← Джавами‘

Джавами‘ · id 37793

دروس الشيخ حمد الحمد

حمد الحمد

Полный текст (802 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

ثواب نذر المشارطة في الطاعة السؤال النذر المشروط إن كان في طاعة، هل يثاب على فعل هذه الطاعة؟ الجواب يثاب على وفائه بالنذر؛ لأن الله جل وعلا أثنى على الموفين بالنذر، والله جل وعلا إنما يُثنى على فعل مستحب أو واجب، والوفاء بالنذر واجب فيثاب عليه، فالثواب على الوفاء بالنذر لا على إيقاعه.

стр. 667

حكم من حرم الطعام على نفسه ثم أكل منه السؤال إذا قلت: هذا الطعام يحرم عليَّ ثم أكلت، فهل تجب فيه كفارة؟ الجواب نعم، فيه كفارة يمين.

стр. 668

من لم يوف بالنذر فهو آثم السؤال ماذا علي إذا نذرت نذراً ولم أوفه؟ الجواب إذا نذرت نذراً ولم توفه أثمت؛ لأن النبي ﷺ يقول: (من نذر أن يطيع الله فليطعه) فيجب الوفاء بالنذر.

стр. 669

حكم النذر بالنية دون النطق السؤال إذا نذرت شيئاً في نفسي ولم أنطق به، فهل يلزمني؟ الجواب ما دام أن الأمر في النفس فقط فإنه لا يلزم النذر فالنذر لا يلزم إلا في النطق.

стр. 670

حكم الحلف بالطلاق السؤال قال رجل لامرأته وقد أراد أن يمتنع عن شرب الدخان: إن عدت إلى شرب الدخان فأنتِ طالق، فهل هذا من قبل اليمين أم النذر أم الطلاق؟ الجواب هذا من الحلف بالطلاق وليس نذراً، وهذا له حكم اليمين عند شيخ الإسلام وطائفة إذا كان لا يريد إيقاع الطلاق وإنما يريد منع نفسه.

стр. 671

حكم مجاهرة الحائض بالإفطار في رمضان السؤال هل للبنت الحائض في نهار رمضان أن تُفطر أمام أهل بيتها وتعلّمهم ذلك؟ الجواب لا بأس ولا حرج في هذا.

стр. 672

الفرق بين نذر اللجاج ونذر التبرر السؤال ما الفرق بين نذر اللجاج ونذر التبرر؟ الجواب نذر التبرر على ما تقدم من الراجح أنه يريد صاحبه أن يتقرب إلى الله جل وعلا، يقع في نفسه أن يفعل صالحاً ويريد أن يلزم نفسه به فيقول مثلاً: لله عليّ أن أحج كل سنة، أو أحجج من مالي في كل سنة فقد وقع في نفسه فضل الحج فأراد أن يُلزم نفسه بذلك، هذا يسمى نذر التبرر والتقرب، وهذا الذي قلنا إنه مستحب، وفيه قول الله جل وعلا: ﴿وَمَا أَنفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ [البقرة:٢٧٠] يعني: فيجازيكم عليه. أما النوع الثاني فهو اللجاج والغضب، وهو أن يريد أن يمنع نفسه من شيء، أو يحث على شيء، أو يؤكد خبراً، أو يكذّب خبراً، فهذا كاليمين تماماً فيه كفارة يمين.

стр. 673

حكم قطع تتابع الصوم بالحيض السؤال المرأة إذا نذرت صيام شهر ثم حاضت أفطرت وعليها كفارة لعدم التتابع، فهل تُحاسب على الحيض وهو ليس في يدها؟ الجواب المرأة إذا كانت تعلم أنها تحيض في كل شهر مرة، بأن كانت معتادة على الحيض في كل شهر، فإن نذرها هذا يدل على أنها أرادت أن تُفطر أيام حيضها، فهذه تُفطر أيام الحيض، فإذا انتهت أيام الحيض أكملت حتى تنتهي من الشهر كله ثلاثين يوماً، ولا شيء عليها.

стр. 674

الفرق بين النذر والحلف السؤال ما الفرق بين النذر والحلف؟ الجواب النذر منه ما يكون بمعنى الحلف كنذر اللجاج والغضب، ومنه نذر يُلزم الإنسان نفسه به ويوجب على نفسه ما لم يوجب الله جل وعلا عليه. فالفرق واضح بين اليمين وبين النذر، والله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.

стр. 675

دليل الطالب_كتاب القضاء [١] الحاجة إلى القضاء وفصل الخصومات من الأمور الضرورية للمجتمع، والفقهاء يفردون أبواباً من كتب الفقه يبينون فيها مهمات القضاء وآدابه والصفات المشترطة في القاضي وآدابه، وما يجب عليه تجاه الخصمين، ومتى يكره له القضاء بين المتنازعين ومتى يحرم.

стр. 676

تولية القضاء

стр. 677

تعريف القضاء وحكمه قال المؤلف رحمه الله تعالى: [كتاب القضاء]. القضاء في اللغة: الفصل والحكم. وفي الاصطلاح: هو تبيين الحكم الشرعي والإلزام به وفصل الخصومات. قوله: (تبيين الحكم الشرعي)، هذا القيد يجمع مع القاضي المفتي فإن المفتي كذلك يبين الحكم الشرعي. (والإلزام به)، هذا يختص بالقاضي، فإن المفتي يبين الحكم الشرعي لكنه لا يلزم به، قد يفتي بأن امرأته تطلق بالثلاث وتبين منه لكنه لا يلزم بذلك، فقد يذهب هذا المستفتي إلى غيره فيفتيه بغير ذلك. وعلى ذلك فالقاضي يُلزم، وأما المفتي فإنه يبيّن فقط. قال: [وهو فرض كفاية]. هذا من فروض الكفاية، فيجب على الأمة أن يكون فيها قضاة يحكمون بالشرع في أمصارها وأقاليمها، ويكونون على جهة الكفاية. فإن كان في البلد عالم لا يصلح سواه للقضاء فإنه يتعين عليه ذلك. إذاً: القضاء من فروض الكفاية؛ لكن إن كان لا يوجد في البلد سواه يصلح للقضاء فإنه يتعين عليه. لكن بالنسبة للفرد الذي تتوفر فيه صفات القاضي ويوجد غيره يتولى القضاء، هل يستحب له أن يتولى القضاء أو لا يستحب له؟ قولان لأهل العلم: القول الأول: أنه لا يستحب؛ قالوا: لما جاء عند الأربعة أن النبي ﵊ قال: (من ولي القضاء فقد ذُبح بغير سكين). وروى الخمسة أن النبي ﷺ قال: (القضاة ثلاثة: اثنان في النار وواحد في الجنة: رجل عرف الحق فقضى به فهو في الجنة، ورجل عرف الحق وجار في الحكم فهو في النار، ورجل لم يعرف الحق وقضى للناس على جهل فهو في النار). والقول الثاني: أنه يستحب له أن يتولى القضاء، واستدلوا بأن النبي ﵊ قد تولى القضاء، وأن الخلفاء الأربعة كذلك قد تولوا القضاء. قالوا: وإنما يُحمل ما تقدم من قوله ﵊: (من تولى القضاء فقد ذُبح بغير سكين) على ما يُخشى على القاضي من طلب الرياسة والمال وما يحوطه مما يُخشى عليه من المفاسد، فإن قوي على نفسه فهو مستحب، وهذا هو الراجح. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: والواجب في ولاية القضاء اتخاذها ديناً وقربة، وإنما فسد حال الأكثر لطلب الرياسة والمال فيها.

стр. 678

وجوب تنصيب القضاة على الإمام قال: [وهو فرض كفاية فيجب على الإمام أن ينصب بكل إقليم قاضياً، وأن يختار لذلك أفضل من يجد علماً وورعاً]؛ لأن الإمام هو الناظر للمسلمين، فيجب أن يختار لذلك أفضل من يجد علماً وورعاً. [ويأمره بالتقوى وتحري العدل]، فقد جاء في الصحيحين أن النبي ﵊ قال: (إذا اجتهد القاضي فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر واحد). وقال ﵊: (إنما أقضي له بنحو ما أسمع) وهو في الصحيحين. قال: [وتصح ولاية القضاء والإمارة منجزة]، كوليتك الآن، [ومعلقة]، يقول: وليتك قضاء الإقليم بعد فلان، فهذه معلقة كالإمرة، كما أن النبي ﵊ قال: (أميركم زيد فإن قُتل فـ جعفر) كما في الصحيحين. [وشرط لصحة التولية كونها من إمام أو نائبه فيه]. أي: فالذي يولي القضاة هو الإمام، يعني بالإمام ولي الأمر، أو من ينوب عنه في أمر القضاء وهو رئيس القضاء الأعلى الذي يتولى تعيين القضاة، فهذا ينوب عن الإمام. قال: [وأن يُعيّن له ما يوليه فيه الحكم من عمل] يعني الذي يجمع بلاداً كثيرة كمصر مثلاً أو العراق أو الحجاز فيقول: أنت القاضي في هذا العمل، [وبلد]، كمكة والمدينة، يعني يعين له المكان الذي يتولى فيه القضاء، قد يكون هذا المكان تدخل فيه قرى وتدخل فيه مدن كثيرة، وقد يكون دون ذلك.

стр. 679

ألفاظ تولية القضاء قال: [وألفاظ التولية الصريحة سبعة: وليتك الحكم، أو قلدتك هو، وفوضت، أو ردِّدت، أو رددت، أو جعلت إليك الحكم] يعني فوضّت إليك الحكم بالقضاء، [أو استخلفتك، أو استنبتك في الحكم، والكناية نحو: اعتمدت، أو عوّلت عليك، أو وكلتك، أو أسندت إليك]، وهذه الكناية [لا تنعقد بها إلا بقرينه] يعني: لا تنعقد بها الولاية إلا بقرينة [نحو: فاحكم]، يعني أن يقول: اعتمدت عليك فاحكم، أو عوّلت عليك فاحكم، [أو فتولى ما عوّلت عليك فيه]. هذه الألفاظ التي ذكرها المؤلف وغيرها من الألفاظ التي تدل على الولاية إما أن تكون صريحة وإما أن تكون كناية، فإن كانت كناية فلا بد فيها من قرينة، وإن لم تكن كناية كانت صريحة فلا تحتاج إلى قرينة. قال: [فصل]. هذا الفصل فيما تفيده ولاية الحكم، يعني ما هي الأعمال التي يقوم بها القاضي، وما الذي يدخل في ولايته؟ قال: [وتفيد ولاية الحكم العامة فصل الخصومات، وأخذ الحق، ودفعه للمستحق، والنظر في مال اليتيم، والمجنون والسفيه، والغائب، والحجر لسفه وفلس، والنظر في الأوقاف لتجري على شروطها، وتزويج من لا ولي لها]. إذاً: هذا ما تفيده ولاية القضاء عندما يولى القاضي يكون هو الذي ينظر في الأوقاف، وهو الذي يزوج من لا ولي لها؛ لأن النبي ﷺ قال: (فإذا اشتجروا فالسلطان ولي من لا ولي لها)، كذلك النظر في أموال اليتامى وأموال المجانين والسفهاء. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: وهذا ليس له حد في الشرع وإنما يرجع فيه إلى الألفاظ والعرف. فالعرف يختلف من بلد إلى بلد، ففي بعض البلاد تكون الأوقاف خارجة عن ولاية القاضي، ويكون هناك على الأوقاف من ينوب عن القاضي. كذلك فيما يتعلق أيضاً بالنظر على أموال اليتامى في بعض البلاد هناك جهة مختصة خارجة عن القضاء تنظر في تنمية أموالهم وحفظها، مما يدل على أنه ليس لهذا حد شرعي، إنما يُرجع فيه إلى العرف وإلى الألفاظ، أعني إلى عُرف البلد والألفاظ التي تلفّظ بها من ولّاه، سواء كان ولي الأمر أو القائم بأمر القضاء نائباً عن ولي الأمر. قال: [ولا يستفيد الاحتساب على الباعة، ولا إلزامهم بالشرع]. يعني: لا يفيد ذلك أن يتولى هو متابعة القائمين على أمر الباعة في السوق في البيع وفي الشراء ونحو ذلك، فهذا لا تفيده ولاية الحكم، وهذا كما تقدم يرجع فيه إلى العُرف وإلى الألفاظ، ففي بعض البلاد قد يكون أمر الحسبة كذلك إلى القاضي، وكذلك متابعة أهل السوق. إذاً: ليس لهذا حد شرعي كما قال شيخ الإسلام وإنما يُرجع فيه إلى العُرف وإلى الألفاظ. قال: [ولا ينفذ حكمه في غير محل عمله]. وهذا واضح؛ لأنه إنما ولّي القضاء في هذا العمل أو في هذه البلدة، فلا يحكم في موضع آخر، وإن حكم في موضع آخر فإن حكمه لا ينفذ إلا أن ينفذه القاضي في تلك البلد كما يأتي شرحه إن شاء الله.

стр. 680

حكم المحكم بين خصمين وقوله هنا: (ولا ينفذ حكمه في غير محل عمله) هو كما تقدم؛ لكن إن تراضى أي الخصمان على رجل يصلح للقضاء فإن حكمه يصح ويلزم الخصمان العمل به، وإذا رُفع الأمر إلى القاضي وجب على القاضي أن ينفّذه؛ لأن الله جل وعلا يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة:١]، وهذا هو قول أكثر الفقهاء. وقد جاء في سنن أبي داود في حديث أبي شريح وكان يكنى بـ أبي الحكم فسأله النبي ﵊ عن ذلك؟ فقال: (إن قومي إذا اختلفوا أتوا إليّ فحكمت بينهم فرضي كلا الطرفين، فقال النبي ﵊: ما أحسن هذا). إذاً: مذهب أكثر العلماء أن الخصمين إذا أتيا إلى رجل من أهل العلم الذين تتوفر فيهم شروط القاضي وقالوا: نحن نرضى بحكمك، وتعاقدا على ذلك، فحكم بينهما فيجب عليهما الأخذ بحكمه. وإنما يجوز لهما الرجوع قبل شروعه في الحكم، فإذا شرع في الحكم وجب عليهما أن يأخذا بحكمه، وإذا رفع قضاءه إلى قاضي البلد وجب على قاضي البلد أن ينفّذه. مثلاً: هناك قبيلة في بلد أو دولة لا تحكم بالشرع، فيختارون عالماً يصلح للقضاء ويترافعون إليه ويحكم بينهم، فهنا يجب على قاضي البلد أن ينفذ هذا الحكم؛ لأنهما تراضيا عليه، والله جل وعلا يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة:١].

стр. 681

شروط القاضي

стр. 682

التكليف والذكورة والحرية والعدالة قال: [فصل: ويُشترط في القاضي عشر خصال]. هذه شروط القاضي: [كونه بالغاً عاقلاً] يعني أن يكون مكلفاً؛ لأن غير المكلف تحت ولاية غيره فلم يصح أن يكون والياً على غيره. إذاً: الصبي لا يصلح للقضاء، والمجنون لا يصلح للقضاء. قال: [ذكراً]، لا امرأة؛ لأن النبي ﵊ قال: (لا يُفلح قوم ولوا أمرهم امرأة) رواه البخاري، ولا شك أن القضاء أمر فلا يصح أن تولّى المرأة القضاء. وأجازه الأحناف في الأموال دون الحدود ونحوها. والذي يترجح هو القول الأول لظاهر الحديث، ولأن المرأة تدخل عليها العاطفة، وتغلبها الرحمة، ويدخلها النسيان فليست كالرجل في ذلك. [حراً] لا عبداً؛ لأن العبد مشغول بحق سيده. [مسلماً] اتفاقاً فلا يصلح أن يكون كافراً؛ لأن الله جل وعلا يقول: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء:١٤١]. [عدلاً]، فلا يجوز أن يولى الفاسق؛ لأن الله جل وعلا يقول: ﴿لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة:١٢٤] وهذا عهد فلا يناله الظالم، لكن إن عُدم العدل أو كانت البلد تحتاج إلى قضاة كثر ولا يقدرون على أن يكون هؤلاء القضاة جميعاً عدولاً، فهنا كما هو ظاهر مذهب أحمد فيما قاله شيخ الإسلام: يُختار الأمثل فالأمثل؛ لأن الشروط تُعتبر بحسب الإمكان، فيُختار -كما قال شيخ الإسلام - أنفع الفاسقين وأقلهم شراً، أي: نأخذ الأعدل والأقوم والأنفع والأقل شراً من الفاسقين.

стр. 683

السمع والبصر والكلام قال: [سميعاً] ليسمع كلام الخصمين، [بصيراً] ليعرف المدّعي والمُدّعى عليه، والشاهد، والمُقِر والمُقَر له، [متكلماً] لينطق بالحكم. والصحيح أن هذه الشروط الثلاثة: أن يكون سميعاً، بصيراً، متكلماً من باب الكمال وليست شروط صحة، قال صاحب الإنصاف في الشرطين الأولين: وقيل لا يُشترطان. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في قضاء الأعمى: وقياس المذهب أنه يصح كشهادته؛ لأنه لا يعوزه إلا عين الخصم، وهذا لا يُحتاج إليه. فالصحيح أن الأعمى يصح قضاءه، وكذلك غير السميع؛ لأنه يُكتب له ويقرأ المتكلم، وهناك قول عند الشافعية أنه يصح أن يكون القاضي أخرس، وعلى ذلك فيكتب قضاءه، وعلى ذلك فهي شروط كمال لا شروط صحة، وهذا هو الصحيح.

стр. 684

شرط الاجتهاد في القاضي [مجتهداً]، وهذا بالإجماع كما حكاه ابن حزم ﵀، لكن الأحناف ذهبوا إلى صحة قضاء المقلّد؛ قالوا: لأن المقصود في القضاء هو فصل النزاع. والصحيح أن المقصود في القضاء فصل النزاع بالحق الذي جاء به النبي ﵊؛ لأن الله يقول: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة:٤٩]، وعلى ذلك فليس المقصود هو فصل النزاع فقط كما يكون في الصلح بين المتخاصمين، وإنما المقصود أن يُفصل النزاع بالحق، وعلى ذلك فالصواب أنه لا بد أن يكون مجتهداً؛ لأن الله جل وعلا قال: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة:٤٩]. وقال: ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ [النساء:١٠٥]. وقال ﵊ في القاضي الذي في الجنة قال: (عرف الحق فقضى به)، أي: عرف الحق بالدليل. وقال: (إذا اجتهد الحاكم فأصاب)؛ إذاً لا بد أن يكون مجتهداً؛ هذا هو الصحيح. قال: [ولو في مذهب إمامه للضرورة] يعني ولو كان مجتهداً في مذهب إمامه للضرورة، يعني: إذا عدمنا المجتهد المطلق فإنا نأخذ بمجتهد في مذهب إمامه للضرورة كما تقدم؛ لأن الشروط تُعتبر بحسب الإمكان، فإذا لم نجد مجتهداً فنأخذ مجتهداً في مذهب إمامه؛ لأنا مضطرون إلى ذلك. وكما تقدم فيما هو ظاهر في مذهب أحمد أنه يولى الأمثل فالأمثل؛ لكن قال الحنابلة: إنه يحكم بمذهب إمامه ولو خالف الحق فيما يعتقد، قال الشيخ محمد بن إبراهيم: والصحيح القول الآخر، وأنه لا يحكم بما خالف الحق أبداً؛ لأنه قد يُخالف المذهب في مسائل فالواجب عليه أن لا يخالف الحق الذي يعتقده. وقال الشيخ عبد الرحمن بن سعدي: وهذا ضعيف للغاية، قال: والأدلة تدل على خلافه. إذاً: الصحيح أنه يحكم بالمذهب لكن إذا تبيّن له أن الحق بخلاف ذلك فالواجب عليه أن يحكم بالحق الذي تبيّن له؛ لأن الله جل وعلا يقول: ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ [النساء:١٠٥] وقال: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة:٤٩]. قال شيخ الإسلام: وإذا أُلزم القاضي بأن يقضي بمذهب معين فهذا شرط باطل؛ لأن الله يقول: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة:٤٩]؛ لكن قال ﵀: وإن لم يمكنه أن يقضي بغيره فينبغي له أن يقضي به وقوعاً بأدنى المفسدتين. يعني: إذا أُلزم القاضي بأن يحكم بمذهب معيّن فالواجب أن يحكم بالحق، لكن إذا لم يمكنه ذلك، لأنه إذا حكم بالحق عُزل وولي من لا يصلح، فينبغي له أن يحكم بهذا المذهب؛ لأن هذا من باب الوقوع بأدنى المفسدتين.

стр. 685

نفوذ حكم المحكم قال المؤلف: [فلو حكّم اثنان فأكثر بينهما شخصاً صالحاً للقضاء نفذ حكمه في كل ما ينفذ به حكم من ولاه الإمام أو نائبه]، تقدم شرح هذه المسألة. قال: [ويرفع الخلاف فلا يحل لأحد نقضه حيث أصاب الحق] إذاً: هذا القاضي الذي لم يُعين لكن ترافع إليه اثنان ورضيا بحكمه وحكم بينهما فإن حكمه ينفذ لا يحل لأحد أن ينقضه، هذا إذا أصاب الحق، أما إذا رُفع إلى القاضي وتبيّن أنه خالف نصاً فإن حكمه يُنقض.

стр. 686

آداب القاضي

стр. 687

ما يسن من الصفات في القاضي قال: [فصل] هذا الفصل في الآداب التي ينبغي أن يكون عليها القاضي. قال: [يُسن كون الحاكم قوياً بلا عُنف] لئلا يطمع فيه الظالم، [ليناً بلا ضعف] لئلا يهابه الخصم. صاحب الحق يهاب القاضي إذا كان قوياً لا لين فيه. قال: [حليماً] لئلا يغضب، [متأنياً] يعني: فيه أناة [متفطّناً] يعني متيقظاً لا يُستغفل، [عفيفاً] لئلا يطمع، [بصيراً بأحكام الحكام قبله] أي: يطّلع على أحكام القضاة قبله ليستفيد من قضاءهم.

стр. 688

ما يجب على القاضي من التسوية بين الخصمين قال: [ويجب عليه العدل بين الخصمين في لحظه] يعني في نظره، فلا يُحسن النظر إلى هذا ويسيء النظر إلى الخصم الآخر؛ لأن هذا يكسر قلبه ويجعله لا يدلي بحجته كأخيه. [ولفظه]، كذلك في رد السلام وفي السؤال يعدل بين الخصمين. [ومجلسه] كذلك، فلا يُدني هذا من مجلسه ويُبعد الآخر، بل يستويان في مجلسه [والدخول عليه] بحيث يدخلان جميعاً لا يُقدّم أحدهما على الآخر، فلا يقول: يدخل فلان قبل فلان، بل إما أن يُدخلهما جميعاً وإما أن يسكت ومن تقدّم منهما دخل قبل؛ لكن هو لا يُقدّم أحدهما في الدخول عليه. قال: [إلا المسلم مع الكافر فيُقدّم دخولاً ويُرفع جلوساً]؛ لأن الإسلام يعلو ولا يعلى عليه.

стр. 689

ما يحرم على القاضي من الرشوة والحكم عند الغضب ونحوه قال: [ويحرم عليه أخذ الرشوة]؛ لأن النبي ﷺ لعن الراشي والمرتشي كما في الترمذي، وقال: (هدايا العمال غلول) كما في مسند الإمام أحمد. إذاً: لا يقبل حتى الهدية إلا أن يكون الذي أهداه بينهما تهاد سابق وليس له عنده حكومة. [ولا يسار أحد الخصمين] يعني يكلّمه سراً دون الآخر، [أو يضيفه، أو يقوم له دون الآخر]؛ لأن هذا كما تقدم يكسر قلبه ويضعف حجته. [ويحرم عليه الحكم وهو غضبان كثيراً]؛ لأن النبي ﵊ قال: (لا يحكم أحد بين اثنين وهو غضبان) متفق عليه. قال المؤلف هنا: (كثيراً) يعني الغضب الكثير الذي يُشغل فكره ويجعله لا يتصور المسألة تصوراً تاماً، ويجعل نظره أيضاً في الأدلة قاصراً، أما الغضب اليسير فلا يمنع، ولذا حكم النبي ﷺ وهو غضبان لما قال الرجل: (أن كان ابن عمتك) وذلك في خلاف الأنصاري مع الزبير كما في الصحيحين، فقضى النبي ﷺ للزبير؛ لأن الغضب اليسير الذي لا يُشغل الفكر ولا يمنع من التصور التام والنظر التام لا يمنع من القضاء. قال: [أو حاقن، أو في شدة جوع، أو عطش، أو هم، أو ملل، أو كسل، أو نعاس، أو برد مؤلم، أو حر مزعج]. هذا كله من باب القياس على الغضب. قال: [فإن خالف وحكم] أي: وهو غضبان غضباً شديداً ونحوه؛ [صح إن أصاب الحق]، وإن لم يصب الحق وجب عليه أن ينقضه، ولا يقول: أنا حكمت وانتهى! بل يجب عليه أن ينقض حكمه، ولا يصح بقاء هذا الحكم حيث حكم وهو في غضب شديد. قال: [ويحرم عليه أن يحكم بالجهل، أو وهو متردد، فإن خالف وحكم لم يصح ولو أصاب]. أي: فليس له أن يحكم أصلاً ما دام أنه لا يعرف الحق، أو عنده تردد لا يدري هل هذا هو الحق أو غيره؟ فإن حكم فيجب عليه أن ينقض هذا الحكم، وهذا حكم باطل ولو أصاب الحق؛ لأن طريقه خطأ فكان باطلاً ولو أصاب الحق. قال: [ويوصي الوكلاء والأعوان ببابه بالرفق بالخصوم]. الذين يقفون عند الباب من العسكر وغيرهم يأمرهم بالرفق بالخصوم، [وقلة الطمع]؛ لئلا يضروا بالناس، [ويجتهد أن يكونوا شيوخاً أو كهولاً من أهل الدين والعفة والصيانة]. [ويباح له أن يتخذ كاتباً يكتب الوقائع] يكون عنده كاتب يكتب الوقائع والأقضية، [ويشترط كونه مسلماً مكلفاً عدلاً] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ﴾ [آل عمران:١١٨] فيكون مسلماً ويكون مكلفاً عدلاً، [ويسن كونه حافظاً عالماً] ليعينه على أمره.

стр. 690

طريق الحكم وصفته قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب طريق الحكم وصفته. إذا حضر إلى الحاكم خصمان فله أن يسكت حتى يبتدئا]. دخل عليه خصمان وهو لا يدري هل هذا المدّعي أم هذا؟ فله أن يسكت حتى يبتدئا، [وله أن يقول: أيكما المدّعي، فإذا ادّعى أحدهما اشترط كون الدعوة معلومة] يعني بشيء معلوم، وأن تكون محررة واضحة بيّنة، يقول مثلاً: أنا أدّعي عليه أني أقرضته مثلاً عشرة آلاف ريال أو أعطيته كذا صاعاً من البر، فلا بد أن تكون موضحة، ولا يقول: أقرضته شيئاً، أو أعطيته طعاماً بل يحرر دعواه تكون واضحة بيّنة. قال: [وكونها منفكة عمّا يكذّبها]، فلو قال: أدعي على هذا أنه اقترض مني قبل عشرين سنة كذا والمدعى عليه ابن خمس عشرة سنة! فهذه دعوى قد ارتبط بها ما يُكذّبها، لأن هذا ابن خمس عشرة سنة فكيف تدّعي أنك قد أقرضته قبل عشرين سنة؟ إذاً: إذا كانت هذه الدعوة معلوم كذبها فلا يُنظر إليها. قال: [ثم إن كانت بدين اشترط كونه حالّاً]. إن كانت الدعوى بدين اشترط القاضي كونه حالاً، فلا تصح بمؤجل، أي: ما دام الدين لم يحل فلا ترفع الدعوى حتى يحل؛ لأنك لا تملك المطالبة به قبل ذلك، لكن إن كان يطلب إثباته بورقة يقول: دعواي أن يكتب لي وثيقة بالدين ويقربه فلا مانع من نظر هذه الدعوى، [وإن كانت بعين اشتُرط حضورها لمجلس الحكم لتُعين بالإشارة] فيقال: هذه العين، هذه الساعة، هذا الحلي. [فإن كانت غائبة عن البلد]، أي: إذا كانت هذه العين ليست في البلد، [وصفها كصفات السلم]، يعني: أن يكون الوصف منضبطاً. [فإذا أتم المُدّعي دعواه، فإن أقر خصمه بما ادعاه، أو اعترف بسبب الحق ثم ادعى البراءة لم يُلتفت لقوله، بل يحلف المُدّعي على نفي ما ادعاه]. إذا قال: أنا أقرضته عشرة آلاف، ثم إنه أقر المدعي عليه وقال: إني قد أعطيته، فادّعى البراءة لم يُلتفت لقوله، بل يحلف المُدّعي على نفي ما ادّعاه. يعني: لو ادّعى البراءة فيحلف المُدّعي على نفي ما ادّعى خصمه، [ويلزمه بالحق إلا أن يُقيم بيّنة ببراءته] أي: يأتي ببينة على أنه قد أعطاه حقه. قال: [وإن أنكر الخصم ابتداء] أي: أنكر القرض فقال: إنه لم يُقرضني، [بأن قال لمُدّعٍ قرضاً أو ثمناً: ما أقرضني، أو ما باعني، أو لا يستحق عليّ شيئاً مما ادعاه، أو لا حق له عليّ صح الجواب]؛ لأنه الآن نفى الحق من أصله، أما هناك فقد أقر أنه أقرضه ثم ادّعى أنه قد قضى هذا الدين، فهنا نقول: لا بد من بيّنة على أنه قضى. قال: [فيقول الحاكم للمُدّعي: هل لك بيّنة؟ فإن قال نعم، قال له: إن شئت فأحضرها، فإذا أحضرها وشهدت سمعها وحرُم ترديدها]؛ لأنه إذا رددها فإن هذا يؤدي إلى كتمان الحق، والله أعلم. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.

стр. 691

دليل الطالب_كتاب القضاء [٢] مما يحتاج إليه القاضي أن يعرف أحكام البينة وعدالة الشهود لأنه يقضي بموجب ذلك كثيراً، وكذلك يجب أن يعرف حكم القضاء المستند إلى علم القاضي، وأحكام تزكية الشهود وأثر حكم الحاكم، والحكم باليمين، أو بالنكول عنها وغير ذلك.

стр. 692

أحكام البينة واليمين وعدالة الشهود

стр. 693

عدالة البينة قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فصل: ويُعتبر في البيّنة العدالة ظاهراً وباطناً]. يعني: أن يكون عدلاً لا يظهر عليه فسق، وأن يُعرف من حاله الباطنة العدالة، وليس المقصود أن يُشق على قلبه؛ لكن المقصود أن يعرفه من كان له به اختصاص من جار أو غيره بالعدالة. ولذا جاء في البيهقي بإسناد صحيح أن عمر ﵁ قال لرجل: إني لست أعرفُك ولا يضرك أني لا أعرفك، فأتني بمن يعرفك. فقال رجل: إني أعرفه. فقال: بأي شيء تعرفه؟ قال: بالعدالة. فقال: فأنت جاره الأدنى الذي يعرف ليله ونهاره ومدخله ومخرجه؟ قال: لا، قال: فعاملته بالدرهم والدينار التي يُستدل بها على الورع؟ قال: لا، قال: فسافرت معه فإن السفر يُستدل به على مكارم الأخلاق؟ قال: لا، قال: فلست تعرفه، ثم قال للرجل: ائتني بمن يعرفك، قالوا: فهذا يدل على أنه لا بد من العدالة الظاهرة والعدالة الباطنة. والقول الثاني في المسألة وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، ولا يسع الناس في هذا الزمن غيره: أن الشاهد يكفي أن يكون مرضياً من جهة الأمانة والصدق، فإذا كان معروفاً بالصدق فإن هذا يكفي؛ لقول الله جل وعلا: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة:٢٨٢]. قال: أما قوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَي عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق:٢] فإن هذا في التحمّل ليحتاط لحقه، فعند التحمل يبحث عمّن عُرف بالعدالة الظاهرة والباطنة؛ لأن هذا أحفظ لحقه؛ لكن عند أداء الشهادة إذا أداها من نرضى صدقه وأمانته فإن هذا يكفي للآية الأولى، ولا يسع الناس في هذا الزمن إلا هذا، فإن من أهل الكبائر والفسق من هو معروف بالصدق لا يكذب، معروف بالأمانة لا يخون، حتى إن الناس يأخذون خبره ويثقون بكلامه وليس من أهل الديانة بل هو معروف بالفسق، والله جل وعلا يقول: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة:٢٨٢]، هذا القول هو الأصح ولا يسع الناس في هذا الزمن غيره.

стр. 694

الأحوال التي يقضي فيها القاضي بعلمه قال: [وللحاكم أن يعمل بعلمه فيما أُقر به في مجلس حكمه]. القاضي لا يحكم بعلمه، فإذا كان يعلم أن فلاناً قتل فلاناً فليس له أن يُحكم بالقصاص أو بالدية، أو رأى فلاناً يسرق فليس له أن يحكم بذلك، ولا يحكم إلا بالبينة؛ لأن النبي ﵊ قال: (إنما أقضي بنحو ما أسمع) كما في الصحيحين. فلا يقضي بعلمه؛ لأن هذا يدعو إلى اتهامه فيكون القاضي محل تهمة، ولأن هذا يفتح باب شر وفساد. وعلى ذلك فالقاضي لا يحكم بعلمه، لكن هنا مسائل تُستثنى منها ما ذكره المؤلف هنا: [ما أُقر به في مجلس حكمه) أي: أتى زيد وعمرو فادّعى زيد أن عمراً استقرض منه عشرة آلاف ريال، فأقر عمرو بذلك، ثم بعد ذلك أنكر فالقاضي يحكم بعلمه هنا؛ لأن هذا الإقرار كان في مجلس الحكم وما دام في مجلس الحكم فهو كالشهادة. كذلك إذا استفاض الأمر بحيث إن الناس يعلمونه خاصتهم وعامتهم، فالقاضي إذا حكم لا يُتهم، كأن يعلم القاضي أن هذه الأرض لفلان، وهذا قد استفاض عند أهل القرية عامتهم وخاصتهم، فيحكم بذلك؛ لأنه قد حكم بالاستفاضة، وعلمه داخل في الاستفاضة فحكم بعلمه المنبني على استفاضة هذا الخبر. كذلك أيضاً في عدالة البيّنة وفسقها، كما قال: [وفي عدالة البيّنة وفسقها] بغير خلاف بين أهل العلم. إذا أتاه شاهدان وهو يعلم أنهما من أهل العدالة، فلا يحتاج أن يطلب عليهما من يزكّيهما، بل يأخذ بذلك، وإذا كان يعلم أنهما من أهل الفسق فإنه يأخذ بذلك. ويدل عليه أثر عمر فإنه قال: إني لست أعرفك، فدل على أن القاضي إذا كان يعرفه فإن هذا يكفي.

стр. 695

تزكية الشهود قال: [فإن ارتاب منها فلا بد من المزكين لها]، أي: إن ارتاب من الشهادة فإنه يطلب المزكين. والأصح وهو رواية عن أحمد خلافاً للمشهور في المذهب، وهو اختيار شيخ الإسلام: أنه يكفي مزك واحد، فإذا زكّاه واحد فإنه يكفي؛ لأن هذا خبر، فكان كالخبر الديني يكفي فيه واحد. والحاصل أنه يكفي أن يأتي مزك واحد فيزكي هذا الشاهد ويزكي هذا الشاهد، والمذهب أنه لا بد من اثنين، والصحيح أن المُزكي الواحد يكفي. قال: [فإن طلب المُدّعي من الحاكم أن يحبس غريمه حتى يأتي بمن يزكي بيّنته أجابه لما سأل وانتظر ثلاثة أيام]. إذا قال المُدّعي للقاضي: أنا قد أتيتك بشاهدين وأنت الآن تطلب من يُزكي هذين الشاهدين، فأنا أطلب أن تحبس غريمي ثلاثة أيام حتى آتي بالمُزكي، فإنه يقبل ذلك ويحبسه حتى يُحفظ حقه، وفي هذا الوقت تكفي الكفالة، يعني: أن يأتي من يكفل هذا المُدّعى عليه. [فإن أتى بالمُزكين اعتُبر معرفتهم لمن يُزكونه بالصحبة والمعاملة]، كما تقدّم شرحه في أثر عمر ﵁؛ [فإن ادّعى الغريم فسق المزكين]، أي: قال الخصم المُدعى عليه: إني أدّعي فسق المزكين، [أو فسق البيّنة المُزكّاة، وأقام بذلك بينة سُمعت وبطلت الشهادة]. إذا قال المدعى عليه: أنا أدّعي أن هذا الشاهد، أو هذين الشاهدين ليسوا عدولاً، وأتى ببينة تدل على أن هذا معروف مثلاً بالزنا، أو معروف بشرب الخمر، أو غير ذلك مما يُفسّر الجرح، فيأتي ببينة تُثبت أن الشهود ليسوا عدولاً، أو أن المُزكّين الذين زكوا هؤلاء الشهود ليسوا عدولاً؛ سُمعت وبطلت الشهادة. قال المؤلف: [ولا يُقبل من النساء تعديل ولا تجريح]؛ لأنها شهادة بما ليس بمال، والنساء تُقبل شهادتهن بالمال.

стр. 696

الحكم باليمين عند عدم الشهود أو بطلان شهادتهم قال: [وحيث ظهر فسق بيّنة المُدّعي، أو قال ابتداءً: ليس لي بيّنة، قال له الحاكم: ليس لك على غريمك إلا اليمين]. يعني: قال زيد للقاضي: إني أدّعي أن عمراً قد استقرض مني مائة ألف ريال مثلاً، فأنكر عمرو، فيقول القاضي للمُدّعي: هل عندك بيّنة؟ فإن قال: ليس لي بيّنة فأنا وثقت به وأعطيته مالي وليس بيّنة، فيقول له القاضي: ليس لك على غريمك إلا اليمين؛ لأن النبي ﷺ يقول: (البيّنة على المُدعي واليمين على من أنكر) رواه البيهقي. وفي حديث آخر في صحيح مسلم أن النبي ﵊ قال للحضرمي: (ألك بيّنة؟ قال: لا، قال: فلك يمينه قال: يا رسول الله إنه رجل فاجر لا يتورع من شيء. فقال النبي ﵊: ليس لك إلا ذلك)، إذاً: ليس له إلا اليمين. وكذلك إذا ظهر فسق البيّنة، كما لو أتى بشهود فُسّاق لا يصلحون للشهادة فكأنه قال: لا بيّنة لي، فنُرجع اليمين إلى المُدّعى عليه. قال: [فيحلف الغريم على صفة جوابه في الدعوى ويخلى سبيله، ويحرم تحليفه بعد ذلك]، يعني: لا تُكرر اليمين، فلا يقول له القاضي: احلف مرة أخرى؛ لأن ظاهر الأدلة أن يميناً واحدة تكفي. قال: [وإن كان للمُدّعي بيّنة فله أن يقيمها بعد ذلك]. الآن ليس معه بيّنة، حيث ظن أن عمراً يقر! فعندما لم يقر أتى المدعي بعد ذلك للقاضي بالبيّنة؛ فله أن يقيمها بعد ذلك.

стр. 697

الحكم بنكول المدعى عليه عن اليمين [وإن لم يحلف الغريم قال له الحاكم: إن لم تحلف حكمت عليك بالنكول. ويسن تكراره ثلاثاً] ليقطع حجته، قال لعمرو في المثال المتقدم: احلف، فقال: لا، ونكل عن اليمين، فيُسن للقاضي أن يكرر ذلك عليه ثلاثاً ليقطع حجته. [فإن لم يحلف قضى عليه بالنكول ولزمه الحق]؛ فإن عثمان قضى على ابن عمر بالنكول كما في موطأ مالك بإسناد صحيح، وعلى ذلك فإن المدعى عليه إذا نكل قضينا عليه بالنكول، وظاهر ذلك أن اليمين لا تُرد إلى المُدعي، فلا يُقال بعد ذلك للمُدعي: احلف أنك أقرضته. ادّعى زيد أنه قد أقرض عمراً عشرة آلاف ريال، فسأله القاضي: هل عندك بيّنة؟ قال: ليس عندي بيّنة، قلنا لعمرو: احلف حتى تبرأ. فنكل؛ فإنا نقضي عليه ونقول: إذاً في ذمتك له عشرة آلاف، ولا تُرد اليمين إلى المُدّعي فلا يقول له القاضي: احلف أنك قد أقرضته عشرة آلاف ريال، وهذا هو المذهب. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: إذا كان العلم قد انفرد به المُدّعي فإن اليمين تُرد إليه. وقال الشيخ عبد الرحمن بن سعدي: إذا رأى القاضي أن تُرد اليمين ردّها لا سيما إذا كان العلم منفرداً به. مثال هذا: ادّعى رجل أن فلاناً الميت قد استقرض منه عشرة آلاف ريال وطالب ورثته بالسداد، فحضروا عند القاضي وقالوا: أيها القاضي إن كان عنده بيّنة فليحضرها فإننا نريد إبراء ذمة والدنا، فلم يكن له بيّنة، فقال لهم القاضي: احلفوا، قالوا: نحن لا نحلف فهذا أمر ينفرد به هو فنحن لا نحلف، نحن لسنا الذين استقرضنا حتى نحلف. فنكلوا؛ فالمذهب أنه يُقضى عليهم ويُطالبون بعشرة آلاف من التركة، واختيار شيخ الإسلام والشيخ عبد الرحمن بن سعدي: أن اليمين ترد إلى المُدّعي فيقال للمُدّعي: احلف؛ لأن هؤلاء الورثة ليس عندهم علم حتى ينفوا ويحلفوا فاحلف أنت أنك أقرضت هذا الميت عشرة آلاف ريال فإن حلف ثبت الحق، وهذا هو الصحيح. إذاً: إذا كان العلم ينفرد به المُدّعي ونكل المُدّعى عليه رددنا اليمين إلى المُدّعي، ومثل ذلك إذا رأى القاضي ذلك. مثلاً: هذا رجل معروف بالصلاح وعنده مال كثير، ولا يُعرف عند القضاة إلا بخير، فأتى رجل معروف بالكذب وقال: إني أدّعي أني أقرضت هذا الرجل مائة ألف ريال، فقال القاضي لهذا الرجل الصالح: احلف، فقال: أنا لا أحلف ولا أريد أن أحلف عند القاضي، إن كان يريد أن يأخذ من مالي شيئاً فليأخذ، أما اليمين فلا أحلف، وعرف القاضي صدقه وكذب الآخر، فحينئذ يرد اليمين إليه ويقول: احلف أنت أنك قد أقرضته مائة ألف ريال، فإذا حلف أخذها.

стр. 698

آثار حكم الحاكم

стр. 699

حكم الحاكم يرفع الخلاف ولا يزيل الشيء عن صفته باطناً قال: [فصل: وحكم الحاكم يرفع الخلاف لكن لا يزيل الشيء عن صفته باطناً؛ لقول النبي ﵊ في الصحيحين: (فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذ منه شيئاً، فإنما أقطع له قطعة من النار) متفق عليه. إذاً: القاضي حكمه يرفع الخلاف، لكن في الباطن فالأمور على ما هي عليه، الكاذب كاذب، والصادق صادق، والظالم ظالم، والمظلوم مظلوم، ولذا قال: (فإنما أقطع له قطعة من النار). قال هنا: [فمتى حكم له ببينة زور بزوجية امرأة ووطئ مع العلم فكالزنا]. هذا رجل أتى بشهود يشهدون أن فلانة زوجته، يقول: هذه هي زوجتي وأتى بشهود زور يشهدون أنها زوجته، وهو يعلم كذب نفسه، فنقول: إذا وطئها فهو كالزاني، وهي لا يجوز لها أن تمكّن من نفسها لأنها تعلم كذبه حتى وإن حكم القاضي بأنها زوجته. في المثال المتقدم في القرض إذا حكم القاضي بأن فلاناً في ذمته كذا بناء على النكول عن اليمين، أو بيّنة كاذبة فنقول: إن هذا المال ليس لك ولا يحل لك أن تأكله وهو مال حرام. فإن قال: إن القاضي قد حكم لي به، نقول: القاضي حكم بنحو ما يسمع، أما البواطن فعلمها عند الله جل وعلا.

стр. 700

حكم الحاكم المخالف في المذهب قال: [وإن باع حنبلي متروك التسمية]، أي: عمداً، [فحكم بصحته شافعي نفذ]. الحنابلة يرون أن ما تُركت التسمية عليه عمداً من الذبائح لا يحل، كما تقدم شرحه في الأطعمة، أما الشافعية فيرون حله؛ لأن التسمية عندهم سُنة، فإذا باع حنبلي ذبيحة لم يذكر اسم الله عليها عمداً فحكم القاضي الشافعي بصحة ذلك -لأن الشافعي يرى أن التسمية سُنة- نفذ ذلك.

стр. 701

حكم التقليد في المختلف فيه قال: [ومن قلّد في صحة نكاح صح ولم يفارق]، أي زوجته، [بتغير اجتهاده كالحكم بذلك]. من قلّد في نكاح مختلف فيه، كالذي ينكح امرأة بلا ولي تقليداً للإمام أبي حنيفة، صح النكاح لأنه مقلّد، ولم يفارق زوجته بتغير اجتهاده، فإذا سأل في المستقبل عالماً آخر وأفتاه أن النكاح بلا ولي باطل فلا يلزمه أن يُفارق زوجته؛ لأنه بنى زواجه على تقليد لإمام معتبر. قوله: [كالحكم بذلك] جعل التقليد في الفتيا كالحكم، بعض الناس يطلّق امرأته وهي حائض، فيفتيه العالم بأن طلاق الحائض لا يقع، ثم بعد ذلك يأخذ بقول عالم آخر يرى أن طلاق الحائض يقع، فلا نقول إن تلك الطلقة السابقة قد وقعت؛ لأنك بنيت ذلك على سؤال لعالم يؤخذ بفتياه ويُقلّد، فبرئت ذمتك عند الله جل وعلا.

стр. 702

الدعوى على الغائب ونحوه وكتاب القاضي

стр. 703

ما تصح فيه الدعوى على الغائب ونحوه قال: [فصل: وتصح الدعوى بحقوق الآدميين على الميت وعلى غير المكلف وعلى الغائب مسافة قصر، وكذا دونها إن كان مستتراً بشرط البيّنة في الكل]. يرى الحنابلة أن الحكم على الغائب يصح، يعني: تصح الدعوى إذا كان الخصم غائباً وأنت أيها المُدّعي ذهبت إلى القاضي ومعك شهود عدول، والخصم غائب عن البلد مسافة قصر أو كان مستتراً مستخفياً؛ لأن المستخفي كالغائب. وكذلك إذا كان ميتاً؛ لأن الميت كالغائب. وكذلك إذا كان كذلك غير مكلّف، كصبي أو مجنون؛ لأنهم أولى من الغائب، لأنهم لا يعبّرون عن أنفسهم؛ فإذا كان الأمر كذلك فإن القاضي يحكم مع غياب الخصم. واستدلوا بما جاء في الصحيحين أن النبي ﵊ لما قالت له هند زوجة أبي سفيان: إن أبا سفيان رجل شحيح لا يعطيني وولدي ما يكفينا، فقال لها النبي ﵊: (خذي من ماله ما يكفيك وولدك بالمعروف) متفق عليه؛ قالوا: وهذا يدل على أن الغائب يُحكم عليه. وقال الأحناف وهو رواية عن أحمد: بل إن الغائب لا يُحكم عليه، أما الحديث فإنه في الفتيا لا في القضاء، وهناك فرق بين القضاء والفتيا، ولذا جاء في الترمذي والنسائي أن النبي ﵊ قال: (إذا تقاضى إليك رجلان فلا تقض للأول حتى تسمع قول الآخر فإنك إن فعلت ذلك تبيّن لك القضاء) وهو حديث صحيح. وعلى ذلك فلا يُحكم على الغائب إلا لضرورة، وإلا فإنه لا يحُكم على الغائب. أما الحديث المتقدم فإن ذلك في الفُتيا لا في القضاء، وأيضاً: ليس فيه أن أبا سفيان كان خارج البلد، وإنما كان غائباً عن مجلس القضاء. إذاً: المذهب يرون أنه يُحكم على الغائب، ويرون أنه يُحكم عليه بلا يمين أيضاً، وبلا طلب كفيل. وقال الشافعية: نحكم على الغائب لكن نطلب من المُدّعي مع البيّنة اليمين احتياطاً. وقال بعض الحنابلة: نطلب منه أن يأتي بكفيل، حتى إذا أتى الآخر وتبيّن لنا أن الحكم لم يكن في محله فإنا قد حفظنا حقه بالكفيل؛ لأن الرجل قد يأتي ببيّنة أنه قد أقرض فلاناً قبل سنة، لكن هذا المستقرض قد رد له الحق وعنده بيّنة أنه رد الحق. ولذا فالصحيح أنه لا يُحكم على غائب إلا عند الضرورة.

стр. 704

كتاب القاضي إلى قاض آخر قال: [ويصح أن يكتب القاضي الذي ثبت عنده الحق إلى قاض آخر معين أو غير معين]. هذا في كتابة القاضي فالقاضي قد يكتب إلى قاض آخر إما بحكمه أو بما ثبت عنده من البيّنة. يعني: قد يكتب القاضي إلى الشيخ فلان في بلدة كذا إنه قد ثبت عندي أن فلاناً قد اقترض من فلان عشرة آلاف ريال بشهادة فلان وشهادة فلان وحكمت بذلك. لأنه قد يكون الشخص هنا مثلاً وغريمه في مصر والشهود هنا، فيذهب المدعي بالشهود هنا إلى القاضي ويشهدون عند القاضي، فيحكم ويُكتب بذلك إلى القاضي في مصر، وقد يكتفي بأنه ثبت عنده، وقد يحكم ويطلب منه التنفيذ ويقول: نفِّذ حكمي هذا فإني قد حكمت بناء على البيّنة، وأطالبك أن تنفّذ ذلك. قوله: [معيّن أو غير معيّن] المعيّن مثل: إلى فلان قاضي كذا، وغير المعين أن يكتب: إلى من بلغه كتابي هذا من القضاة. [بصورة الدعوى الواقعة على الغائب بشرط أن يقرأ ذلك على عدلين ثم يدفعه لهما]، أي: عندما يكتب القاضي كتابه يقرأ ذلك على عدلين اثنين، ويدفعه لهما ليذهبا به إلى القاضي الآخر. والقول الثاني في المسألة وهو اختيار ابن القيم والشيخ محمد بن إبراهيم: أنه يكفي أن يعرف القاضي الآخر خطه وختمه، فإذا كان عليه ختم وكان خط القاضي أيضاً معروفاً لديه، فهذا يكفي ولا يحتاج إلى شهادة اثنين يقرؤه عليهما، وهذا هو الصحيح؛ قال ابن القيم: وعليه عمل الخلفاء والقضاة والأمراء والعمال منذ زمن النبي ﵊ إلى اليوم. قال: [ويقول فيه: وإن ذلك قد ثبت عندي، وإنك تأخذ الحق للمُستحق. فيلزم القاضي الواصل إليه ذلك العمل به]، يلزمه أن يعمل بذلك إجماعاً.

стр. 705

دليل الطالب_كتاب القضاء [٣] قد تحصل الشركة في الأموال بطريق الإرث أو غيره، وقد يكون المال المشترك عقاراً وقد يكون منقولاً، وفي كل حال فإن الشركاء قد يحتاجون إلى القسمة بينهم، وكثيراً ما يترافعون إلى القضاء للفصل بينهم في ذلك، وعليه فيحتاج القاضي إلى معرفة القسمة وما تتطلبه من حساب، وما هي أنواعها ومحل كل نوع.
следующие страницы →