس أو يسعل ثم يقول: إن شاء الله. إذاً إذا قال العبد: والله لأزوراً فلاناً غداً إن شاء الله، واتصل قول (إن شاء الله) بكلامه لفظاً أو حكماً، ثم إنه لم يزره، فلا كفارة عليه للحديث المتقدم، ولذا قال: [لم يحنث فعل أو ترك]. ثم قال: [بشرط أن يقصد الاستثناء قبل تمام المستثنى منه]. يعني: بشرط أن ينوي الاستثناء قبل أن يتم كلامه في المستثنى منه، يقول: والله لأزورن فلاناً غداً، فقبل أن تنتهي هذه الجملة يعقد في قلبه أن يقول إثرها: إن شاء الله. لكن لو قال: والله لأزورن فلاناً غداً، ثم بدا له أن يقول: إن شاء الله فقال: إن شاء الله، أو قال له رجل: قل إن شاء الله، فقال: إن شاء الله، فالحكم كما قالوا: إن قوله (إن شاء الله) هنا لا يؤثر، وعلى ذلك فإذا حنث فعليه الكفارة. إذاً: لا بد أن يكون قد نوى الاستثناء أثناء جملة المستثنى منه، فلا تتم هذه الجملة إلا وقد نوى الاستثناء. وقال المالكية وهو -كما قال شيخ الإسلام - قول أحمد ومتقدمي أصحابه لكنه خلاف المشهور في المذهب، واختاره ﵀: إن هذا الاستثناء يصح ولو لم ينوه حال كلامه السابق الذي هو المستثنى منه، واستدلوا بما جاء في البخاري في قصة يمين سليمان ﵊، وفيه أن الملك قال له: قل إن شاء الله، فلم يقل، قال النبي ﵊: (أما إنه لو استثنى لم يحنث) قالوا: فدل ذلك على أنه إذا قالها متصلة بكلامه ولو لم ينوها أثناء كلامه السابق فإنها تؤثر، وهو ظاهر قول النبي ﵊: (من حلف على يمين فقال إن شاء الله)، وما ذكروه قيد لم يقيد به الحديث. وعلى ذلك فالصحيح ما اختاره شيخ الإسلام وهو مذهب المالكية، وذكر شيخ الإسلام أنه قول أحمد ومتقدمي أصحابه.

стр. 635

ما يأخذ حكم اليمين من الألفاظ
следующие страницы →