← Акыда

Акыда · id 37795

دراسة موضوعية للحائية ولمعة الاعتقاد والواسطية

عبد الرحيم السلمي

Полный текст (363 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

الأسئلة

стр. 212

حكم أهل الفترة السؤال كيف نرد على من يقول بأن المشركين قبل بعثة النبي ﷺ وبعد عيسى قد جبروا على الشرك؛ لأنهم وجدوا آباءهم مشركين، ولم يكن لديهم رسول أو كتاب حتى تقام عليهم الحجة من الله ؟ الجواب ليس هناك أحد مجبور، وهؤلاء الذين كانوا في هذه الفترة ليسوا مجبورين على أفعالهم، وهم أنواع: نوع منهم اتبع الأنبياء، ولم يقبل عقائد المشركين. ونوع قبل التغييرات التي أحدثها بعض المشركين. فهم كانوا يعرفون أن هذا البيت لله، وأن الذي بناه إبراهيم، وأن الحنيفية ملة إبراهيم، ومع هذا يشركون في عبادة الله ، وهكذا كان النصارى واليهود يحرفون كتابهم، وكان منهم طوائف مسلمون لكنهم قلة، حتى أن بعضهم حصرهم في طائفة واحدة، وهم أتباع آريوس الذي كان من دعاة التوحيد لكنه حورب من الدولة الرومانية في تلك الفترة. والتحقيق في شأن أهل الفترة: أنهم يوم القيامة يختبرون، كما ثبت في حديث عن النبي ﷺ ، وهذا الحديث يضعفه بعض العلماء لكنه بمجموع الطرق يكون حسنًا، وهو: أن الله يخرج لهم يوم القيامة عنقًا من نار، ثم يأمرهم بالدخول فيها، فمن دخل فيها طاعة لله فإنه يدخل الجنة، ومن عصاه وأبى الدخول فيها فإنه يكون من أهل النار، وهذا هو التكليف الذي أراده الله لهم، وهذا من حكمته .

стр. 213

معرفة الملائكة للخالص من الأعمال من غيرها السؤال هل الملائكة يعلمون عند كتابهم للطاعة أنها خالصة لله أم غير ذلك؟ الجواب نعم، عندما يكتب الملك عملك الظاهر، أو نطق لسانك أو إرادتك القلبية يعلم به، وقد جعل الله للملائكة الذين يكتبون الأعمال القدرة على معرفة هذا الأمر وكتابته.

стр. 214

العمل في المقدر السؤال هل يستطيع الإنسان أن يغير قدره؟ الجواب هل تقصد أنه يصعد إلى السماء ويمسح الذي في اللوح المحفوظ، ويكتب شيئاً جديداً؟ فهذا لا يمكن، وكيف يغير قدره؟ وما أدراك عن قدرك؟ القدر بالنسبة لك سر لا تعرفه، ولهذا قال العلماء: القدر سر الله في خلقه، وأنت لا تدري، ولست مطالباً في الشرع أن تعرف هل أنت مكتوب مسلماً أم لا؟ ولا يعاقبك الله يوم القيامة إذا لم تعرف، فهذا أمر ليس في حدود قدرتك. لكن هناك شيء تستطيعه أنت، وهو أن تلتزم بطاعة الله، وتخاف أن يكون مكتوباً عليك أنك من أهل النار، فتعمل الطاعة وتجتهد، وأنت قادر على أن تعمل الطاعة. فأنت لا تشغل نفسك بما لا ينفعك، بل تشغل نفسك بما ينفعك، ولهذا الصحابة رضوان الله عليهم عندما سمعوا كلام النبي ﷺ في القدر، قالوا له: (يا رسول الله! أنعمل في شيء مضى وانقضى أم فيما يستقبل؟ قال: بل في شيء مضى وانقضى -يعني: مكتوب عليك- قالوا: ففيم العمل؟ قال: اعملوا فكل ميسر لما خلق له)، فأمرهم بالعمل، فأنت إذا عملت الطاعة ستيسر لك الطاعة، وأما إذا عملت المعصية؛ فإنها ستجرك إلى معصية أخرى، وستقع في المنكر، فينبغي إدراك هذه القضية.

стр. 215

حكم الاعتماد على الرؤى لإنشاء أحكام شرعية السؤال سمعت من أحد الشباب: أن امرأة رأت في المنام أنها ولدت، وولدها كان يرضع من القمر، وسألت مفسر الأحلام فاستحلفها على ذلك فأجابها بقوله: إن المهدي ولد؟ الجواب كثير من الناس مع الأسف يبني أشياء في الشريعة على رؤى وأحلام. أولاً: قد يكون هذا من حديث الشيطان مع هذه المرأة، فكيف يدعي أن المهدي ولد؟ هل مجرد أن هذه المرأة رأت طفلاً يرضع من القمر يثبت ذلك، ربما يفسرها مفسر آخر بأن هذا الطفل سيخرج عالماً في القرآن؛ لأن القمر هو عبارة عن نور، والله وصف القرآن بأنه نور، فكونه يرضع منه فهو يقبل هذا النور ويصير عالماً، ما المانع أن يكون هذا هو التفسير؟ لماذا يحدد تفسيراً معيناً، هل جاءه ملك من السماء وأخبره أن التفسير هو كذا؟ هذه اجتهادات، والاجتهادات لا يصلح للإنسان أن يتخذها منهجاً. وبعض الخرافيين أصبحوا الآن يرددون، يقول أحدهم: أنا عندي مائة رؤيا على أن المهدي سيولد، بل بعضهم يحدد ويقول: سقوط هذه الدولة سيكون في الوقت الفلاني، وسقوط هذه الأمة سيكون في الوقت الفلاني، والمهدي سيخرج بعد أربعة أشهر. وفي عام ألف وأربعمائة ظهر مجموعة من الشباب اشتغلوا بهذه القضية، فأخرجوا لنا رجلاً اسمه عبد الله القحطاني، وادعوا أنه المهدي وبنوا على رؤى، وجاءوا به إلى الحرم مسلحين وادعوا له المهدية، وأمروا بإغلاق الأبواب، وأصبحت مأساة في تاريخنا مع الأسف، وأصبحت مصيبة من المصائب، لماذا صارت مأساة؟ لأنهم قاتلوا في المسجد الحرام، في الشهر الحرام ومنعوا مساجد الله أن يذكر فيها اسمه، وحجب الناس عن الصلاة أكثر من خمسة عشر يوماً، وقاتلوا المسلمين وحصلت فتنة مبناها وأساسها فاسد، ولهذا خالفهم كبار علماء المسلمين في ذلك الوقت. فأقول: الذين يشتغلون بهذا الأمر بدءوا في طريق منحرف عن السنة، فإن هذه الرؤى هي عبارة عن أشياء مبشرة، والناس يختلفون في تأويلها، قد يجتهد فلان فيؤولها بمعنى، ويجتهد فلان فيؤولها بمعنى آخر، ويجتهد فلان ويؤولها بمعنى ثالث. أما أن يتخذها الإنسان منهجاً في حياته فهذا انحراف، بعض الناس الآن أصبح كل ليلة يرى رؤيا، مع أنه قبل سنتين ما كان يرى، لكن انقلب فكره وصار مهتماً بالرؤى فصار يراها، وتتلاعب به الشياطين. وبالذات قبل أحداث الحادي عشر من سبتمبر، ما كان يرى رؤى، ولا كان يفكر فيها، ولا يخطر في باله أنه سوف يرى رؤى، لكن بعدما اهتم بهذا الجانب أصبح كلما نام يرى رؤيا، ثم يجمع الرؤى ويقول: أنا عندي عشر رؤى تدل على أن الوزير الفلاني سيموت عندي ثمانون رؤيا تدل على أن أمريكا ستسقط، ومعلوم أن كل دولة ظالمة تستمر فترة من الزمن بهذا الظلم والتعسف ثم تسقط، لكن بعض الأحيان يحددون: ستسقط بعد أربعة أشهر، وهؤلاء سينكشف أمرهم بعد أربعة أشهر، وإذا بهم طواغيت في كل مكان يذبحون خلق الله ، فيقال: أين رؤاك، قال: لا. هناك رؤى ثانية تدل على أن هذا بعد سنة، وهكذا. وهذا المنهج الرديء منهج مخالف للكتاب والسنة قطعاً؛ لأن الرؤى ليس لها قيمة في الشرع، وكان النبي ﷺ يسأل أصحابه عن الرؤى ويجيب؛ لكن هل بنى حياته الدعوية أو السياسية أو الاجتماعية على الرؤى؟ لا. بل خاض غزوة بدر وغيرها من الغزوات بدون رؤى، وبنى أصحاب النبي ﷺ دولة عملاقة ضخمة استطاعوا أن يسيطروا بها على العالم بأكمله بدون أي رؤى، وهل كان الصحابة رضوان الله عليهم يومياً -مثل بعض الناس- يرون رؤى بهذا الأسلوب؟ ما كانوا بهذه الطريقة. الشاهد: أن هذا الأسلوب هو الموضة الجديدة عند بعض الشباب مع الأسف، الرؤى ومعالجة المرضى عن طريق الجن المسلمين، وفي كل سنة تظهر لنا موضة، والمشكلة عندما يتبناها أشخاص كانوا يوماً من الأيام من الدعاة إلى الله . لكن ينبغي على الإنسان أن يحمد الله على الالتزام بالسنة، والإنسان مهما يكن قد ينحرف عنها، سواء كان هذا الانحراف قليلاً أو كبيراً، لكن ينبغي أن يدرك الإنسان أن المنهاج الشرعي هو التعامل مع الكتاب والسنة. وقد أمرنا الله أن نقاوم المنافقين والكافرين، وأن نجتهد في عمل الصالحات، وأن ندعو إلى الله، وأن نصلح المجتمع. ولم يأمرنا الله في أي نص من النصوص بأن نجمع الرؤى؛ لنتكلم عن الغيب، كهذه الطريقة التي يسعون لها، واتخذوها منهجاً. هناك فرق بين من يتكلم في الرؤى مرة ومرتين وثلاثاً أو يتكلم بها في شيء عابر، وبين من يتخذها منهجاً، حتى صارت ديدناً له، يتكلم بها في كل وقت، لو يطلع معك في سيارة ويغفو قليلاً يرى رؤيا، لا يمكن أن ينام بدون رؤيا، ولا يمكن أن تكون هذه الرؤية شيئاً عادياً، فلا بد من مهدي يطلع، ودولة تسقط، وحاكم سيموت، والمسلمون سيبتلون ببلية، الرؤى كلها موضوعها محدود، إما سياسية أو تتعلق بأخبار الساعة كلها حسب اهتمامات الشخص، أو أن فلاناً من الدعاة إلى الله سيصير حاكماً لدولة عظيمة أكبر من أمريكا، لماذا؟ لأنه يحدث نفسه بها، ويفكر في هذا الموضوع

стр. 216

حكم نظر المرأة للرجال السؤال ما حكم مشاهدة المرأة للعلماء والدعاة الذين يظهرون في التلفاز؟ الجواب ليس هناك شيء في مشاهدة المرأة، ويباح للمرأة أن تشاهد الرجال أو العلماء والصالحين الذين يظهرون سواء في التلفاز أو في أي مكان من الأماكن، بشرط: ألا تكون نظرتها إليهم بغرض حسنهم أو جمالهم، أو للفتنة بهم، وينبغي إذا نظرت إلى أحد ورأت فيه ما يدعو إلى الفتنة أن تصرف نظرها؛ لأن الله أمر المرأة بغض البصر كما أمر الرجل بذلك. أما في الأصل العام، فلو رأت عالماً يفتي بدون أي شيء من هذه المحذورات، فليس هناك محظور، وقد كان النبي ﷺ يعظ النساء ومعه بلال، وكن ينظرن إليه وهن محجبات، فليس في ذلك شيء بإذن الله تعالى.

стр. 217

مراتب القدر مرتبة حسب الحدوث السؤال نرجو ترتيب الأصول الأربعة للقدر حسب حدوثها وكونها صارت قدراً، بمعنى: هل تسبق الإرادة الكتابة والعلم، أم العلم قبل تلك؟ الجواب أولاً: العلم، وثانياً: الكتابة، وثالثاً: الإرادة، ورابعاً: خلق أفعال العباد.

стр. 218

معنى قوله تعالى: (يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب) السؤال يقول الله : ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد:٣٩]، كيف نفهم هذه الآية؟ الجواب قال العلماء: إن المحو والإثبات يكون في صحف الملائكة، وليس في اللوح المحفوظ.

стр. 219

حكم تعليم الطفل اللغة الإنجليزية السؤال أب يريد أن يعلم ابنه الذي في الصف الرابع اللغة الإنجليزية، إلى جانب حفظ القرآن، فما رأيك؟ الجواب بدلاً من أن يعلمه اللغة الإنجليزية يعلمه ما ينفعه، يعني: اللغة الإنجليزية في هذه الفترة لا تعني هذا الطفل، بل إنها تشغل حيزاً من فكره بدون أي ثمرة ولا فائدة، والمفترض في الإنسان إذا كان عنده طفل أن يعلمه الأشياء الأساسية التي يحتاجها، مثل: القراءة، صحة القراءة، القرآن، اللغة العربية وأكثر الشباب لا يحسنها، فكيف نتعلم لغة أخرى ونحن لم نتعلم لغة ديننا ولغتنا الأساسية. فإذا كبر الولد ورأى أنه يدخل شركة من الشركات فيمكن أن يتعلم اللغة الإنجليزية، لماذا نريد أن نعلم أبناءنا منذ الصغر هذه اللغة، وخصوصاً أن اللغات مرتبطة بالثقافة. فربما يعجب بثقافة أمة من الأمم الكافرة، لكن الصحيح هو أن نشأة الولد الأولى تكون على الإيمان والتقوى، فيعلمه القرآن، ولغة العرب أولاً، ثم إذا كبر الولد فهو بحسب طبيعته وتوجهه، افترض أن هذا الولد يريد أن يتخصص في علوم القرآن، فلماذا تشغله أنت بتعلم الإنجليزي؟ قد لا يحتاجها في حياته العملية، افترض أنه بعدما كبر يريد أن يدخل مجالاً من المجالات التي يحتاج فيها اللغة، فيتعلم عند الحاجة، أي أن اللغة يتعلمها الإنسان عند الحاجة، وليست كجزء أساسي من كياننا، ولهذا فمن المقترحات الغريبة التي يطرحها بعض الناس تعليم الأطفال اللغة الإنجليزية، ويريدون تعميمها على كل المدارس، حتى في الشعاب والقرى، وهؤلاء لا يحتاجون هذا الأمر، ولا يريدونه ولا يعرفونه، تجد الطفل الصغير يتعلمه بدلاً من لغة العرب. هذا اقتراح ساذج في الحقيقة، ويدل على أن المقترح معجب بهذه الأمة أصلاً، ليس الفكرة هو أن هناك حاجة داعية لها؛ فنقول: اترك الأبناء يتعلمون لغة العرب، ويتعلمون القرآن، ويتعلمون الكتابة بشكل جيد، ثم بعد أن يتخرجوا ويريدوا العمل في مجال له علاقة بهذه اللغة تعلموها، اجعل مراكز تدريب يدخل فيها ثلاثة آلاف طالب إلى أربعة آلاف طالب وعلمهم الإنجليزي عندما يوجد احتياج حقيقي عندك. أما أن تعلم الناس ما لا يحتاجونه فهذا من سوء الفهم، ولا تعلق هذا على الفلاح؛ لأن الذي يفلح في شيء هو الإنسان المقتنع به. أنا مثلاً أريد أن أدخل مجالاً يحتاج إلى لغة إنجليزية، كما لو أني أريد أن أكتب عن طائفة من الطوائف الغربية، فأحتاج إلى أن أتعلم، إذاً أخصص سنتين من دراستي أو ثلاثاً، أو أربعاً، وأتعلم بشكل جيد حتى أستطيع ترجمة هذه الكتب وأن أتفهمها بشكل جيد. لكن الذي لا يحتاج هذا الأمر لماذا تعلمه؟ هل صرنا مستعمرين لهم حتى نتعلم لغتهم، ولا يتوظف الواحد إلا بها؟!! هناك قطاعات قد تحتاج هذه اللغة، فيتعلم من يريد الدخول فيها، لكن هناك قطاعات واسعة لا تحتاج مثل هذه اللغة إلا من باب الثقافة، فهذا راجع إلى كل إنسان ورغبته، أما أن تفرض على الناس من التعليم الأولي فهذا خطأ وله جوانب سلبية متعددة!

стр. 220

دراسة موضوعية [١٠] انقسم المبتدعة في باب القدر إلى أقسام، فمنهم من نفى القدر ونسب الفعل إلى العبد وادعى أن العبد يخلق فعله، وأن الله لا يعلم الفعل قبل وقوعه، ومنهم من أنكر اختيار العبد وجعله كالريشة في مهب الريح، ولكن أهل السنة توسطوا واتبعوا النصوص، فقالوا: إن الله خالق العباد وأفعالهم، والعبد مخير في فعله غير مجبور، فمن أطاع فله الجنة ومن عصى فله النار.

стр. 221

تابع الكلام في باب القدر انتهينا في باب القدر إلى أهم المسائل العقدية المتعلقة به، وبينا الخلاف الذي وقع في الأمة في موضوع القدر، والدرجات المتفاوتة للمخالفين لمنهج السلف في باب القدر، وأساس هذا الخلاف وأنواعه من حيث الأحكام الشرعية، فمنه ما يكون كفراً ناقلاً عن الملة، ومنه ما يكون بدعة. أما حائية ابن أبي داود فليس فيها كلام حول القدر بشكل مباشر إلا قوله: [وبالقدر المقدور أيقن فإنه دعامة عقد الدين والدين أفيح]. وقد سبق أن بينا أن القدر وارد في القرآن، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر:٤٩]. ومنازل القدر، أو درجات القدر، أو أساسيات القدر، أو أركان القدر هي: العلم والكتابة والمشيئة والخلق، وهذه منصوص عليها أيضاً في آيات كثيرة جداً في القرآن. علم الله الشامل لكل شيء، وكتابته لأحوال العباد، ومشيئة الله العامة، وخلق الله لأفعال العباد، ولكن هذه الآية ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر:٤٩] نص في اسم القدر، وإلا فإن معناه ومضمونه مبثوث في القرآن وفي سنة النبي ﷺ . لاشك أن الإيمان بالقدر ركن من أركان الإيمان، ولهذا كان موقف ابن عمر ﵄ عندما جاءه العراقيان وكان في مسجد نمرة في يوم عرفة في الحج، فأخبراه أنه ظهر في البصرة قوم يتقفرون العلم، ويقولون: لا قدر، والأمر أنف، أن تبرأ منهم ﵁، وقال: أخبروهم أنني بريء منهم وأنهم برآء مني، ولو أن أحدهم أنفق مثل أحد ذهباً ما قبله الله منه حتى يؤمن بالقدر. ثم نقل عن أبيه عمر بن الخطاب ﵁ الحديث المشهور الطويل في قصة جبريل لما جاء إلى النبي ﷺ ، وسأله عن أركان الإسلام والإيمان والإحسان وأشراط الساعة.

стр. 222

حكم منكر القدر منكر القدر هو بحسب نوع الإنكار، أما إنكار التكذيب فهو كفر بالله رب العالمين، سواء كان الإنكار لمرتبة العلم أو الكتابة أو المشيئة أو الخلق، من أنكرها إنكار تكذيب فهو كافر، بل إن من أنكر أي شيء من أحكام الإسلام إنكار تكذيب فهو كافر. أما إنكار التأويل فمن أنكر العلم فهو كافر بإجماع السلف، ولهذا كفروا الذين أنكروا العلم، وكانت طائفة من القدرية في بداية الأمر ينكرون العلم، لكن هذه الطائفة انقرضت وزالت ولم يبق إلا الذين يثبتون العلم وينكرون الكتابة وخلق أفعال الله للعباد. فإنكار التأويل بدعة مخرجة عن أصول السنة، لكنها لا تصل إلى الكفر الأكبر المخرج عن الملة بسبب التأويل؛ لأن من موانع التكفير التأول. ولهذا عندما تحدث العلماء عن تكفير المبتدعة، أو تكفير الفرق بينوا أن من كان من هذه الفرق أنكر إنكار تكذيب فإنه يكفر، أما إذا كان إنكاره بسبب التأويل، فإن التأويل على أنواع: منه ما يكون قريباً من اللغة العربية، يعني: هناك شبهة حقيقة. ومنه ما يكون بلا شبهة حقيقة، وإنما هو اعتباط كما فعلت الباطنية عندما تأولوا الصلوات الخمس وقالوا: إن المقصود بالصلوات الخمس علي بن أبي طالب وفاطمة والحسن والحسين ويضيفون أيضاً محسن ونحو ذلك، أو يتأولون الصيام بأنه كتمان أسرارهم، ويتأولون الزكاة بأنها إعطاء الضريبة لشيخ الطائفة، فكل ذلك من الكفر المخرج عن الإسلام؛ لأنه ليس هناك أي ارتباط شرعي أو لغوي بين المعنى الذي صاروا إليه، وبين نص القرآن، أو نص سنة النبي ﷺ . أما إذا كان هناك إشكال حقيقي؛ فإن صاحبه يكون مخالفاً لإجماع السلف الذين فهموا هذه النصوص بفهم واحد، وأجمعوا على طريقة معينة في الفهم فيها، فمخالفته لإجماع السلف في هذا الفهم، ومخالفته للنصوص القريبة في الفهم إلى معنى بعيد آخر لشبه، فهذه بدعة تخرج عن السنة، لكن صاحبها لا يكفر بالله رب العالمين.

стр. 223

القدر في لمعة الاعتقاد قال ابن قدامة رحمه الله تعالى: [فصل: ومن صفات الله أنه الفعال لما يريد]. القدر يلحقه كثير من العلماء بالصفات الاختيارية الفعلية؛ لأن كثيراً من السلف يقول عن القدر: إنه فعل الرب ، ولأن أكثر الخلاف الذي حصل بين الطوائف هو في صفة الخلق وصفة الكتابة بشكل خاص. فالكتابة أنكرها المعتزلة، وقالوا: إن الله لم يكتب أي شيء عن العباد؛ لأن هذا يخالف أمره ونهيه، وأنه لم يخلق أفعال العباد، بل العباد يخلقون أفعال أنفسهم. وكانوا في بداية الأمر يقولون: يخلقون أفعال أنفسهم، ثم تركوا هذا الوصف؛ لأن الناس أنكروا عليهم. أما الجبرية فإنهم أثبتوا هذه الصفة، والمقصود بالجبرية نوعان: جبرية محضة: وهم الذين يقولون إن العبد مجبور على فعل نفسه من الله ، وإن هذه الأفعال هي أفعال الله وليست أفعال العبد، وإنه مثل الريشة في مهب الريح، وغير قادر على أن يعمل أي عمل بمحض مشيئته وإرادته، ويسلبون العبد هذه الإرادة، ويقولون: إن هذه كلها من الله ، وهي من أفعال الله، والعبد معذور بسبب ذلك، وهؤلاء هم غلاة الجهمية. وقد كفر السلف رضوان الله عليهم الجهمية لمجموعة من العقائد عندهم منها: نفي الأسماء الصفات بالكلية وقول جهم: إن إلهي هو هذا الهواء، بلا اسم ولا صفة. ومنها أيضاً قوله: إن الإيمان هو المعرفة، ويكفي أن يعرف الإنسان الله ليكون مؤمناً. ومنها هذه العقيدة: نفي أن يكون العبد له فعل اختياري، ويقولون: إن العبد مجبور على فعل نفسه. هذه درجة من درجات الجبرية.

стр. 224

كسب العبد الدرجة الثانية: درجة الأشاعرة الذين قالوا: العبد ليس مجبوراً جبراً تاماً، وإنما الله هو الفاعل الحقيقي، والعبد له اسم الفعل، فأنت عندما تقول: قام زيد، فإنك نسبت القيام إلى زيد، والعبد ليس له إرادة أو اختيار في القيام، فالقيام في الحقيقة هو من خلق الله ، وليس العبد مختاراً فيه، لكن العبد ينسب إليه هذا الاسم وهذا الوصف وهو القيام، فيكون العبد كاسباً لهذا العمل، ولهذا يسمونها: نظرية الكسب، فهو كاسب لهذا العمل، لكن العمل في الحقيقة ليس هو عمل العبد. وشبهها البغدادي في أصول الدين بتشبيه يوضح الصورة ويقربها إلى درجة كبيرة جداً. وأهل السنة يقولون: العبد كله مخلوق لله ، بكل قدراته وإمكانياته وإراداته وعزمه وفعله، وقد خلق الله العبد مختاراً، فالاختيار والإرادة الموجودة في العبد هي من خلق الله ، والقدرة التي في العبد هي من خلق الله ، والفعل الذي ينتج عن العبد باجتماع القدرة والإرادة يكون من خلق الله . فالأفعال التي يفعلها العبد من القيام والجلوس من خلق الله ، ولا يمكن للعبد أن ينفرد بشيء دون خلق الله ، وإلا لكان خالقاً، وهذا في غاية الباطل، فإن الله وحده هو الخالق، والعبد هو المخلوق. إذاً: الله خلق العبد وخلق له إرادة فهل له قدرة واختيار أن يفعل أو لا يفعل؟ نعم له قدرة واختيار، ويمكن له أن يفعل الفعل، وألا يفعله. وهل هي قدرة مستقلة عن قدرة الله؟ ليست مستقلة عن قدرة الله، قال الله: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير:٢٩]، فليست هناك مشيئة للعبد مستقلة، بل هي ضمن مشيئة الله ، وفعل العبد يكون على وجه السببية، يعني: أنه سبب، فالعبد يفعل هذا الفعل وهو مختار في فعله، وفعله خلق لله . هذه الصورة وهي أن مشيئة العبد ضمن مشيئة الله، وقدرة العبد داخل قدرة الله، وأنه لا يقدر بدون ما يقدره الله ، وأنه لا يشاء بدون ما يشاء الله له هذه الصورة لم يتصورها أهل البدع، بل تصوروا إما أن العبد مخلوق لله فلا يكون له أي إرادة ولا أي قدرة، ولهذا قالوا بأنه مجبور. أو أن الله ليس له أي علاقة بفعل العبد، فالعبد مختار كما يشاء، والعبد يخلق فعل نفسه، كما قالت المعتزلة، ولم يستطيعوا الجمع بينهما. الأشعرية حاولوا الجمع، ولكنها كانت محاولة فاشلة؛ لأنها لا تستند إلى النصوص الشرعية. فنحن عندنا نصوص كثيرة تدل على أن الله خالق لأفعال العباد، مثل قوله: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات:٩٦]. فما يعمله العبد مخلوق لله أيضاً، لأن العبد مخلوق لله ، ومشيئة العبد ضمن مشيئة الله، ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [التكوير:٢٩] وهكذا. هذه النصوص فهمها السلف على نحو ما تقدم في الجمع بين فعل العبد وفعل الله . أما الأشعرية فإنهم جاءوا وقالوا: إن الله خالق لأفعال العباد، والعبد ليس له إلا اسم الفعل فقط، وأما حقيقة الفعل فهو لله، والتشبيه الذي شبه به البغدادي في أصول الدين يقول: مثل علاقة قدرة الله بقدرة العبد مثل إنسان عنده صخرة كبيرة ومعه صبي، وهذا الإنسان حمل هذه الصخرة، والصبي سانده في الحمل، فلو أن هذا الإنسان لم يحمل هذه الصخرة عن الصبي ما استطاع الصبي لوحده أن يحملها، ومع هذا هو مشارك في الفعل؛ لأنه وضع يده عليها. فيقولون: إن فعل العبد مثل الصخرة، والفاعل الحقيقي هو الله ، والعبد بمثابة المساند لهذا الفعل، فله اسم الفعل. ومن المسائل المشهورة: أن الإنسان يحاسب على فعله وينسب إليه الفعل، ولو كان ليس هو الفاعل كيف ينسب إليه؟ ولهذا يضاف الكسب إلى العبد (بما كسبتم) هذه كثيرة في القرآن ((بما كسبت يداك)) وإضافة الفعل إلى العبد، مثلاً عندما تضاف إلى العباد أعمالهم هذه كلها أدلة على أن هذه الأفعال للعباد، وأنهم قادرون على فعلها أو تركها، ولكنها ضمن قدرة الله العامة الشاملة. ولهذا تبحث هذه المسائل ضمن الصفات أيضاً؛ لأن مراتب القدر كلها من الصفات. قال ﵀: [ومن صفات الله تعالى: أنه الفعال لما يريد، لا يكون شيء إلا بإرادته، ولا يخرج شيء عن مشيئته، وليس في العالم شيء يخرج عن تقديره، ولا يصدر إلا عن تدبيره، ولا محيد عن القدر المقدور، ولا يتجاوز ما خط في اللوح المسطور أراد ما العالم فاعلوه، ولو عصمهم ما خالفوه، ولو شاء أن يطيعوه جميعاً لأطاعوه]. ولهذا جاء في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: (لو لم تذنبوا لأتى الله بأقوام يذنبون ويستغفرون فيغفر الله لهم). قال ﵀: [خلق الخلق وأفعالهم، وقدر أرزاقهم وآجالهم، يهدي من يشاء برحمته، ويضل من يشاء بحكمته، قال الله تعالى

стр. 225

الاحتجاج بالقدر وبيان احتجاج آدم وموسى هذه المسألة سبق أن بيناها، وهي مسألة الاحتجاج بالقدر، وقلنا: إن الاحتجاج بالقدر إذا كان على المصائب الفائتة فإنه يجوز، ويدل عليه حديث احتجاج آدم وموسى، وهو حديث طويل تشعب الناس في فهمه، وأخطأ كثير في فهمه مع أنهم من أهل السنة. ولهذا يربط شيخ الإسلام ﵀ بين التشعب في فهم حديث احتجاج آدم وموسى بالتشعب الوارد في فهم حديث الفطرة، وأن كثيراً من الناس عندما أرادوا تفسير الفطرة فسروها بمعنى مخالف للمعنى الشرعي؛ للهروب من بعض أقوال المبتدعة؛ لأن القدرية احتجوا بحديث الفطرة، مع أنه في الحقيقة لا حجة لهم فيه، فقالوا: إن العبد يولد على الفطرة، فمعنى هذا أنه ليس هناك قدر سابق. فأراد البعض أن ينفي هذا الفهم، ففسر حديث الفطرة تفسيراً يخالف حقيقة معناه، فقالوا: إن الفطرة المقصود بها القدر، وقوله: (كل مولود يولد على الفطرة) يعني: يولد على ما كتبه الله عليه سابقاً، مع أن المقصود بالفطرة ليس هو القدر، وإنما الفطرة هي الخلقة التي خلق الله عليها الإنسان، من معرفته بربه ، وإرادته لتوحيده، ولهذا أضيفت الفطرة، فقال: فطرة الإسلام. لكن لما احتج القدرية بهذا الحديث أراد بعض العلماء أن يدفع هذا الفهم من احتجاج القدرية بهذا الحديث، ففسر الفطرة بمعنى مخالف للمعنى الشرعي، فقال: إن الفطرة هي القدر، وعندما تجمع أقوال العلماء في مفهوم الفطرة تجد أن من العلماء من يفسر الفطرة بأنها القدر. وهناك نصوص منقولة عن الإمام أحمد ﵀، وعن عدد من العلماء يفسرون الفطرة بالقدر. والحقيقة: أنه يمكن أن ندفع شبهة القدرية عن حديث الفطرة، ونفسر الفطرة تفسيراً صحيحاً، فنقول: إن القدرية الذين استدلوا بحديث الفطرة على نفي كتابة الله ، ومشيئة الله ، وخلق الله لأفعال العباد؛ نقول: إن هذا الحديث فيه ما يدل على الرد على القدرية؛ لأنه قال: (فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه) مع أن القدرية لا يقولون بذلك، فيمكن الرد عليهم بدون أن نفسر الفطرة بمعنى مخالف للمعنى الصحيح لها. وكذلك الحال وقع في حديث احتجاج آدم وموسى، وهو في صحيح البخاري ومسلم: (أن موسى ﵇ لقي آدم وقال: يا آدم! أنت أبونا) وفي بعض الألفاظ قال: (خيبتنا وأخرجتنا من الجنة بمعصيتك) فموسى يلوم آدم على أنه أخرجه من الجنة، ولا يلومه على فعل المعصية بعد أن تاب منها، فحاشا موسى النبي صاحب الفقه أن يلومه على شيء قد تاب الله عليه منه، وإنما يلومه على المصيبة التي حصلت، وهي الإخراج من الجنة. فرد عليه آدم وقال: (أنت موسى كلمك الله ، وخط لك التوراة بيده، ألم تقرأ فيها أن الله قد كتب علي ذلك قبل أن يخلقني بأربعين سنة؟ قال النبي ﷺ : فحج آدم موسى، فحج آدم موسى، فحج آدم موسى). فالاحتجاج الذي حصل من آدم كان على المصيبة التي حصلت، وهي الخروج من الجنة، فاحتج آدم على هذه المصيبة بأن هذا أمر مكتوب عليه، متى احتج؟ بعد أن حصلت المصيبة ووقعت. فالاحتجاج بالقدر على المصائب التي وقعت جائز، كشخص معه سيارة فصدم بها وتكسرت أعضاؤه، فجاء بعض الناس يلومونه، فيحق له أن يحتج بالقدر ويقول: هذا أمر كتبه الله علي، لكن قبل أن يرتطم بشيء من الأشياء، قال: الله كتبها علي، ثم ارتطم، فهذا احتجاج غير صحيح. فالاحتجاج بالقدر على المصائب جائز، لكن على المعائب والذنوب لا يجوز، لعدة أمور: الأمر الأول: أنه ليس هناك دليل يدل فعلاً على أنه مكتوب عليه؛ لأنه إلى الآن لم يفعله، وهو قادر على تركه. الأمر الثاني: أنه نسب إلى علم الله وكتابه السابق شيئاً ليس عنده علم به، والله يقول: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء:٣٦]. الأمر الثالث: أن من يحتج بالقدر على الذنوب قبل أن يفعلها ليس محتجاً بالقدر، وإنما هو محتج بإرادة نفسه. الأمر الرابع: أنه لو قيل له إنه يراد قتله، أو ضربه، أو إتلاف أي عضو فيه لهرب، ولو كان يحتج بالقدر لرضي بذلك. ولهذا قيل إن عمر بن الخطاب ﵁ جيء إليه بسارق، فقال: سرقت بقدر الله، قال: ونحن نقطع يدك بقدر الله! ويروى عن عبد القادر الجيلاني أنه قال: فتحت لي في القدر روزنة: نحن نواجه قدر الله بقدر الله. يعني: قدر الله وجود الأسباب، سواء الأسباب المحرمة مثل الكفر والذنوب والمعاصي وغيرها، أو الأسباب الطبيعية المؤذية للإنسان يجب أن يواجهها الإنسان بقدر الله. فالكفر يواجهه بالهداية والإيمان والتقوى ولا يقبله، والأسباب الطبيعية مثل البرد يواجهها بالدفء، والأمراض بالدواء، وهذا هو الفقه السليم لموضوع الإيمان بالقدر. بل إن أحد الكتاب الغربيي

стр. 226

الاستطاعة قال المؤلف ﵀: [قال الله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦]. وقال الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦]]. الاستطاعة معناها القدرة، فالله لا يكلف الإنسان شيئاً لا يستطيعه، ولهذا لا يمكن أن يكلفه الله بأمر ليس داخلاً ضمن قدرته، وضمن استطاعته هذا هو المقصود بالاستطاعة. والاستطاعة نوعان: النوع الأول وهو شرط في التكليف: وهي الاستطاعة العامة التي يكون الإنسان فيها قادراً على الفعل، أو معذوراً ليس قادراً عليه. النوع الثاني: وهي الاستطاعة التي يكون الإنسان قادراً على الفعل المعين فيه. فالاستطاعة لها جانب عام، ولها جانب خاص. الجانب العام: باعتبارها شرطاً من شروط التكليف. والجانب الخاص: باعتبارها متعلقة بالمكلف نفسه.

стр. 227

التسيير والتخيير في باب القدر قال ﵀: [وقال تعالى: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ﴾ [غافر:١٧] فدل على أن للعبد فعلاً وكسباً يجزى على حسنه بالثواب، وعلى سيئه بالعقاب، وهو واقع بقضاء الله وقدره]. السؤال المشهور في باب القدر: هل الإنسان مسير أم مخير؟ إذا قلت: مسير، فهموا أنه مجبور، وإذا قلت: مخير، فهموا أن الله لم يقدر مقادير العباد ولم يكتبها عنده. ولهذا الصواب التفصيل: نقول: العبد مخير في أشياء ومسير في أشياء، مسير فيما لا قدرة له فيه مثل ما يتعلق بطوله وقصره وكونه ذكراً وليس أنثى، أو أنثى وليس ذكراً، ولونه والبلد الذي ولد فيه، وكونه ابن فلان وفلانة، وليس ابن فلان وفلانة، وهكذا، وهذا لا يترتب عليه الثواب والعقاب من الله ، فلا يعذب العباد لأن هذا طويل وهذا قصير، أو هذا لونه كذا أو هذا لونه كذا، أو هذا ابن فلان فسيعذبه لأنه ابن فلان، ولهذا ضعفت عائشة ﵂ حديث: (ابن الزنا شر الثلاثة) وقالت: إن الله يقول: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام:١٦٤] فكيف يكون ابن الزنا مذموماً مع أنه لا علاقة له بهذا الأمر، فهو ليس مختاراً في أن يكون ابن زنا أو ليس ابن زنا. ولهذا يكون النقد في علم الحديث للإسناد ويكون أيضاً للمتن، ويمكن أن يراجع رسالة نقد متون السنة للدكتور غرم الله الدميني فقد تحدث عن القواعد المتعلقة بنقد متون السنة بشكل مرتب، والمسألة مبحوثة قديماً عند العلماء. هذا ما يتعلق بكون الإنسان غير مخير في أشياء، لكنه فيما يترتب عليه الثواب والعقاب وما يمدح ويذم فيه مخير، لكن لا يعني أيضاًً كونه مخيراً أنه مستقل بالتخيير، بل الله كتب عليه كل شيء، والله علم ما سيفعله قبل أن يفعله؛ لأن علم الله واسع وشامل لكل شيء.

стр. 228

القدر في الواسطية قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: [وتؤمن الفرقة الناجية من أهل السنة والجماعة بالقدر خيره وشره. والإيمان بالقدر على درجتين، كل درجة تتضمن شيئين]. نجد أن بعض العلماء يجعل الترتيب أو التقسيم العلمي في درجات القدر على درجتين، ويجعل كل درجة على مرتبتين، وبعضهم يأتي بها جميعاً ويجعلها أربعاً دفعة واحدة، وأنها مراتب، وهذا تقسيم فني اصطلاحي. قال: [الدرجة الأولى: الإيمان بأن الله تعالى عليم بالخلق، وهم عاملون بعلمه القديم]. هذه الدرجة هي علم الله الشامل لكل شيء، ومنه أفعال العباد الذي قد رتب عليها الثواب والعقاب في الدنيا والآخرة. فالعلم هنا علم خاص وليس هو الصفة بعمومها، ومن ضمن صفة العلم: العلم بأفعال العباد؛ لأن المشكلة في موضوع القدر، هو ما يتعلق بأفعال العباد. قد تجد مثلاً إنساناً يثبت العلم كله إلا العلم بأفعال العباد، وهذا كفر، وقد انقرضت الطائفة التي كانت ترى هذا الرأي. لكن لا يوجد مسلم ولا توجد طائفة من طوائف المسلمين تقول: إن الله ليس بعالم مطلقاً بل هو جاهل، لكن يوجد من يقول: إنه غير عالم بأفعال العباد، لأن عنده إشكالاً في مسألة أفعال العباد، كيف يرتب الثواب والعقاب عليها وقد كتبها مسبقاً؟! فالعلم الذي هو مرتبة من مراتب القضاء والقدر علم خاص، أو نوع من أنواع العلم، وهو العلم المتعلق بأفعال العباد. ويلاحظ أن الصفات الموجودة مثل العلم والكتابة والمشيئة والخلق صفات عامة في مرتبة القدر، والمراد منها هو ما يتعلق بزاوية أفعال العباد، يعني: أساس باب القدر علم الله بأفعال العباد، وكتابة الله لأفعال العباد، ومشيئة الله المتعلقة بأفعال العباد، وخلق الله لأفعال العباد، لكن هذه المراتب الأربع لها جوانب أخرى غير متعلقة بأفعال العباد. العلم: هناك علم بأشياء ليست متعلقة بأفعال العباد، مثل العلم بأحوال المخلوقات الأخرى، والكواكب، وما خلقه الله من مخلوقات ليست من العباد الذين هم مناط التكليف. الكتابة: كتب الله التوراة بيده، وكتب أشياء أخرى ليست في أفعال العباد. وأيضاً المشيئة، وهكذا الخلق، فالله له مخلوقات مثل أفعال العباد، وله مخلوقات أخرى. ينبغي ملاحظة هذه القضية، وهي أن القدر يدور حول أفعال العباد، فالمرتكز الأساسي في باب القدر هو أفعال العباد.

стр. 229

علم الله بأفعال العباد قال ﵀: [الدرجة الأولى: الإيمان بأن الله تعالى عليم بالخلق، وهم عاملون بعلمه القديم الذي هو موصوف به أزلاًً وأبداً، وعلم جميع أحوالهم من الطاعات والمعاصي والأرزاق والآجال، ثم كتب الله في اللوح المحفوظ مقادير الخلق، فأول ما خلق الله القلم، قال له: اكتب؟ قال: ما أكتب، قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة، فما أصاب الإنسان لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه]. بالنسبة لقوله: (فأول ما خلق الله القلم) هذا حديث عن النبي ﷺ وهو حديث صحيح. وقوله (فما أصاب الإنسان لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن لصيبه) أيضاً جزء من حديث عبادة بن الصامت وهو حديث صحيح. قال ﵀: [جفت الأقلام، وطويت الصحف، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحج:٧٠]. وقال: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحديد:٢٢]. وهذا التقدير التابع لعلمه سبحانه يكون في مواضع جملة وتفصيلاً]. لو رجعتم إلى بعض كتب العقيدة الأخرى تجدون أنهم يأتون بصفة الكتابة ويقسمونها. يقولون: الكتابة العامة: وهي كتابة كل شيء من أحوال العباد وغيرها في اللوح المحفوظ. ثم الكتابة العمرية الواردة في حديث ابن مسعود عندما يأتي الملك وينفخ في الجنين الروح ويكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد. ثم الكتابة الحولية: وهي التقدير السنوي الذي يكون في ليلة القدر، ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان:٤]. وأيضاً هناك التقدير اليومي ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن:٢٩]. فهذه أنواع الكتابة عبر عنها الشيخ بقوله: (في مواضع جملة وتفصيلاً). يعني: أحياناً تكون جملة، وأحياناً تكون تفصيلية. وهذه المقادير بعضها يتعلق بما في كتب الملائكة، وبعضها يتعلق بما هو في اللوح المحفوظ، ولهذا في مسألة المحو والإثبات ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد:٣٩]، من أوجه الفهم في المحو والإثبات: أنه يكون في كتب الملائكة؛ لأن الملائكة تكتب أحوال العبد؛ لأنها هي التي تنفذ ما أمرها الله به في حياة الإنسان. قال ﵀: [وإذا خلق جسد الجنين قبل نفخ الروح فيه، بعث إليه ملكاً فيؤمر بأربع كلمات، فيقال له: اكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أم سعيد، ونحو ذلك، فهذا التقدير قد كان ينكره غلاة القدرية قديماً، ومنكروه اليوم قليل]. نص الحافظ ابن حجر ﵀ في الفتح على أن غلاة القدرية انقرضوا، لكن يبدو من كلام شيخ الإسلام في قوله: (ومنكروه اليوم قليل) أنه يوجد بعضهم لكنهم قليل، ولعله إن وجد يوجد عند غلاة الفلاسفة، سواء فلاسفة الصوفية أو فلاسفة الجهمية.

стр. 230

مشيئة الله النافذة وقدرته الشاملة قال ﵀: [وأما الدرجة الثانية: فهي مشيئة الله النافذة وقدرته الشاملة، وهو الإيمان بأن ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، وأنه ما في السموات وما في الأرض من حركة ولا سكون إلا بمشيئة الله سبحانه]. وهذا فيه رد على المعتزلة الذين يرون أن العبد يخلق فعل نفسه، وأنه ليس بمشيئة الله . قال ﵀: [لا يكون في ملكه ما لا يريد، وأنه سبحانه على كل شيء قدير من الموجودات والمعدومات، فما من مخلوق في الأرض ولا في السماء إلا الله خالقه سبحانه، لا خالق غيره، ولا رب سواه، ومع ذلك فقد أمر العباد بطاعته وطاعة رسله، ونهاهم عن معصيته، وهو سبحانه يحب المتقين، والمحسنين والمقسطين، ويرضى عن الذين آمنوا وعملوا الصالحات، ولا يحب الكافرين، ولا يرضى عن القوم الفاسقين، ولا يأمر بالفحشاء، ولا يرضى لعباده الكفر، ولا يحب الفساد. والعباد فاعلون حقيقة، والله خالق أفعالهم. والعبد هو المؤمن والكافر، والبر والفاجر، والمصلي والصائم. وللعباد قدرة على أعمالهم، ولهم إرادة، والله خالقهم وقدرتهم وإرادتهم، كما قال الله تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير:٢٨ - ٢٩]. وهذه الدرجة من القدر يكذب بها عامة القدرية الذين سماهم النبي ﷺ مجوس هذه الأمة]. الحديث الوارد وهو قول النبي ﷺ : (القدرية مجوس هذه الأمة)، اختلف العلماء في صحته، والشيخ الألباني ﵀ في تخريجه على السنة لـ ابن أبي عاصم يرى أنه حسن بمجموع الطرق، وتشبيه النبي ﷺ للقدرية بأنهم مجوس هذه الأمة، هو من جهة أن المجوس يرون أن الخالق هو النور والظلمة، وأن النور هو إله الخير، وأن الظلمة إله الشر، وينسبون إلى الظلمة التي هي إله الشر أفعالاً مستقلة تخلقها. فالإشراك في الربوبية عند المجوس ظاهر في كون الإله عندهم الخالق، وإن كانوا يعظمون النور ويجعلون الظلمة ليست محبوبة، وأنها ليست بمنزلة النور، إلا أنهم ينسبون لها أفعالاً مستقلة. وهكذا المعتزلة، فإنهم يرون أن الله هو الخالق مطلقاً، لكن ينسبون إلى العبد مخلوقات أيضاً، فجعلوه خالقاً مع الله . ولهذا يسميهم السلف: نفاة الصفات مشبهة الأفعال، فهم يشبهون العبد بالله في الفعل، ويجعلونه خالقاً مع الله ، لأنهم ينفون الكتابة والتقدير، وينفون خلق الله المتعلق بأحوال العباد. قال ﵀: [ويغلو فيها قوم من أهل الإثبات، حتى سلبوا العبد قدرته واختياره، ويخرجون عن أفعال الله وأحكامه حكمها ومصالحها]. يقصد بهؤلاء الجبرية والأشعرية، فإنهم يغلون في إثبات أن الله كتب مقادير العباد، وفي إثبات أن الله خلق أفعال العباد، إلى درجة أنهم ينفون قدرة العبد على فعله. ولهذا قسم ابن تيمية ﵀ في التدمرية نفاة القدر إلى ثلاثة أقسام، وجعل لكل قسم من هذه الأقسام اسماً لوجود المشابهة: فقال: قدرية مجوسية، وقدرية مشركية، وقدرية إبليسية. فالقدرية المجوسية: هم المعتزلة، شابهوا المجوس في نسبة الخلق لغير الله ، كما أن المجوس نسبوا للظلمة مخلوقات. والقدرية المشركية هم الجبرية؛ لأن المشركين احتجوا بالقدر على الشرك وقالوا: (لو شاء الله ما عبدناهم). والقدرية الإبليسية: هم الذين يعترضون بالقدر على دين الله وشرعه، وهم الزنادقة في الحقيقة، وسماهم ابن تيمية ﵀ بذلك؛ لأن إبليس اعترض على الله بالقدر أيضاً.

стр. 231

الأسئلة

стр. 232

حكم التأويل في العقائد السؤال هل إنكار التأويل مخرج من الملة؟ الجواب التأويل يمنع من التكفير، لكن بشروط وضوابط، وليس على إطلاقه. فالتأول إذا كان هناك شبهة حقيقية في الارتباط بين النص الشرعي والمفهوم الشرعي، وبين المعنى الذي أول هذا النص إليه، إذا كان هناك شبهة فهو يمنع من التكفير، لكنه يكون مبتدعاً ضالاً. أما إذا لم يكن هناك أي علاقة، وإنما هي مسألة اعتباطية حتى يفر من سيوف أهل الحق، ويزعم أنه متأول، كما تفعل القرامطة والباطنية وغلاة الصوفية عندما يستدلون على سقوط التكاليف بالوصول إلى مرحلة اليقين بقوله: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر:٩٩]، مع أن اليقين المقصود به الموت فهذا التأول ليس مقبولاً وليس عذراً لصاحبه. إذاً: لابد من ضوابط لهذا الموضوع.

стр. 233

معنى حديث: (اعملوا فكل ميسر لما خلق له) السؤال كيف يفسر حديث (اعملوا فكل ميسر لما خلق له)؟. الجواب لما ذكر النبي ﷺ الكتاب قالوا: (يا رسول الله! ففيم العمل؟ قال: اعملوا فكل ميسر لما خلق له). الصحابة في البداية فهموا أن هذه الكتابة تقتضي أن الإنسان لا يعمل، وينتظر القدر المكتوب عليه، فنبههم النبي ﷺ بأن هذه الكتابة غيب، وأن الإنسان لا يدري به، وأنه ينبغي عليه أن يعمل؛ فكل ميسر لما خلق له. والقدر لا ينافي العمل، بل إنه يقتضيه، لأن القدر بالنسبة للإنسان غيب غير مكشوف، فينبغي عليه أن يحسن الظن بالله ، وأن يجتهد في العمل الصالح، ولا يمكن للإنسان إذا أراد العمل الصالح أن يرد؛ لأن الله بين أن الإنسان إذا سلك طريق الهدى فإن نهايته للهدى، والعكس بالعكس. بالنسبة للحديث المشهور: (إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة، حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها) هذا الحديث في البخاري من حديث ابن مسعود الطويل، وقد بين العلماء أن المراد به أمران: الأمر الأول: أن هذا الإنسان منافق، ولهذا جاء في بعض الروايات: (وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة فيما يرى الناس، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها). فيكون المقصود بهذا الذي يعمل بعمل أهل الجنة هو في الظاهر للناس، لكن في الحقيقة هو منافق، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار ويدخلها حينئذ، فلا يكون في الحديث إشكال. الأمر الثاني: أن هذا الحديث جاء للتحذير من سوء الخاتمة، وليس المقصود به أن الإنسان إذا عمل بعمل أهل الجنة فإنه في الأخير لا يدخل الجنة، أو يسبق عليه الكتاب، وإنما المقصود أن الإنسان ينبغي عليه أن يحذر من سوء الخاتمة، فإن الإنسان قد يعمل بعمل أهل الجنة ثم يتساهل قبل موته بقليل، فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها. فينبغي للإنسان أن يحذر من العمل الذي يوصل إلى النار؛ لأنه قد يموت وهو لا يدري، فالمقصود به التحذير من سوء الخاتمة، وبهذا يتبين معنى الحديث. والإنسان إذا عمل بعمل أهل الجنة فإن الله يوفقه ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ [الليل:٥ - ٧]. إذاً الإنسان إذا عمل الأعمال الصالحة ييسر لها، وإذا عمل المنكر فإن الله قال: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل:١٠].

стр. 234

حكم الدعاء على اليهود والنصارى السؤال أفتى أحد علمائنا بعدم جواز الدعاء على اليهود والنصارى، فأرجو شرح ذلك؟ الجواب الحقيقة أن هذه المسألة كثير من الناس يقع عنده إشكال فيها، إما أن يأتي شخص ويسيئ الظن بهذا العالم، ويتكلم عنه، ويتصور أنه محب لليهود والنصارى، وهذا ظن سوء لا يصح للإنسان أن يظنه بعالم من علماء المسلمين، لكن بعض العلماء يرى أن الدعاء على اليهود أو النصارى بشكل عام ليس وارداً عن النبي ﷺ ، وإنما الوارد أن النبي ﷺ دعا على الظالمين المعتدين فيهم. لكن الصحيح هو جواز الدعاء على العموم، ويدعو على الظالمين منهم بشكل خاص؛ فالنبي ﷺ يقول: (لعن الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد). فهذا الحديث يلاحظ فيه العموم، واللعن في معنى الدعاء، لأنه دعاء بالطرد والإبعاد عن رحمة الله. كما يلاحظ أن سبب اللعن هو الكفر وليس الاعتداء على المسلمين. فالحقيقة أن هذه المسألة مسألة فقهية ينبغي أن تبحث في إطارها الفقهي، وإذا اختار أحد العلماء رأياً في هذه المسألة فإنه لا يثرب عليه ولا ينكر، ولكن بعض الناس قد يظن أن هذا العالم يحترم أو يقدر اليهود أو النصارى، وهذا ما لا يجوز أن يظن بعالم من العلماء. لكن بعض العلماء يقول: لا تدعوا بشكل إجمالي، لكن ادعوا على الظالمين، وهذا هو الوارد عن النبي ﷺ . إذاً: ينبغي أن ندرس المسألة في هذه الحدود أنها مسألة فقهية، وإن كان الإنسان قد يكون مخطئاً فيها أو مصيباً لكن لا ينبغي أن نتجاوز بالمسألة هذه الحدود، وأنها مسألة فقهية اجتهد فيها بعض أهل العلم، وهي من المسائل المختلف فيها لوجود أدلة متعددة في المسألة.

стр. 235

دراسة موضوعية [١١] الإيمان قول وعمل، قول القلب واللسان، وعمل القلب والجوارح، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، هذا ما دلت عليه نصوص الكتاب والسنة، وعليه سلف الأمة، وبما أن الإيمان ينقص بالمعصية فليس كل من ارتكب معصية يكون كافراً، بل من المعاصي ما هو كفر، ومنها ما ليس كفراً، فمن ارتكب مكفراً كفر، ومن لا فلا.

стр. 236

مراعاة بعض الأمور في كل فنٍّ يطلبه طالب العلم في الدروس الماضية توقفنا عند الأمور التي لا بد من مراعاتها في كل فن يطلبه طالب العلم، وهي حفظ مختصر فيه وضبطه على شيخ متقن، وعدم الاشتغال بالمطولات وتفاريق المصنفات قبل الضبط والإتقان لأصله، ولا تنتقل من مختصر إلى آخر بلا موجب، فهذا من باب الضجر، وينبغي اقتناص الفوائد والضوابط العلمية، وجمع النفس للطلب والترقي فيه، والاهتمام والتحرك للتحصيل والبلوغ إلى ما فوقه، حتى تفيض إلى المطولات بسابقة موثقة. وقد سبق أن علقنا على هذه الأمور، وأن هناك فرقاً بين طلب العلم الشرعي الذي يحتاج الإنسان فيه إلى التأصيل العلمي، وبين الثقافة العامة وأن يكون الإنسان فكرة عن علم من العلوم، أو نوع من أنواع الفنون المتعددة. فالفرق بين العلم الشرعي المؤصل، وبين الثقافة العامة: هو أن العلم الشرعي المؤصل يعتمد على الإتقان والضبط؛ ولهذا اجتهد أهل العلم في تأليف المختصرات المنضبطة التي تحتوي على أهم المسائل والقضايا المتعلقة بهذا العلم، بحيث إن الإنسان إذا ضبط هذا المختصر، فقد ضبط الأصول والقواعد التي ينبغي للإنسان أن يدركها في هذا الفن، ثم ينتقل إلى كتاب أعلى منه بقليل، ثم أعلى من الثاني بقليل، وهكذا حتى يتقن؛ لأن البناء -كما تعلمون- لا يتم إلا إذا وجدت هناك قواعد يبني الإنسان عليها، فإن البناء سيكون قوياً بقدر ما تكون القواعد التي بني عليها قوية أيضاً. فأنتم تلاحظون أن من الأمور التي لا بد من مراعاتها كما ذكره الشيخ: عدم الاشتغال بالمطولات وتفاريق المصنفات قبل الضبط والإتقان لأصله، وكل علم من العلوم الشرعية فيه مصنفات مطولة، وفيه مصنفات متوسطة، وهناك مصنفات عبارة عن كتب مختصرة، لكنها مركزة في هذا العلم، فلا ينبغي للإنسان أن يشتغل في القراءة في المصنفات العامة قبل أن يتقن مختصراً في هذا العلم؛ لأنه إذا أتقن مختصراً من المختصرات في هذا العلم، فإنه عندما يقرأ في المطولات سيُردُّ كثيراً من التفاصيل إلى الأصول التي قرأها في مختصره؛ ولهذا فإن الثقافة العامة تعتمد على تجميع المعلومات، يحفظ الإنسان ما يحفظه منها وينسى ما ينساه منها. فالإنسان تجد عنده مجموعة معلومات، لكن معلومات مفرقة، والروابط بين هذه المعلومات ومعرفة جذور هذه المعلومات ليست بجيدة، وليست على مستوىً تؤهل هذا الإنسان للفقه في الدين الذي حث عليه النبي ﷺ ، فالنبي ﷺ عندما قال: (من يرد الله به خيراً يفقه في الدين)، يعني: يفهمه هذه الأحكام، والتفهم يقتضي أن يتريث الإنسان، وأن يتأنى، وأن يقرأ العلم قراءةً متأنيةً هادئةً، ويحفظه ويضبطه، وهكذا كانت طريقة العلماء من زمن الصحابة رضوان الله عليهم إلى اليوم، فإنك عندما تقارن بين عالم من العلماء يفتي في باب العقيدة وفي باب الفقه، وفي كل الأبواب تجد أنه لم يتوصل إلى هذا المستوى إلا بعد هذا التدرج الذي ذكرناه، وتجد أشخاصاً مثقفين لديهم معلومات متنوعة، لكن هذه المعلومات المتنوعة لا تؤهله للإفتاء، وإذا أفتى أو تكلم في علم من العلوم خلط، وأصبح ينقض بعض الأصول التي دلت عليها عشرات الأدلة الشرعية والعقلية ونحو ذلك؛ ولهذا كان الحافظ ابن حجر ﵀ عندما يذكر بعض المصنفين الذين يخبطون خبط عشواء يقول ﵀ تعليقاً على ذلك: من تكلم في غير فنه يأتي بالعجائب! فالإنسان الذي يتكلم في علم من العلوم وهو لا يتقن هذا العلم، فإنه سيأتي بالغرائب والعجائب فيه.

стр. 237

كيفية الطلب والتلقي قال الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد حفظه الله تعالى في كيفية الطلب والتلقي: [وكان من أهل العلم من يدرس الفقه الحنبلي في زاد المستقنع للمبتدئين، والمقنع لمن بعدهم للخلاف المذهبي، ثم المغني للخلاف العالي، ولا يسمح للطبقة الأولى أن تجلس في درس الثانية وهكذا، دفعاً للتشويش]. هذا من باب تنظيم المعلومات، فالمدارس النظامية تكونت في المجتمع الإسلامي في المساجد في بداية الأمر، فقد كانوا في المساجد يدرسون العلم، فمن خلال تدريس العلم بدءوا يصنفون الطلاب، ويجعلون للمبتدئين كتباً، ويجعلون للمتقدمين كتباً، وللذين أعلى منهم كتباً، ويجعلون للمتقدمين مجموعةً من الكتب، حتى تكونت المدارس النظامية، والمدارس النظامية التي يوزع فيها الطلاب أول من بدأ هذه المدارس النظامية هو وزير من وزراء الدولة العباسية يقال له: نظام الملك، وبدأ مدرسة في العراق، وكان ممن يدرس فيها أبو حامد الغزالي، صاحب المصنفات المشهورة، وكان نظام الملك صنع هذه المدارس، ثم نجحت هذه الفكرة فعممت في البلاد الإسلامية، وأصبحت المدارس النظامية كثيرة جداً، مثل دار الحديث الأشرفية في دمشق، وابن القيم الجوزية منسوب لمدير إحدى هذه المدارس، فالجوزية كانت مدرسة في دمشق، أبوه قيم عليها، وقيم معناه: مدير لها، وابن القيم ابنه؛ ولهذا نسب إليها لشهرتها ولشهرة هذا المدير. فهذا التقسيم أمره طبيعي حتى تحصل الإنسان العلم بشكل متقن ومؤسس، يعني: يبدأ الطالب في كتاب، فإذا انتهى منه وأتقنه انتقل إلى كتاب أعلى منه، فيستفيد في تأكيد معلوماته السابقة، ويزيد عليها، ثم ينتقل إلى الأعلى، وهكذا حتى ينتهي من هذا العلم إلى المطولات الطويلة التي يشتغل بعد ذلك بجردها وتصحيح ما فيها. قال: [واعلم أن ذكر المختصرات فالمطولات التي يؤسس عليها الطلب والتلقي لدى المشايخ، تختلف غالباً من قطر إلى قطر، باختلاف المذاهب، وما نشأ عليه علماء ذلك القطر من إتقان هذا المختصر والتمرس فيه دون غيره]. كثير من طلاب العلم، أول ما يبتدئ طلبه للعلم يبدأ يسأل: ما هي الكتب التي يبدأ بها؟ وليس المهم هو الكتب في حد ذاتها بقدر أن يدرك الإنسان أنه يبدأ بالمختصرة، ثم ينتقل إلى الأعلى ثم إلى الأعلى ثم إلى الأعلى، هذه هي الفكرة الأساسية. أما أن الكتاب الفلاني أكثر فائدة فإن هذا راجع إلى ما اعتاد عليه الناس في أقطارهم، فمثلاً عندنا القطر الحجازي، كانت تدرس هناك كتب تختلف عن الكتب التي كانت تدرس في القطر النجدي، وتختلف عن الكتب التي تدرس في القطر اليماني، وتختلف عن الكتب التي تدرس في القطر المصري والقطر المغربي والشامي ونحو ذلك، لكن أهم شيء في المسألة هو أن يتدرج الإنسان وأن يبدأ بمختصر، ثم ينتقل إلى أعلى منه، وأن تكون هذه الفقرة مضبوطة، وأن يكون الشيخ الذي يدرس هذا المختصر متقناً له، يفهم ما هي مسائل هذا المختصر ويدركها إدراكاً جيداً. هذه هي أهم قضية في هذا الموضوع؛ ولهذا نجد أن الشيخ هنا وضع مجموعة من الكتب، ويسميها بعض المشايخ برنامجاً عملياً، فالشيخ عبد العزيز قارئ له كتاب اسمه برنامج عملي للمتفقهين. فإني أنصح طلاب العلم بالرجوع إلى كتب العلماء المشهورين، مثل الشيخ بكر أبو زيد، وعبد العزيز قارئ وغيرهم، وإن كان بعض طلبة العلم قد يجتهد ويضع برنامجاً، لكن الالتزام بما يذكره أهل العلم الكبار أولى وأنفع لطالب العلم، فيضعون برامج لطالب العلم، بينما نجد في كتاب الشوكاني: نهاية الأرب في أدب الطلب مجموعةً من الكتب ليست موجودة عندنا الآن، وليس لها شيوخ يدرسونها، ولم يدرسوا هذه الكتب، وهكذا في القطر المصري، وهكذا في غيرها من الأقطار. قال: [والحال هنا تختلف من طالب إلى آخر باختلاف القرائح والفهوم وقوة الاستعداد وضعفه، وبرودة الذهن وتوقده، وقد كان الطلب في قطرنا بعد مرحلة الكتاتيب، والأخذ بحفظ القرآن الكريم يمر بمراحل ثلاث لدى المشايخ في دروس المساجد، للمبتدئين ثم المتوسطين، ثم المتمكنين، ففي التوحيد ثلاثة الأصول وأدلتها، والقواعد الأربع، ثم كشف الشبهات، ثم كتاب التوحيد أربعتها للشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى، هذا في توحيد العبادة. وفي توحيد الأسماء والصفات: العقيدة الواسطيه، ثم الحموية، والتدمرية؛ ثلاثتها لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، فالطحاوية مع شرحها. وفي النحو: الأجرومية، ثم ملحة الإعراب للحريري، ثم قطر الندى لـ ابن هشام، وألفية ابن مالك مع شرحها لـ ابن عقيل. وفي الحديث: الأربعين للنووي، ثم عمدة الأحكام للمقدسي، ثم بلوغ المرام لـ ابن حجر، والمنتقى للمجد بن تيمية رحمهم الله تعالى، فالدخول في قراءة الأمهات الست وغير

стр. 238

الكلام في باب الإيمان باب الإيمان من الأبواب المهمة في الاعتقاد، وهو من أبرز الأبواب التي اعتنى بها السلف بياناً وتوضيحاً وشرحاً وتصنيفاً، وهو كذلك من أوضح مسائل الدين التي بينها النبي ﷺ في قوله وفعله، وكذلك الصحابة رضوان الله عليهم. ومسائل الإيمان لو رجعنا إلى القرآن والسنة لوجدنا أن أغلب آيات القرآن وأحاديث النبي ﷺ تتحدث عن الإيمان، فالإيمان هو أساس الدين، وهو أصل الدين، وهو الأصل الذي ينبغي على الإنسان أن يعرفه أول ما ينبغي؛ ولهذا كانت له أهمية بالغة في العقيدة. ومع هذا فإن باب الإيمان وقع فيه خلط كبير في واقع المسلمين، وكان باب الإيمان هو أول مسألة وقع فيها التفرق والاختلاف في حياة المسلمين، وذلك عندما خرجت الخوارج وكفرت مرتكب الكبيرة، ثم بعد ذلك خرجت المرجئة كرد فعل للخوارج، وجعلت الإيمان محصوراً في التصديق القلبي، ولا يزال الخلاف والتخبط موجوداً إلى اليوم في مسألة الإيمان، فالدعاة إلى الله والمصلحون الذين يسمونهم (الإسلاميين) وقعوا في الخلاف الذي وقعت فيه الأمة قبل ذلك؛ ولهذا وجد فيهم الخوارج، ووجد فيهم المرجئة، ووجد فيهم من اتبع منهج السلف، ووجد فيهم طوائف قريبة من الخوارج، وطوائف قريبة من المرجئة، وإن كان رسمها العام على منهج السلف وشعارها العام هو اتباع منهج السلف الصالح. ومن هنا فلا بد من معرفة مسائل الإيمان وحقيقته، حتى لا يضل الإنسان في هذا الزمان الذي كثرت فيه الفتن، وكثرت فيه الأقوال، وتشعبت واختلفت، وأصبح كل إنسان مسروراً برأيه، ومفتخراً به، وقد لا يكون هو الصواب.

стр. 239

حقيقة الإيمان أجمع السلف الصالح رضوان الله عليهم على ما دلت عليه نصوص الكتاب والسنة من أن الإيمان قول وعمل، ومعنى (قول): قول القلب وقول اللسان، ومعنى (عمل) عمل القلب وعمل الجوارح. نأخذ أولاً القول: فالقول ينقسم إلى ركنين: أولاً: قول القلب، ومعنى قول القلب: تصديق القلب بما أخبر الله به، وبما أخبر به رسول الله ﷺ في الكتاب والسنة، من أمور العقائد والأحكام. وقول اللسان: هو نطق الشهادتين، وذكر الله، ودعاء الله ، والدعوة إلى الله، ونحو ذلك من مسائل الإيمان. الركن الثاني في الإيمان: العمل، والعمل ينقسم إلى قسمين: عمل القلب وعمل الجوارح، فأما عمل القلب فهو الخوف، والمحبة، والرضا، والتوكل، والإنابة، ونحو ذلك. وأما عمل الجوارح: فمثل الصلاة، والصيام، والحج، والزكاة، والجهاد في سبيل الله، ونحو ذلك، فهذا ما يتعلق بحقيقة الإيمان، وهذا الإيمان مطابق للدين كله، فنحن إذا أردنا أن نقسم الإيمان بناءً على جوارح الإنسان نجد أن الإيمان ينقسم إلى ثلاثة أقسام: قسم منه متعلق بلسان الإنسان، وهذه هي التي يكون فيها العبادات المشهورة مثل: نطق الشهادتين، وذكر الله ، والدعاء، والدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. والقسم الثاني: عمل الجوارح، وهي التي تتعلق بأعضاء الإنسان، مثل الصلاة التي يفعلها بجوارحه، والصيام، والزكاة، والجهاد في سبيل الله، وإعانة المحتاج، وبر الوالدين، ونحو ذلك مما يحتاج الإنسان فيه إلى جوارحه وأعضائه حتى يحقق هذه العبادة. القسم الثالث من جوارح الإنسان المتعلقة بالإيمان: القلب، والقلب فيه من الإيمان أمران: الأمر الأول: قول القلب، وهو تصديقه، والأمر الثاني: عمل القلب وهو قدر زائد على التصديق، يدخل فيه التوكل والمحبة والخشية ونحو ذلك، فمحبة الله قدر زائد على مجرد تصديق الخبر، وهذا التفصيل العلمي بهذه الطريقة هو عمل القلب، وهناك قاعدة فيما يتعلق بالمصطلحات والتقسيمات العلمية، فالمصطلحات والتقسيمات العلمية هي بحسب مدلولها، وبحسب معناها ومفهومها، فإن كان معناها ومفهومها معنى شرعياً ومفهوماً شرعياً، فإنه حينئذٍ يكون هذا التقسيم وهذا المصطلح صحيحاً بإضافة شرطين إليها: الشرط الأول: أن يكون مدلول المصطلح اللغوي منطبقاً على ما استخدم فيه. والأمر الثاني: أن يكون جامعاً ومانعاً، أو مطرداً ومنعكساً على تعبير الأصوليين. بهذه الطريقة يكون المصطلح صحيحاً؛ ولهذا عندما ننكر مصطلحات علم الكلام أو مصطلحات الصوفية، أو بعض مصطلحات الفلاسفة وغيرهم، هذه المصطلحات نحن ننكرها لا لأنها مصطلحات جديدة أو أسماء جديدة، وإنما ننكرها لأنها تتضمن مفاهيم ومعاني نص الشرع على بطلانها. فينبغي إدراك هذه القضية؛ لأن كثيراً من الناس مع الأسف يظلم أهل السنة السلفيين، ويقول: إن هؤلاء نصيُّون، لا يستخدمون العقل، ولا يستخدمون المصطلحات الجديدة ولا يتفهمون، وإذا أخرجت الواحد منهم عن القضايا النصية لا يستطيع أن يعطي جواباً. وهذا من الظلم، فإن أهل السنة من أعلم الناس، ومن أصدقهم ديناً، ومن أفهمهم وأقواهم استدلالاً عقلياً وعلمياً؛ ولهذا فقول النبي ﷺ : (لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين)، من معانيها أن الظهور يكون بالحجة والبيان، فهم أشد الناس حجة، وأدق الناس حجة ومحجة، لكن الناس يظلمون أهل السنة ظلماً كبيراً. وقد يوجد في أهل السنة من هو مقصر؛ لكن منهج السلف ومنهج السنة الموجود في الكتاب، والموجود في السنة، والذي عليه عامة أهل السنة منهج منضبط يستدل بالعقل، ويستدل بالنص. وللعقل مكانة عظيمة فيه؛ لأن العقل ممدوح، وأهل السنة لا يعيبون المصطلحات؛ لأنها جديدة، ولا يخافون من الإبداع، لكن الإبداع إذا كان مخالفاً لأصول النص فهو مرفوض وغير مقبول؛ لأن مخالفة النصوص الشرعية هي مخالفة لله، ومخالفة للرسول ﷺ ، ونحن علمنا صدق الرسول وصدق ما جاء به، بناءً على مقتضيات العقل، وبناءً على اللوازم التي علمها الإنسان من صحة نبوته، ودلائل هذه النبوة، وبناءً على هذا فكل ما أخبر به فهو عين الصواب وعين العقل وعين الحكمة، وهو ﷺ لا يمكن أن يخبر إلا بالحق والصواب وما فيه صلاح الإنسانية؛ لأنه يأتي بهذا الخبر من عند الله الذي خلق الناس، إذاً هذا تعليق على قضية المصطلحات.

стр. 240

موضوع الإيمان أما موضوع الإيمان فحقيقته على نحو ما سبق، أي أن الإيمان تصديق القلب، وهذا لا يخالف فيه أحد إلا الجهمية الذين قالوا: إن الإيمان هو مجرد المعرفة، ومسألة دخول عمل القلب وعمل الجوارح ونطق اللسان هو الذي وقع فيه النزاع المشهور بين أهل السنة من جهة، والمرجئة من جهة أخرى. وقد ذكر البخاري ﵀ ذلك، قال: لقيت أكثر من ألف من العلماء، من أهل مصر والعراق، والشام، والحجاز، واليمن، والمغرب، كلهم يقول: إن الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص. وأهل السنة عندما اتفقوا على هذا الأمر، اتفقوا على أقصر عبارة في الإيصال للمدلول، وهو قولهم: قولٌ وعمل، فمن حصر الإيمان في القول فقد أخرج نصف الدين، ومن حصر الإيمان في العمل فقد أخرج النصف الآخر وهو القول، فالإيمان مركب من القول والعمل، وهذا التركيب تركيب ممزوج بعضه مع بعض؛ ولهذا عندما نفصل ونقول: قول اللسان وعمل الجوارح، واعتقاد القلب، فهذا لا يعني أن كل جزء من هذه الأجزاء منفصل عن الآخر، بل الإنسان هو جزءٌ واحد، لكن التقسيم العلمي اضطرنا للتبيين بهذه الطريقة؛ لأن الإنسان إذا صلى مثلاً، هل الصلاة عبادة بالجوارح فقط؟ لا، يدخل فيها عبادة اللسان؛ فلا يصح أن يصلي الإنسان بدون أن يقرأ الفاتحة، وقراءة الفاتحة تكون باللسان. هل يمكن للإنسان أن يصلي دون أن يكون في قلبه خوف من الله وإرادة وتوجه إلى الله؟ لو لم يكن في قلبه توجه إلى الله ونية تتعلق بأن تكون هذه الصلاة لله لما كانت مقبولة؛ ولهذا فالإنسان مجموع متكامل، لكن عندما نأتي في تقرير المسائل العلمية نبين هذه التفصيلات، ثم نبين أن بينها ارتباطاً، فالإيمان قول وعمل، وكل قسم من هذين القسمين مرتبط بالآخر؛ ولهذا جاء في بعض نصوص السلف: لا قول إلا بعمل، ولا عمل إلا بقول. وزاد بعض السلف في التعريف: الإيمان قول وعمل ونية؛ لأن النية عمل القلب فأرادوا إبرازه؛ لأنهم خشوا أن ينصرف الذهن عند تعريف الإيمان إلى أنه قول وعمل، فينصرف الذهن إلى أن القول قول اللسان والعمل عمل الجوارح، فيفهم أن القلب لا يتعلق به شيء من مسائل الإيمان فزادوا النية. ولهذا فمن عبارات السلف في الإيمان: الإيمان قول وعمل، الإيمان قول وعمل ونية. الإيمان قول وعمل ونية واتباع للسنة، الإيمان قول باللسان وتصديق بالجنان وعمل بالأركان، هذه العبارات مختلفة في الظاهر لكنها متفقة في الحقيقة، فهي كما يقولون: مثل تعبيرات الصادقين عن حقيقة واحدة. أنت عندما تسأل مجموعة من الصادقين عن طريق مكة مثلاً، يعبرون بتعبيرات مؤداها واحد، لكن طرقها مختلفة، فالجميع وصل إلى نتيجة واحدة، لكن التعبير اختلف، فينبغي إدراك هذا المعنى، وهذا ما ذكره شيخ الإسلام ﵀ في كتابه العظيم الإيمان. والإيمان يزيد وينقص، وقد دلت نصوص كثيرة جداً على أن الإيمان يزيد وينقص، وستأتي قراءتها بإذن الله.

стр. 241

الأدلة على أن الإيمان قول وعمل مما يدل على أن العمل داخل في حقيقة الإيمان: أن الإمام البخاري ﵀ في كتاب الإيمان من صحيحه بوب باباً، قال: باب من قال إن الإيمان هو العمل، ثم ساق فيه حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ سئل: (أي العمل أفضل؟ قال: إيمان بالله ورسوله، قيل: ثم ماذا؟ قال: الجهاد في سبيل الله، قيل: ثم ماذا؟ قال: حج مبرور). فالسؤال الآن عن العمل، فقال: (إيمان بالله ورسوله)، فلو كان الإيمان ليس فيه عمل لكانت هذه الإجابة غير صحيحة، وحاشا أن يكون جواب النبي ﷺ غير صحيح، والله يقول: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزخرف:٧٢]، فالإنسان لا يمكن أن يدخل الجنة إلا وهو مؤمن. وهكذا كثير من النصوص تدل على أن العمل من الإيمان، منها مثلاً أن الآية المشهورة في الصلاة، ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة:١٤٣]، نزلت في الذين كانوا يصلون إلى بيت المقدس ثم ماتوا، ثم نسخت بعد ذلك الصلاة إلى بيت المقدس بالصلاة إلى البيت الحرام، فتساءل الصحابة عن حال هؤلاء؟ فقال الله : ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة:١٤٣]، يعني: ما كان الله ليضيع صلاتكم إلى بيت المقدس؛ ولهذا سمى الصلاة إيماناً. هناك نصوص متعددة سيأتي الإشارة إليها، من أبرزها حديث شعب الإيمان، فالنبي ﷺ يقول: (إن الإيمان بضع وستون شعبة، فأعلاها قول لا إله إلا الله)، إذاً: القول من الإيمان، (وأدناها: إماطة الأذى عن الطريق)، وهذا عمل من أعمال الجوارح، (والحياء شعبة من الإيمان)، والحياء عمل قلبي.

стр. 242

الأدلة على زيادة الإيمان ونقصانه الإيمان يزيد وينقص، والأدلة على زيادة الإيمان ونقصانه كثيرة، منها قوله تعالى: ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح:٤]. والدليل على أن الإيمان ينقص أيضاً: قول النبي ﷺ : (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فمن لم يستطع فبلسانه، فمن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان)، وهذا يدل على أن الإيمان فيه مستوى ضعيف، وفيه مستوى عال. وأيضاً حديث الشفاعة المشهور بحديث الجهنميين، وفيه أن النبي ﷺ قال: (يخرج من النار من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان)، وهذا يدل على أن الإنسان يمكن أن يكون في قلبه مثقال حبة من خردل، ويمكن أن يكون أعلى، فالإيمان يزيد وينقص.

стр. 243

مسألة تكفير أصحاب المعاصي ومن مسائل الإيمان المهمة هو أن السلف لا يكفرون أصحاب المعاصي، والمعاصي عند السلف تنقسم إلى قسمين: معاصي هي كفر وشرك بالله، وهذه تخرج عن الملة. ومعاصٍ ليست كفراً ولا شركاً بالله، مثل الزنا، وشرب الخمر، وأكل الربا، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات، وغيرها من الكبائر، فهذه لا تخرج عن الملة إلا إذا استحلها الإنسان، أي: إذا اعتقد أنها حلال. والإنسان إذا اعتقد في معصية من المعاصي المنصوص عليها في الكتاب والسنة أنها حلال يكون كافراً؛ لأن الاستحلال نقض لأساس الإيمان الذي في القلب، فالعاصي عند أهل السنة، إذا ارتكب معصيةً ننظر في هذه المعصية، فإن كانت شركاً ننظر، هل هي شرك أكبر أم أصغر؟ فإن كان أكبر فإنه يخرج من الملة، وإن كان أصغر فإنه لا يخرج من الملة. فإن قيل: كيف يمكن أن نميز بين الشرك الذي يخرج من الملة، والشرك الذي لا يخرج من الملة؟ الجواب بالأدلة الشرعية. وأما بقية الذنوب والمعاصي فإنها لا تخرج من الملة، يقول الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨]، فقسم المعاصي إلى قسمين: شرك لا يغفره الله، وما دون ذلك يغفره الله لمن يشاء، فمن أبرز الذنوب والمعاصي قتل المؤمن متعمداً، والله يقول: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء:٩٣]، ومع ذلك فإن هناك نصوصاً شرعية أخرى تبين أن قاتل النفس ليس بكافر، منها قول الله : ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة:١٧٨]، فقوله: ((فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ)) فيه دليل على أن القاتل العمد ليس بكافر ولا خارج عن الإسلام، ويؤخذ ذلك من أمرين: الأمر الأول: هو جواز أخذ الدية والعفو عنه، فجواز أخذ الدية يدل على أن هذا القاتل ليس بكافر؛ لأنه لو كان كافراً لما جاز أخذ الدية، بل يجب أن يقتل؛ لأنه كافر. والأمر الثاني: قوله: ((مِنْ أَخِيهِ))، فجعل القاتل أخاً للمقتول، ولو أن المفاصلة في الدين لما سماه أخاً؛ ولهذا جاء في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: (النفس بالنفس، والثيب الزاني، والتارك لدينه المفارق للجماعة)، فبين أن النفس بالنفس غير التارك لدينه المفارق للجماعة. فأصحاب المعاصي عند أهل السنة لا يكفرون إلا إذا استحلوا هذه المعاصي، ولهذا جاء عن النبي ﷺ في حديث أبي ذر المشهور، قال: (قال: وإن زنى وإن سرق رغم أنف أبي ذر). هذا يدل على أن هذا الإنسان ليس بكافر بل هو مسلم، وهو الذي يسميه أهل السنة الفاسق الملي، يعني: الفاسق الذي خرج عن مستوى الإيمان العالي بفسقه، لكنه ما زال مسلماً من أهل الملة، يسمونه الفاسق الملي. أما المكفرات ونواقض الإيمان فقد تحدث عنها أهل العلم، وهي التي تكون من المعاصي، لكن صاحبها يكون كافراً، مثل عبادة غير الله ، وتكذيب الرسول ﷺ ، والطعن في نبوته، وسب الله أو سب الرسول ﷺ وسب الدين، ومثل السحر إذا كان فيه عبادة لغير الله، ومثل تكفير كل الصحابة بدون استثناء، أو استثناء عدد محدود مثلما يفعل الشيعة، ومثل تحكيم القوانين الوضعية.

стр. 244

مسألة الحكم بغير ما أنزل الله الحكم بغير ما أنزل الله وقع فيه لبس كبير في حياة المسلمين؛ لأن الناس يخلطون بين المسائل؛ لكن عند التمييز فإن المسائل تتضح، فالحكم بغير ما أنزل الله اسم عام، يقع على أنواع متعددة، منها ما هو كفر بالله قطعاً، ومنها ما ليس كفراً، وإنما هو من الذنوب والمعاصي، فمن الحكم بغير ما أنزل الله وهو من الذنوب والمعاصي أن القاضي الذي يحكم بالشريعة يحكم في هذه المسألة بالرشوة مثلاً، أو بمجاملة حاكم من الحكام، أو صديق من الأصدقاء، أو قريب من الأقارب، فهذا حكم بغير ما أنزل الله، لكنه لا يكون مخرجاً من الملة، بل هذا من أصحاب الكبائر، والكفر الذي وقع فيه هو كفر أصغر، ليس بأكبر. أما ما هو كفر فكالذي يستبدل شريعة بدل الشريعة، كما هو واقع في كثير من بلاد المسلمين، حيث تأتي حكومة من الحكومات فتنحي الدين كله، وتنحي أحكام الله الشرعية فيما يتعلق بالدماء وفيما يتعلق بالأعراض، وفيما يتعلق بالعقار والأملاك، ويجعلون الدين محصوراً في الأحوال الشخصية فقط، مثل الزواج والنكاح، والإرث، وتقسيم الميراث، هذه الأحوال الشخصية، يجعلها القضاة حسب المذهب الذي فيه البلد، لكن في القتل يختلف الحكم، ففي حد الردة، مثلاً: يأتي شخص ويكفر بالله علانية ولا يطبقون عليه حد الردة، إما أن يجعلوا عليه غرامة ألف ريال، أو يسجنوه أسبوعاً أو أسبوعين ويطلقون سراحه، هذا في حالة أنه حوكم، لكن في بعض البلاد قد لا يحاكم. فمن بدل الدين ونحى الشريعة عن الحكم، وجاء بقانون استورده أو اخترعه في شئون الناس، موضع للزنا أحكاماً من رأسه، وكذلك شرب الخمر والقتل والردة لا شك أنه من المرتدين؛ لأن هذا إعراض تام عن دين الله ، وإذا كان هذا النوع ليس بكفر فإنه ليس في دين الله كفر أصلاً.

стр. 245

الديمقراطية وأقسامها وحكم كل قسم الديمقراطية التي يتحدث عنها الناس تنقسم إلى قسمين: ديمقراطية يكون التشريع فيها بغير ما أنزل الله، ويخترع الناس أحكاماً فيما يتعلق بالدماء والأعراض، توافق أهواءهم، فهذا كفر وخروج عن دائرة الإسلام. والقسم الثاني: آلية الديمقراطية وهي الانتخابات، مثلاً مجموعة من الناس ينتخبون لهم شخصاً يكون مسئولاً عنهم، فإذا كان انتخبه مجموعة من الناس ليكون مسئولاً عنهم، ويحكم بما أنزل الله فإن هذه الانتخابات وسيلة من الوسائل، تناقش من جهة أخرى غير جهة التشريع. نقول: إن الأصل في أخذ الرأي أن يكون لأهل الحل والعقد، وأهل التمييز، وأن لا نسوي بين إنسان عادي صاحب ثقافة بسيطة مع عالم من العلماء، أو مع رجل مفكر أصحاب العقول الواعية، ولهذا فطريقة الانتخاب في الشرع تختلف عن الطريقة العصرية التي هي طريقة الديمقراطية. فالانتخاب في الشرع يتم عن طريق أهل الحل والعقد، هناك مجموعة في كل أمة من الأمم -وفي الأمة الإسلامية بالذات- يسمون أهل الحل العقد، كعلماء مؤثرين، أو رؤساء الأجناد الذين يؤثرون في الناس، أو مشايخ القبائل من أهل الصلاح، هؤلاء يجتمعون فيرشحون الشخص الذي يحكمهم أو يدير شئونهم، هكذا يكون الانتخاب، هذا إذا كان انتخاباً مجرداً. أما الديمقراطية الغربية فحقيقتها أن الناس يجتمعون ويرشحون أشخاصاً ينوبون عنهم، يسمونهم النواب، وهؤلاء النواب يشكلون لجنة للتشريعات، يعني: تشرع للناس قوانين، وهل المقصود بها تشريعات إدارية، يعني: عبارة عن أنظمة إدارية كتحديد الدوام من الساعة السابعة إلى الساعة الثانية عشرة مثلاً؟ لا، ليست كذلك، فإن هذه أنظمة عادية ليس فيها إشكال، ولا يتجاوزها إلى درجة أنهم يشرعون للناس فيما بيّن الله فيه من الأحكام، مثل القتل يشرعون فيه تشريعاً، والزنا يشرعون فيه تشريعاً، والعقار يشرعون فيها تشريعاً، والملكية يشرعون فيه تشريعاً، والبيع والشراء يشرعون فيه تشريعاً، وهذه التشريعات ليست تشريعات ربانية يأخذونها من النصوص، وإنما هي تشريعات مأخوذة من أهوائهم وأمزجتهم؛ ولهذا عندما يجتمعون يطرحون مسألة من المسائل، وأي مسألة من المسائل يحق لأي نائب من النواب أن يعترض عليها ولو كان الأمر فيها شرعياً. ففي بعض البلدان الإسلامية مع الأسف طُرِح نظام اسمه نظام العقوبات الشرعية، طرحه مجموعة من الإسلاميين الذين كانوا يشاركون في البرلمان، أو في مجلس الأمة -كما يسمونه- هذه التشريعات الإسلامية تقضي أن تقطع يد السارق إذا تحققت الشروط، وإذا زنا الزاني يجلد، وإذا قتل القاتل يقتل، بالضوابط الشرعية؛ فما هو موقف هؤلاء؟ قالوا: نحن نرفض هذا جملة وتفصيلاً، لأننا لو فعلنا ما تريدون لجعلنا نصف البلد مقطوعي الأيدي، والنصف الثاني مجلودي الظهور، وهذا فيه اعتراف بأن البلد كله ما بين زناة وسارقين، وهذه مصيبة من ناحية أدبية، وأعظم منها أنها مصيبة من ناحية شرعية، كيف ترد كلام الله وكلام الرسول ﷺ . ولهذا فإن هذه المصيبة التي ابتلي بها المسلمون في هذا الزمان هي في الحقيقة كفر مخرج عن الملة، وهذا الأمر الخطير بهذا الأسلوب جعل كثيراً من الناس يتردد؛ لأن كثيراً من الناس ظن أنك إذا قلت: إن الحكم بغير ما أنزل الله ناقل عن الملة أنه يلزمك أن تكفر كل الحكومات، وظن أنه إذا لزمك أن تكفر كل الحكومات فإنه يلزمك أن تقاتلها في هذا الوقت. وهذا غير صحيح بهذا الأسلوب؛ ولهذا فإن كثيراً من الناس بدأ يتراجع عن تكفير الحكم بغير ما أنزل الله بهذه الطريقة، وأصبح بعض الناس يقسم الكفر إلى كفر عملي لا ينقل عن الملة، وإلى كفر اعتقادي ينقل عن الملة بناءً على هذا، وحصلت فتنة كبيرة جداً في مفهوم الإيمان بسبب الهروب من الواقع، وبسبب الخوف من الواقع الموجود في حياة الناس، وشدة الأزمة الموجودة، وجعل كثيراً من الناس يهرب ويغير بعض القناعات الشرعية التي دلت عليها النصوص بسبب الواقع الموجود. والحقيقة أنه لا ينبغي للإنسان أن يكون بهذه الصورة، فالحقائق الشرعية ثابتة لنا في هذا الزمان وللأمة بعد ألف سنة، فالحقائق يجب أن تبقى هي الحقائق بغض النظر عن الواقع هل هو سيئ أو حسن؟ فهذه قضية أخرى، لكن الحقائق الشرعية التي دلت عليها النصوص يجب أن تكون كذلك. ومن الحقائق الشرعية أن الإيمان قول وعمل، وأنه يزيد وينقص، وأن الكفر منه ما هو عملي، ومنه ما هو اعتقادي، وأنه ينقسم إلى قسمين: كفر أصغر وكفر أصغر، وأن الحكم بغير ما أنزل الله هو بحسب نوع الحكم، فمنه ما ينقل عن الملة ومنه ما لا ينقل عن الملة، فهذه الحقائق الشرعية يجب أن تكون ثابتة ومستمرة معنا.

стр. 246

الواقع وكيفية التعامل معه أما الواقع وكيفية التعامل معه، فهذه قضية أخرى يمكن أن تناقش بشكل آخر، غير الشكل المخيف الذي يتصوره بعض الناس، حتى إنه تكلم بعض الناس بالمطالبة بتطبيق الإرجاء في حياة الأمة، حتى يتقلص التكفير كما يقولون، فبعض الناس يقول: الآن صار التفكير موجة، ونحن نريد تقليص هذه الموجة! ونحن نقول: إن التكفير في حد ذاته حكم شرعي، فإذا كان بحق فهو ملزم شاء الإنسان أم أبى، وإذا كان بغير حق فيجب أن يرد، سواء كثر أم لم يكثر، لكن السؤال هو أن نقول: هل الواقع فيه كفريات كثيرة ولهذا كثر التكفير، أم أنه ليس هناك كفريات، لكن هؤلاء غلاة؟ فإذا جاء الإنسان مثلاً من أهل الحق يقول: هذا كفر، ثم يكفر ثانياً يقول: هذا كفر، ثم يكفر ثالثاً يقول: هذا كفر، ثم يكفر رابعاً يقول: هذا كفر، فبعض الناس لا ينتقد الكفار الذين كفروا ولكن ينتقد صاحب الحق؛ لأنه قال: هذا كفر وهذا كفر. إذاً: المسألة لها حالتان: إما أن يكون الكفار فعلاً بدءوا يكثرون، وهؤلاء المكفرون لا علم لهم إلا بهذه المسائل، فإذا كان الأمر كذلك فينبغي أن تكون النظرة الحقيقة هي للكفار الموجودين، وإصلاح المجتمع من حيث بيان الأحكام الشرعية وتخويف الناس، وإن كان ليس هناك كفريات، أو كان هناك كفريات محدودة جداً، وهؤلاء المكفرون غلاة، فلا بد أن يرد على الغلاة، ويقال: اتقوا الله ، لا تكفروا المسلمين بغير وجه حق، أو بغير الوجه الشرعي!

стр. 247

التفصيل في مسألة التكفير من الذي يفصل في القضية؟ هل السبب هو كثرة التكفير، وهو أن كثيراً من الناس بدءوا يكفرون؟ سواءً على شكل دول أو على شكل أشخاص أو على شكل مفكرين؟ أم السبب هم هؤلاء الذين نتهمهم بالغلو، فكيف يمكن التمييز بين هذا وبين هذا؟ فلابد أن ننظر إلى هؤلاء الذين يكفرون، ونقول لهم: لماذا أنتم تكفرون؟ قالوا: نحن نكفر لكذا وكذا وكذا وكذا وكذا، فننظر إلى هذه الحيثيات التي يذكرونها من زاوية شرعية، يقولون مثلاً: إن الحكم بغير ما أنزل الله بهذه الطريقة الموجودة الآن، وهي أخذ القانون الفرنسي أو أخذ القانون الأمريكي البريطاني وتطبيقه على الناس، أو أخذ قانون الهوى وتطبيقه على الناس، هذا كفر لا شك فيه. فلابد من سؤال الشخص الذي يقول: هذا كفر، نقول: هو كفر فعلاً، لكن ما ذنب هذا المسكين؟ هل هو الذي بدل شرع الله؟ لا، فالمفترض أن تنتقد الذي بدل شرع الله، وتنتقد الذي كفر في الحقيقة، ولا تنتقد هذا الذي بين الأحكام؛ ولهذا أحياناً تنتشر الكفريات في المجتمع انتشاراً كبيراً جداً، فإذا ظهر عالم أو طالب علم وبدأ يبين هذه الأحكام لكثرتها في الواقع يجد بعض الناس أن طالب العلم أو الشيخ أو العالم عنده غلو، مع أن الواقع أنه ليس عنده غلو، لكنه يبين الأحكام الشرعية، لكن الواقع مأساوي! عندما ظهر الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ اتهمه الناس بالغلو؛ لأن الناس يقفون حول القبور ويذبحون لغير الله، وينذرون لغير الله، فبين أنها كفر، لكنهم كانوا أصحاب زعامات وأصحاب سلطان، وعندهم علماء ومشايخ، وعندهم أموال وجيوش، وعندهم أشياء كبيرة ليست بسيطة، لهذا السبب روجوا دعاية على الشيخ محمد بن عبد الوهاب أنه يكفر المسلمين. والحقيقة أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب لم يكفر المسلمين، وإنما كَفَّر من وقعوا في الكفر حقيقة، والذي يرجع للرسائل الشخصية للشيخ محمد بن عبد الوهاب يشعر بعمق المأساة التي يعاني منها الشيخ، فمن الرسائل التي يكتبها، يقول: وقد اتهمنا فلان بن فلان بأننا نكفر، وهذا باطل، نحن لا نكفر المسلمين، لكن كثيراً من الناس وقع اليوم في الكفر، فهو يطوف حول القبور، ويستغيث بغير الله، ويطلب من الأولياء أن يدخلوه الجنة، أو أن يخرجوه من النار، وهذا كفر بإجماع المسلمين، ولا شك فيه. فهذا رجل فاضل من علماء المسلمين ظهر في مجتمع انتشر فيه الكفر، فما هو ذنب هذا العالم؟ والنقاش الحقيقي الصحيح هو أن لا يقال لهذا العالم: لماذا أنت تكفر؟ وإنما يقال له: هل أنت تكفر بمكفرات حقيقية، أم بمكفرات غير حقيقية؟ فإذا كان يكفر بمكفرات حقيقية فهو معذور، والمجتمع السيئ يجب أن يصلح، لكن إذا كان يكفر بسبب معصية من المعاصي، كأن يقول للزاني: أنت كافر، فهذا من الخوارج، ويجب أن يواجه، ويجب أن يرد عليه، وهذا هو الواقع المأساوي الذي نعيشه اليوم. إذا كان الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ وجد في زمن انتشرت فيه الكفريات مع العوام، كالطواف حول القبور والذبح لغير الله عز جل، فقد كان هناك قرى في زمن الشيخ محمد بن عبد الوهاب أو إمارات لها حكام يدعمون هذا الشرك، وتكلموا على الشيخ واتهموه في دينه، وأنه على عقيدة الخوارج، فهذا هو الواقع الذي يعايشه كثير من الناس اليوم. أقول: نعم، كثير كفروا باسم الإبداع، وكفروا باسم التنمية كما يسمونها، وكفروا باسم الحرية، وكثير من الحكومات نحت شريعة الله فوقعت في الكفر، وهذا الضغط الثقافي والإعلامي والفكري على أهل السنة الذين يبينون حقائق الدين جعلهم يخرجون أمام الناس كمجموعة من الغلاة يكفرون، ويوجد مع الأسف بعض من ينتسب إلى منهج الدعوة الإسلامية سماعون لهم والعياذ بالله، ويوجد فيهم من يتهم أهل العقيدة الصحيحة بأنهم يكفرون، ثم لا يبينون هل هم يكفرون بحق أو باطل؟ وإذا كان باطلاً فما هو هذا الباطل؟ وما هو الحق؟ فالنقاش العلمي الصحيح يكون في المسائل، وليس في موضوع أن هذا يكفر أو لا يكفر، ومع هذا نقول: ينبغي أن يدرك الإنسان أن هناك فرقاً بين كفر الفعل أو النوع والكفر المعين، فأحياناً قد يكون هناك فعل أو قول أو إرادة كفرية في حد ذاتها، لكن المعين المتلبس بها ليس بكافر، لكن ينبغي أن يعرف الإنسان أن هناك شروطاً وموانع في الجاهل والمضلل والمتأول ونحو ذلك، لا يكفر إلا على ضوابط دقيقة وتفصيلية يمكن أن تراجع في مظانها.

стр. 248

الأسئلة

стр. 249

حكم تكفير الفرق والأشخاص الذين يقعون في نواقض الإيمان السؤال هل يجوز أن نكفر الفرق والأشخاص الذين يقعون في نواقض الإيمان؟ الجواب الفرق الواردة في حديث النبي ﷺ : (ستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة)، هذه الفرق ليست من الفرق الكافرة، بل هي من الفرق التي تكون مسلمة، لكن عندها بدعة، مثل الأشاعرة ومثل الصوفية غير الغلاة الذين يقعون في البدع، هؤلاء ليسوا كفاراً. وهناك فرق منتسبة إلى الإسلام مثل الباطنية، هؤلاء كفار، فالإنسان ينظر إلى العقيدة هل هي كفرية أو ليست بكفرية؟ ثم بناء على هذا يميز. ولهذا ينبغي أن لا يتكلم الإنسان في مسائل التكفير إلا بعلم، ولا يجوز للإنسان بأي وجه من الوجوه أن يتكلم في المسائل بالجهل، ونحن لم نؤت إلا من قبل الجاهلين، فتجد أن بعض الشباب ليس من أهل العلم ويتكلم في مسائل كبيرة ويفاصل عليها، وقد يفاصل العلماء وطلاب العلم على مسألة من المسائل، قد لا تكون لديه أدلة هذه المسائل. فهناك فرق بين العناية بالمسائل الشرعية والتزامها، وبين تطبيق هذه المسائل الشرعية على الواقع، فأحياناً بعض المشكلات الواقعية لا يصح فيها انفراد شاب أو شابين أو عشرة أو مائة أو مائتين برأي. فإن عمر بن الخطاب ﵁ كانت تعرض له بعض المسائل التي هي أقل من مسائل التكفير، وأقل من المسائل التي تحتاج أن تناقش ويجمع لها أهل بدر، ومع هذا تجد في الواقع اليوم أشخاصاً يتكلمون أو يتصرفون تصرفات هي في حاجة إلى أن يجتمع لها كبار العلماء، وبحاجة إلى أن يجمع لها كبار الدعاة والمختصين، فينبغي أن يدرك الإنسان هذه القضية، وأن التكفير حكم شرعي، لا يجوز للإنسان أن يتكلم فيه إلا بعلم، وأن تكفير المعينين يحتاج إلى وجود شروط وانتفاء موانع، والتساهل في هذا خطير؛ لأن النبي ﷺ يقول: (من قال لأخيه: يا كافر، فقد باء بها أحدهما). ومع هذا كثير من الناس يتساهل، فيكفر حكومات أو يكفر أشخاصاً أو يكفر علماء بدون علم، وذكرت لكم قاعدة سابقة أن الإنسان الذي يقع في خطأ يعذر فيه الناس، أحسن من الذي يقع في خطأ يعاقب فيه الناس، يعني: الخطأ في المعذرة خير من الخطأ في العقوبة، والأصل أن من انتسب إلى الإسلام وادعاه فهو مسلم، وأنه لا نخرجه من الإسلام إلا ببينة واضحة. فينبغي إدراك هذه المسائل، فنحن أمة متوسطة، بعيدة عن الغلو، وبعيدة أيضاً عن تمييع حقائق الدين، وكما أن تمييع حقائق الدين مذموم، فكذلك الغلو مذموم، ينبغي أن نحذر من الغلو أيضاً والمبالغة، وأن نصدر عن أهل العلم، خصوصاً فيما يتعلق بالقضايا الواقعية والقضايا الدعوية والقضايا المتعلقة بمسائل المواجهة والجهاد ونحو ذلك، كل هذه المسائل يجب أن يصدر الشباب وطلاب العلم عن أهل العلم فيها، وأن يستشيروا أهل العلم، وأن لا ينفردوا فيها برأي، فهي من المسائل الحساسة والخطيرة التي قد يقع الإنسان في مزلق بسببها وهو لا يشعر.

стр. 250

ذكر أمثلة للتأويل الذي لا يكفر صاحبه به السؤال هذا سائل يريد ذكر أمثلة للتأويل الذي لا يكفر صاحبه به في العقيدة؟ الجواب مثلاً الذين يؤولون من الأشعرية بعض الصفات، مثل الصفات الفعلية فيقولون في صفة النزول: ينزل أمره، أو ينزل ملكٌ من الملائكة، ويؤولون اليدين بأنها القدرة ونحو ذلك، هؤلاء لا يكفرون، لكن التأويل الذي لا يقبل مثل تأويل الباطنية الذين يؤولون الصلوات الخمس: بأنها علي وفاطمة والحسن والحسين ومحسن.
следующие страницы →