← Акыда

Акыда · id 37802

شرح العقيدة الواسطية - عبد الرحيم السلمي

عبد الرحيم السلمي

Полный текст (493 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

نفاة الصفات الاختيارية الفتنة المشهورة التي وقعت في زمن الإمام أحمد ﵀ ظهر فيها الخلاف القوي بين أهل السنة والجماعة وبين المعطلة، وهو تقريباً من أوائل الصدامات التي وقعت بين أهل السنة من جهة والمعطلة من جهة أخرى، وهو مبني على قضية خلق القرآن، فإن قضية خلق القرآن نشأت من نفيهم للصفات الاختيارية عن الله ، فلما نفوا هذه الصفات عن الله ، بدءوا يؤولون ويعطلون.

стр. 142

الجعد بن درهم وأول من عرف بنفيه لهذه الصفات هو الجعد بن درهم، وأنتم تعلمون أن أول فرقة خرجت وشقت صفوف المسلمين هم الخوارج الذين كفروا المسلمين بالذنوب، وكانت المشكلة مع الخوارج في باب الإيمان حيث إنهم يعتبرون الفاسق الذي يرتكب المعاصي كافراً خارجاً عن الإسلام ويطبقون عليه أحكام الكفر. وثاني فرقة خرجت هي: الشيعة، وثالث فرقة: القدرية الذين ينكرون القدر، ورابع فرقة: المرجئة، وهذه الفرق الأربع هي أصول الفرق كما ذكر غير واحد من السلف، ولم يحصل أن اختلف أحد في صفات الله حتى ظهر الجعد بن درهم الذي كان مربياً ومعلماً لآخر حكام الدولة الأموية الذي يسمونه: مروان الحمار، ولقب بـ الحمار لقوته وقوة تحمله، ويلقبونه بـ الجعدي، نسبة إلى شيخه الجعد بن درهم. الجعد بن درهم نفى الصفات عن الله ، فكان من الصفات التي نفاها عن الله : الصفات الاختيارية، ويقول: الله لا يتكلم أبداً، وهو لا يبصر، وهو ليس له يدان ولا قدمان ولا عينان، وهو لا ينزل ولا يغضب، ولا يرضى ولا يحب، إلى آخر ما هنالك من الصفات الموجودة في كتاب الله ، نفاها جميعاً فقتله خالد بن عبد الله القسري، وكان خالد عاملاً للعباسيين على العراق، فجاء إلى الناس في يوم عيد الأضحى وقال: ضحوا تقبل الله ضحاياكم فإني مضح بـ الجعد بن درهم فإنه زعم أن الله لم يكلم موسى تكليماً، ولم يتخذ إبراهيم خليلاً، فنزل وذبحه في أصل المنبر.

стр. 143

الجهم بن صفوان وتلقف هذه البدعة الشنعاء عن الجعد بن درهم الجهم بن صفوان، وهذا لم يكن من أهل العلم ولا عرف عنه أنه طلب العلم بالطريقة التي كان يطلبها السلف الصالح رضوان الله عليهم، وقد كانت في تلك الفترة مجالس العلم منتشرة، وأهل العلم في كل مكان يدرسون ويملون ويفتون الفتاوى المشهورة، لكن الجهم بن صفوان ما درس العلم، وإنما كان يجلس في بيته، والتقى بمجموعة من الوثنيين من الهنود يسمون: السمنية، وكان هؤلاء السمنية ينكرون غير المحسوسات، وعندهم أنه لا يثبت شيء ولا يمكن للإنسان أن يعرف شيئاً إلا بالمحسوسات فقط، فلما ناقشهم عن الله قالوا له: هل رأيته وذقته ولمسته؟ قال: لا. ولجهله وضعفه بقي في بيته قرابة أربعين يوماً محتاراً لا يصلي، وهذه هي المشكلة: الجهل، وغالباً البدع لا تظهر إلا من أشخاص لم يدرسوا العلم، ولم يعرفوه، ولم يتفقهوا الفقه السليم الصحيح على دين الله ، فهذه حالة من حالات الجهم. وهناك حالات أخرى تقع في المجتمعات، ولو أنكم تتبعتم أصحاب الفتن منذ زمن النبي ﷺ إلى زماننا المعاصر لوجدتم أن لهم سمات معينة، منها: أولاً: أنهم ليسوا من أهل العلم. ثانياً: لا يتدارسون مع أهل العلم. ثالثاً: أنهم من المستعجلين. رابعاً: أنهم يأخذون بطرف، ويتركون أطرافاً، ويعملون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض. فـ الجهم بن صفوان أنكر صفات الله ، ومنها: الصفات الاختيارية، وقال: إن الله هو هذا الهواء الموجود في كل مكان، وليس له اسم ولا صفة، فقتله سلم بن أحوز في خراسان.

стр. 144

بشر المريسي وتلقف هذا عن الجهم بشر بن غياث المريسي، وكان من الحنفية، تلقف هذه الأفكار ودعا إليها ونشرها، ولهذا رد عليه علماء السنة مثل: عثمان بن سعيد الدارمي في كتاب سماه: رد عثمان بن سعيد على بشر المريسي العنيد، ورد أيضاً على شيخه جهم بكتاب سماه: الرد على الجهمية، وهؤلاء الجهمية أتباع جهم كفرهم السلف رضوان الله عليهم، ولهذا يقول ابن المبارك رحمه الله تعالى: إنا لنحكي كلام اليهود والنصارى ولا نحكي كلام الجهمية؛ لأنه أكفر من كلام اليهود والنصارى، فحقيقته: نفي الإله؛ لأنه تجريد للإله من الأسماء والصفات جميعاً، ولهذا قال جهم: إن إلهي هو هذا الهواء الموجود في كل مكان، إذاً: الحقيقة: أنه ليس له إله، وكانت الجهمية في بداية الأمر تنفي الصفات نفياً مطلقاً، فتقول: لا يتكلم الله أبداً، فلما أنكر عليهم الناس وشعروا بالشناعة والرد عليهم بدءوا يخففون من حدة الإنكار، فلما جاء بشر المريسي ذكر الدارمي رحمه الله تعالى أنه قال لبعض أصحابه: لا تفاجئوا أهل السنة بالإنكار، وإنما عليكم بالتأويل؛ لأن التأويل نفي في الحقيقة، وهو كما قال، فهو إنكار بلطف وليس فيه إثارة للآخرين عليه، فهو يريد أن يصل إلى الإنكار، فعنده في الوصول إلى الإنكار طريقان: إما أن ينكر بشكل متبجح فيثور عليه الخاصة والعامة، وإما أن ينكر بشكل متلطف فيدخل ويتغلغل في نفوس الناس، وهذه بالفعل الخطة الجديدة التي استخدمها المريسي.

стр. 145

المعتزلة والكلابية ثم لما جاءت المعتزلة كـ ابن أبي دؤاد وغيره وقد كان ظهورها قبل ذلك في مسألة الإيمان والقدر، ثم تطور حالهم حتى إنهم دخلوا في نفي الصفات، فنفوا عن الله جميع الصفات الخبرية والاختيارية، وأبقوا لله الأسماء وقالوا: إنها أعلام محضة لا مضمون ولا معاني لها، ورأوا أنه ليس في ذلك كبير إشكال، فإن الجهم كان ينفي الصفات والأسماء جميعاً، ويرى أن تعدد الأسماء يستلزم منه تعدد الآلهة، فجاءت المعتزلة وقالوا: لا يلزم ما دام أنها أعلام محضة، فالسارية والعمود والجدار شيء واحد، لكن فرغوها من معناها وصارت أعلاماً محضة، وعندما قالت المعتزلة بخلق القرآن أقنعوا المأمون، وكان أمير المؤمنين في زمانه، فلما أقنعوه بذلك امتحن أهل العلم وحصلت الفتنة المشهورة التي ثبت فيها الإمام أحمد ونصره الله ، فلما أطلق الإمام أحمد ﵀ من السجن صار يفتي الناس بالحق، وصار إماماً مشهوراً في كل البلاد، وصار الذين يردون على المعتزلة نوعان: النوع الأول: هم الأصل وهم أهل السنة والجماعة من أتباع الإمام أحمد ومن كان من أقرانه أو شيوخه، لكن الإمام أحمد ﵀ برز كعالم أثر تأثيراً كبيراً في حياة الناس، وإلا فإن هذه العقيدة هي عقيدة القرآن والسنة وعقيدة الصحابة والتابعين قبل الإمام أحمد ﵀. فالشاهد: أن الاتجاه الأول الذين يردون على المعتزلة: هم أهل السنة والجماعة، وقد ردوا على المعتزلة وأثبتوا الصفات لله . وظهرت طائفة ثانية استخدمت علم الكلام كطريقة في الرد على المعتزلة وكان زعيمهم: عبد الله بن سعيد بن كلاب، وكان ذكياً واشتغل بعلم الكلام واتبعه طائفة من المشتغلين بعلم الحديث، وردوا على المعتزلة بنفس المنهاج والطريقة وهي: الحجاج العقلي والمناقشات العقلية بعيداً عن القرآن والسنة، فظهرت عندهم بدعة، وهذه البدعة هي: نفي الصفات الاختيارية عن الله ، فنفوا أن يتكلم الله بحرف وصوت، ونفوا المحبة، والبغض والكراهة، والضحك والإرادة، أو فسروها بتفسير يدل على النفي، ونحو ذلك من الأفعال الاختيارية التي سيأتي الإشارة إليها بإذن الله تعالى. فأنكر عليهم علماء السنة في زمانهم إنكاراً كبيراً، وأمر الإمام أحمد بهجر عبد الله بن سعيد بن كلاب وسميت هذه الطائفة: الكلابية نسبة إلى عبد الله بن سعيد بن كلاب، فنفوا الصفات الاختيارية عن الله وهي الصفات المتعلقة بمشيئة الله ، وأولوا ما وجدوه في النصوص الشرعية، فوافقوا المعتزلة في هذا الباب.

стр. 146

عقيدة أبي الحسن الأشعري ثم ظهر بعدهم بزمن أبو الحسن الأشعري وقد كان في بداية أمره على طريقة المعتزلة، وكان تلميذاً لـ أبي علي الجبائي وهو من أئمة المعتزلة، وكان أبو علي الجبائي زوجاً لأم أبي الحسن، فرباه على عقيدة المعتزلة قرابة أربعين سنة، فلما عرف فسادها خرج إلى الناس وقال: من عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني فأنا فلان بن فلان كنت أقول بكذا وكذا وكذا، يعني: من عقائد المعتزلة وأنا أنخلع منها كما أنخلع من قميصي هذا، فانخلع من عقيدة المعتزلة ورد عليهم بمصنفات كثيرة. ولما خرج أبو الحسن الأشعري من المعتزلة وجد أمامه الذين يردون على الأشاعرة في اتجاهين: الاتجاه الأول: اتجاه أهل السنة المتمثل في الإمام أحمد ومن كان معه. الاتجاه الثاني: اتجاه الكلابية، ولحبه لعلم الكلام، ولطول اشتغاله بهذا العلم تبنى عقيدة الكلابية وألف في هذه الفترة كتاباً سماه: اللمع في الرد على أهل الزيغ والبدع، ويقصد بهم: المعتزلة. وهذا الكتاب الذي يقرؤه يتبين له أن أبا الحسن الأشعري على عقيدة الكلابية بشكل واضح، وأظنه في هذه الفترة ألف كتاب: استحسان علم الكلام، ورد على المعتزلة بردود كثيرة جداً، ثم تبين لـ أبي الحسن الأشعري أن عقيدة الكلابية خطأ وأنها ليست صحيحة، فرجع عنها وألف كتاب: الإبانة عن أصول الديانة، ومقالات الإسلاميين، ومن ضمنها: مقالة عبد الله بن سعيد بن كلاب ذكرها ثم بعد ذلك قال: وأما قول أهل السنة والحديث وهم أتباع الإمام أحمد فإنهم يقولون: وذكر عقيدتهم ثم قال: وبقولهم نقول، فدل هذا على أن كتابه مقالات الإسلاميين دليل على أنه رجع عن عقيدة الكلابية إلى عقيدة أهل السنة، وهذا الرجوع لا يثبته الأشاعرة ولا يعترفون به ولا يقرون به مع وضوحه في كتاب مقالات الإسلاميين.

стр. 147

أقسام نفاة صفات الله تعالى الاختيارية نفاة الصفات الاختيارية ثلاث طوائف: الطائفة الأولى: أتباع الجعد بن درهم والجهم بن صفوان، وهؤلاء أصلاً ينفون هذه الصفات وينفون الصفات الأخرى زيادة عليها. الطائفة الثانية: المعتزلة وهؤلاء ينفون الصفات جميعاً، سواء كانت اختيارية أو ذاتية. الطائفة الثالثة: الكلابية والأشاعرة والماتريدية، وهم أتباع أبي منصور الماتريدي، وهو من الحنفية، اتبع منهاج الكلابية، فصار الأحناف المتأخرون على طريقته وطريقة ابن كلاب. وعقيدة ابن كلاب أو الكلابية فرخت طائفتين: الطائفة الأولى: الأشعرية. الطائفة الثانية: الماتريدية. والأشعرية والماتريدية هما في الحقيقة وجهان لعملة واحدة، ولهذا حصرت المسائل التي اختلف فيها الأشاعرة والماتريدية فوجدت أنها في بضع عشرة مسألة تقريباً، شققها بعضهم فزادها وضم بعضهم بعض المسائل إلى بعض وجعلها بشكل مختصر، أما المسائل الكبار والقواعد الأساسية فإنهم يتفقون عليها، ويقولون بها. إذاً: دروس الصفات مهمة جداً، والحديث عنها مهم جداً؛ لأنها من الصفات التي اتفق النفاة على نفيها، وهناك صفات لم يتفقوا على نفيها، مثل: الصفات الخبرية الذاتية، فالأشاعرة الأوائل يثبتونها كـ أبي الحسن الأشعري والباقلاني وبعض تلاميذ أبي الحسن الأشعري كـ ابن مجاهد والطبري وغيرهما، والطبري هذا ليس هو صاحب التفسير إنما هو رجل آخر من تلاميذ أبي الحسن الأشعري، فهؤلاء كانوا يثبتون لله الوجه والعينين واليدين والعلو وغير ذلك من صفات الله التي ينكرها المعتزلة، مع أنهم اتفقوا مع المعتزلة في نفي الصفات الاختيارية عن الله .

стр. 148

إثبات أهل السنة لصفات الله تعالى الاختيارية ومخالفة الجهمية ومن وافقهم في ذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: فصل في الصفات الاختيارية. هذا الفصل تقريباً في خمسين صفحة، وحقيقة: أن ابن تيمية ﵀ ناقش موضوع الصفات الاختيارية في كتب كثيرة جداً، منها درء التعارض في الأدلة على ثبوت الصفات الاختيارية من القرآن والسنة وأقوال السلف، في المجلد الثاني كله، وقد تعرض لهذا الموضوع ضمن درء التعارض في أماكن كثيرة، وكذلك شرح العقيدة الأصفهانية وبالذات صفة الكلام لله ، وكذلك التسعينية، وهي: رسالة ألفها شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في سنة (٧٠٦هـ) تقريباً في الرد على الأشاعرة في موضوع الكلام النفسي وهو متعلق بالصفات الاختيارية، فقد رد عليهم من تسعين وجهاً. وكذلك شرح حديث النزول، والنزول من الصفات الاختيارية أيضاً، وغير ذلك من الكتب التي ألفها ابن تيمية ﵀ في هذا الموضوع. قال رحمه الله تعالى: وهي الأمور التي يتصف بها الرب . ثم قال: فالجهمية ومن وافقهم من المعتزلة وغيرهم يقولون: لا يقوم بذاته شيء من هذه الصفات ولا غيرها، فهم ينفون الصفات جميعاً، والجهمية ينفون الأسماء أيضاً، والمعتزلة لا ينفون الأسماء وإنما يثبتونها أعلاماً محضة فقط. قال: والكلابية ومن وافقهم من السالمية -والسالمية طائفة من طوائف أهل الكلام يميلون إلى التصوف- وغيرهم يقولون: تقوم الصفات بغير مشيئته وقدرته، فأما ما يكون بمشيئته وقدرته فلا يكون إلا مخلوقاً منفصلاً عنه. أي: أن الكلابية أثبتوا الصفات الذاتية، أما الصفات الاختيارية المتعلقة بالمشيئة فقد قالوا: لا يمكن أن تقوم بالله ، وشبهتهم هي: الخوف من الوقوع في حلول الحوادث بذات الله ، فإنهم يقولون: إنه إذا كان الله يحب هذا العبد وبعد يومين يحب العبد الثاني وبعد ثلاثة أيام يحب العبد الثالث، فمعنى هذا أنه يقوم بذات الله حدوث حب العبد في كل مرة، والحقيقة أن كلمة حدوث مصطلح كلامي، فإن كانوا يقصدون به أنه يحدث في ذات الله صفة لم تكن موجودة من قبل أبداً، فهذا لا يمكن أبداً، فالله قبل أن يحب هذا العبد هو قادر على المحبة وهو محب، لكن لما حصل فعل الخير من ذلك العبد أحبه ، وإن كانوا يقصدون به أن الله يحب متى شاء كيف شاء، فهذا نثبته ولا ننفيه، وهو ما جاء في القرآن والسنة. ولهذا فإن مناقشات السلف رضوان الله عليهم لهؤلاء مناقشات دقيقة وقوية جداً، فمثلاً: حصل للأوزاعي ولـ إسحاق بن راهويه ولغيرهما من العلماء مناقشات مع هؤلاء، فيقول بعضهم: هل تثبت أن الله ينزل؟ فقالوا: نعم. فيقول الكلابي أو الأشعري أو المعتزلي: أنا أكفر بإله يتغير، أو بعضهم يقول: أنا أكفر بإله يزول عن مكانه، فيرد عليه هذا ويقول: أنا أؤمن بإله يفعل ما يشاء؛ لأنك إذا قلت: إن الله لا يفعل ما يشاء قد قصرت مشيئته وحصرتها والعياذ بالله، وهذا هو الخطأ العظيم الذي وقعوا فيه. قال: وأما السلف وأئمة السنة والحديث فيقولون: إنه متصف بذلك كما نطق به الكتاب والسنة وهو قول كثير من أهل الكلام والفلسفة أو أكثرهم كما ذكرنا أقوالهم بألفاظها في غير هذا الموضع. قال: ومثل هذا الكلام فإن السلف وأئمة السنة والحديث يقولون: يتكلم بمشيئته وقدرته، وكلامه ليس بمخلوق بل كلامه صفة له قائمة بذاته، وممن ذكر أن ذلك قول أهل السنة، أئمة السنة: أبو عبد الله بن مندة، وأبو عبد الله بن حامد، وأبو بكر عبد العزيز، وهذا من الحنابلة، وأبو إسماعيل الأنصاري وغيرهم، وكذلك ذكر أبو عمرو بن عبد البر نظير هذا في الاستواء وأئمة السنة: كـ عبد الله بن المبارك، وأحمد بن حنبل، والبخاري، وعثمان بن سعيد الدارمي، ومن لا يحصى من الأئمة وذكرهم حرب بن إسماعيل الكرماني عن سعيد بن منصور وأحمد بن حنبل وإسحاق بن إبراهيم - وهو ابن راهويه - وسائر أهل السنة والحديث متفقون على أنه متكلم بمشيئته، وأنه لم يزل متكلماً إذا شاء وكيف شاء إلى آخر كلامه.

стр. 149

ذكر بعض الصفات الاختيارية وأدلة إثباتها الفتنة المشهورة التي وقعت في زمن الإمام أحمد ﵀ ظهر فيها الخلاف القوي بين أهل السنة والجماعة وبين المعطلة، وهو تقريباً من أوائل الصدامات التي وقعت بين أهل السنة من جهة والمعطلة من جهة أخرى، وهو مبني على قضية خلق القرآن، فإن قضية خلق القرآن نشأت من نفيهم للصفات الاختيارية عن الله ، فلما نفوا هذه الصفات عن الله ، بدءوا يؤولون ويعطلون.

стр. 150

صفة المحبة من الصفات الاختيارية: صفة المحبة، يقول الله : ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة:١٩٥]. ويقول : ﴿وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات:٩]. ويقول تعالى: ﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة:٧]. وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة:٢٢٢]. وقوله: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٣١]. وقوله: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة:٥٤]. وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ [الصف:٤]. وقوله: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ﴾ [البروج:١٤]. فالمحبة من الصفات الفعلية الثابتة لله التي يفعلها متى شاء كيف شاء ، وقد تنوعت دلالات الكتاب والسنة على إثبات هذه الصفة، فتارةً ينص فيها باسم المحبة، كقوله تعالى: ﴿يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة:١٩٥]، ﴿يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [المائدة:٤٢]، ﴿يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران:٧٦]، ﴿وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة:٢٢٢]، إلى آخر الآيات. وتارة تأتي باسم الخلة، والفرق بين الخلة والمحبة هو: أن الخلة أعلى درجات المحبة، ويدل على ذلك قول الله : ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء:١٢٥]. وفي الحديث الصحيح أن النبي ﷺ قال: (ولقد اتخذ الله صاحبكم خليلاً) رواه مسلم، ويريد بصاحبكم نفسه. وأيضاً: جاءت الدلالة على محبة الله في اسمه الودود، وقد ورد في القرآن الكريم في موضعين: الموضع الأول: قول الله : ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ﴾ [البروج:١٤]. الموضع الثاني: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ﴾ [هود:٩٠]. والودود: فعول يأتي بمعنى: فاعل أي: وادًّ، ومعناه: محب، والمودة والمحبة بمعنى واحد، ويأتي بمعنى: مفعول، فودود بمعنى: مودود، أي: محبوب، فالله يحِب ويحَب، فهو يحب الصالحين الطيبين، ويحب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والصدق والإخلاص والتوحيد، ونحو ذلك من المخلوقات الشريفة أو من الأوامر التي أمر بها، وكذلك هو محبوب من عباده الصالحين الطيبين الموحدين. والدليل على أنه محبوب قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٣١]. وقوله: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة:٥٤]، فيه إثبات أن الله يحب، وأن الله محبوب عند عباده الطيبين. ووجه الدلالة من هذه الآيات التي ساقها المصنف واضح، وقوله تعالى: ﴿وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات:٩] المقصود بالقسط هنا: العدل، وقد أعجبني تعليق ممتاز للشيخ محمد العثيمين في شرح هذه الآية في تفسيره لهذه الآية، فإنه عند حديثه عن القسط وأنه العدل، قال: إن الشرع جاء بالأمر بالعدل، ويخطئ من يقول: إن الإسلام دين المساواة، ويقصد بالمساواة أن كل شيء يساوي بعضه بعضاً. ومما يخطئ فيه بعض الدعاة إلى الله عند ردهم على دعاة تحرير المرأة أنهم يقولون: الرجل مساوٍ للمرأة، فبعض الدعاة يرد عليهم ويقر لهم بهذه القاعدة ويقول: نعم، هو مساو للمرأة لكن ينبغي للمرأة أن تحافظ على شرع الله، فالإقرار لهم بهذه المقدمة إقرار خاطئ، فإن المرأة ليست مساوية للرجل، فهي مختلفة عنه في أشياء كثيرة، مختلفة عنه في الصفات والخلقة وفيما أمر الله وفي طبيعتها وفيما يتعلق بها من أوامر الشرع، ولا يعني هذا أن المرأة مهانة في دين الله، فهي معززة ومكرمة لكن ليست مساوية للرجل، ولا يعني تعزيز المرأة وتكريمها أن تكون مساوية للرجل، وكلمة المساواة شعار لطائفة من الطوائف الإجرامية الخبيثة وهي: الماسونية، فإن الماسونية اتخذوا هذه الكلمة شعاراً للحرية والمساواة، فالمساواة يعتبرونها شعاراً، ولا ينبغي أن يطلقها الإنسان، ويمكن لكم أن تراجعوا كلام الشيخ محمد بن عثيمين فهو كلام نفيس وممتاز جداً. فصفة المحبة ثابتة لله من ثلاثة أوجه: من وجه التصريح بالمحبة، ومن وجه إثبات الخلة، ومن وجه اسمه الودود. أما أهل البدع فإنهم ينفونها ويؤولون معناها، فالجهمية تنفيها أصلاً، والمعتزلة تنف

стр. 151

صفة الرحمة والصفة الأخرى هي: الرحمة، وقد استدل المصنف لها بقوله تعالى: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [النمل:٣٠] وهي آية في سورة النمل. وقوله: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ [غافر:٧]. وقوله: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب:٤٣]. وقوله: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف:١٥٦]. وقوله: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام:٥٤]. وقوله: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [يونس:١٠٧]. وقوله: ﴿فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [يوسف:٦٤]. وفي هذه الآيات إثبات صفة الرحمة لله ، يقول ابن الوزير اليماني الذي يعتبر من العلماء المتقنين الفطاحلة، وله كتاب العواصم والقواصم في تسعة مجلدات، و (إيثار الحق على الخلق)، وله كتب متعددة، وهو من المجتهدين، وقد كان زيدياً فرجع إلى عقيدة أهل السنة، يقول في كتابه (إيثار الحق على الخلق): كرر الله تعالى التمدح بالرحمة في أكثر من خمسمائة مرة في كتابه الكريم، منها: باسمه الرحمن أكثر من مائة وستين مرة، وباسمه الرحيم أكثر من مائتي مرة، وجمعهما للتأكيد مائة وست عشرة مرة. والأدلة التي ذكرها شيخ الإسلام ﵀ في الواسطية تدل على إثبات صفة الرحمة من طريقين: الطريق الأول: من اسمه الرحمن والرحيم، فإن اسمي الرحمن الرحيم يدلان على صفة الرحمة، ومن التصريح بصفة الرحمة وذلك موجود في قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً﴾ [غافر:٧] والرحمة هي الصفة. وقوله: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف:١٥٦]. وأيضاً: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام:٥٤]. فهذا هو الطريق الثاني في إثبات هذه الصفة. وقد دل على صفة الرحمة أيضاً: مجموعة من الصفات الأخرى منها: الرأفة، يقول الله : ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء:٨٣] واسم الله الرءوف، وقد ورد اسم الله الرءوف في عشرة مواضع في القرآن، منها: قول الله : ﴿وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر:١٠]، وغيرها من المواضع، فالرأفة بمعنى: المحبة، وهناك فرق بين الرأفة والمحبة، وهو: أن الرأفة أرق وأخص من المحبة، وهي كما عبر ابن جرير الطبري في تفسيره للرأفة لاسم الله الرءوف في تفسير القرآن أنها أعلى معاني الرحمة. وكذلك من الصفات التي وردت بمعنى الرحمة: الروح، يقول الله : ﴿وَلا تَيْئَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الكَافِرُونَ﴾ [يوسف:٨٧]، فالمقصود بروح الله رحمة الله ، وقد جاء في الحديث عن النبي ﷺ من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (الريح من روح الله) ومعنى من روح الله أي: من رحمة الله بعباده، وهذا الحديث صحيح رواه أبو داود وابن ماجة والإمام أحمد في مسنده. ويقول ابن الأثير ﵀ في غريب الحديث عن حديث الريح: (ومن روح الله) أي: من رحمته بعباده. وقال النووي في الأذكار عندما ذكر هذا الحديث: هو بفتح الراء روح: قال العلماء: أي: من رحمة الله بعباده، وكذلك ذكر ضبط هذا الحديث من روح الله أحمد شاكر في المسند وفسرها بأنها من رحمة الله، وكذلك الشيخ محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله تعالى في تعليقه على الكلم الطيب، قال: الروح هنا بفتح الراء والمقصود بها: الرحمة، والعجيب أن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في المجلد التاسع في الفتاوى ظن أن معنى روح الله -بضم الراء- الجنة وقال: إن هذه من إضافة المخلوق إلى خالقه، وإنها مثل: وعيسى روح منه، والظاهر -والله تعالى أعلم- أن الصحيح هو أن ضبط الرواية: (من رَوح الله). وكذلك ورد الحديث عن الرحمة في صفة أخرى، وهي: الحنان، والحنان من صفات الله وهي واردة في القرآن الكريم، يقول الله : ﴿يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا * وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا﴾ [مريم:١٢ - ١٣]. فقوله: ﴿وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا﴾ [مريم:١٣] فسرها جماعة من السلف منهم: ابن جرير وغيره بأنها: محبةً منا، أي: رحمةً

стр. 152

صفة الرضا والغضب والسخط الصفة الأخرى صفة الرضا والغضب والسخط لله ، يقول الله : ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [المائدة:١١٩]. وقوله: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ﴾ [النساء:٩٣]. وقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ﴾ [محمد:٢٨]. وقوله: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ [الزخرف:٥٥]. وقوله: ﴿وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ﴾ [التوبة:٤٦]. وقوله: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف:٣]. وهذه الآيات مشتملة على مجموعة من الصفات، منها: إثبات الرضا لله ، وهي: صفة فعلية ثابتة لله أنه يرضى ، وهي مأخوذة من قوله: ﴿﵃﴾ [المائدة:١١٩]. ومنها: إثبات صفة الغضب لله ، وأنه يغضب من أخطاء العباد أو نحو ذلك، وقد ثبت في حديث الشفاعة الطويل أنه عندما يطلب من الأنبياء الشفاعة فإنهم يقولون: (إن الله غضب غضباً لم يغضب مثله قط، ولن يغضب بعده مثله). وقد ورد الغضب باسم السخط، فالسخط بمعنى: الغضب، ولهذا ذكر شيخ الإسلام الآيتين: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ [النساء:٩٣]. وقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ﴾ [محمد:٢٨]. فالسخط والغضب متقاربان في المعنى.

стр. 153

صفة الأسف نثبت لله صفة الأسف، لقوله: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ [الزخرف:٥٥] أي: أغضبونا، والأسف: هو شدة الغضب، والجهمية والأشاعرة والماتريدة يؤولون الغضب بأنه إرادة الانتقام، وبعضهم يفسره بأنه الانتقام نفسه، لكن الآية: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا﴾ [الزخرف:٥٥] فيها التفريق بين الأسف الذي هو الغضب والانتقام، ولو كان معناهما واحداً لما فرق بينهما، فإنهما افترقا لفظاً ومعنى، فقوله: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا﴾ [الزخرف:٥٥] فالأسف الغضب، ونتيجة الغضب هو: انتقام الله منه.

стр. 154

صفة المقت والكره من الصفات التي ذكرها الشيخ: المقت والكره، وهما بمعنى واحد، قال تعالى: ﴿وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ﴾ [التوبة:٤٦]. وقوله: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف:٣]. وكذلك ورد المقت والكره في صفة أخرى وهي: البغض، والبغض هو المقت والكراهة، ويدل على ذلك حديث أبي هريرة ﵁: (إن الله إذا أحب عبداً قال: يا جبريل، إني أحب فلاناً فأحبه) وفيه: (وإذا أبغض عبداً)، وهذا يدل على أن البغض صفة من صفاته، (وإذا أبغض عبداً قال: يا جبريل إني أبغض فلاناً فأبغضه فيبغضه جبريل، ثم ينادي جبريل في أهل السماء: إن الله يبغض فلاناً فأبغضوه، فيبغضه أهل السماء ثم يوضع له البغضاء في الأرض).

стр. 155

صفة المجيء والإتيان صفة المجيء والإتيان من الصفات الاختيارية الفعلية الثابتة لله ، قال تعالى: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الأَمْرُ﴾ [البقرة:٢١٠]. وفي هذه الآية فرق بين إتيانه وإتيان الملائكة، فإنه قال: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ﴾ [البقرة:٢١٠] يعني: والملائكة يأتون، وهذا يدل على بطلان تأويل الأشاعرة الذين أولوا الإتيان بأنه ملك من الملائكة يرسله الله . وقوله تعالى: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ [الأنعام:١٥٨] وهذا تفريق آخر في الإتيان. وقوله: ﴿كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الأَرْضُ دَكًّا دَكًّا * وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر:٢١ - ٢٢]. وفي كل آية من هذه الآيات التفريق بين مجيئه وإتيانه وبين مجيء الملائكة وإتيانهم. وبعضهم يقول: مجيء أمره، وهذا: تأويل للصفة، فإن الله يأتي بنفسه . وقوله: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنزِيلًا﴾ [الفرقان:٢٥] ظاهر هذه الآية: أنه ليس فيها دلالة على مجيء الله بوجه خاص، وليس فيها إلا إثبات نزول الملائكة، والشيخ ﵀ من طريقته في بعض الأحيان أنه يحشد النصوص حتى ولو كان في بعضها طرف استدلال، وليس استدلالاً مباشراً، ووجه الاستدلال من هذه الآية: هو من قوله: ﴿تَشَقَّقُ السَّمَاءُ﴾ [الفرقان:٢٥] فإن تشقق السماء بالغمام لا يكون إلا إذا جاء الله وأتى كما يدل عليه قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ﴾ [البقرة:٢١٠] فإن الله إذا جاء تشققت السماء بالغمام.

стр. 156

الأسئلة

стр. 157

الفرق بين الصفات الاختيارية والصفات الفعلية السؤال ما هو الفرق بين الصفات الاختيارية والصفات الفعلية؟ الجواب ليس هناك فرق بين الصفات الاختيارية والصفات الفعلية، فالصفات الفعلية والاختيارية صفات واحدة، وإنما سميت الاختيارية لتعلقها بالمشيئة والاختيار.

стр. 158

موقف الجهمية والمعتزلة والأشاعرة من الصفات الاختيارية السؤال هل الجهمية ينكرون الصفات الاختيارية فقط؟ الجواب الجهمية ينكرون أسماء الله وينكرون صفاته الذاتية وصفاته الفعلية. والمعتزلة اقتصروا على نفي الصفات الذاتية والفعلية وأثبتوا الأسماء. والأشاعرة المتأخرون منهم صاروا مثل المعتزلة، والمتقدمون منهم أثبتوا بعض الصفات الذاتية، ونفوا الصفات الاختيارية.

стр. 159

الفرق بين الجهمية والمعتزلة في نفي الأسماء السؤال ما هو الفرق بين الجهمية والمعتزلة في نفي الأسماء؟ الجواب المعتزلة يقولون: له أسماء، ويثبتون أنه عالم قادر وهكذا، لكن الجهمية يقولون: لا نسميه بهذه الأسماء مطلقاً؛ لأنه يلزم منها التعدد.

стр. 160

علم الله تعالى السابق وأثره في ترتب الثواب والعقاب عليه السؤال هل يترتب الثواب والعقاب على علم الله السابق للعبد؟ الجواب لا يترتب الثواب والعقاب على علم الله ، لكن الله عندما علم أن العبد سيفعل كذا، فهو سيفعله قطعاً، ولهذا كتب ما علمه، ولا يرتب الثواب والعقاب إلا إذا فعله، وهو فاعله قطعاً؛ لأنه لا يمكن أن يعلم الله أنه سيفعله ولا يفعله، فالله علمه شامل تام. ولهذا فإن الأطفال مثلاً أو المعتوهين أو أهل الفترة مع أن الله علم بما كانوا عاملين إلا أنه لا يعذبهم حتى يمتحنهم في الآخرة على الصحيح من أقوال أهل العلم.

стр. 161

مذهب أبي الحسن الأشعري قبل رجوعه إلى مذهب أهل السنة السؤال ذكرتم مراحل أبي الحسن الأشعري ﵀، ولم تذكروا مذهبه، فهلا ذكرتم مذهبه قبل الرجوع إلى أهل السنة في الجملة؟ الجواب أبو الحسن الأشعري لما رجع من المعتزلة وقبل أن يرجع للسنة، كان على مذهب الكلابية.

стр. 162

سبب نفي الكلابية للصفات الاختيارية السؤال ما هو السبب في نفي الكلابية للصفات الاختيارية دون غيرها؟ وما هي شبهتهم؟ الجواب شبهتهم هي: نفي حلول الحوادث بذات الله .

стр. 163

توجيه بشأن قراءة الطالب المبتدئ كتاب مقالات الإسلاميين السؤال كتاب مقالات الإسلاميين هل يقرؤه طالب العلم المبتدئ؟ الجواب مقالات الإسلاميين لـ أبي الحسن كتاب لا ينفع طالب العلم المبتدئ، وإنما ينبغي على طالب العلم المبتدئ أن يبتدئ بصغار العلم قبل كباره، وأن يبتدئ بالتفقه وتفهم أحكام الله في العقيدة وفي الأحكام الفقهية.

стр. 164

الموقف من الرد على المعتزلة بردود الأشاعرة العقلية السؤال هل لطالب العلم أن يرد المعتزلة بردود الأشاعرة العقلية مع القرآن والسنة؟ الجواب ردود الأشاعرة العقلية على المعتزلة ليست في الغالب ردوداً صحيحة، بل فيها لوازم باطلة بناءً على مذهبهم، ولهذا فإن في القرآن والسنة غنية وكفاية عن استخدام ردود هؤلاء، وإن كان قد يوجد في بعض كلامهم ما هو صحيح، وشيخ الإسلام في بعض الأحيان قد يستخدم هذا الأسلوب للرد على أهل الكلام بكلامهم نفسه، لكن شيخ الإسلام ممن يميز المسائل ويفحصها جيداً، وهو يختلف عن غيره، فلا يصلح هذا لكل أحد.

стр. 165

حكم التسمي بحنان ورحمة السؤال هل يجوز التسمي باسم حنان ورحمة؟ الجواب التسمية بحنان أو رحمة إذا كان فيها تزكية فلأهل العلم كلام أنه لا يجوز، لكن إذا كان المقصود مطلق الاسم فليس فيه شيء أن تسمى حناناً أو رحمة. وإضافة الرحمة إلى الله نوعان: إضافة صفة إلى موصوف، وإضافة مخلوق إلى خالق، ولهذا قد تسمى الجنة في بعض الأحيان رحمة الله، وقد يسمى المطر رحمة الله أيضاً.

стр. 166

المعنى المراد من وصف الله تعالى بصفة الأسف السؤال أليس من معاني الأسف شدة الحزن؟ وهل يجوز نسبة هذا المعنى إلى الله؟ الجواب الأسف هنا ليس معناه شدة الحزن، وإنما معناه شدة الغضب، ولا يجوز نسبة شدة الحزن إلى الله .

стр. 167

نقد كتاب (الحكم بغير ما أنزل الله وأصول التكفير) لخالد العنبري السؤال ما رأيكم في كتاب الحكم بغير ما أنزل الله وأصول التكفير لـ خالد العنبري؟ الجواب هذا الكتاب فيه أشياء صحيحة، وفيه بعض الأشياء التي عليها ملاحظات، ومن هذه الأشياء مسألة القوانين الوضعية، فإن مؤلفة يرى أن القوانين الوضعية إذا عملها الإنسان وهو غير مستحل لها ولا يرى أنها أفضل من شريعة الله أو أنها مساوية لها بدون أي علاقة بالاعتقاد، فالقوانين الوضعية بهذه الحالة من جهة الفعل فقط معصية، والصحيح أنها كفر مخرج عن الإسلام. وعندما ذكر الحكم بغير ما أنزل الله ذكر أنواع الاعتقادات ثم ختمها بتطبيق القوانين الوضعية، وهذا يدل على أن الأخير الذي هو تطبيق القوانين الوضعية يختلف عن الأول؛ لأنه لو كان هو الأول لما كان هناك داعي لإفراده بنوع خاص، وهذا يدل على أن الشيخ محمد بن إبراهيم ﵀ كان يرى أن تطبيق القوانين الوضعية من جهة الفعل كفر يخرج عن الإسلام، حتى لو لم يخالطه استحلال قلبي أو أنه يرى أنها أفضل من شرع الله، أو نحو ذلك، وهذا هو الصحيح والحق الذي لا مرية فيه، وقد سبق أن أشرنا إلى الأدلة في هذا، ويمكن أن تراجعوا كتاب الحكم بغير ما أنزل الله أحواله وأحكامه للشيخ عبد الرحمن المحمود، وقد سبق أن أشرنا إلى أدلة في هذا الموضوع.

стр. 168

العقيدة الواسطية [٨] إن صفات الله تعالى الخبرية مما يجب اعتقاده والتصديق به؛ إذ قد ثبتت في نصوص الوحي, ودلائلها من الكثرة بمكان, ومن جملتها صفة الوجه الذي دلت عليه الآيات القرآنية والأحاديث النبوية دلالة واضحة لا يستقيم معها تأويل المبتدعة.

стр. 169

صفات الله تعالى الخبرية إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين. أما بعد: فقد تحدثنا عن الصفات الاختيارية، وهي الصفات الفعلية التي تقوم بذات الله متى شاء وكيف شاء . وهنا سيكون حديثنا بإذن الله تعالى عن الصفات الخبرية, وقد تحدثنا عن أن معنى الصفات الخبرية: هي الصفات التي لا يثبتها العقل استقلالاً، وهي التي وردت في النصوص الشرعية، مثل: إثبات الوجه واليدين والعينين والقدم الساق ونحو ذلك؛ فهذه الصفات تسمى الذاتية، وهي التي تتعلق بذات الله ، وليست منفكة عنه بأي وجه من الوجوه، ولا تعلق لها بالمشيئة.

стр. 170

نفاة الصفات الخبرية الصفات الخبرية يثبتها أهل السنة والجماعة كسائر الصفات الثابتة لله ، وأول من أنكر ثبوت هذه الصفات هو الجعد بن درهم كما سبقت الإشارة إليه في الكلام على الصفات الاختيارية. فـ الجعد بن درهم كان ينفي جميع الصفات عن الله ، ويقول: لا يقوم بالله صفة من الصفات، وتابعه على ذلك الجهم بن صفوان وبشر بن غياث المريسي والمعتزلة أيضاً، فالمعتزلة تابعوا الجهمية في هذا الأمر. أما الأشاعرة فقد سبق أن بينت أن أبا الحسن الأشعري كان من المعتزلة ثم ترك الاعتزال بعد أربعين سنة، واتجه إلى مذهب ابن كلاب، ثم ترك مذهب ابن كلاب في آخر أمره واتجه إلى مذهب السلف الصالح رضوان الله عليهم، أما أتباعه فبعضهم بقي على مذهبه عندما كان كلابياً، والبعض الآخر من المتأخرين غلا حتى صار قريباً من المعتزلة إلى حد كبير. فكان أبو الحسن الأشعري مثل الكلابية، وكانوا لا ينفون الصفات الخبرية عن الله ، وكان الصراع بينهم وبين المعتزلة في موضوع الصفات الخبرية قوياً، فـ أبو الحسن الأشعري وأبو بكر محمد بن الطيب الباقلاني والقلانسي وغيرهم من الكلابية أتباع أبي الحسن كانوا يثبتون الصفات الخبرية، فيثبتون أن لله وجهاً ويدين وعينين، ونحو ذلك من الصفات التي سيأتي الإشارة إليها بإذن الله تعالى. وأول من نفى الصفات الخبرية في مذهب أبي الحسن الأشعري هو إمام الحرمين الجويني، فإنه اتجه بالمذهب الأشعري نحو الاعتزال بقوة، فنفى الصفات الخبرية عن الله ، فقال: لا نثبت لله وجهاً ولا يدين ولا عينين، وأولها فقال: الوجه هو الثواب أو الذات، واليدان: النعمة أو القدرة، والعينان: الإحاطة أو النظر أو البصر، وحجته في النفي هي حجة المعتزلة نفسها، وهي أن إثبات هذه الصفات يستلزم إثبات الأبعاض في الله والأجزاء والتركيب. وقد سبق أن أشرنا إلى أن هذه الألفاظ اصطلاحات اتفق عليها هؤلاء المتكلمون، وأنه لا بد على صاحب العقيدة السلفية الصحيحة أن لا ينفيها مطلقاً ولا يثبتها مطلقاً؛ لأن هذه الألفاظ مشتملة على شيء من الحق والباطل، وهكذا تكون البدعة. فإن البدعة لا يمكن أن تكون باطلاً محضاً؛ لأنها إذا كانت باطلاً محضاً لا يقبلها أحد، ولا يمكن أن تكون حقاً محضاً؛ لأنها لو كانت حقاً محضاً ما كانت بدعة، لكنها خلط ولبس للحق بالباطل، كما قال الله عن بني إسرائيل: ﴿لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران:٧١]، فالبدعة خلط ولبس بين الحق والباطل. وهكذا ألفاظ هؤلاء المتكلمين جميعاً هي مشتملة على حق وباطل، فلا يصح للإنسان أن ينفيها مطلقاً ولا أن يثبتها مطلقاً، بل لا بد من الاستفصال ومعرفة معاني ما يقول، فإذا قال مثلاً: يجب أن ينفي عن الله الأجزاء والأبعاض، فلا بد أن نسأله ما القصد بالأجزاء والأبعاض؟ فإذا كان يقصد أن الله مركب من أجزاء وأبعاض قد ركبه غيره، أو أنه مركب ينفصل بعضه عن بعض، فهذا معنى باطل لا يقوله أحد ولا يقره أهل السنة. وإذا سمى هذه الصفات وهي: الوجه واليدان والعينان أبعاضاً فنثبت الوجه واليدين والعينين لله ولا نسميها أبعاضاً؛ لأن هذه تسمية مبتدعة، وهكذا يستطيع الإنسان أن يصل إلى الحق مع إجابته عن كلام هؤلاء المبتدعة. وشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ رد على قانونهم الكلي الذي هو تعارض العقل مع النقل في كتابه العظيم: درء تعارض العقل والنقل. ومن الوجوه التي رد عليهم هي: أن هؤلاء المبتدعة يردون النصوص الشرعية بمعتقدات يعتقدونها، وليست هي حقيقة ما في العقل، فهم يصطلحون اصطلاحات، ويأتون بمعقولات ثم يسمونها قواطع عقلية لا تقبل النقض، ثم يعارضون بها النصوص الشرعية ويردونها، هكذا حالهم والعياذ بالله.

стр. 171

ذكر بعض صفات الله تعالى الخبرية إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين. أما بعد: فقد تحدثنا عن الصفات الاختيارية، وهي الصفات الفعلية التي تقوم بذات الله متى شاء وكيف شاء . وهنا سيكون حديثنا بإذن الله تعالى عن الصفات الخبرية, وقد تحدثنا عن أن معنى الصفات الخبرية: هي الصفات التي لا يثبتها العقل استقلالاً، وهي التي وردت في النصوص الشرعية، مثل: إثبات الوجه واليدين والعينين والقدم الساق ونحو ذلك؛ فهذه الصفات تسمى الذاتية، وهي التي تتعلق بذات الله ، وليست منفكة عنه بأي وجه من الوجوه، ولا تعلق لها بالمشيئة.

стр. 172

صفة الوجه وأدلة إثباتها الصفات الخبرية ثابتة لله كغيرها من الصفات، يقول الله تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٧]، ويقول تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص:٨٨]. في هاتين الآيتين إثبات صفة الوجه لله كما يليق بجلالة فقوله: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن:٢٧] هذه الإضافة من إضافة الصفة إلى الموصوف، وقوله تعالى: ((ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ)) فذو وصف للوجه؛ وإعراب وجه فاعل مرفوع، وذو صفة، والصفة تتبع الموصوف، فذو هنا مرفوعة؛ لأن وجه مرفوع، وليست (ذو الجلال) وصفاً لكلمة ربك؛ لأنها لو كانت وصفاً لكلمة ربك لكانت ذي الجلال، فهناك فرق مثلاً بين قوله: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٧] وبين قوله: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٧٨]. ففي قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ﴾ [الرحمن:٧٨]، هنا ذي وصف لربك، ربك مضاف إليه وهو مجرور، وذي من الأسماء الخمسة، وتجر بالياء، كما أنها ترفع بالواو، كما في قوله: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٧]، ففي هذه الآية إثبات صفة الوجه لله . وقوله: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص:٨٨] فيها إثبات صفة الوجه لله . وهناك نصوص كثيرة تدل على إثبات صفة الوجه، منها: حديث عتبان بن مالك الثابت في صحيح البخاري (أن الله حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله). وقد استنبط منها الشيخ محمد بن عبد الوهاب في كتاب التوحيد، في باب فضل التوحيد وما يكفر من الذنوب في المسائل حيث قال: فيه إثبات صفة الوجه خلافاً للأشعرية، يعني: الذين ينفونها، ويقصد بهم الأشعرية المتأخرين الذين جاءوا بعد أبي المعالي الجويني وقلدوه في مشابهة المعتزلة في هذا الباب. وقوله: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص:٨٨] هذا أيضاً فيه إثبات صفة الوجه كما سبقت الإشارة إليه.

стр. 173

الرد على أهل البدع في تأويل الوجه وأهل البدع يؤولون الوجه، فتارة يقولون بأن الوجه صلة زائدة، والمعنى: ويبقى ربك ذو الجلال والإكرام، كقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١]، فإن الكاف هنا صلة زائدة، وليست للتشبيه؛ لأن لو كان لها معنى التشبيه فيما يظنون لكان المعنى: ليس كمثل مثله شيء، ففيه إثبات أن له مثلاً ثم نفي المثلية عن هذا المثل. وهذا لا شك أنه باطل، فالكاف هنا مؤكدة وزائدة وليست لتشبيه المثل بالمثل. لكن في قوله: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٧] لا يصح أن يقولوا: إنها صلة زائدة؛ لأن الوصف في قوله: ﴿ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٧] معطوف على الوجه. ثم كيف يقال: إنها زائدة مع أنه ثبت في صحيح البخاري أن النبي ﷺ يقول: (حجابه النور لو كشفه لأحرق سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه)؟ فلو قيل إنها زائدة لما كان للحديث معنى. وبعضهم يفسرها بأن المراد من الوجه الثواب، وهذا لا يصح؛ لأنه لو كان يراد به الثواب فمعنى هذا أنه مخلوق، فكيف يوصف بأنه ذو الجلال والإكرام؟ فليس المقصود بالوجه هنا الثواب، وإنما المقصود به الوجه الحقيقي؛ لأنه وصف بذو الجلال والإكرام، فهذا من جهة. ومن جهة أخرى فإنه ورد في أحاديث كثيرة عن النبي ﷺ أنه كان يقول في دعائه: (أعوذ بوجهك الكريم)، فلو كان المقصود به الثواب، فكيف يستعيذ النبي ﷺ بمخلوق، والاستعاذة بالمخلوق شرك؟ ولهذا استدل أهل العلم على أن كلام الله صفة من صفاته لقوله ﷺ : (أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق)، فالاستعاذة لا تكون إلا بالله أو بصفة من صفاته لا بالمخلوق؛ ففي هذه الاستعاذة دليل على أن الوجه صفة من صفاته، وليس المقصود به الثواب. وقد تحدث عن هذه القضية ابن القيم ﵀ في كتابه العظيم: الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة، وقد ألفه للرد على الطواغيت التي نصبها أهل التأويل لدك معاقل الوحي، وهي ما يلي: الطاغوت الأول: أن دلالات الألفاظ لا تفيد اليقين. الطاغوت الثاني: أن العقل يرجح على النقل عند التعارض. الطاغوت الثالث: المجاز. الطاغوت الرابع: عدم قبول خبر الآحاد في مسائل العقيدة. ورد عليها بشكل مفصل، وهو كتاب ضخم كبير، إلا أن الموجود منه يشمل: الرد على أن دلالات الألفاظ لا تفيد اليقين، ودرء تعارض العقل والنقل، لكن آخر الكتاب مفقود وليس بموجود، والمطبوع منه الآن أربع مجلدات، واختصره الشيخ محمد الموصلي البعلي رحمه الله تعالى، فالشيء المفقود وجد مختصراً في اختصار محمد الموصلي البعلي رحمه الله تعالى. ويمكن مراجعة كلام ابن القيم ﵀ في موضوع صفة الوجه لله ، والرد على الذين أولوه بالثواب أو بذاته تعالى في هذا الكتاب من صفحة ٣٣٥ إلى ٣٤٤. يقول رحمه الله تعالى: المثال الخامس: وجه الرب ﷻ ، حيث ورد في الكتاب والسنة، فليس بمجاز، بل على حقيقته، ورد على قول المتكلمين بأن صفات الله مجاز وليست حقيقة. قال: واختلف المعطلون في جهة التجوز في هذا، فقالت طائفة: لفظ الوجه زائد والتقدير: ويبقى ربك. وقالت فرقة أخرى: الوجه بمعنى الذات، وهذا القول نفس قول الذين قالوا: إن الوجه جائز؛ لأن الذات هو حقيقة الله . وقالت طائفة: ثوابه وجزاؤه، فتجعله مخلوقاً منفصلاً، وقالوا: لأن الذي يراد هو الثواب، وهذه أقوال نعوذ بوجه الله العظيم من أن يجعلنا من أهلها. ثم نقل عن عثمان بن سعيد الدارمي ﵀ رده على بشر المريسي في هذا الباب، ثم قال: والقول بأن لفظ الوجه مجاز باطل من وجوه، وساق منها مجموعة كبيرة جداً تتجاوز العشرين وجهاً، فقد رد عليها من ست وعشرين وجهاً، أحدها: أن المجاز لا يمتنع نفيه، فعلى هذا لا يمتنع أن يقال: ليس لله وجه ولا حقيقة لوجهه، وهذا تكذيب صريح بما أخبر به عن نفسه وأخبر به عنه رسوله. الثاني: أنه خروج عن الأصل والظاهر، يعني: ظاهر النص الشرعي بلا موجب. الثالث: أن ذلك يستلزم كون حياة وسمع وبصر وقدرة وكلام وإرادة وسائر صفاته مجاز، بل يمكن أن يقال فيما بعد: وجوده مجاز كما يقوله الملاحدة! وإن دعوى المعطل أن الوجه صلة كذب على الله وعلى رسوله وعلى اللغة، فإن هذه الكلمة ليست مما عهد زيادتها، والعادة أن الذي يكون زائداً هو: من أو ما أو الكاف، أما كلمة لها دلالة بهذه القوة ويقولون: إنها زائدة، فلا شك أن هذا انحراف. يقول: ما ذكره الخطابي والبيهقي وغيرهما قالوا: لما أضاف الوجه إلى الذات وأضاف النعت إلى الوجه فقال: ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام، دل على أن ذكر الوجه ليس بصلة، وأن قوله: ﴿ذو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٧] ص

стр. 174

صفة اليدين وأدلة إثباتهما الصفة الثانية من الصفات الخبرية التي ذكرها شيخ الإسلام ﵀ هي: إثبات صفة اليدين لله ، واستدل عليها بقوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥]، وقوله: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة:٦٤]. وذكر ثلاث آيات في إثبات صفة اليدين لله ، وقد جاءت صفة اليدين مفردة ومثناه ومجموعة. ففي قوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥]، فلفظة اليدين للتثنية وقوله: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ [المائدة:٦٤] هنا للإفراد، وقوله: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ [يس:٧١] هنا للجمع، والجمع بين هذه الآيات جميعاً هو أن يقال: إن المفرد إذا أضيف فإنه يدل على العموم والجنس، فأنت تقول مثلاً: نعمة الله وتقصد بها أنعام الله المتعددة، قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم:٣٤]، فقال: لا تحصوها مع أنه أفرد النعمة، وهذا يدل على أن المراد بالنعمة جنس النعمة. وأما الجمع في قوله: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ [يس:٧١] فإنه يراد به التعظيم، ولهذا يقول الله : ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا﴾ [الإنسان:٢٣] مع أنه واحد ، فالجمع يراد به التعظيم. وقد يقال: إن أقل الجمع اثنان، وهذه المسألة فيها خلاف، هل أقل الجمع اثنان أو أكثر؟ وتوجد نصوص تدل على أن أقل الجمع اثنان، وحتى لو كان أقل الجمع ثلاثة فأكثر، فإنه يراد بها التعظيم، وتصبح التثنية نص في المسألة، ويؤخذ من هذا أن الله له يدان اثنتان ؛ لأن التثنية نص وليس ظاهر؛ ولهذا فالعلماء يمثلون في الكلام على دلالة الألفاظ للنص الذي لا يحتمل التأويل بالعدد، والتثنية لا تحتمل إلا اثنين، فهي نص في أن لله يدان اثنتان تليق بجلاله، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]. وقد ذكر ابن القيم ﵀ في هذا الكتاب أن صفة اليد لله وردت في القرآن والسنة وكلام الصحابة والتابعين في أكثر من مائة موضع وروداً متنوعاً متصرفاً فيه مقروناً بما يدل على أنها يد حقيقية من الإمساك والطي، والقبض، والبسط، والحثيات، والخلق باليدين، والمباشرة بهما، وكتب التوراة بيده، وغرس جنة عدل بيده، وتخمير طينة آدم بيده، إلى آخر ما هنالك من الأشياء التي ذكرها رحمه الله تعالى.

стр. 175

الصفات المتعلقة بصفة اليدين ومن الصفات المتعلقة بصفة اليدين ما يلي: أولاً: صفة الأخذ، وقد ورد الأخذ في حديث ابن عمر ﵁ في صحيح مسلم قال: قال رسول الله ﷺ : (يأخذ الله سماواته وأراضيه بيديه فيقول: أنا الله الملك)، فصفة الأخذ متعلقة بصفة اليدين. ثانياً: صفة الأصابع، وفي حديث ابن مسعود ﵁ قال: (جاء رجل إلى النبي ﷺ من أهل الكتاب فقال: يا أبا القاسم! إن الله يمسك السماوات على إصبع، والأراضين على إصبع، والجبال على إصبع، والشجر على إصبع، فرأيت النبي ﷺ ضحك حتى بدت نواجذه، ثم قرأ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الأنعام:٩١]). وهذا الحديث رواه البخاري ومسلم. وعندما تقارن بين هذا الحديث والذي قبله دل على أن هذه الأصابع متعلقة باليد، لكنها لا تشبه أصابع وأيدي المخلوقين، ولا يجوز للإنسان أن يكيفها بصورة معينة، فهذا التكييف الذي في ذهن الإنسان كذب وبهتان وزور وبدعة في نفس الوقت. ولما جاء رجل إلى الإمام مالك فقال له: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] كيف استوى؟ قال: الاستواء معلوم والكيف مجهول -يعني: له كيف لكنه مجهول لا نعلمه- والإيمان به واجب، يعني: أن نؤمن بأن له كيفاً لا نعرفه، والسؤال عنه بدعة. وهذه قاعدة قررها الإمام مالك، وقيل: أنها من كلام عائشة ﵂ أو أم سلمة، وقيل: إنها من كلام شيخ الإمام مالك وهو ربيعة الرأي، وهي قاعدة عامة من قواعد السلف في باب الصفات، فلا يجوز أن تتخيل له الصفة؛ لأن هذا من علم الغيب، وعلم الغيب غيب بالنسبة لنا، ولا يجوز للإنسان أن يكيفه. فكل تكييف في ذهن الإنسان بدعة من جهة، وهو في نفس الوقت كذب من جهة أخرى، فلا يجوز للإنسان أن يكيف صفات الله في ذهنه بصورة أياً كانت هذه الصورة، سواء كانت على صورة الخلق أو على أي صورة يتخيلها الإنسان. ثالثاً: صفة الإمساك، وهذا وارد في الحديث السابق، فإنه قال: (إن الله يمسك السموات على إصبع). رابعاً: صفة الكفين والأنامل، فقد ورد الكف في حديث اختصام الملأ الأعلى، وهو أنه رأى ربه في منامه في أحسن صورة، وفي هذا الحديث الطويل: (فرأيته وضع كفه بين كتفي حتى وجدت برد أنامله في صدري)، والأنامل هي الأصابع، والكف متعلق بصفة اليد، وهو كما يليق بجلال الله ، وفي بعض الألفاظ: (وضع يده). خامساً: صفة البسط والقبض، يقول الله : ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة:٦٤]، وفي حديث النزول في صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: (ثم يبسط يديه ﵎ ويقول: من يقرض غير عدوم ولا ظلوم؟). ومن أسمائه الباسط، فالباسط يشتمل على صفة البسط، قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ [الزمر:٥٢]]، وهذه صفة فعلية، ويشمل أيضاً على بسطه ليديه ، وهي لائقة بجلاله لا تشبه أيدي المخلوقين. وأما القابض فورد في حديث: (يقبض الله ﵎ الأرض يوم القيامة)، ويدل عليه قول الله : ﴿وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر:٦٧]. سادساً: صفة الطي، يقول الله : ﴿وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر:٦٧]، ويقول أيضاًً في الحديث الصحيح الثابت في البخاري وفي مسلم (يقبض الله ﵎ الأرض يوم القيامة ويطوي السماء بيمينه)، وهذا الحديث موافق لمعنى الآية. سابعاً: صفة الحثو بالكفين، ففي حديث السبعين ألفاً الذين يدخلهم الله الجنة بغير حساب ولا عذاب، فيه: (ثم يحثو ربي ثلاث حثيات بكفيه)، وهذا حديث صحيح. ثامناً: صفة الكتابة والخط، يقول الله : ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً﴾ [الأعراف:١٤٥] إلى آخر الآية، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ﴾ [الأنبياء:١٠٥]، وفي حديث احتجاج آدم وموسى، أن آدم قال لموسى: (أنت موسى الذي اصطفاك الله بكلامه وخط لك التوراة بيده)، والكتابة من الأركان الأساسية في الإيمان بالقدر، وأن الله كتب مقادير كل شيء قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة. والكتابة تحتمل عدة معان، منها: الاحتمال الأول: أنه أمر القلم أن يكتب.

стр. 176

حكم إثبات الشمال لله هناك مسألة متعلقة بصفة اليدين لله ، وقد ورد فيها أحاديث، ومنها: أن الله يقبض السموات بيده اليمنى، ويقبض الأرضين بشماله، وورد في بعض الألفاظ بيساره. وورد في أحاديث أخرى أن الله له يدان وكلتا يديه يمين، فهذه المسألة من المسائل التي اختلف فيها أهل العلم على قولين: القول الأول: لله يد يمين وله يد أخرى يسار أو شمال، وهذا القول قال به الدارمي ﵀ في رده على بشر المريسي، وهو كتاب معروف ومشهور، وقال به أيضاً أبو يعلى الفراء الحنبلي في كتابه إبطال التأويلات، وقد طبع من هذا الكتاب جزأين، وأصل هذه الكتاب هو في الرد على تأويلات ابن فورك، فله كتاب في بيان مشكل الحديث، فقد استعرض ابن فورك الأحاديث التي ذكرها ابن خزيمة في كتاب التوحيد حديثاً حديثاً وأولها، فرد عليه أبو يعلى في كتاب (إبطال التأويلات) وينقل عنه شيخ الإسلام كثيراً، وهو محقق في جزأين، ولم يكتمل طبعه بعد. وأيضاًَ ممن يرى هذا الرأي الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمة الله عليه، ففي آخر باب من أبواب كتاب التوحيد قال: فيه إثبات الشمال لله . وممن قال بهذا صديق حسن خان الهندي العالم المعروف ملك بهوبال، له كتاب اسمه (قطف الثمر في عقائد أهل الأثر)، أثبت فيه هذا المعنى. ومنهم كذلك شارح العقيدة الواسطية الشيخ محمد خليل الهراس. ومنهم الشيخ عبد الله الغنيمان حفظه الله تعالى في شرحه لكتاب التوحيد من صحيح البخاري. واستدلوا على ذلك بأدلة، منها: ما رواه الإمام مسلم في صحيحه من حديث ابن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (يطوي الله السموات يوم القيامة ثم يأخذهن بيده اليمنى ثم يقول: أنا الملك أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ ثم يطوي الأراضين بشماله) فهذا الحديث فيه ذكر الشمال. الدليل الثاني: وردت أحاديث كثيرة في وصف إحدى يدي الله باليمين، وهذا يقتضي أن الثانية يسار أو شمال، فمن هذه الأحاديث -مثلاً- ما رواه البخاري من حديث أبي هريرة ﵁ أنه قال (يمين الله ملأى لا يغيضها نفقة). ومن ذلك أيضاً حديث أبي هريرة في البخاري ومسلم: (ويطوي السماء بيمينه)، وحديث آخر وفيه: (من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب ولا يقبل الله إلا طيباً فإن الله يقبضها بيمينه)، فهذه الأحاديث فيها وصف لإحدى يدي الله باليمين، وهذا يقتضي أن الأخرى ليست يميناً فتكون شمالاً. القول الثاني: لله يدان وكلتا يديه يمين، وهذا قول ابن خزيمة ﵀ في كتابه التوحيد، وقول البيهقي، وقول الشيخ محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله تعالى، واستدلوا على ذلك بدليلين: الدليل الأول: ما رواه مسلم من حديث عبد الله بن عمر أنه قال: (إن المقسطين عند الله تعالى على منابر من نور عن يمين الرحمن، وكلتا يديه يمين). الدليل الثاني: ما رواه ابن أبي عاصم في كتابه السنة من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، والآجري في الشريعة وصححه الشيخ الألباني من حديث ابن عمر، أن النبي ﷺ قال: (أول ما خلق الله القلم فأخذه بيمينه وكلتا يديه يمين)، وهذا الحديث صححه الشيخ الألباني. ويبدو -والله تعالى أعلم- أن الصحيح هو أن لله يدين، وكلتا يديه يمين. وأما الروايات التي ورد فيها أنه يطوي الأراضين بشماله، فيبدو أنها روايات بالمعنى من أحد الرواة. فالصحيح أن لله يدين، وأن كلتا يديه يمين، ولا ينبغي أن توصف اليد الأخرى بأنها شمال أو يسار، وما ورد من أحاديث فيها أنها شمال أو يسار فيبدو والله تعالى أعلم أنها ضعيفة، كما في الحديث الذي في صحيح مسلم أنه قال: (ثم يطوي الأرضين بشماله)، فقد روى هذه الرواية عمر بن حمزة بن عبد الله بن عمر، وقد خالف فيها من هو أوثق منه، فهي رواية شاذة أو رواية بالمعنى.

стр. 177

صفة العينين وأدلة إثباتهما ذكر الشيخ بعد ذلك ثلاث آيات في إثبات صفة العينين لله ، وهي قوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [الطور:٤٨]، وقول الله : ﴿وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ﴾ [القمر:١٣]، والدسر هي المسامير، ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ﴾ [القمر:١٤]، وقوله: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه:٣٩]. والصحيح أن صفة العين ثابتة لله ، وأنهما عينان اثنتان، ويدل على ذلك ما رواه البخاري أن النبي ﷺ قال: (إن الدجال أعور وإن ربكم ليس بأعور)، والعور كما يقول العلماء: هو فقء إحدى العينين. فهذا الحديث يفهم منه أن لله عينين، ولو كانت الأعين أكثر من ذلك لقال النبي ﷺ : إن الدجال أعور وإن الله له أعين كثيرة.

стр. 178

الفوائد التربوية من إثبات صفة اليدين والعينين لله تعالى هناك فوائد تربوية عظيمة جداًً من إثبات صفة اليدين والعينين لله ، منها: أن إثبات صفة اليدين لله تدل على أن الله كريم وكثير العطاء، وأنه تواب رحيم، حيث ورد في بعض الأحاديث: (يبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، ويبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار). فعندما يعلم الإنسان أن الله يبسط يديه ويقبل عن عباده تفرح نفسه بذلك، ويقبل على الله ، وكذلك عندما يعلم أن الله كريم، فإنه يكثر من دعائه، فلو أن الإنس والجن اجتمعوا في مكان واحد، وكل واحد منهم سأل مسألته فأعطاه الله مسألته، ما نقص من ملك الله إلا كما تنقص الإبرة عندما توضع في البحر، فماذا تحمل الإبرة من هذا البحر العظيم؟ فملك الله عظيم، وعطاؤه كثير، والإنسان ينبغي عليه دائماً أن يتعلق بالله ، والمخلوق مهما يكن عنده من الأموال أو العطاء أو الملك فهو ملك محدود وبسيط، وإثبات هذه الصفات يدعو الإنسان دائماً للتعلق بالله . وفي إثبات صفة العينين لله يظهر لنا معنى الحفظ، وأن الله يحفظ عباده الصالحين من كيد الأعداء، فهذا الدين كيد له بشكل كبير جداً، ولو أن ديناً آخر غير هذا الدين كيد له كما كيد لهذا الدين لما بقيت له باقية أبداً، لكن الله يحفظ هذا الدين ويحفظ أهله، يقول الله : ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩]. وقد حفظ الله هذه الأمة بوجود طائفة فيها، كما قال النبي ﷺ : (لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك)، بل إنه حفظ كل قرن من الزمان بمجدد يبعثه الله على رأس كل مائة عام يجدد للأمة أمر هذا الدين، فمهما تخلفت هذه الأمة وتراجعت فإن المجدد موجود، والطائفة موجودة، والحق ثابت وبين وواضح، فهذا من حفظ الله لهذه الأمة. كما أن الله يحفظ هذا الإنسان من الشرور، قال تعالى: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد:١١]. وكذلك من الآثار التربوية والسلوكية المأخوذة من إثبات صفة العينين نمو المراقبة في نفس الإنسان؛ فإن الإنسان عندما يعلم أن الله مطلع عليه، وأن الحواجز التي يضعها يخترقها نظر الله وبصره، وأن الله يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، ويرى الإنسان في كل مكان، حتى لو اختبأ بجنح الظلام أو في أي مكان من الأماكن فالله مطلع عليه، وهو يراه بعينيه؛ ولهذا يجب عليه أن يراقب الله وأن يخاف منه. وكل صفات الله لها آثار تربوية عظيمة جداً في سلوك الإنسان وأخلاقه وآدابه.

стр. 179

إيضاح سبب تكرار شيخ الإسلام آيات إثبات صفتي السمع والبصر بعد ذكر صفة العينين ثم ذكر الشيخ بعد ذلك آيات تدل على إثبات صفة السمع والبصر لله . لكن قد يقول قائل: ما هو الفرق بين هذه الآيات التي ذكرها هنا وبين الآيات السابقة في إثبات صفة السمع والبصر؟ ذكر الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله تعالى في التنبيهات اللطيفة أن الفرق هو: أن الآيات السابقة في إثبات السمع والبصر على أنها صفات ذاتية لله ، وأن الآيات هنا هي على إثبات صفة السمع والبصر على أنها صفات فعلية لله ، يقول الله : ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [المجادلة:١]، وقوله: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران:١٨١]، والمقصود بهم اليهود الذين قالوا: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ﴾ [المائدة:٦٤]، فإنهم لما نزل قول الله : ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [البقرة:٢٤٥] قالوا: إن ربك فقير ونحن أغنياء يحتاج منا القرض، فأنزل الله هذه الآية: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء ُ﴾ [آل عمران:١٨١]، وهذا السمع يقتضي التهديد مع إثبات صفة السمع في ذاتها. ويقول الله : ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ [الزخرف:٨٠]. ويقول: ﴿قَالَ لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه:٤٦]. ويقول: ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ [العلق:١٤]. ويقول: ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ * إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الشعراء:٢١٨ - ٢٢٠]. ويقول: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة:١٠٥]. نقف عند هذا الحد، وأسأل الله أن يوفقنا إياكم للعلم لنافع والعمل الصالح.

стр. 180

الأسئلة
следующие страницы →