← Джавами‘

Джавами‘ · id 37817

دروس للشيخ إبراهيم الفارس

إبراهيم بن عثمان الفارس

Полный текст (556 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

موقف اليهود من الملائكة أما موقفهم من الملائكة فإنهم يبغضونهم ويكرهونهم، يقول تعالى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٩٨] وهم اليهود، ولذلك عندما أخبرهم الرسول ﷺ أن الذي يأتيه بالوحي جبريل قالوا له: ذاك عدونا من الملائكة؛ فهم لا يحبون الملائكة.

стр. 177

موقف اليهود من الرسل أما الرسل فهم لا يؤمنون إلا بموسى، ومع إيمانهم بموسى إلا أنهم كانوا يبغضونه، وكانوا يتحدونه، وكانوا يسخرون منه، فمثلاً قالوا له: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا﴾ [المائدة:٢٤] قالوها سخرية، وقالوا له: ﴿أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [النساء:١٥٣] وقالوا له: ﴿اجْعَل لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ [الأعراف:١٣٨]، فما اقتنعوا بالأشياء التي جاء بها. فهؤلاء القوم إيمانهم بالأنبياء ضعيف، وهناك آيات كثيرة توضح كيف يتعاملون مع الأنبياء، قال تعالى: ﴿فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ [البقرة:٨٧] يعني: مجموعة أنبياء، فقتل زكريا ويحيى، وحاولوا قتل عيسى. وقتلوا أنبياء عدة. وهؤلاء هم أنبيائهم ومع ذلك يقتلونهم. والرسول ﷺ كم من مرة حاولوا قتله والقضاء عليه؟ ولكن الله قال له: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة:٦٧].

стр. 178

موقف اليهود من اليوم الآخر ومن الإيمان بالقضاء والقدر وأما حالهم مع اليوم الآخر فهم لا يؤمنون به كما أشرنا، أما موقفهم من القضاء والقدر فهم جملة لا يؤمنون بالقدر إلا بنطاق معين، فعندهم أن كل إنسان له اختياره الكامل بدون أي ارتباط بالله ، فليس لله أي إرادة أو مشيئة في ذلك.

стр. 179

الكتب المقدسة عند اليهود الكتب المقدسة عند اليهود تتمثل في كتابين اثنين: الكتاب الأول هو العهد القديم، والكتاب الثاني هو التلمود. والكتاب الموجود عند النصارى ينقسم إلى قسمين: العهد القديم، ويشمل التوراة وأسفار الأنبياء، والعهد الجديد خاص بالنصارى ويشمل الأناجيل الأربعة وأعمال الرسل. أما العهد القديم فهو الذي يختص باليهود، فاليهود لا يؤمنون بالعهد الجديد؛ لأنهم لا يؤمنون أصلاً بعيسى، فالعهد القديم يتكون من شقين: الشق الصغير هو التوراة، وهي التي أنزلت على موسى، والشق الأعظم والأكبر هو أسفار الأنبياء. أما التوراة فتنقسم إلى خمسة أقسام: سفر التكوين، ويتحدث عن تكوين الخليقة إلى وفاة يوسف ﵇، وسفر الخروج ويتحدث من عهد يوسف إلى خروج موسى من مصر، وسفر الأحبار أو اللاويين وهو سفر فقهي، وسفر العدد وهو سفر تاريخي يذكر أخبار بني إسرائيل بالعدد، وسفر التثنية يذكر أحكاماً تفصيلة لم تذكر أو لم يشر إليها في سفر الأحبار لكن الناظر في التوراة سيجد فيها نقاط من التحريف لا حصر لها وهي عجيبة جداً بل ومضحكة، بل ومن تمعن فيها من نفس القوم علم أنها محرّفة، وأنها مغيّرة تغييراً جذرياً أو كلياً. أما أسفار الأنبياء فهي الأكبر؛ وهي الوحي الذي يقولون: إنه أنزل على الأنبياء من بعد موسى إلى وقت عيسى، وتنقسم إلى ثلاثة أقسام: تاريخ ويشمل -مثلاً- سفر الملوك الأول، وسفر الملوك الثاني، والثالث، والرابع، وسفر أخبار الأيام الأول، وسفر أخبار الأيام الثاني، وأخبار الأيام الثالث، وأخبار الأيام الرابع، وسفر القضاة كلها أخبار تاريخية، وكأنك تأتي بكتاب البداية والنهاية وتضمه مع القرآن، وتقول: هذا الكتاب المقدس، فهي أخبار تاريخية تتحدث عن المعارك وما الذي حصل فيها؟ ومن قتل فيها؟ وكيف قتلوا؟ وكم عدد الذين قتلوا؟ وكيف كانت الحرب؟ وسفر القضاة يتحدث عن القاضي فلان، وكيف حكم؟ وماذا حكم؟ وما القضايا التي حكم فيها؟ أما النوع الثاني فهي أسفار تشريع، والنوع الثالث أسفار نبوءات. أما أسفار التشريع فبعضها مثل سفر يوشع بن نون الذي جاء من بعد موسى، وسفر المزامير وهو سفر الزبور، وسفر كتاب سليمان ﵇، لكن بعضها غريب جداً، كسفر الأمثال، فقد جمّعوا فيه كل الأمثال الموجودة عند اليهود وضموها إلى الكتاب المقدس، وأعطوه طابع القدسية، وهناك سفر اسمه سفر الإنشاد وهو أناشيد، فمثلاً ينشد الأطفال أيام الأعياد وأيام الأفراح، فهم أتوا بالأناشيد وأعطوها طابع القدسية. فتلحظ الآن كتاباً مقدّساً، لكن إذا تمعنت فيه ستجد العجب! بل والأعجب من ذلك كله سفر يسمى سفر أستير، وأستير هذه امرأة كانت بغياً، وكانت متميزة بجمالها وذكائها، وكانت من سبي بابل، أو من النساء اللاتي ولدن في بابل بعد سبي بختنصر ليهود فلسطين؛ هذه المرأة أحبها أحد ملوك العراق، فملكت عليه قلبه وشغفت لبه حتى توصل الأمر في النهاية إلى أن أطلق يد اليهود في مقدرات الحكومة في ذاك الزمان، فبدل أن كانوا في الذلة صاروا في العزة والملك، وفُتح لهم المجال للرجوع إلى فلسطين، لذلك قدّس اليهود هذه المرأة؛ وهذا أمر قد لا يلامون فيه، لكن الغريب في التقديس ليس هذا، الغريب أنهم ركزوا على حياتها الخاصة مع الملك، فكانوا يذكرون قصصاً غرامية ووقائع فراشية متعلقة بفراش الملك، وأمور يندى الجبين عندما يذكرها الشخص أمام أولاده، ولذلك قال أحمد ديدات عندما حدّث جيم سويدرت قال له: إن في كتابكم لقصصاً ولكلاماً مقدساً أستحي أن أقرأه على بناتي، فاستغرب سويدرت هذا وقال: أين هذا؟ قال: اقرأ رقم كذا وكذا وكذا! من سفر أستير، فطأطأ سويدرت رأسه وأقر بالهزيمة في هذا الموقف بالذات. أما القسم الثالث فهو النبوءات، والنبوءات أيها الأحبة هي نبوءات مستقبلية، ولكن اليهود كانوا حريصين حرصاً شديداً على هذه النبوءات، فاستطاعوا حذف كل ما يتعلق منها بالمسلمين؛ لأنها تنبئ اليهود ببعثة محمد ﷺ ، لكن النبوءات نوعان: هناك نبوءات صريحة، وهذه الصريحة حُذفت، وهناك نبوءات ليست بصريحة، من ذلك نبوءة في سفر أشعيا، تقول هذه النبوءة: إن نور الله شع من سيناء، وظهر من ساعير، وعمّ الأرض من فاران. فهم لا يعرفون ما فاران هذه! فعندما جاء من يشرح الكتاب المقدس بيّن أن فاران هذه هي جبال مكة، وساعير هي الناصرة التي كان يسكنها عيسى ﵇، وسيناء معروفة؛ إذاً نور الله أي وحي الله، ظهر في سيناء ببعثة موسى، وشعّ ببعثة عيسى في الناصرة، وعمّ الأرض ببعثة محمد في جبال مكة، فلو كانوا يعلمون تفسير ذلك لحذفوه، لكنهم لا يعلمون. ومن أشهر هذه النبوءات نبوءة حزقيال ونبوءة دانيال، ونبوءة أشعيا، ونبوءة أرميا، وبعض هذه النبوءات من تمعن فيها رأى فيها دلالات على نبوءة الرسول ﷺ . أما الكتاب المشهور الثاني عندهم فهو التلمود، والتلمود ظهر وأنشئ قريباً من سنة (٢٠٠ ميلادية)، وأول من أبرزه رجل يُدعى يهوداهانتي، وهو أول من بدأ في تأليفه، وهو عبارة عن كلام علماء اليهود، فكلام علماء اليهود وحاخاماتهم هو أصل التلمود، ثم بعد ذلك بدءوا يأخذون هذا الكلام ويشرحونه ويطورونه ويكبرونه حتى وصل الأمر إلى أن يكون اثني عشر مجلداً من النوع الكبير جداً، وأعطوا هذا الكتاب طابع القدسية التي سطروها على صفحة الكتاب الأولى بقولهم: إن كلام الحاخامات لا يمكن أن ينقض ولو بأمر من الله! بمعنى أن هذا الكلام يأخذ طابع القدسية! ولذلك فاليهود يقدسون التلمود أكثر من التوراة. والتلمود الآن سري لا يمكن أن تطلع عليه، فلا يوجد منه إلا نسخ بسيطة جداً في مكتبات مشهورة في العالم، هذه المكتبات عليها حراسة، أو بمعنى أدق في غرف مغلقة كأنها خزائن ذهب؛ لأنه يحتوي -أي: التلمود- على نصوص تُعادي النصارى بالذات، وتعادي المسلمين بطريقة غير مباشرة، بمعنى: أن من خالف اليهود يُفعل به ويُفعل، أما النصارى فيخاطبونهم بالاسم وبالنص، ولذلك يخاف اليهود من إظهاره حتى لا ينقلب عليهم النصارى، فيكتسب طابع السرية المطلقة.

стр. 180

اليهود العدو الدائم عندما تأخذ القرآن الكريم وتبدأ في إخراج الآيات التي تتحدث عن الديانات المختلفة ستجد أن هناك أمراً غريباً! لو أخذت مثلاً اليهود، النصارى، المجوس، الوثنية، الصابئة، ثم أخذت كل ديانة ووضعت تحتها الآيات التي تتعلق بها بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، ثم جئت في النهاية إلى عمل إحصائية، فاليهود عددهم الآن عشرون مليوناً، والنصارى ملياران، فالآيات التي تتحدث عن النصارى تتناسب مع عددهم، لكن سترى هناك مفارقة عجيبة، فاليهود على قلتهم إلا أن الآيات التي تتحدث عنهم كثيرة جداً، وغير متخيل عددها بالنسبة للآيات التي تتحدث عن النصارى، ما هو السبب؟ السبب هو عنوان هذه المحاضرة. السبب: أن الله جعل اليهود هم عدونا الدائم إلى قبيل قيام الساعة. ولذلك تجد أن الصراع بين الأمة المسلمة واليهود متواصل مستمر منذ بعثته ﵊ إلى نزول عيسى بن مريم في آخر الزمان، ولم ينقطع لحظة، ولم يتوقف دقيقة بأي صورة من الصور. إذاً: هم العدو الدائم والمستمر. فجميع الأعداء يكون هناك شد وجذب وتوقف معهم إلا اليهود؛ لأن العدو الدائم يبقى على عداوته، لكن العدو المتقطع قد يرجع إليك فيعرف أن الحق معك فينضم إليك، فكم من نصراني أسلم؟ وكم من يهودي أسلم؟ لا تستطيع أن تقارن. تجد أن النصارى يسلمون بالملايين، لكن اليهود ليسوا كذلك؛ فلكون العداوة دائمة هنا ركز القرآن عليهم وحذر منهم ونتيجة لذلك فمنذ هاجر المصطفى ﵊ إلى المدينة وإذا به يكبّل اليهود بالعهود وبالمواثيق فعقد عهداً مع بني قريظة، وعهداً مع بني قينقاع، وعهداً مع بني النضير؛ حتى لا يخونوا؛ لأن من طبعهم الخيانة، فالذين قتلوا الأنبياء وكذّبوهم وسخروا منهم واستهزئوا بهم ليس هناك أي رادع ومانع من أن ينقلبوا على رجل ليس منهم بل هو من قبيلة مختلفة عنهم. ولو نظرنا مثلاً إلى نقضهم لعهودهم: فبنو قينقاع نقضوا العهد، حيث ذهبت امرأة مسلمة متحجبة إلى صائغ في سوق بني قينقاع، فقال لها الصائغ: اكشفي عن وجهك، فرفضت، فأصر عليها أن تكشف ليرى وجهها فرفضت، فأشار إلى رجل آخر فقام الرجل من ورائها وهي جالسة فعقد طرف ردائها، أو ربما عباءتها في أعلاها، فعندما قامت انكشفت؛ لأن الثوب ارتفع فضحكوا عليها، فقام مسلم كان في السوق بعد أن صرخت وا إسلاماه وقتل اليهودي الفاعل، فقام اليهود وقتلوا المسلم، فعند ذلك نُقض العهد، وطُرد هؤلاء القوم. بنو النضير كان هناك عهد وميثاق بينهم وبين المصطفى ﷺ ، وهو أن يكون هناك تعاون في دفع الديات، يعني: لو قُتل رجل معين قتله اليهود خطأً فالرسول يشاركهم في الدية، ولو قتل المسلمون رجلاً من نفس القبيلة خطأً فاليهود يشاركونهم في الدية، فعندما قتل عمرو بن أمية الضمري رجلاً من بني عامر ممن يدخل في هذا الحلف وهذا التعاهد ذهب الرسول لبني النضير وطلب منهم المشاركة في دفع الدية، فقالوا هذا أفضل وقت لقتل الرسول ﷺ ، من يقوم على هذا الحصن ويُلقي رحى على هذا الرجل -أي: الرسول ﷺ وهو جالس؟ فقام عمرو بن جحاف النضري وحاول أن يفعلها، ولكن الله فضحه، فكان نقضاً للعهد والميثاق، فدمِّرت ديارهم وأجلاهم المصطفى ﵊. وبنو قريظة خانوا العهد والميثاق وأعانوا المشركين فكانت النتيجة قتل سبعمائة رجل منهم صبراً في الأخاديد، ولذلك فاليهود الآن عندما يأخذهم الحماس يصيحون منادين بثارات بني قريظة، يريدون أن يثأروا لهؤلاء الذين قتلوا. وأحب أن أشير إلى نقطة أخيرة في هذا المقام فقط من مواقفهم: والآن في هذا الزمان الحرب قائمة بين المسلمين في مناطق متعددة وبين الأعداء، فمثلاً: في الشيشان هناك حرب قوية، ومتجددة وفيها أخبار سارة بشكل دائم ومستمر، طبعاً الحرب بيننا وبين الروس، وبين النصارى الأرثوذكس، لكن الذي يخفى هنا أن كثيراً من الغنائم التي يحصل عليها المجاهدون ويفحصونها يجدون فيها أسلحة إسرائيلية يهودية معونة من اليهود لدولة عظمى؛ لأن ملة الكفر واحدة، في أندونيسيا على بعدها لوحظ أن الذين يقاتلون المسلمين من المنظمات النصرانية يقاتلونهم بأسلحة يهودية. إذاً: فهم عدو دائم؛ ولذلك عندما نقول: العدو الدائم، نقصد بذلك العدو المستمر الذي لم تنقطع عداوته أبداً، طبعاً إذا قلنا: العدو الدائم، لا يذهب ذهنك إلى العداوة الحربية العسكرية، فهذه دائرة من الدوائر، لكن هناك دوائر أخرى، هناك الدائرة الإعلامية، هناك الدائرة الاقتصادية، هناك الدائرة السياسية، فالإعلام يتحكم فيه هؤلاء، وكالات الأنباء يتحكم فيها هؤلاء، العديد والعديد من المحطات الفضائية الضخمة يتحكم فيها هؤلاء، الآلة الإعلامية الضخمة في أمريكا وأوروبا يتحكم فيها هؤلاء، البنوك الاقتصادية الضخمة يتحكم فيها هؤلاء. إذاً: تجد أن عداوتهم المستمرة الدائمة شاملة لكثير من المسائل، فإن حذرنا منهم فإن أثرهم لن ينطلي علينا، ولكن نحن -وللأسف الشديد- كالنعام إن صح وصف النعام بأنها تدس رأسها في التراب؛ وهذا كما يقال غير صحيح، لكن على اعتبار أنه صحيح فإننا كالنعام فعلاً ندس دوماً رءوسنا في التراب، وينطلي علينا خداع هؤلاء، وبالتالي نجد أننا كثرة ولكننا كغثاء السيل، فنحن نعيش -وللأسف الشديد- في مرحلة الغثائية في هذا الزمان.

стр. 181

حقائق ووثائق

стр. 182

الوثيقة الأولى عن مقاتلة اليهود للمسلمين ننتقل إلى الوقفات التي أستطيع أن أسميها حقائق أو وثائق: أما الحقيقة الأولى، أو الوثيقة الأولى فسأذكرها، ثم سأخرج منها الدروس والعبر، هذه الدروس والعبر قد تتباين فيها وجهات النظر، فالحقائق والاستنتاجات كل يستنتج بحسب ما يعلم، وبحسب ما يعرف. أما الحقيقة الأولى أو الوثيقة الأولى فتقول: يقول المصطفى ﷺ : (تقاتلون اليهود -وفي رواية: الكفار، وفي رواية: المشركين- أنتم شرقي نهر الأردن وهم غربيه، حتى إن الشجر والحجر ليقول: يا مسلم! خلفي يهودي تعال فاقتله، إلا الغرقد فإنه من شجر يهود)، والكل يسمع بهذا الحديث، لكن وللأسف الشديد نحن أمة لا تقرأ، وإذا قرأنا لا نفهم، وإذا فهمنا لا نحلل هذه المقولة ليست مني وللأسف الشديد، وتمنيت أنها مني فعلاً، لكن الذي قالها رجل عبقري، على الرغم من أنه عدو إلا أنه عبقري، إنه موشي ديان، وكان رئيساً لوزارة الحرب عام (١٩٦٧م) وهو الذي قاد الجيوش التي احتلت القدس الشرقية والجولان والضفة وسيناء هذا الرجل يتميز بأنه عربي مجيد للغة العربية، بل وأديب، بل -وللأسف- وشاعر، هذا الرجل هو الذي قال هذا الكلام. قال: لأنني عندما دخلت هذه المناطق كانت الصحف الإسرائيلية قبل شهر تقريباً من المعركة تتحدث عن المعركة كأنها تقع في هذه اللحظة ومع ذلك لم يستفد منها العرب في أي صورة من الصور. نرجع إلى كلامنا هذا فنقول هذا الحديث يقول: (تقاتلون اليهود) يخاطب الرسول ﷺ المسلمين فلا يصح أن نضع إلى جانب هذا الكلام كلمة السلام الدائم، ومعنى كلمة السلام الدائم: المستمر المتواصل الغير منقطع أبداً، فلا يوجد سلام دائم، ممكن أن يكون هناك سلام مؤقتاً وليس دائماً. هذا يجرنا إلى جزئية ليست من الحديث: عندما يكون العرب وبعض من يمثل السياسية العربية يقول: السلام العادل، يقولون: السلام العادل هو بأن ترجع إسرائيل إلى حدود عام (١٩٦٧م)، بمعنى أنها تنسحب من الضفة ومن غزة ومن الجولان، وتنسحب من المسجد الأقصى ومسجد الصخرة، وترجع إلى منطقتها التي كانت تعيش فيها عام (١٩٦٧م)، معنى هذا: إقرار بأننا سلّمناهم منطقة من العالم الإسلامي، وكأننا نسمع يافا تقول: وا إسلاماه، ونسمع عكا تصيح وتقول: وا إسلاماه، ونسمع عسقلان تصيح وتقول لنا: وا إسلاماه، وهكذا حيفا وغيرها تصيح وتبكي وتقول: وا إسلاماه! فنحن رضينا بذلك؛ لأننا عندما نقول: انسحاب كأننا نوقع على التسيلم الكلي؛ وهذا أمر ينبغي أن ينتبه له. الاستنتاج الثاني من الحقيقة الأولى: على مجلس الوزراء أو ما يسمى الكنيست الإسرائيلي لوحة مرسوم عليها خريطة، هذه الخريطة تقول: دولة إسرائيل من الفرات إلى النيل، والحديث يقول: (تقاتلون اليهود أنتم شرقي نهر الأردن وهم غربيه) يعني: في الضفة الغربية، معنى هذا أن إسرائيل لن تتجاوز منطقة الضفة الغربية، ولن تتجاوز الأردن وسوريا، والعراق، وتذهب إلى سيناء مرة ثانية، ثم تحتل جزءاً كبيراً من مصر؛ قد يحصل تطور لليهود ودخول هذه المناطق لكن لن يستمر، ولو حصل سيرجعون إلى مكانهم الذي حدده الحديث، ولكن الواقع الحالي يدل على أنهم لن يتمكنوا من مضاعفة مساحة بلدهم أكثر مما هي عليه الآن. الحديث يقول: (تقاتلون اليهود أنتم شرقي نهر الأردن وهم غربيه) أي: في الضفة الغربية لنهر الأردن، والضفة الغربية الآن تشكل دولة الحكم الذاتي الفلسطيني. والفلسطينيون العرب عموماً يطالبون بإقامة دولة تتمتع بحكم ذاتي في فلسطين لمدة معينة من الزمن، ثم بعد ذلك ينتقل الأمر إلى دولة تتمتع باستقلال كلي دائم، وهذا الحديث يعارض ذلك، فالجيش اليهودي سيكون في الضفة، والدولة إن وجدت فهي دولة هشة، وسرعان ما يكتسحها الجيش ليستعد لمجابهة المسلمين في نهر الأردن، أو بجانب نهر الأردن. وقفة أخرى يقول في آخر الحديث: (حتى إن الشجر والحجر يقول: يا مسلم! خلفي يهودي تعال فاقتله) هذا يدل على جبن اليهود، وخوفهم، ورعبهم، فهم يختفون خلف الأشجار والأحجار يخافون من الموت (إلا الغرقد) ولذلك تجد أشجار الغرقد كثيرة جداً في إسرائيل الآن، وهذه سنشير إليها في حقيقة أخرى.

стр. 183

الوثيقة الثانية عن حرص اليهود على الحياة الوثيقة الثانية: يقول الله : ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ﴾ [البقرة:٩٦]. الله قال عن هؤلاء: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ﴾ [البقرة:٩٦] جُعلت (حياة) نكرة للدلالة على أي حياة، فأهم شيء أن يبقى اليهودي حياً؛ لأنها لو عُرِّفت وكانت أحرص الناس على الحياة، لكان المعنى: الحياة الكريمة، الحياة العزيزة، الحياة المتميزة، لكنهم يريدون أي حياة، ويدل على ذلك بقية الآية ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [البقرة:٩٦] لماذا؟ لأن اليهودي كما أشرنا قبل لا يؤمن بالآخرة، ولا يؤمن بالجنة، ولا يؤمن بالنار، لا يؤمن بالحساب والعقاب، لا يؤمن إلا بالحياة الدنيوية الحسية الجسدية، فلا يوجد شيء اسمه روح عندهم، وبالتالي يتمسكون بالحياة تمسكاً شديداً، هذه الحقيقة وللأسف الشديد غفلنا عنها. وقضية الغفلة عن هذه الحقيقة تتمثل في الصورة التالية: عندما قتل يحيى عياش وكان من مناضلي منظمة حماس، وكان رجلاً فاضلاً مشهوداً له بالخير، عندما قتل هذا الرجل ﵀ ورضي عنه قام أربعة من أتباعه وأصحابه للثأر له، وقاموا بأربعة تفجيرات، هذه التفجيرات نتج عنها مقتل قرابة خمسين يهودياً وجرح قرابة أربعمائة قد يزيدون أو ينقصون قليلاً، وهذا تحدثت عنه الصحف كثيراً، لكن الأمر الذي لم تتحدث عنه الصحف إلا قليلاً وبنسبة يسيرة، بل ولم يشر إلى ذلك إلا بعض صحف اليهود، إنه أمر يتحقق فيها قاعدة أو وثيقة أو حقيقة: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ﴾ [البقرة:٩٦] (٢٢٠٠٠ يهودي) قاموا بهجرة معاكسة من إسرائيل إلى خارجها، إلى أوروبا وأمريكا؛ خوفاً ورعباً، فأربعة تفجيرات هجّرت (٢٢٠٠٠)، فماذا لو كانت أربعين؟ ماذا لو كان أربعمائة تفجير يقوم به أربعمائة استشهادي؟ ماذا ستكون النتيجة؟ إذاً: تبقى قضية ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ﴾ [البقرة:٩٦] حقيقة غير مفقوهة بالنسبة لنا، وغير واضحة بالنسبة لنا بالرغم من أنها ظاهرة المعالم، إلا أننا لا نستنتج الدروس ولا نأخذ العبر

стр. 184

الوثيقة الثالثة عن خوف اليهود وجبنهم هذه الحقيقة تجرنا إلى حقيقة أخرى تقول عن هؤلاء القوم: ﴿لا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ﴾ [الحشر:١٤] فالآن أنتم ترون الأخبار وتشاهدونها، فالطفل الفلسطيني الصغير يرمي بالصخرة والإسرائيلي لديه رشاش ومختف في دبابة، أو في مجنزرة، أو في مدرعة، أو في طائرة هيلوكبتر. إذاً: ﴿لا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ﴾ [الحشر:١٤] هذا في الزمان السابق، والقرى المحصنة والجدر في هذا الزمان هي الدبابة، والمجنزرة، والطائرة؛ لأنهم جبناء يخافون الموت، ويخافون أن يهلكوا، ولذلك عندما قتل أحد اليهود قبل أسبوعين تقريباً صورت وكالات الأنباء مجموعة من الجند؛ ونشرت هذه الصورة مجلة الأسرة في الغلاف الداخلي؛ هذه الصور لمجموعة من الجند يبكون، فترى الدموع تسيل على خدودهم لأن أحدهم قد قُتل، فيعلق المعلق هنا ويذكر قوله تعالى: ﴿إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ﴾ [النساء:١٠٤]. إذاً: هؤلاء يخافون؛ لأنهم رأوا أن صاحبهم هذا فقد كل أمل في الحياة؛ لأنه بعد الممات لا يوجد شيء عندهم، فقد انتهت حياته، ولذلك تجدهم يحرصون كل الحرص على أن لا يجابهوا مجابهة صريحة، ولذلك أكبر ما يرعبهم ويخيفهم هي قضية العمليات الاستشهادية.

стр. 185

الوثيقة الرابعة عن إفسادات بني إسرائيل الحقيقة التي تليها: يقول الله : ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا * فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا * ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا * إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾ [الإسراء:٤ - ٧]. هذه الحقائق وهذه الوثائق الإلهية العظيمة العجيبة فيها من الدروس ما لا يحصيه من يتتبعها، ومن ينظر فيها، ومن يدقق في محتواها؛ الله كتب على هؤلاء القوم أن لهم الظهور مرتين فقط: أما المرة الأولى فقد ظهروا في عام ٤٠٠ بعد البعثة الموسوية، فظهروا وتجبروا وطغوا وفسقوا، وأفسدوا، وقتلوا الأنبياء، وكانت النتيجة أن سلط الله عليهم الغزو البابلي الأشوري بقيادة بختنصر، فجاس خلال الديار ودمر كل شيء، ولم يبق حجراً على حجر، كما قال تعالى: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ﴾ [البقرة:٢٥٩] هذا هو نبي الله أرميا. هذا الرجل أرميا مر على بيت المقدس وهو مدمّر، لأن بختنصر لم يبق في دولة اليهود أحداً أبداً، وأخذ معه قرابة نصف مليون أسير إلى العراق، ولا زالت بقاياهم إلى الآن في العراق، أخذ معه كل المقدرات الاقتصادية، ولم يبق في البلد شيئاً، ومن لم يأخذه قتله، ومن لم يقتله أبقاه لأنه كبير في السن، ثم لم تقم لليهود قائمة، ولاحظوا نقطة مهمة، وهذه نظرية تفسيرية لبعض علماء الملل مع أن بعض العلماء يخالف في ذلك؛ وأنا أذكر هذا لقناعتي به. يقول هذا العالم: ولم تقم لليهود بعد هذه الدولة التي فسدت وفسقت قائمة، وقد حاولوا إقامة الدولة في بداية سيطرة الدولة اليونانية فلم يستطيعوا، وحاولوا في بداية سيطرة الدولة الرومانية فلم يستطيعوا، قد تقوم لهم دولة لكنها صغيرة في حكم ذاتي قليلة العدد، أما أن يقوموا قومة كاملة فلم يظهر لهم كيان إلا عام (١٩٤٨م) يعني: قبل اثنين وخمسين سنة. يقول الله : ﴿ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ﴾ [الإسراء:٦]، أي: ((ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ)) أيها اليهود! ((الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ)): الضمير يعود على العراقيين، والعراقيون قد ذهبوا، فلهذا قال هذا العالم أي: على المسلمين، فلماذا لم تذكر الآية المسلمين: ثم رددنا لكم الكرة على المسلمين؟ يقول هذا العالم: إن ظهور دولة اليهود عام (١٩٤٨م) كان والإسلام في أقل حالاته، كانت القومية العربية، كانت الاشتراكية، كانت الشيوعية، كانت الحداثة، كانت الإباحية، كان لها صولة وجولة، أما الإسلام فكان موسوماً بالرجعية والتخلف؛ ولذلك يكون الضمير في بعض الأحيان للتحقير، ففرق بين قولك: جئت أنا وأبو محمد، هذا رفع من الشأن، لكن قولك: جئت أنا وهذا! فيها تحقير، فهنا الضمير يكون للتحقير؛ فقوله تعالى: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ﴾ [الإسراء:٦] لأن المسلمين في عام (١٩٤٨م) كانوا لا يهتمون بشيء اسمه تدين، أو رجعة إلى الحق أو غير ذلك. . ﴿وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ﴾ [الإسراء:٦] المدد يأتي دوماً من الخارج إلى الداخل، فالله أمد اليهود ويمدهم بأموال من روسيا، وأمريكا، وكندا، وألمانيا، والنمسا، ومن البنوك ومن تجار اليهود، وليس بمال بل بأموال متنوعة مختلفة. ﴿وَبَنِينَ﴾ [الإسراء:٦] قبل أيام أُعلن في الأخبار أن (١٣٠٠٠) مستوطن جدد جاءوا إلى إسرائيل، بالرغم من أن المستوطنين يعلمون أن هناك حرباً ضروساً وقوية إلا أنهم جاءوا للمساهمة في هذه الحرب، وهؤلاء هم البنون. ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا﴾ [الإسراء:٦] وأنا لن أجيب على هذا التساؤل؛ لأنه سياسي حساس، لكن سأضع خطوطاً صغيرة، وهناك خط أحمر لن أتجاوزه. كم عدد جيوش العالم الإسلامي، ودباباتهم، وطائراتهم، ومدافعهم، وصواريخهم، في مقابل جيش اليهود؟ لو أن العالم الإسلامي كما يذكر أحد العلماء -من باب الطرافة- جمع علب البيبسي التي هي صنعة يهودية لمدة عام كامل ورمى بها دولة إسرائيل لأغرقها بهذه العلب، ومات أهلها اختناقاً. إذاً: هناك قدرات وقوة عند المسلمين لكنها معطلة، فهم غثاء كغثاء السيل. فاليهود الآن يسيطرون على مقدرات كثير من العالم الإسلامي، بل ويسيطرون على قيادات. ثم يقول الله : ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ﴾ [الإسراء:٧] نهاية المطاف بالنسبة لهؤلاء القوم ﴿لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ﴾ [الإسراء:٧] الآن اليهود يخططون لهدم المسجد الأقصى. لكي يقيموا عليه المعبد الذي يسمى بهيكل سليمان، وقد جهزوا مخططات لهذا الهيكل وأعدوها، وأعدوا كل شيء حتى المحراب، وحتى الثريات واللمبات، والأدوات والأجهزة وغير ذلك. ولكن الآية تقول لنا: ﴿وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ﴾ [الإسراء:٧] فهذا فيه معنى، ولعل هذا المعنى يدلنا على أن اليهود لن يستطيعوا هدم المسجد الأقصى، وبالتالي سيبقى هذا المسجد إلى أن يدخله أهل الإسلام؛ وهذا يجرنا إلى نقطة مهمة كثيراً ما يغفل الناس عنها، وهي أن اليهود يلبسون على المسلمين في الخلط بين المسجد الأقصى وقبة الصخرة، فيجعلون قبة الصخرة هي المسجد الأقصى، والمسجد الأقصى يغفل الذكر عنه، وهذا الأمر ينبغي أن ننتبه له ونلحظه، فانتبهوا لهذا، وفرقوا بين المسجد وبين قبة الصخرة.

стр. 186

قصيدة سنفديك أقصانا وأختم هذا اللقاء بقصيدة جميلة حول هذه القضايا المتعلقة باليهود بعنوان (سنفديك أقصانا) يقول فيها كاتبها: بأي لسان سوف يسعفني الشعر ودمع المآقي صار من طوله بحر تناولت بحر الشعر من بحر أدمعي وصدق بحور الدمع يحكي به الدهر وبعد فإسرائيل طال فسادها مواثيقها نقض وغاياتها مكر وسلمهم المزعوم نصب وخدعة وتوقيعهم للعهد يعقبه الغدر وقومي ينادون السلام وما دروا بأن معاداة اليهود هي النصر أيرجى من القوم اللئام سلامة وتاريخهم كالليل أسود مغبرُّ أساساتهم نقض العهود ألم تروا خيانتهم موسى الكليم فقد خروا سجوداً لعجل ألهوه بزعمهم فتعساً لكم بئس الخيانة والكفر ومن بعده خير العباد نبينا أرادوا به شراً بإلقائهم فخر فجاء خطاب الرب ﷻ نذيراً لخير الناس إذ رابه الأمر جلاهم نبي الله لله فعله وهل غير أمر المصطفى للورى أمر؟ ومن بعده والقوم تلك صفاتهم إلى يومنا هذا وطبعهم الشر بل اليوم زاد الشر والسفح والبلا بمقدم صهيون إلى القدس بل قروا يدنس قدس الله مسرى نبينا وقبلته الأولى بمن حالهم نكر سنفديك أقصانا بكل دمائنا وهل فوقها تفدى به القبلة البكر ويمضي دعاة الظلم وفق قرارهم يبيدون شعباً أعزلاً ملؤه الفقر بلا رحمة يرمون طفلاً ممهداً وأماً عجوزاً هدها الفقر والذعر وبنت حصان لم تذق طعم ريبة تُقاد ليستولي كرامتها القذر وذاك غلام خارج لجهادهم بقناصة يُرمى وفي يده الصخر وذاك الفتى المقدام يُقتل بغتة أمام الأب المفجوع ذاكم هو الدّرُ فضحت أيا طفل المعالي نظامهم وتعتيمهم للوضع فليخسأ الكفر ومن بعده تأتي الصبية سارة تنادي أنا لم أحمل الصخر لا أجرو فعمري صغير لم يجاوز رضاعتي ولكن رماني دونما رحمة قذر ومع كل ذا يأتي زعيم مغرر يقول بأن الحل للسلم ينجّرُ وهذا وربي! ليس إلا خديعة وخوف وإرجاف وذعر ولا فخر ووالله! إن الحل والله! واضح وضوحاً كما يبدو لناظره البدر هو الحل في الأنفال في التوبة التي تقول بأن الحل آخره النصر فبدر وحطين وخيبر لم تزل تنادي علاج الذل ما قاده الغر جهاد لأهل الكفر يخزي جموعهم ونصر لأهل الحق يُشفى به الصدر جهاد لأجل الله والله شاهد عليكم ورأس المال فيه هو الصبر فهبوا بعون الله وادعوا إلهكم بأن تُرفع الرايات كي يُرفع الضر وصلوا على الهادي المجاهد أحمد وأصحابه الأبطال ما هطل القطر والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل، والله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا ورسولنا وحبيبنا ونور قلوبنا محمد صلى الله عليه، وعلى آله، وعلى من سار على نهجه واقتفى أثره إلى يوم الدين

стр. 187

عقيدة السيخ الديانة السيخية من الديانات الموجودة على ظهر الأرض، وقد نشأت في باكستان ثم الهند، وهذه الديانة عبارة عن مجموعة أفكار أخذت من الديانة الإسلامية والهندوسية. وعقائد هذه الديانة تخالف عقيدة المسلمين وعقيدة الهندوس، ولهم طقوس وعادات وتقاليد خاصة بهم، ويعتبرون من ألد أعداء المسلمين.

стр. 188

لمحة عن الديانة السيخية الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين. وبعد: سيكون الكلام في هذا اللقاء بمشيئة الله عن ديانة جديدة لم تخرج على ظهر هذه الأرض إلا قبل فترة ليست بالبعيدة بالنسبة للديانات المعروفة، فهذه الديانة لم تظهر إلا قبل أربعمائة وخمسين أو خمسمائة سنة، وليست كالديانات التي عرفت واشتهرت مثل الإسلام والهندوسية واليهودية والنصرانية والبوذية وغيرها من الديانات التي ظهرت قبل سنين طوال تتجاوز الألف. وسنتطرق في درسنا لهذه الديانة إلى جملة قضايا، فسنعرض أولاً لنشأة هذه العقيدة، ولقضايا مرتبطة بأبرز أئمة هذه العقيدة، ثم بعد ذلك عرض لمجمل العقائد، ثم تركيز على الكافات الخمس، ثم بعد ذلك عرض لمواقف السيخ من الاستعمار، ثم من المسلمين، ومن الهندوس، وحال السيخ كذلك في الخليج وغير ذلك من القضايا الفرعية التي سنطرقها أثناء هذا الدرس. ولا بد أن يؤخذ في الاعتبار نقطة هامة وهي قلة المراجع حول هذه القضية، فلا تكاد تجد مرجعاً وافياً مستوفياً لعقيدة السيخ إلا بعض المراجع المكتوبة باللغة الإنجليزية والتي لم تترجم بعد، وأما المراجع العربية فلا أقول: إنها قليلة، بل شبه معدومة، فليست موجودة كمراجع، وإنما هناك كتابات يسيرة جداً موجودة في بعض الكتب ولا يعول عليها كثيراً باعتبار أنها عبارة عن تركيز فقط لبعض المسائل والقضايا، كما هو موجود في موسوعة الندوة العالمية، وهناك كتيب كتبه محمد السوداني بعنوان: السيخ أو العدو الخفي، وهناك كذلك كتابات كتبت في بعض المجلات كمجلة المجتمع، ومجلة الاعتصام والدعوة المصريتين. وهناك كتابات متناثرة داخل دراسات مرتبطة بديانات الهند بشكل موجز جداً وليس بشكل بين، مع أن هناك مجموعة من المؤلفين تحدثوا عن ديانات مشهورة في الهند إلا أنهم لم يتطرقوا للسيخ، بل تطرقوا إلى ديانات أقل من ديانة السيخ من ناحية الديانة أو كثرة العدد كمثل المؤلف أحمد شلبي في كتابه (مقارنة الأديان) في الجزء الرابع منه عندما تحدث عن أديان الهند الكبرى كالهندوسية والبوذية والجينية، ولم يعرض للسيخية بالرغم من أن السيخ يتفوقون كثيراً على الديانة الجينية من ناحية القوة أو العدد أو الانتشار أو الغنى أو غير ذلك، لكن يبدو -والله أعلم- أن لقلة المراجع التي بيد هذا الرجل جعلته يصرف النظر عن الكتابة عنهم. فهذه المعلومات التي لدي معلومات حقيقية جمعتها من مصادر متعددة وتعبت فيها؛ لأن المراجع قليلة، فكان هناك بعض الإحالات لبعض الرسائل الجامعية التي في الكلية، وهناك بعض اللمحات في بعض الكتب وهي لمحات متناثرة، فلعلها أن تعطي لا أقول معلومات وافية مفصلة عن هذه الديانة، وإنما تعطيك أيها الأخ المبارك قاعدة لدراسة هذه الديانة التي تعتبر من الديانات المعادية عداء كفرياً للإسلام، بل لديهم قاعدة مشهورة ومعروفة توافقوا عليها تقول: إنه لكي يدخل السيخي الجنة لا بد له أن يقتل مسلماً، وهذه القاعدة موجودة في مجمل العقائد التي يطبقها السيخ في كتبهم، وبالتالي فدراسة هذه العقيدة تعتبر ملزمة بالنسبة للشاب الواعي الذي يريد أن يعرف أعداءه ويعرف الذين يحيطون به. وأذكر من طرائف القوم: أن سيخياً كان موجوداً في القصيم في مدينة بريدة، وعندما جاء إلى هذه المدينة كان ذا شنب طويل جداً وبشكل غريب ومخيف، وأول يوم وصل فيه إلى هذه المدينة المباركة إذا بالهيئة يقبضون عليه، ويطلبون منه حلق أو تقصير هذا الشنب، فرفض باعتبار أن هذا من العقيدة التي يؤمنون بها كما سنعرف بعد قليل، فرفض، فحلق إجباراً بالقوة، فخرج من مقر الحلاق الذي يقع في جوار الهيئة وهو يصيح ويبكي أشد البكاء؛ لأنه قد ارتكب جرماً ليس باليسير، ثم طلب أن يرجع إلى بلاده مباشرة ولا يبقى في هذا البلد، فعاد ولم يبق في القصيم إلا فترة يسيرة من الزمن. وكذلك حادثة أخرى حصلت لرجل كان تاركاً لشعره، وكان شعره طويلاً جداً؛ لأن في عقيدتهم ترك الشعر كما هو عليه، فلا يمس بأي موس أو مقص أو غير ذلك، فكان شعره طويلاً يكاد يصل إلى منتصف صدره، وكان أمراً ملاحظاً، فرجال الهيئة يعرفون هؤلاء بسيماهم فأخذ وطلب منه أن يحلق شعره وإلا سيرحل، فاختار الترحيل على أن يحلق شعره، فرحل إلى بلاده؛ لأنه يرى أن هذا فيه إهانة لدينه وإهانة لمعتقده.

стр. 189

كيفية نشأة الديانة السيخية وذكر أهم زعمائها الكلام في هذه الديانة يكون من عدة جوانب: الجانب الأول: نشأة هذه العقيدة. العقيدة السيخية نشأت من قبل شخص معروف يسمى ناناك، وهذا الرجل ولد في سنة ١٤٦٩م في مدينة فلوندي في باكستان بقرب لاهور، وقد أمضى حياته في وقت الملك المغولي لبلاد الهند، حيث كانت باكستان الشرقية وبنجلادش وكشمير والهند دولة واحدة تحكم من قبل الحكام المغول، فلم يكن هناك تقسيم. فولد هذا الرجل في هذه المنطقة التي هي فلوندي في عهد الملك المغولي بهلول اللودي، وكان هذا الملك ليس بمشهور لكنه معروف في سجلات التاريخ. وهذا الرجل الذي هو ناناك كان هندوسياً، وكلمة هندوس جمع هندوكي، فكلمة هندوكي مفرد، وإذا جمعت باللغة الإنجليزية أضيف إليها حرف ( S) فصار المعنى هندوسي، لكن جرت على ألسنة الناس على أن هندوس اسم علم لهم، مع أن الاسم هنا هو الجمع الإنجليزي لكلمة هندو أو هندوكي، فلا بد أن يلاحظ هذا الشيء. وكان ناناك هذا من طبقة الكاشتر وهي الطبقة الثانية عند الهندوسيين، فالهندوس يقسمون أنفسهم إلى أربع طبقات: الطبقة الأولى: البراهمة، وهم حملة الكتاب المقدس، وهم في أعلى الدرجات، ويمتلكون كل ما يمتلك من ناحية المادة أو من النواحي المعنوية وغيرها. الطبقة الثانية: طبقة المحاربين وهم الكاشتر، وكان ناناك من هذه طبقة الكاشتر، ويقال: إنه يرجع إلى العنصر الآري الذي جاء إلى الهند غازياً قبل مئات السنين. كان ناناك هذا محباً بشكل بين للعزلة والانعزال منذ صغره، وهذا أمر يلاحظ في الأطفال كثيراً فتجد بعض الأطفال يشتهر عندهم محبة العزلة وعدم الارتباط بالآخرين، فتجده يلعب لوحده ويجلس لوحده وغير ذلك وهذا هو المشاهد، ومن عنده أطفال قد يشاهد هذا في بعض أطفاله، فكان ناناك مشهوراً بحب العزلة منذ صغره وكان ذكياً، فعندما أدخل المدرسة انكب على الدروس انكباباً عجيباً؛ لطرد هذه العزلة التي كان يعيشها، وليس لطرد العزلة ذاتها ولكن لأنه يحس بفراغ، فأراد أن يعوضه عن طريق الانكباب على الدرس مع عدم الارتباط بالآخرين، فاستطاع أن يجيد عدة لغات، فاستطاع أن يجيد اللغة الأوردية، والفارسية، بالإضافة إلى لغته الأم والسنسكريتية. وبعد أن كبر قليلاً وتخرج من المدرسة عمل محاسباً لرجل أعمال أفغاني مشهور ومعروف بثرائه كان يعيش في منطقة باكستان يدعى سلطان بور، وكان يسكن بجوار أسرة مسلمة، وكانت هذه الأسرة تعمل في خدمة هذا الرجل الأفغاني، فكان يراهم يصلون ويتعبدون ويطوفون بالقبور وبالأضرحة فعرف عن طريق هذه الأسرة الإسلام، أي: الإسلام المحرف لا الإسلام السليم، فتعرف على الإسلام بهذه الكيفية، ثم بعد ذلك فكر في ديانته التي يؤمن بها، وفكر كذلك في ديانة هذه الأسرة التي احتك بها، فأراد بعد ذلك أن يدرس الأديان، ونظراً لأنه شاب ذكي ولديه ذكاء وفهم واستيعاب فقد بدأ في جمع مجموعات من المؤلفات والكتب حول الأديان، فدرس الديانة الإسلامية والهندوسية واليهودية وغيرها ليرى ما هو الصواب، وأثناء دراسته لهذه الأديان كانت المسألة لديه تعتبر عادية، لكن ظهر في حياته شخص كان له دور كبير جداً في إبرازه وبروزه، هذا الشخص كان رجلاً هندياً يدعى السيد حسين درويش، وكان رجلاً هندياً صوفياً مسلماً، يعني: كان مسلماً اسماً، وأما سلوكه فليس من الإسلام، وإنما كان من صوفية الهند، فتعرف عليه عن طريق هذه الأسرة المسلمة، فالتزمه ولازمه باستمرار، وكان السيد درويش يؤمن إيماناً قطعياً بوحدة الأديان أو بمعنى أخص بوحدة الوجود، ويؤمن بالحلول والتناسخ، ويعد من غلاة الصوفية، ويرى أن أي عبادة تصدر من أي فرد كان فإن هذه العبادة تعد عبادة سليمة إذا كانت موجهة إلى الله ، وأما مصدر التوجه من أين هو من فلان أو فلان فهذا لا يهم، فأهم شيء في هذه القضية أن تكون عبادة سليمة وموجهة إلى الله، فعند ذلك تقبل هذه العبادة، ولذلك كان يقول لـ ناناك: إن ديانة الهندوسية صحيحة، وإن ديني صحيح، وإن دين هذه الأسرة صحيح، وإن كل هذه الأديان صحيحة وبالتالي لا خلاف في ذلك، وأما الخلافات الموجودة الآن فهي خلافات شكلية إلى آخر ذلك. فأثر فيه هذا الفكر أيما تأثير، وبالتالي بدأ يفكر في مشروع توحيد الأديان، فهو لا يرى أمامه في الهند إلا دينين اثنين الهندوسية والإسلام، ويرى بينهما من الانقسام والتنافس والاختلاف في العقائد الشيء الكثير جداًن فبدأ يفكر في مسألة توحيد الأديان، ففكر في أن يقوم أولاً بجولة كاملة لجميع المناطق المقدسة في العالمين الإسلامي والهندوسي، فشد الرحال إلى مكة ومكث في مكة فترة من الزمن، ومكة آنذاك كان فيها من البدعيات والشركيات الشيء الكثير، ولم تزل إلا قبل فترة ليست بالبعيدة، كالقباب التي على القبور، والطواف حول الأضرحة وغير ذلك، وكما هو معروف فإن مقبرة المعلا في مكة كانت معروفة بكثرة قبابها، وكذلك البقيع في المدينة، ففي كتاب (رحلة الحرمين) لـ إبراهيم رفعت باشا، وهذا الرجل كان زعيماً في المحمل المصري، وكانت هذه الرحلات قد قامت من مصر في الأعوام من (١٣١٤هـ) تقريباً إلى (١٣٢٢هـ) أو (١٣٢٣هـ) أو قريباً من هذا التاريخ، فهذا الرجل كان محاسباً في المحمل وبالتالي فإنه كان رجلاً مؤرخاً وكاتباً، فكان يصور كل ما يراه ويتحدث عنه بدقة دقيقة جداً، حتى إنه كان يكتب في كتاباته الأشياء التي صرفها أو قيمتها، فمثلاً: كتب عن بعض الأشياء أنه في تاريخ كذا كان سعره في مكة كذا وكذا. وموضع الشاهد: أنه أرفق في هذا الكتاب عدداً كبيراً من صور القباب المقامة على القبور، فهذه قبة حمزة، وهذه قبة خديجة، وهذه قبة عثمان إلى آخر ذلك. فـ ناناك زار مكة، ثم زار المدينة، ثم زار الأماكن المقدسة عند الرافضة كالنجف وكربلاء، وزار بغداد، ثم زار مزار شريف، وزار مشهد، وزار قم وغيرها من المناطق، ثم بعد ذلك رجع إلى بلاده باكستان، ثم أخذ جولة في الهند فزار المعابد الهندية المشهورة، وزار نهر الجان المشهور، وزار بنارس، وزار مناطق كثيرة جداً ودخلها وتعرف على كل الحياة الدينية في هذه المناطق، ثم رجع إلى بلاده. والآن تمخضت فكرة توحيد الأديان في ذهنه، فماذا يفعل يا ترى؟ دعي مرة من المرات من قبل والده للعمل في الحقل الذي كان يديره والده، وكان والده غنياً، فقال له: لا أستطيع أن أعمل؛ لأني قد أوكل لي مهمة أعظم بكثير مما تتخيل يا والدي، فأراد والده أن يعرف منه هذا الخبر فرفض أن يخبره بذلك. وفي يوم من الأيام جمع مجموعة من أتباعه وكانوا متحلقين في جانب نهر للاستحمام، فدخل في هذا النهر ثم اختفى كما يقول أتباعه ذلك، لكن هل اختفى فعلاً أو أنها خدعة أو غير ذلك؟ الله أعلم، يقولون: اختفى لمدة ثلاثة أيام، ثم خرج إلى أتباعه وأعلن إعلاناً وقال: إنني رأيت الرب، وقد أوصاني بأن أعلن: لا هندوس ولا مسلمون، فرفع هذا الشعار: لا هندوس ولا مسلمون، أي: أن الهندوسية شيء مرفوض والإسلام شيء مرفوض، والبديل هو دين منتقى من الدينين السابقين وهو عبارة عن مجموعة أفكار أخذها من هذا الدين وهذا الدين، ثم أخرجها على أنها الدين الأساسي الذي يريد أن يؤمن به. وبعد أن أعلن هذا الإعلان رفض المسلمون هذا الكلام وكذلك الهندوس، فقام بمناظرات شديدة وقوية مع الهندوس ومع المسلمين كذلك، فكان انتصاره على الهندوس بيناً واضحاً؛ لأن عقائد الهندوس باطلة، وبالتالي فكثير ما تتهاوى هذه العقائد أمامه، بالإضافة إلى أنه كان ذكياً، فكان ينتصر عليهم في النقاش، مما جعل كثيراً من الهندوس يتبعونه، وقد كان يناقشهم في ثلاث مسائل أساسية: المسألة الأولى: مسألة عبادة الأوثان، كيف أن الإنسان يعجب بشيء فيعبده على أنه إله؟ المسألة الثانية: ما يسمونه بالهندية: إستاتي، وهي إحراق الأرملة مع زوجها المتوفى، وكانت عادة بشعة جداً موجودة عند هؤلاء، فكان يناقشهم في هذه الجريمة التي تفعل. المسألة الثالثة: مسألة الطبقية أو الطبقات عند الهنود، وكان يركز على طبقات المنبوذين، فاتبعه عدد كبير جداً وخاصة من الطبقات الدنيا الذين هم المنبوذين، فصار له أتباع. وأما من ناحية المسلمين فكان يناقشهم كثيراً في مسألة عبادة الأضرحة والقبور، ويقيم عليهم الحجة، فكان ذلك من أسباب سقوط هذا الدليل عند المسلمين، وبالتالي فإن أتباعه الذين معه كانوا يرون فيه انتصاراً لهم؛ لأنهم يرون أنه انتصر على الهندوس عن طريق مناقشتهم في عدة قضايا، ويرون أنه انتصر على المسلمين في إسقاط دليلهم تجاه الأضرحة وتجاه القبور. واشتهر عنه أنه كان يحمل معه القرآن والفيدا -وهو كتاب الهندوس المقدس- باستمرار، ويعود هذا إلى أنه يريد أن يؤسس لنفسه كتاباً مقدساً، وهذا الكتاب المقدس لا بد أن يأخذه من هذا الكتاب وهذا من الكتاب، وأخرج لأتباعه مجموعة من النصوص التي تعتبر مقدسة، ولو رجعنا إليها ودققنا فيها لوجدنا فيها نصوصاً بل آيات كاملة من القرآن، ونصوصاً كاملة من الفيدا وهو كتاب الهندوس المقدس. ومن القضايا التي آمن بها وسعى إليها قضية محاربة المبدأ الذي يؤمن به الهندوس وهو التناسخ، وإحلال مبدأ الإيمان بيوم القيامة؛ ليبين لهؤلاء الهندوس سقوط هذه العقيدة وتهافت هذه العقيدة ورفضها عقلاً ونقلاً ونصاً وفطرة، وفعلاً كان لها دور كذلك في سقوط المبدأ الهندوسي. والتقى ناناك بالحاكم المغولي المشهور بابار الذي ينسب إليه المسجد الباباري المهدوم، وأعجب هذا الملك بفكرته وأيدها. ونسبة هذا المسجد لـ بابار لا يدل ذلك على أنه كان رجلاً صالحاً أو قوياً أو رجلاً ممتازاً من الناحية الشرعية، فالقضية قضية نسبة فقط، فالمسجد بني قبله ونسب إليه، فقد اشتهر بتأييده لهذا المنهج الذي هو منهج السيخ، بل وقد ثبت ثبوتاً قطعياً وتاريخياً أنه كان للسكان المغول المسلمين دور قوي في بروز السيخ وظهورهم، فأبرز من

стр. 190

عقائد السيخ عقائد السيخ: أولاً: نريد أن نتعرض لعقيدتهم في الإلهيات والنبوات والسمعيات: أما عقيدتهم في الإلهيات: فإن ناناك أول ما جاء للناس معلناً العقيدة الجديدة كان قد تأثر تأثراً قوياً بعقيدة المسلمين، بل وأحب عقيدة المسلمين، وفي نفس الوقت كان هناك ارتباط قوي وجذور راسخة في العقيدة الهندوسية من قبله؛ لأنه نشأ وترعرع فيها، فوجد هناك نوع من الإشكال؛ فهو لا يستطيع أن يقطع هذه الجذور عن العقيدة الهندوسية، ولا يستطيع أن يرتبط بالهندوسية تماماً، فأراد أن يوفق بين الهندوس والمسلمين فأخذ من هذا قليلاً ومن هذا قليلاً بحسب قناعاته هو، وليست القضية قضية وحي وإنما بحسب قناعات معينة، فرأى -مثلاً- أن الهندوس يعبدون الأصنام فما أعجبته قضية عبادة الأصنام، وأن قضية التوحيد وعبادة إله واحد هي الأصل، وبالتالي أصل عقيدة التوحيد عند أتباعه، فالسيخ يوحدون الإله ولا يعبدون إلا إلهاً واحداً بخلاف الهندوس، مع وجود اختلاف في مسألة: من هو هذا الإله الذي يعبد؟ وما هي صفة الإله الذي يعبد؟ لكن في الجملة هم أخذوا من المسلمين هذه القضية ووجهوا العبادة لإله واحد فقط لا غير. إذاً: فعندهم مبدأ التوحيد مع وجود بعض التداخلات في مسألة عبادة بعض الأصنام لا لأنها أصنام تشارك الإله الأول في العبادة، بل لأنها نائبة عن الإله الأول عند بعض تجمعات السيخ، هذا من ناحية ما يرتبط بقضية الإلهيات. كذلك يكرهون أو يحرمون أي شيء يؤدي إلى عبادة الأوثان، ومن أبرز ذلك قضية تصوير التماثيل، وبالتالي تجد أن معابدهم لا تحتوي على تماثيل بأي حال من الأحوال، ويمنعون ذلك منعاً باتاً؛ لأنها تؤدي إلى أن تعبد هذه التماثيل من دون الإله الذي وحدوه. أما عقائدهم في النبوات فيقولون: إن المعلم -وهو الإمام- هو النائب عن الرب، وبالتالي فلا بد من أن تؤخذ أقوال هذا المعلم على أنها أقوال مقدسة، وهذا المعلم روحه العلمية ليست الروح المعروفة، والعلم الذي في روحه ينتقل بعد وفاته إلى المعلم الذي يليه وهكذا بالتدرج، فيكون المعلم الأول مثلاً يحمل كمية معينة من العلم، والذي يليه يحمل ما عنده من علم مع ما عند سابقة وهكذا؛ فكل معلم يكون أحسن من سابقه لاحتوائه على مجموعة من الأرواح العلمية التي انتقلت إليه من المعلمين السابقين، فهذا المعلم يعد بمثابة النبي بالنسبة لهم، ويقدسونه تقديساً عجيباً، ويحترمونه احتراماً غريباً، وأقواله مطاعة في كل حال وفي كل وقت وفي كل زمان. أما بالنسبة لإيمانهم بالسمعيات أو اليوم الآخر فهم يؤمنون بالآخرة، ويؤمنون بالقيامة، ويرفضون مبدأ تناسخ الأرواح الموجود عند الهندوس، فيقولون: إن الرجل إذا مات فإن روحه تنتقل مباشرة إلى عالم معين، ثم بعد ذلك ترد في يوم آخر ليحاسب ويلقى جزاء أعماله، فالمسألة بالنسبة لهم مأخوذة من المسلمين تماماً بدون أي إشكال في عقائدهم. أما قضية الطبقية فهم يرفضون المبدأ الطبقي الموجود عند الهندوس، لكن مع توالي الوقت ومع كثرة دخول الناس في دينهم وخاصة المنبوذين من الهندوس وجدوا أن القضية فيها نوع من التداخل الطبقي، فلم يعجبهم هذا، فأصلوا مبدأ الطبقية لكنها طبقية ليست شديدة جداً كما هي عند الهندوس؛ فعندهم طبقات: الجات، وهم القبائل المعروفة والمشهورة، والمذهبيين وهم طبقة المنبوذين، ولكنهم لا يحتقرون الطبقة الصغرى طبقة المذهبيين؛ لا يحتقرونها ويذلونها، ولكنهم يرون أنهم أقل مستوى منهم كما هو موجود عند بعض الجهلة من المسلمين؛ باعتبار أن هذه طبقة معينة وهناك طبقات أقل منهم. وأما كون مثلاً من علم برهمياً قطع لسانه، ومن ذكر برهمياً باسمه المجرد صب في أذنيه الرصاص وغير ذلك فهذا ليس بموجود عند السيخ. كذلك من عقائدهم أنهم لا يتزوجون إلا بزوجة واحدة كما سبق. وأما بالنسبة لأعيادهم فإنهم يرون أن أعيادهم لا بد أن تكون مخالفة لأعياد الهندوس، فاخترعوا لأنفسهم أعياداً جديدة، وهي عيد ميلاد ناناك ووفاته، وعيد ميلاد روبنت وعيد استشهاده كما يقولون، فهي في استشهاد أو ولادة بعض الأئمة المشهورين بالنسبة لهم، هذه هي مجمل الأعياد عند السيخ. ولهم عدة كتب مقدسة ومن أبرز كتبهم المقدسة: كتاب غورجرانت، وهذا الكتاب عبارة عن مجموعة من الأناشيد أسسها وألفها المعلمون أو الأئمة الذين توالوا على هؤلاء، وهي عبارة عن ستة آلاف نشيد ألفت وجمعت في مجموعة كتب، وتعتبر الكتاب الأول بالنسبة لهم. وكذلك عندهم كتاب يسمى: راحة ماما، وهو عبارة عن كتاب تقاليد وآداب أسسها أئمتهم، وهي تقاليد مرتبطة بالزواج، وبالوفاة، وبمواليد الأطفال، وبتعميدهم، والأحوال الشخصية إلى آخره، وهذا الكتاب مقدس بالنسبة لهم. وعندهم كتاب مقدس وهو المشهور لكنهم يختلفون في اسمه، وهذا الكتاب ينسبونه إلى ناناك وهو ليس بسليم لا ينسب، لكنه ينسب إلى هؤلاء المشهورين الذين جاءوا بعد ناناك، ويقولون: إنه هو الكتاب الذي أوحى به الرب إلى ناناك، وهو عبارة عن آيات قرآنية ونصوص من الفيدا، وكلام لـ ناناك نفسه، وقصص وغير ذلك جمعت وألفت وأخرجت على أنها إنجيل خاص بالسيخ، ولا يسمونه إنجيلاً بل يسمونه الكتاب المقدس، لكنه عبارة عن كتاب جمعت فيه نصوص شرعية وغير شرعية من أماكن مختلفة. ومن ضمن عقائدهم أداؤهم للفرائض كالصلاة والصيام وغيرها، فعبادتهم في الجملة فيها نوع من التقليد للمسلمين ونوع من التقليد للهندوس؛ لأنهم أخذوا من الديانتين، فتجدهم يصومون عدداً معيناً من الأيام في فترة معينة من السنة، فـ ناناك أصل مبدأ الصيام لكنه يخالف المسلمين ولا يريد أن يوافقهم في صيام رمضان، ويوافقهم في أن الصيام تربية، فأخذ بالصيام لفترة معينة. وكذلك وافق المسلمين في الصلاة، لكنه لا يريد أن يشابههم، فأصل لأتباعه مبدأ الصلاة بدون سجود، فتجدهم يكبرون وينشدون أناشيد معينة، ويقرءون من كتابهم المقدس، ثم يشيرون برءوسهم ويركعون، ثم ينتهون من الصلاة بهذه الكيفية، وينشئون معابد شبيهة بالمساجد لكن ليس فيها محاريب، ومن أشهرها المعبد الذهبي في أمر ستار الذي حصلت له قصة سنذكرها فيما يأتي.

стр. 191

الكافات الخمس عند السيخ ومن أبرز عقائدهم الكافات الخمس، وسميت الكافات الخمس لأن كل كلمة منها تبدأ بحرف الكاف، وقد أسسها روبنت، وهي كما يلي: الأولى: الكيش، فهذه الكلمة تبدأ بحرف الكاف، ومعناها: عدم مس الشعر بمقص، وخاصة الشعور الظاهرة والشارب، فلا يمس شيء منها أبداً بأي حال من الأحوال لسببين اثنين: السبب الأول: لأجل التميز، فهم يريدون أن يتميزوا عن غيرهم من الديانات الأخرى. والسبب الثاني: لأجل الخوف؛ فإن روبنت أنشأ لهم هذه العقيدة باعتبار أنهم في فترة نشأة فيخشى عليهم من دخول أناس غرباء من ديانات أخرى وغير ذلك، فإذا كان الرجل معروفاً بتركه لشاربه ولحيته وشعره فإنه يتميز بهذه الطريقة، ولو دخل رجل قد قصر من شاربه أو لحيته أو شعره فإنه سيعرف، فالسيخ معروفون بهذه الصورة، فلا ترى السيخي إلا وقد أطلق اللحية بشكل مميز وترك الشنب يلتقي مع اللحية بطريقة معينة حتى كأنك ترى رجلاً هندياً مسلماً تقياً نتيجة لهذه الصورة. الثانية: الكانجا أو الكانغا، وهي عبارة عن جدل الشعر على شكل ضفائر فوق الرأس، يقولون: وهذا لسببين اثنين: السبب الأول: محافظة على الشعر عن طريق جدله الضفائر. والسبب الثاني: لخفة الحركة؛ لأنه إذا صار شعره كثيراً قد يتعبه وخاصة الرجل، فإنه يتحرك كثيراً ويذهب ويأتي، وقد يتعبه أثناء القتال أو الصراع أو غير ذلك، فلا بد أن يضفر شعره ثم يلفه بعمامة، ولذلك تجد السيخ لا بد لهم من لبس العمامة، ونادراً ما تجد سيخياً لا يلبس عمامة، ولهم عمائم مميزة. فالسيخي يتميز بعمامته التي تكون على شكل الحرف ثمانية، وإطلاق شعر لحيته وشاربه. ثم لا بد في عقيدة الكانجا من حمل المشط حتى يكون الرجل عندهم بصورة جميلة، فيمشط شعره ولحيته باستمرار، ولذلك فالمشط والسكين عندهم قرينان لا يفترقان. الثالثة: الكاتشا، وهي عبارة عن مخالفة الهندوس في مسألة اللباس، فالهندوس قديماً كان لباسهم هو الدوكي الهندي، وهو موجود إلى الآن وخاصة عند نسائهم، وهو عبارة عن قطعة قماش طويلة جداً تلفها المرأة على أسفلها ثم تطويها على أعلاها، وربما يظهر جزء كبير من بطنها وظهرها، وهذا محرم تحريماً كاملاً عند السيخ فلا بد من وجود لباس مستقل بالنسبة لهم ويسمى السروال العسكري أو الكاتشا، وهو سروال قصير يلبسه الرجل والمرأة، ولكنه مغطى بثوب شبيه بالثوب الباكستاني. الرابعة: الكارا، وهو تحريم الزينة والتبرج والحلي وغير ذلك بالنسبة للنساء والرجال، وإنفاق كل ما يرتبط بالزينة والحلي في سبيل تطوير المذهب، ولذلك نادراً ما تجد هندوسياً عليه خاتم ذهب أو ساعة فخمة أو غير ذلك، وإنما يلبسون حلقة حديد فقط، ويقولون: إن الحديد هذا دلالة القوة، وأنه يطرد رواية الشيطان. الخامسة: الكيربان، وهو سيف صغير، ويلزم السيخي بأن يحمله معه أينما ذهب في كل مكان وفي كل وقت، فإن لم يستطع فليحمل معه ما يقوم مقامه من سكين أو مدية أو غير ذلك؛ للدفاع عن نفسه، ولقتل المسلم؛ ليتحقق له دخول الجنة، وهذا ما ورد بالنص في كتاب روبنت المشهور.

стр. 192

موقف السيخ من الاستعمار والمسلمين والهندوس وغيرهم أما مواقف السيخ من الاستعمار ومن المسلمين والهندوس وغيرهم: فالسيخ بعد أن أنشأ ناناك منهجهم بدءوا يتكاثرون لكن بأسلوب بطيء، ثم بعد أن جاء أرجن التقى بـ أكبر الحاكم المغولي الذي تأثر به ففتح المجال لـ أرجن للدعوة، ونجحت هذه الدعوة في استقطاب عدد كبير من هؤلاء، وبدءوا يتمركزون في شمال الهند. وعندما جاء الاحتلال الإنجليزي إلى الهند فإن أول من ثار في وجه الاحتلال هم المسلمون ثم السيخ، فقد احتل الإنجليز أفغانستان قبل الهند في القرن السابع عشر والثامن عشر، فاندحر الإنجليز اندحاراً رهيباً من قبل الأفغان، والسيخ كذلك قاموا لدحر هذا الاستعمار، فوجد الإنجليز أنهم أمام عدة جبهات، منها: جبهة الأفغان، وجبهة المسلمين في الهند، وجبهة السيخ، وجبهة الهندوس، فبدءوا بالتخطيط القذر الذي ساروا عليه في مسألة (فرق تسد) فطبقوا هذا المنهج مع السيخ، فوعدوا السيخ بأن يجعلوهم أمة مستقلة، ويعطونهم دولة مستقلة، ويغدقون عليهم بالأموال والخيرات بشرط أن يكفوا أيديهم عن قتال الإنجليز، ثم شرطوا عليهم شرطاً خفياً لم يعلن وهو أن يوجهوا جهودهم ضد المسلمين، فقام زعيم من زعمائهم يدعى راجيف سنج بهذه المهمة عام ١٨٠٩م تقريباً، ووقع معاهدة مع الإنجليز بتنفيذ هذا المبدأ، وفعلاً أعطوا منطقة البنجاب، وهي منطقة من أغنى وأجمل المناطق في الهند بعد منطقة كشمير، وقد سمح لهم بحكم هذه المنطقة، وبعد ذلك بدأ الإنجليز يغدقون عليهم بالأموال، فبدءوا يستثمرون هذه الأموال، وهم لا يؤمنون بمبدأ إنفاقها في المشاريع الاستهلاكية الضائعة، فبدءوا يستثمرونها في تقوية أنفسهم وإعداد القوة لتكوين دولتهم، ثم بدءوا يضربون المسلمين من الخلف، فتخلص الإنجليز من عدوين لدودين: المسلمين والسيخ، وكسب الإنجليز المعركة بهذه الصورة. ولم يكسبوها في أفغانستان؛ لأنهم قضي عليهم، لكن عندما احتلوا الهند وجدوا أن السيخ في مصافهم، ووجدوا أن المسلمين قد ضعفوا فلم يقف في وجههم إلا الهندوس، واستطاع الإنجليز بطريقة فنية أن يكسبوا السيخ والهندوس إلى أنفسهم، وأقاموا معارك بين الهندوس والسيخ والمسلمين وبقوا هم على كرسي الحكم مطمئنين آمنين. فالاستعمار الإنجليزي كان له دور قوي جداً في إظهار السيخ وتكوين دولتهم وغناهم، فهم إلى زماننا هذا وهم أغنياء بسبب ما فعل معهم في القرنين الماضيين من قبل الإنجليز.

стр. 193

موقف السيخ من المسلمين أما مواقف السيخ مع المسلمين فهو كما يلي: ففي أول الأمر كان السيخ في وقت ناناك لم يكونوا يؤمنون بمبدأ مقاتلة المسلمين، ويرون أن المسلمين إخوة لهم، وإنما جاءوا فقط للتوفيق بين الهندوسية والإسلام، لكن عندما جاء روبنت الخليفة العاشر بالنسبة لهم فإنه أقنعهم أن المسلمين من أعدى أعداء السيخ، وبالتالي بدأ القتال ضد المسلمين قتالاً حامي الوطيس إلى زماننا هذا، فهو قتال مستمر أكثر من ثلاثة قرون ونصف، فهم يقاتلون المسلمين باستمرار. والسبب في ذلك أن من عقائدهم: أن من قتل مسلماً دخل الجنة. فالمجازر المستمرة بدأت من الهندوس أولاً، ومن الإنجليز ثانياً، وأما المسلمين فلا بواكي لهم، وليس بأيديهم قوة ولا سلاح فكانوا هم المهزومين في كل معركة إلا ما رحم ربي. وبعد ما وقع الخلاف بين الهند وباكستان انقسم إقليم البنجاب إلى قسمين، وانقسموا إلى قسمين، فكان السيخ موزعين بين الهند وباكستان، ورفض السيخ هذا التقسيم، وأرادوا أن تكون الدولة مستقلة لهم فحصلت معارك بينهم وبين الباكستانيين المسلمين أدت إلى طرد السيخ من باكستان، فرجعوا إلى الهند وبقوا في البنجاب الهندي. فقضية إقامة المجازر المستمرة من قبل السيخ ضد المسلمين لها طابع المد والجز بحسب اتفاقهم أو عدم اتفاقهم مع الهندوس، فإن كان الأمر مع الهندوس فيه اتفاق وفيه سكون وفيه سكوت فإن السيخ يتحولون على المسلمين، وإن كان الأمر على العكس فإن السيخ يتحولون على الهندوس مباشرة، فالقضية قضية وقت فقط، فإذا سمحت الظروف قاتلوا المسلمين، وإذا لم تسمح وقفوا في وجه الهندوس، وهذا هو منهج السيخ باستمرار دائماً وأبداً.

стр. 194

موقف السيخ من الهندوس السيخ يرون أن الهندوس قد سيطروا على حكم الدولة ورفضوا أن يعطوهم إمكانية الحكم المستقل للبنجاب، وبالتالي فلا بد من إيجاد عدة وسائل لحرب هؤلاء الهندوس والاستقلال بالبنجاب، فبذلوا جهوداً كثيرة من ضمنها: القيام بثورات متعددة، وإثارة القلاقل عن طريق القتل العشوائي لأي هندوس يرى، فتسمع دائماً في الإذاعة أو في التلفاز أو تقرأ في الصحافة وغيرها أنه قام سيخي بتفجير قنبلة في سيارة فيها أناس مدنيين من الهندوس؛ لأجل إثارة القلاقل؛ حتى إذا طالبوا بدولة مستقلة أذن لهم، فالقلاقل التي يثيرونها باستمرار ضد الهندوس هي وسيلة للضغط على الحكومة الهندوسية. وأنديرا غاندي الحاكمة المعروفة عملت اتفاقاً مع السيخ على أن يكونوا دولة واحدة ووحدة وطنية وغير ذلك، وفعلاً نسقت هذه المسألة ووجدت بعض التجاوب، ونتيجة لرضاها بهذه القضية فقد اتخذت مجموعة من الحرس ومن ضمنهم اثنان من السيخ، وفي يوم من الأيام رفضت تنفيذ مطلب للسيخ في مسألة معينة فوضعت العين الحمراء عليها، إلى أن قامت الطامة الكبرى بالنسبة للسيخ وهي أنهم أعلنوا التمرد في أمرستار في المعبد الذهبي وأرادوا إعلان الاستقلال بالقوة، فترتب على ذلك أن أنديرا غاندي أمرت بتسيير جيش هائل جداً لمحاصرة المعبد الذهبي في أمرستار عام ١٩٨٤م، فحوصر محاصرة دقيقة وقوية ونتج عن ذلك تدمير المعبد، والاطلاع على كمية هائلة جداً من السلاح، ومقتل أكثر من ألف وخمسمائة سيخي مع خمسمائة جندي هندوسي، وأراد السيخ أن ينتقموا فأوحوا إلى هذين الحارسين بقتل أنديرا غاندي، فأطلق عليها النار وقتلت، ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل وإلى وقتنا الحاضر والحرب مشتعلة بين السيخ والهندوس بسبب فرض السيخ لمنهجهم في سبيل تكوين دولة مستقلة لهم.

стр. 195

السيخ والخليج وموقف المسلمين من عقيدة السيخ النقطة التي تليها هي: قضية السيخ والخليج، وما هو موقفنا من السيخ. عرفنا مجمل عقيدة السيخ، ومن ضمن عقائدهم الأصلية الأساسية المؤصلة قضية: من قتل مسلماً دخل جنتهم الموعودة. فهم يكرهون المسلمين ويحقدون عليهم، فلا بد من أن يؤصلوا هذه العقيدة في بلادهم، ولكنهم مضطرين للانتقال إلى البلاد الخليجية لكسب الرزق والمعيشة، فيأتون تباعاً، ونتيجة لهذا الإتيان المتوافر في الخليج فقد صاروا يجمعون المال ويرسلونه إلى بلادهم ليتقووا به أكثر فأكثر، وترتب على ذلك جملة قضايا، ونتيجة للترتيب والتنظيم فقد توصلوا في نهاية المطاف إلى احتواء مناطق عسكرية كاملة، واحتكار عدة مسائل اقتصادية في دول الخليج. فالسيخ يتكاثرون في مناطق الخليج بكثرة بينة واضحة، ولعل السبب في ذلك أنهم يركزون على مسألة العمالة المدربة، فيعتبرون بالنسبة للهند من الناس المثقفين، فهم يركزون على الجانب التثقيفي بالنسبة لقومهم؛ والسبب في ذلك يرجع إلى ارتقاء مستواهم المعيشي لدرجة أنهم لا يمكن أن يستغنوا عن العمل في الدول الخليجية أو العربية، فهم ليسوا مثل غيرهم من الهنود البنغلاديشيين أو غيرهم، ويترتب على ذلك أنهم يأتون إلى بلادنا ولديهم معرفة واطلاع. ثم إنهم يركزون على الجانب التثقيفي، بمعنى: أنهم يحرمون على أتباعهم أشياء كثيرة كشرب الخمر، والتدخين، ودخول الملاهي وغير ذلك، مما أدى إلى إنشاء جيل مثقف يأخذ العلم الموجود لديهم فيأتي إلى بلاد المسلمين وهو يشعر بأنه مثقف أكثر من غيره من العمالة التي لا تعلم شيئاً، فبطريقته وثقافته ولباقته يستطيع أن يحتل مراكز معينة. ولذلك تجد في بعض الدول خاصة دول الخليج كالإمارات وغيرها أن هناك سيخاً يشكلون تجمعات اقتصادية قوية، فبأيديهم مجموعة من التجارة المعروفة بأنه لا يديرها إلا السيخ، وهناك معابد خاصة بهم نتيجة لذلك، وهناك دوائر حكومية يرأس كثير من فروعها سيخ هندوس، بل وهناك شرطة وضباط وغير ذلك من السيخ، ولو ذهبت إلى الإمارات وهي المميزة في هذا الجانب ستجد أن هناك عدداً من السيخ يرأسون دوائر حكومية معينة وإدارات عسكرية، بل وقد دخلوا في الجيش والدفاع ودخلوا في كل مكان نتيجة لهذا السبب، وهذه مصيبة من المصائب، ولعلي أختم بكلام قاله أحد المسئولين الكويتيين عندما قال: نحن والله نسير بالبركة، وإلا فلو قام الهندوس فقط بحركة في الكويت لاستطاعوا أن يحولوا الكويت إلى دولة هندوسية في ظرف ثلاث ساعات، أي: أن عدد الهندوس يتجاوز مائة وخمسين ألف هندوسي في هذه الدويلة الصغيرة، فممكن أن يلتفوا بطريقة أو بأخرى على هذه الدولة ويأخذوها بسهولة، وخاصة أن كثير من هؤلاء المائة وخمسين يعرفون خفايا الأمور، فهذا -مثلاً- صاحب متجر يعرف كيف يعمل صاحب المتجر وكيف يذهب وأين يذهب؟ والذين يعملون في الدائرة الفلانية أو الشرطة الفلانية يعرفون الخفايا، وهذه أعماله في الدائرة الحكومية الفلانية، أو الدائرة العسكرية المهمة الفلانية فيعرفون كل شيء ويستطيعون بطريقة فنية أن يقوموا بما يريدون، وأن يحققوا ما يريدون. فهذا ما يرتبط بالعقيدة السيخية، ولعلي اختصرت هذه القضية لسببين: الأول: كسباً للوقت؛ لاعتبار أن الدرس هو درس واحد ولم أرض في تمديده إلى درس آخر، بالإضافة إلى قلة المراجع أو ما كتب عن هذه الديانة.

стр. 196

الأسئلة

стр. 197

قضية حرق الأرملة مع زوجها المتوفى السؤال هل حرق الأرملة موجود الآن؟ وعند من هو موجود؟ الجواب حرق الأرملة كان موجوداً بشكل بين وواضح عند الهندوس، وبدأ يضعف ويقل لدرجة أنه كاد أن يتلاشى، لكنه لم يتلاش فهو موجود عند الهندوس في بعض المناطق والقرى التي تعتبر محافظة على عقيدتها، فهم يعتبرون هذه القضية اختيارية الآن، وأما سابقاً فكانوا يعتبرونها إجبارية، ونتيجة لوجود الإعلام وكثرة السياح والتصوير وغير ذلك فإنهم يخشون من النقد اللاذع لهم فأرادوا تغطية هذه القضية وإلغائها، وصارت محصورة في بعض المناطق فقط.

стр. 198

حكم استقدام السيخ الهنود للعمالة في البلاد العربية السؤال إذا كان قتل المسلم يدخل الجنة عند السيخ، فما رأيكم فيمن يستقدم السيخ؟ ولماذا لا يكثف الإعلام بإشعار العامة والجهلاء بذلك؟ الجواب قضية تكثيف الإعلام عن هذه القضية يعد أمراً مفقوداً، فعقيدة السيخ أن من قتل مسلماً دخل الجنة من العقائد الثابتة التي لا شك فيها، وكونه إذا جاء إلينا فربما يقتل مسلماً، هذا قد لا يرد بالنسبة للسيخي؛ لأنه يعرف أنه سيقتل لو قبض عليه، لكنه قد يحقق هذا الهدف إذا توفرت له الفرصة سواء كان في البلاد العربية أو غيرها، وأما في الهند فالأمر فيها مفتوح وبين، فثق تمام الثقة أن الهندوسي الذي يستقدم إلى البلاد العربية فإن يديه ملطختان بدماء إخواننا المسلمين الهنود الموجودين في الهند.

стр. 199

موقف السيخ من المسلم السني أو الشيعي السؤال معلوم أن من عقائد السيخ: أن من قتل مسلماً دخل الجنة، فهل يفرقون بين السني والشيعي؟ الجواب الذي يبدو لي أنه لا فرق، ولكن قد يكون هناك فرق إذا كانت القضية فيها تفصيل بالنسبة لهم، فالظاهر أنه لا فرق، وهذه المسألة لا علم لي بها.

стр. 200

نداء لأصحاب الشركات التي فيها عمالة هندوسية وسيخية السؤال ذكر أن حكومة الهند ألزمت المسلمين الذين يطلبون عمالة هندية أن تكون النسبة الكبيرة منهم هندوس، وهذه الحقيقة عارضوها بشدة لأن واقعهم يخالف ذلك؟ الجواب أنا دققت في هذه المسألة فقيل لي: إن المسألة لم تتضح، لكن يقولون: عندنا هنا مكاتب استقدام، وفي الهند هناك مكاتب استقدام، فمكاتب الاستقدام التي في الهند لا يديرها ويشرف عليها إلا الهندوس، فالمسلم عندما يذهب إلى مكتب من مكاتب الاستقدام ويبحث عن عمالة كمكنيكي سيارات فإن المكتب يرفع التلكس أو الفاكس ويتصل بالمكتب الهندوسي لإيصال عمال يعملون في مكانيك سيارات، فالمكتب الهندوسي سيأتي بالهندوس ويدخلهم إلى البلاد نتيجة لذلك، فهذا قول وهو المشهور. وهناك قول آخر وهو: أن الحكومة الهندية إذا لاحظت أن هناك ارتفاعاً في نسبة استقدام المسلمين فإنها تقف موقف المتابع لهذه المسألة، وأما إذا رأت المسألة طبيعية فإنها لا تتدخل، فإذا رأت أن هناك تغليباً لجانب استقدام المسلمين فإنها تتدخل، فالقضية الأساسية ترجع في الأصل إلى مكاتبنا التي لا تهتم باستقدام هؤلاء. وعندي مجموعة من المظاريف تحتوي على نداء موجه لكل صاحب شركة لديه عمالة هندوسية بأن يرعوي ويرجع إلى الله ويطرد هؤلاء، وأقترح على من أراد مظروفاً ولديه إمكانية لإعطائه من عنده عمالة أن يأخذه ويعطيه لصاحب مكتب الاستقدام بعد أن يناصحه ألا يستقدم هؤلاء الهنود؛ لأن الذين يأتون إلى مكاتب الاستقدام غالبهم جهلة لا يفهمون ولا يميزون بين هندوسي أو سيخي أو غيرهم، فأهم شيء أن يجد رجلاً يعمل، فالذي يعلم هو صاحب المكتب، فإذا كان عند صاحب المكتب وعي فإنه يقنع هذا الشخص الذي جاءه ألا يستقدم إلا مسلماً.

стр. 201

أصل اشتقاق اسم السيخ السؤال ما أصل اشتقاق اسم السيخ؟ الجواب أنا بحثت فيها فلم أجد شيئاً، وفي الحقيقة لم أجد الوقت الكافي للبحث عنها، فقد رجعت إلى بعض المعاجم فلم أجدها تحيل إلى معنى كلمة سيخ أو دلالتها، لكن وجدت معنى غريباً وهو أنهم يقولون: إن كلمة سيخ معناها الأحرار وهذا في لغة من لغاتهم، ولم أتأكد من ذلك، فهذه المسألة ستكون في ذهني فإن وجدت لها معنى فسأفيدكم بها إن شاء الله.

стр. 202

بيان مذهب السيخ الذين يقصرون لحاهم السؤال الملاحظ أن السيخ يأخذون من لحاهم ويقصرونها فعلام يدل ذلك؟ الجواب هذا طبعاً يعد أمراً طارئاً، وهؤلاء في الغالب أو في الجملة هم من الذين ينتسبون إلى الحزب الآخر وهو الحزب التجديدي، ومن الذين يعتبرون أنفسهم من المجددين، فيأخذون من لحاهم، ثم هنالك قضية أخرى وهي أنه لا يلزم أن يكون كل سيخي طائعاً ومتابعاً للسيخية تماماً، فقد يكون فيهم مخالف أو عاص كما هو موجود في كل الديانات.

стр. 203

المقارنة بين عقيدة الشيعة وعقيدة السيخ السؤال هل عقيدة السيخ بالإلهيات والنبوات وغيرها أهون من الشيعة وكلاهما شر أم غير ذلك؟! الجواب نعم، أنا اعتبرهم أهون من الشيعة بكثير، فالشيعة معروف ومفهوم عنهم أنهم يخالفون المسلمين في كل شيء ويرون أن أي أمر يوافق المسلمين لا بد أن يغير ليخالفهم، فهذا أمر يقعدونه ويؤصلونه، فقد قال الكليني الذي هو ثقتهم المشهور: ما خالف العامة ففيه الرشاد، أي: أهل السنة. وقد ذكروا عن رجل أنه سأل أبا عبد الله جعفر الصادق فقال له: إذا كان عندي مسألتان مختلفتان فأيهما أتبع؟ قال: انظر أيهما خالف العامة فاتبع، قال: فإن كان العامة يأخذون بكلا المسألتين؟ أي: أن فيها خلافاً فبعضهم يأخذ برأي وبعضهم يأخذ بالرأي الآخر، قال: انظر فما كان أكثر العامة قد أخذوا بها فخذ بالأقل، قال: فإن كانوا متساوين في ذلك؟ قال: فاتركهما وابحث عن مسألة ثالثة، قال: وإن لم توجد مسألة ثالثة؟ قال: خذ بأحدهما واستغفر الله تعالى! أي: لا بد أن تخالف أهل السنة بأي صورة من الصور، وبأي حال من الأحوال.

стр. 204

معنى قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم) السؤال ما موقف المسلم مع أعدائه بجانب قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة:١٠٥]؟ الجواب هذه الآية لو أخذت بها لوحدها لكنت كمن يأخذ بقوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ [الماعون:٤] فقط، فهذه الآية مرتبطة بغيرها من الآيات والنصوص، ومعناها أنه لا يضرك شيء أيها المسلم إذا كنت مهتدياً وبذلت في سبيل هداية الآخرين جهدك وناصحتهم وأمرتهم بالمعروف ونهيتهم عن المنكر فلم يستجيبوا لك أثناء ذلك، ففي هذه الحالة لا يضرك شيء من هؤلاء إن أديت ما عليك، فهذا هو الأصل في الجمع بين النصوص؛ لأن منهج السلف في أصول الاعتقاد أنهم يأخذون النصوص كاملة ولا يفصلونها، والذين يفصلون النصوص هم الفرق الضالة، كالخوارج الذين يأخذون بنصوص الوعيد، والمرجئة الذين يأخذون بنصوص الوعد، وأما أهل السنة والجماعة فإنهم يأخذون بالنصوص كاملة، ومن النصوص الكاملة هذا النص، فإذا أديت ما عليك ولم يستجب لك أحد فلا يضرك أحد إذا اهتديت أنت.

стр. 205

سبب أفضلية عمالة السيخ السؤال ما سبب أن عمالة السيخ من أفضل العمالة؟ الجواب سببه أنهم يهتمون بجانب التثقيف، فهم يقدمون إلى البلاد الإسلامية بدافع عقائدي، وبالتالي فإنهم يتلطفون ويؤصلون لمنهجهم ولعقيدتهم في دول الخليج.

стр. 206

هل إطالة السيخ لشعرهم يعتبر من المجاهرة بالكفر السؤال ألا يعتبر لباس السيخ وإطالة شعورهم من المجاهرة بالكفر؟ الجواب قضية المجاهرة بالكفر موجودة عند جميع الأديان، فالنصارى يجاهرون بالكفر عندما يلبسون الصليب ويعلنونه، فنحن نحاول قدر جهدنا أن ننصح ونبذل الجهد، لكن أن نلزمهم على ترك ذلك فلسنا مطالبين بأن نلزمهم، قال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦]، ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦]، لكن إذا رأيت إنساناً بهذه الصورة فتحاول قدر جهدك أن تناصح، وتحاول قدر جهدك أن تأمر وتنهى وتبلغ الآخرين عنه، فإن عدل وغير فبها ونعمة، وإن لم يعدل فقد أدينا ما علينا والباقي على الله . أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم، والله أعلم. وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 207

أنواع النفاق والكفر والشرك النفاق والكفر والشرك في الإسلام أنواع متعددة، منه ما هو مخرج من الملة، ومنه ما لا يخرج من الملة، فكل هذه الثلاث لها ضوابط شرعية مأخوذة من الكتاب والسنة، واجتهد العلماء في تخريجها على أقسام؛ ليجتنبها المسلم ويحذر منها.

стр. 208

النفاق وأنواعه

стр. 209

سبب تسمية المنافق بهذا الاسم أخذ هذا الاسم من عمل يعمله حيوان يعيش بالبرية هو الجربوع، وهذا الحيوان الصغير من شدة حرصه على التخفي عن الأعداء يحفر له حفرة ذات أبواب متعددة، من هذه الأبواب باب مفتوح إلى البرية بجانب معلم معين يعرفه بحواس معينة، أما الأبواب الأخرى فأبواب مغطاة، بمعنى: أنه يحفر داخل الأرض، ثم بعد ذلك يرتفع شيئاً فشيئاً إلى سطح الأرض، وإذا اقترب من الوصول إلى سطح الأرض ترك طبقة رقيقة ذات سمك معين لم يحفرها، يترك هذا السمك للحاجة عندما يهاجم من قبل عدو من الخارج أو حتى من الداخل، فيدخل ويختبئ في هذا الجحر، ثم يخرج من الباب الثاني، وإذا كان العدو يدخل عليه في جحره يخرج من الباب الخفي، والباب الأول يسمى: النافقاء، والأبواب الأخرى تسمى القاصعاء حسب مصطلحات اللغة العربية. وأطلق على المنافق منافقاً؛ لأنه يظهر شيئاً ويخفي شيئاً آخر، فيظهر أمراً ويخفي أمراً مخالفاً له، وتجده يتحدث بكلام ويأتي بما يعاكسه وبما يخالفه، هذا هو سبب التسمية.

стр. 210

النفاق في المدينة تعرفون أن المصطفى ﵊ عندما هاجر إلى المدينة كانت المدينة تعج بالديانات المختلفة، وكان المسلمون فيها أقلية، وبعد ذلك بدأ الإسلام ينتشر شيئاً فشيئاً، ثم بدأت المعالم تتحدد، فبقي اليهود على ديانتهم، والمسلمون بدءوا ينتشرون ويتكاثرون، لكن وجد أناس على الشرك ولا يستطيعون المكوث على الشرك؛ لأن القضية ليس هناك رجل يمكث على هذا المنهج، إما أن يسلم وإما أن يقتل؛ لأن الإذن لهم قد حدد، وبالتالي فهؤلاء لا يريدون الإسلام، فترتب على ذلك أنهم دخلوا فيه كرهاً ونفاقاً، فصار أحدهم يخفي دينه الأصلي، إما أن يكون مشركاً أو نصرانياً أو يهودياً ويظهر خلاف ذلك، وبعد ذلك يخرج ما يضمره من عداء للإسلام، ويحاول أن يكيد للمسلمين، ولعل القصص كثيرة جداً مع هؤلاء، كما حصل في معركة أحد، وفي غزوة تبوك، وكذلك ما حصل في غزوة بني المصطلق وغيرها من جهود هؤلاء المنافقين في تثبيط الصف الإسلامي. وبعد أن انتشر الإسلام وازداد، بدأ هؤلاء المنافقون يقلون شيئاً فشيئاً، يقول أحد العلماء حفظه الله: كان المصطفى ﵇ عنده القابلية، والاستعداد، والقدرة على أن يقبض على هؤلاء المنافقين واحداً تلو الآخر؛ لأن الوحي يخبره بهم، فيقضي بذلك على النفاق، لكن القضية ليست قضية قضاء على أشخاص، ولكن القضية قضية منهج، فالإسلام أراد أن يحدد لنا من خلال هؤلاء الأشخاص منهج النفاق، حتى نعرفه ونعايشه في مستقبل الأيام، وهذا هو الذي نتج، فالمنافقون الأول انتشروا في وقت الإسلام الأول، لكن المنهج بقي ولم يتغير، وبالتالي فلو قضي على هؤلاء المنافقين، لكسب المصطفى ﵇ عداوة، ألا وهي أن الناس يتحدثون أن محمداً يقتل أصحابه، لكن تركهم على ما هم عليه إلى أن أفناهم الدهر، وفي نهاية المطاف بقي المنهج، وهذا المنهج باقٍ لم يتغير، وبالتالي هذا المنهج عرفناه وعلمناه من خلال النصوص الشرعية في القرآن الكريم والسنة التي تحذر المسلمين منه شيئاً فشيئاً إلى أن تكامل المنهج. ولذلك فإن كثيراً من الناس الآن يعرفون في لحن القول، ويعرفون بالتصرف، ويعرفون في الكتابة، يعرفون من خلال الإذاعة والتلفاز والصحافة إلى آخر ذلك بأنهم فعلاً يمثلون منهج النفاق.

стр. 211

أنواع النفاق النفاق ينقسم إلى نوعين: النفاق الاعتقادي، والنفاق العملي.

стр. 212

النفاق الاعتقادي وأقسامه النفاق الاعتقادي: هو الذي يعتقده الإنسان بقلبه وبفؤاده وبضميره داخل صدره، لا يخرجه أمام الناس في الأصل، لكن فيما بعد يخرج أمام الناس لا محالة؛ لأنك سترى ذلك على وجهه وفي فلتات لسانه، وفي تصرفاته، وفي سلوكه، وهذا النفاق ينقسم إلى سبعة أقسام: القسم الأول: التكذيب الكلي للرسول ﷺ ، وعدم تصديق خبره أي: تكذيبه تكذيباً كاملاً، وقد يقول قائل: إذا كان يكذب الرسول ﷺ تكذيباً كاملاً فهل يعتبر منافقاً؟ الجواب هذا يعتبر كافراً؛ لأن هناك شعرة دقيقة بين هذا وهذا وهي أن المنافق إذا جاء عند المسلمين أظهر الإسلام، لكن إذا دخل مع غيره من أصدقائه وزملائه وغيرهم، فإنه يظهر التكذيب الكلي لما جاء به المصطفى ﷺ ، فهذا أخذ الكل فكذب به. وكل النقاط التالية عبارة عن إظهار شيء وإخفاء خلافه، وبالتالي فلا تفهم من هذا أنه يعلن ذلك علناً؛ لأنه لو أعلنه علناً لدخل في زمرة الكفار، ولخرج من زمرة المنافقين، فهذا القسم يظهر ما يبطن، أما أن يخفي هذا ويظهر غيره فهذا هو الخطر. القسم الثاني: تكذيب بعض ما جاء به الرسول ﷺ ، فتجده في مجالسه الخاصة يكذب أموراً ثابتة ثبوتاً قطعياً عن المصطفى ﵊، فهو لا يكذب بأمور ليست أساسية في الدين، كأمر ورد فيه حديث حسن، لم ترد فيه آية ولا حديث متواتر، ولا حتى حديث صحيح، وإنما هو حديث حسن ليس من جهة أنه جاء عن الرسول ﵇، لكن من جهة أن هذا الحديث في سنده أو في متنه ضعف أو فيه غير ذلك فيكذبه، بل المقصود: أن يكذب أمراً ثابتاً عن المصطفى ﵇. القسم الثالث: بغض الرسول ﵇. القسم الرابع: بغض ما جاء به الرسول ﷺ ، مثل الحجاب ثبت في القرآن وثبت في السنة، فتجد إنساناً يبغض ذلك، هو اسمه فلان بن فلان، اسم إسلامي كامل، ومسلم ويصلي ربما، ومع ذلك يبغض الحجاب؛ لأنه جاء عن الرسول ﷺ ، أو لأنه لا يعجب هواه، وبذلك تجده يعارض، وينتج عن هذا البغض أن هذا الرجل يدخل في زمرة المنافقين، وأنبه هنا إلى نقطة مهمة وهي: أنه كثيراً ما يدخل الإنسان في النفاق وهو لا يشعر، وقد ثبت ذلك عن الصحابة والتابعين، كانوا يرددون ذلك مراراً وتكراراً، أنه يدخل في النفاق ولا يشعر، وقد روي عن عروة بن عبيد الله بن عبد الله بن مسعود أحد تابعي التابعين أنه قال: ليتق أحدكم أن يكون يهودياً أو نصرانياً وهو لا يشعر، وروي وثبت: أنكم تعملون أعمالاً هي أدق في أعينكم من الشعر، كنا نعدها على وقت رسول الله من الموبقات، وفي نص آخر: من النفاق، أدق في أعيننا من الشعر، لا قيمة لها وربما لا ترى، ومع ذلك كان الصحابة يعدونها نفاقاً. إذاً: قضية النفاق قضية حساسة تحتاج إلى وقفات، وتحتاج إلى تنبه، فبغض بعض ما جاء به الرسول ﷺ هذا وارد كثيراً، خاصة من الصحفيين والكتاب والأدباء، يحصل كثيراً منهم ذلك، فتجدهم قد دخلوا في زمرة النفاق، شعروا أو لم يشعروا. القسم الخامس: المسرة بانخفاض دين الإسلام. القسم السادس: الكراهية بانتصار دين الإسلام. فالكراهية بانتصار دين الإسلام: فإذا كان هناك جماعة إسلامية تريد الظهور والبروز ونشر الدعوة وغير ذلك، وتدخل في معترك سياسي معين، فتجد أن البعض يكره لهذه الجماعة أن تظهر، ويتمنى أن تظهر الجماعة المخالفة سواء كانت اشتراكية أو ماركسية أو غير ذلك من الجماعات. فهذا يعد بحد ذاته باباً من أبواب النفاق قد يدخل صاحبه في النفاق الاعتقادي المخرج من ملة الإسلام. وكذلك المسرة بانخفاض دين الإسلام، وأنا لا أذكر الأشياء الظاهرة البينة الواضحة، لكن أفترض أن هناك محل تسجيلات إسلامية، وجاء إنسان ورأى أن هذه المحلات قد أغلقت بسبب ما، ومحلات التسجيلات تحارب باستمرار، فرآها قد أغلقت، فتجده يفرح لأن هذا المحل قد أغلق، والفرح ليس نابعاً لأن هذا المحل أغلق، فهذه القضية نبعت من أن هذا الرجل كره أن يكون لدين الإسلام ارتفاع، فعندما انخفض في هذا الجانب الدقيق البسيط، فرح بذلك، فيعد هذا باباً من أبواب النفاق، ولذلك اربطوا هذا الكلام بقول الصحابة والسلف رضوان الله تعالى: إنكم تعملون أعمالاً هي في أعينكم أدق من الشعرة، كنا نعدها من النفاق على وقت رسول الله ﷺ . القسم السابع: اعتقاد أنه لا يجب اتباع المصطفى عليه الصلاة السلام في قضية أو في قضايا، أحياناً يقول بعض الناس: هذه القضية حقيقة تنفع في أيام كان عصر المدينة عصراً صغيراً ومجتمعاً منظماً بشكل بدائي، والقضية ليست قضية تداخلات دولية واقتصاد عالمي وغير ذلك، فهذه تنفع، أما في هذا الزمان فلا، وهذا مثل العلمانيين، فالعلماني دائماً يدخل تحت هذا الباب، تحت قضية عدم وجوب اتباع الرسول ﷺ في كل القضايا أو حتى في قضية واحدة، فتجده مصلياً ويحافظ على الصلاة، ومن أحسن الناس في هذا الجانب، لكنه يأتيك من جانب الاقتصاد فيقول لك: لا يا أخي! الربا حرام في المدينة؛ لأن المجتمع كان صغيراً، أما الآن فلا، ما نستطيع أن نقول ذلك؛ لأن السياسة الاقتصادية الدولية تفرض علينا ذلك، فلا بد أن نساير السياسة الدولية وإلا تخلفنا عنها، فتجده يدافع عن هذا الباب وعن هذا الجانب، هذا الرجل العلماني يدافع عن هذا الجانب؛ لأنه أراد أن يفصل الدين عن الاقتصاد، هذا الرجل يعد منافقاً في هذه القضية، ولذلك ما أكثر المنافقين في هذا الزمان وفي هذا العصر، كثيرون جداً في هذه التفصيلات وبهذا التوسع.

стр. 213

وقفة مع كتاب الصحافة والإعلاميين والرؤساء كثيراً ما تسمع خطابات من رؤساء دول أو غير ذلك يتحدث عن الإسلام والحكم بالدين وأشياء كثيرة جداً، فإنك إذا انتقلت إلى الواقع العملي في بلد هذا الرجل، لوجدت أن اسمه إسلامي صرف، وزين العابدين بن علي، نأخذه كمثال صريح، معمر القذافي مثال صريح، هؤلاء جميعاً وغيرهم كثير أحياناً في خطبهم يصرحون بأن دولتهم إسلامية، وأنهم من ضمن منظمة المؤتمر الإسلامي، ورابطة العالم الإسلامي، وغير ذلك من المنظمات، ثم في النهاية تجد أن هذا قد سجن ستين ألفاً أو سبعين ألفاً، وهذا يشنق المسلمين في كل يوم وفي كل ليلة، وهذا ينشر مذهب كذا، وهذا وهذا إذاً: أين قوله من فعله؟ هنا تناقض عجيب جداً، فمثل هذا منافق بقلبه مسلم بلسانه، وهذا هو الواقع، ولذلك كثير من زعامات العالم الإسلامي يطبقون المنهج النفاقي بشكل ثابت وظاهر. ومن القضايا الأخرى: قضية الإعلاميين. فالإعلامي يتحدث كثيراً وتجده أحياناً يتحدث في قضايا عجيبة جداً، أحياناً يقدم برنامجاً دينياً وأنت تتلذذ حين تسمع هذا البرنامج، وبعد أن ينتهي مباشرة تجده يقدم في لقاء آخر برنامجاً كفرياً صراحاً، معنى هذا: أن هذا الرجل أظهر لك شيئاً وأخفى شيئاً آخر، أظهر جانباً إسلامياً للناس، وأظهر جانباً غير إسلامي لأناس آخرين فظهر بوجهين، وذو الوجهين كما ثبت عن السلف ﵏ يعد منافقاً؛ لأنه يأتي هؤلاء بوجه، وهؤلاء بوجه.

стр. 214

حكم النفاق الاعتقادي النفاق الاعتقادي كما تعرفون يوجب الخلود في النار، ومن مات وهو منافق نفاقاً اعتقادياً دخل النار بل ودخل الدرك الأسفل: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء:١٤٥]، فالجنات درجات والنار دركات، فآخر دركة في النار هي خاصة بالمنافقين، لضررهم الشديد على الأمة الإسلامية، ولذلك كثيراً ما نخدع بهؤلاء، كثيراً ما نخدع بالمنافقين، فتجده رجلاً يبدو على سيماه الصلاح والتقى والورع والثوب القصير واللحية، فهو رجل يعجبك؛ لأنك ليس لك إلا الظاهر، لكن قلبه قلب ذئب يكيد للأمة، ويكيد للإسلام، ويكيد للمسلمين، هذا هو المنافق. إذاً: نخدع بالمنافقين دائماً، وقد خدع الجيل الأول بالمنافقين، فما بالنا لا نخدع نحن، خدع المسلمون بل الصحابة بـ عبد الله بن سبأ ابن السوداء الصنعاني اليماني المعروف، خدعوا به فأثر تأثيراً ليس باليسر، ولهذا يأمرنا الإسلام أن نتوخى في الانتقاء، ونحذر في التعرف على الناس وخاصة في هذا الزمان الذي كثرت فيه الفتن، ربما يغلب كما قال البعض إساءة الظن على حسن الظن في هذا الزمان.

стр. 215

النفاق العملي أما النفاق العملي: هو العمل الذي يعمله الإنسان بظاهره، كما ثبت عن الرسول ﷺ أنه قال: (أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً، ومن كان فيه واحدة منهن كان فيه شعبة من نفاق: إذا حدث كذب، وإذا اؤتمن خان، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر) ذكر منها قضية الأمانة، وقضية الوفاء بالعهد، وقضية الكذب، وغيرها من القضايا. هذه القضايا بمجموعها قضايا لا يتصف بها إلا من كان إيمانه ضعيفاً، وبالتالي لا يهمه أن تكتب عليه سيئات، أو يكون كاذباً أو يكون فاجراً أو يكون غداراً أو لا يهمه، فإن قلت: فإذا تكرر منه هذا وهذا وهذا وهذا؟ قال ابن تيمية ﵀: إن هذه منافية لكمال الإيمان الواجب، لكن إذا تجمعت وتأصلت في القلب، فإنها تطرد الإيمان بالكلية، ولذلك كما قال المصطفى ﵇: (من كن فيه كان منافقاً خالصاً) أي: خرج من الإسلام وصار منافقاً وليس بمسلم، حتى وإن صلى وإن صام وإن زعم أنه مسلم. ومن نماذجها أيضاً كراهية الجهاد، فالمنافق لا يحب الجهاد ولا يتمناه، أما المسلم فإنه يطبق حديث الرسول ﷺ : (من لم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو مات على شعبة من نفاق). وكذلك الكسل عن القيام بأداء الصلاة، فتجده في فراشه يتململ ويتكاسل، لكن لو دعي إلى وليمة أو دعي إلى أمر مفرح أو غير ذلك، فإنك تجده كالحصان في الذهاب إلى هذا العمل، أما في الصلاة فلا، فالتكاسل عن أداء الصلاة هذا يعد شعبة من شعب النفاق. وكذلك عدم ذكر الله إلا أقل القليل، أو في أقل القليل إما مجاملة أو أمام آخرين، فهذا يعد كذلك من النفاق العملي الذي لا يخرج من الملة في الأصل، ولا يعامل صاحبه معاملة رجل قد خرج من الملة يستحل دمه إذا ثبت عليه هذا النفاق، لكن إذا توافرت فيه هذه الصفات فقد يخرج من رفقة الإسلام.
следующие страницы →