← Акыда

Акыда · id 37795

دراسة موضوعية للحائية ولمعة الاعتقاد والواسطية

عبد الرحيم السلمي

Полный текст (363 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

الواقع وكيفية التعامل معه أما الواقع وكيفية التعامل معه، فهذه قضية أخرى يمكن أن تناقش بشكل آخر، غير الشكل المخيف الذي يتصوره بعض الناس، حتى إنه تكلم بعض الناس بالمطالبة بتطبيق الإرجاء في حياة الأمة، حتى يتقلص التكفير كما يقولون، فبعض الناس يقول: الآن صار التفكير موجة، ونحن نريد تقليص هذه الموجة! ونحن نقول: إن التكفير في حد ذاته حكم شرعي، فإذا كان بحق فهو ملزم شاء الإنسان أم أبى، وإذا كان بغير حق فيجب أن يرد، سواء كثر أم لم يكثر، لكن السؤال هو أن نقول: هل الواقع فيه كفريات كثيرة ولهذا كثر التكفير، أم أنه ليس هناك كفريات، لكن هؤلاء غلاة؟ فإذا جاء الإنسان مثلاً من أهل الحق يقول: هذا كفر، ثم يكفر ثانياً يقول: هذا كفر، ثم يكفر ثالثاً يقول: هذا كفر، ثم يكفر رابعاً يقول: هذا كفر، فبعض الناس لا ينتقد الكفار الذين كفروا ولكن ينتقد صاحب الحق؛ لأنه قال: هذا كفر وهذا كفر. إذاً: المسألة لها حالتان: إما أن يكون الكفار فعلاً بدءوا يكثرون، وهؤلاء المكفرون لا علم لهم إلا بهذه المسائل، فإذا كان الأمر كذلك فينبغي أن تكون النظرة الحقيقة هي للكفار الموجودين، وإصلاح المجتمع من حيث بيان الأحكام الشرعية وتخويف الناس، وإن كان ليس هناك كفريات، أو كان هناك كفريات محدودة جداً، وهؤلاء المكفرون غلاة، فلا بد أن يرد على الغلاة، ويقال: اتقوا الله ، لا تكفروا المسلمين بغير وجه حق، أو بغير الوجه الشرعي!

стр. 247

التفصيل في مسألة التكفير من الذي يفصل في القضية؟ هل السبب هو كثرة التكفير، وهو أن كثيراً من الناس بدءوا يكفرون؟ سواءً على شكل دول أو على شكل أشخاص أو على شكل مفكرين؟ أم السبب هم هؤلاء الذين نتهمهم بالغلو، فكيف يمكن التمييز بين هذا وبين هذا؟ فلابد أن ننظر إلى هؤلاء الذين يكفرون، ونقول لهم: لماذا أنتم تكفرون؟ قالوا: نحن نكفر لكذا وكذا وكذا وكذا وكذا، فننظر إلى هذه الحيثيات التي يذكرونها من زاوية شرعية، يقولون مثلاً: إن الحكم بغير ما أنزل الله بهذه الطريقة الموجودة الآن، وهي أخذ القانون الفرنسي أو أخذ القانون الأمريكي البريطاني وتطبيقه على الناس، أو أخذ قانون الهوى وتطبيقه على الناس، هذا كفر لا شك فيه. فلابد من سؤال الشخص الذي يقول: هذا كفر، نقول: هو كفر فعلاً، لكن ما ذنب هذا المسكين؟ هل هو الذي بدل شرع الله؟ لا، فالمفترض أن تنتقد الذي بدل شرع الله، وتنتقد الذي كفر في الحقيقة، ولا تنتقد هذا الذي بين الأحكام؛ ولهذا أحياناً تنتشر الكفريات في المجتمع انتشاراً كبيراً جداً، فإذا ظهر عالم أو طالب علم وبدأ يبين هذه الأحكام لكثرتها في الواقع يجد بعض الناس أن طالب العلم أو الشيخ أو العالم عنده غلو، مع أن الواقع أنه ليس عنده غلو، لكنه يبين الأحكام الشرعية، لكن الواقع مأساوي! عندما ظهر الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ اتهمه الناس بالغلو؛ لأن الناس يقفون حول القبور ويذبحون لغير الله، وينذرون لغير الله، فبين أنها كفر، لكنهم كانوا أصحاب زعامات وأصحاب سلطان، وعندهم علماء ومشايخ، وعندهم أموال وجيوش، وعندهم أشياء كبيرة ليست بسيطة، لهذا السبب روجوا دعاية على الشيخ محمد بن عبد الوهاب أنه يكفر المسلمين. والحقيقة أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب لم يكفر المسلمين، وإنما كَفَّر من وقعوا في الكفر حقيقة، والذي يرجع للرسائل الشخصية للشيخ محمد بن عبد الوهاب يشعر بعمق المأساة التي يعاني منها الشيخ، فمن الرسائل التي يكتبها، يقول: وقد اتهمنا فلان بن فلان بأننا نكفر، وهذا باطل، نحن لا نكفر المسلمين، لكن كثيراً من الناس وقع اليوم في الكفر، فهو يطوف حول القبور، ويستغيث بغير الله، ويطلب من الأولياء أن يدخلوه الجنة، أو أن يخرجوه من النار، وهذا كفر بإجماع المسلمين، ولا شك فيه. فهذا رجل فاضل من علماء المسلمين ظهر في مجتمع انتشر فيه الكفر، فما هو ذنب هذا العالم؟ والنقاش الحقيقي الصحيح هو أن لا يقال لهذا العالم: لماذا أنت تكفر؟ وإنما يقال له: هل أنت تكفر بمكفرات حقيقية، أم بمكفرات غير حقيقية؟ فإذا كان يكفر بمكفرات حقيقية فهو معذور، والمجتمع السيئ يجب أن يصلح، لكن إذا كان يكفر بسبب معصية من المعاصي، كأن يقول للزاني: أنت كافر، فهذا من الخوارج، ويجب أن يواجه، ويجب أن يرد عليه، وهذا هو الواقع المأساوي الذي نعيشه اليوم. إذا كان الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ وجد في زمن انتشرت فيه الكفريات مع العوام، كالطواف حول القبور والذبح لغير الله عز جل، فقد كان هناك قرى في زمن الشيخ محمد بن عبد الوهاب أو إمارات لها حكام يدعمون هذا الشرك، وتكلموا على الشيخ واتهموه في دينه، وأنه على عقيدة الخوارج، فهذا هو الواقع الذي يعايشه كثير من الناس اليوم. أقول: نعم، كثير كفروا باسم الإبداع، وكفروا باسم التنمية كما يسمونها، وكفروا باسم الحرية، وكثير من الحكومات نحت شريعة الله فوقعت في الكفر، وهذا الضغط الثقافي والإعلامي والفكري على أهل السنة الذين يبينون حقائق الدين جعلهم يخرجون أمام الناس كمجموعة من الغلاة يكفرون، ويوجد مع الأسف بعض من ينتسب إلى منهج الدعوة الإسلامية سماعون لهم والعياذ بالله، ويوجد فيهم من يتهم أهل العقيدة الصحيحة بأنهم يكفرون، ثم لا يبينون هل هم يكفرون بحق أو باطل؟ وإذا كان باطلاً فما هو هذا الباطل؟ وما هو الحق؟ فالنقاش العلمي الصحيح يكون في المسائل، وليس في موضوع أن هذا يكفر أو لا يكفر، ومع هذا نقول: ينبغي أن يدرك الإنسان أن هناك فرقاً بين كفر الفعل أو النوع والكفر المعين، فأحياناً قد يكون هناك فعل أو قول أو إرادة كفرية في حد ذاتها، لكن المعين المتلبس بها ليس بكافر، لكن ينبغي أن يعرف الإنسان أن هناك شروطاً وموانع في الجاهل والمضلل والمتأول ونحو ذلك، لا يكفر إلا على ضوابط دقيقة وتفصيلية يمكن أن تراجع في مظانها.

стр. 248

الأسئلة

стр. 249

حكم تكفير الفرق والأشخاص الذين يقعون في نواقض الإيمان السؤال هل يجوز أن نكفر الفرق والأشخاص الذين يقعون في نواقض الإيمان؟ الجواب الفرق الواردة في حديث النبي ﷺ : (ستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة)، هذه الفرق ليست من الفرق الكافرة، بل هي من الفرق التي تكون مسلمة، لكن عندها بدعة، مثل الأشاعرة ومثل الصوفية غير الغلاة الذين يقعون في البدع، هؤلاء ليسوا كفاراً. وهناك فرق منتسبة إلى الإسلام مثل الباطنية، هؤلاء كفار، فالإنسان ينظر إلى العقيدة هل هي كفرية أو ليست بكفرية؟ ثم بناء على هذا يميز. ولهذا ينبغي أن لا يتكلم الإنسان في مسائل التكفير إلا بعلم، ولا يجوز للإنسان بأي وجه من الوجوه أن يتكلم في المسائل بالجهل، ونحن لم نؤت إلا من قبل الجاهلين، فتجد أن بعض الشباب ليس من أهل العلم ويتكلم في مسائل كبيرة ويفاصل عليها، وقد يفاصل العلماء وطلاب العلم على مسألة من المسائل، قد لا تكون لديه أدلة هذه المسائل. فهناك فرق بين العناية بالمسائل الشرعية والتزامها، وبين تطبيق هذه المسائل الشرعية على الواقع، فأحياناً بعض المشكلات الواقعية لا يصح فيها انفراد شاب أو شابين أو عشرة أو مائة أو مائتين برأي. فإن عمر بن الخطاب ﵁ كانت تعرض له بعض المسائل التي هي أقل من مسائل التكفير، وأقل من المسائل التي تحتاج أن تناقش ويجمع لها أهل بدر، ومع هذا تجد في الواقع اليوم أشخاصاً يتكلمون أو يتصرفون تصرفات هي في حاجة إلى أن يجتمع لها كبار العلماء، وبحاجة إلى أن يجمع لها كبار الدعاة والمختصين، فينبغي أن يدرك الإنسان هذه القضية، وأن التكفير حكم شرعي، لا يجوز للإنسان أن يتكلم فيه إلا بعلم، وأن تكفير المعينين يحتاج إلى وجود شروط وانتفاء موانع، والتساهل في هذا خطير؛ لأن النبي ﷺ يقول: (من قال لأخيه: يا كافر، فقد باء بها أحدهما). ومع هذا كثير من الناس يتساهل، فيكفر حكومات أو يكفر أشخاصاً أو يكفر علماء بدون علم، وذكرت لكم قاعدة سابقة أن الإنسان الذي يقع في خطأ يعذر فيه الناس، أحسن من الذي يقع في خطأ يعاقب فيه الناس، يعني: الخطأ في المعذرة خير من الخطأ في العقوبة، والأصل أن من انتسب إلى الإسلام وادعاه فهو مسلم، وأنه لا نخرجه من الإسلام إلا ببينة واضحة. فينبغي إدراك هذه المسائل، فنحن أمة متوسطة، بعيدة عن الغلو، وبعيدة أيضاً عن تمييع حقائق الدين، وكما أن تمييع حقائق الدين مذموم، فكذلك الغلو مذموم، ينبغي أن نحذر من الغلو أيضاً والمبالغة، وأن نصدر عن أهل العلم، خصوصاً فيما يتعلق بالقضايا الواقعية والقضايا الدعوية والقضايا المتعلقة بمسائل المواجهة والجهاد ونحو ذلك، كل هذه المسائل يجب أن يصدر الشباب وطلاب العلم عن أهل العلم فيها، وأن يستشيروا أهل العلم، وأن لا ينفردوا فيها برأي، فهي من المسائل الحساسة والخطيرة التي قد يقع الإنسان في مزلق بسببها وهو لا يشعر.

стр. 250

ذكر أمثلة للتأويل الذي لا يكفر صاحبه به السؤال هذا سائل يريد ذكر أمثلة للتأويل الذي لا يكفر صاحبه به في العقيدة؟ الجواب مثلاً الذين يؤولون من الأشعرية بعض الصفات، مثل الصفات الفعلية فيقولون في صفة النزول: ينزل أمره، أو ينزل ملكٌ من الملائكة، ويؤولون اليدين بأنها القدرة ونحو ذلك، هؤلاء لا يكفرون، لكن التأويل الذي لا يقبل مثل تأويل الباطنية الذين يؤولون الصلوات الخمس: بأنها علي وفاطمة والحسن والحسين ومحسن.

стр. 251

تجنب الإنسان الخوض في مسألة التكفير وتركها لأهل العلم السؤال نرجو توضيح شروط وضوابط تكفير شخص ما، لانتشار هذا الأمر بين أوساط الشباب الملتزم. الجواب أحب أن أنبه إلى قضية مهمة، وهي أنه ينبغي على طالب العلم أن ينشغل بمسائل الدين في الفقه وفي العقيدة وفي اللغة وفي الأحكام الشرعية، وأن يطلب العلم، وأن يقرأ الأدلة، ويحفظ القرآن، وإذا جاء إلى مسائل الإيمان والكفر يقرأ الضوابط والقواعد الشرعية. ومع الأسف أن كثيراً من الناس يناقشون بهذه الطريقة، هذا فلان بن فلان مثلاً، هل هو كافر أو ليس بكافر؟ يجلس مجموعة من الشباب ليس فيهم عالم ولا طالب علم، ويتكلمون في هذه المسألة، والتطبيق على الواقع يقع فيه مشكلات كثيرة؛ لأنه أحياناً يكون الإنسان ليس من أهل العلم ولا هو من أهل الخبرة، ولا هو شخص يعرف هذا الحاكم أو هذه الحكومة أو هذا المثقف أو هذا الشخص معرفة دقيقة، وإنما سمع سماعاً، فيتكلم في هذه المسألة. أنا أقول: ينبغي على طالب العلم أن يبتعد عن هذا النوع من الكلام، ويترك تطبيق الواقع لأهل العلم، ويلتزم بشورى أهل العلم ورأي أهل العلم، وينشغل بدراسة المسائل وفهمها، وإذا كان هناك كفر ظاهر نعتقد بكفره، لكن أنا أتكلم عن المعينين، وأحياناً قد يكون المعين كافراً، لكن فيما يتعلق في كيفية التعامل معه، وكيف يمكن إصلاح المجتمع، وكيف يمكن تغيير المنكر، هذه يعود فيها الإنسان إلى أهل العلم، فهم أهل الشورى في هذا الباب. ولا يصح للإنسان أن يتخبط وهو طالب علم صغير أو شاب أو لديه معلومات بسيطة، فإن مشوار العلم والدعوة طويل بين يديه، لا ينبغي له أن يتخبط ويتكلم في قضايا صعبة قد يحار فيها كبار المشايخ؛ لأن الكلام على المعينين تحتاج إلى معرفة بواقع المعين، والمعرفة بواقع المعين يحتاج إلى دراسة وخبرة وارتباط واحتكاك بهذا المعين، فكونك تكفر مثلاً الحاكم الفلاني أو الوزير الفلاني أو المثقف الفلاني؛ لأنك سمعت من أشخاص أو مجموعة من الشباب تكلموا بهذا الكلام، هذا في حد ذاته لا يكفي؛ ولهذا نحن نعتقد مثلاً أن إعانة الكفار على المسلمين كفر لا شك فيه، ونعتقد أن تنحية الشريعة عن الأحكام وتطبيق الأحكام الوضعية كفر لا شك فيه، وأن هناك مع الأسف حكومات تنتسب إلى الإسلام لا تحكم شرع الله، وأنها وقعت في الكفر بلا شك، لكن كيف يمكن للإنسان أن يصلح مثل هذه المنكرات؟ ينبغي أن يرجع الإنسان إلى أهل العلم. وهناك قاعدة عامة في هذا الموضوع، وهو: أن الأصل هو دعوة المجتمع، وإصلاح المجتمع، وتغيير المنكر بما يستطيعه الإنسان، وإصلاح الشباب، وإصلاح النساء، وإصلاح الآباء، والدعوة إلى الله من خلال المساجد، ومن خلال الكتابة في الصحافة، ومن خلال العمل المفيد والنافع للناس. نحن نريد أن نجمع الإيجابيات من أطرافها، نريد أن نجمع إيجابية الثبات على المنهج السلفي الصحيح، وهو الضوابط الشرعية المتعلقة بالإيمان والكفر، وأن نحفظها، وأن نضبطها، وأن نتقنها، وبحاجة أيضاً إلى إصلاح المجتمع، والارتباط بأهل العلم فيما يتعلق بكيفية إنكار المنكرات.

стр. 252

دراسة موضوعية [١٢] الإيمان قول وعمل واعتقاد، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وأهل السنة لا يكفرون أهل القبلة بمطلق المعاصي والكبائر كما يفعله الخوارج، ولا يسلبون الفاسق اسم الإسلام بالكلية، ولا يخلدونه في النار كما تقول المعتزلة، بل الأخوة الإيمانية ثابتة مع المعاصي، والفاسق يدخل في اسم الإيمان العام ولا يدخل في اسم الإيمان المطلق، بل هو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته.

стр. 253

كيفية تلقي العلم عن المشايخ وأهمية ذلك في الدرس الماضي تحدثنا عن مسائل الإيمان والكفر، وتحدثنا عن حقيقة الإيمان ومفهومه، وعن زيادة الإيمان ونقصانه، وأيضاً تحدثنا عن تأثير المعاصي، وأنها تنقص الإيمان، ولا تزيله بالكلية إلا الأمور الشركية والكفرية، فإن الكفر الأكبر يزيل الإيمان، كما أن الشرك الأكبر يزيل الإيمان، أما المعاصي والذنوب فإنها لا تزيل الإيمان بالكلية، وإنما تنقصه. والأمور الكفرية والشركية لها ضوابطها ولها أصولها عند أهل العلم، ومن أبرز الأمور الكفرية: تكذيب الرسول، أو تكذيب رب العالمين، أو السب أو اللعن، أو الشتم أو الاستهزاء، أو عبادة غير الله ، أو عدم الإيمان بنبوة النبي ﷺ ، أو تحكيم غير شريعة الله ، وذلك بالإتيان بشريعة أخرى بدلاً عنها، ونحو ذلك مما يسميه أهل العلم نواقض الإيمان. واليوم إن شاء الله سنستعرض ما يتعلق بموضوع الإيمان في الكتب المقررة الثلاثة: وهي (حائية ابن أبي داود) و (لمعة الاعتقاد) و (الواسطية) وسنعلق إن شاء الله على الأحاديث والآيات التي سترد علينا إن شاء الله. وقبل ذلك نقرأ قليلاً في كتاب (حلية طالب العلم)، وقد توصلنا في الدرس الماضي إلى الكلام على تلقي طالب العلم، وأنه ينبغي عليه يبدأ الطالب بأصول العلم قبل فروعه، وأن يشتغل بضبط قواعد العلوم الشرعية، سواء في العقيدة أو في الفقه أو في أي علم من العلوم التي تكون مساندة للعلوم الشرعية، ثم بعد ذلك ينتقل إلى ما هو أعلى، ثم إلى ما هو أعلى، حتى يستطيع أن يقرأ المطولات وأن يستفيد منها، دون أن يشوش على نفسه. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [الأدب السابع عشر: تلقي العلم عن الأشياخ. الأصل في الطلب أن يكون بطريق التلقين والتلقي عن الأساتيذ، والمثافنة للأشياخ، والأخذ من أفواه الرجال لا من الصحف وبطون الكتب، والأول من باب أخذ النسيب عن النسيب الناطق وهو المعلم. أما الثاني عن الكتاب، فهو جماد، فأنى له اتصال النسب؟]. يعني: التلقي عن المشايخ لطلب العلم له أهمية؛ لأن الشيخ المتقن يكون قد سبق هذا الطالب في دراسة هذا العلم وعرف قواعده، وعرف أصوله، وعرف ما يتعلق به من ضبط لنصوصه، ونحو ذلك. فالإنسان يستفيد من الشيخ فيما يتعلق بضبط المنقولات، مثل: الآيات، أو الأحاديث، أو المنظومة، أو المتن الذي يقرأ على هذا الشيخ إذا كان متناً منثوراً، ونحو ذلك، بحيث إن هذا الشيخ يعلم الطالب النصوص الصحيحة بصورتها الصحيحة، هذا بالإضافة إلى الفهم الصحيح لهذه النصوص ومقاصد أهل العلم في كلامهم، فإن الإنسان إذا اعتمد على القراءة المجردة، فإن القراءة المجردة لا تكفيه في معرفة المقاصد الدقيقة لكلام أهل العلم، فأهل التخصص وأهل الدراية وأهل المعرفة لاشك أنهم أعرف بمقصود صاحب الكتاب، أو بمقصود العلم من غيره، ولهذا ينبغي على الإنسان أن يحرص على التلقي عن أهل العلم، فهم يختصرون له مشواراً طويلاً، هذا بالإضافة إلى أن أهل العلم قد سبقوا في معرفة أطراف هذا العلم؛ لأن الإنسان إذا اعتمد على نفسه قد يأخذ من العلم الشرعي بطرف واحد، ثم يظن أن هذا الطرف هو الأساس، ويظن أنه قد جاء بالعلم كله بينما هو في الحقيقة لم يكتشف إلا جزءاً يسيراً من هذا العلم، ولهذا ينبغي أن يتلقى الإنسان عن المشايخ. قال: [وقد قيل: من دخل في العلم وحده خرج وحده، أي: من دخل في طلب العلم بلا شيخ؛ خرج منه بلا علم، إذ العلم صنعة، وكل صنعة تحتاج إلى صانع، فلا بد إذاً لتعلمها من معلمها الحاذق. وهذا يكاد يكون محل إجماع كلمة من أهل العلم؛ إلا من شذ مثل: علي بن رضوان المصري الطبيب المتوفى سنة (٤٥٣) هـ، وقد رد عليه علماء عصره ومن بعدهم. قال الحافظ الذهبي رحمه الله تعالى في ترجمته له: ولم يكن له شيخ، بل اشتغل بالأخذ عن الكتب، وصنف كتاباً في تحصيل الصناعة من الكتب، وأنها أوفق من المعلمين، وهذا غلط، انتهى. وقد بسط الصفدي في (الوافي) الرد عليه، وعند الزبيدي في شرح الإحياء عن عدد من العلماء معللين له بعدة علل؛ منها ما قاله ابن بطلان في الرد عليه: السادسة: يوجد في الكتاب أشياء تصد عن العلم، وهى معدومة عند المعلم، وهى التصحيف العارض من اشتباه الحروف مع عدم اللفظ، والغلط بزوغان البصر، وقلة الخبرة بالإعراب، أو فساد الموجود منه، وإصلاح الكتاب، وكتابة ما لا يقرأ، وقراءة ما لا يكتب، ومذهب صاحب الكتاب، وسقم النسخ، ورداءة النقل، وإدماج القارئ مواضع المقاطع، وخلط مبادئ التعليم، وذكر ألفاظ مصطلح عليها في تلك الصناعة، وألفاظ يونانية لم يخرجها الناقل من اللغة، كالنورس، فهذه كلها معوقة عن العلم، وقد استراح المتعلم من تكلفها عند قراءته على المعلم، وإذا كان الأمر على هذه الصورة، فالقراءة على العلماء أجدى وأفضل من قراءة الإنسان لنفسه، وهو ما أردنا بيانه. قال الصفدي: ولهذا قال العلماء: لا تأخذ العلم من صُحفي ولا مصحفي. يعنى: لا تقرأ الق

стр. 254

حقيقة الإيمان ومعناه ولوازمه في الحائية

стр. 255

التحذير من التكفير وبيان أنواعه نبدأ أولاً (بحائية ابن أبي داود) قال: [ولا تكفرن أهل الصلاة وإن عصوا فكلهم يعصي وذو العرش يصفح] وقوله: (ولا تكفرن أهل الصلاة) يعني: أنه لا يجوز للإنسان أن يكفر أهل القبلة الذين يصلون، فإن المصلي ومن يظهر الإسلام لا يجوز للإنسان أن يكفره إلا ببينة وبيقين، فالتكفير حكم شرعي لا يجوز للإنسان أن يستعجل فيه، ولا يجوز للإنسان أن يطلقه في غير محله، وهناك قضايا ينبغي أن ندركها فيما يتعلق بالتكفير: أولاً: أن التكفير -كما قلت- حكم شرعي، ولا يجوز للإنسان أن يتكلم فيه إلا بعلم؛ لأنه جاء في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: (من قال لأخيه: يا كافر، فقد باء بها أحدهما) يعني: إما أن تقع على هذا الإنسان الذي قيل له: يا كافر، وإما أن ترجع إلى صاحبها فتقع عليه والعياذ بالله. ولهذا ينبغي للإنسان أن يحتاط لدينه، وأن يبتعد عن تكفير الناس بغير بينة، وألا يكون شغله الشاغل هو الكلام في التكفير. الأمر الثاني: أن يحرص الإنسان على تعلم الأحكام الشرعية، وأن يشتغل بطلب العلم بدل أن يشتغل بتكفير الناس، فإن تكفير الناس ليس فيه مصلحة ولا فائدة، إلا إذا وقع الكفر في حياة الناس، فإنه يجب التحذير من هذا الكفر، ويجب إصلاح المجتمع، أما الحكم على الأفراد، فهذا يختلف من فرد إلى فرد ومن حالة إلى حالة، ولسنا مطالبين بالحكم على الأشخاص، وفي يوم القيامة لن يحاسبك الله على أنك لم تحكم على فلان بأنه كافر، إلا إذا كان قد وقع في الكفر حقيقة وحكمت أنت بإسلامه؛ لأنه ليس مطلوباً من الإنسان أن يستعرض الناس شخصاً شخصاً ثم يطلق ويقول: هذا مسلم وهذا كافر وهذا منافق وهذا ضال، وهذا كذا، ليس هذا مطلوباً من الإنسان، وليس هو من الأحكام التكليفية أصلاً بالنسبة للأفراد، ولهذا ينبغي أن يكون الإنسان حريصاً على دينه، ويبتعد عن هذه القضايا. الأمر الثالث: من القواعد المتعلقة بالتكفير أن الإنسان لا يجوز له أن يكفر من ثبت إسلامه بيقين، ما دام أن هناك محملاً يمكن أن يحمل عليه كلامه، فمثلاً: موضوع مثل موضوع التعاون مع الكفار على المسلمين كفر بدون شك، لكن هل يعني هذا أن كل من وقع منه ذلك يكون كافراً خارجاً عن الإسلام؟ لا، ليس بالضرورة؛ لأن في بعض الأحيان يكون الفرد الواحد مع ألوف مؤلفة من الجنود والعساكر ونحو ذلك، وقد يقع في هذا المنكر؛ لكنه لم يتبين ولم يفهم هذا الحكم، فلا ينزل عليه حكم التكفير مباشرة، وقد يقع التعاون مع الكفار على المسلمين من مائة ألف شخص، فيكفر مجموعة منهم، ومجموعة لا يكفرون، ولهذا لا يعني إذا وقع الإنسان في أمر من الأمور التي تعتبر كفراً أنه يكون كافراً مباشرة، ولهذا قسم أهل العلم أهل التكفير إلى نوعين: كفر النوع، وكفر العين. كفر النوع: أن يقال: هذا القول كفر، هذا العمل كفر، هذا الاعتقاد كفر، لكن المعين عندما يفعل شيئاً من الأمور الكفرية؛ فإنه لابد فيه من وجود الشروط وانتفاء الموانع، وأحوال الناس تختلف، فأحياناً قد يشترك عشرة في عمل واحد حكمه في الشرع أنه كفر، ولا يكفر منهم إلا واحد أو اثنان؛ لأنه قد يكون عند فلان مانع من الموانع لا يقع منه الكفر، إما أن يكون جاهلاً، أو غير متصور الأمر، أو ضلل، أو كذبوا عليه، أو أفتاه شخص بالباطل، أو نحو ذلك، وهذا لا يعني أنه معذور، فقد وقع في كبيرة من كبائر الذنوب والعياذ بالله، لكن التكفير أمره أكبر وأصعب. ولهذا ينبغي للإنسان أن يكون حريصاً على دينه، وأن يبتعد عن التكفير الذي يكون بالجملة، عندما يكفر الإنسان بلداً بأكمله، أو يكفر مجموعة بأكملها، أو يكفر جيشاً بأكمله، هذا غير صحيح، وهذا من الغلو، ولا يعني هذا أن فعلهم وتصرفهم صحيح، فإنهم وقعوا كما قلت في كبيرة من كبائر الذنوب، لكن قد لا يكفر شخص وتكون عليه آثام عظيمة، وفلان من الناس الذي عرف حقيقة الأمر قد يكفر، مع أنه اشترك هو وشخص آخر في عمل واحد. إذاً: ما دام هناك مجال أن يتأول الإنسان لشخص من الأشخاص، فإنه ينبغي للإنسان ألا يكفر؛ لأن هناك قاعدة ذهبية عظيمة وهي: أن الخطأ في العفو خير من الخطأ في العقوبة، عندما تخطئ أنت فتقول: إن فلاناً مسلم؛ لأن الأصل أنه نطق الشهادتين وصلى وصام وحج، فخطؤك هنا أخف من خطئك عندما تكفره، ولهذا ينبغي للإنسان أن يحرص على البعد عن تكفير المعينين، وأن ينظر إلى كلام أهل العلم، وأن يستفيد من أهل العلم، فقوله: (ولا تكفرن أهل الصلاة) يعني: أهل القبلة؛ لأن النبي ﷺ يقول: (من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا، فهو المسلم، له ما لنا وعليه ما علينا)، فإذا كان الإنسان من أهل القبلة فالأصل فيه أنه من المسلمين، وإذا كان يقول: لا إله إلا الله، ويعمل بأعمال الإسلام بشكل عام، فالأصل فيه أنه من المسلمين، وإذا ارتكب ناقضاً من نواقض الإسلام فإنه ينظر في حاله، فإن كان له معذرة، فإنه يعذر ويحذر أشد التحذير من هذا العمل.

стр. 256

تعريف أهل السنة للإيمان [ولا تعتقد رأي الخوارج إنه مقال لمن يهواه يردي ويفضح ولا تك مرجياً لعوباً بدينه ألا إنما المرجي بالدين يمزح وقل إنما الإيمان قول ونية وفعل على قول النبي مصرح وينقص طوراً بالمعاصي وتارة بطاعته ينمي وفي الوزن يرجح]. هذه الأبيات تتعلق بموضوع الإيمان، وهي مشتملة على موضوعات متعددة سبق أن أشرنا إليها، منها تعريف الإيمان، ولهذا قال: (وقل إنما الإيمان قول ونية وفعل على قول النبي مصرح). يعني: أنه عرف الإيمان بأنه قول ونية وفعل، وقلنا: هذا أحد التعريفات التي عرف بها السلف الإيمان، فإن هناك تعريفات متعددة للسلف في باب الإيمان. قال بعضهم: إن الإيمان قول وعمل. وقال بعضهم: الإيمان: قول وعمل ونية، وقصدوا بالنية عمل القلب. وقال بعضهم: هو قول وعمل ونية واتباع للسنة. وقال بعضهم: هو قول باللسان، واعتقاد بالجنان، وعمل بالأركان وكل هذه التعريفات صحيحة، فهي تعبر عن حقيقة واحدة، فمن قال: إن الإيمان قول وعمل، قصد قول القلب، وقول اللسان، وعمل القلب، وعمل الجوارح. ومن قال: إن الإيمان قول وعمل ونية، خشي أن يفهم بعض الناس من قوله: عمل، عمل الجوارح، ويغفل عن عمل القلب فأفردها، وقال: قول وعمل ونية. والذي قال: الإيمان قول وعمل ونية واتباع للسنة وزاد: اتباع السنة، أراد أن ينبه إلى أن القول بدون اتباع السنة لا يكون مقبولاً، والعمل كذلك، والنية كذلك إذا كانت غير موافقة للسنة لا تكون مقبولة. ومن عرف الإيمان بأنه قول باللسان وتصديق بالجنان وعمل بالأركان، نظر إلى تعريف الإيمان باعتبار جوارح الإنسان، فمنه ما يتعلق بلسانه، ومنه ما يتعلق بقلبه، ومنه ما يتعلق بجوارحه، فهذه التعريفات كلها صحيحة، والمعنى واحد وهو: أن الإيمان لابد فيه من قول اللسان، ومن تصديق القلب، ومن عمل القلب مثل: الخشية، والتوكل، والمحبة والرجاء ونحو ذلك، وعمل الجوارح أيضاً. ونبه إلى زيادة الإيمان ونقصانه فقال: (وينقص طوراً بالمعاصي وتارةً بطاعته ينمي وفي الوزن يرجح) يعني: الإيمان ينقص بالمعاصي وينمو بالطاعة، فهو يزيد وينقص على نحو ما سبق وبيناه، لكن المعاصي لا تزيل الإيمان بالكلية، وهذا من الفوارق بين عقيدة أهل السنة والخوارج، فالخوارج يرون أن كبائر الذنوب إذا اقترفها الإنسان يكون كافراً، فهم يكفرون من فعل الزنا أو السرقة أو شرب الخمر، ويرون أنه يكفر بمجرد النقص في العمل؛ بينما أهل السنة يرون أن عمل الجوارح وعمل القلوب واسع، منه ما هو واجب، ومنه ما هو مستحب، ومنه ما هو أصل في الإيمان، يزول الإيمان بزواله، فليس كله نوعاً واحداً، ولهذا قال عن أصحاب المعاصي: (ولا تكفرن أهل الصلاة وإن عصوا فكلهم يعصي وذو العرش يصفح) يعني: أصحاب المعاصي عندنا مؤمنون بإيمانهم، فساق بمعاصيهم، ولهذا يسميهم بعض أهل العلم: الفاسق الملي، يعني: أن الشخص في ملة الإسلام، لكنه فسق بمعصيته، هذا هو معتقد أهل السنة والجماعة فيما يتعلق بالذنوب والمعاصي، إلا نواقض الإيمان، فنواقض الإيمان ليست مثل الزنا، وليست مثل شرب الخمر، وليست مثل السرقة، نواقض الإيمان تخرج الإنسان عن دائرة الإسلام، مثل: الشرك بالله، ومثل: الاستهزاء بالدين، ومثل: سب الله أو سب الرسول ﷺ ، أو بغضهم أو بغض بعض ما جاء به الرسول ﷺ ، أو التحاكم إلى شريعة أخرى غير شريعة الإسلام، أو نحو ذلك، فكل ذلك من الشرك الذي ينقل عن دائرة الإسلام إلى الكفر والعياذ بالله. فهناك فرق بين نواقض الإيمان وبين الذنوب والمعاصي، فنواقض الإيمان حتى لو ارتكبها شخص من أهل القبلة فإنه بفعله هذا ينقض إيمانه؛ لأن نواقض الإيمان تزيل الإيمان بالكلية، إلا إذا كان له عذر، كأن يكون جاهلاً أو متأولاً، أو غافلاًً أو ناسياً، أو أياً من الأعذار التي تمنع التكليف عن الإنسان، فإنه يكون معذوراً بهذه، ويكون قد ارتكب بفعله هذا كبيرة من كبائر الذنوب، ويحذر من هذا الفعل الخطير الذي هو ناقض من نواقض الإيمان.

стр. 257

فساد عقيدة المرجئة والخوارج في الإيمان والكفر لقد بين المؤلف رأيين فاسدين في الإيمان والكفر: الرأي الأول: رأي الخوارج، والرأي الثاني: رأي المرجئة. فأما الخوارج فهم متشددون في باب الإيمان وهم من الغلاة، فإنهم غلوا في باب الإيمان وكفروا أصحاب الكبائر، وقالوا: إن أصحاب الكبائر كفار، إذا زنى الزاني عندهم يكون كافراً، وإذا سرق السارق يكفرونه، وإذا قتل القاتل يكفرونه، ونحو ذلك من الكبائر، وهذا غلو وإسراف، فأصحاب الكبائر ليسوا كفاراً وإن كان إيمانهم ناقصاً، ولهذا شرع الله العقوبات والحدود، فلو كانت هذه الأعمال تخرج عن دائرة الإسلام لما كان للحدود معنى، لماذا يجلد الزاني إذا كان شاباً عزباً ويرجم إذا كان محصناً؟ لأن هذه الحدود تطهر أصحابها، وهذا يدل على أنها وقعت على أشخاص عقوبة مع بقائهم على الإسلام. وكذلك القتل، ولهذا قال: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ [البقرة:١٧٨] فلو كان القاتل يخرج عن الإسلام لما جاز العفو عنه، مع أنه يجوز العفو عنه وأخذ الدية حتى لو كان قاتلاً، هذا في حالة القاتل قتل العمد، أما في حالة القاتل قتل الخطأ فإن فيه الدية كما هو معلوم، فرأي الخوارج خطير؛ لأنهم يكفرون المسلمين، ولهذا سماهم النبي ﷺ : كلاب أهل النار، ولهذا فالتشدد والغلو ليس فيه خير، والواجب الالتزام بسنة الرسول ﷺ دون غلو مثل غلو الخوارج، ودون تفريط مثل تفريط المرجئة كما سيأتي. فالخوارج غلوا فكفروا المسلمين، فالنبي ﷺ تكلم عن الخوارج في أحاديث وردت عنه، وذلك عندما اعترض عليه الرجل الذي جاءه يوم حنين وقال: (اعدل يا محمد! قال: ويلك فمن يعدل إن لم أعدل، فلما ولى قال النبي ﷺ : يخرج من ضئضئ هذا -يعني: من ظهره- أقوام تحقرون صلاتكم إلى صلاتهم، وصيامكم إلى صيامهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية)، وهذا يدل على خطورة عقيدة الخوارج، ولهذا ينبغي للإنسان أن ينضبط في سنة النبي ﷺ ، بعيداً عن الغلو الذي أوصل الخوارج إلى أن أصبحوا كلاب أهل النار. والخوارج قاتلهم علي بن أبي طالب والصحابة رضوان الله عليهم، وأخبر النبي ﷺ أنهم يخرجون على حين فرقة من الناس، وأنهم إذا خرجوا فإن أولى الطائفتين بالحق تقاتلهم، فقاتلهم علي بن أبي طالب ﵁، وفرح الصحابة بقتالهم؛ لأن النبي ﷺ أخبر أن من يقاتلهم فإنهم من خير الناس في زمانهم، وقد قال النبي ﷺ : (إن لقيتهم لأقتلنهم قتل عاد) وهذا يدل على خطورتهم، مع أنهم عباد يصلون وفي وجوههم مثل ركب المعزى من السجود، وهم من أهل التهجد والصيام، ومع ذلك خالفوا أصل دين المسلمين وكفروا المسلمين. وذكر النبي ﷺ من أوصافهم: أنهم يقتلون أهل الإسلام ويعذرون أهل الأوثان، يعني: هم أهل حمق، لأنهم يعذرون أهل الأوثان، فهم يعذرون أهل الذمة ونحو ذلك، لكن إذا وجدوا أحد المسلمين قتلوه، فقد قاتلوا الصحابة، وقالوا: قتال الصحابة أولى من قتال الروم، وهذا من جهلهم وضلالهم وانحرافهم. وأيضاً: هناك طائفة أخرى ضد هذه الطائفة تماماً وهم المرجئة، والمرجئة عكس هؤلاء، فالخوارج كفروا المسلمين بالكبائر، هؤلاء المرجئة يرون أن من دخل في نواقض الإيمان فإنه لا يكفر، يعني: لو أن شخصاً جعل يسب الله ويسب الرسول لا يكفرونه، فنقول: لماذا لا تكفرونه؟ قال: لعله مصدق بقلبه، نقول: كيف يكون مصدقاً بقلبه وهو يسب الله ويسب الرسول؟! فهؤلاء المرجئة قالوا: لا تكونوا متشددين تكفرون الناس. فهؤلاء المرجئة عكس الخوارج تماماً، يقع الواحد من الناس في الشركيات كأن يطوف حول القبر، ويذبح لغير الله، وينذر لغير الله، ويسب الله ، أو يسب الرسول، أو يكفر أصحاب النبي ﷺ جميعاً، أو يتحاكم إلى ملة غير ملة الإسلام، ومع هذا يعذرونه ولا يكفرونه، فهؤلاء عكسهم، وكلتا الطائفتين من أهل البدع والضلالة، ولهذا قال: (ولا تعتقد رأي الخوارج إنه مقال لمن يهواه يردي ويفضح ولا تك مرجياً لعوباً بدينه ألا إنما المرجي بالدين يمزح)

стр. 258

حقيقة الإيمان وأدلة زيادته ونقصانه في لمعة الاعتقاد قال ابن قدامة المقدسي رحمه الله تعالى: [فصل: والإيمان قول باللسان وعمل بالأركان وعقد بالجنان، يزيد بالطاعة وينقص بالعصيان، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة:٥]]. يعني: ما هو الدين؟ أولاً: أن يعبدوا الله مخلصين له الدين. ثانياً: أن يقيموا الصلاة. ثالثاً: أن يؤتوا الزكاة، وهذه كلها من الأعمال، وهذا يدل على أن الإيمان كما أنه مشتمل على التصديق فهو أيضاً مشتمل على العمل. قال: [فجعل عبادة الله تعالى، وإخلاص القلب، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، كله من الدين]. يعني: لو رجعنا مثلاً إلى كتاب الإيمان في صحيح البخاري سنجد أنه يذكر أصنافاً متعددة من الإيمان، منها: الفرار من الفتن إلى الإيمان، ثم يسوق حديث النبي ﷺ : (يوشك أن يكون خير مال العبد غنيمات يتتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر، يفر بدينه من الفتن) هنا موطن الشاهد: (يفر بدينه من الفتن). وهذا يدل على أن الفرار من الفتن من الدين ومن الإيمان، سواء فتن الشهوات، أو فتن الشبهات، فتن الشهوات مثل صور النساء، الأفلام السيئة، وفتن الشبهات مثل العقائد الفاسدة الضالة. قال: [وقال رسول الله ﷺ : (الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق) فجعل القول والعمل من الإيمان]. قوله: (أعلاها لا إله إلا الله) هذا قول، وقوله: (وأدناها إماطة الأذى عن الطريق) هذا عمل. قال: [وقال تعالى: ﴿فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [التوبة:١٢٤]، وقال: ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا﴾ [الفتح:٤]]. هذا دليل صريح على أن الإيمان يزيد. قال: [وقال رسول الله ﷺ : (يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله وفي قلبه مثقال برة، أو خردلة، أو ذرة من إيمان) فجعله متفاضلاً]. قوله: (فجعله متفاضلاً) يعني: يزيد كما قال تعالى: ﴿فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [التوبة:١٢٤]. والإيمان ينقص أيضاً حتى يصبح مقدار خردلة من إيمان، أو حبة من إيمان، فهذا يدل على أنه يزيد وينقص أيضاً، فزيادته تكون بالطاعة، ونقصانه يكون بالمعاصي، وهذا يدل على أن المعاصي تنقص الإيمان، لكن لا يذهب الإيمان إلا نواقضه.

стр. 259

الفرق بين قول القلب وعمل القلب ننتقل إلى العقيدة الواسطية في باب الإيمان، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: [ومن أصول أهل السنة والجماعة: أن الدين والإيمان قول وعمل، قول القلب واللسان، وعمل القلب واللسان والجوارح]. قوله: (أن الإيمان قول وعمل) سبق أن بينا أن هذا تعريف من تعريفات الإيمان، وهناك تعريفات أخرى. وقوله: (قول القلب واللسان) هذا تفصيل للتعريف وشرح له، وسبق أن قلنا: إن قول القلب هو تصديق القلب بما جاء في القرآن، وتصديق القلب بالرسول ﷺ ، وتصديق القلب بوجود الله وربوبيته وألوهيته واستحقاقه للعبادة، وتصديق القلب بأخبار النبي ﷺ الماضية والمستقبلية أيضاً، هذا كله قول القلب. وقوله: (واللسان) قول اللسان مثل شهادة أن لا إله إلا الله، والذكر، والدعوة إلى الله، والإصلاح ونحو ذلك. وقوله: (وعمل القلب) ما هو الفرق بين تصديق القلب وعمله؟ التصديق هو مجرد أن يعتقد أن هذا الكلام صدق وأنه كلام الله، ويعتقد أن كلام النبي ﷺ صدق، لكن عمل القلب قدر زائد على الصدق، وهذا القدر الزائد هو محبة الله، الخوف منه، التوكل عليه، ولهذا نلاحظ أن المحبة والخوف والتوكل والخشية فيها حركة نحو الله . والحقيقة أن التفصيل بين قول القلب وعمل القلب لم يكن موجوداً بهذه الدقة في زمن النبي ﷺ والصحابة، فقد كانوا يعتقدون أن ما في القلب هو الإيمان، مثل: محبة الله والإخلاص له، ويشمل ذلك التصديق والإخلاص والإنابة والخشوع ونحو ذلك، لكن مع تقدم العلم عبروا عن هذه المعاني بتفصيلات علمية، فمثله مثل علم النحو، فالعرب قديماً كانوا يتكلمون باللغة العربية الفصحى بالسليقة بدون تكلف، ولا يعرفون الفاعل ولا المفعول به، ولا المفعول لأجله، ولا المصدر، ولا الحال، ولا الصرف، لكن كانوا يرفعون الفاعل وينصبون المفعول به والحال، فلما دخلت العجمة في الناس أصبح الناس يقعون في أخطاء لغوية، فقام أهل العلم بوضع علم النحو، ثم بدءوا بالتفصيلات العلمية الدقيقة، هذه التفصيلات العلمية كانت العرب تمارسها دون معرفة لهذه المصطلحات. وأيضاً ما يتعلق بموضوع الإيمان، كان الصحابة رضوان الله عليهم يمارسون الإيمان ويعرفون أن في القلب إيماناً، وأن في الإيمان خشية وخوفاً وتوكلاً، لكن التفصيل بين قول القلب وعمل القلب بهذه الدقة جاء بعد ذلك، لأجل التعليم والتفصيل وإفهام الناس، ولأجل وجود الضلال عند المرجئة، حيث فرقوا بين قول القلب وعمله، فأخرجوا العمل من الإيمان، وجعلوا الإيمان هو تصديق القلب فقط. قال: [وأن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وهم مع ذلك لا يكفرون أهل القبلة بمطلق المعاصي والكبائر كما يفعله الخوارج]. يعني: لا يكفرون بمطلق المعاصي، لكن يكفرون بنواقض الإيمان، أي: يمكن أن نقسم المعاصي إلى قسمين: الأول مطلق المعاصي مثل الكبائر، ومثل مخالفة أوامر الرسول ﷺ ، فهذه لا يكفر الإنسان بها. القسم الثاني: نواقض الإيمان، ومبطلات الإيمان، مثل: الشرك، والكفر ونحو ذلك من الأمثلة التي سبق أن ذكرناها، فنواقض الإيمان ومبطلات الإيمان تزيل الإيمان، ويصبح الإنسان كافراً، وأما بقية المعاصي فإنها لا تزيل الإيمان. قال: [بل الأخوة الإيمانية ثابتة مع المعاصي، كما قال سبحانه: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة:١٧٨]]. يعني: اعتبر القاتل أخاً للمقتول، ولو كان كافراً لانتفت عنه الأخوة الإيمانية. قال: [وقال: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات:٩]]. قوله: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات:٩] يعني: مع أنهم اقتتلوا وصفهم بالإيمان، فوجود الاقتتال لم ينف أصل الإيمان عندهم. قال: [وقال: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات:٩ - ١٠]. ولا يسلبون الفاسق الملي الإسلام بالكلية، ولا يخلدونه في النار، كما تقول المعتزلة]. يعني: المعتزلة اتفقوا مع الخوارج في أن الفاسق أو صاحب الكبيرة مخلد يوم القيامة في النار لا يخرج منها، ولا يدخل الجنة، يعني: الخوارج اختلفوا مع أهل السنة في الفاسق الملي في قضايا متعددة من ضمنها: أنهم يكفرونه في الدنيا، ويقيمون عليه أحكام الكفر مثل: أنه لا يرث كذلك ما يتعلق بالأحوال الشخصية: فزوجته لا تبقى حلالاً له، وأيضاً: يرتبون عليه أنه في الآخرة يكون مخلداً، والمعتزلة اتفقوا معهم في أنه في

стр. 260

دراسة موضوعية [١٣] من عقيدة أهل السنة الإيمان بكل ما أخبر الله تعالى به في القرآن أو أخبر به رسوله ﷺ في السنة من أمور الغيب، كالإسراء والمعراج وعذاب القبر ونعيمه، وأشراط الساعة وغير ذلك.

стр. 261

آداب طالب العلم مع شيخه قال المؤلف ﵀: [ولا تناده باسمه مجرداً، أو مع لقبه كقول: يا شيخ فلان، بل قل: يا شيخي. أو يا شيخنا، فلا تسمه، فإنه أرفع في الأدب، ولا تخاطبه بتاء الخطاب، أو تناديه من بعد من غير اضطرار، وانظر ما ذكره الله تعالى من الدلالة على الأدب مع معلم الناس الخير ﷺ في قوله: ﴿لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور:٦٣] الآية. وكما لا يليق أن تقول لوالدك ذي الأبوة الطينية: يا فلان أو يا والدي فلان، فلا يجمل بك مع شيخك! والتزم توقير المجلس، وإظهار السرور من الدرس والإفادة به، وإذا بدا لك خطأ من الشيخ أو وهم فلا يسقطه ذلك من عينيك؛ فإنه سبب لحرمانك من علمه، ومن ذا الذي ينجو من الخطأ سالماً. واحذر أن تعامله بما يضجره، ومنه ما يسميه المولدون (حرب الأعصاب)، بمعنى: امتحان الشيخ على القدرة العلمية والتحمل. وإذا بدا لك الانتقال إلى شيخ آخر فاستأذنه بذلك، فإنه أدعى لحرمته، وأملك لقلبه في محبتك والعطف عليك، إلى آخر جملة من الآداب يعرفها بالطبع كل موفق مبارك، وفاء لحق شيخك في أبوته الدينية، أو ما تسميه بعض القوانين باسم الرضاع الأدبي، وتسمية بعض العلماء له الأبوة الدينية أليق، وتركه أنسب، واعلم أنه بقدر رعاية حرمته يكون النجاح والفلاح، وبقدر الفوت يكون من علامات الإخفاق]. لا شك أن لأهل العلم مكانة ينبغي أن يعطوا إياها، وذلك أن الله رفعهم عنده درجات، يقول الله : ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة:١١]. وإذا كانت الملائكة من عباد الله المكرمين الذين يطيعونه في كل ما أمر، ويتركون كل ما نهى عنه ، ومع ذلك جاء في الحديث المشهور قوله: (وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضاً بما يصنع)، فإذا كان هذا في حالة طالب العلم، فكيف بحال العالم الذي تقدم به العلم، وأصبح من أهله وحملته، ولهذا يجدر بنا العناية باحترام العلماء، وتقديرهم وإجلالهم، فإن تقدير العلماء من تقدير العلم، وإجلال العلماء من إجلال ما يحملونه من العلم، ولهذا لا يليق أبداً ما نلاحظه هذه الأيام من القدح بأهل العلم، والتنقص منهم وذمهم وعيبهم، فيتهم هذا بالجبن، ويتهم هذا بترك الإنكار، ويتهم ذاك بما يصطلح عليه البعض من الإخوة المتحمسين بأنه انبطاحي، يعني: أنه ليس من الأشخاص الذي يطالبون بالجهاد في كل فترة، وبأي أسلوب. ولا شك أن هذا من أقبح الكلام، فلا يليق بطالب العلم أن يكون طعاناً شتاماً لأهل العلم، وإذا رأى الإنسان في أحد من العلماء نقصاً أو زللاً أو خطأ، فليعلم أن كل إنسان فيه خطأ ونقص وزلل، وأن الإنسان إذا كان فيه خير كثير، وفيه زلل، فإن خيره الكثير ينبغي للإنسان أن يلتفت إليه، وأن ينظر إليه، وأن يدعو الله أن يغفر له خطأه وزلله. كما ينبغي للإنسان أن يكون متوازناً بين احترام أهل العلم وتقديرهم، وبين عدم قبول ما لا دليل عليه، فإن العالم مهما كان عالماً قد يقع في الخطأ. ونحن مطالبون شرعاً بالتزام الأدلة الشرعية في القرآن والسنة، لكن لا يعني هذا ذم العالم المخالف وانتقامه، فإن الذم شيء واتباع الدليل شيء آخر، ولهذا ينبغي على طالب العلم أن يدرك حرمة أهل العلم ومكانتهم، وأن يبتعد عن تنقصهم وازدرائهم، والخطر الكبير على الشخص أن يكون خصيمه يوم القيامة عالماً من العلماء، أو مجاهداً من المجاهدين، أو صادقاً من الصادقين، أو آمراً بالمعروف وناهياً عن المنكر، ولهذا فالأجدر بالإنسان أن يكون ورعاً في تصرفاته، وألا يذم أحداً، ولا يتنقص أحداً. وإذا كان هناك خطأ في أحد فإنه يبينه مع الالتزام بالأدب والخلق الرفيع، فالخلق وحسن الأدب من أعظم ما يزين الإنسان، ولهذا تحدث أهل العلم بأنه لا يمكن للإنسان أن ينتفع من الشيخ إلا إذا كان صاحب أدب وحسن خلق، أما إذا كان جريئاً طعاناً في أهل العلم، فإن مثل هذا لا يمكن أن يكون مستفيداً فضلاً عن كونه مفيداً للناس، ولهذا فهذه الفقرة تدلك على أهمية أهل العلم، فهذا ابن عباس ﵁ الصحابي الجليل والعالم المشهور والمفسر الذي ليس هناك أعلم منه في هذا الباب كان يأخذ بالركاب لـ زيد بن ثابت، وكان زيد بن ثابت من العلماء أيضاً، فيتعجب زيد بن ثابت من هذا التصرف ويقول: [أتأخذ بالركاب وأنت ابن عم رسول الله ﷺ ! فيقول: بهذا أمرنا أن نفعل بعلمائنا]، فإذا كان هذا ابن عباس العالم الجليل فكيف بغيره ممن هو دونه بمراحل متعددة. ولهذا ينبغي على الإنسان أن يقدر أهل العلم، وإذا وجدت أمة من الأمم أو وجدت طلاباً، أو دعاة، أو إخوة من الصالحين لا يحترمون أهل العلم، ولا يقدرونهم، فاعلم أن هؤلاء على غير الجادة وعلى غير السنة النبوية، التي جاء بها محمد ﷺ . ولكن هذا لا يعني أنه

стр. 262

التحذير من الغلو في المشايخ كأهل البدع والمنحرفين قال المؤلف ﵀: [تنبيه مهم: أعيذك بالله من صنيع الأعاجم والطرقية، والمبتدعة الخلفية، من الخضوع الخارج عن آداب الشرع، من لحس الأيدي، وتقبيل الأكتاف، والقبض على اليمين باليمين والشمال عند السلام، كحال تودد الكبار للأطفال، والانحناء عند السلام، واستعمال الألفاظ الرخوة المتخاذلة: سيدي مولاي ونحوها من ألفاظ الخدم والعبيد، وانظر ما يقوله العلامة السلفي الشيخ محمد البشير الإبراهيمي الجزائري، المتوفى سنة ألف وثلاثمائة وثمانين من الهجرة رحمه الله تعالى في (البصائر) فإنه فائق السياق]. لا شك أن طرق الصوفية فيما يتعلق بتعظيم الشيوخ، واعتقاد أنهم يعلمون الغيب ونحو ذلك مذموم، والحقيقة أننا -شباب الدعوة الإسلامية خصوصاً- لا يوجد فينا ولله الحمد مثل هؤلاء الطرقية الذين يصلون إلى هذا التعظيم غير المطلوب، وإلى هذه الطريقة المبتذلة، والأساليب المذمومة، لكن في نفس الوقت نحن بحاجة إلى البعد عن جفاء أهل العلم، وعن نقدهم وذمهم، فتجد في بعض الأحيان شاباً لم يحصل شيئاً من العلم الشرعي ينتقد أهل العلم أو يذمهم أو يتكلم عليهم بكلام لا يليق، ونحن بحاجة إلى موازنة دقيقة بين عدة أمور: الأمر الأول: ألا نغلو في أهل العلم حتى نصبح مثل الصوفية. والأمر الثاني: ألا نجفو أهل العلم حتى نصبح مثل الخوارج الذين كفروا أصحاب النبي ﷺ وتجرءوا عليهم، وذموهم واحتقروهم، وخرجوا عليهم فقاتلوا علي بن أبي طالب ﵁، وأصحاب النبي ﷺ في النهروان. الأمر الثالث: أن يكون الإنسان أديباً محترماً صاحب خلق حسن مع أهل العلم، فيتهم رأيه قبل رأي العلماء. الأمر الرابع: ألا يتتبع الإنسان رخص العلماء، بحيث يأخذ في كل مسألة من المسائل رخصة من عالم من العلماء، وقد قيل: من تتبع رخص العلماء تزندق. الأمر الخامس: ألا نتبع أهل العلم إذا خالفوا الدليل الصريح، مع اعتقاد أنه لا يمكن أن يجتمع العلماء جميعاً على مخالفة الدليل الصريح. ولهذا نحن بحاجة أيضاً إلى فقه يميز لنا بين العلماء الربانيين الصادقين الذين نتكلم عنهم الآن أنهم أهل الاحترام وأهل المحبة وأهل التقدير حتى لو أخطئوا، وبين علماء السوء والشر والعياذ بالله، والفاصل بينهم واضح، فإن العلماء الربانيين لهم سمات ظاهرة فهم الذين يصلحون ما يفسده الناس، ويجتهدون في الإصلاح. وأما علماء السوء والعياذ بالله، فهم الذين يخالفون النصوص الصريحة الواضحة في كتاب الله لمصالح شخصية، أو الذين انشغلوا عن العلم بالأمور الدنيوية، والتفتوا إليها وابتعدوا كل البعد عن العلم، وعن أهل العلم. فمثلاً من يفتي بإباحة الربا -والعياذ بالله- لا يمكن أن يكون عالماً معتبراً شرعاً، وكذلك من يفتي بأن اليهود والنصارى جميعاً إخوان لنا، وأننا سنلتقي معهم في الجنة، وأن النصرانية طريق إلى الله، والإسلام طريق إلى الله، واليهودية طريق إلى الله، هذا لا يمكن أن يكون عالماً بالمواصفات الشرعية التي سبق أن قلناها. ولهذا فالفهم والفقه في هذا الأمر دقيق للغاية، فينبغي للإنسان أن يتربى على الفقه، وأن يبتعد عن الغلو، وأن يبتعد أيضاً عن التفريط فكلاها مذموم. ولا تغل في شيء من الأمر واقتصد كلا طرفي قصد الأمور ذميم

стр. 263

باب الغيبيات الباب الذي معنا من أبواب العقيدة في هذا اللقاء هو باب الغيبيات، والمقصود بالغيبيات: الأمور التي هي من علم الغيب ولا يمكن للإنسان أن يستدل بعقله عليها، وقد يسميها بعض العلماء السمعيات، ويقصدون بذلك المسائل التي لا يمكن للإنسان أن يستنبطها بعقله بل مصدرها الوحيد هو السمع، والمقصود بالسمع الأدلة السمعية والأخبار التي في القرآن أو في السنة النبوية. وقاعدة أهل السنة والجماعة في الغيبيات: أن كل ما أخبر الله به في القرآن، وكل ما أخبر الرسول ﷺ في السنة النبوية الصحيحة من أمور الغيب فإنه يجب قبوله والإيمان به، وأخذه دون تأويل، فلا يؤول ولا يحرف، ولا يغير عن ظاهره اللغوي الذي يفهمه الإنسان في الفهم الأول، أو في القراءة الأولى. وهذا الباب العظيم حصل فيه خلاف بين أهل السنة والجماعة وبين غيرهم. أما المعتزلة فإنهم يرون أن الدليل على العقائد يجب أن يكون دليلاً عقلياً، وأن المسائل التي ليس عليها دليل عقلي مباشر يجب أن ترد إلى مقتضى الدليل العقلي، ولهذا أولوا أشياء كثيرة جداً فيما يتعلق بالإسراء والمعراج، وفيما يتعلق بعذاب القبر ونعيمه، وفيما يتعلق باليوم الآخر مثل الميزان والصراط ونحو ذلك. فهذا التأويل مصدره الأساسي هو أن الدليل المعتبر عندهم هو الدليل العقلي، وإذا وردت نصوص ليس عليها دليل عقلي مباشر فإنهم يؤولونها حتى يردوها إلى الدليل العقلي، ولهذا سنجد في تفصيلات الكلام على مسائل الغيبيات أن هذه الغيبيات لم ينكرها المعتزلة إنكاراً بالمرة؛ لأن إنكار مثل هذه الأخبار الواردة في القرآن والسنة يعتبر كفراً مخرجاً عن دائرة الإسلام، لكنهم حرفوا. فينبغي للإنسان أن يتفهم هذه المسائل بشكل جيد. ومن أوسع من تحدث عن قضايا الغيبيات في الكتب الثلاثة التي ندرسها هو ابن قدامة المقدسي ﵀ في لمعة الاعتقاد، ولهذا سنعلق على كلام ابن قدامة المقدسي ﵀، ثم نعود إلى حائية ابن أبي داود، وإلى الواسطية، وننظر إذا كان هناك زيادات أو ليس هناك زيادة.

стр. 264

شرح باب الغيبيات من لمعة الاعتقاد قال ابن قدامة رحمه الله تعالى: [فصل: ويجب الإيمان بكل ما أخبر به النبي ﷺ ، وصح به النقل عنه فيما شاهدناه، أو غاب عنا، نعلم أنه حق وصدق، وسواء في ذلك ما عقلناه وجهلناه، ولم نطلع على حقيقة معناه]. الغيبيات لا يصح فيها قول المعتزلة أنه لا يوجد عليها دليل عقلي، بل الغيبيات الواردة في الشرع لها مستند عقلي قوي، وهو أن هذه الغيبيات هي عبارة عن أخبار، والخبر يحتمل الصدق والكذب، والمخبر بهذه الأخبار دلت الأدلة العقلية والشرعية على صدقه وهو الرسول ﷺ ، فالمخبر بكل ما في القرآن هو الرسول ﷺ ، والمخبر بالأحاديث الواردة في السنة هو الرسول ﷺ . والرسول ﷺ ثبتت نبوته عندنا بالأدلة اليقينية القطعية التي لا تقبل الشك، ولهذا عندما نرد على المعتزلة الذين أولوا مثل هذه الأخبار بحجة عدم وجود المستند العقلي عليها، نقول لهم: هذه الأخبار هل أخبر بها الرسول ﷺ أم لم يخبر بها؟ فإن قالوا: لم يخبر بها، فهذا تكذيب صريح للقرآن والسنة، وهم لا يقولون بهذا، ولا يكذبون بالقرآن والسنة، ولهذا لابد أن يقولوا: إن الرسول ﷺ أخبر بها. فإذا قالوا: إن الرسول ﷺ أخبر بها، انتقلنا للسؤال الثاني: هل النبي ﷺ نبي عندكم صادق، أم لا؟ وهم لا يقولون: ليس بنبي؛ لأنهم لو قالوا: ليس بنياً لكفروا، وهم ليسوا كفاراً، بل هم من المنتسبين إلى الإسلام وإلى هذه الأمة الإسلامية، يعرفون أن الله حق، ويعرفون أن القرآن صحيح، ويعرفون أن الرسول ﷺ نبي، وهم ليسوا يهوداً ولا نصارى، والمشكلة لم تقع عندهم في التنزيل، وإنما وقعت في التأويل، والفرق بين التنزيل والتأويل أن التنزيل معناه: إثبات القرآن وإثبات السنة النبوية، والتأويل معناه: فهم القرآن وفهم السنة النبوية، وهم يقرون بهذا القرآن الذي بين أيدينا ويعترفون به؛ لأن الذي لا يعترف بالقرآن ولا يعترف بالسنة كافر. لكن هذه الفرق ليست من الفرق الكافرة الخارجة عن الإسلام، بل هي من فرق المسلمين، نسألهم: هذا القرآن الذي بين أيدينا هل هو من الله أو ليس من الله؟ سيقولون: من الله. إذاً هم يعترفون بالقرآن، ويعترفون بالسنة، لكن يؤولونها، فنحن نقول لهم: إذا كان كل من القرآن والسنة حقاً وصحيحاً، فإن الواجب هو الإيمان به؛ لأن منازعة الإنسان في الإيمان بهذه الأشياء يدل على عدم التصديق به، وما دمتم تؤمنون بهذه الأشياء فأنتم ملزمون بالإيمان بكل ما أخبر به الرسول ﷺ . طبعاً هم عندهم مشكلة كبيرة فيما يتعلق بأخبار الآحاد، فهم يقسمون السنة النبوية إلى قسمين: متواتر، وآحاد، والآحاد لا يقبلونها في العقائد، وهذه بدعة مخالفة لسنة النبي ﷺ ، فالنبي ﷺ أرسل عدداً من أصحابه أفراداً إلى هرقل وإلى كسرى، وإلى النجاشي وإلى المقوقس، وأرسل رجلاً إلى بني حنيفة، يدعون إلى أصل الدين والتوحيد، والتوحيد من العقائد، بل هو رأس العقائد، فلم يرسل النبي ﷺ معهم عدد التواتر، وإنما أرسل معهم أفراداً، ولم يطلب الملوك عدد التواتر، وإنما اكتفوا بخبر الفرد. هذا أمر مقر في الشريعة، لكنهم ينازعون بناء على وجود أصول بدعية عندهم، فهم قد أصلوا ثم بدءوا يحرفون، ويؤولون النصوص الشرعية حتى توافق أصولهم البدعية.

стр. 265

الإيمان بالإسراء والمعراج قال المؤلف ﵀: [مثل حديث الإسراء والمعراج، وكان يقظة لا مناماً، فإن قريشاً أنكرته وأكبرته، ولم تنكر المنامات، ومن ذلك أن ملك الموت لما جاء إلى موسى ﵇ ليقبض روحه لطمه ففقأ عينه، فرجع إلى ربه، فرد عليه عينه]. الإسراء والمعراج ثابتان عن النبي ﷺ في القرآن والسنة، أما الإسراء في القرآن فهناك سورة كاملة في القرآن تسمى سورة الإسراء، وقد تسمى سورة بني إسرائيل: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾ [الإسراء:١] إلى آخر الآيات. وأما المعراج فهو وارد في القرآن في بداية سورة النجم: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ [النجم:١٨]. وأما النصوص النبوية فقد ثبت في الصحيحين عن النبي ﷺ ، وقد أنكره كفار قريش، وقد أول الإسراء والمعراج بعض المنتسبين إلى الإسلام، فبعضهم قال: إن هذا الإسراء كان مناماً وليس يقظة؛ لاستحالة الانتقال في العادة من مكة إلى بيت المقدس ثم الذهاب إلى السبع السموات، ثم الإتيان في ليلة واحدة، وهذا قول فاسد وباطل، فإن القرشيين كانوا يعرفون أن النوم يمكن أن ينتقل فيه الذهن من مكان إلى مكان آخر، لكن النبي ﷺ جاءهم وأخبرهم أنه حقيقي. وبعض المؤولين قالوا: إن الإسراء والمعراج كان بالروح فقط دون الجسد، لأن الروح سريعة الانتقال وأما الجسد فهو بطيء، وهذا باطل؛ لأن الله يقول: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء:١]، و (عبده) كلمة عامة تطلق على مجموع الروح والجسد، فلا شك أن النبي ﷺ أسري به يقظة بروحه وجسده، وأن هذه معجزة من المعجزات، وآية من الآيات، ومن كذب بهذا فلا شك أنه مناقض لأصول القرآن والسنة. طبعاً هناك تفصيلات دقيقة تتعلق بموضوع الإسراء والمعراج لا يعنينا التطويل فيها، لكن نناقش الجانب الذي ذكره المؤلف هنا في موضوع الإسراء والمعراج، وهو جانب الغيبيات، والإسراء والمعراج اعتبر من مسائل العقائد لوجود الآراء الضالة المخالفة لأصول عقيدة المسلمين في هذا الباب. وأما قصة الملك مع موسى فهي قصة ثابتة في الصحيحين، وينكرها الذين يتبعون الأهواء ممن ينتسبون إلى العقل ويسمون أنفسهم عقلانيين، وهم في الحقيقة من أهل الجهل وليسوا من أهل العقل، (فإن ملك الموت جاء إلى موسى بهيئة شخص، ودخل عليه فلطمه موسى ﵇ وفقأ عينه، فرجع إلى الله ، وقال: أرسلتني إلى عبد من عبادك لا يريد الموت، فرد الله عليه عينه، وقال: اذهب إليه، وأخبره أن يضع يده على جسد ثور، فله بكل شعرة من هذه الشعرات سنة يعيشها، ثم قال موسى: وماذا بعد ذلك؟ قال: الموت، قال: فالآن). فهذا الحديث ثابت في الصحيح، ويمكن للإنسان أن يؤمن به بكل بساطة، وبدون أي غضاضة، ولا أي مشكلة، لكن الذين يدخلون عقولهم في النصوص، وهي عقول قاصرة، جعلوا هذه النصوص مناقضة للعقل مع أنها ليست مناقضة للعقل في الأصل، فإن هذا أمر عادي جداً؛ لأن الملائكة تتشكل في أشكال متعددة. وهكذا في حديث النبي ﷺ : (إذا سقط الذباب في إناء أحدكم فليغمسه ثم لينزعه، فإن في أحد جناحيه داء، وفي الآخر دواء)، قالوا: لا، هذا حديث لا يصح، كيف يغمس الذباب في الإناء بعد أن مات، نقول النبي ﷺ قال: (فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر دواء)، قالوا: لم نر هذا الداء والدواء، قلنا: إذا لم تروه فهذا لا يعني عدم وجوده، هذا خبر الصادق، وهنا يكون الإيمان الحقيقي بالنسبة للإنسان. وهكذا في حديث: (لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة)، قالوا: إن هذا حديث لا يصح، مع أن الحديث في صحيح البخاري، وقالوا: إن هذا يدل على احتقار المرأة، ونحن نقول: الحديث لا يدل على احتقار المرأة، لكن خلق الله لهم منازل، والله فضل بعض الخلق على بعض، فجعل الرجال قوامين على النساء لما تتصف به النساء من الصفات الأنثوية من ضعف وعدم قدرة على إدارة الولايات العامة. لكن النزعة الغربية الموجودة الآن وطلب مساواة المرأة بالرجل من كل وجه أثرت على كثير من الدارسين والباحثين الذين يكتبون في الدراسات الإسلامية، فأصبحوا يكتبون بنفس المنطق، وبنفس الطريقة التي يفكر بها الغربيون، وهذا من أكبر الأخطاء، بل يجب أن يكون لدينا من الاستقلال الفكري والنفسي عن الموجات الإعلامية الغربية الآن ما يجعلنا نفهم ديننا بصورته الصحيحة، دون أي ضغوط.

стр. 266

الإيمان بأشراط الساعة قال المؤلف ﵀: [ومن ذلك أشراط الساعة، مثل خروج الدجال ونزول عيسى بن مريم ﵇ فيقتله، وخروج يأجوج ومأجوج، وخروج الدابة، وطلوع الشمس من مغربها، وأشباه ذلك مما صح به النقل، وعذاب القبر ونعيمه حق، وقد استعاذ النبي ﷺ منه، وأمر به في كل صلاة]. أشراط الساعة ثابتة في النصوص الشرعية؛ ولهذا يقول الله : ﴿فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ [محمد:١٨]، وأشراطها المقدمات التي تدل على الساعة. وكون الساعة تأتي بغتة لا يخالف وجود مقدمات لها، فيكون هناك مقدمات لها، ثم بعد فترة من الفترات تأتي بغتة؛ ولهذا ليس هناك أحد من الخلق يدرك ويعرف وقت الساعة بشكل دقيق، وهذا هو معنى كونها تأتي بغتة، ولهذا: (لما سأل الرسول ﷺ جبريل عن الساعة قال: ما المسئول عنها بأعلم من السائل، ولكن أخبرك عن أشراطها)، فأخبره عن بعض أشراطها. وقد قسم العلماء أشراط الساعة إلى قسمين: صغرى، وكبرى. وأساس التقسيم عند أهل العلم أن الكبرى وصفت بالكبرى لسببين: السبب الأول: ورودها في حديث واحد. والسبب الثاني: أن الكبرى يكون بها تغيير في الواقع غير طبيعي. فعلامات الساعة الصغرى مثل انتشار الفساد، والزنا، وكثرة المال، وأن تلد الأمة ربتها، وأن ترى الحفاة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان، وهذه كلها أمور معتادة يمكن أن تحصل بدون أي استغراب بالنسبة للإنسان، لكن الذي يقرأ أخبار الدجال يجد أخباره غريبة، وهكذا الدابة التي تكلم الناس، وهكذا طلوع الشمس من مغربها، ولهذا سميت كبرى، وسمي ما عداها صغرى.

стр. 267

خروج الدجال ونزول عيسى بن مريم كما أن علامات الساعة الكبرى وردت في حديث واحد عن النبي ﷺ حيث يقول: (لا تقوم الساعة حتى يأتي قبلها عشر)، ثم عدها ﵊. العلامة الأولى: خروج الدجال، وهو رجل كذاب مكتوب على جبينه: كافر، يقرؤه من قرأه، وحتى غير القارئ يستطيع أن يقرأه، وهو أعور العين، بمعنى أن له عينين، لكن واحدة منهما طافئة، ولهذا فمن الخرافات التي جاءت في الصحافة والتي أصبحت مزبلة لمثل هذه الأفكار الرديئة، أنهم أتوا بصورة مدبلجة لوجه رجل ليس له إلا عين واحدة، وقالوا: هذا الدجال. وقالوا: إن أمه لما ولدته استغربت من الشكل فأخفته. وأوصاف الدجال الواردة في الشرع تخبر أن له عينين، وأن واحدة منهما عوراء، لكن واحدة طافئة لا يرى بها، وأنه مكتوب على جبينه كافر، وأنه يخرج من ثلة بين العراق والشام، ويتبعه ألوف من يهود أصبهان، وأنه يطوف الأرض كلها مثل الريح، وفي الحديث: (أن اليوم الأول من أيامه مثل سنة، واليوم الثاني مثل شهر، واليوم الثالث مثل جمعة، -يعني: مثل أسبوع- وبقية أيامه مثل بقية أيامكم)، وهذا معناه أن الشمس تطلع وتجلس سنة كاملة حتى تغيب، وفي شمال الكرة الأرضية اليوم تظل الشمس على الناس ستة أشهر، فيجلس الدجال سنة بهذا الأسلوب. (ومعه جنة ونار)، يعني: الذي يغضب عليه يدخله النار، وناره جنة في الحقيقة، وجنته نار في الحقيقة. (وأنه يطوف الأرض جميعاً، وأنه يأتي إلى مكة والمدينة وأنه لا يستطيع دخولها، وترجف مكة والمدينة فيخرج منها المنافقون). فهذه أوصاف ظاهرة يمكن أن تراجع في حديث النواس بن سمعان في صحيح مسلم في كتاب الفتن والملاحم، فينبغي للإنسان أن يتفهم مثل هذه الأمور، وألا يصدق الخرافات. وجاء أيضاً أن عيسى بن مريم ﵇ ينزل فيقتله، ونزول عيسى وارد في القرآن، ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ [النساء:١٥٩] يعني: قبل موت عيسى؛ لأن عيسى لم يمت، ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ [النساء:١٥٧]، وقال: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء:١٥٨]، ولهذا عده بعض العلماء كالحافظ ابن حجر في الإصابة من الصحابة. ورد في وصف الدجال في حديث النواس بن سمعان صفات عجيبة جداً، وهو أنه ينزل ورأسه يقطر وأنه جعد، وأنه يضع يديه على ملكين، فإذا رآه عدو الله في باب لد في بلاد الشام يذوب كما يذوب الملح في الماء، فيرميه برمح معه، فيرتد إليه الرمح وفيه الدم، فيقتله عيسى ﵇، ويكون المهدي موجوداً في بلاد المسلمين، ويكون حاكماً من الحكام الصالحين، يصلحه الله في ليلة، فيتقدم بالناس ويصلي بهم، ويعيش عيسى في الأرض أربعين سنة، والأرض تتفتق بخيراتها وبركاتها، وأيضاً يحج ويعتمر، ويكون خروج يأجوج ومأجوج في زمن عيسى ﵇ وهو حي.

стр. 268

خروج يأجوج ومأجوج العلامة الثانية: خروج يأجوج ومأجوج: يأجوج ومأجوج قبيلتان ورد خبرهما في القرآن في سورة الكهف وسورة الأنبياء ﴿قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا﴾ [الكهف:٩٤]، والسد بناه ذو القرنين الملك الصالح، فيأجوج ومأجوج قبيلتان من القبائل يخرجان بعد خروج الدجال في زمان عيسى ﵇ ويملئون الأرض، ويشربون مياه الأرض، حتى أن بحيرة طبرية يمر عليها أولهم فإذا مر آخرهم قال: يقال إن هنا كان ماء، وينتشرون في الأرض ويفسدون فيها فساداً ذريعاً، ويأمر الله عيسى ﵇ أن يجمع أتباعه في الطور، وهو جبل في صحراء سيناء الآن، وبعد انتشار هؤلاء المفسدين يرسل الله إليهم حشرة تسمى النغف فتدخل في أنوفهم وتقتلهم ويصبحون صرعى جميعاً. ثم ينظف الله الأرض منهم وتخرج بركات الأرض مرة أخرى.

стр. 269

خروج الدابة وطلوع الشمس من مغربها وخروج الريح الطيبة العلامة الثالثة: خروج الدابة: وقد وردت في القرآن أيضاً، وورد من وصفها أنها تكلم الناس، وهذه الدابة من أشراط الساعة، وهي تختم على وجوه الناس فتبين المسلم من الكافر، وهي من الأشراط التي تكون قريبة من طلوع الشمس من مغربها. العلامة الرابعة: طلوع الشمس من مغربها: وهي ثابتة، ولا تكون إلا في آخر الزمان، وهي علامة على قرب القيامة. العلامة الخامسة: الريح الطيبة: فتأتي الريح الطيبة بعد ذلك فتأخذ أرواح المؤمنين ولا يبقى إلا شرار الخلق وعليهم تقوم الساعة.

стр. 270

الإيمان بعذاب القبر ونعيمه قوله: (وعذاب القبر ونعيمه حق): أما بالنسبة لنعيم القبر فيقول الله : ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ [إبراهيم:٢٧]، وبالنسبة لعذاب القبر فقد جاء في قصة آل فرعون: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر:٤٦]. وأما بالنسبة للسنة فقد وردت أحاديث كثيرة في الصحيحين وغيرهما بذلك، وأقوى حديث ورد فيه خبر عذاب القبر ونعيمه هو حديث البراء بن عازب، وهو حديث حسن أخرجه الإمام أحمد في مسنده وأبو داود وغيرهم. قوله: (قد استعاذ النبي ﷺ منه وأمر به في كل صلاة): وهذا ثابت أيضاً فإن النبي ﷺ قال: (تعوذوا بالله من عذاب القبر وفتنة المحيا والممات وفتنة المسيح الدجال وعذاب جهنم)، فهذه الأربع أمر النبي ﷺ أن يتعوذ منها الإنسان في كل صلاة بعد التشهد الأخير قبل السلام، حتى أن بعض التابعين كان يفتي بوجوبها مثل طاوس ﵀؛ لأن النبي ﷺ أمر بها.

стр. 271

الأسئلة

стр. 272

واجب العلماء تجاه الأحداث التي يعايشها المسلمون السؤال إذا لم نر وقفة من العلماء تناسب الحدث والوقت، فكيف يكون حالنا معهم حيث إنهم تركوا المجال لغيرهم؟ الجواب أهل العلم لا شك أنهم مطالبون بالمواقف الجادة في الأحداث الحساسة التي تعني الأمة الإسلامية في جملتها، ولا يمكن أبداً في أي حال من الأحوال أن يسكت أهل العلم قاطبة في الدنيا دون بيان أو توضيح، ونحن عندما نتحدث عن العلماء لا نعني العلماء في قطر واحد أو في بلد واحد أو علماء معينين محددين بأسمائهم، بل نتحدث عن أهل العلم من أهل السنة في كل الأرض، ولهذا لابد أن يكون هناك قائم لله بحق يبينه ويوضحه ويبين كيفية التعامل معه. ومثل هذه الأحداث الموجودة الآن في بلاد المسلمين ليس صحيحاً أن أهل العلم لم يكن لهم موقف محدد وواضح في هذا الموضوع، بل لهم موقف محدد وواضح، فهم أنكروا العدوان، وبينوا خطر القوات الأمريكية وما تريد أن تعمله في العراق وما تعمله الآن هو عدوان ظاهر وباطل، وأنه خطير على ديار الإسلام والمسلمين، وأنه يجب على المسلمين أن يتعاونوا في مواجهة مثل هذه الأحداث. كما أنهم بينوا أن التعاون مع هذه القوات لضرب ديار الإسلام وبلاد المسلمين كفر مخرج عن دائرة الإسلام بغض النظر عن المعينين، وهذا الأمر واضح بحمد الله تعالى. كما أنهم بينوا أنه ينبغي على الشباب وعلى الأمة عموماً رجالاً ونساء صغاراً وكباراً أن يلتفوا حول أهل الإيمان وأهل التقوى وأهل العلم وأن يكون رأيهم شورى بينهم، فإن الأمور العملية لا يمكن أن تتم بشكل فردي، مثلاً موضوع الجهاد في سبيل الله ليس موضوعاً فردياً بل هو موضوع جماعي ينبغي أن يجتمع فيه أهل العلم، وأن يدرسوا الخطط التي يمكن أن يواجهوا بها العدو، وما هي أفضل وسيلة لدفع الصائل عن بلاد الإسلام، وكيف يمكن أن يواجهوا مثل هذا العدوان. إذاً الجهاد ليس عملية فردية بل هو عملية شوروية كما قال الله : ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى:٣٨]، يجتمع فيها العلماء وأهل الحل والعقد، وينظرون في مصالح المسلمين، وبناء على هذا يكون هناك قرار موحد من أهل العلم؛ لأن الخلاف سبب من أسباب التفرق، والتفرق سبب من أسباب الهزيمة، فالله أخبر أن التفرق من أعظم أسباب الهزيمة وذهاب الريح وفقدان المسلمين للنصر، يقول الله : ﴿وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال:٤٦]، فقوله: (واصبروا) يعني: اصبروا على الاجتماع والتعاون فيما بينكم بعيداً عن التفرق. ولهذا نحن مطالبون بالالتفاف حول أهل العلم، ولا يظن الإنسان أن المصلحة هو في مواجهة العدو في لحظة معينة، بل قد يكون هناك خطأ وقع فيه بعض أهل العلم أو بعض ولاة الأمر أو بعض الناس، لكن هذا الخطأ لا ينبغي أن يكون سبباً من أسباب الطعن في أهل العلم أو ذمهم واحتقارهم أو التفرق والخلاف، فإن الاجتماع يحتاج إلى صبر، ولابد أن يكون هناك مبرر حتى يحصل الصبر، كما أن وجود وجهات نظر مختلفة في أمر من الأمور يحتاج منا أن نصبر على المحافظة على وحدة الدعاة إلى الله والصالحين والناس عموماً، والمجتمع عموماً يجب أن نحافظ على وحدته وأن نتكاتف بشكل كبير، ولهذا لا يمكن لأي دولة مهما كانت عظمى أن تحطم إرادة أمة من الأمم إذا كانت متكاتفة ومتعاونة، وهنا بعض الأمثلة الدالة على ذلك: المثال الأول: كان شافيز رئيس دولة فنزولا مسئولاً عن أوبك التي هي الدول المنتجة للنفط وكان يسير بشكل مخالف لإرادة أمريكا، فأرادت أمريكا أن تعاقبه وأن تؤدبه، فدبرت له عملية انقلابية، وفعلاً انقلب عليه مجموعة من الأشخاص الذين كان بينهم وبين أمريكا تعاون، فلما انقلبوا عليه أخذوه وأخذوا مجموعة معه وسجنوه في جزيرة، لكن الشعب الفنزولي لم يكن مقتنعاً بهذا الإجراء والانقلاب، فقاموا على الحكومة الجديدة حتى ألزموهم بأن يردوا شافيز مرة أخرى، ثم حاولوا بعد ذلك إسقاطه عن طريق مجموعة من المعارضين له، فعملوا إضراباً كبيراً جداً في الشركات النفطية وأرادوا إسقاطه فلم يستطيعوا؛ لأن هناك إرادة شعبية ترفض مثل هذه الضغوط من أمريكا. المثال الثاني: لو نظرنا إلى الأحداث الموجودة الآن في العراق فإنه إذا كان عشرة أيام ما استطاعوا أن يتحركوا من محاور معينة يدورون حولها، بل صرحوا اليوم أنهم أوقفوا التقدم البري حتى يأتيهم المدد مع أنهم دول كبرى بالنسبة للأسلحة، ودولة واحدة كأمريكا كافية بأن تدمر مجموعة دول من ناحية العتاد العسكري، فكيف وهي أمريكا وبريطانيا وأستراليا وهولندا ومعهم مجموعة من الدول مثل بولندا وغيرها من دول التحالف، فمع تحركهم من مجموعة نقاط وقف لهم العراقيون موقفاً قوياً جداً؛ لأن الوضع الآن في العراق تحول من كون المسألة بين الجيش العراقي والتحالف إلى مسألة جيش التحالف مع الشعب بأكمله، ولهذا كانوا ينتظرون أن الشعب يقوم بعملية انقلابية، ويستقبلونهم بالورود والرياحين ومع هذا ما تم أي شيء. وهذا

стр. 273

دراسة موضوعية [١٤] من أمور الغيب التي يجب الإيمان بها: الإيمان بعذاب القبر ونعيمه، وسؤال منكر ونكير، والإيمان بالبعث ومواقف القيامة، وبشفاعة النبي ﷺ ، وأن الجنة والنار حق وهما مخلوقتان.

стр. 274

من آداب طالب العلم اقتداؤه بشيخه وحسن استماعه له والنقل عنه قال الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد ﵀ في كتاب حلية طالب العلم: [رأس مالك أيها الطالب من شيخك القدوة بصالح أخلاقه وكريم شمائله، أما التلقي والتلقين فهو ربح زائد، لكن لا يأخذك الاندفاع في محبة شيخك فتقع في الشناعة من حيث لا تدري، وكل من ينظر إليه يدري فلا تقلده بصوت ونغمة، ولا مشية وحركة وهيئة، فإنه إنما صار شيخاً جليلاً بتلك، فلا تسقط أنت بالتبعية له في هذه]. المقصود أن الاستفادة من الشيوخ إنما هو في الاستفادة من علومهم وآدابهم وأخلاقهم التي حث عليها الشرع، وأما ما يتعلق بالتقليد في الهيئة والشكل فإن هذا غير مقصود وغير مطلوب. قال المؤلف ﵀: [نشاط الشيخ في درسه: يكون على قدر مدارك الطالب في استماعه وجمع نفسه وتفاعل أحاسيسه مع شيخه في درسه، ولهذا فاحذر أن تكون وسيلة قطع لعلمه بالكسل والفتور والاتكاء وانصراف الذهن وفتوره. قال الخطيب البغدادي رحمه الله تعالى: حق الفائدة ألا تساق إلا إلى مبتغيها، ولا تعرض إلا على الراغب فيها، فإذا رأى المحدث بعض الفتور من المستمع فليسكت فإن بعض الأدباء قال: نشاط القائل على قدر فهم المستمع فليسكت، ثم ساق بسنده عن زيد بن وهب قال: قال عبد الله: حدث القوم ما رمقوك بأبصارهم فإذا رأيت منهم فترة فانزع، انتهى]. المقصود أن الطالب لا ينتظر أن تعرض المعلومات من الشيوخ عرضاً، وإنما عليه أن يستفيد من هؤلاء الشيوخ من خلال الأسئلة وإبداء اهتمامه، فإن كثيراً من أهل العلم قد لا يحسن عرض المسائل ومناقشتها بمجرد العرض، لكن يؤخذ منه العلم عن طريق السؤال وعن طريق التأمل في عباراته، ولهذا يكون نشاط الشيخ على قدر اهتمام الطالب وعنايته وفهمه. قال المؤلف ﵀: [الكتابة عن الشيخ حال الدرس والمذاكرة، وهي تختلف من شيخ آخر فافهم، ولهذا أدب وشرط، أما الأدب: فينبغي لك أن تعلم شيخك أنك ستكتب أو كتبت ما سمعته مذاكرة، وأما الشرط: فتشير إلى أنك كتبته من سماعه من درسه]. وهناك شرط آخر بأن يكون ما تكتبه هو نفس ما يذكره الشيخ؛ لأنه أحياناً قد يفهم بعض الطلاب فهماً ناقصاً أو محرفاً فينقله على غير بصيرة، ولهذا لا يجوز للإنسان أن ينقل عن أحد فتوى أو رأياً أو مسألة من المسائل إلا وهو متيقن منها، أما إذا كان غير متيقن فإنه لا ينبغي أن ينقلها، فقد يظلم شيخه بما ينقله عنه وهو لا يعلم.

стр. 275

التلقي عن المبتدع من أهل العلم قال المؤلف ﵀: [التلقي عن المبتدع]. هذا باب واسع تحدث عنه الشيخ طويلاً، وخلاصته أن الإنسان ينبغي عليه أن يتلقى عن أهل الثقة، وهم أهل الحفظ والإتقان من أهل السنة، ولهذا يقول ابن سيرين -كما رواه الإمام مسلم في مقدمته-: إن هذا الأمر دين فانظروا عمن تأخذون دينكم. وقال أيضاً: كانوا لا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة قالوا: سموا لنا رجالكم. فيأخذون عن أهل السنة ويتركون أهل البدعة. ولهذا نقل عدد من السلف كلاماً عظيماً في عدم التلقي من أهل البدع، وأن من سعادة الأعجمي والمبتدئ في طلب العلم أن يهيئه الله لعالم من أهل السنة يعلمه السنة. وقد نقل عن أكثر من عالم من علماء أهل السنة أنه قال: هداني الله لفلان من أهل السنة. فهذا يدل على أهمية التلقي عن الشيوخ من أهل السنة والجماعة وترك أهل البدع، ولا يغتر الإنسان بالشعارات الإعلامية التي بدأ يرددها كثير من الناس حول الرأي والرأي الآخر، أو عدم الإقصاء، أو حرية التعبير أو حرية الفكر أو نحو ذلك، فكل هذا الأمور ليس لها قيمة فيما يتعلق بالتلقي عن غير أهل السنة، فكما قال أكثر من واحد من أهل السنة: السنة سفينة نوح من ركبها نجا، ومن تركها غرق، فلا يصح أن يقول الإنسان: أنا أريد أن أطلع على الرأي الآخر خصوصاً إذا كان في بداية طلبه للعلم. بل ينبغي عليه أن يدرس وأن يأخذ من مورد عذب بعيد عن الكدر؛ لأن النظر في كتب أهل البدع في بدايات طلب العلم تجعل المورد الذي يشرب منه الإنسان كدراً؛ لأن أهل البدع وكتبهم تنشر القول الباطل والفاسد وتزينه للناس، نعم يصح للإنسان إذا كان متخصصاً وغير مبتدئ بطلب العلم أن يطلع على كتب أهل البدع للرد عليها، فإن هذا لا بأس به لهذا المقصد النبيل، فإن حفظ الدين من مقاصد الشريعة، ومن حفظ الدين بيان العقائد الباطلة ليحذرها الناس، وحفظ الدين كمقصد من مقاصد الشريعة يكون بأمرين: الأمر الأول: معرفة الدين على صورته الصحيحة ونشرها وتعليم الناس إياها ودعوتهم إليها. الأمر الثاني: الرد على المخالفين، فإن المخالفين يزينون للناس ويلبسون عليهم دينهم ويزخرفون الهم الباطل بالأسلوب الحسن والأسلوب الجميل، فيقع الناس في الضلالة من حيث لا يشعرون، فوجب بيان الحق وتمييز الحق من الباطل ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ [الأنفال:٣٧]، فالله يقول: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ﴾ [يونس:٣٢]. هذا فيما يتعلق بالآراء المجمع عليها من أصول الدين والعقيدة، أما المسائل المختلف فيها بين أهل السنة كالمسائل الفقهية التي يختلف أهل السنة في فهم الدليل لعدم الإجماع عليه أو لعدم وضوح هذا الدليل أو للخلاف في صحة هذا الدليل يكون العالم فيها ما بين مجتهد مصيب له أجران ومجتهد مخطئ له أجر، ولا شك أن الحق واحد غير متعدد، لأن الله يقول: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ﴾ [يونس:٣٢].

стр. 276

وجوب الحذر من الجاهل المبتدع قال المؤلف ﵀: [احذر أبا الجهل المبتدع الذي مسه زيغ العقيدة، وغشيته سحب الخرافة، يحكم الهوى ويسميه العقل، ويعدل عن النص، وهل العقل إلا في النص! ويستمسك بالضعيف ويبعد عن الصحيح، ويقال لهم أيضاً: أهل الشبهات وأهل الأهواء، ولذا كان ابن المبارك ﵀ يسمي المبتدعة الأصاغر. وقال الذهبي رحمه الله تعالى: إذا رأيت المتكلم المبتدع يقول: دعنا من الكتاب والأحاديث، وهات العقل، فاعلم أنه أبو جهل، وإذا رأيت السالك التوحيدي يقول: دعنا من النقل ومن العقل، وهات الذوق والوجد، فاعلم أنه إبليس قد ظهر بصورة بشر أو قد حل فيه، فإذا جبنت منه فاهرب وإلا فاصرعه وابرك على صدره، واقرأ عليه آية الكرسي واخنقه، انتهى]. أهل السنة هم الذين يتبعون ما تدل عليه النصوص الشرعية من القرآن والسنة، أما مزاحمة النصوص بأي نوع من أنواع المزاحمات فهو من البدعة. فمن زاحم النصوص بالعقل وبدأ يعطل النصوص ويغير معانيها ويحرف مدلولها بحجة العقل فهذا مبتدع. ومن أراد أن يحرف النصوص الشرعية ويغير مدلولاتها بحجة التجربة والذوق والوجد الذي عند الصوفية فهذا مبتدع. ومن أراد أن يحرف الأحكام الشرعية والأدلة الشرعية بحجة السياسة فهذا مبتدع. ومن أراد أن يحرف النصوص الشرعية بحجة المصلحة فهذا مبتدع. ومن أراد أن يحرف الأدلة الشرعية باسم مقتضيات الواقع والحاجة إلى فهم الواقع ونحو ذلك فهذا لا شك أنه ليس من أهل السنة. بل أهل السنة هم الذين يأخذون ما في الكتاب والسنة كما أراده الله وكما خاطب نبيه بلغة العرب، وكل هذه الأمور التي جاءوا بها هي في الحقيقة مطابقة للكتاب والسنة، لكن هم خرجوا هذه الأمور التي هي ممدوحة في ذاتها بحيث إنهم جعلوها معارضة للنصوص، فالعقل ممدوح ولا يمكن أن يعارض النص الشرعي لكن هم جاءوا بمعقولات وشبهات أملاها الشيطان عليهم. كذلك الذوق لا يمكن أن يعارض القرآن والسنة، وفي الحديث: (ثلاث من كن فيه ذاق بهن حلاوة الإيمان)، ثم ذكر الثلاث وهي من أصول الدين، فالذوق لا يمكن أن يخالف النصوص. والمصلحة هي في العمل بالنصوص والسياسة الصحيحة هي في العمل بالنصوص، والواقع الصحيح هو التعامل مع هذه النصوص تعاملاً مشروعاً، فكل من حرف النصوص وغير معناها ومدلولها بحجة من هذه الحجج التي صورتها ممتازة فنقول: أنت ظلمت الاثنين، ظلمت النصوص الشرعية عندما غيرت معناها، وظلمت العقل والمصلحة والذوق والواقع ونحو ذلك عندما غيرت المفهوم الحقيقي الموافق للنصوص الشرعية، وجئت بمعقولات باطلة وذوق فاسد ومصلحة ليس فيها مصلحة في حقيقة الأمر ومحاولة للتلاعب بالنصوص الشرعية حتى توافق الواقع حسب عقلك، وإلا فالنصوص الشرعية يمكن أن توافق الواقع بناء على ما تدل عليه. مثلاً: لو جاءنا شخص وقال: لا يمكن في القرن العشرين أن نقطع اليد، لأنه لا يصلح أن يعيش الإنسان بدون يد؟ نقول: يصلح إذا سرق أن نقطع يده، الأحكام الشرعية نصوص قطعية لا تقبل التبديل، بحجة الواقع والحضارة، فالدين باق مع الإنسان في مجتمعه الزراعي أو الصناعي أو في أي نوع من أنواع المجتمعات، فلا يمكن أن نغير النصوص الشرعية بناء على أمور لديك أو انهزام أمام الحضارة الغربية والشعور بالدنيا، إذا كنت تشعر بالدنيا فارجع، فأهل الإسلام لا يشعرون بها. قال: كيف نقطع اليد ومنظمة العفو الدولية تطالب بمنع قطع اليد؟ نقول: منظمة العفو الدولية أصلاً بنت فلسفتها فيما يتعلق بالإنسانية على الحضارة الغربية التي هي ليست مبنية على وحي من السماء، وإنما هي مبنية على استحسانات من البشر، والآراء البشرية إذا كانت مخالفة للقطعيات الإلهية نرميها ولا نقبلها. ولهذا أهل السنة هم الذين يأخذون القرآن والسنة ويشعرون بعلو عظيم عندما يأخذونها ويفهمونها فهماً صحيحاً ويطبقونها في الواقع. قد يقول بعض الناس: إن الواقع مختلف الآن، نقول: لا يشكل هذا الواقع، فالدول الغربية التي انتصرت على ألمانيا في الحرب العالمية الثانية هم صنعوا هيئة الأمم وجعلوا لها مجلس أمن وجعلوا أنفسهم هم الذين يتحكمون في مصير الخلق، ونحن لا يشترط أن نعترف بهذا، نحن لنا فكر آخر لنا دين آخر لنا منهج آخر، لسنا ملزمين بهذا الأمر، نعم نحن في زمن استضعاف، وفي زمن الأمة فيه ضعيفة، لكنها صارت ضعيفة بسبب نفسها، ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران:١٦٥] لكن لو أننا ارتفعنا عن الشهوات المحرمة وعن الشبهات الضالة والتزمنا بما التزم به الرسل الكرام وبما التزم به الصحابة بجد واجتهاد ويقين صادق فإنه لا يمكن أبداً أن يغلبنا هؤلاء الناس مهما ملكوا من الأسلحة. ومن النماذج التي عطلت النصوص بسببها السياسة والعقل، ولهذا خرج لنا طائفة من المتكلمين والعصرانيين يتكلمون باسم العقل والمصلحة. كذلك تقليد الأئمة يجعل الإمام والشيخ سبباً من الأسباب التي يعطل من أجلها

стр. 277

الإيمان بفتنة القبر وسؤال منكر ونكير سبق أن تحدثنا عن موضوع الغيبيات وقلنا: إن موضوع الغيبيات موضوع واسع وكبير، وإن الزاوية التي نناقش منها موضوع الغيبيات هي باعتبار أن هذه الغيبيات ثبتت في القرآن وصحيح السنة، وأنه يجب على المسلم أن يؤمن بها، ولكل نوع من هذه الأنواع الغيبية تفصيلات طويلة لسنا معنيين بها، لكن الهدف هو معرفة أن هذا أمر غيبي أخبر به الله بالقرآن أو الرسول ﷺ بالسنة، وأنه يجب علينا أن نؤمن بها كما جاءت، وأن أهل الكلام وبالذات المعتزلة قد حرفوا النصوص المتعلقة بالغيبيات بأنها تخالف العقل بالنسبة لديهم. قال ابن قدامة رحمه الله تعالى: [وفتنة القبر حق، وسؤال منكر ونكير حق]. فتنة القبر المقصود بها: السؤال الذي يكون في قبرك، وهذا السؤال ثابت في النصوص الشرعية، يقول الله : ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم:٢٧]. وثبت عن النبي ﷺ في الصحيحين أن المسلم إذا دخل قبره فإنه يسأل عن ثلاثة أمور: عن ربه، وعن نبيه، وعن دينه، وهذه الثلاثة هي التي أخذها الشيخ/ محمد بن عبد الوهاب ﵀ وبنى عليها الأصول الثلاثة أو الثلاثة الأصول، واختص هذه الأصول الثلاثة فقط لأنها هي التي يسأل عنها الإنسان في قبره. أما السائل فهما ملكان يأتيان للإنسان فيقعدانه ويسألانه عن هذه الأشياء، وجاء في رواية: أن أحدهما يسمى منكراً والآخر يسمى نكيراً. ومن الأمور الغيبية فيما يتعلق بالقبر عذاب القبر ونعيمه، ولهذا أخبر الله بعذاب أهل القبور في قوله: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر:٤٦]، فبين أنهم يعذبون مرتين، فقوله: (عشياً) يعني: بعد العصر، وقوله: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ﴾ [غافر:٤٦] يدل على أن هذه النار التي يعرضون عليها غدواً وعشياً قبل قيام الساعة ويكون ذلك القبر.

стр. 278

الإيمان بالبعث والنفخ في الصور والحشر والحساب قال المؤلف ﵀: [والبعث بعد الموت حق، وذلك حين ينفخ إسرافيل ﵇ في الصور]. البعث هو: الإخراج من القبور، يقول الله : ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ [التغابن:٧]، فالناس يبعثون يوم القيامة من قبورهم. وقد أخبر الله بهذا وأخبر النبي ﷺ بأحاديث كثيرة في ما يتعلق بالنفخ في الصور، والصور كما ورد عن النبي ﷺ عبارة عن قرن، وأن الملك الذي ينفخ فيه هو إسرافيل، وأنه حنا جبهته ينظر متى يؤمر بهذا النفخ فينفخ، فتقوم القيامة حينئذ والبعث يكون بعد القيامة. قال المؤلف ﵀: [﴿فَإِذَا هُمْ مِنَ الأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ﴾ [يس:٥١]، ويحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلاً بهماً]. الحشر معناه: الجمع، ويكون ذلك بعد البعث، فيحشرون على أرض بيضاء نقية مستوية كما جاء في الأحاديث عن النبي ﷺ ، لأن الأرض تزول منها كل الأعلام، والمقصود بالأعلام الجبال والبيوت وكل أمر ناتئ، وتبدل الأرض غير الأرض كما أخبر الله ، ويمدها الله كما يمد الأديم وتتوسع، ولهذا يحشر العباد إلى بلاد الشام، ولكن ليست بنفس الحجم الموجود الآن؛ لأن العباد يحشرون من زمن آدم إلى آخر من تقوم عليهم الساعة، لكن الأرض تغير وتصبح أرضاً أخرى. ومعنى (حفاة) غير منتعلين، ومعنى (عراة) العاري الذي لا ثياب له، ومعنى (غرلاً) ليسوا مختونين، كما قال الله : ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ [الأنبياء:١٠٤] يعني: كما خرج الناس من بطون أمهاتهم ليسوا بمختونين فإنهم يخرجون من قبورهم كما خرجوا من بطون أمهاتهم. وجاء في بعض الأحاديث الواردة في صفة البعث أن الله يمطر الأرض بمطر مثل مني الرجال، وأن الإنسان يفني كل جسده إلا عجب الذنب ومنه ينبت الإنسان، ثم تنشق عنهم الأرض ويخرجون من قبورهم مثل خروج النبات، فيكونون جميعاً عراة، ويكون أول من يكسى هو إبراهيم ﵇، ويعلل العلماء ذلك بأنه عندما رمي في النار رموه وهو عار ﵇، فكافأه الله بأن كانت النار برداً وسلاماً عليه، وكافأه أيضاً بأنه أول من يحشر يوم القيامة إذا بعث الناس عراة. وجاء في الحديث عن عائشة ﵂ أنها قالت: (يا رسول الله! ينظر بعضهم إلى بعض! قال: يا عائشة الأمر أعظم من ذلك وأكبر من ذلك). ومعنى (بهماً) ليس معهم شيء من أملاكهم، يعني: يخرج الإنسان مثل مولده، كما قال الله : ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ [الأنبياء:١٠٤]، وهذا هو الوارد عن النبي ﷺ في حديث حسن. قال المؤلف ﵀: [فيقفون في موقف القيامة حتى يشفع فيهم نبينا محمد ﷺ ويحاسبهم الله ﵎]. معنى الحساب: أن الله يطلع ويخبر عباده بما كانوا يعملون في الدنيا، يقول الله : ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ [الغاشية:٢٥ - ٢٦]، وهذه الأمور السابقة مجمع عليها بين أهل العلم، لكن الذي يحاسب هم أهل الإسلام فقط، وأما الكفار فإنهم يسحبون إلى النار بسبب الكفر، لكن لا يحاسبون، لأن الحساب يكون لمن كان له حسنات وسيئات، أما الكفار فإنهم لا يوجد لهم حسنة، فإن الكفر يزيل كل الحسنات، كما أخبر الله : ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ﴾ [إبراهيم:١٨]، وكما جاء في حديث عبد الله بن جدعان ﵁، عندما سألت عائشة ﵂ النبي ﷺ قالت: (يا رسول الله! إنه كان يطعم الفقير ويكسو الناس، أليس له شيء؟ فقال: لا يا عائشة، إنه لم يقل يوماً من الدهر. رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين)، وعندما سئل عن حاتم الطائي وكان رجلاً كريماً يطعم الناس، قال: (ذاك رجل كان يريد شيئاً فناله) يعني: يريد المدح والثناء فحصل له ذلك. وأول من يحاسب هم أهل الإسلام، ولهذا قال النبي ﷺ : (نحن الآخرون السابقون يوم القيامة)، وأول من يفتح له الباب هو الرسول ﷺ يقول: (آتي باب الجنة، فيقول الملك: من الطارق؟ فأقول: محمد، فيقول: لك أمرت أن أفتح، لا أفتح لغيرك)، ثم تدخل بعد ذلك أمته، منهم سبعون ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، ثم بعد ذلك تدخل بقية الأمم

стр. 279

الإيمان بالميزان والصراط قال المؤلف ﵀: [وتنصب الموازين]. الموازين جمع ميزان، والميزان: هو ميزان حقيقي له كفتان، توضع فيه الأعمال، قال الله : ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾ [الأعراف:٨]. واختلف العلماء هل هو ميزان واحد أم موازين متعددة؟ فقال بعض العلماء: إنه ميزان واحد، وإن الجمع إنما هو باعتبار ما يكون في هذا الميزان، وقال بعضهم: إنها موازين متعددة وإنه لكل أمة من الأمم ميزان خاص. فالحسنات توضع في مكان، والسيئات توضع في مكان ويحصل بينها موازنة، وبعض المعتزلة قال: كيف توزن الأعمال وهي أعراض؟ ومعنى أعراض: (صفات)، فنحن نقول: إن هذه الأعمال إما إن الله يجعلها أعياناً بحيث توزن، وإما أن يكون الذي يوزن هو ثوابها. قال المؤلف ﵀: [وتنشر الدواوين]. الدواوين هي صحائف الأعمال التي تنشر للعباد، فمن الناس من يأخذ صحيفته بيمينه، ومن الناس من يأخذ صحيفته بشماله من وراء ظهره. قال المؤلف ﵀: [وتتطاير صحائف الأعمال إلى الأيمان والشمائل ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا * وَيَنقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا * وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ * فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا * وَيَصْلَى سَعِيرًا﴾ [الانشقاق:٧ - ١٢]. والميزان له كفتان ولسان توزن به الأعمال ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٢ - ١٠٣]. ولنبينا محمد ﷺ حوض في القيامة، ماؤه أشد بياضاً من اللبن، وأحلى من العسل، وأباريقه عدد نجوم السماء، من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبداً]. الحوض هو حوض خاص بالنبي ﷺ يكون في العرصات أثناء الحشر وهناك مجموعة من المواقف تحصل حتى يدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار، اصطلح على تسميتها أهل العلم بعرصات القيامة، وهذه العرصات يحصل فيها الحوض، فإن الحوض جزء من النهر الذي وهبه الله للنبي ﷺ وهو نهر الكوثر، ومن نهر الكوثر ميزاب يصب في هذا الحوض، وهذا الحوض ورد في وصفه أن طوله شهر وعرضه شهر وزواياه متساوية، وعدد آنيته مثل نجوم السماء ولونه أبيض من اللبن وطعمه أحلى من العسل. وأيضاً لكل نبي حوض ريحه أفضل من رائحة المسك، ولكل نبي من الأنبياء حوض خاص بأمته يتباهون أيهم أكثر مورداً، وأكثر الأحواض وروداً هو حوض النبي ﷺ . قال المؤلف ﵀: [والصراط حق، يجوزه الأبرار، ويزل عنه الفجار]. الصراط هو طريق يوضع على متن جهنم، وكل الأمم سترده كما قال الله : ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ [مريم:٧١]، وهذا الصراط ورد في وصفه أنه أدق من الشعر وأحد من السيف، وأنه توجد عليه كلابيب مثل شوك السعدان، وأن الناس يؤخذون من عليها وأنه لا يتكلم حينئذ إلا الأنبياء، وأن كل الأنبياء يكون كلامهم: اللهم سلم سلم، والناس يجوزونه بصفات مختلفة، منهم من يجوزه كالبرق، ومنهم من يجوزه مثل الريح، ومنهم من يجوزه مثل أجود الخيل، ومنهم من يمشي مشياً، ومنهم من يحبو حبواً، ومنهم من يقع في نار جهنم والعياذ بالله، والصراط منصوب على متن جهنم، كما في النصوص وورد في وصفه أنه دحض مزلة

стр. 280

الإيمان بالشفاعة والجنة والنار قال المؤلف ﵀: [ويشفع نبينا ﷺ ]. الشفاعة ثابتة، وهي أنواع: منها الشفاعة التي هي في فصل القضاء، يعني: أن النبي ﷺ يشفع عند ربه من أجل أن يحاسب العباد، وهذه الشفاعة يقر بها كل المسلمين حتى المعتزلة والخوارج، لكن المعتزلة والخوارج ينفون الشفاعة لعصاة الموحدين، وهي ثابتة في النصوص الشرعية كما في حديث أبي هريرة الطويل في قصة الشفاعة وأنه يشفع لكل من قال: لا إله إلا الله، وأنه قال: (لكل نبي دعوة مستجابة، وجعلت دعوتي شفاعة لأمتي)، وقال: (شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي). إذاً الشفاعة أنواع: منها الشفاعة في فصل القضاء، ومنها الشفاعة لأهل الكبائر، ومنها الشفاعة لـ أبي طالب وهي خاصة بالنبي ﷺ ، وليست شفاعة في دخوله الجنة، وإنما هي شفاعة في التخفيف عليه من النار حتى يكون في ضحضاح يغلي منها دماغه، وورد في بعض النصوص أن له نعلين من نار يغلي منهما رأسه أعاذنا الله وإياكم من ذلك. وهناك بعض أنواع الشفاعة لم يرد نص صريح في كونها من أنواع الشفاعة التي تكون يوم القيامة وإنما ورد فيها عموم الدعاء، مثل: الشفاعة لبعض المؤمنين أن يرفعه الله في الجنة، ومثل: الشفاعة في التخفيف على بعض أهل النار ونحوها. أما إنكار المعتزلة والخوارج لشفاعة عصاة الموحدين فذلك؛ لأنهم يعتبرون أن العصاة كفار وأنهم يخلدون في النار وأنهم مثل عموم الكفار الذين لا تحصل فيهم الشفاعة، بينما أهل السنة يرون أن عصاة الموحدين مازال معهم أصل الإيمان، وأنه يشفع لهم فيما يتعلق ببقية الذنوب وأن لأهل الإيمان شفاعة وللشهداء شفاعة ولكل نبي شفاعة وللملائكة شفاعة. قال المؤلف ﵀: [ويشفع نبينا ﷺ فيمن دخل النار من أمته من أهل الكبائر]. هذا هو موطن الخلاف الذي سبق أن أشرنا إليه. قال المؤلف ﵀: [فيخرجون بشفاعته بعدما احترقوا وصاروا فحماً وحمماً، فيدخلون الجنة بشفاعته]. الشفاعة لها شرطان: الشرط الأول: إذن الشافع في المشفوع له. والشرط الثاني: الرضا عن المشفوع له بأن يكون من أهل التوحيد. هذان شرطان لازمان للشفاعة، فإنه لا يمكن أن تكون الشفاعة إلا بإذن الله : ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة:٢٥٥]، وأما رضاه للمشفوع فقال: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء:٢٨]، وجاء في حديث أبي هريرة ﵁ أنه قال: سألت النبي ﷺ من أسعد الناس بشفاعته؟ قال: (من قال: لا إله إلا الله خالصاً من قلبه). قال المؤلف ﵀: [ولسائر الأنبياء والمؤمنين والملائكة شفاعات، قال تعالى: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء:٢٨]، ولا تنفع الكافر شفاعة الشافعين، والجنة والنار مخلوقتان لا تفنيان، فالجنة مأوى أوليائه، والنار عقاب لأعدائه]. الجنة والنار ثابتتان في النصوص الشرعية، والقرآن مليء بذكر الجنة وأوصافها، وبذكر النار وأوصافها، وأهل السنة يؤمنون أن الجنة موجودة الآن؛ لأن الله قال: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران:١٣٣]، وأن النار موجودة الآن لأن الله قال: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٢٤]، وهذه إشارة للماضي وفيها إشارة للحال وأنها موجودة الآن، وأول المعتزلة الجنة التي هي موجودة الآن بأنها جنة في الدنيا، وهذا تأويل فاسد، فإن الجنة التي يدخلها أهل الإيمان موجودة الآن، والنار التي يدخلها أهل العصيان أيضاً موجودة الآن كما تدل النصوص الشرعية على ذلك

стр. 281

منهج التصحيح ومنهج التعميق في دراسة الغيبيات ونحن في دراسة هذه الغيبيات لنا منهجان: المنهج الأول: منهج التصحيح، بمعنى أن ندرس العقائد الغيبية ونصحح ما تعلق بها من الانحرافات عند الفرق الضالة، ونبين ما تدل عليه النصوص الشرعية فيما يتعلق بهذه الأمور الغيبية، وهذا المنهج ندرس فيه الغيبيات وندرس فيه الأسماء والصفات وندرس فيه توحيد الألوهية، وهذا هو السائد في كتب أهل العلم فيما يتعلق بالعقيدة. المنهج الثاني: هو منهج التعميق، بمعنى تعميق الإيمان بهذه الأمور، فكل واحدة من هذه الأمور لها جوانب إيمانية عظيمة جداً، وهي ثمرة الإيمان بهذه الأشياء. فنحن عندما ندرس البعث والحشر والموازين والصراط والجنة والنار ندرسها من باب التصحيح؛ لأن هناك عقائد منحرفة تعلقت بها، فنحن نصحح هذه العقائد ونبينها من واقع النصوص الشرعية بشكل مختصر؛ لكن لها جانب آخر، وهو أن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا يدرسون هذه العقائد، ويتأثرون بما تدل عليه من المفاهيم والمعاني. كذلك نحن ندرس أحوال الجنة لكي نشتاق إليها، ويؤثر هذا في نفوسنا عبادة عظيمة وهي عبادة الرجاء والتعلق بالله والتمني لدخول الجنة، ويحثنا هذا ويدعونا إلى العمل الصالح، وعندما ندرس النار فإن هذا ينمي في قلوبنا عبادة شرعية وهي الخوف من الله والدعوة للهروب من الذنوب والمعاصي، وعندما ندرس الأسماء والصفات فندرس -مثلاً- أن الله الغني فهذا يدعو إلى الطلب من الله ، وعندما ندرس أن الله هو الرقيب فإن هذا يدعو إلى الخوف من الله في شئوننا، عندما نكون منفردين. وعندما ندرس أن الله هو الجبار والمنتقم ، فإن هذا يورث في نفوسنا العزة بالله ، وأنه سينتقم لعباده المؤمنين من أهل الكفر والظلم والطغيان، وعندما ندرس أن الله هو الرحمن الرحيم فإن هذا يطمعنا في رحمة الله. فهذه المعاني هي جزء من العقيدة، لكن مع تصنيف العلوم وتقسيمها صارت هذه المسائل تدرس في باب التفسير، أو في الزهد والرقائق، أو في باب الآداب الشرعية، أو في السلوك، مع أنها داخلة في صلب العقيدة، ويتحدث عنها أهل العلم أحياناً باسم أعمال القلوب. لكن نحن اعتدنا من خلال دراسة العقيدة في كتاب التوحيد مثلاً والواسطية ولمعة الاعتقاد والطحاوية ونحو ذلك، أن ندرس بالمنهج الأول وهو منهج التصحيح، مع أن المنهج الثاني جزء من العقيدة أيضاً حيث ندرس فيه تعميق العقيدة، فلهذا نقول: فلان عقيدته قوية، بمعنى أنه فهم العقيدة بذهنه والتزم بها في سلوكه وخلقه ودينه وخوفه من الله . فأحياناً تكون العناية بالتصحيح على حساب التعميق، وهنا يكون الخطأ. ولهذا استغل الصوفية فجوة في فهم بعض أهل السنة للعقيدة، حيث يفهم كثير من الناس أننا ندرس مسائل الأسماء والصفات فنثبتها كما أثبتها الله وكما أثبتها الرسول ﷺ ، ونرد على الأشاعرة ونرد على المبتدعة الضالين فيها بهذه الطريقة العقلية المحضة، نحن نقول: هذا جزء أساسي من دراسة العقيدة، فلابد أن نصحح العقيدة للناس حتى يعتقد الناس العقيدة الصحيحة كما بينها الله وكما بينها الرسول ﷺ ، وهذا باب عظيم، والذين يدافعون عن العقيدة في هذا الباب نسميهم حماة للدين وحماة العقيدة؛ لكن أيضاً فإن من العقيدة الإيمان بأعمال القلوب من الخوف والرجاء والإنابة والتوكل والبكاء من خشية الله والتعبد وذكر الله والتأثر بالقرآن وتدبر القرآن، هذه كلها من العقيدة، ولهذا أقول: لا ننشغل بدراسة المتون في العقيدة مثل: متن كتاب التوحيد متن كشف الشبهات متن الأصول الثلاثة متن العقيدة الواسطية متن التدمرية متن العبودية متن العقيدة الطحاوية مع شرحها؛ لا ننشغل بهذا بحيث نجعل طالب العلم إذا درس هذه المتون فإنه أكبر إنسان في العقيدة، فإن الإنسان قد يدرس هذه المتون وعمله الصالح ضعيف، وخوفه من الله ضعيف فيكون العامي أقوى منه عقيدة. إذاً لابد أن ندرس العقيدة بهذين المنهجين، وهذه القضية تتضح في القضايا الغيبية أكثر منها في غيرها، وإلا فإن كل باب من أبواب العقيدة له جانب سلوكي وإيماني قوي جداً حتى باب القدر، ولهذا أحد الغربيين يقول: المسلمون الأوائل كانوا يؤمنون بالقدر وكذلك المتأخرون يؤمنون بالقدر، لكن الأوائل كان القدر يدفعهم للقتال في المعارك؛ لأنهم يعلمون أن الآجال مكتوبة بقدر الله ، فهذا يدعوه إلى الشجاعة وأنه لن يتأخر يومه إذا دخل في المعركة، بينما المتأخرون فهموا القدر بأنه سلبية وأن الأمور مقدرة فتركوا العمل! فانظروا إلى أثر الانحراف في العقيدة والسلوك، وأن العقيدة الصحيحة تؤثر أيضاً في السلوك، فينبغي إدراك هذه القضية بشكل جيد. قال المؤلف ﵀: [وأهل الجنة فيها مخلدون ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ * لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ [الزخرف:٧٤ - ٧٥]، ويؤتى بالموت في صورة كبش أملح، فيذبح بين الجنة والنار ثم

стр. 282

شرح باب الغيبيات من حائية ابن أبي داود قال ابن أبي داود رحمه الله تعالى: [لا تنكرن جهلا نكيرا ومنكرا ولا الحوض والميزان إنك تنصح وقل يخرج الله العظيم بفضله من النار أجساداً من الفحم تطرح على النهر في الفردوس تحيا بمائه كحب حميل السيل إذ جاء يطفح] هذا ورد في حديث الشفاعة الطويل، وهؤلاء هم الجهنميون، وهم آخر من يخرج من النار، وهم من العصاة، وقد ورد في أوصافهم أنهم يقولون: لا إله إلا الله، وورد في أوصافهم أن في قلوبهم إيماناً، وورد أيضاً أنهم من أهل الصلاة، ولهذا يعرفون بمواطن السجود. قوله: [وإن رسول الله للخلق شافع وقل في عذاب القبر حق موضح] هنا نلاحظ في كلام ابن أبي داود أنه أشار إلى مسألة سؤال المنكر والنكير، وأشار إلى أسماء الملائكة وأشار إلى الحوض والميزان وأشار إلى خروج الموحدين بالشفاعة، وأشار إلى الشفاعة في قوله: وإن رسول الله للخلق شافع، وأشار إلى عذاب القبر؛ لكن ما قرأناه في لمعة الاعتقاد أوسع من ذلك.

стр. 283

شرح باب الغيبيات من العقيدة الواسطية قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: [ومن الإيمان باليوم الآخر، الإيمان بكل ما أخبر به النبي ﷺ مما يكون بعد الموت]. نلاحظ أن الغيبيات التي تحدث عنها ابن تيمية هي الغيبيات المتعلقة باليوم الآخر، بينما أشار ابن قدامة ﵀ إلى أشراط الساعة التي تكون قبل يوم القيامة، وهذا يعتبر أوسع من كلام ابن تيمية. قوله: [فيؤمنون بفتنة القبر وبعذاب القبر ونعيمه]. فتنة القبر وعذاب القبر ونعيمه تكون قبل يوم القيامة، لكنها ألحقت بموضوع اليوم الآخر باعتبار أن ما بعد الموت من اليوم الآخر، وإلا فهي تعتبر من البرزخ، والبرزخ هو الحياة التي تكون بين حياتين يعني: بين الدنيا والآخرة. قوله: [فأما الفتنة فإن الناس يمتحنون في قبورهم، فيقال للرجل: من ربك، وما دينك، وما نبيك]. ليس المقصود هنا أن المرأة لا تمتحن، وإنما المقصود عموم الناس، وإلا فإن المرأة تمتحن أيضاً كما يمتحن الرجل. قال ﵀: [فيثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، فيقول المؤمن: ربي الله، والإسلام ديني، ومحمد ﷺ نبيي، وأما المرتاب فيقول: هاه هاه، لا أدري، سمعت الناس يقولون شيئاً فقلته، فيضرب بمرزبة من حديد فيصيح صيحة يسمعها كل شيء إلا الإنسان، ولو سمعها الإنسان لصعق]. هذا ورد في حديث البراء بن عازب وهو حديث طويل في وصف الاحتضار وعذاب القبر ونعيمه. قال ﵀: [ثم بعد هذه الفتنة إما نعيم وإما عذاب إلى أن تقوم القيامة الكبرى، فتعاد الأرواح إلى الأجساد، وتقوم القيامة التي أخبر الله بها في كتابه وعلى لسان رسوله، وأجمع عليها المسلمون، فيقوم الناس من قبورهم لرب العالمين حفاة عراة غرلاً، وتدنو منهم الشمس ويلجمهم العرق فتنصب الموازين فتوزن بها أعمال العباد ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٢ - ١٠٣]. وتنشر الدواوين وهي صحائف الأعمال، فآخذ كتابه بيمينه وآخذ كتابه بشماله أو من وراء ظهره، كما قال : ﴿وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا * اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء:١٣ - ١٤]، ويحاسب الله الخلائق، ويخلو بعبده المؤمن فيقرره بذنوبه كما وصف ذلك في الكتاب والسنة. وأما الكفار فلا يحاسبون محاسبة من توزن حسناته وسيئاته فإنه لا حسنات لهم، ولكن تعد أعمالهم فتحصى، فيوقفون عليها ويقررون بها]. سبق أن أشرنا إلى أن الكفار ليس لهم ميزان، لأنهم لا حسنات لهم، فإن الكفر يقتل كل حسنة. قال: [وفي عرصات القيامة الحوض المورود للنبي ﷺ ، ماؤه أشد بياضاً من اللبن، وأحلى من العسل، آنيته عدد نجوم السماء، طوله شهر، وعرضه شهر، من يشرب منه شربة لا يظمأ بعدها أبداً]. أما من يصرف عن الحوض فهم الكفار وأهل البدع، ولهذا جاء في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: (يقدم علي قوم فأعرفهم فيذادون عني فأقول: أصيحابي أصيحابي، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك) ومعنى أحدثوا: ابتدعوا، ولهذا يذكر أهل العلم هذا الحديث في باب ذم البدع وخطورة البدعة على صاحبها. وقوله: (أصيحابي أصيحابي) ليس المقصود بأنهم من أصحاب النبي ﷺ ، فليس من أصحاب النبي ﷺ مبتدع أبداً، وإنما المقصود أن النبي ﷺ يعرفهم، حيث يمكن للنبي ﷺ أن يميز بين أمته وغيرها من الأمم، فيميز أمته الذين ولدوا بعده بالغرة والتحجيل، ومع أنهم غر محجلون إلا أنهم يذادون عن الحوض فلا يشربون منه. قال ﵀: [والصراط منصوب على متن جهنم، وهو الجسر الذي بين الجنة والنار يمر الناس على قدر أعمالهم، فمنهم من يمر كلمح البصر، ومنهم من يمر كالبرق، ومنهم من يمر كالريح، ومنهم من يمر كالفرس الجواد، ومنهم من يمر كركاب الإبل، ومنهم من يعدو عدواً، ومنهم من يمشي مشياً، ومنهم من يزحف زحفاً، ومنهم من يخطف خطفاً ويلقى في جهنم، فإن الجسر عليه كلاليب تخطف الناس بأعمالهم]. وقد سبق أن أشرنا إلى أنها تشبه شوك السعدان الملتوي. قال ﵀: [فمن مر على الصراط دخل الجنة، فإذا عبروا عليه وقفوا على قنطرة بين الجنة والنار، فيقتص لبعضهم من بعض، فإذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة]. هذا يعتبر زيادة عما في كتاب لمعة الاعتقاد، وهي إثبات القنطرة التي بين الجنة والنار، وهي ثابتة في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ . قال ﵀: [وأول من يستفتح باب الجنة محمد ﷺ ، وأول من يدخل الجنة من الأمم أ

стр. 284

دراسة موضوعية [١٥] الإيمان بالأنبياء والرسل ركن من أركان الإيمان لا يتم إيمان العبد إلا به، وهم كثر ذكر بعضهم في القرآن وكثير منهم لم يذكروا، وآخرهم هو نبينا محمد ﷺ ، وهو خاتمهم وأفضلهم، وله خصائص ومميزات تميزه عن غيره من الأنبياء عليهم جميعاً الصلاة والسلام.

стр. 285

أخذ العلم عن علماء أهل السنة والحذر من المبتدعة ينبغي لطالب العلم أن لا يدرس إلا على صاحب سنة، وأن يبتعد عن التلقي عن أهل البدع، وأن يجتهد في أن تكون دراسته -خصوصاً في مسألة العقائد وما له من ارتباط بها- على يد صاحب عقيدة صحيحة، فإن المبتدعة يجب على المسلمين هجرهم والتحذير مما هم فيه من البدع المضلة؛ لأن البدع أخطر من المعاصي. فصاحب المعصية يدفعه الهوى والشهوة لفعل المعصية، وهو يعلم أن هذه معصية، ولهذا إذا وعظ وذكر بالله فإنه يعود، فهو لا يتخذ معصيته ديناً، بينما صاحب البدعة يظن أن البدعة التي هو عليها -سواء في باب العقائد أو الأعمال- من الدين، فتكمن الخطورة عندما ينسب الإنسان شيئاً إلى دين الله ، ويشرع فيه ما ليس منه، ولهذا جاء في الحديث الذي روي مرفوعاً وروي عن بعض السلف من أقوالهم: (أن الله لا يقبل توبة صاحب بدعة)، وهذا الحديث له معنيان: المعنى الأول: أن صاحب البدعة لا يقبل الله منه هذه التوبة، فيكون هذا الحديث من أحاديث الوعيد العامة. والمعنى الثاني: ما أشار إليه الشاطبي ﵀ في الاعتصام، وهو أن صاحب البدعة لا يمكن أن يتوب من بدعته؛ لأنه يعتقد أنها دين. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [التلقي عن المبتدع: وقال أيضاً رحمه الله تعالى: وقرأت بخط الشيخ الموفق قال: سمعنا درسه -أي: ابن أبي عصرون - مع أخي أبي عمر وانقطعنا، فسمعت أخي يقول: دخلت عليه بعدُ، فقال: لم انقطعتم عني؟ قلت: إن ناساً يقولون إنك أشعري، فقال: والله ما أنا أشعري، هذا معنى الحكاية. انتهى. وعن مالك رحمه الله تعالى قال: لا يؤخذ العلم عن أربعة: سفيه يعلن السفه وإن كان أروى الناس، وصاحب بدعة يدعو إلى هواه، ومن يكذب في حديث الناس وإن كنت لا أتهمه في الحديث، وصالح عابد فاضل إذا كان لا يحفظ ما يحدث به. فيا أيها الطالب إذا كنت في السعة والاختيار فلا تأخذ عن مبتدع: رافضي أو خارجي أو مرجئ أو قدري أو قبوري وهكذا، فإنك لن تبلغ مبلغ الرجال صحيح العقد في الدين متين الاتصال بالله، صحيح النظر، تقفو الأثر -إلا بهجر المبتدعة وبدعهم، وكتب السير والاعتصام بالسنة حافلة بإجهاز أهل السنة على البدعة، ومنابذة المبتدعة والابتعاد عنهم، كما يبتعد السليم عن الأجرب المريض، ولهم قصص وواقعات يطول شرحها، لكن يطيب لي الإشارة إلى رءوس المقيدات فيها، فقد كان السلف رحمهم الله تعالى يحتسبون الاستخفاف بهم وتحقيرهم، ورفض المبتدع وبدعته، ويحذَّرون من مخالطتهم ومشاورتهم ومؤاكلتهم، فلا تتوارى نار سني ومبتدع. وكان من السلف من لا يصلي على جنازة مبتدع فينصرف، وقد شوهد من العلامة الشيخ محمد بن إبراهيم المتوفى سنة ألف وثلاثمائة وتسعة وثمانين من الهجرة رحمه الله تعالى انصرافه عن الصلاة على مبتدع، وكان من السلف من ينهى عن الصلاة خلفهم، وينهى عن حكاية بدعهم؛ لأن القلوب ضعيفة والشبه خطافة. وكان سهل بن عبد الله التستري لا يرى إباحة الأكل من الميتة للمبتدع عند الاضطرار؛ لأنه باغٍ؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ﴾ [البقرة:١٧٣] الآية، فهو باغٍ ببدعته، وكانوا يطردونهم من مجالسهم، كما في قصة الإمام مالك رحمه الله تعالى مع من سأله عن كيفية الاستواء، وفيه بعد جوابه المشهور: أظنك صاحب بدعة، وأمر به فأخرج]. كل هذه الأخبار وما سيأتي نقله هو في بيان أهمية الدراسة على صاحب السنة والحذر من الرواية والدراسة وتعظيم أصحاب البدع، فإن أصحاب البدع إذا عُظِّموا وصارت لهم مكانة ومنزلة في الأمة، فإن الناس سيأخذون عن هؤلاء، وإذا أخذوا عنهم فإنهم قد يتعرضون والعياذ بالله للعقائد المنحرفة الضالة التي عندهم. ولا شك أن البدع ليست على مستوىً واحد، فهناك بدع مكفرة وبدع غير مكفرة، وهناك بدع مغلظة وبدع أخف منها، وهناك بدع في الاعتقاد، وهناك بدع في الأعمال، وهناك بدع مركبة من مجموعة آراء وأفعال بدعية، وهناك بدع ليست مركبة وإنما هي بدعة واحدة، فهي ليست على مستوى واحد، وقد جعل الله لكل شيء قدراً. فإذا كان الإنسان يتعامل مع مبتدع بدعته كفرية، فإنه سيختلف عن معاملته مع مبتدع بدعته ليست كفرية، وهكذا بالنسبة للمغلظة، وهكذا بالنسبة للبدع في الاعتقاد والعمل، وهكذا بالنسبة للبدع المركبة وغيرها؛ ولهذا ينبغي للإنسان أن يكون محتاطاً في دينه وفي تعامله، فلكل هذه المسائل ضوابط ينبغي على الإنسان أن يدركها وأن يحرص عليها، والسبب في هجر المبتدع والتحذير منه هو ألا تنتشر بدعته، فإن البدع كالسرطان، إذا تُرِكَت في الأمة فإنها تنتشر أكثر وأكثر حتى تفتك بها. وقد مرت على المسلمين فترة غابت فيها السنة عن الناس، إلى درجة أن صاحب السنة أصبح غريباً بسنته، وأصبحت البدعة جزءاً من كيان المجتمع، وأصبح الناس يمارسونها على أنها جزء من الدين، فلم يكونوا يعرفون من العقائد إلا عقائد الأشعرية، وكذلك مر على المسلمين فترة
следующие страницы →