Полный текст (556 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
أنواع النفاق
النفاق ينقسم إلى نوعين: النفاق الاعتقادي، والنفاق العملي.
стр. 212
النفاق الاعتقادي وأقسامه
النفاق الاعتقادي: هو الذي يعتقده الإنسان بقلبه وبفؤاده وبضميره داخل صدره، لا يخرجه أمام الناس في الأصل، لكن فيما بعد يخرج أمام الناس لا محالة؛ لأنك سترى ذلك على وجهه وفي فلتات لسانه، وفي تصرفاته، وفي سلوكه، وهذا النفاق ينقسم إلى سبعة أقسام: القسم الأول: التكذيب الكلي للرسول ﷺ ، وعدم تصديق خبره أي: تكذيبه تكذيباً كاملاً، وقد يقول قائل: إذا كان يكذب الرسول ﷺ تكذيباً كاملاً فهل يعتبر منافقاً؟
الجواب
هذا يعتبر كافراً؛ لأن هناك شعرة دقيقة بين هذا وهذا وهي أن المنافق إذا جاء عند المسلمين أظهر الإسلام، لكن إذا دخل مع غيره من أصدقائه وزملائه وغيرهم، فإنه يظهر التكذيب الكلي لما جاء به المصطفى ﷺ ، فهذا أخذ الكل فكذب به.
وكل النقاط التالية عبارة عن إظهار شيء وإخفاء خلافه، وبالتالي فلا تفهم من هذا أنه يعلن ذلك علناً؛ لأنه لو أعلنه علناً لدخل في زمرة الكفار، ولخرج من زمرة المنافقين، فهذا القسم يظهر ما يبطن، أما أن يخفي هذا ويظهر غيره فهذا هو الخطر.
القسم الثاني: تكذيب بعض ما جاء به الرسول ﷺ ، فتجده في مجالسه الخاصة يكذب أموراً ثابتة ثبوتاً قطعياً عن المصطفى ﵊، فهو لا يكذب بأمور ليست أساسية في الدين، كأمر ورد فيه حديث حسن، لم ترد فيه آية ولا حديث متواتر، ولا حتى حديث صحيح، وإنما هو حديث حسن ليس من جهة أنه جاء عن الرسول ﵇، لكن من جهة أن هذا الحديث في سنده أو في متنه ضعف أو فيه غير ذلك فيكذبه، بل المقصود: أن يكذب أمراً ثابتاً عن المصطفى ﵇.
القسم الثالث: بغض الرسول ﵇.
القسم الرابع: بغض ما جاء به الرسول ﷺ ، مثل الحجاب ثبت في القرآن وثبت في السنة، فتجد إنساناً يبغض ذلك، هو اسمه فلان بن فلان، اسم إسلامي كامل، ومسلم ويصلي ربما، ومع ذلك يبغض الحجاب؛ لأنه جاء عن الرسول ﷺ ، أو لأنه لا يعجب هواه، وبذلك تجده يعارض، وينتج عن هذا البغض أن هذا الرجل يدخل في زمرة المنافقين، وأنبه هنا إلى نقطة مهمة وهي: أنه كثيراً ما يدخل الإنسان في النفاق وهو لا يشعر، وقد ثبت ذلك عن الصحابة والتابعين، كانوا يرددون ذلك مراراً وتكراراً، أنه يدخل في النفاق ولا يشعر، وقد روي عن عروة بن عبيد الله بن عبد الله بن مسعود أحد تابعي التابعين أنه قال: ليتق أحدكم أن يكون يهودياً أو نصرانياً وهو لا يشعر، وروي وثبت: أنكم تعملون أعمالاً هي أدق في أعينكم من الشعر، كنا نعدها على وقت رسول الله من الموبقات، وفي نص آخر: من النفاق، أدق في أعيننا من الشعر، لا قيمة لها وربما لا ترى، ومع ذلك كان الصحابة يعدونها نفاقاً.
إذاً: قضية النفاق قضية حساسة تحتاج إلى وقفات، وتحتاج إلى تنبه، فبغض بعض ما جاء به الرسول ﷺ هذا وارد كثيراً، خاصة من الصحفيين والكتاب والأدباء، يحصل كثيراً منهم ذلك، فتجدهم قد دخلوا في زمرة النفاق، شعروا أو لم يشعروا.
القسم الخامس: المسرة بانخفاض دين الإسلام.
القسم السادس: الكراهية بانتصار دين الإسلام.
فالكراهية بانتصار دين الإسلام: فإذا كان هناك جماعة إسلامية تريد الظهور والبروز ونشر الدعوة وغير ذلك، وتدخل في معترك سياسي معين، فتجد أن البعض يكره لهذه الجماعة أن تظهر، ويتمنى أن تظهر الجماعة المخالفة سواء كانت اشتراكية أو ماركسية أو غير ذلك من الجماعات.
فهذا يعد بحد ذاته باباً من أبواب النفاق قد يدخل صاحبه في النفاق الاعتقادي المخرج من ملة الإسلام.
وكذلك المسرة بانخفاض دين الإسلام، وأنا لا أذكر الأشياء الظاهرة البينة الواضحة، لكن أفترض أن هناك محل تسجيلات إسلامية، وجاء إنسان ورأى أن هذه المحلات قد أغلقت بسبب ما، ومحلات التسجيلات تحارب باستمرار، فرآها قد أغلقت، فتجده يفرح لأن هذا المحل قد أغلق، والفرح ليس نابعاً لأن هذا المحل أغلق، فهذه القضية نبعت من أن هذا الرجل كره أن يكون لدين الإسلام ارتفاع، فعندما انخفض في هذا الجانب الدقيق البسيط، فرح بذلك، فيعد هذا باباً من أبواب النفاق، ولذلك اربطوا هذا الكلام بقول الصحابة والسلف رضوان الله تعالى: إنكم تعملون أعمالاً هي في أعينكم أدق من الشعرة، كنا نعدها من النفاق على وقت رسول الله ﷺ .
القسم السابع: اعتقاد أنه لا يجب اتباع المصطفى عليه الصلاة السلام في قضية أو في قضايا، أحياناً يقول بعض الناس: هذه القضية حقيقة تنفع في أيام كان عصر المدينة عصراً صغيراً ومجتمعاً منظماً بشكل بدائي، والقضية ليست قضية تداخلات دولية واقتصاد عالمي وغير ذلك، فهذه تنفع، أما في هذا الزمان فلا، وهذا مثل العلمانيين، فالعلماني دائماً يدخل تحت هذا الباب، تحت قضية عدم وجوب اتباع الرسول ﷺ في كل القضايا أو حتى في قضية واحدة، فتجده مصلياً ويحافظ على الصلاة، ومن أحسن الناس في هذا الجانب، لكنه يأتيك من جانب الاقتصاد فيقول لك: لا يا أخي! الربا حرام في المدينة؛ لأن المجتمع كان صغيراً، أما الآن فلا، ما نستطيع أن نقول ذلك؛ لأن السياسة الاقتصادية الدولية تفرض علينا ذلك، فلا بد أن نساير السياسة الدولية وإلا تخلفنا عنها، فتجده يدافع عن هذا الباب وعن هذا الجانب، هذا الرجل العلماني يدافع عن هذا الجانب؛ لأنه أراد أن يفصل الدين عن الاقتصاد، هذا الرجل يعد منافقاً في هذه القضية، ولذلك ما أكثر المنافقين في هذا الزمان وفي هذا العصر، كثيرون جداً في هذه التفصيلات وبهذا التوسع.
стр. 213
وقفة مع كتاب الصحافة والإعلاميين والرؤساء
كثيراً ما تسمع خطابات من رؤساء دول أو غير ذلك يتحدث عن الإسلام والحكم بالدين وأشياء كثيرة جداً، فإنك إذا انتقلت إلى الواقع العملي في بلد هذا الرجل، لوجدت أن اسمه إسلامي صرف، وزين العابدين بن علي، نأخذه كمثال صريح، معمر القذافي مثال صريح، هؤلاء جميعاً وغيرهم كثير أحياناً في خطبهم يصرحون بأن دولتهم إسلامية، وأنهم من ضمن منظمة المؤتمر الإسلامي، ورابطة العالم الإسلامي، وغير ذلك من المنظمات، ثم في النهاية تجد أن هذا قد سجن ستين ألفاً أو سبعين ألفاً، وهذا يشنق المسلمين في كل يوم وفي كل ليلة، وهذا ينشر مذهب كذا، وهذا وهذا إذاً: أين قوله من فعله؟ هنا تناقض عجيب جداً، فمثل هذا منافق بقلبه مسلم بلسانه، وهذا هو الواقع، ولذلك كثير من زعامات العالم الإسلامي يطبقون المنهج النفاقي بشكل ثابت وظاهر.
ومن القضايا الأخرى: قضية الإعلاميين.
فالإعلامي يتحدث كثيراً وتجده أحياناً يتحدث في قضايا عجيبة جداً، أحياناً يقدم برنامجاً دينياً وأنت تتلذذ حين تسمع هذا البرنامج، وبعد أن ينتهي مباشرة تجده يقدم في لقاء آخر برنامجاً كفرياً صراحاً، معنى هذا: أن هذا الرجل أظهر لك شيئاً وأخفى شيئاً آخر، أظهر جانباً إسلامياً للناس، وأظهر جانباً غير إسلامي لأناس آخرين فظهر بوجهين، وذو الوجهين كما ثبت عن السلف ﵏ يعد منافقاً؛ لأنه يأتي هؤلاء بوجه، وهؤلاء بوجه.
стр. 214
حكم النفاق الاعتقادي
النفاق الاعتقادي كما تعرفون يوجب الخلود في النار، ومن مات وهو منافق نفاقاً اعتقادياً دخل النار بل ودخل الدرك الأسفل: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء:١٤٥]، فالجنات درجات والنار دركات، فآخر دركة في النار هي خاصة بالمنافقين، لضررهم الشديد على الأمة الإسلامية، ولذلك كثيراً ما نخدع بهؤلاء، كثيراً ما نخدع بالمنافقين، فتجده رجلاً يبدو على سيماه الصلاح والتقى والورع والثوب القصير واللحية، فهو رجل يعجبك؛ لأنك ليس لك إلا الظاهر، لكن قلبه قلب ذئب يكيد للأمة، ويكيد للإسلام، ويكيد للمسلمين، هذا هو المنافق.
إذاً: نخدع بالمنافقين دائماً، وقد خدع الجيل الأول بالمنافقين، فما بالنا لا نخدع نحن، خدع المسلمون بل الصحابة بـ عبد الله بن سبأ ابن السوداء الصنعاني اليماني المعروف، خدعوا به فأثر تأثيراً ليس باليسر، ولهذا يأمرنا الإسلام أن نتوخى في الانتقاء، ونحذر في التعرف على الناس وخاصة في هذا الزمان الذي كثرت فيه الفتن، ربما يغلب كما قال البعض إساءة الظن على حسن الظن في هذا الزمان.
стр. 215
النفاق العملي
أما النفاق العملي: هو العمل الذي يعمله الإنسان بظاهره، كما ثبت عن الرسول ﷺ أنه قال: (أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً، ومن كان فيه واحدة منهن كان فيه شعبة من نفاق: إذا حدث كذب، وإذا اؤتمن خان، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر) ذكر منها قضية الأمانة، وقضية الوفاء بالعهد، وقضية الكذب، وغيرها من القضايا.
هذه القضايا بمجموعها قضايا لا يتصف بها إلا من كان إيمانه ضعيفاً، وبالتالي لا يهمه أن تكتب عليه سيئات، أو يكون كاذباً أو يكون فاجراً أو يكون غداراً أو لا يهمه، فإن قلت: فإذا تكرر منه هذا وهذا وهذا وهذا؟ قال ابن تيمية ﵀: إن هذه منافية لكمال الإيمان الواجب، لكن إذا تجمعت وتأصلت في القلب، فإنها تطرد الإيمان بالكلية، ولذلك كما قال المصطفى ﵇: (من كن فيه كان منافقاً خالصاً) أي: خرج من الإسلام وصار منافقاً وليس بمسلم، حتى وإن صلى وإن صام وإن زعم أنه مسلم.
ومن نماذجها أيضاً كراهية الجهاد، فالمنافق لا يحب الجهاد ولا يتمناه، أما المسلم فإنه يطبق حديث الرسول ﷺ : (من لم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو مات على شعبة من نفاق).
وكذلك الكسل عن القيام بأداء الصلاة، فتجده في فراشه يتململ ويتكاسل، لكن لو دعي إلى وليمة أو دعي إلى أمر مفرح أو غير ذلك، فإنك تجده كالحصان في الذهاب إلى هذا العمل، أما في الصلاة فلا، فالتكاسل عن أداء الصلاة هذا يعد شعبة من شعب النفاق.
وكذلك عدم ذكر الله إلا أقل القليل، أو في أقل القليل إما مجاملة أو أمام آخرين، فهذا يعد كذلك من النفاق العملي الذي لا يخرج من الملة في الأصل، ولا يعامل صاحبه معاملة رجل قد خرج من الملة يستحل دمه إذا ثبت عليه هذا النفاق، لكن إذا توافرت فيه هذه الصفات فقد يخرج من رفقة الإسلام.
стр. 216
الكفر الاعتقادي وأقسامه
الكفر ينقسم إلى قسمين اثنين: كفر اعتقادي، وكفر عملي.
أما الكفر الاعتقادي: فهو كفر يخرج من الملة ويوجب الخلود في النار، فصاحبه خالد مخلد في النار وخارج عن ملة الإسلام، وإذا ثبت عليه ذلك فإنه يعامل معاملة المرتد الذي يستتاب فإن تاب وإلا قتل، وهذا الكفر له خمسة أقسام:
стр. 217
القسم الأول كفر التكذيب والجحود
كما في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ﴾ [العنكبوت:٦٨]، فهذا تكذيب وجحد.
والتكذيب والجحود ينقسم إلى قسمين اثنين: القسم الأول: تكذيب ذات الشيء الذي ورد إليه.
والقسم الثاني: جهة التكذيب.
فجهة التكذيب تنقسم إلى قسمين: القسم الأول: اعتقاد كذب الرسل.
فيعتقد أن الرسل ليسوا على صواب، وأنهم كذبة، وأنهم جاءوا لمصلحة ذاتية ولأمر شخصي وغير ذلك، وهذا قليل؛ لأن الرسل أول ما يأتون يبينون أنهم لا يريدون أجراً، ولا يريدون غنيمة، ولا يريدون متاعاً، ولا ملكاً، ولا سلطاناً ولا غير ذلك، وكما ثبت عن الرسول ﷺ أن زعماء قريش أتوا إليه وقالوا له: إن كنت تريد مالاً جعلناك أكثرنا أموالاً، وإن كنت تريد ملكاً ملكناك، وإن كنت تريد نساء أعطيناك، فقال: لا.
إذاً: هو لا يريد إلا تبليغ الدعوة، لذلك هذا الأمر جعل الناس لا يكذبون بالرسل؛ لأنهم يعرفون أن الناس يهدفون إلى مصالح شخصية، أما الرسل فلا يريدون إلا طاعة هؤلاء ليس لهم، ولكن لله .
القسم الثاني: التكذيب باللسان مع إقرار القلب.
تجده يكذب بلسانه لكن قلبه مقر بذلك، وعلى رأس هؤلاء كما عرفنا مسبقاً فرعون، قال تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل:١٤]، فهو مكذب جاحد، تكذيبه تكذيب جحود، جحد برسالة موسى بلسانه، لكن قلبه مؤمن بها ومقر بها.
وكذلك قوم ثمود: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا﴾ [الشمس:١١]، كذب هؤلاء بما جاءهم رسولهم ﵇ من الأمر والنهي، فكذبوا ظاهره ولكن إيمانهم الباطني ثابت.
وكذلك ما ثبت عن قريش أن الله سبحانه تعالى قال عنهم: ﴿فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام:٣٣]، ولذلك ثبت عن أبي جهل أنه قال: كنا نحن وبنو هاشم كفرسي رهان، فكانوا ينفقون وننفق، وكانوا يفعلون ونفعل، وكانوا وكانوا والآن لهم نبي فمن أين لنا ذلك؟! إذاً: القضية ليست قضية تكذيب كلي، بل تكذيب ظاهري، أما الباطني فقد كان هناك إقرار ثابت لذلك الأمر.
أما جهة المكذب به، فينقسم إلى قسمين: القسم الأول: تكذيب أو كفر عام كامل، كمن يجحد جميع فروض الدين، يجحدها كاملة بلا استثناء، أو أن يجحد شيئاً معيناً، كأن يجحد فرضاً، أو يحلل حراماً، أو يحرم حلالاً، أو يجحد صفة من الصفات أو غير ذلك، فهذا يعتبر كذلك كافراً كفراً أكبر اعتقادياً مخرجاً من الملة، فتجده مثلاً يمشي على منهج الإسلام لكنه يحلل الربا، ولا يوجد شيء اسمه ربا، ففي هذه الحالة هو كذب أمراً معلوماً من الدين بالضرورة في القرآن وفي السنة، بما لا يتطرق إليه شك، وبالتالي يكون هذا الرجل قد كذب من ناحية جهة المكذب به تكذيباً جحودياً، فيكون قد كفر كفراً اعتقادياً، أما من كذب شيئاً أو أنكر شيئاً من باب التأول أو الجهل أو غير ذلك، فهذا ربما يلتمس له العذر حتى يتبين له الأمر، كما ثبت عن الأشاعرة مثلاً أنهم يتأولون بعض الصفات، أو ينكرون بعض الصفات مع أنها ثابتة في القرآن، وليس إنكاراً عن علم، لكنه إنكار عن جهل أو إنكار عن تأول أو غير ذلك، فهؤلاء الناس لا يعاملون معاملة الكافرين، لكن يلتمس لهم العذر حتى توضح لهم الحجة.
وكذلك ما ثبت في صحيح البخاري ومسلم أن رجلاً كان مسرفاً على نفسه إسرافاً عجيباً، وعندما أحس بدنو أجله، قال لأهله: إذا أنا مت فحرقوني، ثم خذوا رمادي وذروه في البحر، فلعل الله لا يقدر علي.
فهنا جحد قدرة الله ؛ لأنه قال في نفسه: أنه إذا مات وأحرق وطحن ثم ذروه في البحر ضاع رماداً، فعند ذلك أمر الله بكل شيء أن يجمع ما سقط فيه ثم أحياه، فسأله: ما الذي دعاك إلى ذلك؟ فقال: خوفك يا رب! فهو جحد القدرة، لكن الجحود هنا ليس جحود تعمد، بل جحود تأول، وبالتالي فقد غفر الله له كما ثبت ذلك في البخاري.
وكذلك ما ثبت عن الإمام الشافعي أنه قال: ناظروا القدرية في العلم، الذين يقولون: إن الله لا يعلم الأمور إلا بعد أن تحصل، فإن أقروا به خصموا، وإن جحدوه كفروا.
إذاً: هم جاحدون أصلاً، لكن لا يثبت عليهم الكفر إلا بعد أن تقوم عليهم الحجة، فقال: ناظروهم بالعلم إن أقروا به خصموا وانتهت القضية، وإن جحدوا انطبق عليهم كفر التكذيب والجحود، وذلك من باب التكفير في مسألة المكذب به في فرض معين أو في مسألة معينة.
стр. 218
القسم الثاني كفر الإباء والاستكبار مع التصديق
هو مصدق ومؤمن بقلبه وبلسانه ومقر بذلك، لكنه وصل إلى درجة الاستكبار والتكبر على ما جاء به الرسول ﷺ أو عموم الرسل، ومن أبرز هؤلاء فرعون، فهو كان يعلم أن موسى صادق: ﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَائِرَ﴾ [الإسراء:١٠٢]، لكن ﴿فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤]، وقال: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص:٣٨].
إذاً: هو مقر، لكنه استكبر وأبى، باعتبار أنه إن آمن فقد هذا الملك، فكان الإباء والاستكبار هو الداعي له لهذا التكذيب.
كذلك إبليس: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٣٤]، فكانت النتيجة أنه انقلب إلى الكفر.
إذاً: الإباء والاستكبار هنا وارد بالنسبة لإبليس، فهو مقر بربوبية الله وألوهيته، كما في قوله تعالى: ﴿إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الأنفال:٤٨]، وكما ورد في آيات كثيرة، لكن الإباء والاستكبار هو الذي جعله يرد هذا المورد المهلك.
وكذلك اليهود، فقد ثبت في القرآن الكريم أنهم يعرفون الرسول كما يعرفون أبناءهم، بل وأشد من معرفتهم لأبنائهم؛ لأنه ثبت أنهم قد جاءوا إلى الرسول ﷺ وقالوا: يا محمد! والله إنا لنعرفك أشد مما نعرف أبناءنا؛ لأننا قد يتطرق إلى أبنائنا الشك في مسألة أن تكون زوجة أحدهم قد جاءها طفل من غيره، بطريقة أو بأخرى، أما أنت فنعرفك أشد مما نعرف أبناءنا، ومع ذلك كفروا؛ لأنهم استكبروا استكبار حسد وتكبر.
إذاً: القضية قضية تكبر، وليست قضية أن هناك لبساً، أو أن هناك شكاً في هذه النبوة.
كذلك ما ثبت عن أبي طالب عم الرسول ﷺ فقد مات على الكفر: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص:٥٦]، فقد ثبت أنه قال: ولقد علمت بأن دين محمد من خير أديان البرية ديناً إذاً: هو أقر مع التصديق، وهذا هو كفر الإباء مع التصديق.
وفي البيت الثاني قال -كأنه يلتمس لنفسه عذر-: لولا الملامة أو حذار مسبة لوجدتني سمحاً بذاك مبيناً فهو يخاف أن يقول له أبو جهل: تركت دين عبد المطلب، تركت دين آباءك، تركت دين أجدادك.
فهنا بسبب هذين الأمرين لم يلتزم بدين الرسول ﷺ مع العلم أنه كان مصدقاً، فكان مستكبراً آبياً، فكفره كفر إباء واستكبار، أبى أن يؤمن لهذا السبب.
كذلك ما ثبت عن أبي جهل أنه كان يقول: كنا وبنو هاشم كفرسي رهان، كانوا ينفقون وننفق، ويتصدقون ونتصدق، ويطعمون ونطعم، ويكرمون ونكرم.
كفرسي رهان أي: بجانب بعض لا تدري أيهما يسبق.
لكن في نهاية المطاف قالوا: منا نبي، فمن أين لنا بنبي؟ إذاً: ليس هناك إلا الكفر الدائم بالرسول ﷺ ، فأثبت ذلك وأقر هذا الأمر.
كذلك ما ثبت عن الرجال بن عنفوة الذي كان وزيراً لـ مسيلمة الكذاب، عندما جاءه رجل يحاجه في مسألة الرسول ﷺ ، فكذب مسيلمة وقال: والله! إنني أعلم أن محمداً صادق، وأن مسيلمة كاذب، ولكن كاذب ربيعة أحب إلي من صادق مضر، والنبي ﷺ من مضر، ومسيلمة من بني حنيفة من ربيعة.
إذاً: هو مصدق ومؤمن بالأمر بجملته، لكن قضية الإباء والاستكبار والتكبر هو الذي جعله يقول هذا الأمر.
стр. 219
القسم الثالث كفر الإعراض
وكفر الإعراض: هو أن يعرض عن الدين جملة وتفصيلاً، لا يتعلمه ولا يأخذه ولا يريد أن يتعلمه، وخير مثال على ذلك ما ذكره علماء السير أن الرسول ﷺ عندما ذهب إلى الطائف ووجد مجموعة من أكابرها ومشهوريها، وهم ثلاثة إخوة من بني عبد يا ليل بن كلال، وكانوا زعماء ثقيف هناك، فجلس إليهم وقال لهم كلاماً كثيراً، فصرح أحدهم وقال: والله! إن كنت صادقاً فأنت أجل في عيني من أن أكلمك، وإن كنت كاذباً فأنت أحقر في عيني من أن أكلمك.
إذاً: هو لا يريد أن يكلمه أبداً، لا من هنا ولا من هنا، فهو لا يريد أن يكلمه إذا كان صادقاً، ولا يريد إن يكلمه كذلك إن كان كاذباً.
إذاً: لا يريد أن يكلمه في الحالتين، وهذا نوع من الإعراض الكلي.
وكفر الإعراض هنا موجود كثيراً، فأنت تجد إنساناً يعرض عليه الإسلام، أو يعرض عليه الدين فيقول لك: لا تكلمنا عن الدين، اترك الدين جانباً، ولكن كلمنا فيما جئنا من أجله، أو في القضية الفلانية، فهذا معرض، فيدخل في مسمى كفر الإعراض.
стр. 220
القسم الرابع كفر الشك أو الظن
وهذا النوع من الكفر، كفر الشك أو الظن، كفر ظني أول أمره، ثم بعد ذلك ينتقل صاحبه، فإما أن يكون معرضاً، وإما أن يكون مؤمناً، وخير مثال على ذلك: كفر صاحب الجنتين، فالذي ذكره الله في سورة الكهف: ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا * وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً﴾ [الكهف:٣٥ - ٣٦].
فالكفر ظاهر في قوله: (مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا) إلى الأبد.
وقوله: (وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً) هذه الناحية الثانية.
ثم في المقابل قال: ﴿وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنقَلَبًا﴾ [الكهف:٣٦].
إذاً: هنا شك وظن أنها ستستمر إلى الأبد، وأن الساعة لن تقوم، ثم يأتيه الشك مرة أخرى فيقول: (وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنقَلَبًا)، فصار يعيش في مرحلة شك عجيبة.
فجاءه صاحبه وبدأ يقنعه ويحاول أن يقنعه فما اقتنع، فقد أعرض مباشرة عندما قال: ﴿أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا﴾ [الكهف:٣٤]، فهنا نصحه وأعرض.
فكفر الشك أو الظن لا يمكث مع الإنسان، لكنه يتحول إلى إيمان أو يتحول إلى إعراض بعد ذلك.
стр. 221
القسم الخامس كفر النفاق
فالمنافق هو كافر، وكل منافق كافر، وليس كل كافر منافق، فكل منافق يعد كافراً، فجمع مع الكفر نفاقاً، أما الكافر فلا يعد منافقاً ولا يأخذ طابع النفاق، لذلك فإن الكافر قد أخذ مرتبة واحدة وهي الكفر، أما المنافق فقد جمع على الكفر نفاقاً، ولذلك كانت عقوبته أشد، فكان ممن جعلهم الله في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيراً.
هذا ما يرتبط بالكفر الاعتقادي الذي يعتقده الإنسان بقلبه.
стр. 222
الكفر العملي وأقسامه
النوع الثاني: الكفر العملي المحسوس الملموس، وينقسم هذا الكفر إلى نوعين اثنين: عملي أكبر، وعملي أصغر.
стр. 223
الكفر العملي الأكبر
الكفر العملي الأكبر كثير جداً، وهو أي عمل أو تحرر أو تطرف يخرج الإنسان من الإسلام عندما يأتي به، فسواء كان ذلك تلفظاً أو حركة بأحد جوارحه، أو غمزاً أو لمزاً أو غير ذلك، كل هذا يعد كفراً.
فمثلاً لو لفظ بالكفر، قال: لصنم أو لرجل أو غير ذلك: أنت إلهي، أو أنت ربي، أو غير ذلك، أو أن الرسول كافر، أو لا إله والحياة مادة فقد كفر بهذا التلفظ.
إذاً: تلفظ بألفاظ تخرجه من الإسلام، وهذا كفر عملي؛ لأنه عمله بلسانه فخرج من الإسلام.
وكذلك سجوده للصنم أو للحجر أو للقبر أو لغير ذلك، يعد كفراً عملياً أكبر يخرجه من الملة.
كذلك الاستهانة بالمصحف، كما يحصل من كثير من الناس، وخاصة من الشيعة، كما ثبت ذلك أن المصحف بالنسبة لهم مهان لا يعترفون به وستعرفون ما حصل من حوادث أخيرة، عندما كانوا يأتوننا بالورق المقطع الذي تقطعه المطابع، ويوضع في كراتين التفاح، وقد جاءت مجموعة كبيرة من الكراتين إلى هذه البلاد، وانتشرت في كثير من المدن.
هذا نوع من الاستهانة بالمصحف يخرجهم من ملة الإسلام.
وكذلك قتل النبي أو إهانته أو سبه، كما ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه الصارم المسلول: أن من كذب نبياً فقد كفر أو خرج من رفقة الإسلام.
стр. 224
الكفر العملي الأصغر
أما الكفر العملي الأصغر فقد ورد كثيراً في نصوص شرعية تسميته كفراً، لكنه لا يصل إلى درجة الكفر الأكبر، ومن ذلك نصوص كثيرة جداً، من ذلك: (من أتى كاهناً فصدقه فقد كفر بما أنزل على محمد)، ذهب شخص إلى كاهن من الكهان، وسأله سؤالاً من الأسئلة، وتعرفون الآن أن كثيراً من الكهان في كثير من البلاد ينتشرون ويتعاملون مع قرنائهم من الجن، فيعطونهم معلومات قد تكون خاصة فيما يرتبط بالماضي صادقة، وكثير من العامة الذين يسافرون إلى البلاد الأخرى مثل المغرب ومصر وغيرها يتعاملون معهم، وقد سألت أناساً سألوهم، وأذكر شخصاً عمره خمسة وخمسون سنة، ذهب إلى واحد من الكهان في مصر، يقول: جلست معه، فقال لي كل المعلومات الداخلية الخاصة بي، يقول: أخبرني عن أمور خاصة جداً، ذكرها لي ولا يعرفها أحد إلا أنا وزوجتي، يقول لي الكاهن: واسمك واسم أولادك وأسماء بناتك، وأسماء كذا، وبيتكم في المكان الفلاني، ولونه كذا، وسيارتك لونها كذا، وغرفة النوم لونها كذا، والفراش لونه كذا، وو حتى وصل إلى أشياء لا تعرف إلا بيني وبين زوجتي في ملابس داخلية أو غير ذلك، فيقول: انذهلت من ذلك، شيء غريب.
فهذا الكاهن ذكر له الماضي، مثلما يقولون: قراء الفنجان، أو قراء الكف، أو الضرب بالحصى أو الرمل أو غير ذلك، وهذا موجود بكثرة في هذه الدول، إذ يأتي رجل عليه شخصية وهيئة، ومعه فنجان صغير وصندوق، وهذا الصندوق فيه بعض الأدوات، فهذا يصيح بلحن معين، ويدعو إلى قراءة مستقبلك، فتناديه، وتذهبون إلى رصيف من الأرصفة ويبدأ هو في أخذ فنجان ويخطط فيه أو ينظر فيه، أو يأخذ كفك ويخطط فيها، كأنه يقرأ المستقبل كما يقولون، أو يأخذ رملاً ويخطط فيه أو غير ذلك، وكل هذه الحركات لا قيمة لها، فقط هو ينتظر أن يأتي قرينك من الجن بالمعلومات ليعطيها قرينه من الجن، فيصبها في ذهنه أو في روعه فينفث بها، هذا هو المنهج، وإلا فإن القراءة هنا لا قيمة لها، بل كلها متساوية، ثم بعد ذلك يعطيه المعلومات، ثم يقول: لحظة: أقرأ لك المستقبل، وهنا انتهى دور القرين، لأن المستقبل علم غيب ولا يعلمه إلا الله، لكنه يربط الماضي بالحاضر وبالمستقبل، فلا يأتي رجل عمره خمسون سنة أو ستون سنة، ويقول له: أنت ستتخرج من الثانوية أو من الجامعة، أو ستتزوج وعمرك ثمانون سنة أو تسعون سنة، أو غير ذلك، لا، لكنه يعطيك أشياء مناسبة، فعندما يكون عمرك ثلاثين سنة أو خمسة وعشرين سنة، ويعرف أنك غير متزوج، يقول: أنت ستتزوج، وستتخرج من الجامعة، وسترزق كذا، وسيأتيك كذا، ويعطيك أشياء جميلة، ثم يعطيك حالة خاصة فيها نوع من الألم، كأن يقول: ستصاب بحادث وستنجو منه، أو ستصاب بسكر في جسدك وستنجو منه وتشفى منه بسرعة، وبهذا الأسلوب يتعامل معك، حتى لا تكون المسألة مفضوحة، ثم تعطيه وتغدق عليه العطاء، فهؤلاء الذين يأتون الكهان قد كفروا كفراً أصغر.
كذلك ما ثبت عن المصطفى ﵇ أنه قال: (سباب المؤمن فسوق وقتاله كفر) فقتاله كفر أصغر.
وكذلك ما ثبت عن الرسول ﷺ أنه قال: (اثنتان في أمتي هما بها كفر: الطعن في النسب، والنياحة)، فالطعن في الأنساب الآن من الأمور التي عمت وطمت في هذا الزمان، هذا خضيري وهذا قبيلي، هذا خط ١١٠، وهذا خط ٢٢٠، وهذا عبد وهذا نذل، هذه كلها داخلة تحت هذا التحذير النبوي العظيم: (اثنتان في أمتي هما بها كفر: الطعن في النسب) الطعن في الأنساب كأن تطعن فيه فتقول: هذا الرجل من أين جاء، جاء من المريخ، جاء من القمر؟ جاء من آدم! وأنت من آدم! وكلنا من آدم، وكلنا نرجع إلى التراب فلماذا تقول: لا بد أن يلتزم مع أناس أقوياء، فيكون أفضل له؟! وربما يغير في اسمه، وربما لا يأتي باسمه الحقيقي حفاظاً على روحه، وبالتالي هذا يعتبر خارجاً عن الأصل.
هذه القضية موجودة ومنتشرة في المجتمعات، فكلما انتشر الجهل فيها انتشرت، وكلما علم العلم الشرعي وظهر وبرز تلاشت، ولذلك كلما كان المجتمع جاهلياً في فكرة كانت هذه متأصلة، وكلما قل المجتمع وابتعد المجتمع عن هذه الجاهلية وجد أنها قد ضعفت فيه شيئاً فشيئاً، ولذلك في مجتمعنا الآن بدأت تضعف وتقل ولله الحمد، ومن الشيء الغريب جداً: أن يأتيك رجل من الصلحاء الأتقياء البررة، وعنده بنت لكنها غير مناسبة، إما أنها أشرف منه أو أقل شرفاً فلا يتزوجها، ويذهب ويتزوج من لبنان أو من سوريا أو من مصر، لا تعرف أصله وفصله، ومع ذلك تمدح هنا، وتذل من هنا، لأن المفاهيم عندنا منحرفة، فانحراف المفاهيم بهذه الطريقة وبهذه الكيفية تحتاج إلى توعية من الشباب وإلى فهم منهم، فاعلم أن كثيراً من العلماء السابقين كانوا أبناء إماء، فقد ثبت ثبوتاً كاملاً قطعياً أن الأئمة السبعة المشهورين كانوا أولاد إماء، بل وثبت أن المشهورين من الحكام كانوا أولاد إماء، منهم: هارون الرشيد كلكم تعرفونه أمه امرأة اشتريت من السوق وجارية، ثم في النهاية ولدت رجلاً من أعظم الرجال، والمأمون كذلك أمه جارية.
إذاً: فقضية الطعن في النسب لا بد من الانتباه لها.
стр. 225
الهندوس ومراحل تطورهم
كان الهندوس متخفين لضعف قوتهم، لكنهم الآن تنمروا وبرزوا وظهروا من قبل الاستعمار وأبرزوهم، وكان لهم دور ليس باليسير في حرب الإسلام والمسلمين، وتعاون عجيب جداً مع كل أعداء الإسلام، للقضاء على الإسلام في القارة الهندية، بل وفي غير القارة الهندية، هؤلاء الهندوس يعدون من الفرقة التي تحتاج إلى عرض مفصل عنها، وما يرتبط بها، لاعتبارات متعددة، لعل أبرزها أن الكتابات عن هذه الفرقة وعن ديانتها وأفكارها ضعيفة وليست باليسيرة، وهذه الفرق من الفرق التي لم تأخذ حقها من الدراسة والبحث، فكلنا نعرف أن هناك هندوس يعبدون البقر، لكن ما هي ديانتهم، وكيف يتعاملون مع ديانتهم، وما هي كتبهم المقدسة، وأين تواجدهم، وما هو نشاطهم، وما هو موقفهم من الإسلام والمسلمين ودورهم في إبراز الفرق في داخل المجتمع المسلم؟ وأضرب لكم مثالاً: البرياولية، القرآنيون، البهائية، القاديانية، البابية، كلها فرق، كل هذه الفرق كان للهندوس دور في إظهارها، وكان لهم دور في إبرازها، فإذا عرفت هذه الفرقة، لعلك تعرف الأسباب التي أدت إلى بروز هذه الفرق.
стр. 226
الأسئلة
стр. 227
كيفية معرفة العمل الكفري الأصغر والعمل الكفري الأكبر
السؤال
ما الدليل على أن العمل الفلاني من العمل الكفري الأصغر، والآخر من الأكبر، وهل يساوى مثلاً سباب المسلم إتيان الكهان، نرجو التفصيل؟
الجواب
الكفر العملي الأكبر والأصغر، المقياس فيها: هل هذا العمل ينافي التوحيد، أو ينافي كماله الواجب، فإذا قلت مثلاً: سجود لصنم، هذا معناه: يلغي التوحيد بأكمله، لأنه ألغى أساس التوحيد، فألغى بقية الدين، لكن قضية إتيان الكاهن، إذا صدق الكاهن بما قال كفر كفراً أصغر حسب الحديث، لكن إذا اعتبر الإنسان أن هذا الكاهن يعلم الغيب، وأنه عنده القدرة على معرفة الغيب فعلاً، وأنه، وأنه، وأعطاه حجماً فوق حجمه، قد يؤدي ذلك إلى الكفر الأكبر، والفاصل دائماً بين قضايا الأصغر والأكبر أحياناً تصل إلى درجة أن القليل من الناس يستطيع أن يكتشفها، كما في الشرك الأكبر والشرك الأصغر والشرك الخفي، كذلك هناك شعارات دقيقة من الممكن أن ينتقل الإنسان من الشرك الأصغر إلى الشرك الأكبر بدون أن يشعر، فهذه القضايا لا يشعر بها الإنسان إلا إذا درس هذه القضية من شتى جوانبها، وعرف أن هذا ينافي كمال التوحيد، وهذا ينافي تمام التوحيد، فهذا يعتبر أكبر وهذا يعتبر أصغر، وعلى ذلك قس.
стр. 228
تسجيل الدروس حتى لا يفوت منها شيء
السؤال
هل من الممكن إحضار جهاز تصوير شخصي صغير الحجم لتسجيل الدرس حتى لا يفوت شيء؟
الجواب
يبدو أن ذلك حسب كثرة المسائل في هذه المسألة، فلا مانع لمن أراد أن يسجل، وبالتالي كنا نقول لبعض الإخوة: تسجيل خاص، لكن من أراد أن يسجل فليسجل ليس هناك مانع بعد ذلك.
стр. 229
حكم بغض النساء تعدد الزوجات
السؤال
بعض النساء يبغضن تعدد الزوجات، فإذا كان هذا من النفاق الاعتقادي، ما الذي يلزم هؤلاء النساء إذا متن على هذا؟
الجواب
هذا ليس من النفاق، هذا من الغيرة، فالمرأة تغار من أن يأخذ زوجها جانباً آخر أو نصفاً آخر، وبالتالي تجدها لا تحب أن تفقد هذا الزوج، فتكره هذا التعدد ليس من منطلق أنه حكم شرعي، في مرة من المرات قال أحد الإخوان: كنت ألقي محاضرة على مجموعة من النساء الطالبات، فكنت أريد أن أبرر قضية تعدد الزوجات: أن المجتمع يحتاج لذلك، من أجل تعداد النسل وكثرته، وآتي بعدة مبررات، فقامت امرأة وقالت: لا تتكلم بهذا، هذا أمر جاءنا من الله ، فلا بد أن نسلم به، رضينا أم أبينا.
إذاً: الاستسلام والتسليم لنص ورد عن الله وعن النبي ﷺ هو الأصل، وبالتالي قالت: نرضى ولا نناقش ولا نعارض.
فالقضية مجرد غيرة وليست من باب النفاق.
стр. 230
دركات النار وتنوع عذابها
السؤال
الذي نعلم أن إبليس كفر كفر إباء واستكبار، هل يكون عذابه أقل من المنافقين الذين في الدرك الأسفل من النار؟
الجواب
قضية معرفة العذاب بحد ذاته ليس معناه: أن من كان في دركة أقل أو أكبر أن عذابه سيكون أشد أو أقل، كفى أن المنافق في الدرك الأسفل من النار، لكن من كان في الدرك الأسفل سيكون أشد الناس عذاباً؟ أقول: هناك شدة العذاب وتنوع العذاب، وهناك أمور أخرى، فلعل إبليس قد يكون جمع بين الكفر والشرك وأشياء أخرى، ولعل كثرة إضلاله للناس جمعت له سيئات عظيمة جداً، فالعقاب بناء على ما جاء به من أعمال سيئة، وبالتالي كان هذا العقاب مناسباً لما قدم ومناسباً لما فعل، ولذلك ثبت أن أبا طالب أخف الناس عذاباً مع أنه مشرك وكافر؛ لأنه قدم خدمات للإسلام ليست باليسيرة، كذلك ثبت أن أبا لهب يخفف عنه شيء من العذاب؛ لأنه أعتق مولاة له اسمها ثويبة عندما بشرته بالرسول ﷺ فرحاً بمقدمه.
إذاً: قد يكون للأعمال الصالحة تأثير، كما أن الأعمال السيئة كلما زادت زاد تأثيرها أكثر.
стр. 231
الكفر الأصغر ليس مخرجاً من الملة
السؤال
هل الكفر الأصغر مخرج من الملة؟
الجواب
الكفر الأصغر ليس بمخرج من الملة.
стр. 232
تفاوت الخطأ في المذاهب المتعددة
السؤال
ينتاب المسلمون أحياناً: هل جميع المذاهب والأمم على خطأ ونحن الوحيدون على صواب؟
الجواب
هذه ليس فيها شك أبداً، فهذه المذاهب على خطأ، لكن الخطأ يتفاوت، هناك خطأ يخرج من الملة، فعندما تقرأ عن ديانة من الديانات الهندوسية واليهودية، تعرف أنهم ليسوا على الحق أبداً، وعندما تقرأ عن فرقة من الفرق الباطنية كالنصيرية والدروز، فالدروز يقولون: إن إلههم هو الحاكم بأمر الله العبيدي الفاطمي، والنصيرية عندما يسمعون الرعد أو البرق يقولون: وعليك السلام؛ لأنهم يقولون: إن إلههم هو علي بن أبي طالب، وهو مختف في البرق أو في الرعد خلف السحاب، والبرق ضحكه والرعد صوته.
إذاً: هذا كفر، فتعرف أن هناك كفرة، لكن هناك أناس كفرهم أقل، وبالتالي تقول: هؤلاء أخطئوا، وهؤلاء على صواب في جوانب، لكنهم يخطئون من جوانب أخرى.
стр. 233
الباطنية عدة نحل
السؤال
هل الباطنية تشمل عدة نحل أم أنها نحلة واحدة؟
الجواب
تشمل عدة نحل، وسنتطرق لها في حينه إن شاء الله.
стр. 234
كتاب التوحيد لشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب
السؤال
آمل اقتراح كتاب للتوحيد يكون مختصراً وشاملاً وواضح الأسلوب؟
الجواب
كتاب التوحيد لشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب.
стр. 235
كفر النفاق والنفاق العملي
السؤال
هل كفر النفاق يشمل النفاق العملي؟
الجواب
كفر النفاق يشمل النفاق العملي إذا كان المنافق قد جمع كل صفات المنافقين العملية فإن هذه تناقض أصل الإسلام، وبالتالي يكون كافراً ومنافقاً في نفس الوقت.
стр. 236
حكم من حلل أموراً محرمة
السؤال
هل تحليل ما حرم الله غير المعلوم من الدين بالضرورة، يعتبر كفراً في تحليل بعض فروع الدين؟
الجواب
أحياناً يحلل الإنسان أموراً ورد فيها تحريم، لكنها ليست ثابتة التحريم، مثلاً: أكلة من الأكلات، أو حيوان من الحيوانات، فقد ثبت ثبوتاً قطعياً أن الضفدع حرام، أو أكل لحم الأسد حرام مثلاً، ثبت ثبوتاً قطعياً في القرآن والسنة النبوية وليس هناك نقاش حول هذه المسألة، ومن أحلها فقد كفر، إذاً: نقول: بعض فروع الدين من أحلها وهو يعلم أن فيها دليلاً صريحاً ثابتاً هذا يكفر، لأنه شرع للدين ما ليس منه، أو أنه رأى أن هذا الدين ناقص، فجاء بشيء جديد يضيفه إليه، لكن إن جاء بأمر شرعي فأحله أو حرمه، فهذا يناقش في هذه المسألة فإن اتضحت له الرؤية، وإلا فله شأن آخر.
стр. 237
أهل الحق مبتلون من قبل أهل الباطل
السؤال
سمعنا عن إيقاف الشيخ سعد نرجو إيضاح ذلك؟
الجواب
قضية الإيقاف من الابتلاءات في هذا الزمن، وقضية إيقاف هؤلاء الدعاة أو إيقاف الأشرطة، أو إيقاف كذا، أو منع كذا، هذه من الأمور لا بد أن تعد نفسك لها أيها الفتى، وأيها الشاب وأيها الشيخ الجليل، تعدون أنفسكم لتلقيها؛ لأن الدعوة لا بد أن تسير هذه المسارات، فإن طريق الدعوة طويل وشاق، ولا بد من وجود هذه المصاعب، ولا بد من وجود هذه الابتلاءات، ولا بد من وجود هذه الفتنة، قال الله للصحابة: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِينْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ [آل عمران:١٤٤]، فلا بد أن تنتبه، فإنه لا يوجد شيء اسمه انقلاب على العقب، أو الرجوع إلى الوراء، لا، بل عليك أن تستمر في الطريق وتواصل المسير، فإنه عندما أعلن في غزوة أحد أن رسول الله ﷺ قد قتل، وقف أناس عن القتال فجاءهم بعض الصحابة وسألوهم: لماذا توقفتم؟ لماذا لا تسيرون في نفس الطريق الذي سار فيه الرسول ﷺ ؟ إذاً: نحن نقول: إنه كلما تعرضت الدعوة لضربات كان ذلك أقوى لها، فلا بد أن نعي ذلك، ولا بد أن نفقه ذلك، ولا بعد أن نعرف أننا على الحق في ذلك؛ لأن أهل الباطل دائماً لا يحاربون، ولذا تجد الجرائد الآن تقول: هذا كفر صراح، وهذا فساد بيان، لا أقول: في جرائد دولية، أو جرائد عرب، بل جرائد عندنا هنا، ومع ذلك لم يوجد أحد قال لها شيئاً أو ناقشها أو أوقفها، هل سمعتم أن جريدة الشرق الأوسط أوقفت شهراً أو أسبوعاً أو منعت من الدخول؟ هل سمعتم بإيقاف مجلة سيدتي أو أنها منعت؟! لا، لم يسمع أنها منعت، وبالتالي يترتب على هذا الأمر أن أهل الحق هم الذين يحاربون، أما أهل الباطل فلا، ولذلك فإن هذه تعطينا دفعات قوية في أننا على الحق سائرون وبالمنهج متمسكون.
стр. 238
حكم الجهاد في البوسنة وأفغانستان
السؤال
هل الجهاد في البوسنة وأفغانستان فرض عين أم فرض كفاية؟
الجواب
هو من باب فروض الكفايات الآن؛ لأنه في البوسنة بالذات لا يحتاجون إلى الأشخاص، فالأشخاص موجودون بكثرة، لكن يحتاجون إلى الدعم وإلى السلاح، ويحتاجون إلى المادة التي تعطى إليهم مباشرة، لا تعطى إلى منظمات دولية تنفقها يميناً ويساراً على ما تحب وعلى ما تشاء، إنما تعطى لهؤلاء، فهم يحتاجون إلى السلاح وإلى المادة، أما قضية الأشخاص فإن الأشخاص كثيراً ما يكونون عبئاً، لأنه يأتي وهو غير متعلم، وغير متمرس وغير متدرب، ثم يحتاج إلى المحافظة عليه، فيكون في كثير من الأحيان عبئاً على هؤلاء، فإن كان لك إمكانية فادفع وساهم لنصرة هؤلاء.
стр. 239
التحدث عن نشأة الفرق في صدر الإسلام
السؤال
حبذا لو تحدثتم عن نشأة الفرق في صدر الإسلام، لعل ذلك أكثر فائدة؟
الجواب
نشأة الفرق عندما نتحدث عن الفرق داخل المجتمع المسلم، ممكن أن نتحدث عن نشأة الفرق، وهذا في الذهن إن شاء الله، لكننا عندما اخترنا الهندوسية، هذا من باب التغيير.
стр. 240
مفهوم قول النبي ﷺ (تخيروا لنطفكم)
السؤال
هل ما قلتموه، من الطعن في النسب، وإعراض بعض الشباب عن الزواج يتعارض مع ما روي: (تخيروا لنطفكم)؟
الجواب
ليس المقصود بقوله: (تخيروا لنطفكم) الطعن في النسب، وإنما يقصد به الحذر من المرأة الحسناء في المنبت السوء، يعني: امرأة سيئة في سلوكها وتصرفاتها وهي جميلة، أو أهل بيتها سيئون للغاية، أو المجتمع الذي تعيش فيه سيء، وهي سيئة نتيجة لذلك، فعند ذلك نقول: إن هذه هي المرأة الحسناء في المنبت السوء، أما معنى: (تخيروا لنطفكم)، ابحث عن ذات الدين، (تنكح المرأة لأربع: لنسبها ولجمالها ولحسبها ولمالها ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك) فذات الدين هي الأساس.
стр. 241
دماء وأشلاء
للأمة الإسلامية أعداء في القديم والحديث، وهذا العداء ناتج من حقد دفين للمنهج الذي تسير عليه الأمة الإسلامية، فالمسلمون يتعرضون لإذابة أو مسخ أو انصهار أو احتواء شمولي أو اندماج مع أخلاقيات الغرب الفاسدة، كل ذلك بجهود كبيرة من أعداء الإسلام، والإبادة الحسية أعظم وسيلة لمحاربة المسلمين، والتاريخ يشهد بذلك.
стр. 242
ما تعرض له المسلمون من مذابح في الماضي والحاضر
بسم الله الرحمن الرحيم.
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد الأمين، وعلى آله وأصحابه ومن سار على نهجه واقتفى أثره إلى يوم الدين.
أما بعد: فمسألة الحديث عن دماء المسلمين وأشلائهم مسألة ذات شجون، الدخول فيها متعب ومرهق وممل ومحزن ومبك.
إن المطالع في تاريخ الأمة الإسلامية منذ بعثة المصطفى ﷺ إلى هذا الزمن وإلى أزمنة تالية، عندما يطالع ذلك ويقرؤه، سواءً كان ذلك في الفتن والملاحم بما يرتبط بالمستقبل، أو فيما مضى في تاريخ السابقين، فإنه يتألم ويحزن، وفي نفس الوقت يفرح ويأمل؛ لأن المسلم في هذه الحياة وجد لكي يدعو ويبذل ويضحي، فالبذل والدعوة تقترن بالنجاح أحياناً وتقترن بالفشل أحياناً أو في مراحل أخرى، والفشل والنجاح هو ديدن الحياة؛ لأن الفرق بين الآخرة والدنيا في هذه الناحية، فالآخرة إما نجاح كامل وإما فشل متواصل، فالذين يدخلون الجنة سيكونون ممن ظفروا بالنجاح الدائم الأبدي، والذين سيخلدون في النار سيكون الفشل هو قرينهم إلى أبد الآباد، أما في هذه الحياة الدنيا فيجتمع للإنسان في ذلك فشل ونجاح.
стр. 243
الملاحظات المطروحة من أجل هذا الموضوع
إن الحديث عن هذه القضية حديث ذو شجون، ولعلي أنبه على بعض الملاحظات اليسيرة قبل أن أدخل في لب الموضوع.
أولى هذه الملاحظات: أن ما ذكر في العنوان بأنه عرض تاريخي لمذابح المسلمين ليس على إطلاقه؛ لأن العرض التاريخي يتطلب وقتاً طويلاً، لكي يستعرض الإنسان كل ما تعرض له المسلمون من ابتلاءات وامتحانات ومذابح وخلاف ذلك.
النقطة الثانية في هذه القضية: أن القضية قضية عرض لنماذج لا غير، وهي نماذج منتقاة.
النقطة الثالثة: هي أنني سأستعرض بعضاً من النماذج التي أحس أن الماضي مرتبط بالحاضر فيها، وأن التاريخ يعيد نفسه، وأن ما يحصل الآن قد حصل فيما سبق، وأن التفريط الذي حصل في الماضي وأثمر هذه المذبحة هو نفسه التفريط الذي حصل في الحاضر وأثمر هذه المذبحة، والمسلم يدرك قول الرسول ﷺ : (لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين)، ولكننا وللأسف الشديد نلدغ مراراً وتكراراً؛ لأننا لا نتعظ ولا ننتبه.
هناك وقفات موجزة، ثم تمهيد، ثم لب الموضوع، ثم ختام اللقاء.
стр. 244
عداء أهل الباطل لأهل الحق
أما المقدمات الموجزة: فأحب أن أنبه الإخوة الكرام إلى أن جميع ما تعرض له المسلمون من مذابح كان الهدف الأول والأخير فيها واحد، سواء كانت هذه المذابح في القرن الأول، أو في القرن الذي نعيشه الآن.
استعرض أي مذبحة واقرأ تفاصيل هذه المذبحة واقرأ الأسباب، ثم اقرأ النتائج، ثم قارن، ثم ستعلم صدق كلامي من كذبه.
أقول: إن هذه القضية لا بد أن تجعل في ذهن المسلم على أنها قضية مسلمة؛ لأن الله أوضح لنا ذلك بقوله: ﴿وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ [البقرة:٢١٧] فقوله تعالى: (ولا يزالون) تدل على الاستمرار، استمرار متتابع متواصل، مذابح متتابعة متواصلة، ما هو الهدف؟ الهدف هو: ((حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا)) هل التعبير في هذه الآية يئول إلى غير المعنى المراد، بأن يعتقد الإنسان أن قوله تعالى: (ولا يزالون يقاتلونكم) حتى يحتلوا بلادكم، أو حتى يظفروا باقتصادكم أو بخيراتكم، أو بكذا وكذا؟ لا، بل لا بد أن تجعل نصب عينيك أن كل قتال ضد الأمة المسلمة منذ أن بزغ فجر الإسلام إلى زماننا هذا، بل إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها أنه قتال عقائدي في سبيل العقيدة، بل ولا تكاد تجد قتالاً على وجه الأرض إلا وللعقيدة أسباب قوية في دفع المتقاتلين والمتحاربين إلى هذا القتال، فالعقيدة هي المحركة لهذه المسألة، وهي التي بسببها حصلت هذه المعارك، ولعل الوقت لا يسمح لعرض نماذج من هذا، ولكن أقول: إن الحرب التي تقع بين النصارى أنفسهم تجد أنها بسبب أن هؤلاء كاثوليك وهؤلاء بروتستانت، وتجد أن هؤلاء أرثوذكس وهؤلاء كاثوليك، وتجد أن هؤلاء أرمن وهؤلاء مارون، وتجد أن هؤلاء وهكذا، فهي حروب عقائدية.
عند اليهود كذلك تجد أن هؤلاء بابليون وهؤلاء سامريون، حرب متتابعة بين هؤلاء، لم؟ ما هو السبب؟ هل هو سبب اقتصادي؟ لا، هو سبب عقائدي، إذاً: ضع في اعتبارك أن الحرب الموجهة ضد الأمة المسلمة هي حرب بسبب تمسكها بعقيدتها، وكلما ازداد التمسك بالعقيدة ازدادت شدة الحرب ضد الأمة، والله أوضح لنا ذلك بقوله: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة:١٢٠] فالمنهج هنا أن الرضا لا يأخذ أي طابع الموافقة، سواء كان عبوديةً أو ذلةً أو مطاوعةً على طول الخط، لا يكون هناك رضاً إلا بأن يعلن الإنسان رفع راية النصرانية أو رفع راية اليهودية، عند ذلك نظفر برضا هؤلاء اليهود أو هؤلاء النصارى.
وتجد الدول التي ترتمي تحت أقدام النصارى واليهود وبالرغم من الذلة التي تفرض عليها، لا زال هؤلاء اليهود والنصارى يحتقرونهم، ويرون أنهم لم يحققوا أهدافهم بعد؛ لأن الهدف الأسمى بالنسبة لهم هو أن تنضم هذه الدول إلى ركبهم عقائدياً ودينياً.
الوقفة الأخرى في المقدمة: أنني لا بد أن أنبه إلى أن هناك قصوراً سيحصل في هذه المحاضرة باعتبار أن هناك تشعبات متعددة وكثيرة، حاولت أن ألم بأطرافها لعل الله أن يجعل في هذا اللم خيراً، إنما أقول: أن هناك قصوراً سيلحظه بعض الموجودين ممن هم أعلم مني بذلك، ولكن أقول: إنني بذلت وحسبي ما بذلت، والله هو الموفق والهادي إلى سواء السبيل.
стр. 245
مناهج المعادين ضد الأمة الإسلامية
أقول في النقطة الثانية وهي التمهيد: هناك مجموعة من الوقفات مع مناهج المعادين أو بمعنى أخص: وقفات عامة توضح المنهج المعادي ضد الأمة المسلمة الذي سار عليه الأعداء منذ القدم، منذ بزوغ هذه الرسالة إلى زماننا هذا، ما هو المنهج المستخدم؟ ثم بعد ذلك ندخل في نماذج تفصيلية أو قصص تفصيلية حول هذه المسألة.
أولى هذه النقاط بالأحرى هي مسائل: قضية الإبادة الحسية.
النقطة الثانية: الاحتواء الشمولي.
النقطة الثالثة: الإذابة والمسخ والانصهار.
النقطة الرابعة: الاندماج.
طبعاً الأعداء وضعوا نصب أعينهم هذه المناهج الأربع: إما أن يكون هناك إبادة حسية، أو احتواء شمولي، أو إذابة ومسخ وانصهار، أو اندماج، فإن حصلت هذه بأكملها أو أجزاء كبيرة منها فبها ونعمت بالنسبة لهم، وإلا فهناك أولويات بالنسبة لهم، فالأولى هي: الإبادة الحسية، فإن لم تحصل أو لم يكن هناك إمكانية انتقلوا إلى مسألة الاحتواء الشمولي، ثم الإذابة والمسخ والانصهار، ثم الاندماج، ولعلي أعرض لكم وقفات موجزة سريعة مع هذه المناهج.
стр. 246
أولاً الإبادة الحسية
أولاً: الإبادة الحسية: الإبادة الحسية هي ما ذكره الله عنهم حينما قال: ﴿وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ [البقرة:٢١٧] فالإبادة الحسية هنا منهج سار عليه الأعداء فيما يرتبط بالقضاء على المسلمين، فهم لا يريدون لمسلم أن يبقى على وجه الأرض؛ ولذلك تجدهم يفتعلون النصوص الشرعية التي تحث أتباعهم على القضاء على المسلمين، خذوا نموذجين اثنين حول هذه القضية.
أنتم تجدون التوراة تتحدث، فهم يقولون: إن النص الذي ذكر فيها هو من الله ، تقول لليهود بأجمعهم: إنك ملزم إلزاماً بأن تقتل الأميين أو تقتل ما سوى اليهود، ولا يقولون: تدعوه إلى اليهودية، وإذا التزم باليهودية تتركه، لا، بل المنهج عندهم هنا: أن تقتل من خالف دينك مباشرةً بدون دعوة، لم؟ لأنهم يرون أنهم شعب الله المختار، ولا يمكن أن ينضم إليهم غيرهم، وبالتالي القتل هنا هو الأصل، ماذا يترتب على القتل بعد ذلك؟ يترتب عليه احتلال الأرض، ويترتب عليه أخذ الذرية، ويترتب عليه السيطرة الاقتصادية، إذاً: هذا نموذج.
النموذج الثاني عند الرافضة: عندما يسطرون نصوصاً تؤيد منهجهم الفعلي العملي الملاحظ والمشاهد بقولهم: من قتل ناصبياً أو من قتل أحد العامة بتعبيرات متفواتة دخل الجنة، فسأل أحدهم أحد الأئمة كما يقولون: فإن لم أستطع أن أقتله؟ قال: تذله ما استطعت.
إذاً: هم يهدفون إلى مسألة القضاء الحسي على المسلمين، وتحضرني في هذه اللحظة حادثة في وقت الخليفة المهدي العباسي وهو الخليفة الثالث يقول أحد المسئولين عن السجن لأحد الأئمة: كنت مسئولاً عن سجن كذا وكذا، وكان هذا السجن مليئاً فيه أكثر من خمسمائة فرد، وكنت أعتقد أنهم كلهم من النواصب -أي: المخالفين للشيعة، أي: أهل السنة- فأردت القضاء عليهم، ولكنني خفت أن يكون بينهم أحد من الشيعة، يقول: اتفقت أنا وبعض السجانين الآخرين على مسألة القضاء عليهم، فبدأت أركز على أعمدة السجن فأجعل في الأعمدة أو أسفل منها قليلاً من الملح ليكون هو الأساس، ثم بعد فترة أدرجت الماء فذاب الملح فسقط السقف عليهم فمات هؤلاء كلهم، فماذا أفعل؟ قال له هذا الإمام: ليس عليك شيء، بل أنت مأجور وما هم إلا كالخنازير.
إذاً: هذا في وقت الخليفة المهدي، هذه الرواية قد تكون مفتعلة أو قد تكون مكذوبة، لكنها تنبئ عن حقد ينبع من قضية الإبادة الحسية التي يسير عليها هؤلاء.
الإبادة الحسية تنقسم إلى قسمين اثنين: إبادة حسية كبرى، وإبادة حسية صغرى.
أما الكبرى فتأخذ طابع الهجوم المتتابع المتواصل عن طريق الهجمات المتصلة، كهجمات الصليبيين في وقت المماليك وصلاح الدين وغيرهم، وهجمات الاستعمار المعاصر، وهجمات الاستعمار في القرن التاسع عشر، وهجمات الروم وهجمات الفرس، وأي نوع من الهجمات على المسلمين بقصد استئصالهم، هذه تعتبر إبادة حسية كبرى.
أما الإبادة الحسية الصغرى فهي مسألة بذر الثورات داخل البلدان الإسلامية؛ للقيام بحروب مضادة بين المسلمين أنفسهم؛ فيضعف المسلمون شيئاً فشيئاً ويترتب على ذلك أو ينتج عن هذا الضعف سهولة احتواء المسلمين والقضاء عليهم، كما سأضرب لكم نموذجاً في ذلك بما حصل في بعض الدول وأبرزها الأندلس.
هذه طبعاً الإبادة الحسية الصغرى.
стр. 247
ثانياً الاحتواء الشمولي
النقطة الثانية من مناهج الأعداء: الاحتواء الشمولي عن طريق الاحتواء السياسي والاحتواء الاقتصادي والاحتواء العسكري.
стр. 248
الاحتواء الاقتصادي
فالاحتواء الاقتصادي مثلاً عن طريق التحكم الكامل في الاقتصاد العالمي في البنوك العالمية، في قضايا النقد، في قضايا النفط، في قضايا البنك الدولي، في قضايا صندوق النقد الدولي، في جميع ما يرتبط بتبادل العملات إلى غير ذلك، يتحكمون في السوق الاقتصادي العالمي الذي ينتج عنه تركز الثروات في أيدي فئات معينة من اليهود والنصارى، مع بقاء البلاد الإسلامية في فقر مدقع إلا في قليل ممن في هذه البلاد الإسلامية، ممن يعطى من هذه الأموال الشيء الكثير حتى يسكت عن مخططاتهم، ويتعاون معهم في سبيل إنجاح هذه المخططات؛ ولذلك لو ألقيت نظرة على العالم الإسلامي بأكمله ستجد أنه يعيش فقراً أو تحت الفقر، وخذه دولة دولة، نأخذه من المغرب: المغرب فقيرة، تونس فقيرة، ليبيا فقيرة بالرغم من أنها بترولية، الجزائر بترولية فقيرة، مصر فقيرة، السودان فقيرة، الصومال تعرفون حالها، انتقلوا إلى سوريا ولبنان، والعراق وإيران وباكستان وبنقلادش، وكل هذه الدول تعتبر فقيرة أو دون الفقر، وكل هذه الدول لها مديونات ضخمة جداً على البنوك العالمية، ولم يبق إلا دول الخليج والنظرة مركزة عليها، بل وكثير من دول الخليج بدأت مظاهر الفقر تظهر في أطرافها وفي أجزاء منها مما هو ناء من هذه البلاد، وربما كلكم يعرف أن بعض دول الخليج تعتبر دولاً بدلاً من أن تكون دائنة هي دول مدينة، وهذا منهج يسير عليه الأعداء ويركزونه للاحتواء الشمولي الاقتصادي.
الثاني: الاحتواء السياسي عن طريق التحالفات أولاً، فلا تجد دولة إلا ولها تحالف عسكري مع دول غربية أو شرقية أو دون ذلك، وهذه التحالفات جعلت هذه الدول تظفر بحماية الدول الغربية في سبيل أن تعطيها أو تستذل هذه الدول للدول الكبرى، فعندما أنشئت هيئة الأمم وأنشئ مجلس الأمن وأنشئت المنظمات الدولية المعروفة كل هذه المنظمات الدولية ركزت على جانب مهم، وهو جانب الاحتواء السياسي العالمي المركز في أيدي فئة معينة لبقية دول العالم، وخاصة العالم الإسلامي.
أما الاحتواء العسكري فكلكم تعرفون أن الدول الإسلامية خاصة يمنع عليها أن تصنع أسلحة بشكل مطلق، لا يمكن لها أن تصنع سلاحاً، وعندما صنعت العراق قنبلة أو بدأت في إنتاج القنبلة النووية ضرب المفاعل النووي، ثم بعد ذلك بدأ التركيز الإذلالي العجيب عليها؛ حتى لا تنتج أي سلاح بأي صورة كانت، نحن لا نقول: إن هناك تأييداً للحكم في العراق أو غير ذلك، لكن نقول: إنه لا يمكن لدولة إسلامية أن تصنع سلاحاً متطوراً، ولو جنبنا العراق جانباً بحكم الحساسية تجاه موضوعه، وذهبنا إلى باكستان، فإننا سنجد أن هناك ضغطاً عالمياً مكثفاً في سبيل ألا تصنع قنبلة نووية، مع العلم أن عبدة البقر جيرانهم عندهم من القنابل النووية الشيء الكثير، لم؟ لأن هناك احتكاراً أو احتواء شمولياً عسكرياً للدول النصرانية الكفرية ضد العالم المسلم.
كذلك عندما يباع السلاح لدول إسلامية فإن قائمة الشروط لا حد لها: لا يستخدم في كذا، ولا يستعمل في كذا، ولا يضرب به كذا، إلى آخر ذلك، وهذا طبعاً من باب الإذلال العسكري الذي نشاهده.
كذلك لا يمكن أو لا تكاد تجد دولة إسلامية تصنع من الأسلحة التقليدية المعروفة كالدبابات أو الطائرات أو الصواريخ العادية، لا أقول: النووية أو الذرية أو غيرها، لا تكاد تجد دولة تصنع ذلك، فهي دول استهلاكية في الجملة، أما ما يذكر أن هناك بعض الصناعات العسكرية في بعض البلدان، فهي تعد صناعات تافهة في مقابل ما يصنعه الغرب من آلات ومن أدوات.
стр. 249
ثالثاً الإذابة والمسخ والانصهار
أما النقطة الثالثة من المناهج فهي: الإذابة والمسخ والانصهار، ولعل هذه الحديث عنها يطول، لكن أضرب لها مثالين أو ثلاثة أمثلة.
الإذابة والمسخ والانصهار فيما يرتبط بالجانب الفكري والمسائل الفكرية، وذلك عن طريق القضاء على كل ما يمس الجانب الغربي أو النصراني أو اليهودي أو الاستعمار، وذلك عن طريق ذم هذا المنهاج الذي يتحدث عن ذلك، ثم حذف هذا المنهاج من جميع وسائل الوعي التي تبث على الناس، سواء كانت إعلاماً أو تعليماً أو غير ذلك، وحتى الخطب والمحاضرات وغيرها لا تتحدث عن هؤلاء، لا تتكلم عن اليهود، ولا تسب النصارى، ولا تفعل ولا تفعل وهذا أمر واضح بالنسبة لكم، فهنا مسألة إذابة تجهيزية، والقضية ربما لا يدركها أهل الجيل الأول، أو أهل جيل معين، لكن التخطيط يأخذ طابع الأجيال المتلاحقة والمتتابعة، فقد قال مثلاً: تيودور هرتزل الزعيم الصهيوني المعروف في عام (١٨٩٨م) في سويسرا: يجب علينا إعلان دولة إسرائيل بعد (٥٠) سنة.
فهو لا يرجم بالغيب ولا يعلمه، ولكنه يخطط ويبذل، وهو عندما قال هذا الكلام هو يعرف أنه سيموت، لكنه يعرف أن هناك أجيالاً لاحقةً ستحمل الراية وتواصل المشوار، وفعلاً هذا الذي حصل، أعلنت دولة إسرائيل عام (١٩٤٨م)، وهذا منهج استخدمه هذا الرجل وأتباع هذا الرجل في سبيل الوصول إلى هدفه، وحققوا الهدف عن طريق تذليل الصعاب للوصول إلى هذا الهدف.
فأقول: إن الإذابة والمسخ والانصهار لا تأخذ طابع المفاجأة، يعني: لا يضغطون على الناس ويطالبونهم بأن ينصهروا في بوتقة الغرب مباشرة، بل هي قضية تدريجية شيئاً فشيئاً، بطريقة مرتبة ومنظمة ودقيقة، وفي نهاية المطاف ستجد أن النتيجة قد وصلت إلى ما تعرفون، ومثال ذلك: قبل عشرين سنة أو ثلاثين سنة أول ما فتح التلفاز عندنا هنا، لو ظهر منه صورة امرأة كما يظهر في التلفاز الآن ممثلة كاشفة الوجه والشعر والذراعين والساقين بل والفخذين، فماذا سيحصل؟ سيثور المجتمع بأكمله من أوله إلى آخره، سيثورون، لم؟ لأن هذا منظر رهيب لا يعرفونه ولم يتعودوه، وبالتالي يفشل المخطط، لكن الذي حصل أن التلفاز بدأ القضية بالتدريج: صوت امرأة، كف امرأة، أصابع امرأة في البيت السعيد، شيئاً فشيئاً، تخرج المرأة متحجبة ليس فيها من الأصباغ شيء، شيئاً فشيئاً حتى وصل الأمر إلى ما ترون.
فأقول: إن هذا منهج وللأسف الشديد خطير للغاية، ولا بد من الانتباه لهذا المنهج.
النقطة الثانية: الإذابة والمسخ والانصهار الاجتماعي فيما يرتبط بإفساد الأسرة، والأسرة كما تعرفون هي عماد المجتمع، وهي عماد الأمة، فإذا صلحت الأسرة صلح المجتمع؛ ولذلك ركز الغرب أو بالأحرى ركزت الدول الشيوعية على مسألة الأسرة، وعرفت أن الأسرة إذا كانت صالحة فإن المناهج الشيوعية لن تنجح، وبالتالي نخروا في أسس هذه الأسرة إلى أن تهاوت، ثم بدءوا في تلقف هؤلاء الضائعين من أولاد وبنات، وبدءوا يلقنونهم التعاليم الشيوعية، ونجحت الشيوعية في ذلك فترة من الزمن إلى أن تهاوت وانتهت.
стр. 250
رابعاً الاندماج
ثم بعد ذلك ننتقل إلى المنهج الرابع: الاندماج، الاندماج منهج يهدف إليه الغرب؛ لأنهم رأوا أن قضية الإبادة الحسية صعبة، وقد تكون مستحيلة في كثير من المناطق، فانتقلوا إلى قضية الاحتواء الشمولي، ثم الإذابة ثم الاندماج، والاندماج جعل هذه الدول الإسلامية مستذلة تماماً، بل ومندمجةً فكرياً وعقائدياً ومنهجياً ودعوياً مع الدول الغربية حتى ولو أعلنت الإسلام، حتى ولو كان الفرد منها مسلماً، لم؟ لأنني عندما أقرأ في الكتب أو في المذكرات أن الكنيسة تقول: يجب علينا أن نعلن قارة إفريقيا عام ألفين قارة نصرانية، طبعاً عام ألفين لم يبق عليه إلا سنوات قليلة: سبع أو ثمان سنوات فقط لا غير، ومع ذلك فإن النتائج ليست قوية، فهل معنى هذا: أنهم يقولون: إن جميع أفراد القارة الإفريقية لا بد أن يلتزموا بالمنهج النصراني؟ لا، هذا خطأ، إنما المنهج الذي يسيرون عليه هو أن الزعامة التي تتحكم في الناس يجب أن تكون إما نصرانية وإما مندمجة مع النصارى، تأخذ أقوالهم وتؤيد أفكارهم وتنشر غسيلهم ولا تمانع في ذلك أبداً، هذا هو الذي يريدون، وهذا المخطط نجحوا فيه الآن، وكثير من زعماء الدول الإسلامية في إفريقيا تجد أنهم ينهجون هذا المنهج، والنجاح متتابع متواصل وقوي بالنسبة لهؤلاء.
من الاندماج ما نسمع عنه في الآونة الأخيرة من صيحات متتابعة متكررة فيما يرتبط بمحاربة الرجعية- ما يسمى بالرجعية أو الأصولية أو الإرهاب أو الالتزام بالأحرى- وكل من التزم بدين الله وكل من أطلق لحيته وقصر ثوبه فهو متطرف، هذا ما صرح به أحد زعماء الدول الإفريقية أو بمعنى أخص الزعيم الليبي عندما قال لشعبه: إذا رأيتم رجلاً يحمل مسواكاً وله لحية وثوبه قصير فاقتلوه كائناً من كان فإن هذا متطرف، ما معنى هذا الكلام؟ معنى هذا الكلام: أن القضاء على هؤلاء الدعاة إلى الله منهج، وهذا المنهج اتفق عليه الأعداء مع الأصدقاء، أو بمعنى أخص المسلمون -أو ما يسمون بالمسلمين- مع اليهود والنصارى، ومثال ذلك: أحد زعماء الدول الإفريقية المشهورين أو زعيم أكبر دولة إفريقية يلتقي بزعيم أكبر دولة نصرانية ويلتقي معه في أوربا -طبعاً هو ليس أوربي- يلتقي به ويتفقان سوياً على محاربة التطرف، طبعاً هذا يدعي أنه مسلم أو يحكم دولة إسلامية، لكن الآخر ما الذي يعنيه؟ القضية قضية اندماج في محاربة الإسلام، وهذا ما يهدف إليه الغرب.
следующие страницы →