← Акыда

Акыда · id 37802

شرح العقيدة الواسطية - عبد الرحيم السلمي

عبد الرحيم السلمي

Полный текст (493 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

آثار الإيمان بصفة الحكم لله تعالى ولهذه الصفة -وهي أن الله هو الحكم، وأنه يحكم ما يشاء، ويفعل ما يريد، وأن الحكم لله لها آثار عظيمة جداً متعلقة بالعبادة: فمن ذلك: أن الحكم لله وحده لا شريك له، فلا يجوز للإنسان أن يشرك مع الله حكماً آخر، ولهذا يقول الله : ﴿وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا﴾ [الكهف:٢٦]، الله له الحكم، وهو الذي يشرع للناس، فلا يصح أن يشرك أحد مع الله شريكاً في حكمه، والآية السابقة التي ذكرناها وهي قول الله : ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [يوسف:٤٠] تدل على هذا المعنى، فإن العبادة حق خالص لله ، فقد جاء في حديث معاذ بن جبل ﵁ عندما كان رديفاً للنبي ﷺ على حمار، أن رسول الله ﷺ : (أتدري ما حق الله على العباد وما حق العباد على الله؟ قال: الله ورسوله أعلم. قال: حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً). إذاً: إخلاص العبادة حق لله ، والحكم من العبادات، كما يدل على ذلك قول الله : ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [يوسف:٤٠]، فهذا دليل على أن الحكم من هذه العبادات التي أمر الله أن لا يشرك فيه معه أحد غيره. فالذين يظنون أن السياسة لا علاقة لها بالدين ظنهم باطل، فإن السياسة الشرعية نوع من أنواع العبادة لله ، وأما السياسة الباطلة فتارة تكون شركية، وتارة تكون معصية وفسوقاً، وتارة تكون بدعة إذا كانت مخالفة لشرع الله ، وكل بحسب ما يعمل الإنسان. ولهذا كان الدين جزءاً من أجزاء السياسة، وهي داخلة في عموم قول الله : ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣]. فالذين يظنون من الدعاة إلى الله أنه لا علاقة للدعوة بالسياسة، أو لا علاقة للدين بالسياسة فهؤلاء يظنون خطئاً، وأخطئوا خطئاً كبيراً جداً في فهمهم لحقيقة الدين، فإن الدين شامل لحياة الإنسان كلها، شامل لأمواله، لعلاقاته، لسياساته، لأموره العامة والخاصة، ولكل أوضاعه، وهذا هو معنى قول الله : ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام:٣٨] على أحد التفسيرين في الآية، وقد علم رسول الله ﷺ الأمة كل شيء حتى الخراءة، عندما يذهب الإنسان إلى الخلاء علمه ﷺ ماذا يعمل؟ وكيف يفعل؟ وماذا يقول؟ ماذا يقول عند نومه؟ وماذا يقول إذا استيقظ؟ وعلم الإنسان كيف ينظف فاه بالسواك عندما يأتي إلى الصلاة، وشدد في ذلك ﷺ حتى أنه قال: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة). هل تظنون أن النبي ﷺ علَّم الناس هذا الأمر وترك أمورهم العامة، وما معنى الغزوات إذاً التي فعلها رسول الله ﷺ ؟ وما معنى الجهاد في سبيل الله الذي شرعه الله وحث عليه؟ وما معنى البراءة من المشركين ومعاداتهم؟ وما معنى أحكام الجزية واسترقاق الأسرى؟ ما معنى هذه الأحكام الشرعية الواضحة لو كان هذا الجانب ليس من دين الله ، لاشك أن أي إنسان يعرف أحكام الله ، وأن الله أمر بالحكم بالشريعة، وأمر بالجهاد في سبيل الله، وأمر بالإغلاظ على المشركين وقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة:٧٣]، أي إنسان يدرك هذه الأشياء جميعاً يعلم أن الله ما أهمل السياسة، وإنما بين فيها الأحكام، وبين فيها رسول الله ﷺ الأحكام من قوله وفعله، وأمر الله أن يكون الحكم له وحده لا شريك له. ومن أشمل ما صدر في هذا الموضوع كتاب الدكتور عبد الرحمن المحمود: الحكم بغير ما أنزل الله أحواله وأحكامه، وهو من أنفع الكتب وأنفسها وأجودها في جمع مسائل هذا الباب، وفي ترتيبها، وفي صحة الرأي فيها. ويقول الله : ﴿لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص:٨٨]، والحصر يدل على الاختصاص، ويقول الله : ﴿أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾ [الأنعام:٦٢]، ويقول الله : ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى:١٠]، ولهذا حكم الله يجب اتباعه في كل شيء، سواء في أمور العقائد أو الأعمال العامة أو الخاصة، لابد أن يتبع الإنسان حكم الله .

стр. 107

إثبات صفة الحكمة لله تعالى الصفة الثانية المتعلقة باسم الله الحكيم: صفة الحكمة، والحكمة صفة من صفات الله ، فالله ما شرع أمراً من الأوامر، وما خلق شيئاً من المخلوقات إلا لحكمة عظيمة وغاية حميدة، وهذه الحكمة التي خلق الله لها الخلق مأخوذة من كثير من النصوص الشرعية، وكذلك يدل عليها اسم الله: الحكيم. وقد صنف العلماء في هذا الباب مصنفات، منهم شيخ الإسلام ابن تيمية له كتاب يسمى: (أقوم ما قيل في القضاء والقدر والحكمة والتعليل)، وهو موجود ضمن مجموع الفتاوى في المجلد الثامن، وكذلك موجود ضمن مجموعة الرسائل والمسائل التي حققها الشيخ محمد رشيد رضا في مجلدين. وممن ألف في هذا الباب أيضاً: ابن القيم ﵀ فله كتاب اسمه: (شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل). وممن ألف أيضاً: الشيخ محمد بن ربيع المدخلي له كتاب اسمه: (الحكمة والتعليل في أفعال الله تعالى). وهناك رسائل كثيرة متعلقة بهذا الباب، لكن هذه من أبرز هذه الرسائل.

стр. 108

أدلة وصيغ إثبات صفة الحكمة في نصوص القرآن الكريم أفرد ابن القيم ﵀ في كتابه (شفاء العليل) فصلاً طويلاً في الاستدلال على حكمة الله ، وهو الفصل الثاني والعشرون، وقد ظن بعض المحققين أن ابن القيم ﵀ نسي هذا الفضل؛ لأنه في مقدمة شفاء العليل بين الأبواب التي سيتحدث عنها فذكر الباب الثاني والعشرين، وأنه تحدث فيه عن حكمة الرب وأدلة إثباتها، لكنه حصل خلط في بعض النسخ، وأضيف هذا الباب إلى الباب الذي قبله، فظنوا أنه نسيه رحمه الله تعالى وهو لم ينسه، وإنما حصل الخطأ في بعض النسخ الخطية. يقول ابن القيم رحمه الله تعالى: الباب الثاني والعشرون في إثبات حكمة الرب تعالى في خلقه وأمره، وذكر الغايات المطلوبة له بذلك، والعواقب الحميدة التي يفعل لأجلها ويأمر لأجلها. ثم ذكر الأدلة التي تدل على حكمة الله ، وميزة هذا الفصل: أنه وزع هذه الأدلة التي حصرها وجعلها على شكل أنواع، في كل نوع من الأنواع مجموعة من الأدلة. فمثلاً يقول: النوع الأول: التصريح بلفظ الحكمة وما تصرف منها، كقوله تعالى: ﴿حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ﴾ [القمر:٥]، وكقوله: ﴿وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [النساء:١١٣]، وقوله: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة:٢٦٩]. النوع الثاني: إخباره أنه فعل كذا لكذا، يعني: الإتيان بلام التعليل، كقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ [المائدة:٩٧]، وموطن الشاهد قوله: ﴿ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا﴾ [المائدة:٩٧]. وقوله أيضاً: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق:١٢]. ومن ذلك أيضاً: قول الله : ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الحديد:٢٩] إلى آخر الآيات التي ذكرها. وفرق أيضاً في هذا النوع بين لام التعليل ولام العاقبة، فإن لام التعليل هو فعل الشيء لعلة معينة، لكن لام العاقبة، مثل قول الله : ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص:٨] يعني: آل فرعون ما التقطوه من أجل أن يكون لهم عدواً وحزناً، لكن المقصود باللام هنا العاقبة، وبين ذلك، قال: فإن ما بعد اللام في هذا ليس هو الغاية المطلوبة، ولكن لما كان الفعل منتهياً إليه، وكانت عاقبة الفعل، دخلت عليه لام التعليل، وهي في الحقيقة لام العاقبة. ثم ذكر أنواعاً أخرى قال: النوع السادس: ذكر ما هو من صرائح التعليل وهو من (أجل)، كقوله تعالى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ﴾ [المائدة:٣٢] وهذا صريح في أن الله فعل هذا الفعل من أجل ذلك. ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة:٣٢]. قال: النوع الثاني: ذكر الحكم الكوني أو الشرعي عقيب الوصف المناسب له، فتارة يذكر (بأن)، وتارة يقرن (بالفاء)، وتارة يذكر مجرداً، فالأول كقوله تعالى: ﴿وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء:٨٩ - ٩٠]، وهكذا ذكر مجموعة كثيرة. النوع العاشر: إخباره عن الحكم والغايات التي جعلها في خلقه وأمره؛ كقوله: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ﴾ [البقرة:٢٢]، وذكر مجموعة كثيرة من الأنواع التي فيها إثبات حكمة الله ، وأن الله يخلق الشيء لحكمة.

стр. 109

دلالة العقل والقياس على حكمة الله تعالى في الخلق والتشريع ثم إن خلق الله للشيء لحكمة لا شك أنه يدل عليه العقل أيضاً، فإنه لا يمكن أبداً أن يخلق الله الخلق بدون أن يكون لهذا الخلق حكمة وغاية حميدة؛ فإن الإنسان العاقل عندما يفعل الفعل يسأل: لماذا فعلت هذا الفعل؟ فإذا فعله لحكمة مُدِح، وإذا فعله لغير حكمة ذم، فإذا كان هذا في المخلوق وهو مخلوق، فالخالق أولى بذلك وأعظم، كما هو معلوم من قياس الأولى. إذاً: حكمة الله ثابتة ولا شك فيها من ناحية العقل والشرع، والأدلة القرآنية مليئة بذلك، ولهذا كان من الأدلة الشرعية الكتاب والسنة والإجماع والقياس، فالقياس دليل من الأدلة الشرعية وهو دليل معتبر، والقياس المراد به هو قياس الفرع الذي يراد أن يحكم فيه على أصل محكوم فيه سابقاً؛ لوجود علة بينهما، وهذه العلة صحيحة وواضحة، والقياس دليل من الأدلة الشرعية اتفق عليه أهل العلم جميعاً، ولم يخالف فيه إلا الظاهرية، واعتبرت مخالفة الظاهرية في القياس من البدع التي عندهم، ومنها أيضاً: إنكار مفهوم المخالفة والموافقة. ابن حزم مثلاً يرى: أن الله عندما قال: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء:٢٣] إلى قوله: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا﴾ [الإسراء:٢٣]. فهو هنا نهي عن التأفف، ومفهوم الموافقة: النهي عن الضرب؛ لأنه أعظم وأشد، فيقول ابن حزم ﵀: لا يمكن أخذ النهي عن الضرب من هذه الآية؛ لأن هذه الآية غاية ما فيها النهي عن التأفف، ولاشك أن هذا خطأ كبير في فهم النصوص، ولهذا نص شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ على أن هذه من بدع الظاهرية. إذاً: القياس دليل مبني على العلة، وهذا دليل على أن الله يشرع أحكامه لحكم وعلل حميدة ومفيدة، ولهذا فإن الذين أنكروا الحكمة والتعليل تورطوا في فهم للقياس، وكما أنهم يتحدثون في علم الكلام كذلك منهم يتحدثون هنا في أصول الفقه.

стр. 110

بيان ما تتضمنه الحكمة المثبتة عند أهل السنة ومعنى حكمة الله وحقيقتها أنها تتضمن معنيين: المعنى الأول: حكمة تعود على الرب يحبها ويرضاها. والثاني: حكمة تعود على العبد فيها منفعة له ونعمة يفرح بها، ويتلذذ بها، وينشرح صدره لها. هذه هي الحكمة التي يثبتها أهل السنة، فالله عندما خلق الخلق وشرع الشرائع والأوامر فإنه خلقهم لحكمة، وقبل أن يخلقهم علم هذه الحكمة، وخلق الخلق لها، وكذلك قبل أن يشرع الشرائع شرعها لحكمة ، هذه الحكمة التي في المخلوقات والمأمورات تعود إلى الله وعباده، فأما معنى عودها إلى الله فمعناه: أنه خلقها ، وهو يعلم المصلحة المترتبة عليه، وهو يحب ما أمر به ، وله في خلقه أيضاً حكمة عظيمة؛ حتى المخلوقات التي ظاهرها أنها ضرر وشر، ولهذا جاء في الدعاء المعروف: (والشر ليس إليك)، ومعنى الشر ليس إليك مع وجود بعض المخلوقات الشريرة في الحياة: أن الشر لا يعود إلى فعل الله ، وإنما يعود إلى مفعوله، يعني مخلوقه، وهو ما خلق شيئاً من الخلق -حتى إبليس- إلا لحكمة عظيمة ومصلحة متعلقة بالخلق. فمثلاً: إبليس خلقه الله ابتلاء واختباراً للناس حتى يرى من يصدق المرسلين، ويتبع كلامه ، ويعصي عدوه، ويجاهده، ويصبر على هذا الجهاد، بل قد يترتب عليه أنه يموت في هذا السبيل، وهذه لا شك أنها من أعظم الحكم وأجل الغايات، بل فيها من ظهور أسماء الله وصفاته الشيء الكثير. ففيها مثلاً: ظهور صفة العفو والمغفرة للعباد المخطئين. وفيها أيضاً: ظهور صفة التجاوز والمسامحة. وأيضاً: ظهور صفة المعية الخاصة لعباده المؤمنين، فكل ما خلق الله من خلق فإنه خلقه لحكمة تعود عليه من جهة، وتعود على الخلق من جهة أخرى. ولهذا تحدث ابن القيم ﵀ كثيراً في هذا الكتاب -شفاء العليل- عن هذه القضية، حتى المخلوقات الشريرة المعروفة فإنها لحكمة عظيمة وهدف كبير، وقد بينا طرفاً من هذه الحكمة من أكبر الشر وهو إبليس عليه لعنة الله، وأما المأمورات فليس فيها شر؛ لأن مأمورات الله كلها مصالح ومنافع للعباد علمها من علمها، وجهلها من جهلها. إذاً: حكمة الله تكون في خلقه وأمره.

стр. 111

موقف الناس من إثبات صفة الحكمة انقسم الناس في الحكمة إلى قسمين: القسم الأول: نفاة الحكمة، والقسم الثاني: مثبتو الحكمة، والحكمة والتعليل بمعنى واحد. فنفاة الحكمة وهم الأشاعرة يقولون: إن الله لا يفعل الفعل لحكمة، وإنما يفعله لمحض المشيئة والإرادة، فإذا قال لهم أحد: إن الحكم واضحة في مخلوقات الله . قالوا: هذه الحكم ليست قبل الفعل، وإنما هي بعد الفعل، وثمرة من ثمرات هذا الفعل، وأما الفعل فإن منشأه الأساسي محض المشيئة والإرادة وليس لحكمة أو غاية قبل الفعل. أما مثبتو الحكمة فهم طائفتان: الطائفة الأولى: المعتزلة: فقد أثبتوا الحكمة، وقالوا: إن الله خلق الخلق لحكمة، لكن قالوا: إن هذه الحكمة تعود إلى العباد ولا تعود إلى الله بوجه من الوجوه. وقالوا كذلك: إن هذه الحكمة التي نعلمها بعقولنا واجبة على الله ، وهذا أصل عندهم يسمونه: إيجاب الأصلح على الله ؛ فإنهم يرون أنه إذا كان الأصلح لهذا العبد أن يوفق لعمل من الأعمال، فيجب على الله أن يفعل هذا العمل. تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً، ولهذا يسميهم السلف الصالح: معطلة الصفات مشبهة الأفعال؛ لأنهم شبهوا الله بخلقه في الأفعال. الشاهد: أنهم حين أثبتوا الحكمة قالوا: إن هذه الحكمة ليست راجعة إلى الله، وإنما هي راجعة إلى العبد، يعني: هذه المصلحة والغاية راجعة إلى العبد وليست راجعة إلى الله . والسبب في ذلك: أنهم ينفون الصفات، ويقولون: إن الله ليست له صفات، ويثبتون الأسماء على أنها أعلاماً محضة فقط، ولا تتضمن شيئاً من الصفات، وحتى العلم ينفونه، ويقولون: عالم بلا علم، فإذا قيل لهم: هل هو جاهل؟ قالوا: لا، علمه هو ذاته علمه هو ذاته. هكذا يقولون ويسفسطون. وأما السلف الصالح رضوان الله عليهم فإنهم أثبتوا الحكمة، وقالوا: إن الله يفعل الفعل لحكمة عظيمة، وهذه الحكمة التي خلق الخلق من أجلها، أو أمر بالشرع من أجلها تعود إليه؛ فهو يحبها ويرضاها، وتعود إلى العباد من ناحية أنهم يفرحون بها، ويلتذون بها، وتطمئن نفوسهم إليها. والسبب الذي جعل الأشاعرة ينفون حكمة الله أنهم قالوا: إن حكمة الله لو أثبتناها للزم من ذلك أن الله يفعل لغاية، قلنا: وما الذي يضر في هذا؟ إذا كان يفعل لغاية فهذا من الكمال، قالوا: لا، معنى هذا أن الله محتاج لهذه الغاية. ونحن نقول لهم: لا يلزم أن الله محتاج لهذه الغاية التي خلق الخلق لأجلها؛ لأنه خلق مخلوقات كثيرة وهو غير محتاج إليها. ثم إنكم أردتم الفرار وخفتم من إلصاق النقص بالله بفهمكم السيئ فألصقتم به النقص بأوضح ما يكون؛ حيث قلتم: إنه يعمل لغير حكمة. ولهذا وصل الأمر بالأشاعرة أنهم قالوا: إن الله قد يدخل الصالحين النار، ويدخل الكفار الجنة، وأن هذا تحت مشيئة الله ، لو شاء لأدخل الصالحين النار، وأن هذا من إثبات قدرة الله. ونحن نقول: نعم، الله قدير، لكن قدرته مرتبطة أيضاً بحكمته فهو قدير حكيم، وليس كل فعل يقدر عليه الرب لابد بالضرورة أن يفعله. أضرب لكم مثالاً في المخلوقات: أنت الآن إنسان عندك قدرة محدودة، تستطيع أن تنزع ثيابك وتمشي أمام الناس عريان، وهذا الأمر سهل وضمن قدرتك، لكن هل تستطيع أن تفعل؟ لا. لم؟ لأنه يوجد شيء آخر يمنعك من ذلك. والله -وله المثل الأعلى قدير وقدرته عامة لكل شيء، لكنه يفعل الفعل لحكمة لا كما يظن هؤلاء أنه لا يفعل لحكمة، وإنما هو بصرف الإرادة كما يظنون ويزعمون. بقي أن الأشاعرة الذين نفوا صفة الحكمة لله نفوها في كتبهم المتعلقة بعلم الكلام، فلما جاءوا إلى كتبهم المتعلقة بأصول الفقه وبالأحكام وبالفقه ونحو ذلك تورطوا؛ لأنهم يثبتون القياس، فنجد عدداً كبيراً من الأشاعرة يثبتون القياس، مثلاً الفخر الرازي له كتاب اسمه: (نهاية العقول)، وله أيضاً: (معالم أصول الدين)، و (الأربعين في أصول الدين)، و (المطالب العالية)، وغيرها من الكتب الكلامية، يقرر فيها ما يقرره أصحابه من نفي الحكمة، لكن له كتب في أصول الفقه مثل (المحصول)، وهكذا الغزالي له (المستصفى)، و (الاقتصاد في الاعتقاد)، ولهم كتب في علم الكلام، ولهم كتب أيضاً في علم أصول الفقه، فلما جاءوا إلى أصول الفقه وأرادوا أن يقرروا الأدلة الشرعية بدءوا يحددونها أولاً: القرآن، وثانياً السنة، وثالثاً الإجماع، ورابعاً القياس، ولما عرفوا القياس قالوا: هو قياس فرع غير محكوم فيه على أصل محكوم فيه لعلة. قلنا: أنتم تنفون العلة في أمر الله وخلقه فكيف تثبتونها هنا؟ فتورطوا. ولهذا أراد بعضهم الإجابة عن هذه المسألة فقال: إن العلة المقصودة في القياس هي علة معرفة وليست علة باعثة، فرد عليهم بأن الغزالي في (المستصفى) يقول: إن العلة في الأصول هي الباعثة على الحكم، فبعضهم أراد أن يخرج، قال: هذه العلة التي حصلت بعد ال

стр. 112

إثبات صفتي السمع والبصر يقول الله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء:٥٨]. السمع والبصر صفتان ثابتتان لله ، والمصنف هنا لم يذكر في الاستدلال على هاتين الصفتين إلا دليلين.

стр. 113

ذكر بعض أدلة إثبات صفتي السمع والبصر عقد البخاري ﵀ في صحيحه في كتاب التوحيد باباً لهاتين الصفتين، قال البخاري ﵀: [باب قول الله : ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء:١٣٤]]. (كان) هنا -كما يقول النحويون وأهل العربية-: تدل على الاستمرار والثبات الدائم، ولهذا عندما يبحث العلماء في أصول الفقه مسألة أفعال الرسول ﷺ ، وهل مجرد الفعل يدل على استمرار، يذكرون في خضم هذه المباحث مسألة مهمة جداً وهي: أنه صدر الفعل بقوله: (كان)، فهو يدل على الاستمرار قطعاً، وإذا صدر الفعل بكان فهو يدل على الاستمرار؛ لأن من معانيها الاستمرار والثبات، فقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء:١٣٤] تدل على الثبات والاستمرار. وبعض أهل العلم قالوا: إنها بمعنى صفة الله ؛ لظنهم أنها تدل على الماضي، وإذا راجعتم كلام النحويين وكلام أهل العربية؛ فإنكم ستجدون أنهم يقررون أن (كان) تدل على الاستمرار. روى البخاري ﵀ حديثاً عن عائشة ﵂ معلقاً، وهو: أن عائشة ﵂ قالت: (الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات! فأنزل الله تعالى على النبي ﷺ : ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ [المجادلة:١]). والبخاري لم يكمل الحديث، وتمام الحديث كما هو معلوم: (أن خولة بنت ثعلبة جاءت إلى النبي ﷺ تشتكي وتجادل النبي ﷺ عندما ظاهر زوجها منها، فقالت: يا رسول الله! إن عندي عيالاً إن آويتهم جاعوا، وإن أعطيتهم إياه ضاعوا، فكانت تجادله، وكانت عائشة ﵂ في طرف من البيت ومع هذا لم تسمعها، فقالت: سبحان الذي وسع سمعه الأصوات فأنزل الله قوله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ﴾ [المجادلة:١]). ثم ساق حديثاً بإسناده عن أبي موسى قال: (كنا مع النبي ﷺ في سفر، فكنا إذا علونا كبرنا، فقال: أربعوا على أنفسكم؛ فإنكم لا تدعون أصم ولا غائباً وإنما تدعون سميعاً بصيراً قريباً) وهذا هو موطن الشاهد: (تدعون سميعاً بصيراً قريباً). فقوله: (كنا إذا علونا كبرنا) هكذا كانت سنة النبي ﷺ ، كان إذا علا نشزاً كبر، وإذا نزل سبح، فكانوا يرفعون أصواتهم، فقال: (أربعوا على أنفسكم؛ فإنكم لا تدعون أصم ولا غائباً تدعون سميعاً بصيراً قريباً). وساق أيضاً بإسناده عن عبد الله بن عمرو: أن أبا بكر الصديق ﵁ قال للنبي ﷺ : (يا رسول الله! علمني دعاءً أدعو به في صلاتي فقال: قل: اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً، ولا يغفر الذنوب إلا أنت؛ فاغفر لي من عندك مغفرة، إنك أنت الغفور الرحيم). هذا الحديث يبدو للناظر من أول وهلة أنه لا علاقة له بباب إثبات صفة السمع والبصر، فما هو وجه الدلالة؟ أو لماذا جاء البخاري ﵀ بهذا الحديث في إثبات صفة السمع والبصر؟ يمكن أن نقول: إن هذا الدعاء يدل على صفة السمع من جهة أنه لو لم يكن الله يسمع هذا الدعاء لما كان للدعاء فائدة، ولما علمه رسول الله ﷺ الدعاء، هكذا استدل البخاري ﵀ بهذا الحديث على أن الله يسمع. ولهذا يقول ابن عقيل الحنبلي ﵀: إن هذا الحديث يدل على مجموعة من الصفات: أولاً: وجود الله ؛ لأنه لو كان غير موجود لما صح دعاؤه. ثانياً: السمع؛ لأنه لو لم يكن سميعاً ويسمع بسمع لما كان هناك دعاء. ثالثاً: الغنى؛ لأن الفقير لا يدعى. رابعاً: الرحيم؛ لأن القاسي والظلوم الذي ليس عنده رحمة لا يدعى. خامساً: يدل على أن الله عليم سبحانه، ويدل على مجموعة من الصفات ذكرها رحمه الله تعالى، وكل ذلك استنبط من الدعاء. ثم أيضاً ساق حديث عروة: أن عائشة ﵂ حدثته قالت: قال النبي ﷺ : (إن جبريل ﵇ ناداني قال: إن الله قد سمع قول قومك وما ردوا عليك). هذا جزء من حديث طويل: سألت عائشة ﵂ النبي ﷺ عن أشد ما وجد من قومه، فذكر لها قصة، وهذا جزء منها وهو محل الشاهد: (إن الله قد سمع قول قومك، وما ردوا عليك) فهذه الأحاديث والآيات التي ساقها الشيخ جميعاً تدل على إثبات صفة السمع لله .

стр. 114

بيان ما تختص به صفتا السمع والبصر من كونهما ذاتيتين أو فعليتين هل السمع والبصر صفتان ذاتيتان أم فعليتان؟ التحقيق في هذه المسألة: أن صفة السمع والبصر لها جانب ذاتي، ولها جانب فعلي، فأما الجانب الذاتي فهو باعتبار أصل الصفة؛ فإن أصل الصفة: أن الله سميع بصير، فهي ذاتية بهذا الاعتبار، بمعنى: أن الله ليس أصماً وليس أعمى كما هو عكس هاتين الصفتين. وأما باعتبار تعلقها بالمسموعات وتعلقها بالمبصرات فهي فعلية، ولهذا لا تعلق للسمع والبصر بالمعدوم، بل السمع والبصر يتعلق بالشيء بعد وجوده، فالسمع يتعلق بالمسموعات بعد أن توجد، والبصر يتعلق بالمبصرات بعد أن توجد.

стр. 115

العلاقة بين السمع والبصر والعلم والإدراك هل معنى السمع والبصر هو العلم والإدراك أم أن له معنى آخر؟ السمع والبصر قدر زائد على مجرد العلم والإدراك، فالعلم والإدراك صفة، والسمع والبصر صفتان زائدة على مجرد العلم، ولهذا ذكر العلماء ﵏: أن تفسير السمع والبصر بالعلم تأويل؛ لأن السمع والبصر قدر زائد على العلم؛ لأن الأعمى قد يعلم أن الأرض خضراء وهو لم يرها، والأصم قد يعلم مثلاً بالشيء وهو لم يسمعه، فهذا يدل على أن السمع والبصر كما قال الحافظ ﵀ قدر زائد على مجرد العلم والإدراك، وأما من فسره بالعلم والإدراك فهو تأويل لهاتين الصفتين لله .

стр. 116

إثبات إبصار الله بعينين هل يبصر الله بعينين؟ نعم. إن إبصار الله يكون بعينين ، وقد نص على ذلك الإمام ابن خزيمة رحمه الله تعالى في كتابه التوحيد؛ فإنه قال: نحن نقول: لربنا عينان يبصر بهما ما تحت الثرى إلى آخر كلامه رحمه الله تعالى. ويدل على ذلك قول الله : ﴿لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه:٤٦] فالله يرى ورؤيته هي بصره، ويقول الله : ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ [العلق:١٤]، ويقول : ﴿فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة:١٠٥] إلى آخر الآية.

стр. 117

الأسئلة

стр. 118

منفعة الخلق في خلق إبليس السؤال ذكرت أن الحكمة تعود على العبد بمنفعة، وذكرت أيضاً أن الله خلق إبليس لحكمة، فما هي منفعة الخلق في خلق إبليس؟ الجواب منفعة الخلق في خلق إبليس هو الابتلاء؛ لأنه إذا وجد من يوسوس، ووجد من يرد هذه الوسوسة بالجهاد. فهذا جميعاً يدل على أثر صفة من صفات الله ، وهي العفو والمغفرة ونحو ذلك. والمقصود من قوله: (ليعلم) أي: ليوجد الدفع من الإنسان، فيكون له المغفرة، وليس المقصود مجرد العلم.

стр. 119

ما يلزم من يصعب عليه معرفة أقوال أهل الكلام في الصفات السؤال يصعب علي معرفة أقوال أهل الكلام في الصفات، فما الواجب علي؟ الجواب لا يلزم أن تعرفها، لكننا ننبه عليها اتقاء لشرهم، فنحن لسنا في حاجة إلى ذكر كلام أهل الكلام، ومناقشة أهل الكلام، وإنما نحن نذكرهم من أجل الرد عليهم، ولكثرة الفساد الذي سببوه بسبب العقائد التي عندهم.

стр. 120

حكم التحاكم إلى أعراف القبائل السؤال ما حكم التحاكم إلى أعراف القبائل في العرض والدم والقذف والشتم ونحو ذلك؟ الجواب لا شك أن التحاكم إلى أعراف القبائل، بمعنى: أن يكون هناك دعوى، ويستمع لها، ونحو ذلك، فلا شك أنها من التحاكم إلى غير الشرع، ولهذا لو رجعتم إلى كتاب تحكيم القوانين للشيخ محمد بن إبراهيم ﵀ ستجدون أنه ينبه على هذه المسألة، وأنها من التحاكم إلى الطاغوت، وكذلك نبه عليها شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في منهاج السنة.

стр. 121

معنى الحكم الكوني السؤال من أقسام الحكم: حكم كوني، ما معنى ذلك؟ الجواب الحكم الكوني معناه: أن الله أراد وقدر وحكم بوجود هذه المخلوقات التي في الكون، وأنه ليس هناك شيء من الأشياء قد قدرها الله إلا وقد حكم بها، ولا يمكن أبداً أن يحصل شيء في كون الله وهو لم يحكم عليها. نكتفي بهذا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.

стр. 122

العقيدة الواسطية [٦] مما يجب على المسلم أن يعلمه من أمر دينه أنه يجب عليه التصديق بما دلت عليه أخبار الصفات دون أن يتوقف ذلك على الثبوت العقلي, ومن جملة ذلك أخبار صفتي السمع والبصر, حيث توافرت طرائق الأدلة السمعية والعقلية على ثبوتهما لله تعالى, ومن جملة ما يجب التصديق به من صفات الله تعالى صفة الإرادة, سواء أكانت كونية قدرية, أم كانت شرعية, فكل ذلك مما ثبت صفة لله تعالى في محكم كتابه وخير نبيه ﷺ .

стр. 123

إثبات صفتي السمع والبصر إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله؛ بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين. أما بعد: فقد انتهينا في الدرس الماضي من الحديث عن صفة الحكمة لله ، وسنتحدث إن شاء الله في هذا الدرس عن صفتي السمع والبصر، وصفتي الإرادة والمشيئة. وقد تحدثنا عن أدلة إثبات صفة السمع والبصر، وقلنا: إن الأدلة على إثبات السمع والبصر أدلة عقلية وشرعية، وعندما نقول: إن الاستدلال يكون بالأدلة العقلية والأدلة الشرعية لا يعني أن الإيمان بأن الله سميع وبصير يتوقف على الاستدلال بالعقل، وإنما نذكر الاستدلال بالعقل على هاتين الصفتين لعدة أمور: منها: أن هاتين الصفتين من الوضوح والجلاء والبيان بحيث إن العقل دل عليهما، وأرشد القرآن إليهما. ومنها: أن فيه الرد على الذين أولوا صفة السمع والبصر بالعلم أو بالإدراك.

стр. 124

وجوب الإيمان والتصديق بأخبار الصفات دون توقف على قيام الدليل العقلي على الصفة أحب أن أنقل كلاماً لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ من كتابه العظيم: شرح العقيدة الأصفهانية، وهو كتاب شرح فيه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كتاباً من كتب الأشاعرة، وقد تستغربون كيف يشرح شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كتاباً من كتب الأشاعرة، لكن أقول: إن الشروح تنقسم إلى قسمين: شروح يقصد منها توضيح مسائل الكتاب، والاستدلال له، وبيان المسائل التي تنطوي تحته. وهناك نوع من الشروح وهو: الشروح النقدية، وهو أن يأخذ كتاباً من كتب أهل البدع فيشرحها لينقد ما فيها من الأخطاء والبدع، ولهذا شرح أيضاً شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كتاباً آخر من كتب أهل البدع، وهو: المحصل للرازي، وهو محصل أفكار المتقدمين والمتأخرين، وهذا الكتاب غير موجود الآن، لكنه شرحه شرحاً نقدياً، ومن الشروح النقدية مثلاً في أصول الفقه: أن أبا الوليد الباجي ﵀ شرح كتاب الرازي المحصول فانتقده تقريباً في كل شيء، حتى في عنوان الكتاب، فمن المفروض أن يقول: المحصول إلى؛ لأنه يحتاج إلى تعدية بحرف الجر. فكتاب العقيدة الأصفهانية هو للشيخ شمس الدين محمد بن الأصفهاني، وقد ألف شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ هذا الكتاب وهو في الديار المصرية في سنة سبعمائة واثنتي عشرة وهذا الكلام هو فيما يتعلق بالاستدلال العقلي. يقول رحمه الله تعالى: [ومما يوضح ذلك: أن وجوب تصديق كل مسلم بما أخبر الله به ورسوله من صفاته ليس موقوفاً على أن يقوم عليه دليل عقلي على تلك الصفة بعينها، فإنه مما يعلم بالاضطرار من دين الإسلام: أن الرسول ﷺ إذا أخبرنا بشيء من صفات الله تعالى وجب علينا التصديق به، وإن لم نعلم ثبوته بعقولنا، ومن لم يقر بما جاء به الرسول حتى يعلمه بعقله فقد أشبه الذين قال الله عنهم: ﴿قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام:١٢٤]. ومن سلك هذا السبيل فهو في الحقيقة ليس مؤمناً بالرسول، ولا متلقياً عنه الأخبار بشأن الربوبية، ولا فرق عنده بين أن يخبر الرسول بشيء من ذلك، أو لم يخبر به، فإن ما أخبر به إذا لم يعلمه بعقله لا يصدق به، بل يتأوله أو يفوضه، وما لم يخبر إن علمه بعقله آمن به، وإلا فلا فرق عند من سلك هذا السبيل بين وجود الرسول وإخباره، وبين عدم الرسول وعدم إخباره، وكان ما يذكره من القرآن والحديث والإجماع في هذا الباب عديم الأثر عنده، وهذا قد صرح به أئمة هذا الطريق، يعني بهم: المشتغلين بعلم الكلام ونحوه].

стр. 125

الطرائق السمعية والعقلية في إثبات صفتي السمع والبصر وفي هذا الكتاب أيضاً اهتم اهتماماً كبيراً بالاستدلال على بعض الصفات بالعقل، ومن ذلك السمع والبصر، فمثلاً يقول: في صفحة (٧٣): [إثبات كونه سميعاً بصيراً، وأنه ليس هو مجرد العلم بالمسموعات والمرئيات هو قول أهل الإثبات قاطبة]، ثم تحدث عن المثبتين للسمع والبصر، ثم قال: [وللناس في إثبات كونه سميعاً بصيراً، طرق: أحدها: السمع، كما ذكره -يعني: المصنف- وهو ما في الكتاب والسنة من وصفه بأنه سميع بصير، ولا يجوز أن يراد بذلك مجرد العلم بما يسمع ويرى؛ لأن الله فرق بين العلم وبين السمع والبصر، وفرق بين السمع والبصر، وهو لا يفرق بين علم وعلم إلا لتنوع المعلومات]، وهذا من الاستدلال القوي على إبطال من أول السمع والبصر بأنه العلم، وذكر الدليل على ذلك، وهو قول الله : ﴿وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الأعراف:٢٠٠] ففرق بين السميع والعليم، وهكذا كل آية ورد فيها سميع عليم. يقول: [وفرق بين السمع والبصر أيضاً عندما قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء:٥٨]]. ثم ذكر الطريق الثانية فقال: [لو لم يتصف بالسمع والبصر لاتصف بضد ذلك، وهو: العمى والصمم، كما قالوا مثل ذلك في الكلام] يعني: أنه لو لم يكن متكلماً لكان أصم [لأن المصحح بكون الشيء سميعاً بصيراً متكلماً هو: الحياة، فإذا انتفت الحياة امتنع اتصاف المتصف بذلك، فالجمادات لا توصف بذلك لانتفاء الحياة فيها، وإذا كان المصحح هو الحياة كان الحي قابلاً لذلك، فإن لم يتصف به لزم اتصافه بأضداده]، وقد سبقت الإشارة إلى هذه الطريقة، وقلنا: إن هذه طريقة قرآنية صحيحة أشار إليها شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في التدمرية عند القاعدة السابعة. ثم استطرد في الرد على الفلاسفة استطراداً طويلاً، ثم قال: [الطريق الثالث لأهل النظر في إثبات السمع والبصر: أن السمع والبصر من صفات الكمال، فإن الحي السميع البصير أكمل من حي ليس بسميع ولا بصير، كما أن الموجود الحي أكمل من موجود ليس بحي، والموجود العالم أكمل من موجود ليس بعالم، وهذا معلوم بضرورة العقل، وإذا كانت صفة كمال فلو لم يتصف الرب بها لكان ناقصاً، والله منزه عن كل نقص، وكل كمال محض لا نقص فيه فهو جائز عليه، وما كان جائزاً عليه من صفات الكمال فهو ثابت له، فإنه لو لم يتصف به لكان ثبوته له موقوفاً على غير نفسه، فيكون مفتقراً إلى غيره] إلى آخر كلامه ﵀. ثم ذكر الطريق الرابع في إثبات السمع والبصر والكلام فقال: [إن نفي هذه الصفات نقائص مطلقاً]، يعني: الطريقة الثالثة: الاستدلال بالكمال، [نقائص مطلقاً سواء نفيت عن حي أو جماد، ومتى انتفت عنه هذه الصفات لا يجوز أن يحدث عنه شيء، ولا يخلقه، ولا يجيب سائلاً، ولا يعفوا ولا يعبد ولا يدعى]، ثم استدل على ذلك وبين أنها طريقة قرآنية بقول الله تعالى: ﴿يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ [مريم:٤٢]. [فدل هذا على أن الذي لا يسمع ولا يبصر أنه لا يغني شيئاً، وأنه لا يستحق العبادة، والله مستحق للعبادة، وهو الخالق ، فلزم من ذلك: أنه سميع بصير، وهذا استدلال عقلي قرآني]، يعني: القرآن أرشد إلى الاستدلالات العقلية الصحيحة التي ليس فيها مدخل من مداخل الباطل، وليس فيها شيء من اللوازم الباطلة التي تؤثر على عقيدة الإنسان، وهو كلام نفيس في هذه المسالة.

стр. 126

آيتان في إثبات صفتي السمع والبصر ذكر شيخ الإسلام ﵀ في إثبات صفتي السمع والبصر آيتين وجه الاستدلال منهما على صفة السمع والبصر واحد، فأما الآيتان فهما: قول الله : ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء:٥٨]. وجه الاستدلال منهما: أن اسم الله السميع واسمه البصير يتضمن كل منهما صفة، فاسمه السميع يتضمن صفة السمع، واسمه البصير يتضمن صفة البصر، والدليل على أن الأسماء تتضمن الصفات هو: قول الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف:١٨٠]، ووجه الاستدلال من هذه الآية على أن أسماء الله تتضمن صفات هو لفظ الحسنى، فالحسنى على وزن فعلى، وهي تدل على أن أسماء الله في غاية الحسن والجمال والكمال، فلو كانت لا تتضمن صفات لكانت ليست ببالغة الغاية في الحسن؛ لأن الأعلام المحضة التي لا معاني لها ليست من الحسن في شيء، فلما كانت أسماء الله حسنى عرفنا من هذا أنها تتضمن معاني عظيمة جداً. ويلاحظ: أن الاستدلال بالآية الأولى والاستدلال بالآية الثانية وجههما واحد، وهو: الاستدلال بالأسماء على الصفات.

стр. 127

معاني اسم الله السميع اسم السميع له أربعة معان: الأول: المجيب: يقول الله : ﴿إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [إبراهيم:٣٩]. المعنى الثاني: أنه سامع الأصوات: فهو يسمع الأصوات القليلة والكثيرة، الخفية والمعلنة، كما قال الله : ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ [المجادلة:١] إلى آخر الآية. وسبق أن قوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء:١٣٤]، جاء في كتاب التوحيد من صحيح البخاري أن هذه الآية نزلت في قصة خولة بنت ثعلبة عندما جاءت إلى النبي ﷺ تشتكي زوجها الذي ظاهر منها، وكانت عائشة في نفس الدار، وهي لا تسمع شكوى خولة للرسول ﷺ ، ومع ذلك سمعها الله من فوق سبع سموات. المعنى الثالث: أنه يراد به النصرة والتأييد، ويدل على ذلك قول الله : ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه:٤٦]. والمعنى الرابع: أنه يراد به التهديد والوعيد، يقول الله : ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ [الزخرف:٨٠] ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ﴾ [الزخرف:٨٠]. جاءت هنا هذه الصفة في مساق التهديد والوعيد، وقد جاء في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: (ما أذن الله لشيء كإذنه لنبي يتغنى بالقرآن يجهر به) رواه البخاري ومسلم. معناه: ما استمع الله لشيء كاستماعه لنبي يتغنى بالقرآن يجهر به. فمعنى الإذن هنا: الاستماع.

стр. 128

طرائق نصوص الوحي في إثبات صفة البصر جاء إثبات صفة البصر بأكثر من طريق: الطريق الأول: إثبات صفة البصر مباشرةً كما هو في الآتين معنا. والثاني: إثبات الرؤية لله ، كما قال الله : ﴿قَالَ لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه:٤٦]. وكقوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ [العلق:١٤]. وكقوله تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة:١٠٥]. فالرؤية هنا بمعنى: البصر. وكذلك حديث جبريل الطويل عندما ذكر أركان الإيمان وأركان الإسلام وجاء إلى الإحسان فقال: (أن تعبد الله كأنك تراه؛ فإن لم تكن تراه فإنه يراك). وكذلك ثبت أن الله ينظر، يدل لهذا قول النبي ﷺ : (إن الله لا ينظر إلى أجسامكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم). ويقول النبي ﷺ : (ثلاثة لا ينظر الله إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم). فقوله: (لا ينظر إليهم) صفة منفية تدل على كمال الضد، وهو النظر في حال الرضا، وهذا استدلال بالمفهوم، هذا نوع من الاستدلال، ومعلوم أن الاستدلال تارة يكون بالمنطوق، يعني: بظاهر اللفظ، مثل: ﴿إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [إبراهيم:٣٩]، فمنطوق الآية: أن الله يسمع دعاء الداعي، ويجيب دعاءهم. وهناك نوع آخر من الاستدلال وهو الاستدلال بالمفهوم، والاستدلال بالمفهوم في باب العقائد استدلال صحيح، وقد عمل به الأئمة، فـ الشافعي ﵀ استدل على إثبات رؤية الله بالمفهوم عندما نفى الله عن الكفار الرؤية في سورة المطففين، دل هذا بالمفهوم على أنهم يرونه، قال الله: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين:١٥]. استدل الشافعي ﵀ بهذه الآية على أنهم لما حجبوا في حال الوعيد والكراهة لهم، دل ذلك على أنهم يرونه في حال الرضا عنهم ومحبته لهم.

стр. 129

ما تختص به صفتا السمع والبصر من كونهما من الصفات الذاتية أو الصفات الفعلية من المسائل المتعلقة بصفة السمع والبصر: مسألة: هل صفة السمع والبصر صفة ذاتية أم فعلية؟ سبق أن أشرنا إلى أن صفة السمع والبصر منها ما هو ذاتي، ومنها ما هو فعلي، فصفة السمع متعلقة بالمسموعات، فإذا وجدت المسموعات؛ فإن الله عز جل يسمعها، وإذا وجدت المبصرات؛ فإن الله يبصرها ويراها وينظر إليها، وهي بهذا الاعتبار صفة ذاتية غير متعلقة بالمشيئة، لكن في السمع سمع الإجابة مثلاً، أو سمع الوعيد والتهديد، هذه من الصفات الفعلية وليست من الصفات الذاتية.

стр. 130

أقوال أهل البدع في صفتي السمع والبصر أهل البدع ينقسمون إلى قسمين في صفتي السمع والبصر: أما المعتزلة فإن عامتهم لا يثبتون صفة السمع والبصر بناءً على أصلهم في التوحيد؛ فإنهم يعتقدون أن التوحيد يلزم منه نفي الصفات، ويوجد من المعتزلة من يثبت صفة الإدراك، وبعضهم: يثبت صفة السمع والبصر، لكن يقول: له سمع وبصر هي ذاته، فهو في الحقيقة ينفيها. أما الأشاعرة فإنهم يتظاهرون بإثبات صفة السمع والبصر، وهم يثبتون سبع صفات، ويسمونها صفات المعاني، ومن هذه الصفات: السمع والبصر، ولكنهم يفسرونها بغير معناها الصحيح، فبعضهم يقول: إن السمع البصر هما: العلم، أو الإدراك، ولهذا التزم بعضهم بأن الله يرى المسموعات ويسمع المبصرات؛ لأنها بمعنى واحد عنده كالعلم، وهذا باطل، وسبق في كلام شيخ الإسلام ﵀ في شرح العقيدة الأصفهانية: أن العلم غير السمع، ولهذا فرق الله بينهما عندما قال: ﴿سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:١٨١]، فلو كان معناهما واحداً لما فرق بينهما ، هذا من جهة. ومن جهة أخرى: فإنه قد سبق أن أشرنا إلى أن العليم قد يعلم وهو لا يرى، وقد يعلم وهو لا يسمع، فلا يلزم من العلم وجود السمع والبصر، وهذا يدل على أن العلم صفة، وأن السمع والبصر صفتان تختلف عن العلم.

стр. 131

استعمالات النظر في القرآن النظر له استعمالات متعددة، فمنها: أنه قد يتعدى بنفسه، فإذا تعدى بنفسه فمعناه: التوقف والانتظار، كقوله: ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ [الحديد:١٣]، وليس المقصود من هذا: انظرونا بأبصاركم، وإنما المقصود: انتظرونا، وتوقفوا لنا، وهذا يقوله المنافقون للمؤمنين يوم القيامة. فإذا عدي بـ (في) كان معناه: التفكر والاعتبار، كقوله: ﴿أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الأعراف:١٨٥]، يعني: يعتبروا ويتفكروا. ومنها: أن يعدى بـ (إلى)، فإذا عدي بإلى فمعناه: نظر العين، كقوله تعالى: ﴿انظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ﴾ [الأنعام:٩٩]، انظروا يعني: بالعين. وتلاحظون أن الآيات أو الأحاديث التي ورد فيها إثبات النظر معداة (بإلى)، كقوله ﷺ : (إن الله لا ينظر إلى أجسامكم -ثم قال: ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم)، فهذا النظر بمعنى الإبصار.

стр. 132

أقوال أهل البدع في تعلق الصفات بالمخلوقات أهل البدع عندما يأتون إلى تعلق الصفات بالمخلوقات، يقولون: إرادة الله واحدة وقديمة لا تتعدد، وتعلقها بالمخلوقات هو من جهة تنوع المخلوقات فقط، ويسمونه: تعلقاً اعتبارياً، يقولون: تعلق اعتباري إضافي، ولا يعتقدون أنه وجودي ثبوتي. وكذلك في السمع والبصر؛ فعندما يدعو داع من الذين يدعون الله يسمعه، وقد كان قبل أن يسمعه سميعاً، فلما دعاه سمعه , وهم يقولون: إن هذا يلزم منه حدوث السمع، فإذا كانوا يقصدون: أنه يحدث لله سمع، ولم يكن من قبل سميعاً فهذا باطل لا يريده أهل السنة، وإن كانوا يقصدون أنه يسمع دعاء الداعي عندما يدعوه في ذلك الوقت، فهذا حق تثبته الأدلة وهم ينفونه، فيقولون: إن المبصرات والمسموعات الموجودة تتنوع، وقد رآها الله من قبل برؤية واحدة، وبسمع واحد، وهم يعتبرون السمع والبصر مثل العلم، كأنه علمها بعلم واحد، وأنه لا يتجدد لله سمع أو بصر، ويسمون هذا: حدوثاً. وهذه الألفاظ لا ينبغي للمسلم أن يستعملها؛ لأنها ألفاظ اصطلاحية؛ كما أنه لا ينبغي للإنسان أن ينفيها نفياً مطلقاً، يعني: أن لفظ الحدوث والحيز والجهة، ونحو ذلك من الألفاظ التي يستعملها أهل الكلام ألفاظ مبتدعة مخترعة تتضمن معاني صحيحة وباطلة، فلا يصح للإنسان أن ينفيها؛ لأنه قد ينفي معها شيئاً من الحق، ولا يصح أن يثبتها؛ لأنه قد يثبت معها شيئاً من الباطل. والصحيح: أن يستفصل عن مراد القائل بها، فإذا قال: إن هذا يلزم منه الحدوث، نقول: بين لنا معنى الحدوث؟ وماذا تقصد بالحدوث؟ فإن كنت تقصد أنه إذا وجد الأمر المبصر، أو المسموع، والله سمعه وأبصره، فهذا يحدث لله صفةً لم تكن موجودةً من قبل، بمعنى: أن الله لم يكن سميعاً ولا بصيراً حتى وجدت المسموعات والمبصرات، فهذا باطل لا نقره، فالله سميع بصير ، وعندما يحدث المخلوق يراه ويسمعه . وإن كنت تعني بالحدوث أنه عندما يوجد المخلوق يسمعه الله ويراه، وقد حدث قريباً، ثم إذا حدث مخلوق آخر سمعه الله أو رآه، فهذا معنى حق لا ننكره، فالله يسمع ويرى الأشياء حتى مع تأخرها وحدوثها، فهو يراها ويسمعها. وهكذا كلمة الجهة؛ فإن أهل البدع ينفون صفة العلو لله ، ويقولون: إن هذا يلزم منه أن نثبت الجهة، فنقول: ما معنى كلمة الجهة عندكم؟ إن كنتم تقصدون أن الله في العلو؛ فنحن نثبت أن الله في العلو ، حتى لو سميتموها أنتم جهة فلا تعكر على إثباتها تسميتكم لها بالجهة، وأما إن كنتم تقصدون أنه في جهة محددة محصورة، فهذا معنى باطل لا نقره. ولهذا في بعض الأحيان قد يأتي بعض هؤلاء المبتدعة فيطرحون على بعض أهل السنة مصطلحات، وقد يتفاعل معها بعض أهل السنة فينفيها مطلقاً، فإذا نفاها مطلقاً نفى شيئاً من الحق، أو قد يثبتها فإذا أثبتها أثبت شيئاً من الباطل. والصحيح هو: أن نقف عند المصطلحات الشرعية، فالعلو يسمى: علواً، والسمع يسمى: سمعاً، والبصر يسمى: بصراً؛ فإذا جاءتنا ألفاظ من هؤلاء نستفصل عن معناها، فنثبت المعنى الحق، وننفي المعنى الباطل. هذه هي القاعدة في الألفاظ التي ترد من عند هؤلاء.

стр. 133

إثبات صفة الإرادة

стр. 134

أدلة إثبات صفة الإرادة يقول الله تعالى: ﴿وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [الكهف:٣٩]. هنا تقدير، يعني: قلت: هذا ما شاءه الله. وقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ [البقرة:٢٥٣]، موضع الشاهد: (يريد). وقوله: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾ [المائدة:١]، فيها إثبات صفة الإرادة. وقوله: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام:١٢٥]. ففي هذه الآيات إثبات صفة الإرادة لله ، وهي صفة ثابتة لله بالعقل وبالشرع، وقد أشار شيخ الإسلام في شرح العقيدة الأصفهانية إلى جانب الاستدلال العقلي، وأشهر دليل يستخدم في إثبات صفة الإرادة: إن الله عندما خلق المخلوقات خصص بعضها بأشكال وألوان في الطول والقصر، والبياض والسواد، وخصصها بأنواع مختلفة. هذا التخصيص دليل على وجود إرادة عند المخصص وهو الخالق ، فلو لم تكن هناك إرادة لما كان هناك تخصيص، فبعض الخلق جعلهم الله بيضاً، وبعضهم سمر، بعضهم طويل، وبعضهم قصير، بعضهم عمره طويل، وبعضهم عمره قصير، بعضهم ذكر، وبعضهم أنثى، بعضهم إنسان، وبعضهم حيوان، بعضهم حي، وبعضهم جماد. هذا التخصيص يدل على أن الخالق الذي خلقهم له إرادة جعلت بعضهم هكذا، وبعضهم هكذا لحكمة، ففيه إثبات صفة الإرادة، وفيه إثبات أيضاً: صفة الحكمة.

стр. 135

الإرادة الكونية والإرادة الشرعية والفرق بينهما والإرادة تنقسم إلى قسمين: إرادة كونية، وإرادة شرعية. فمعنى الإرادة الكونية: أن الله قد أراد أن يخلق هذه المخلوقات الموجودة بكل أنواعها وكل صورها الضار منها والنافع الخير والشر ونحو ذلك، فلا يمكن أن يوجد شيء في المخلوقات إلا وقد أراده الله ، ولا يمكن أن يحصل شيء لم يرده الله من قبل، بل كل شيء أراده الله حتى الكفر والمعاصي أرادها لحكمة، كما سبق أن أشرنا عند حديثنا عن صفة الحكمة لله ، فهذه إرادة عامة، ويدل على هذه الإرادة قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ [البقرة:٢٥٣]، وقوله: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ﴾ [الأنعام:١٢٥]. هذه الآيات تدل على هذه الإرادة الكونية، وهذه الإرادة الكونية هي نفسها المشيئة، فقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا﴾ [البقرة:٢٥٣]، هي المشيئة، معناها: أن الله شاء كوناً هذه المخلوقات جميعاً بكل أنواعها وأصنافها. والنوع الثاني: هي الإرادة الشرعية، وهذه الإرادة الشرعية معناها: أن الله أراد من العباد الأعمال الصالحة، ولهذا أمرهم ونهاهم، فهي موافقة لمحبة الله ، فالفرق بين الإرادة الكونية والإرادة الشرعية من وجهين: الوجه الأول: أن الإرادة الكونية لابد أن تحصل في الكون، فلا يمكن أن يوجد شيء في الكون إلا وقد أراده الله ، وأما الإرادة الشرعية فإنها قد تحصل وقد لا تحصل، فنحن نرى أن الأوامر الشرعية هي: ما أراده الله من العباد شرعاً، وقد يطيع البعض وقد لا يطيع. الوجه الثاني: أن الإرادة الكونية منها ما يحبه الله، ومنها ما لا يحبه الله ، فقد أراد الله وجود الأعمال الصالحة في الكون. وهذا مما يحبه، كما أراد وجود الأعمال السيئة في الكون من أعمال الكفار ونحو ذلك، وهذا أيضاً مراد لله ، ولكن ليس معنى أنه مراد أنه محبوب لله. أما الإرادة الشرعية فإنها تكون محبوبة لله ، فهو عندما أمر بالأوامر ونهى عن النواهي كان يحب من العباد أن يطيعوه فيما أمر، وأن يجتنبوا ما نهى عنه ، فهذا هو الفرق بين الإرادة الكونية والإرادة الشرعية، وسيأتي الحديث عن هذا الأمر وفائدته في باب القدر، عند حديثنا عن خلق أفعال العباد، وعند حديثنا عن مراتب القدر بإذن الله تعالى.

стр. 136

بيان ما تختص به صفة الإرادة من كونها واحدة أو متعددة بحسب المرادات هناك مسائل متعلقة بالإرادة وهي: هل إرادة الله إرادة واحدة غير متعددة؟ أو أنها متعددة بحسب المرادات؟ الجواب على هذا: أن الله قدر الأشياء قبل وجودوها، وهو عندما قدرها علم ما سيفعله ، وأراد فعله في المستقبل، فهو علمها وأراد أن يفعلها في المستقبل، وهذه هي الإرادة القديمة، وهي: إرادة الله ، وهي التي يسميها العلماء: العزم، ثم بعد ذلك عندما أرادها الله قديماً لم يفعلها في تلك الحالة؛ لأنه أرادها في المستقبل، فإذا جاء وقتها أراد فعلها؛ لأن الفعل المعين المحدد لابد له من إرادة، وهذا هو القصد، فالأول: عزم، والثاني: قصد. فالله عندما قدر المقادير أراد أن يفعل ما يفعله في المستقبل. هذه إرادة قديمة، وهي التي يسميها العلماء العزم، فإذا جاء وقتها أراد الله فعلها، فيفعلها ، وهذا يسميه العلماء قصداً. وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ اختلاف أهل العلم في وصف الله بالعزم، هل يجوز أن يوصف الله بالعزم أو لا يجوز؟ فذكر فيها قولين: أصحهما: القول الثاني وهو الجواز، واستدل على ذلك بقول الله : ﴿فَإِذَا عَزَمْتُ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [آل عمران:١٥٩]، هذه الآية فيها قراءتان: القراءة الأولى وهي قراءة الجمهور: ﴿فَإِذَا عَزَمْت فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [آل عمران:١٥٩]. والقراءة الثانية: قراءة عكرمة وأبي جعفر وغيره: ﴿فَإِذَا عَزَمْتُ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [آل عمران:١٥٩]، فتصبح التاء هنا تاء المتكلم. وكذلك يدل على إثبات صفة العزم لله : ما رواه مسلم عن أم سلمة ﵂ عندما توفي زوجها أبو سلمة، وحزنت عليه حزناً شديداً، فعلمها النبي ﷺ الدعاء المشهور، فقالت: (ثم عزم الله لي فتزوجت رسول الله ﷺ ، بمعنى: أراد الله لي قبل أن أتزوج رسول الله ﷺ .

стр. 137

الفرق بين الإرادة والمشيئة وهل هناك فرق بين الإرادة والمشيئة أو ليس هناك؟ ذكرت هذه المسألة في أثناء حديثي عن أقسام الإرادة، ونستطيع أن نقول: الإرادة عامة تشمل الإرادة الكونية. وهذه هي المشيئة، وتشمل الإرادة الشرعية. وليست هي المشيئة، فالمشيئة إذاً: موافقة للإرادة الكونية، فهي أخص من الإرادة، والإرادة بشكل عام تشمل المشيئة وزيادة ما عليها الإرادة الشرعية. والدليل على أن المشيئة هي الإرادة الكونية؟ الدليل على ذلك: قول الله : ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ [السجدة:١٣]، وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ﴾ [يونس:٩٩]، فدل ذلك على أن المشيئة هنا هي المشيئة الكونية، أو هي الإرادة الكونية؛ لأن الإرادة الشرعية معناها: أن الله يريد من العباد أن يؤمنوا، ومع هذا يقول: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ﴾ [يونس:٩٩].

стр. 138

نقد كلام القرضاوي في نسبة السلف إلى التفويض واتفاقهم مع المؤولة ودفاعه عن الأشاعرة هذه مجلة المجتمع العدد مائة وسبعة وثلاثين في خمسة وعشرين جماد الآخر ألف وأربعمائة وعشرين، هناك موضوع يتعلق بموضوع توحيد الأسماء والصفات للدكتور القرضاوي يكتب: الإخوان المسلمون سبعين عاماً في الدعوة والتربية والجهاد، وتعرض الدكتور القرضاوي لآيات الصفات وأحاديثها التي نتحدث عنها في هذه الدروس. يقول: (قد علمت أن مذهب السلف في الآيات والأحاديث التي تتعلق بصفات الله ﵎: أن يمروها على ما جاءت عليه، ويسكتوا عن تفسيرها أو تأويلها، وأن مذهب الخلف أن يؤولوها بما يتفق مع تنزيه الله ﵎ عن مشابهة خلقه). ولا شك أن هذا الكلام ليس بسليم وليس بصحيح؛ لأن مذهب السلف هو: إثبات أسماء الله وصفاته من غير تعطيل ولا تحريف، وأما ما حكاه عن مذهب السلف فهو مذهب المفوضة الذين لا يثبتون معاني صفات الله . والمفوضة مع كونهم لا يثبتون معاني صفات الله فهم ينفونها في الحقيقة، يعني حقيقة مذهب المفوضة: هو أنهم ينفون الصفات لكن لا يحددون المراد من الآية، فالمفوضة والمعطلة من الأشاعرة الجهمية وغيرهم يتفقون جميعاً على نفي صفات الله ، لكن المفوضة يقولون: لا نعرف معنى الآية، والمؤولة يقولون معناها: كذا وكذا، إذاً: لجميع يتفق على نفي صفات الله ، ومع هذا يقول: إن هذا هو مذهب السلف وهذا ليس بصحيح. يقول: (كل منهما) يعني: من الطائفتين اللتين حكاهما، وهم جميعاً ينفون الصفات، ونسب إلى السلف أنهم مفوضة، يقول: (كل منهما يقطع بأن المراد بألفاظ هذه النصوص في حق الله غير ظواهرها -وهذا كلام باطل- التي وضعت لها هذه الألفاظ بحق المخلوقات، وذلك مترتب على اتفاقهما على نفي التشبيه). يعني: نفس كلام الأشاعرة ونفس كلام المفوضة، ومع أن موضوع الأشاعرة والمفوضة انتهى منذ زمان بعيد، وصار عدد كبير -ولله الحمد- من الدعاة وطلاب العلم يعرف أن الأشاعرة والمفوضة ليسوا من أهل السنة، وتعلمون أن إثبات الصفات هو عقيدة أهل السنة والجماعة، ومع هذا يحاول الدكتور القرضاوي أن يبرر للمفوضة وللمعطلة؛ لأن شيخه حسن البنا ﵀ قد حكى أن مذهب السلف: هو التفويض، ولا شك أن هذا من التعصب -والعياذ بالله- للأشياخ. يقول: (وأن اللغات مهما اتسعت لا تحيط بما ليس لأهلها بحقائقه علم، وحقائق ما يتعلق بذات الله ﵎ من هذا القبيل، فاللغة أقصر من أن تواتينا بالألفاظ التي تدل على هذه الحقائق كالتحكم في تحديد المعاني لألفاظ التغرير. وإذا تقرر هذا فقد اتفق السلف والخلف على أصل التأويل، وانحصر الخلاف بينهما بأن الخلف زادوا تحديد المعنى المراد حيثما ألجأتهم ضرورة التنزيه إلى ذلك حفظاً لعقائد العوام من شبهة التشبيه، وهو خلاف لا يستحق ضجةً ولا إعناتاً). هو في الحقيقة لم يفهم مذهب السلف الصالح، فمذهب السلف الصالح: إثبات الصفات وليس تفويضها وعدم الإقرار بمعانيها، فهو -إذاً- حكى أن مذهب السلف: هو نفي الصفات لكن بدون تحديد للمعنى المراد من الآية؛ لأنه قال: وقد اتفق الجميع -يعني: السلف والخلف في تصوره- بأن المراد بألفاظ هذه النصوص في حق الله ﵎ غير ظواهرها. مسألة هل ظواهر النصوص مرادهَ أو غير مرادهَ؟ هذه تحدث عنها العلماء قديماً، منهم ابن تيمية ﵀ في الفتوى الحموية المشهورة، وبين أن مقولة: (إن منهج السلف أسلم ومنهج الخلف أعلم وأحكم) أنها مقولة باطلة مبنية على أن مذهب السلف هو التفويض، كما فهمه الدكتور القرضاوي. ثم نقل عن الشيخ البنا ﵀ أنه يقول: (ونحن نعتقد أن رأي السلف من السكوت وتفويض علم هذه المعاني إلى الله ﵎ أسلم وأولى بالاتباع حسماً لمادة التأويل والتعطيل). وهو في الحقيقة: نفي للصفات لكي لا يفهم من معانيها شيء. يقول: (ونعتقد إلى جانب هذا: أن تأويلات الخلف لا توجب الحكم عليهم بكفر ولا فسوق -والكلام للبنا - ولا تستدعي هذا النزاع الطويل بينهم وبين غيرهم قديماً وحديثاً). كأنه يظن أن النزاع صوري ولفظي، مع أن المعركة التي حصلت بين السلف الصالح رضوان الله عليهم وبين المفوضة والمعطلة معركة حقيقية لها بناء عميق، وخلاف منهجي قوي جداً، ومع هذا يقول: هذه المسألة لا تحتاج إلى نزاع، وكأنه يقول: إن هؤلاء كانوا ينازعون في أمور لفظية. يقول: (وقد لجأ أشد الناس تمسكاً برأي السلف رضوان الله عليهم إلى التأويل في عدة مواطن، وهو الإمام أحمد بن حنبل ﵁؛ من ذلك تأويله لحديث: (الحجر الأسود يمين الله في الأرض) وقوله: (قلب المؤمن بين أصبعين من أصابع الرحمن) وقوله ﷺ : (إني لأجد نفس الرحمن من جانب اليمن). انظروا: يظنون أن هذه من التأويلات. هذه المسألة بحثها الشيخ محمد بن عثيمين في كتابه القواعد المثلى، وأنا أطلب

стр. 139

العقيدة الواسطية [٧] يعتقد أهل السنة والجماعة إثبات صفات الله تعالى الاختيارية الفعلية كما يعتقدون إثبات صفاته تعالى الذاتية, بغير تحريف ولا تعطيل, ولا تكييف ولا تمثيل, ومن ذلك صفة الرحمة والمحبة والرضا والغضب وغيرها من صفات كماله , وخالفهم في ذلك المنحرفون من نفاة الصفات كالجعد بن درهم والجهم بن صفوان وبشر المريسي ومن وافقهم من المعتزلة والكلابية ونحوهم.

стр. 140

صفات الله تعالى الاختيارية بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك الحق المبين، وأشهد أن نبينا محمداً إمام المتقين، وقائد الغر المحجلين. أما بعد: موضوع صفات الله الاختيارية موضوع طويل ومتشعب وهو مهم جداً لوجود مجموعة كبيرة من صفات الله ضمن هذه الصفات الاختيارية، وقد اتفق النفاة على نفيها جميعاً. فالصفات الاختيارية هي الصفات الفعلية، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في رسالة خاصة بالصفات الاختيارية موجودة في مجموع الفتاوى أظنها في (ج٦) وتشتمل على خمسين صفحة تقريباً، يقول عن الصفات الاختيارية: هي الأمور التي يتصف بها الرب فتقوم بذاته بمشيئته وقدرته مثل: كلامه، وسمعه وبصره، وإرادته ومحبته ورضاه، ورحمته وغضبه وسخطه، ومثل: خلقه وإحسانه وعدله، ومثل: استوائه ومجيئه وإتيانه ونزوله ونحو ذلك من الصفات التي نطق بها الكتاب العزيز والسنة. فاسم الصفات الاختيارية اسم عام يشمل عدداً كبيراً من صفات الله المتعلقة بمشيئته وإرادته. فهناك نوع آخر من الصفات يسمى الصفات الخبرية، والصفات الخبرية جزء منها من الصفات الاختيارية، والجزء الآخر من الصفات الذاتية. من الصفات الخبرية: إثبات الوجه واليدين والعينين والساق والقدم، ونحو ذلك من الصفات اللائقة بالله ، وهي من صفات الكمال والجلال والجمال، لا يشبهها مخلوق من المخلوقات أبداً. والصفات الاختيارية يثبتها أهل السنة والجماعة كما نطق بها القرآن الكريم، وكما ثبت عن الرسول ﷺ ، ويثبتونها كما يثبتون الصفات الخبرية، فهم يثبتون أن لله يدين وعينين، وأن له وجهاً يليق به، كل ذلك من غير تشبيه ولا تمثيل. وكذلك يثبتون أنه يتكلم وينزل ويضحك ويجيء ويأتي، ويحب ويبغض ويغضب ويكره، ونحو ذلك من الصفات الفعلية وهي التي يسميها العلماء: الصفات الاختيارية.

стр. 141

نفاة الصفات الاختيارية الفتنة المشهورة التي وقعت في زمن الإمام أحمد ﵀ ظهر فيها الخلاف القوي بين أهل السنة والجماعة وبين المعطلة، وهو تقريباً من أوائل الصدامات التي وقعت بين أهل السنة من جهة والمعطلة من جهة أخرى، وهو مبني على قضية خلق القرآن، فإن قضية خلق القرآن نشأت من نفيهم للصفات الاختيارية عن الله ، فلما نفوا هذه الصفات عن الله ، بدءوا يؤولون ويعطلون.

стр. 142

الجعد بن درهم وأول من عرف بنفيه لهذه الصفات هو الجعد بن درهم، وأنتم تعلمون أن أول فرقة خرجت وشقت صفوف المسلمين هم الخوارج الذين كفروا المسلمين بالذنوب، وكانت المشكلة مع الخوارج في باب الإيمان حيث إنهم يعتبرون الفاسق الذي يرتكب المعاصي كافراً خارجاً عن الإسلام ويطبقون عليه أحكام الكفر. وثاني فرقة خرجت هي: الشيعة، وثالث فرقة: القدرية الذين ينكرون القدر، ورابع فرقة: المرجئة، وهذه الفرق الأربع هي أصول الفرق كما ذكر غير واحد من السلف، ولم يحصل أن اختلف أحد في صفات الله حتى ظهر الجعد بن درهم الذي كان مربياً ومعلماً لآخر حكام الدولة الأموية الذي يسمونه: مروان الحمار، ولقب بـ الحمار لقوته وقوة تحمله، ويلقبونه بـ الجعدي، نسبة إلى شيخه الجعد بن درهم. الجعد بن درهم نفى الصفات عن الله ، فكان من الصفات التي نفاها عن الله : الصفات الاختيارية، ويقول: الله لا يتكلم أبداً، وهو لا يبصر، وهو ليس له يدان ولا قدمان ولا عينان، وهو لا ينزل ولا يغضب، ولا يرضى ولا يحب، إلى آخر ما هنالك من الصفات الموجودة في كتاب الله ، نفاها جميعاً فقتله خالد بن عبد الله القسري، وكان خالد عاملاً للعباسيين على العراق، فجاء إلى الناس في يوم عيد الأضحى وقال: ضحوا تقبل الله ضحاياكم فإني مضح بـ الجعد بن درهم فإنه زعم أن الله لم يكلم موسى تكليماً، ولم يتخذ إبراهيم خليلاً، فنزل وذبحه في أصل المنبر.

стр. 143

الجهم بن صفوان وتلقف هذه البدعة الشنعاء عن الجعد بن درهم الجهم بن صفوان، وهذا لم يكن من أهل العلم ولا عرف عنه أنه طلب العلم بالطريقة التي كان يطلبها السلف الصالح رضوان الله عليهم، وقد كانت في تلك الفترة مجالس العلم منتشرة، وأهل العلم في كل مكان يدرسون ويملون ويفتون الفتاوى المشهورة، لكن الجهم بن صفوان ما درس العلم، وإنما كان يجلس في بيته، والتقى بمجموعة من الوثنيين من الهنود يسمون: السمنية، وكان هؤلاء السمنية ينكرون غير المحسوسات، وعندهم أنه لا يثبت شيء ولا يمكن للإنسان أن يعرف شيئاً إلا بالمحسوسات فقط، فلما ناقشهم عن الله قالوا له: هل رأيته وذقته ولمسته؟ قال: لا. ولجهله وضعفه بقي في بيته قرابة أربعين يوماً محتاراً لا يصلي، وهذه هي المشكلة: الجهل، وغالباً البدع لا تظهر إلا من أشخاص لم يدرسوا العلم، ولم يعرفوه، ولم يتفقهوا الفقه السليم الصحيح على دين الله ، فهذه حالة من حالات الجهم. وهناك حالات أخرى تقع في المجتمعات، ولو أنكم تتبعتم أصحاب الفتن منذ زمن النبي ﷺ إلى زماننا المعاصر لوجدتم أن لهم سمات معينة، منها: أولاً: أنهم ليسوا من أهل العلم. ثانياً: لا يتدارسون مع أهل العلم. ثالثاً: أنهم من المستعجلين. رابعاً: أنهم يأخذون بطرف، ويتركون أطرافاً، ويعملون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض. فـ الجهم بن صفوان أنكر صفات الله ، ومنها: الصفات الاختيارية، وقال: إن الله هو هذا الهواء الموجود في كل مكان، وليس له اسم ولا صفة، فقتله سلم بن أحوز في خراسان.

стр. 144

بشر المريسي وتلقف هذا عن الجهم بشر بن غياث المريسي، وكان من الحنفية، تلقف هذه الأفكار ودعا إليها ونشرها، ولهذا رد عليه علماء السنة مثل: عثمان بن سعيد الدارمي في كتاب سماه: رد عثمان بن سعيد على بشر المريسي العنيد، ورد أيضاً على شيخه جهم بكتاب سماه: الرد على الجهمية، وهؤلاء الجهمية أتباع جهم كفرهم السلف رضوان الله عليهم، ولهذا يقول ابن المبارك رحمه الله تعالى: إنا لنحكي كلام اليهود والنصارى ولا نحكي كلام الجهمية؛ لأنه أكفر من كلام اليهود والنصارى، فحقيقته: نفي الإله؛ لأنه تجريد للإله من الأسماء والصفات جميعاً، ولهذا قال جهم: إن إلهي هو هذا الهواء الموجود في كل مكان، إذاً: الحقيقة: أنه ليس له إله، وكانت الجهمية في بداية الأمر تنفي الصفات نفياً مطلقاً، فتقول: لا يتكلم الله أبداً، فلما أنكر عليهم الناس وشعروا بالشناعة والرد عليهم بدءوا يخففون من حدة الإنكار، فلما جاء بشر المريسي ذكر الدارمي رحمه الله تعالى أنه قال لبعض أصحابه: لا تفاجئوا أهل السنة بالإنكار، وإنما عليكم بالتأويل؛ لأن التأويل نفي في الحقيقة، وهو كما قال، فهو إنكار بلطف وليس فيه إثارة للآخرين عليه، فهو يريد أن يصل إلى الإنكار، فعنده في الوصول إلى الإنكار طريقان: إما أن ينكر بشكل متبجح فيثور عليه الخاصة والعامة، وإما أن ينكر بشكل متلطف فيدخل ويتغلغل في نفوس الناس، وهذه بالفعل الخطة الجديدة التي استخدمها المريسي.

стр. 145

المعتزلة والكلابية ثم لما جاءت المعتزلة كـ ابن أبي دؤاد وغيره وقد كان ظهورها قبل ذلك في مسألة الإيمان والقدر، ثم تطور حالهم حتى إنهم دخلوا في نفي الصفات، فنفوا عن الله جميع الصفات الخبرية والاختيارية، وأبقوا لله الأسماء وقالوا: إنها أعلام محضة لا مضمون ولا معاني لها، ورأوا أنه ليس في ذلك كبير إشكال، فإن الجهم كان ينفي الصفات والأسماء جميعاً، ويرى أن تعدد الأسماء يستلزم منه تعدد الآلهة، فجاءت المعتزلة وقالوا: لا يلزم ما دام أنها أعلام محضة، فالسارية والعمود والجدار شيء واحد، لكن فرغوها من معناها وصارت أعلاماً محضة، وعندما قالت المعتزلة بخلق القرآن أقنعوا المأمون، وكان أمير المؤمنين في زمانه، فلما أقنعوه بذلك امتحن أهل العلم وحصلت الفتنة المشهورة التي ثبت فيها الإمام أحمد ونصره الله ، فلما أطلق الإمام أحمد ﵀ من السجن صار يفتي الناس بالحق، وصار إماماً مشهوراً في كل البلاد، وصار الذين يردون على المعتزلة نوعان: النوع الأول: هم الأصل وهم أهل السنة والجماعة من أتباع الإمام أحمد ومن كان من أقرانه أو شيوخه، لكن الإمام أحمد ﵀ برز كعالم أثر تأثيراً كبيراً في حياة الناس، وإلا فإن هذه العقيدة هي عقيدة القرآن والسنة وعقيدة الصحابة والتابعين قبل الإمام أحمد ﵀. فالشاهد: أن الاتجاه الأول الذين يردون على المعتزلة: هم أهل السنة والجماعة، وقد ردوا على المعتزلة وأثبتوا الصفات لله . وظهرت طائفة ثانية استخدمت علم الكلام كطريقة في الرد على المعتزلة وكان زعيمهم: عبد الله بن سعيد بن كلاب، وكان ذكياً واشتغل بعلم الكلام واتبعه طائفة من المشتغلين بعلم الحديث، وردوا على المعتزلة بنفس المنهاج والطريقة وهي: الحجاج العقلي والمناقشات العقلية بعيداً عن القرآن والسنة، فظهرت عندهم بدعة، وهذه البدعة هي: نفي الصفات الاختيارية عن الله ، فنفوا أن يتكلم الله بحرف وصوت، ونفوا المحبة، والبغض والكراهة، والضحك والإرادة، أو فسروها بتفسير يدل على النفي، ونحو ذلك من الأفعال الاختيارية التي سيأتي الإشارة إليها بإذن الله تعالى. فأنكر عليهم علماء السنة في زمانهم إنكاراً كبيراً، وأمر الإمام أحمد بهجر عبد الله بن سعيد بن كلاب وسميت هذه الطائفة: الكلابية نسبة إلى عبد الله بن سعيد بن كلاب، فنفوا الصفات الاختيارية عن الله وهي الصفات المتعلقة بمشيئة الله ، وأولوا ما وجدوه في النصوص الشرعية، فوافقوا المعتزلة في هذا الباب.
следующие страницы →