← Джавами‘

Джавами‘ · id 37817

دروس للشيخ إبراهيم الفارس

إبراهيم بن عثمان الفارس

Полный текст (556 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

أولاً الإبادة الحسية أولاً: الإبادة الحسية: الإبادة الحسية هي ما ذكره الله عنهم حينما قال: ﴿وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ [البقرة:٢١٧] فالإبادة الحسية هنا منهج سار عليه الأعداء فيما يرتبط بالقضاء على المسلمين، فهم لا يريدون لمسلم أن يبقى على وجه الأرض؛ ولذلك تجدهم يفتعلون النصوص الشرعية التي تحث أتباعهم على القضاء على المسلمين، خذوا نموذجين اثنين حول هذه القضية. أنتم تجدون التوراة تتحدث، فهم يقولون: إن النص الذي ذكر فيها هو من الله ، تقول لليهود بأجمعهم: إنك ملزم إلزاماً بأن تقتل الأميين أو تقتل ما سوى اليهود، ولا يقولون: تدعوه إلى اليهودية، وإذا التزم باليهودية تتركه، لا، بل المنهج عندهم هنا: أن تقتل من خالف دينك مباشرةً بدون دعوة، لم؟ لأنهم يرون أنهم شعب الله المختار، ولا يمكن أن ينضم إليهم غيرهم، وبالتالي القتل هنا هو الأصل، ماذا يترتب على القتل بعد ذلك؟ يترتب عليه احتلال الأرض، ويترتب عليه أخذ الذرية، ويترتب عليه السيطرة الاقتصادية، إذاً: هذا نموذج. النموذج الثاني عند الرافضة: عندما يسطرون نصوصاً تؤيد منهجهم الفعلي العملي الملاحظ والمشاهد بقولهم: من قتل ناصبياً أو من قتل أحد العامة بتعبيرات متفواتة دخل الجنة، فسأل أحدهم أحد الأئمة كما يقولون: فإن لم أستطع أن أقتله؟ قال: تذله ما استطعت. إذاً: هم يهدفون إلى مسألة القضاء الحسي على المسلمين، وتحضرني في هذه اللحظة حادثة في وقت الخليفة المهدي العباسي وهو الخليفة الثالث يقول أحد المسئولين عن السجن لأحد الأئمة: كنت مسئولاً عن سجن كذا وكذا، وكان هذا السجن مليئاً فيه أكثر من خمسمائة فرد، وكنت أعتقد أنهم كلهم من النواصب -أي: المخالفين للشيعة، أي: أهل السنة- فأردت القضاء عليهم، ولكنني خفت أن يكون بينهم أحد من الشيعة، يقول: اتفقت أنا وبعض السجانين الآخرين على مسألة القضاء عليهم، فبدأت أركز على أعمدة السجن فأجعل في الأعمدة أو أسفل منها قليلاً من الملح ليكون هو الأساس، ثم بعد فترة أدرجت الماء فذاب الملح فسقط السقف عليهم فمات هؤلاء كلهم، فماذا أفعل؟ قال له هذا الإمام: ليس عليك شيء، بل أنت مأجور وما هم إلا كالخنازير. إذاً: هذا في وقت الخليفة المهدي، هذه الرواية قد تكون مفتعلة أو قد تكون مكذوبة، لكنها تنبئ عن حقد ينبع من قضية الإبادة الحسية التي يسير عليها هؤلاء. الإبادة الحسية تنقسم إلى قسمين اثنين: إبادة حسية كبرى، وإبادة حسية صغرى. أما الكبرى فتأخذ طابع الهجوم المتتابع المتواصل عن طريق الهجمات المتصلة، كهجمات الصليبيين في وقت المماليك وصلاح الدين وغيرهم، وهجمات الاستعمار المعاصر، وهجمات الاستعمار في القرن التاسع عشر، وهجمات الروم وهجمات الفرس، وأي نوع من الهجمات على المسلمين بقصد استئصالهم، هذه تعتبر إبادة حسية كبرى. أما الإبادة الحسية الصغرى فهي مسألة بذر الثورات داخل البلدان الإسلامية؛ للقيام بحروب مضادة بين المسلمين أنفسهم؛ فيضعف المسلمون شيئاً فشيئاً ويترتب على ذلك أو ينتج عن هذا الضعف سهولة احتواء المسلمين والقضاء عليهم، كما سأضرب لكم نموذجاً في ذلك بما حصل في بعض الدول وأبرزها الأندلس. هذه طبعاً الإبادة الحسية الصغرى.

стр. 247

ثانياً الاحتواء الشمولي النقطة الثانية من مناهج الأعداء: الاحتواء الشمولي عن طريق الاحتواء السياسي والاحتواء الاقتصادي والاحتواء العسكري.

стр. 248

الاحتواء الاقتصادي فالاحتواء الاقتصادي مثلاً عن طريق التحكم الكامل في الاقتصاد العالمي في البنوك العالمية، في قضايا النقد، في قضايا النفط، في قضايا البنك الدولي، في قضايا صندوق النقد الدولي، في جميع ما يرتبط بتبادل العملات إلى غير ذلك، يتحكمون في السوق الاقتصادي العالمي الذي ينتج عنه تركز الثروات في أيدي فئات معينة من اليهود والنصارى، مع بقاء البلاد الإسلامية في فقر مدقع إلا في قليل ممن في هذه البلاد الإسلامية، ممن يعطى من هذه الأموال الشيء الكثير حتى يسكت عن مخططاتهم، ويتعاون معهم في سبيل إنجاح هذه المخططات؛ ولذلك لو ألقيت نظرة على العالم الإسلامي بأكمله ستجد أنه يعيش فقراً أو تحت الفقر، وخذه دولة دولة، نأخذه من المغرب: المغرب فقيرة، تونس فقيرة، ليبيا فقيرة بالرغم من أنها بترولية، الجزائر بترولية فقيرة، مصر فقيرة، السودان فقيرة، الصومال تعرفون حالها، انتقلوا إلى سوريا ولبنان، والعراق وإيران وباكستان وبنقلادش، وكل هذه الدول تعتبر فقيرة أو دون الفقر، وكل هذه الدول لها مديونات ضخمة جداً على البنوك العالمية، ولم يبق إلا دول الخليج والنظرة مركزة عليها، بل وكثير من دول الخليج بدأت مظاهر الفقر تظهر في أطرافها وفي أجزاء منها مما هو ناء من هذه البلاد، وربما كلكم يعرف أن بعض دول الخليج تعتبر دولاً بدلاً من أن تكون دائنة هي دول مدينة، وهذا منهج يسير عليه الأعداء ويركزونه للاحتواء الشمولي الاقتصادي. الثاني: الاحتواء السياسي عن طريق التحالفات أولاً، فلا تجد دولة إلا ولها تحالف عسكري مع دول غربية أو شرقية أو دون ذلك، وهذه التحالفات جعلت هذه الدول تظفر بحماية الدول الغربية في سبيل أن تعطيها أو تستذل هذه الدول للدول الكبرى، فعندما أنشئت هيئة الأمم وأنشئ مجلس الأمن وأنشئت المنظمات الدولية المعروفة كل هذه المنظمات الدولية ركزت على جانب مهم، وهو جانب الاحتواء السياسي العالمي المركز في أيدي فئة معينة لبقية دول العالم، وخاصة العالم الإسلامي. أما الاحتواء العسكري فكلكم تعرفون أن الدول الإسلامية خاصة يمنع عليها أن تصنع أسلحة بشكل مطلق، لا يمكن لها أن تصنع سلاحاً، وعندما صنعت العراق قنبلة أو بدأت في إنتاج القنبلة النووية ضرب المفاعل النووي، ثم بعد ذلك بدأ التركيز الإذلالي العجيب عليها؛ حتى لا تنتج أي سلاح بأي صورة كانت، نحن لا نقول: إن هناك تأييداً للحكم في العراق أو غير ذلك، لكن نقول: إنه لا يمكن لدولة إسلامية أن تصنع سلاحاً متطوراً، ولو جنبنا العراق جانباً بحكم الحساسية تجاه موضوعه، وذهبنا إلى باكستان، فإننا سنجد أن هناك ضغطاً عالمياً مكثفاً في سبيل ألا تصنع قنبلة نووية، مع العلم أن عبدة البقر جيرانهم عندهم من القنابل النووية الشيء الكثير، لم؟ لأن هناك احتكاراً أو احتواء شمولياً عسكرياً للدول النصرانية الكفرية ضد العالم المسلم. كذلك عندما يباع السلاح لدول إسلامية فإن قائمة الشروط لا حد لها: لا يستخدم في كذا، ولا يستعمل في كذا، ولا يضرب به كذا، إلى آخر ذلك، وهذا طبعاً من باب الإذلال العسكري الذي نشاهده. كذلك لا يمكن أو لا تكاد تجد دولة إسلامية تصنع من الأسلحة التقليدية المعروفة كالدبابات أو الطائرات أو الصواريخ العادية، لا أقول: النووية أو الذرية أو غيرها، لا تكاد تجد دولة تصنع ذلك، فهي دول استهلاكية في الجملة، أما ما يذكر أن هناك بعض الصناعات العسكرية في بعض البلدان، فهي تعد صناعات تافهة في مقابل ما يصنعه الغرب من آلات ومن أدوات.

стр. 249

ثالثاً الإذابة والمسخ والانصهار أما النقطة الثالثة من المناهج فهي: الإذابة والمسخ والانصهار، ولعل هذه الحديث عنها يطول، لكن أضرب لها مثالين أو ثلاثة أمثلة. الإذابة والمسخ والانصهار فيما يرتبط بالجانب الفكري والمسائل الفكرية، وذلك عن طريق القضاء على كل ما يمس الجانب الغربي أو النصراني أو اليهودي أو الاستعمار، وذلك عن طريق ذم هذا المنهاج الذي يتحدث عن ذلك، ثم حذف هذا المنهاج من جميع وسائل الوعي التي تبث على الناس، سواء كانت إعلاماً أو تعليماً أو غير ذلك، وحتى الخطب والمحاضرات وغيرها لا تتحدث عن هؤلاء، لا تتكلم عن اليهود، ولا تسب النصارى، ولا تفعل ولا تفعل وهذا أمر واضح بالنسبة لكم، فهنا مسألة إذابة تجهيزية، والقضية ربما لا يدركها أهل الجيل الأول، أو أهل جيل معين، لكن التخطيط يأخذ طابع الأجيال المتلاحقة والمتتابعة، فقد قال مثلاً: تيودور هرتزل الزعيم الصهيوني المعروف في عام (١٨٩٨م) في سويسرا: يجب علينا إعلان دولة إسرائيل بعد (٥٠) سنة. فهو لا يرجم بالغيب ولا يعلمه، ولكنه يخطط ويبذل، وهو عندما قال هذا الكلام هو يعرف أنه سيموت، لكنه يعرف أن هناك أجيالاً لاحقةً ستحمل الراية وتواصل المشوار، وفعلاً هذا الذي حصل، أعلنت دولة إسرائيل عام (١٩٤٨م)، وهذا منهج استخدمه هذا الرجل وأتباع هذا الرجل في سبيل الوصول إلى هدفه، وحققوا الهدف عن طريق تذليل الصعاب للوصول إلى هذا الهدف. فأقول: إن الإذابة والمسخ والانصهار لا تأخذ طابع المفاجأة، يعني: لا يضغطون على الناس ويطالبونهم بأن ينصهروا في بوتقة الغرب مباشرة، بل هي قضية تدريجية شيئاً فشيئاً، بطريقة مرتبة ومنظمة ودقيقة، وفي نهاية المطاف ستجد أن النتيجة قد وصلت إلى ما تعرفون، ومثال ذلك: قبل عشرين سنة أو ثلاثين سنة أول ما فتح التلفاز عندنا هنا، لو ظهر منه صورة امرأة كما يظهر في التلفاز الآن ممثلة كاشفة الوجه والشعر والذراعين والساقين بل والفخذين، فماذا سيحصل؟ سيثور المجتمع بأكمله من أوله إلى آخره، سيثورون، لم؟ لأن هذا منظر رهيب لا يعرفونه ولم يتعودوه، وبالتالي يفشل المخطط، لكن الذي حصل أن التلفاز بدأ القضية بالتدريج: صوت امرأة، كف امرأة، أصابع امرأة في البيت السعيد، شيئاً فشيئاً، تخرج المرأة متحجبة ليس فيها من الأصباغ شيء، شيئاً فشيئاً حتى وصل الأمر إلى ما ترون. فأقول: إن هذا منهج وللأسف الشديد خطير للغاية، ولا بد من الانتباه لهذا المنهج. النقطة الثانية: الإذابة والمسخ والانصهار الاجتماعي فيما يرتبط بإفساد الأسرة، والأسرة كما تعرفون هي عماد المجتمع، وهي عماد الأمة، فإذا صلحت الأسرة صلح المجتمع؛ ولذلك ركز الغرب أو بالأحرى ركزت الدول الشيوعية على مسألة الأسرة، وعرفت أن الأسرة إذا كانت صالحة فإن المناهج الشيوعية لن تنجح، وبالتالي نخروا في أسس هذه الأسرة إلى أن تهاوت، ثم بدءوا في تلقف هؤلاء الضائعين من أولاد وبنات، وبدءوا يلقنونهم التعاليم الشيوعية، ونجحت الشيوعية في ذلك فترة من الزمن إلى أن تهاوت وانتهت.

стр. 250

رابعاً الاندماج ثم بعد ذلك ننتقل إلى المنهج الرابع: الاندماج، الاندماج منهج يهدف إليه الغرب؛ لأنهم رأوا أن قضية الإبادة الحسية صعبة، وقد تكون مستحيلة في كثير من المناطق، فانتقلوا إلى قضية الاحتواء الشمولي، ثم الإذابة ثم الاندماج، والاندماج جعل هذه الدول الإسلامية مستذلة تماماً، بل ومندمجةً فكرياً وعقائدياً ومنهجياً ودعوياً مع الدول الغربية حتى ولو أعلنت الإسلام، حتى ولو كان الفرد منها مسلماً، لم؟ لأنني عندما أقرأ في الكتب أو في المذكرات أن الكنيسة تقول: يجب علينا أن نعلن قارة إفريقيا عام ألفين قارة نصرانية، طبعاً عام ألفين لم يبق عليه إلا سنوات قليلة: سبع أو ثمان سنوات فقط لا غير، ومع ذلك فإن النتائج ليست قوية، فهل معنى هذا: أنهم يقولون: إن جميع أفراد القارة الإفريقية لا بد أن يلتزموا بالمنهج النصراني؟ لا، هذا خطأ، إنما المنهج الذي يسيرون عليه هو أن الزعامة التي تتحكم في الناس يجب أن تكون إما نصرانية وإما مندمجة مع النصارى، تأخذ أقوالهم وتؤيد أفكارهم وتنشر غسيلهم ولا تمانع في ذلك أبداً، هذا هو الذي يريدون، وهذا المخطط نجحوا فيه الآن، وكثير من زعماء الدول الإسلامية في إفريقيا تجد أنهم ينهجون هذا المنهج، والنجاح متتابع متواصل وقوي بالنسبة لهؤلاء. من الاندماج ما نسمع عنه في الآونة الأخيرة من صيحات متتابعة متكررة فيما يرتبط بمحاربة الرجعية- ما يسمى بالرجعية أو الأصولية أو الإرهاب أو الالتزام بالأحرى- وكل من التزم بدين الله وكل من أطلق لحيته وقصر ثوبه فهو متطرف، هذا ما صرح به أحد زعماء الدول الإفريقية أو بمعنى أخص الزعيم الليبي عندما قال لشعبه: إذا رأيتم رجلاً يحمل مسواكاً وله لحية وثوبه قصير فاقتلوه كائناً من كان فإن هذا متطرف، ما معنى هذا الكلام؟ معنى هذا الكلام: أن القضاء على هؤلاء الدعاة إلى الله منهج، وهذا المنهج اتفق عليه الأعداء مع الأصدقاء، أو بمعنى أخص المسلمون -أو ما يسمون بالمسلمين- مع اليهود والنصارى، ومثال ذلك: أحد زعماء الدول الإفريقية المشهورين أو زعيم أكبر دولة إفريقية يلتقي بزعيم أكبر دولة نصرانية ويلتقي معه في أوربا -طبعاً هو ليس أوربي- يلتقي به ويتفقان سوياً على محاربة التطرف، طبعاً هذا يدعي أنه مسلم أو يحكم دولة إسلامية، لكن الآخر ما الذي يعنيه؟ القضية قضية اندماج في محاربة الإسلام، وهذا ما يهدف إليه الغرب.

стр. 251

نماذج من العداء ضد الإسلام والمسلمين ننتقل إلى نموذج طبق في الماضي، ثم سنعرض نماذج طبقت في الحاضر فيما يرتبط بقضية حرب الإسلام، ثم أعرض لكم بسرعة مسائل مذابح المسلمين.

стр. 252

النموذج القديم ما حصل في الأندلس تعرفون أن الأندلس عاش فيها الإسلام فترة طويلة من الزمن، بل وكانت حاضرة علمية عجيبة لجميع الدول الأوربية، تمد الدول الأوربية بالعلماء والمفكرين، فقد كانوا يأتون إلى الأندلس ليدرسوا فيها، بل وذكر أحد المؤرخين الألمان أنه كان الأوربي الذي يتحدث اللغة العربية في ذلك الوقت يعتبر رجلاً ذا شأن ومثقفاً؛ لأنه يتحدث لغة العلم والحضارة، هذه الدولة لم يكن الغرب ينظر إليها على أنها دولة علم، بل كان ينظر إليها على أنها دولة إسلام، والإسلام مناوئ للنصرانية، إذاً: لا بد من القضاء عليه، فاستخدم مناهج متعددة وكثيرة وحرباً متواصلة ضروساً، ولم ينجح إلا عندما استخدم قضايا تدريجية فيما يرتبط بحرب هذه الدولة، وأولى هذه القضايا: مسألة الطائفية والدويلات، إذاً: نشر الطائفية والتفرق والتشرذم، تحت مسمى قبيلة معينة أو منهج فكري معين أو منطقة معينة أو غير ذلك، ثم الصراع المتتابع بين هذه الدويلات، ثم دعم هذا الصراع بشكل متواصل، حتى يضعف هؤلاء أجمعون فيستغل الغرب ذلك، ثم بعد ذلك يترتب على ذلك السقوط والانهيار، وكلكم تعرفون قصة فرديناند وإيزابيلا اللذين كانا زعمين مختلفين، كل منهما في مكان، فاتفقا على حرب المسلمين، وتزوج هذا بهذه، ثم بدءوا يركزون على مسألة حرب المسلمين بصبر وأناة وتؤدة، عن طريق نشر الطائفية والفرقة والتشرذم الذي أدى في نهاية المطاف إلى سقوط غالب مناطق الأندلس في أيدي النصارى، ثم بعد ذلك ما الذي حصل؟ إنشاء محاكم للتفتيش، ومحاكم التفتيش هذه كان السبب الأول في إنشائها هو القضاء على المسلمين. ومحاكم التفتيش هذه عندما تقرءون قصصاً عنها ربما لا تصدقون ما يذكر فيها، ولكن الغريب أن هذه القصص من النصارى أنفسهم، هم الذين ذكروها وتحدثوا عنها، فكان الإعدام نصيب كل من وجدوه مختوناً، أو يختن ابنه أو يصلي أو يذكر الله ، أو يملك مصحفاً أو يتكلم بكلمات إسلامية أو غير ذلك، كان نصيبه القتل مباشرة، وليس هناك شيء اسمه تحقيق أو سجن أو غير ذلك، فقتل من المسلمين الأندلسيين مئات الألوف، بل وقد ذكر بعض المؤرخين أن القتل تجاوز ألفي ألف -أي: مليوني نسمة- من المسلمين، قتلوا على أيدي نصارى أوربا الذين يعيشون في أسبانيا، قتلوا لأنهم يقولون: لا إله إلا الله، وترتب على ذلك أن أوربا انصبت بقضها وقضيضها لتحويل أسبانيا إلى دولة نصرانية كاملة في فترة وجيزة، وهذا الذي حصل، فالمسلم عندما يقبض عليه ويقتل يُرتاح منه، لكن أحياناً توجد مجموعة كبيرة من القبائل التي ربما يتعب هؤلاء النصارى في قتلهم وحصارهم وحربهم، فكانوا يحاصرونهم ويشترطون عليهم شرطاً واحداً: إما أن نحاصركم حتى تموتوا، أو أن تنتقلوا إلى الدول الإسلامية المجاورة ونعطيكم مالاً، وفعلاً يوافق هؤلاء؛ لأن هذا أرحم لهم، وكان هدف النصارى من ذلك هو أن يتكتل هؤلاء في الدول الإسلامية المجاورة، فيضعف اقتصاد هذه الدول مما يسهل عليهم ابتلاعها فيما بعد.

стр. 253

مقاتل المسلمين فأقول: إن النماذج التي سأذكرها بعضاً منها سأعلق عليه، والبعض الآخر سأترك التعليق له أو عليه بالنسبة للدروس والعبر لكم أنتم تستقصون ما تعرفون أو ما تتفتق عنه أذهانكم تجاه هذه المسألة. وهذه المسألة تنقسم إلى قسمين اثنين: مقاتل المسلمين قديماً، ومقاتل المسلمين حديثاً.

стр. 254

مقاتل المسلمين في القديم أما مقاتل المسلمين في القديم فتنقسم إلى قسمين: العدو الخارجي المباشر، والعدو الداخلي المتخفي، يغريه العدو الخارجي بالمال من أجل الدخول إلى هدفهم. فمن النماذج ما حصل من دولة الحشاشين التي عاشت من عام (٤٢٠) للهجرة إلى عام (٥٥٠) للهجرة، في حدود (١٣٠) سنة، دولة الحشاشين هذه قامت بطريقة لطيفة وقضت على الزعامات الإسلامية، إذ كان لديها منهج، ألا وهو: أن المسلم يموت إذا مات زعيمه، أو يموت إذا مات عالمه وهو باق على قيد الحياة، فلا يهمه أن يكون المسلم يأكل ويشرب وينام وينكح ويسكن فهذا أمر اعتيادي، لكن لا يريد منه أن يكون داعية إلى الله، فإذا جرد من العالم أو جرد من الزعيم الصالح، فإن هذا المسلم يسهل فيما بعد تحريكه يمنة ويسرة، ولذلك تجد أنهم ركزوا على الزعامات، فبدءوا في قتل الزعامات المسلمة وعرف عنهم بالانتحاريين أو الفدائية، ويسميهم المؤرخون الفداوية، أي: أنهم يفدون أنفسهم في سبيل مذهبهم، فقتل على أيديهم مجموعة كبيرة من القضاة والعلماء والدعاة، بل الوزراء والحكام، فقتلوا نظام الملك وهو من الوزراء المعروفين المشهورين الذي كان له إصلاح كبير في الدولة المسلمة، وكادوا أن يقتلوا صلاح الدين الأيوبي، فأقول: هؤلاء الحشاشون أثمرت جهودهم ثماراً ليست باليسيرة، وبقيت دولتهم وامتدت إلى زماننا الحاضر، فالمنهج الإسماعيلي: البهرة الإسماعلية، المكارمة، إلى آخر ذلك، كل هؤلاء يعدون امتداداً فكرياً لهذه الدولة- أي: دولة الحشاشين-. أقول: الحسن بن الصباح خرج من مصر رجلاً عالماً مثقفاً شاباً جلداً قوياً بعد خلاف حصل داخل الدولة الفاطمية المصرية، بعد موت الحاكم بأمر الله الفاطمي عام (٤١١هـ)، فخرج إلى العراق ثم خرج إلى مناطق إيران، ثم اتجه إلى مناطق أفغانستان، ثم عاش هناك وفكر في إنشاء دولة، انظروا إلى علو الهمة، فقد كان فيه علو همة لم تكن في غيره، إذ قرر أن ينشئ دولة وهو فرد واحد، لم يقل: سأنشئ قصراً وأتزوج ويكون لي أولاد وأرض واستراحة وكذا، لا، كان همه إنشاء دولة، وفعلاً وصل إلى هدفه بالطريقة المرتبة المنظمة، فقد ذهب إلى القرى الفقيرة، فتعرف على مجموعة من الشباب، وبدأ يتصادق معهم، ثم بدءوا يجلسون سوياً، وجعل هذه الجلسة في مكان بعيد عن الناس، ثم كوّن مبنىً صغيراً، ثم طوره وجعله مبنىً محصناً، ثم قال: نريد نقود لننفق على أنفسنا، لماذا لا نذهب إلى القوافل المهاجرة أو المسافرة من منطقة إلى منطقة ونعرض عليها الحماية، نقول: نحميكِ من مكان كذا إلى مكان كذا مقابل كذا ونسير معهم، ثم نأخذ منهم نقداً، فإن رفضت وهي قافلة صغيرة هاجمناها وأخذناها، وإن كانت كبيرة تركناها، شيئاً فشيئاً حتى جمع المال ثم بنى القلعة على رأس جبل، ثم بدأ يوسع في القلعة ويكبر فيها، إلى أن وصلت إلى الهدف الذي يريد، ثم بعد ذلك بدأ يحقق المنهج الدعوي، وقد وجد بجانب هذه القلعة غابة من أجمل الغابات وفيها نهر يجري، فبنى فيها قصراً جميلاًن وجعل فيها من الأثاث الشيء الجميل، جاء به من العراق، ثم وضع فيها أربعة من الفتيات الجميلات، ثم بدأ يبث الدعاة: اذهبوا إلى القرى، وقولوا لهم: تعالوا إلينا ونعرض عليكم ما عندنا، فإن وافقتم عليه فخذوه، وإن عارضتموه فاتركوه فأنتم أحرار، فكان هؤلاء الفقراء وهم أوساخ وقذارى الناس يدخلون القلعة، فيقولون لهم: أول شيء لا بد أن نضيفكم، فيعطون صحناً صغيراً فيه بعض المأكولات المعتادة، ثم كأس صغير فيه حشيش؛ ولذلك سموا بالحشاشين، يشرب هذا الرجل كأس الحشيش ثم يتخدر، ويؤخذ ويدخل به إلى دورة المياة، ثم ينظف شعره وأظافره وتغير ثيابه ويلبس أساور الذهب والفضة والثياب الحسنة والأطياب والعطورات، ثم ينزل به إلى هذا القصر الصغير فيستيقظ بعد نوم طويل، يلتفت يمنة فيرى نساء جميلات، ويلتفت يسرة فيرى نساءً جميلات، أمامه بيت فاخر لم يتخيل رؤيته في أحلامه، فإذا خرج قليلاً رأى غابة من أجمل الغابات ونهراً، فتقول له أحد الفتيات: إنك في الجنة، وهذا أول قصورك ولك قصور كثيرة، وتعال لدينا، ويحاول أن يتحرش بهن، فيقلن: لا، انتظر، فأنت زائر، كل واشرب، ثم نحن لك وأنت لنا، فيؤتى له بآنية، ويؤتى له بغذاء لم يتخيله في آنية الذهب والفضة فيأكل ويشبع، ثم يشرب كأساً من حشيش ويتخدر، فيعاد به مرة أخرى إلى القلعة ثم يستيقظ بعد أن تغير ثيابه ويعاد إلى ثيابه الأولى، فيستيقظ من منامه فيرى ثيابه القذرة، لكن أظافره قد قلمت ورائحته جميلة وشعره مرجل وثيابه قذرة، فيكون هناك صراع داخلي عجيب: ماذا يفعل؟ ماذا يصنع؟ ما الذي حصل؟ هل هو منام؟ هل هو يقظة؟ لا، فيدخل عليه رجل وقور يقول له: يا بني! لعلك رأيت في منامك كذا وكذا ويذكر له القصة، يقول: نعم، رأيت، فيقول الرجل: إن ما تراه من رائحة وشعر من آثار رؤيتك، وهذا مكانك في الجنة إن كنت معنا على الخط، فيؤمن بهم، وبهذه الطريقة استطاع أن يجمع عشرين ألف جندي، وأرسل له أحد الخلفاء العباسيين رسالة يهدده فيها ويتوعده، وأنه لا بد أن يستسلم؛ لأن جنوده تقدمت حتى كادت أن تحاصر بغداد، واستطاعت أن تقتل آلافاً مؤلفة من المسلمين، فأرسل له الخليفة رسالةً يتهدده فيها، وأنه قد جهز له جيشاً عرمرماً ضخماً قوامه مائة ألف، فقال للرسل: ليس لدي رد، ولكن الرد انظروا: تعال يا فلان! ارم نفسك من القلعة، فرمى نفسه من القلعة، يا فلان! اقتل نفسك، أخذ الخنجر وقتل نفسه، يا فلان! اقطع لسانك، فضغط على لسانه فقطعه فنزف فمات، قال: قل للخليفة: إن لدي عشرون ألفاً يحبون الموت كما تحبون الحياة، وكلهم من هذا الجنس، لم؟ لأن كلاً منهم في ذهنه أنه إذا مات سيذهب إلى ما رآه في حلمه-أي: الجنة- فاستطاع أن يكون دولةً ضخمة تشمل إيران وأجزاء من العراق، وأفغانستان وباكستان وجنوب الاتحاد السوفيتي لتكون دولة للحشاشين، واستطاع أن يقضي على الكثير من أهل السنة، ولذلك يقال: إن أذربيجان الآن وهي دولة من الدول التي استقلت عن الاتحاد السوفيتي أغلب أهلها من الشيعة: يقال: إنهم أثر من آثار هذه الهجمة الإسماعيلية بقيادة الحشاشين.

стр. 255

مقاتل المسلمين في الزمن المعاصر مقاتل المسلمين في الزمن المعاصر، وهي عبارة عن وقفتين: الهجمة الخارجية، والهجمة الداخلية.

стр. 256

الهجمة الخارجية أما الخارجية، فهذا أمر كلنا نعرفه وكلنا نلم به، ولذلك لن أطيل فيه؛ باعتبار أنه أمر مفهوم. الهجمة الخارجية فيما يرتبط مثلاً بهجمة النصارى على المسلمين في السودان والصومال والبوسنة والهرسك وألبانيا وكوسوفو، وفي أذربيجان من قبل الأرمن، كذلك في العراق ولبنان ومصر وغير ذلك، وهي هجمة من قبل النصارى مدعومة من دول الغرب، وإما أن تكون الهجمة من الغرب مباشرة، أو أن الغرب هم الذين يحملون الراية بطريقة سرية، فعندما نتحدث مثلاً عن الهجمة الغربية ضد المسلمين في البوسنة والهرسك نجد أن البوسنة والهرسك التي كانت دولة مسلمة من سنة (٨٥٥هـ) للهجرة إلى زماننا هذا، كان الغرب يفكر في القضاء عليها، ولكنه لم يستطع؛ لأن الخلافة العثمانية كانت تحميها، فلما جاء الانقلاب الشيوعي في يوغسلافيا بدأ مسلسل القضاء على المسلمين، ولكنهم كانوا متماسكين، فاستطاع أن يستخدم معهم أسلوب الإذابة بدلاً من أسلوب الإبادة الحسية، ولذلك فإن هناك مسلمين لا يعرفون من الإسلام إلا الاسم فقط لا غير، لا يصلون ولا يصومون ولا يحجون، ولا ولا، ومع ذلك فالغرب لا يرضيهم ذلك، لا يرضيه إلا الإبادة الحسية، أما الاحتواء الشمولي والإذابة والمسخ والاندماج لا يكفيه، فقرر القضاء على الإسلام تماماً عن طريق الإبادة الحسية، وتزعم ذلك الأرثوذكس بقيادة الصرب، وكذلك الكاثوليك بقيادة الكروات وبدءوا التركيز القوي على المسلمين للقضاء عليهم، ثم بدأ الدعم الخارجي المتواصل من جميع دول العالم للقضاء على المسلمين في البوسنة والهرسك، فروسيا تدعمهم سياسياً وإعلامياً وعسكرياً ومادياً، ودول أوربا تدعمهم كذلك، وأمريكا تدعمهم كذلك، بل ودول إسلامية أخرى تدعمهم كذلك كإيران ومصر كما هو معروف عن طريق إمداد يوغسلافيا بالبترول وغيرها، بل وكل الدول الإسلامية تدعمهم عن طريق السكوت أو تعليق القضية بالمجلس النصراني المجرم-مجلس الأمن أو هيئة الأمم- وذلك عندما تجعل القضية بأيدي هؤلاء النصارى أو هؤلاء اليهود، ونحن نعرف أن رئيس الأمم المتحدة بطرس غالي وهو من الكاثوليك، ويعد هذا الرجل والصرب إخوة في الدين وفي المنهج وفي المعتقد وفي كل شيء. مثال آخر في الهجمة الخارجية: الهندوس عندما قاموا بهجمة شرسة ضد المسلمين في كشمير، وضد المسلمين في الهند نفسها، ولعلكم ترون بعض النشرات الموجودة في المساجد، أو التي تذكر في بعض المجلات أو غيرها من الهجمة الشرسة من قبل الهنود ضد المسلمين، حتى إن بعضهم يصرح ويقول: أمام المسلمين واحد من أمرين: إما أن يكونوا هندوساً مثلنا، وإما أن يعودوا إلى وطنهم الأم باكستان، ليس هناك حل ثالث أبداً؛ ولذلك بدأت المذابح تترى، ومع أن هذه المذابح قديمة لكنها برزت وظهرت بشكل قوي، كما حدث في هدم المسجد البابري. والبوذية كدين آخر ماذا فعلت في بورما؟ ماذا فعلت في منطقة أرَكان؟ فقد شردت مئات الآلاف وقتلت عشرات الآلاف من المسلمين في هذه المنطقة، كذلك ماذا فعلت في منطقة فطاني في جنوب تايلاند؟ تعمل الأفاعيل والأفاعيل ونحن لا نشعر ولا نعلم ولا ندرس ولا نقرأ، كذلك اليهود ماذا يفعلون بالمسلمين في فلسطين وفي جنوب لبنان وفي غيرها من المناطق بشكل علني، وماذا يفعلون بالمسلمين بشكل خاص عندما يمسكون بزمام الأمور في كثير من القضايا.

стр. 257

الهجمة الداخلية ما هي الهجمة الداخلية؟ هنا لعلي أقف وقفة، أقول: كثير منكم قد يتوقع أن هذه المحاضرة عندما يكون عنوانها دماء وأشلاء، أنني سأتحدث عن عدد القتلى وعدد الجرحى، وكم قتل في المعركة الفلانية، وكم قطعت من يد، وكم قطع من رأس، وكم قطعت من رجل، لكن هذا موضوع سطحي وقضية سطحية؛ لأننا نريد أن ندخل في العمق الذي يؤدي إلى هذا النتاج، فإذا عرفت أن هناك هجمة من قبل الأرثوذكس الصرب على المسلمين فتوقع أنه سيكون هناك دماء وأشلاء، وعندما تعرف أن هناك هجمة من قبل البوذيين على المسلمين في بورما، فاعلم أن هناك دماء وأشلاء، والدماء هنا تمثل القتلى، والأشلاء تمثل الجرحى أو تمثل -إن صح التعبير- الحقد على المسلمين عندما يمثلون بهم، ولعل بعضاً منكم شاهد بعض الصور أو الأفلام التي تنشر لمسلمين قتلوا في آشام أو في الهند أو في بورما أو في البوسنة أو غيرها، حتى إنني رأيت صورة لجثث هائلة من المسلمين على شكل جماعات، وتحمل بواسطة (الشيولات) وتوضع في (القلابات)، ورأيت من ضمن حركة هذا الشيول أنه عندما يحمل الجثث هذه يد تنقطع، وهذا رأس يسحق تحت الشيول، وهذا جسد ينفري، وبطن يخرج ما فيه، يعني: مناظر مؤذية للغاية، ولكن ليس الهدف عندما أذكر لكم ذلك أن أتحدث عن هذه النماذج أو النوعيات-أي: الدم وقطعة اللحم الفلانية أو الرأس أو اليد- لكن أذكر لكم الأصول، ولكم أن تتخيلوا فيما بعد ما هي نتائج هذه الأصول. الهجمة الداخلية عن طريق أذناب الاستعمار وممثلي الاستعمار في العالم المعاصر فمثلاً: نجد أن النصيرية تفعل الأفاعيل، وهم الذين قال فيهم شيخ الإسلام ابن تيمية: النصيرية أكفر من اليهود ومن النصارى ومن كثير من المشركين، وهم يتحكمون الآن في جزء غال من بلادنا الإسلامية ويملكونه ويحكمونه، وقد قضوا على الدعوة فيه قضاء شبه كامل إلا من رحم الله ، وكان لهم مذابح هائلة جداً سواء كانت على مستوى المدن، أو على مستوى التجمعات أياً كانت، فلهم هجمة صاعقة وشنيعة تم فيها تدمير أكثر من عشرة آلاف مسلم على أقل التقديرات، وقيل: ثلاثين ألف مسلم على أكثر التقديرات في منطقة حماة، وفعلوا الأفاعيل في تدمر وفي بقية المدن والمناطق والمحافظات في تلكم البلاد التي يحكمونها. كذلك البعثية العراقية بقيادة حزب البعث العراقي ماذا فعل بالمسلمين الأكراد؟ بل وماذا فعل بالدعاة إلى الله ؟ كان همه الأول والأخير ألا يبقي داعية إلى دين الله في ذلكم البلد؛ ولذلك تجد أن أقل البلاد نشراً للدعوة الإسلامية العراق، لم؟ للهجمة الدموية الشرسة ضد الدعوة إلى الله في ذلكم البلد، وقد نهج الحزب البعثي الاشتراكي الذي يتزعمه حزب البعث العربي الاشتراكي بقيادة أحمد حسن البكر، ثم صدام حسين نهجوا منهج القضاء التام على كل ما يمت إلى الإسلام بصلة ومنهج، واستخدموا في ذلك وسائل كثيرة جداً لعل المقام لا يسمح لنا بذكرها. كذلك الهجمة الداخلية التي تقوم بها العلمانية ممثلة في الزعامات في كثير من بلدان العالم الإسلامي، فهي تقوم بهجمة شرسة ضد الدعاة إلى الله ، بدعوى مكافحة الإرهاب أو التطرف أو الأصولية أو غير ذلك وبدعم متواصل من الغرب، ويعطون هذه القضية الخطورة، وتكبيرها وتضخيمها بالوسائل التي يملكونها من إعلام متنوع، وكسب الرأي العام في صفهم، وهذا ما يحصل في كثير من الدول ولا داعي لذكر النماذج. كذلك ما تقوم به الصوفية من هجمة قوية ضد المسلمين، وهي فرقة مغفول عنها، وليس هدفها الأول والأخير: هو التجمع أو مسبحة أو الأذكار، وهز الرءوس، لا، هؤلاء الصوفية من أخطر الناس على الأمة الإسلامية، وأقرأ لكم تصريحاً غريباً جداً ذكره أحد المعروفين الذين لا يمتون إلى الإسلام بصلة، وهو الرئيس التونسي الحبيب بورقيبة يقول: إن سبب دخول فرنسا تونس كانت الصوفية، وذلك بأن هذه الطرق هي التي كانت تقاتل الفرنسيين، ثم نجح الفرنسيون في التفاهم مع شيخ الصوفية على أن يدخلوا البلاد، فلما أصبح الصباح قعد الشيخ مطرقاً برأسه وهو يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، فلما سأله أتباعه عن الأمر الذي يقلقه، قال لهم: لقد رأيت الخضر وسيدي أبا العباس الشاذلي وهما قابضان بحصان جنرال فرنسا، ثم أوكلا الجنرال أمر تونس، يا جماعة! هذا أمر الله فما العمل؟ فقالوا له: إذا كان سيدنا أبو العباس راضياً ونحن نحارب في سبيله -ليس في سبيل الله- فلا داعي للحرب، ثم دخل الجيش الفرنسي تونس دون مقاومة. ويقول كذلك في مكان آخر في مذكرات له: إنني اطلعت على الميزانية الفرنسية، فوجدت فيها مخصصات ضخمة للطرق الصوفية؛ لأنها تخدر أعصاب المسلمين عن الجهاد -يقول هذا الكلام قبل أن ينحرف- في أوائل زمنه. ثم النقطة الأخيرة هنا: قضية المنافقين، وماذا يفعلون في الأمة الإسلامية من أفعال تؤدي في كثير من الأحيان إلى الانتشار أو ظهور الدماء والأشلاء، أو ذبح المسلمين في كثير من المناطق، فالمنافقون منذ ظهور الإسلام يسعون بجد واجتهاد في سبيل إضعاف المسلمين عن طريق نشر الحروب والمعارك فيما بينهم، والنماذج في هذا كثيرة جداً ولا يكاد يخلو بلد من هؤلاء المنافقين.

стр. 258

ملاحم المستقبل الوقفة قبل الأخيرة: ملاحم المستقبل. كذلك لا بد أن نعلم أن المستقبل فيه دماء وأشلاء وملاحم، وسيكون للمسلمين ملحمة ضخمة مع النصارى، وملحمة ضخمة مع اليهود، وملحمة ضخمة مع الملاحدة، أما مع النصارى فقد بين لنا المصطفى ﷺ ذلك بمعناه، يأتون النصارى إلى المسلمين في ثمانين راية، مع كل راية اثنا عشر ألف -يعني قريباً من مليون- وستكون ملحمة كبرى ضخمة بين المسلمين والنصارى. أما اليهود وبزعامة الدجال، فسيقاتلهم المسلمون حتى إن الحجر والشجر ليقول: يا مسلم! خلفي يهودي تعال فاقتله. أما الملاحدة فستكون هناك دماء وأشلاء وملحمة ضخمة بقيادة عيسى بن مريم ﵇ ضد يأجوج ومأجوج الملاحدة، الذين يقولون: قد قضينا على أهل الأرض فهلموا لنقاتل أهل السماء، فيطلقون سهامهم إلى السماء، فترجع مخضبةً بالدماء فتنة من الله لهم، ويحاصر هؤلاء الملاحدة المسلمين في تيماء حتى يبلغ بهم الضنك والشدة مبلغه، حتى إن رأس الثور أو البقرة ليبلغ ثمناً هائلاً، ويقوم يأجوج ومأجوج بالقضاء على دول العالم الإسلامي، وابتلاء المسلمين في قراهم وفي هجرهم بشكل مخيف للغاية. والنتيجة من ذلك كله: أن الدولة الإسلامية ستظهر وستبرز بالرغم من كل هذه الدماء وهذه الأشلاء؛ لأن الرسول ﷺ قال: (تكون نبوة، ثم يشاء الله لها إلى أن تنقضي، ثم تكون خلافة راشدة، ثم يشاء الله لها إلى أن تنقضي، ثم تكون ملكاً عضوضاً، ثم يشاء الله له إلى أن ينقضي، ثم تكون جبرية، ثم يشاء الله لها إلى أن تنقضي، ثم تكون خلافة تعم الأرض). وقد بين لنا المصطفى ﷺ أن الإسلام سيدخل كل بيت بعز عزيز أو بذل ذليل، وإن هذا الدين سيبلغ ما بلغ الليل والنهار. إذاً: كل بيت سيدخله هذا الدين، وسينزل عيسى بن مريم ويسقط الجزية، ولا يقبل من الناس إلا أحد أمرين اثنين: إما أن يسلموا وإما أن يقتلوا، فإذا لم يسلم فإنه سيقتل وينتهي، فلا يبقى على وجه الأرض إلا المسلمون فقط، وسيكون الإسلام هو الذي يضرب بجرانه، ويكون المسلمون هم الذين يملكون الأرض من أولها إلى آخرها، وكما تعرفون فإن السماء لا تمطر ذهباً ولا فضة، لا بد من العمل ولا بد من التضحيات والبذل، ونحن لسنا مطالبين بالنتائج، نحن مطالبون بالعمل، ويكفينا أن نقدم ونرى ما قدمنا في صحفنا يوم القيامة، أما قطف الثمرة فإن قطفناها فخير على خير، وإن لم نقطفها فحسبنا أننا قدمنا، والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

стр. 259

الأسئلة

стр. 260

نصيحة لمن يهون من أساليب الدعاة في الدعوة إلى الله السؤال أنا شاب غيور على أمتي، وأحترق كثيراً عندما أسمع مذابح المسلمين، فأقوم ببعض الأعمال للمشاركة في أعمال خيرية للمسلمين سواء بالتبرعات أو الدعاء أو غير ذلك، ولكن أجد من الشباب من يهون علي هذه الأعمال، فما هي نصيحتكم لمثل هؤلاء؟ الجواب لا بد أن يضع الإنسان نصب عينيه: (وتبسمك في وجه أخيك صدقة)، وإن كل عمل مهما قل فإن الإنسان مأجور عليه، وإن أحب الأعمال إلى الله أدومه وإن قل، وإن الإنسان مهما بذل ومهما فعل فإن هذا الفعل سيكون له الأثر، حتى ولو لم يقطف الثمرة، أو حتى ولو لم يرها، تخيل أنني أهديت فلاناً من الناس شريطاً بريالين اثنين فقط لا غير، فأخذ هذا الرجل هذا الشريط، ثم استمع إليه، فاهتدى واهتدت زوجته وأبناؤه، وإذا بهؤلاء الأبناء كونوا أسرة واهتدت هذه الأسرة. فالحاصل: أنه أصبح هناك مجتمع مصغر مكون من عدة أسر، كل هذا المجتمع اهتدى بسبب شريط واحد بفضل الله ثم بجهدي، والله قادر على أن يهدي الناس جميعاً، ولكن هذه القضية قضية ابتلاء واختبار؛ ليرى الله هل نقدم، هل نعمل، هل نفعل؟ أم لا، قال رسول الله ﷺ : (لا تحقرن من المعروف شيئاً ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق)، مهما كان المعروف قليلاً، إلا أنه إذا قرن بالإخلاص فإن الثمرة ستكون قوية، وهذه نصيحتي إلى من يرى خلاف ذلك.

стр. 261

كيفية تلقي المسلم الأخبار الصحيحة عن المسلمين السؤال من أين يتلقى المسلم الأخبار عن المسلمين عبر مصادر صحيحة؟ الجواب نحن نعيش فترة لغوب في الأخبار الصحيحة التي يتلقاها الفرد المسلم عن بقية المسلمين، بل وسائل الإعلام هي التي تتحكم في معرفة أحوال العالم الإسلامي، فإذا أرادت أن تخبرك عن البوسنة، جاءت بالأخبار مركزة عن البوسنة، فعرفت عنها كل شيء، لكن أفغانستان لا نعرف عنها شيئاً؛ لأن وسائل الإعلام لا تعطينا شيئاً، إذاً: ننساها، بورما لا تعطينا وسائل الإعلام عنها شيئاً، إذاً: ننساها، قررت وسائل الإعلام أن تعطينا عن بورما أعطتنا، إذاً: هي التي تحركنا؛ ولذلك نحن نعيش فترة قصور إعلامي عجيب، هذا القصور الإعلامي يحتاج منا نحن أن نبدأ في التعاون التدريجي لإنشاء مجلات أو نشرات إسلامية أو غير ذلك، ويحتاج منا دعم المجلات الإسلامية التي تأتينا بالأخبار الصحيحة، فهذه المجلات الإسلامية أو الجرائد الإسلامية إذا دعمت فإنها ستكون ذات ثمرة، فإذا كان هناك مجلة إسلامية تصدر في البلد الفلاني وأنا أشتريها وأتابع الأخبار، وأحس بأن غيري يشتريها فإنني أساهم في بقاء هذه المجلة، التي هي وسيلة من وسائل إمدادي بالأخبار، لكن عندما أترك شراءها أنا وأنت وفلان وفلان، فإن معينها ينضب فتغلق، وينقطع آخر حبل من حبال إمدادي بالأخبار الصحيحة، فهذه مشكلة والجميع يعايشها، ولكن قضية وجود الحل يحتاج إلى وقت وجهد وتضافر وإمكانات، وشيئاً فشيئاً لعل الله أن يلطف بنا؛ فنجد الأخبار السليمة من مصادرها الصحيحة، ولعل بوادر ذلك بدأت تظهر شيئاً فشيئاً عبر كثيرة من المجلات التي بدأت تظهر في الساحة، وتمثل اتجاهات إسلامية صحيحة في الجملة.

стр. 262

كلمة حول قرب النصر للمسلمين السؤال علمنا أن التضييق واستخدام القوة ضد المسلمين دليل على قرب النصر للمسلمين، فهل من كلمة حول هذا الموضوع؟ الجواب إن الحلقة كلما ضاقت كان ذلك أقرب إلى الانفراج، وكلما ازدادت حلكة الليل كان ذلك إيذاناً لبزوغ الفجر، فنحن نرى ولله الحمد الرجعة إلى دين الله في كثير من البلاد، ونرى أن الكثير بدءوا يعون الواقع ويعرفونه، ويعرفون أن رسالتهم في هذه الحياة ليست هي الرسالة التي كان يعيشها الكثير، ممن همه أكل وشرب ونوم وغير ذلك، ولو كان منهجه صحيحاً في أن يعبد الله في مسجده، ثم إلى عمله، ثم إلى بيته، فهو مطالب بأكثر من ذلك، وهذه الرجعة الصحيحة التي نراها في كل دول العالم بلا استثناء دليل على قرب النصر، ولكننا قوم نستعجل، جاء الصحابة إلى الرسول ﷺ وهو مستظل في ظل الكعبة، وكانوا يستعجلون النصر، فطلبوا منه أن يستعجل لهم النصر، فقال لهم: إنكم قوم تستعجلون، لكن في مستقبل الأيام ستتحرك الضعينة أو المرأة من صنعاء إلى حضرموت وهي منطقة خطيرة جداً لا تخاف إلا الله ، وهذا الذي حصل، فقضية استعجال النصر هنا يجب ألا نجعله نصب أعيننا، لابد أن نجعل نصب أعيننا باستمرار العمل، هذا هو الذي نركز عليه، فقطف الثمرة هذا إن جاءت فالحمد لله، وإلا فأبناؤنا أو أبناء أبنائنا هم الذين سيقطفونها، وحسبنا أننا أرضينا ربنا ، وهذا هو الهدف الذي يجعله كل منا أمام ناظريه.

стр. 263

كيفية الوصول إلى أخبار البوسنة والهرسك والصومال السؤال ما أخبار البوسنة والهرسك والصومال؟ الجواب لعل اللجنة الثقافية عندكم تعطيكم أخباراً في ذلك، ولعل اللجنة الثقافية ترتب لقاءات خاصة للاطلاع على أخبار هذه الدول والحروب؛ لأن الأخبار متجددة ومتتابعة ومتغيرة باستمرار، وهذه الأخبار تحتاج من الإنسان أن يتابعها بشكل متتابع من المصادر السليمة الصحيحة، فأقول: إن وجود معلومات من الوسائل الأجنبية تحتاج إلى تأكد وتثبت، ووجود الأخبار الصحيحة يحتاج إلى أن يكون الإنسان على علاقة بأناس يعايشون الأخبار عن كثب.

стр. 264

كيفية مواجهة الحملات النصرانية السؤال لو كنت أريد أن أكون حملة ضد النصرانية، فكيف يكون تكوينها، وما كيفية الهجوم عليهم؟ الجواب إن النصارى عندهم جهود هائلة في سبيل مناهجهم، لكن سأذكر لكم نموذجاً واحداً: ألبانيا دولة فقيرة للغاية، وأحد الإخوة ذهب إلى ألبانيا للمشاركة في إقامة دورة هناك، يقول: تصور أننا ثلاثة أيام لم نأكل الشمام والخبز، لأنه ليس عند ناشئ، لا يوجد غير خبز وجراوة، نذهب إلى البقالة فلا نجد إلا علبة أو علبتين أو ثلاثة، فهي دولة فقيرة، واستغل الغرب هذا الفقر المدقع عند هذه الدولة، فقالوا: تعالوا، نحن نعلم أبناءكم وندرسهم منذ التمهيدي إلى الجامعة، لكن بشرط: أن تجعلوهم في أيدينا ولا تتدخلوا في شيء، فيقول: إن الحكومة الألبانية كادت توافق، فبدأت حملة من بعض الإخوة في مسألة مساعدة التلاميذ عن طريق تأمين حقيبة وملابس وكتيبات ودفاتر وأقلام لهؤلاء حتى يواصلوا الدراسة، وفعلاً نجحت هذه الحملة، وتم تعميم أكثر من مائة حقيبة دراسية لهؤلاء. ومن النماذج كذلك البابا يقول: إنه من أشهر البابوات في سبيل الدعوة إلى النصرانية في الدول الفقيرة، قام بزيارة لألبانيا، وكان يلتقي بالفقراء، لاحظوا زعيم النصرانية يلتقي بالفقراء ويسلم عليهم ويمسح على رأس الطفل ويجلس معه ويقبله، وهو عندما يقبل هذا الطفل ليس لدعوة هذا الطفل فقط، بل يعرف أن هناك آلاف أو مئات الألوف من الناس ينظرون إلى صورته وهو يفعل ذلك، فما الذي يفعل؟ طبعاً يعطيه سلسالاً ذهبياً فيه الصليب، أو يعطيه هديةً أو لعبة فيها صليب، أو يعطيه لباساً فيه صليب ويلبسه إياه، يقول هذا: فالبابا عن طريق هذه الزيارة نشر عدداً هائلاً من الوسائل الدعوية النصرانية، يقول: نحن الآن بدأنا في طبع نماذج محاربة لهذا المنهج، يعني مثلاً باللغة الألبانية: أنا أحب الإسلام، فنعطيه إياها ويلصقها على سيارته، مثلاً شيء يعلق في السيارة فيه آية الكرسي، أو فيه دعاء باللغة الألبانية أو فيه كذا، فأقول: قضية الحرب المضادة موجودة، لكن الحرب المضادة الأساسية هي أن تكون أنت متمسكاً بدينك، وتدعو إلى دين الله، هذا بحد ذاته هو أشد ما يضايق النصارى، فإن أشد ما يضايق النصارى هو هذا المنهج: أن تدعو إلى دين الله ؛ لأنك في هذه الحالة تسحب البساط من تحت أرجلهم شيئاً فشيئاً. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه الغفور الرحيم، والله أعلم. وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

стр. 265

قصص لا تنسى إن التاريخ خير أستاذ لمن تأمل فيه، وتتبع أحداثه، وعاش أجواء من سبقه من الأمم، ولذا قيل من أراد أن يضيف عمراً إلى عمره فليقرأ التأريخ، وذلك لما فيه من العبرة والعظة.

стр. 266

مأساة أسرة بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد الأمين، وعلى آله وأصحابه، ومن سار على نهجه واقتفى أثره إلى يوم الدين. قبل أن أبدا في عرض القصص التي ينبغي ألا تنسى فإن الشباب الصالح الذين يتلون آيات القرآن يجدون فيه قصصاً هي التي ينبغي ألا تنسى، بل ولن تنسى باعتبار أنها في كتاب الله، والله قد حفظ هذا الكتاب عن أن يتعرض لتحريف أو تأويل أو تغيير، من هذه القصص قصة يوسف مع إخوته ومع والده، فهذه القصة لو تمعن في دراستها الآباء لعرفوا أن فيها من العبر ومن الأساليب التربوية الشيء العظيم. فهذا يعقوب ﵇ ذلكم النبي الصالح فضل أحد أبنائه على البقية، وقد كانوا في سن لا تجعلهم يحكمون على الأمور بمنظار عقلي بل بمنظار عاطفي، فترتب على ذلك أنهم قرروا أن يستأثروا بوالدهم الذي صرف الحنان والمحبة والرعاية ليوسف وأخيه بنيامين، فقالوا: لا بد أن نقتل هذا الابن؛ حتى نستحوذ على والدنا. فتلك الآيات تعطيك أيها الوالد الكريم عبرة ودرساً، وتعطيك قصة لا تنسى: وهي أن الأبناء ينبغي أن يكونوا في مرتبة واحدة، حتى لو كنت تفضل البعض، أو تحب البعض، أو تقدر البعض قدراً زائداً على غيرهم، أو تقدر البعض وتكره الآخرين، فإنه ينبغي عليك أن لا تظهر ذلك أمام الجميع، فلا تظهر هذه المحبة فيحسد الأبناء المفضولون إخوتهم الذين فضلتهم عليهم ويكرهونهم، وقد يكيدون لهم كما فعل إخوة يوسف مع يوسف ﵇، فنصيحتي للآباء أن يقرءوا هذه السورة، وأن يتمعنوا فيها، وأن يأخذوا المناهج التربوية العجيبة من هذه السورة. خرج رجل صالح من بيته متجهاً إلى متجره بعد أن اشترى قليلاً من الخبز الجاف الذي حصل عليه بصعوبة ووضعه في بيته لأولاده، وأوصى زوجته بأن تهتم بهم، خرج إلى متجره الذي يسمى متجراً وهو في الحقيقة لا يحتوي إلا على شيء قليل جداً من البضاعة، وكان متعباً نحيلاً هزيلاً، فقد أنهكه الجوع فهو لا يستطيع أن يحصل على لقمة العيش التي تكفيه ومن يعول، والمادة ليست بموجودة، والغذاء لا يباع في الأسواق، فهو يريد أن يبيع ولو شيئاً قليلاً ليشتري ما يسد رمقه فحسب، هو لا يريد أن يتفنن في الطعام، ولا يريد أن يتففن في الشراب، وغاية ما يريده خبزاً جافاً فقط، فتح الرجل متجره بعد أن استعان بالله تعالى، وبقي فيه يرقب الغادي والرائح ويتمنى أن يطل عليه أحد العملاء ليشتري منه ولو شيئاً قليلاً. وفجأة! تقف سيارة على باب لمتجر، إنها مليئة بالجند، إنها سيارة الشرطة؟! تقف متجهة إليه، إنه لم يبلغ بعد سن الكهولة بل لا زال فيه روح الشباب، فنزل بعض الجند واتجهوا نحوه ثم سحبوه بكل قوة وأركبوه في السيارة، ثم ذهبوا به ولكن إلى أين يا ترى؟ لقد أخذوه إلى منطقة قريبة وأخذوا صندوقاً من الرصاص كبير الحجم، ثقيل الحمل، ثم قالوا له: احمل هذا على ظهرك واذهب به من المكان الفلاني إلى المكان الآخر! فتلكأ وتردد؛ لأن هذا الصندوق لثقله لا يطيقه ثلاثة أو أربعة فكيف بواحد؟ وعندما أبدى الرفض توالت عليه الصفعات واللكمات والضربات، فاستعان بالله وحمل الصندوق ومشى به ثلاثة أو أربعة أمتار ثم سقط؛ فهو لا يستطيع فعلاً أن يحمل هذا الصندوق، وعندما رأوه بهذه الصورة ضربوه فتحامل على نفسه وحمله مترين أو ثلاثة إلا أنه سقط مغمىً عليه من شدة الإعياء، وعندما رأوه بهذه الكيفية أخذوه وذهبوا به إلى جذع شجرة قريبة منهم، ثم ربطوه وأوثقوه في هذه الشجرة وسمروا يديه في الشجرة، ثم بدءوا يضحكون عليه ويتلاعبون به، فبدءوا ينتفون شعره بأيديهم، ويخلعون أضافره بزراديات كانت معهم، ثم بعد ذلك خلعوا ثيابه وقطعوا مذاكيره ثم أدخلوها في فمه، ثم أخذوا حربة وضربوه بصدره، فارتفعت روحه إلى بارئها، كانوا يضحكون جذلين من هذا المشهد! وبعد أن انتهوا من فعلتهم الشنيعة ذهبوا إلى حال سبيلهم بعد أن أخذوا هذا الصندوق معهم. فوجد الناس جثة الرجل المسكين وبدءوا يحدثون بما حصل له، فسمعت زوج هذا الرجل المدعوة زهرة بما حصل لزوجها من قبل الجيران؛ لأن الحادثة كانت قريبة من قريتهم، فذهبت مسرعة بكل قوة إلى مكان الحادث، وحدثت الفاجعة فما أن وصلت الشجرة حتى رأت مشهداً مخيفاً مرعباً هائلاً لا يمكن أن يصدق، حاولت أن تنزله من على الشجرة لكنها لم تستطع، فقد كانت ضعيفة هزيلة فهي لم تأكل شيئاً منذ مدة من الأيام، فعادت مسرعة تستنجد برجالات القرية لعلها تجد أحداً يساهم معها في إنزال زوجها من الشجرة، وقبل أن تصل إلى البيت إذا بسيارة شرطة أخرى فيها مجموعة من الجند ينظرون إليها، وعندما أدركت ذلك اتجهت مسرعة إلى بيتها، وقبل أن تتوارى ناداها أحدهم وهو شاخص إليها ينظر إليها: إنها جميلة وفيها مسحة من جمال، فطلبوا منها أن تأتي معهم، فصرخت واستغاثت ورفضت، لكنهم جروها بشعرها بكل قوة حتى أركبوها في السيارة، ثم ذهبوا بها إلى معسكرهم، وهناك سألوها مع من تسكنين؟ قالت: في بيتي مع زوجي الذي قتلتموه، ومع أولادي الخمسة، ومع أختي، ومع أخي. فسألوها: أين أخوك؟ فأجابت لقد سافر وهرب، فما كان منهم إلا أن رجعوا إلى البيت وهي معهم فأخذوا يبحثون في البيت فلم يجدوا إلا الأطفال، وفجأة وقعت أعينهم على بنت في الثانية عشرة من عمرها، فسحبوها معهم واتجهوا بها إلى المعسكر! ثم بدءوا يتوالون عليها اغتصاباً شرساً بكل قبح وجنون، وبكل شراسة وحماقة، وحينها لم تتحمل البنت الصغيرة هذه المشاهد المريعة المخيفة! ومن جراء هول ما يحصل لها أسلمت الروح إلى باريها، وليست الكبيرة بأحسن حال منها فهي الأخرى تكاد أن تسلم الروح إلى باريها، فلما رأوا ذلك تركوها، فرجعت إلى بيتها وقد أسدل الليل ستاره على هذه القرية الحزينة البائسة، فنظرت إلى البيت ونظرت إلى أولادها الذين يكادون يموتون من الروع من الخوف من الجوع، يا إلهي! ماذا تفعل: تنادي! تصرخ! لا مجيب، نظرت فإذا رجل يتسلل في جنح الظلام حتى دخل البيت مسرعاً وأخذ يهمس في أذنها: زهرة زهرة زهرة انتبهي إلي إنني أخوك، فانتبهت إليه فإذا هو أخوها، فضمته وهي تبكي وتصرخ: لقد قتلوا زوجي، لقد قتلوا أختي، لقد كادوا أن يقتلوني، فقال لها: هيا خذي ما خف حمله وغلا ثمنه نريد أن نهرب، إنهم سيقتلوننا إذا جاء الصباح، فأخذها هي وأولادها وانطلقوا مسرعين يمشون الليل مع النهار وبعد ثلاثة أيام من الإعياء والتعب والمشقة اجتازوا الحدود ووصلوا إلى منطقة آمنة، فألقوا أجسادهم مباشرة على الأرض الجرداء نياماً لا يريدون شيئاً إلا الراحة، وعندما استيقظوا من نومهم ورأوا أنهم قد أمنوا من مكر هؤلاء بدءوا يقصون على الآخرين ماذا جرى لهم. أتدرون هذه الحادثة لمن حصلت؟ ومن هي هذه المرأة؟ ومن هو هذا الرجل؟ وأين حصلت هذه الحادثة؟ ومتى حصلت هذه الحادثة؟ إنها حادثة من عشرات بل مئات بل آلاف الحوادث التي تتكرر يومياً في منطقة من مناطق العالم الإسلامي، إنها منطقة بورما التي تحاذي بنجلادش، حيث يقوم فيها البوذيون بحملة شرسة هائلة مخيفة لطرد ستة ملايين مسلم من هذه البلاد، فهم لا يريدون مسلماً واحداً يبقى فيها على الرغم من أنها منطقتهم وبلادهم! فقد عاشوا فيها منذ عشرات القرون، فقد دخلها الإسلام في القرن الثاني الهجري ونحن اليوم في القرن الخامس عشر، فهي منذ ثلاثة عشر قرناً أرض إسلامية، فالإسلام فيها ينتشر ويزداد لكن هؤلاء المسلمين لا بواكي لهم، فلا أحد يلقي لهم بالاً أو يعطف عليهم من أمة الإسلام، فما كان من الشعب البوذي المجرم إلا أن قام بعملية مسخ واستئصال هذا الشعب المسلم في منطقة آراكان التي هي جزء من منطقة بورما، والتي كانت بلداً إسلامياً سيكون في طي النسيان، وإذا استمر هذا الحال فسيكون بلداً بوذياً بعد فترة يسيرة؛ لأن الحملة الشرسة مستمرة. والمشهد السالف الذكر يتكرر دوماً، فاللاجئون في بنغلادش يزداد عددهم كما ذكرت الأخبار، فقد يصل عددهم إلى ألف لاجئ في اليوم، وهذا رقم هائل، وأما الذين لا يصلون والذين يموتون من الجوع والقهر والتعب فيتجاوزون الألفين يومياً. وأما الذين يقتلون فلا أحد من البشر يستطيع أن يحصي عددهم، إنها مأساة عجيبة رهيبة هائلة من يستطيع أن يتصورها؟ لا يتصورها الذين انطبق عليهم قول الرسول ﷺ : (من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم). إن الشعب المسلم في جميع أرجاء الأرض لا هم له إلا كيف يأكل، وكيف يشرب، وكيف ينام، وكيف يقوم، وأما أن يفكر في أمته وما يحل بها من الويلات! وأما أن يتذكر ويتابع ويدعو فلا. ومن العجب أن هذه القصص المتكررة المتوالية ليس لها ذكر في جرائدنا أو مجلاتنا التي تصدر في عالمنا الإسلامي! بل إنها تذكر في مجلات الغرب وجرائدهم، فهذه القصة موجودة في مجلة الصنداي تايمز التي تصدر في بريطانيا، ولنا أن نسأل لما يا ترى لا يذكرون شيئاً عنهم؟

стр. 267

حقد رافضي قام رجل مشهور يعمل وزيراً من الوزراء بإرسال رسالة إلى هولاكو زعيم التتار الذي دمر الخلافة الإسلامية العباسية سنة ٦٥٦هـ، وقتل في ثلاثة أيام متتالية أكثر من مليون ومائتي ألف ما بين رجل وامرأة وطفل. كان هذا الوزير وزيراً لآخر الخلفاء العباسيين الذي يدعى بـ المستعصم بالله، وقد كان خليفة المسلمين غارقاً في اللعب واللهو، وكان قد استوزر مجموعة من الوزراء منهم هذا الوزير الذي تميز بأنه رافضي خبيث. وكان من خبر هذا الوزير أنه قام سراً بإرسال رسالة إلى هولاكو الذي اجتاح أجزاء من العالم الإسلامي إلى أن وصل إلى إيران ثم توقف؛ لأن أهدافه قد تحققت فأراد الرجوع إلى بلاده، فأرسل له هذا الوزير رسالة: إلى هولاكو من فلان بن فلان: إنني أستحميك وأطلبك وأرجوك أن تقدم علينا وتخلصنا مما نحن فيه، فرد عليه هولاكو رسالته بقوله: لا أستطيع أن أقدم عليكم؛ لأن عندكم في بغداد مائة ألف جندي مدربين أقوياء، فأخشى أن أتعرض وجيشي إلى الهزيمة، فرد عليه هذا الوزير: لك علي في فترة وجيزة أن أصرف الجند ولا يبقى في بغداد إلا الضعاف منهم. ثم وفّى بوعده فقام بصرف الجند من بغداد مستغلاً وزارته التي منحها، فبدأ يرسل كتائب الجند إلى مصر وإلى سوريا وغيرهما، ولم يبق في بغداد إلا عشرة آلاف جندي من أضعف الجند، ثم أعاد الرسالة مرة أخرى إلى هولاكو وقال له: تعال على الرحب والسعة فلم يبق أحد يردك عما تريد، فقدم هولاكو ثم حاصر بغداد حصاراً يسيراً فسقطت بغداد في أيدي التتار، ثم أذن لجنده بأن يفعلوا الأفاعيل، ومعهم هذا الوزير الخائن وأتباعه، فبدءوا يعيثون في المسلمين فساداً، فقتلوا في يوم واحد: خمسمائة ألف، وفي اليوم الثاني: خمسمائة ألف، وفي اليوم الثالث: مائتي ألف، فكان القتلى في ثلاثة أيام مليوناً ومائتي ألف رجل وامرأة وطفل، فأنتنت بغداد من كثرة الجيف ولا أحد يستطيع أن يدفنهم، حتى إن رائحة الجثث كانت تشم في دمشق على مسافة سبعمائة كيلو متر من بغداد. وذكر ابن كثير أن الذين قتلوا مليون ومائتا ألف، وثمانمائة ألف آخرين ماتوا من شدة الرائحة والوباء. أتدرون من هو هذه الوزير؟ إنه رجل يدعى مؤيد الدين ابن العلقمي، وقد كان رجلاً رافضياً شيعياً يحقد على أهل السنة كما يحقد غيره من الشيعة على أهل السنة، فهم يكرهونهم كراهية عجيبة. وكان يهدف من إرسال الرسالة أن يقيم دولة شيعية على أنقاض الدولة السنية التي يحكمها الحاكم العباسي، وفعلاً أقيمت الدولة الشيعية ولكن الله بالمرصاد فقد قتل ابن العلقمي على يد التتار، وقتل الوزير الآخر نصير الدين الطوسي الذي كان ملازماً لـ ابن العلقمي على أيدي التتار أيضاً، ولم تقم لهم قائمة. وإنما كانت هذه القصة من القصص التي لا تنسى؛ لأنها تتكرر دوماً وأبداً فالشيعة باستمرار يخططون ليكيدوا للعالم الإسلامي.

стр. 268

مكائد لا تنتهي والتأريخ يعيد نفسه هذه الصورة حصلت سنة ٦٥٦هـ، لكننا في هذا القرن: قرن التطور، قرن الحضارة كما يسمى نجد أن هذه الصورة تتكرر يوماً بعد يوم، إن الشيعة الذين تقرءون وتسمعون عنهم يكيدون للإسلام أيما مكيدة، ولعل ما حصل في الحرمين في الأعوام ١٤٠٧هـ و١٤٠٨ لم يغب عن أذهانكم بعد. ولذا يجب أن يتنبه الناس لهؤلاء ويعرفوا حقيقتهم، وأنهم أشد عداوة لنا من اليهود والنصارى! لأنهم يتسترون بستار الإسلام، ويتمسحون بالإسلام اسماً وهم ليسوا بالمسلمين، وهم بعيدون كل البعد عن الإسلام، إنهم يخططون الآن لا للحصول على المال ولا للحصول على المتاع! ولا للحصول على البنايات! ولا للحصول على السيارات ولا للحصول على التجارة؟ وإنما يخططون لإنشاء الأمبراطورية الشيعية الإسلامية العظمى في أجزاء من أفغانستان وإيران والعراق وسوريا والأردن ولبنان وشمال الجزيرة والخليج بأكمله. إنهم يسيرون على مخطط دقيق منظم، ولا يلزم أن يتحقق ذلك في يومين أو شهرين أو عامين، فاليهود عندما اجتمعوا في بال في سويسرا في سنة ١٨٩٨م في آخر مؤتمر من مؤتمراتهم، أعلنوا قراراتهم وكان من ضمن هذه القرارات: يجب علينا أن نعلن دولة إسرائيل بعد خمسين سنة، ومع ذلك لم يلق العرب لذلك بالاً، ولكنهم كانوا يسعون ويخططون وينظمون وينظرون، وفي النهاية أعلنت دولة إسرائيل سنة ١٩٤٨م. فكانت أهدافاً تحققت ليست رجماً بالغيب، بل توقعات مبنية على دراسة وتخطيط، ولذلك ينبغي أن يتنبه الناس لهؤلاء الأعداء الذين يعيشون بيننا ويرتبطون بنا، وربما الكثير من الناس اليوم قد احتك بهم.

стр. 269

صاحب النقب اتجه مسلمة بن عبد الملك رحمه الله تعالى القائد الأموي المشهور ومعه جيش قوي قوامه أكثر من مائة وعشرين ألف جندي إلى بلاد الروم؛ ليفتتح عاصمة الروم القسطنطينية آنذاك والتي تسمى اليوم اسطنبول، وتقع الآن في الشمال الغربي من تركيا، وكانت هذه العاصمة عاصمة قوية جداً، وقد استعصت على مسلمة بن عبد الملك ولم يستطع أن يفتحها، ولكن الله يسر فتحها على يدي محمد الفاتح القائد العثماني المظفر. وعندما اتجه مسلمة بن عبد الملك إلى القسطنطينية كان في طريقه مجموعة كبيرة من المدن والقرى والمناطق الشاسعة التي يمتلكها النصارى ففتحها مدينة مدينة، وبلدة بلدة، ثم توقف عند حصن كان ذا بنايته قوية، وحصانة شديد، وجنوده كثيرون ومدربون وأشداء، فبدأ الجيش الإسلامي في الحصار واستمر الحصار فترة من الزمن ولكنه لم يسقط! وحينها حاول مع مجموعة من البنائين أن يحفروا حفرة في هذا الحصن، ومعلوم أن الحصون القديمة من طين، فحفروا فتحةً يدخل منها الرجل أو الرجلان، ولكن من الشجاع القوي الذي يدخل من هذه الفتحة ويقاتل ويقاتل إلى أن يصل إلى الباب ويفتحه، فهذا عمل لا يستطيع أحد أن يفعله إلا الشجعان الذين باعوا حياتهم لله تعالى، فصاح مسلمة فيهم من منكم يستطيع أن يدخل على هؤلاء فيفتح لنا إن قدر له الله النجاة؟ فقال أحدهم: أنا وهذه الحادثة تكرر شبيه لها في حصار اليمامة التي تقع على مقربة من الرياض الآن أو قريبة من منطقة الجبيلة والعينية؛ فقد حدثت هناك معركة قوية جداً عندما قام خالد بن الوليد رضي الله تعالى عنه ومعه الصحابة ومن معهم بحصار مسيلمة في حديقته المحصنة المسورة، فاستعصت عليهم وما استطاعوا أن يفتحوها، فقام البراء بن مالك أخو أنس بن مالك خادم رسول الله ﷺ وقال: ضعوني على ترس وارفعوني إلى الأعلى وسأقفز عليهم وأقاتلهم إلى أن أفتح لكم، وفعلاً قفز على جدار الحديقة ثم نزل عليهم كالصاعقة وبدأ يقاتل ويقاتل ويحارب ويضرب مع كل اتجاه إلى أن وصل إلى الباب ففتحه ثم دخل المسلمون وقضوا على جند مسيلمة، وكانت النتيجة أن البراء بن مالك لم يبق في جسده منطقة إلا وفيها طعنة أو ضربه أو جرح أو غير ذلك حتى إن الصحابة مكثوا شهراً كاملاً يمرضونه نتيجة لذلك، فقد أبدى ﵁ بطوله عجيبة غريبة نفتقدها في هذا الزمان. فعندما صاح مسلمة وقال: من منكم يستطيع أن يدخل على هؤلاء فيفتح لنا؟ فقام رجل وقال: أنا، فدخل النقب وقاتل وضارب مع كل اتجاه حتى وصل إلى الباب ففتحه فاستسلم أهل الحصن وسلموا أنفسهم، حينها قام مسلمة وقال: أين صاحب النقب؟ فلم يقم أحد، فالكل رفض أن يعرف بنفسه، فقال مسلمة: إن بابي مفتوح وأنا أقسم على صاحب النقب أن يأتيني، فأدرك صاحب النقب بعد هذا القسم أنه لا بد أن يبر بهذا القسم، وفي يوم من الأيام كان مسلمة بن عبد الملك بن مروان الأموي جالساً في خيمته وإذا برجل يستأذن يريد أن يقابله، فقيل له: أنت صاحب النقب؟ قال: لا، أنا سأخبركم من هو، قال: ادخل، ثم قال: تريد مني أن أخبرك عن صاحب النقب؟ قال: نعم، قال: سأخبرك من هو ولكن بشروط ثلاثة -فكانت هذه الشروط هي العبرة-، فقال: أولاً: ألا تذكر اسمي للخليفة، والثاني: ألا تسألني عن اسمي، الثالث: ألا تأمر لي بمكافأة، قال: لك علي ذلك، قال: أنا صاحب النقب، فطأطأ مسلمة رأسه عجباً، فخرج صاحب النقب واختفى بين الجند لا يعرف له حال ولا يعلم له صفة، وكان مسلمة ﵀ كلما صلى في صلاته وسجد وكان قريباً من ربه بدأ يدعو: اللهم اجعلني مع صاحب النقب، اللهم اجعلني مع صاحب النقب، اللهم اجعلني مع صاحب النقب؛ لأن هذا الرجل لا يريد بعمله جزاءً ولا شكوراًً، وإنما يريد الجزاء الأوفى عند الله ، ولذلك كان مسلمة كلما تذكر صاحب النقب بدأ يدعو ويبكي؛ لأنه عرف أن في المسلمين أناساً لا هم لهم إلا العمل لخدمة هذا الدين ولخدمة هذه الأمة بصمت، فيحمل أحدهم همّ هذا الدين بصمت مستشعراً مسئولية حمل هذا الدين على عاتقه، لكنه يعمل بصمت، وهذا هو المطلوب منا، وهي العبرة التي ينبغي أن نستقيها ونحن نعمل لهذا الدين، ونجتهد في أن نقدم له وندعو إليه ساعين إلى نكثر سواد الأمة؛ لأن السماء لا تمطر ذهباً ولا فضة، فالنصر لا يمكن أن يأتي إلا بقاعدة قوية صلبه تستطيع أن تطيح بالباطل وتقضي عليه وتحل محله.

стр. 270

الخاتمة السيئة الرابعة: انطلق ثلاثة من الشباب في سيارة فارهة متجهين من الرياض إلى المنطقة الغربية، وكانت الموسيقى الصاخبة تصدع بكل جنون وحماقة، وكان هؤلاء الشباب يصفقون معها جذلين مستبشرين مع المغني الغربي الذي يزعق ويصرخ، وفجأة وفي لحظة من اللحظات انقلبت السيارة مرة وأخرى وثالثة ورابعة ثم توقفت وإذا الناس يتقاطرون عليها جماعات ووحداناً؛ ليروا من فيها، فإذا بقائد السيارة قد أصيب بإصابة قاتلة، وأما من معه من أصدقاء في السيارة فكانت إصاباتهم أقل منه، وكانت هذه الحادثة قريبة من منطقة حلبان بين الرياض والطائف، فقدمت سيارة الإسعاف مسرعة ثم حملت المصابين، فجعلت المصاب الأول -قائد السيارة- هو المسجى في نعش الإسعاف وصاحبيه بجانبه عن يمينه وعن يساره، ومع هؤلاء ركب أحد الجند الصالحين الطيبين، فعادت سيارة الإسعاف مسرعة إلى مستشفى القويعية، وقبل أن تصل كان ذلكم المسجى في وسط السيارة يتنفس بصعوبة وكلفة بالغتين، وكانت الدماء تغطي وجهه وعينيه وأنفه وفمه، فعرف هذا الجندي أن هذا المريض أو هذا المسجى يلفظ أنفاسه الأخيرة فأراد أن يلقنه الشهادة؛ لأنه يعلم أن الرسول ﷺ قد قال: (من كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إلا الله دخل الجنة)، فقال له: يا فلان! -عرف اسمه من صاحبيه- قل: لا إله إلا الله، يا فلان! قل: لا إله إلا الله يرددها مرات ومرات، ففتح هذا الشاب عينين ذابلتين مليئتين بالدموع والدم، ورفع رأسه إلى هذا الذي يناديه: يا فلان: قل لا إله إلا الله، ثم قال بصوت خافت: إنني في سقر، ثم أغمض عينيه وسقط رأسه ولفظ روحه، طأطأ الضابط رأسه ثم انتبه فجأة ونظر إلى أحد الأصحاب وقال له: هل كان صاحبكم يصلي؟ قال: لا والله ما كنا نعرف الصلاة قط، لم نذهب إلى مسجد قط، عند ذلك سمع الضابط الكون يردد قول الله : ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ * إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ * فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ * عَنِ الْمُجْرِمِينَ * مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ [المدثر:٣٨ - ٤٣].

стр. 271

أسباب حسن الخاتمة فهذه الحادثة المؤلمة، وهذا الموقف الرهيب الواقعي الذي يتكرر يعطي المتأمل دلالات، منها: أن الإنسان في هذه الدنيا لا محالة واقع في أحد طريقين: إما سوء الخاتمة، وإما حسن الخاتمة، فمن كانت خاتمته حسنة فإنه سيراها قبل أن يلفظ نفسه الأخير، وإن كانت خاتمته سيئة فسيراها كذلك قبل أن يلفظ النفس الأخير. ولعل سائل يسأل ويقول: أنا أتمنى وأرجو وأطلب أن أكون ذا خاتمة حسنة، فهل هناك أسباب أو وسائل إن تمسكت بها منّ الله علي بالخاتمة الحسنة؟ و الجواب نعم، هناك أسباب ووسائل إن تمسك المرء بها كانت خاتمته حسنة إن شاء الله، وسأعرضها بإيجاز: أما السبب الأول من هذه الأسباب: فهو أن تتذكر الموت باستمرار وما بعد الموت وما يحصل في القبر، وليكن في مخيلتك. أيها الحبيب! هذا الموت الذي لا يفرق بين غني ولا فقير، ولا بين صعلوك وملك، فشأن الموت أنه يأتيك كما أتى غيرك، وسينقلك من دار إلى دار، فإنك إذا فكرت في ذلك فإن الدنيا ستهون عليك، وبالتالي ستبدأ بالتفكير بما هو أهم وهي أمور الآخرة. أما السبب الثاني: أن تحرص على أن تشارك بقدر ما تستطيع في تشييع الجنائز، وفي تغسيل الموتى، وفي زيارة المقابر، فهذه تذكرك باستمرار بالآخرة، بل ولعلك ترى مشهداً أو منظراً أو موقفاً وأنت تغسل ميتاً يعطيك صورة تنطبع في قلبك لا تزول أبداً إما حسن خاتمة أو سوء خاتمة. أما الثالث: فالابتعاد عن مقسيات القلوب، فنحن اليوم ولا حول ولا قوة إلا بالله نعيش بقلوب كالحجارة بل أشد قسوة، والذي جعلها قاسية يتمثل في جملة أسباب من أبرزها وأشهرها: وسائل الإعلام، نحن وللأسف الشديد نعكف على وسائل الإعلام فتقسو قلوبنا، ثم نشتكي للآخرين ونقول: نحن ذوو قلوب قاسيه. نسمع القارئ يقرأ في صلاة التراويح أو في صلاة القيام قول الله : ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ * وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ [فاطر:٣٦ - ٣٧]. و (هم يصطرخون فيها) أي: يصرخون ويصيحون بأعلى صوت، فلا تتأثر! كتب عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى إلى والي من ولاته موعظة فقال له: تذكر صراخ أهل النار في النار مع خلود للأبد. فما كان من هذا الوالي إلا أن أغلق الكتاب ثم ركب ناقته وقدم على عمر وقال: والله يا أمير المؤمنين لقد خلعت فؤادي بخطابك هذا، والله لا عملت لك عملاً، ثم اتجه إلى عبادة ربه. لقد أخاف هذا المشهد الوالي وعظم في صدره وأصبح يتخيل دائماً صراخ أهل النار في النار مع خلود للأبد، وأما نحن فنسمع الآيات التي تصف هؤلاء في النار ومع ذلك لا نلقي لها بالاً. ومن تلك الآيات: ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف:٧٧]، فهم يتمنون الموت فلا يجدوه، فهذا مشهد ينخلع له القلب الحي، أما نحن فنسمع ذلك فلا تتحرك الأفئدة؛ لأنها قاسية، فأسباب القسوة كثيرة ومن أبرزها: وسائل الإعلام التي ينبغي على كل أن يحذرها ويتنبه لخطرها ويقي نفسه وأبناءه ونساءه من شر هذه الوسائل المدمرة التي تقضي على كل دين، وعلى كل حياء، وعلى كل خلق موجود في ذواتنا وفي ذوات أبناءنا أو من نعول. أما السبب الآخر من أسباب الخاتمة الحسنة: فهو الارتباط بالصالحين، فنصيحتي للآباء أن دعوا أبناءكم يرتبطون بالصالحين، وأنتم كذلك ارتبطوا بالصالحين، فإن الذين يرتبطون بالصالحين سيكونون معهم في الدنيا باستمرار وسيحشرون معهم في الآخرة. أما السبب الآخر: فهو الكسب الحلال فلا بد على كل منا أن يحرص كل الحرص أن يكون كسبه حلالاً؛ لأن المطعم الخبيث إذا نما الجسد منه فإن الإنسان إذا رفع يديه إلى السماء وقال: يا رب! أحسن خاتمتي، يا رب! توفني مسلماً، يا رب! اجعلني مع الصالحين، فإن الدعاء سيرد عليه ولا يستجاب له؛ لأن مطعمه حرام، ومشربه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب لذلك! ولكن نجد البعض منا لا يلقي لهذا بالاً، فيضع أمواله في البنوك الربويه، ويساهم في دعمها ونموها، فإذا بها تفتح الفرع تلو الفرع، وما ذاك إلا لأننا وضعنا أموالنا لديهم، فهم يتاجرون فيها ويستغلونها، لكننا لو امتنعنا جميعاً عن أن نشارك في هذا الفرع الذي يوجد في حينه فإن هذا الفرع سيغلق أبوابه، ويجر أذيال الخيبة متجهاً إلى منطقة أخرى.

стр. 272

قبسة من زمن العز معلوم أن هارون الرشيد رحمه الله تعالى من الملوك الذين كثر الكلام السيئ عنهم من قبل أعداء الدين، فكان الناس يعرفون عن هارون الرشيد أنه صاحب لهو وغناء وخمر وغير ذلك، لكن لو اطلعت فعلاً على سيرة هذا الرجل لرأيت في الليلة الواحدة مائة ركعة، ولرأيت أنه يحج عاماً ويغزو عاماً، فقد كان رجلاً مجاهداً صاحب خلق ودين، ولكن الذين دمر عليهم بلادهم وأفسدها عليهم من المشركين أو النصارى أو الشيعة أو المجوس ألفوا فيه المؤلفات المضادة له. ومن مواقف هذا الرجل أنه ذات مرة جاءه خطاب طويل كثير الحروف والكلمات من ملك الروم يشتم ويسب فيه الخليفة هارون الرشيد، كما يسب المسلمين ويضحك عليهم في خطابه هذا، وأخذ يهدد في خطابه قائلاً: سأدمركم سأقضي عليكم سأكون جيشاً هائلاً قوياً يكتسح بلاد المسلمين فلا يرده أو يقف أمام وجهه أحد حتى يصل إلى الكعبة فيقضي عليها ويدمها، فلما وصل هذا الخطاب إلى هارون الرشيد قرئ عليه، فالتفت إلى كاتبه وقال: اكتب خلف الخطاب -فهو لا يريد أن يرسل له خطابه في ورقة جديدة استحقاراً له وإهانة له! - من هارون الرشيد أمير المؤمنين إلى نقفور كلب الروم، إن الجواب ما ترى لا ما تسمع، والسلام على من اتبع الهدى. فكان الخطاب ثلاث كلمات، ثم نادى في الناس: الغزو الغزو الجهاد الجهاد، فاجتمع الناس زرافات ووحداناً، وما هو إلا وقت قصير فإذا بالجيش يلتئم، وإذا بالقوة تتجمع، ثم يقودها هذا البطل العظيم متجهاً إلى نقفور بذاته، ويصل إليه بعد أن يفتح البلاد تلو البلاد، والقرى تلو القرى إلى أن يصل إلى عاصمة نقفور، فيحاصرها ويستمر في الحصار ويحلف ألا يرجع إلا برأس نقفور، ولما شعر الروم بالخطر عرضوا عليه ما شاء من مال جزية ولكنه رفض، ثم في النهاية قام الروم بالانقلاب على نقفور وسلموا رأسه إلى هارون الرشيد قتيلاً، ثم استسلموا جميعاً إلى هارون الرشيد ودفعوا له الجزية أذلة صاغرين، فعاد ﵁ ورحمه الله منتصراً قوياً إلى بلاده، قد رفع راية الإسلام عالية خفاقة على تلك البلاد، وأما نحن اليوم: رب وا معتصماه انطلقت ملء أفواه الصبايا اليتم لامست أسماعهم لكنها لم تلامس نخوة المعتصم تصرخ امرأة في عمورية: وا معتصماه! بعد أن اعتدى عليها الروم، فيقول المعتصم: لبيك لبيك. ويتجه بجيش قوي إلى عمورية وهي بلد قوي من أحصن معاقل الروم، ثم يفتحها ويدمر الروم ويقضي على من اعتدى على هذه البلاد الإسلامية، ويخلص الأسارى المسلمين منهم، ثم يأتي إلى المرأة ويقول: هل استجبنا لك؟ قالت: نعم وجزاك الله خيراً. وفي هذا الزمان يصرخ المسلمون في الجزائر، وفي بورما يصرخون، وفي يوغسلافيا يصرخون، ويصرخون في إرتيريا، وفي الحبشة، وفي الفلبين، وفي أفغانستان، وفي إيران، وفي العراق، وفي سوريا في كل البلاد بلا استثناء يصرخون: رب وا معتصماه انطلقت ملء أفواه الصبايا اليتم لامست أسماعهم لكنها لم تلامس نخوة المعتصم يعني: لامست أسماع الحكام والولاة. وهذا الذي نعيشه من بلاء ومن ذل ومهانة من قبل الأعداء في كل مكان هو بسببنا نحن! إذ أن الذل والهوان سببه الوقوع المستمر في الذنوب، فالله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، فقد غير المسلمون العهد مع الله، أما كانوا عاهدوا الله على نصر دينه، والسير في طريقه، وترك البدع والمعاصي والآثام والخطايا؟ لكن هذا العهد انهار فكنا ممن خالف العهد ونبذ الميثاق وراء ظهره، فغير الله حالنا من حال العزة إلى حال الذلة التي نعيشها الآن. فبينما كنت أقرأ في كتاب يتحدث عن صلاح الدين الأيوبي، وكان هذا الكتاب يتحدث على سيرة هذا الرجل عن قرب، إذ إن مؤلف هذا الكتاب رجل عاش مع صلاح الدين وعاشره طوال حياته، كان هذا الرجل هو القاضي الذي عينه صلاح الدين قاضياً على الجند. فاستوقفني في هذا الكتاب موقفان: أما الموقف الأول: فهو عبارة عن قصة موجزة، وأما الموقف الثاني فهو عبارة عن خاطرة لـ بهاء الدين شداد قاضي صلاح الدين. يقول القاضي: كان صلاح الدين رحمه الله تعالى يحب الأطفال محبة شديدة، ويعطف عليهم، وكان له من الأبناء سبعة عشر ابناً، وبنت واحدة، وكان يحبهم محبة شديدة، وكان إذا اجتمع معهم عطف عليهم ويقرئهم القرآن بنفسه، ويحفظهم الحديث بنفسه، ويؤكلهم بيده، لكنه يرى الإفرنج الصليبيين يكتسحون بلاد العالم الإسلامي بلدة بلدة ومدينة مدينة فهل يبقى مع أبنائه في لذة ومتعة، وفي نعمة وسعادة وهو الملك الذي يملك شمال أفريقيا والسودان ومصر والجزيرة والشام وأجزاء من العراق؟ لقد كان بإمكانه أن يمكث في قصره الفاره ويرسل القوات إلى كل مكان ويتمتع مع أبنائه، لكنه قال: لا، إن لم أقد الجيوش بنفسي ضد هؤلاء فربما يترتب على ذلك هزيمة؛ لأنه عاش في وقت كثرت فيه الخيانات وكثر فيه الضعف. فبدأ يقود الجيوش تلوى الجيوش واحداً تلو الآخر مدة تسعة عشر عاماً. يقول بهاء الدين شداد: كان إذا دخل مدينة ورأى أطفالاً صغاراً ناداهم، ثم حن عليهم وعطف عليهم وقبلهم وبكى، فكان يبكي ﵀؛ لأنه يتذكر أبناءه الذين مضت عليه سنوات طوال لم يرهم، فهو في جهاد مستمر ضد الروم الذين كانوا يتوافدون على البلاد الإسلامية في مئات الآلاف، فكان لا يفكر إلا في مجابهتهم ودحرهم، ولو فكر في أبنائه لضاعت أمور الأمة، أما نحن في هذا الزمن وللأسف الشديد لا نعطي الدعوة إلى الدين ونشره إلا فضول أوقاتنا، وصلاح الدين أعطى الدعوة والعمل لنشر الإسلام ومحاربة أعداء الإسلام كل جهده ووقته، وكل قوته وطاقته فنصره الله، لذلك لا بد أن نعتبر بهذا الموقف فنعطي ديننا كل أوقاتنا لا فضولها حتى يقدر الله لنا النصر. وأما القصة فيحكيها القاضي بهاء الدين شداد فيقول: لم أر البحر في حياتي فاتجهت مع صلاح الدين إلى منطقة عسقلان، وعندما فتحناها وحررناها من الروم النصارى قررنا أن نركب البحر إلى عكا، فاتجهنا إلى سفن وركبناها ثم اتجهنا إلى عكا، يقول: فماج البحر موجاً هائلاً وبدأت تتأرجح السفن فخفت وارتعت روعة هائلة، بل وحلفت الأيمان المغلظة بالطلاق والعتاق ألا أركب البحر مرة أخرى، وفي لحظة جلوسي وتفكيري دخل علي صلاح الدين وقال: في نفسي خاطرة هل أذكرها لك؟ يستأذن من قاضيه احتراماً؛ لأنه عالم، فقال: تفضل يا أمير المؤمنين، -وكان يسميه أمير المؤمنين وهو فعلاً كان أميراً للمؤمنين-، فقال: في نفسي أنني إذا حررت بلاد الإسلام من الروم وطردتهم إلى بلادهم أن أكتب وصيتي وأودع أهلي وأودع أولادي، وأقبلهم واحداً واحداً، وأذرف الدموع الأخيرة عليهم، ثم أركب هذا البحر وأتجه إلى النصارى وأتتبعهم في جزائرهم وفي بلادهم وفي ديارهم، فأدعوهم إلى الإسلام أو أقتلهم دون ذلك حتى يمن الله علي بالنصر أو أموت دون ذلك، فيقول بهاء الدين: فكدت أن أموت. وإنما قال القاضي ذلك لما رأى الفرق بين الحالتين المتضادتين، فهو يتمنى ألا يركب البحر ويعقد العزم على ذلك، وصلاح الدين يفكر في أن يودع أولاده وأزواجه وأهله، ويكتب وصيته، ويتجه في البحر ليقاتل الروم في ديارهم في إيطاليا وفرنسا وبريطانيا وجميع دولهم. والناظر إلى هذه القصة يجد مدى العزم والقوة على خدمة هذا الدين، وهي القوة والعزيمة التي نفتقدها وللأسف الشديد، بل لا أكون مبالغاً إذا جزمت أنه لا يوجد فينا ولا ذرة واحدة من هذه العزيمة الهائلة الرهيبة القوية عند صلاح الدين. ولعل هذا الموقف تكرر من عقبة بن نافع الفهري عندما افتتح بلاد المغرب وموريتانيا، فقد دخل بفرسه في المحيط الأطلسي، وبدأ ينظر في الأفق فلا يرى إلا الماء ثم أخذ يقول: والله لو أعلم أن خلفك أرضاً -وقد كان خلفه أرض فعلاً وهي أمريكا لكنه لا يعلم- لركبتك حتى أجاهد في سبيل الله حتى أموت. إن النظر إلى هذه العزيمة وهذه القوة بعين العبرة لا بد أن يعطينا الدروس تلو الدروس في أن نتمرن ونتمرس ونتدرب على خدمة هذا الدين، ونجتهد في إعطاء هذا الدين جل أوقاتنا، بل كل أوقاتنا لعل الله أن يمن علينا بالنصر، ولعله سبحانه أن يمن علينا بالقوة والهداية.

стр. 273

همة تستعصي على العاهات كان هناك شاب صغير عمره اثنا عشر عاماً يدرس في المرحلة الابتدائية في آخر سنة منها، وقد أتم تلك السنة بنجاح، ثم في العطلة الصيفية أصيب بمرض في حلقه جعله لا يستطيع أن يتكلم، فوجد نفسه غير قادر على أن يواصل الدراسة، فما كان منه إلا أن عقد العزم على أن ينفع أهله؛ لأنه ابنهم الأكبر، فوالده مريض، ووالدته كبيرة، وهو أكبر الأولاد، فكيف يحصل على قوت لهم؟ اتجه الغلام إلى محل لتعليم الطباعة وبدأ يتعلم الطباعة، ثم توظف في إحدى الوزارات طباع على آلة طباعة، وكان يأخذ الراتب الذي يتقاضاه ويصرف على والديه وإخوته الصغار، وكان من عادته أن يجلس في مجالس الناس مع أقربائه، لكنه كان يحس بأنه شاب سلبي، فهو فعلاً يسمع ويفهم وقد رزق ذكاء لا بأس به، لكنه لا يستطيع أن يعبر وأن يشارك، فكان هذا الشاب يعيش في عزلة مع هؤلاء فكره هذه المجالس وبدأ يفكر في مجالس يطغى عليها الجانب السلبي -أي: التي يكون فيها الحديث من جانب واحد- كالدروس والمحاضرات والندوات وغيرها، فبدأ يشارك في الندوات والدروس ويواظب على سماع المحاضرات سواء من الأشرطة وغيرها، فبدأ العلم يزداد في ذهنه شيئاً فشيئاً وبدأ يعرف من الدعاة في المساجد أن هناك شيئاً اسمه الدعوة إلى الله، وأن هناك شيئاً اسمه نشر هذا الدين، وأن هناك شيئاً اسمه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فأراد أن يشارك وأن يبذل لكنه لم يستطع؛ لما أصابه من عاهة عدم الكلام. ومع ذلك لم يستسلم لهذه العاهة! بل قرر أن يخصص جزءاً من مرتبه للدعوة وكان مرتبه ألفين ومائة، فكان يعطي والده الألفين ويذهب بالمائة الباقية إلى مكتبة فيشتري بها كتيبات وأشرطة ونشرات، ثم بدأ يحملها معه ويذهب إلى الأسواق، فكلما دخل على صاحب محل وهو في الغالب إما يسمع الغناء، أو يشاهد التلفاز، أو يدخن أهدى إليه شريطاً أو كتيباً أو نشرة، ولأنه لا يستطيع أن يتكلم فقد كان يخرج كلمة هدية بكل صعوبة ثم يذهب. يقول الذي روى الرواية عنه يقول: التقيت به بعد مدة طويلة فقلت له: هل رأيت أثراً من آثار نشاطك الذي تعمله؟ قال: نعم، -يعبر كتابةً-، ثم قال: ذهبت إلى محل من المحلات وأعطيت صاحب المحل شريطاً من الأشرطة ثم بعد ثلاثة أشهر أو أربعة أشهر -وكان صاحب المحل أو العامل مصرياً- عدت إلى المحل بعد فدخلته وقد نسيت أنني دخلت في هذا المحل قبل ذلك، فقدمت إليه كتيباً فعندما رآني هذا العامل أخذني وضمني وقبل رأسي، ولأني لا أتذكره جيداً فقد قلت له: أنا لا أعرفك، قال: نعم أنت لا تعرفني ولكنني أعرفك، فو الله بسبب شريطك الذي أهديت إلي في المرة السابقة اهتديت أنا وأصحابي وعددنا ثمانية! فقد تنقل بيننا هذا الشريط في شقتنا التي نسكنها وكلنا تأثر به، فترتب على ذلك أننا عرفنا طريق الهداية وتركنا طريقة الغواية. فاهتدى ثمانية أشخاص بسبب ريالين فقط! ولا عجب فإن الإخلاص إذا كان مرتبطاً بالعمل فإن الثمرة تكون عظيمة.

стр. 274

الأسئلة

стр. 275

قصة أب وأد ابنته في الجاهلية السؤال أرجو أن تذكر لنا قصة البنت التي وأدها أبوها قبل الإسلام؟ الجواب ذكرها الإمام الطبري في تفسيره وسأذكرها بتصرف، يقول الإمام الطبري: كان الرسول ﷺ جالساً بين أصحابه وفجأة دخل عليه أعرابي وجلس إلى الرسول ﷺ وبدأ في سرد قصته، يقول هذا الرجل: تزوجت ومكثت مع زوجتي، وكنت إذا حملت هذه الزوجة أنظر فإذا كان المولود بنتاً أخذتها مباشرة ثم حفرت حفرة وألقيتها في التراب وهي حية، ثم رجعت إلى زوجتي، وإذا كان المولود ذكراً تركته، فقد كان يصنع هذا الصنيع باعتبار أن هذا المنهج كان منهجاً يعيشه بعض الناس في الجاهلية، يقول: وفي مرة من المرات حملت زوجتي وعندما ولدت وإذا بالمولودة بنتاً فأردت أن أصنع بها صنيعي بمن سبقها، فمنعتني زوجتي وبكت بين قدمي وتوسلت إلي أن أترك لها هذه البنت، فرحمتها وعطفت عليها وتركت لها البنت، فبدأت تربيها تربية حسنة حتى شبت البنت وترعرعت وإذا هي من أحسن البنات جمالاً وخلقاً ومحبة لوالديها، فبدأ الخطّاب يقدمون عليّ من كل مكان يريدون هذه البنت لتكون زوجة لأحدهم، فأخذتني الغيرة الجاهلية، وفكرت أأعطي ابنتي لرجل غريب؟! ثم عقد العزم وقرر قراراً تعيساً وهو: أن البنت لا بد أن تقتل، فقال لزوجته: أريد أن أسافر لأزور قرابتي في القرية الفلانية وأريد أن آخذ معي ابنتنا، فخافت الأم وقالت في نفسها: لقد حان موعد الرحيل الأبدي، ثم قالت له: أخشى عليها أن تصنع بها مكروهاً، فأعطاها الأيمان والعهود والمواثيق ألا يمسها بسوء وهو في قرارة نفسه كاذب، ثم اتجه مع القافلة إلى القرية المقصودة، وعندما وصل إلى طريق مهجور رأى في نهايته بئراً مهجورة، فاتجه بناقته وناقتها إلى البئر، فعرفت البنت ما يريد أبوها أن يصنع فقد كانت كبيرة وذكية، وقد سبق وأن حذرتها أمها وأخبرتها بما قد يمكن أن يصنع بها، فبدأت تبكي وتصرخ وتتمسح برداء والدها، وتقبل قدميه، وتتوسل إليه، وتطلبه الرحمة، فأخذ ينظر إليها وإلى جمالها فتأخذه الغيرة وينظر إلى البئر السوداء المظلمة فيرحمها، فأخذته الحمية الجاهلية فسحبها بشعرها بكل عنف وقسوة وألقاها على الأرض، ثم أخذ يجرها وراءه وهي تتشبث بكل صخرة وتريد النجاة لكن الرجل كان أقوى من المرأة، فسحبها إلى أن وصل إلى شفير البئر ثم نظر إليها النظرة الأخيرة وهي تتوسل إليه، ثم ألقاها في البئر فهوت فيه وهي تصرخ ولكن هيهات، وبعد الارتطام القوي أخذ صوتها المصحوب بالأنين والبكاء يخفت شيئاً فشيئاً حتى انقطع، ثم قفل الرجل عائداً إلى قريته. وعندما وصل هذا الحد رفع رأسه إلى الرسول ﷺ وإذا عيناه -بأبي هو وأمي- تذرفان، وإذا الصحابة يبكون؛ فقد كان الموقف عنيفاً، ويمثل جريمة بشعة لا يمكن أن يتصورها إنسان، فقال المصطفى ﵇: (والله لو كنت معاقباً أحداً على عمل عمله في الجاهلية لعاقبتك، ولكن الإسلام يجب ما قبله). هذا الموقف يعطينا مدى ازدراء المرأة في الجاهلية من قبل هؤلاء، فقد كانت المرأة محتقرة مهانة لا قيمة لها، وكما أن جاهلية الماضي كانت تعيش هذا المنهج فإن جاهلية القرن العشرين تعيش هذا المنهج، إذ المرأة لا قيمة لها مهانة مستذلة فليست سوى لعبة يلعب بها اللاعبون، ويستمتع بها الساقطون، فإذا كبرت نبذت، وأما الإسلام فقد أعزها واحترمها وجعلها في منزلة الرجل لها ما للرجل وعليها ما عليه، وليس ذلك إلا في الإسلام.

стр. 276

حكم صداقة اليهود أو النصارى السؤال هل يأثم المسلم عندما يصادق اليهودي أو النصراني؟ الجواب إن كانت مصادقته لهذا اليهودي والنصراني بقصد دعوته إلى الإسلام فهذا مطلوب، وأما إن كان يصاحبه إخوة وغير ذلك فلا يجوز له أن تخذه ولياً، ولا يجوز له أن يتخذه صديقاً، ولا يجوز له أن يتخذه قريناً، فإن هذا قد نهى عنه الشرع في آيات كثيرة وفي نصوص متعددة.

стр. 277

طريق الاستقامة السؤال أنا أريد الاستقامة فما الطريق الذي يوصلني إليها؟ الجواب طريق الاستقامة طريق واضح بين ليس فيه عوج، لكن الشيطان يأتي إلى الشاب في أول الأمر يريد أن يهول عليه هذا الطريق، فيصوره في ذهنه صعباً مستحيلاً، وإلا فإن هذا الطريق لو سار فيه فوالله ثم والله لن يتخلى عنه؛ لأنه طريق كله لذة وسعادة، كله متعة وطمأنينة، فهو السعادة التي يصبو إليها كل البشر ويبحثون عنها. إن هذا الطريق هو الذي قال فيه إبراهيم بن أدهم رحمه الله تعالى: نحن في لذة لو علم بها أبناء الملوك لجالدونا عليها بالسيوف، ولا عجب إنها لذة الإيمان والهداية، إن أبناء الملوك يعيشون في فراغ قاتل، نعم هم يمتلكون الأموال والسيارات بل والطائرات لكنهم ليسوا سعداء، ولذا تجدهم يبحثون عن اللذة بأي وسيلة لكن إبراهيم وجدها فقال: لو علموا بهذه اللذة لقاتلونا عليها بالسيوف؛ ليحصلوا عليها. فنصيحتي لك أيها الشاب! أن تعقد العزم على أن تنتهج هذا النهج، ثم لا بد لك أن ترتبط بالشباب الصالحين، فإن كنت مرتبطاً بغير ذلك من شباب سيئين أو غيرهم فاقطع العلاقة معهم مباشرة، ثم بعد ذلك إن كنت مرتبطاً بوسائل التربية الفاسدة من إعلام وغيره فاقطع علاقتك بها قطعاً كلياً، ثم بعد ذلك ارتبط بأحد الشباب الصالحين ليدلك على الخير وأهل الخير وأهل الصلاح وستسلك الطريق الحق إن شاء الله، وستستمر عليه.

стр. 278

من خطط الرافضة لتكوين دولتهم العظمى السؤال الرجاء إعطاؤنا نبذة عن آخر أخبار الرافضة. الجواب لعلكم تعرفون أن في كتبهم: أن من قتل سنياً دخل الجنة، ولا يجد القارئ في أي كتاب من كتبهم شيئاً حول اليهود أو النصارى أو المجوس، وإنما يجدها طافحة بالعبارات المعادية لأهل السنة، فهم أعداؤهم، لذلك يحقدون عليهم حقداً عجيباً، فهاهم الآن يخططون لتكوين دولتهم العظمى، ولكي لا نطيل نكتفي بذكر مخطط واحد فقط من أعمالهم، فبينما أعطت دول العالم العربي البالغة إحدى وعشرين دولة دولة نيجيريا -وهي دولة فقيرة وعدد سكانها أكثر من (١٣٠) مليون- ٧٥ منحة دراسية موزعة في جامعات العالم العربي، فقد أعطت إيران نيجيريا في عام ١٤٠٨هـ فقط ٣٠٠٠ منحة دراسية، بمعنى أن ٣٠٠٠ نيجيري في سنة واحدة سيدرسون في جامعات طهران وقم وشيراز وتبريز وغيرها، وسيعودون إلى نيجيريا دعاة للتشيع، والأطم من ذلك أن من الـ (٧٥) منحة ٥٠ في علوم تطبيقية، أي: كيمياء وفيزياء وأحياء، وحوالي ٢٣ منحة كما عرف هي العلوم الشرعية، أي أن ٢٣ طالباً فقط سيعودون دعاة إلى الإسلام إن كانوا صالحين كلهم، وأما الشيعة فهم (٣٠٠٠) في جامعات شرعية شيعية في إيران. ومن هنا ندرك أن إيران تسعى الآن إلى ما يسمى بتصدير الثورة الفكرية عن طريق نشر المنهج الباطل الرافضي في جميع أنحاء العالم، ولذلك تجدهم يتحركون في كل مكان، فلو ذهبت إلى سفارة من سفاراتهم في أوربا: إلى لندن مثلاً أو إلى بلجيكا وإلى سفارة من سفارات العالم الإسلامي كدول الخليج مثلاً تجد أن سفارات العالم الإسلامي تعطيك كتيبات ورسائل وصور عن الحضارة والتقدم والشوارع والعمارات الموجودة في البلد الخليجي الفلاني وغير ذلك، وأما السفارة الإيرانية فإنها تعطيك كماً هائلاً من الكتب والأشرطة والرسائل والمنشورات في الدعوة إلى التشيع، وهذا يدلك على مدى نشاط هؤلاء وحرصهم على الدعوة إلى مذهبهم الخبيث، ولذلك نراهم الآن ينتشرون في كل أصقاع الأرض، ويحاولون أن يفسدوا الجهاد في أفغانستان عن طريق دعم المجاهدين الشيعة للانفصال بجزء من أفغانستان لتكوين دولة شيعية هناك، وكذا في جنوب العراق، وكذا في سوريا فإن الذي يتحكم فيهم هم النصيريون وهم فرع من فروعهم، وفي لبنان حزب الله ومنظمة أمل والدروز وكلهم ينتسبون إلى المنهج الشيعي، وفي المدينة النخاولة، وفي نجران المكارمة، في القطيف الإمامية البحارنة، وإن ذهبت إلى الكويت والإمارات وقطر والدول الأخرى فكذلك، وإذا ذهبت إلى مصر والسودان فكل هذه الدول تجد أن للشيعة فيها نشاطاً مستمراً، وهم لا يخططون ليصلوا إلى أهدافهم في سنتين أو في خمس سنوات، بل قد يكون التخطيط على مدار عشرين سنة أو ثلاثين سنة، وبالتالي يسعون له خطوة خطوة وسيصلون إن لم ننتبه إلى هذا المخطط.

стр. 279

التعاون في دعوة العصاة والحذر من الانحراف معهم السؤال يقول: أنا رجل مستقيم بإذن الله، وفي العمل تعرفت على أصحاب كثيرين، وهم يأتون إلى منزلي وأعرف أنهم مقصرون في الصلاة ولكنني أجالسهم وأناصحهم وأطمع إن شاء الله أن يهديهم الله وأن يستقيموا، فهل علي شيء في مجالستهم؟ الجواب هذا الرجل إن كان هدفه من مجالسة هؤلاء أن يدعوهم إلى الله ، وأن يحرص على أن يغير حياتهم من الأسوء إلى الأحسن فهذا منهج من مناهج الدعوة، ولكن ينبغي الحذر ففي القضية نوع من الحساسية، فقد يأتيك الشيطان ويقول: إنك تدعوهم، ثم تستمر معهم في لهوهم ولعبهم وتقصيرهم بحجة أنك لا تريد أن تنفرهم وفي نهاية المطاف قد تنحدر معهم. فنصيحتي لمثل هؤلاء إذا كان نجاحك مع هؤلاء صعباً فلِمَ لا تحاول أن تستعين بعد الله بآخرين، فتدعو أحد المشايخ والعلماء أو أحد طلبة العلم كإمام المسجد مثلاً، أو شباب آخرين في الحارة ليجلسوا معهم، أو تزورهم أنت بنفسك في بيوتهم كل على حدة، فلا يشترط أن يجتمعوا لكي تناصحهم، بل إن مناصحتهم على انفراد قد تكون أنفع بإذن الله ، ولعل الله أن يهدي أحداً منهم فينضم إليك، وكلما كثر عدد الصالحين في هذا المجتمع الذي أنت فيه كان تأثيرهم أقوى. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 280

الإنترنت في الدعوة إلى الله الإنترنت سلاح ذو حدين يستخدم في الخير والشر ونشر الفضيلة والرذيلة، والواجب على كل مسلم غيور على دينه أن يستغل الإنترنت في جانب الخير ويبتعد عن جانب الشر. والإنترنت من الوسائل المتميزة والمثمرة جداً والمفيدة في نشر الدعوة إلى الله تعالى.

стр. 281

أهمية الدعوة إلى الله بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد الأمين وعلى آله وأصحابه أجمعين، ومن سار على نهجه واقتفى أثره إلى يوم الدين. أيها الأحبة الكرام! أرحب بكم وأبارك لكم حضوركم في هذا اللقاء الطيب المبارك، فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أيها الأحبة! اعلموا -رعاكم الله- أن الدعوة إلى الله من أجل الأفعال وأعظم الأعمال التي يؤديها المسلم في دنياه ويحتسبها لآخرته ويضعها في ميزان حسناته، بل هي من الهموم التي تقعده وتقيمه ويفكر فيها ليل نهار يبحث عن نوافذ للأمل ومخرج من الضيق الذي تعيشه الأمم والأفراد. أيها الأحبة! إن الدعاة إلى الله يقومون بمهمة بالغة الشأن عظيمة الأهمية لا يعلم قدرها إلا من تعلق قلبه بها وجعلها محور حياته، فهي مهمة الأنبياء والمرسلين الذين ابتعثهم الله لإخراج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة. أيها الأحبة! إن من سار على نهج الأنبياء واقتفى أثرهم من المصلحين العاملين الباذلين فهو داعية إلى الله ، قال الله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف:١٠٨]. إن الدعاة إلى الله هم الشموع التي تحترق لتضيء للناس طريق الهدى والحق، وهم وعي الأمة المستنير، وفكرها الحر، بل هم قلبها النابض، فهم أطباء القلوب المريضة والجريحة بل وحتى القلوب الميتة، وهم قادة سفينة النجاة التي من ركبها نجا ومن ابتعد عنها هلك وضاع، وهذه السفينة يقودها الدعاة وسط الأمواج المتلاطمة والرياح الهوجاء التي تحيط بها من كل جانب، هذه السفينة هي سفينة الأنبياء والمرسلين الذين قادوها ثم سلموا قيادتها إلى هؤلاء الدعاة الذين جاءوا من بعدهم. فالدعاة لا يعيشون لأنفسهم ولا لملذاتهم ولا لشهواتهم؛ لأن الذي يعيش لنفسه يعيش صغيراً ويموت صغيراً وينسى في لحظات بعد موته، قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٢ - ١٦٣]. أما الدعاة الصادقون المخلصون فإنهم يعيشون لأمتهم ولمجتمعهم ولذواتهم ولأسرهم، فدعوتهم هي هم بالليل والنهار، وهي فكرهم في النوم واليقظة، وشغلهم الشاغل في السر والعلن، يؤثرون من أجلها التعب والنصب ويضحون في سبيلها بالوقت والجهد والمال، بل بالمهج والأرواح، ويستعذبون في سبيل نشرها وإبلاغها البلاء الشديد والعذاب الأليم. أيها الأحبة! إن الحديث عن الدعوة حديث ذو شجون وحديث محبب إلى النفس؛ لأنه يعطي الإنسان زاده ليواصل فيه طريق الحياة الشاق الطويل إن مد الله في عمره، ولكنه طريق عذب؛ لأنه في سبيل الله؛ ولأن الداعية يعلم أن الله أمره بهذا، فهو يحقق إرادة الله فيه، ويسير على منهج الأنبياء في هذا المقام وفي هذا المجال. والدعوة إلى الله لم تتوقف منذ بدأ أول نبي على وجه الأرض، ولن تتوقف حتى يرث الله الأرض ومن عليها، وهذه الدعوة يحملها من يحملها ثم يسلم الراية لمن يأتي بعده. والدعوة إلى الله تتميز بوسائل مختلفة ومتفاوتة تتغير بتغير الزمان والمكان فما كان معروفاً الآن لم يكن معروفاً قبل فترة وجيزة، وما كان معروفاً قبل تلكم الفترة لم يكن معروفاً قبل قرون. إذاً: هذا التغير يدل على أن الدعوة إلى الله دعوة توقيفية اجتهادية في فروعها؛ مبنية على أصول توقيفية ثابتة راسخة، قال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل:١٢٥] هذه القاعدة هي الأساس وهي المرتكز، فمن خلالها ننطلق ونجدد ونغير ونبدل وندرس حالة الشخص والمجتمع ثم بعد ذلك نستفيد من الإمكانية ثم نتجه بعد ذلك إلى استثمار الوسيلة الموجودة؛ لعل الله أن ينفع بها. وهذا يدعونا إلى وقفة عتاب مع من يرى أن وسائل الدعوة جامدة، وأنها متوقفة على منهج معين، فالسلف الصالح استخدموا الوسائل الدعوية المتغيرة والمتجددة.

стр. 282

استغلال اليهود الإمكانات المتاحة لتأسيس دولتهم إن أعداء الإسلام بل أعداء الدين استغلوا ما يتعلق بالإمكانات المتاحة الموجودة أيما استغلال في سبيل نشر ما يدعون إليه وما يريدون نشره في أصقاع الأرض، ومن النماذج المتميزة في هذا المقام اليهود، فقد استغلوا كل الوسائل المتاحة في سبيل تلميع تاريخهم، وإبراز مناهجهم، والدعوة العامة الشاملة العالمية للتعاطف مع قضيتهم، فقلبوا الأمور وأظهروا الحق باطلاً ولمعوا الباطل وجعلوه حقاً. إن من وسائل الدعوة المتطورة والمتغيرة والمتجددة وسيلة مهمة جداً ظهرت في الزمن الحاضر وبدأت تنتشر انتشار النار في الهشيم، وبدأت تثبت نفسها بشكل غير متوقع، ألا وهي الإنترنت. فالإنترنت من الوسائل التقنية التي يعدها البعض من مبتكرات القرن العشرين، ويعتقد البعض أن الإنترنت سيكون مجاله في القرن الواحد والعشرين، وسيكون له مردود غير متصور ويعطون نماذج تخيلية في هذا المقام. ومن هذه النماذج: أن من أراد السفر إلى أي دولة من دول العالم فإنه يحتاج إلى جهد وبذل مال ويصاب بتعب وإرهاق، لكن في إمكانه أن يسافر عبر شبكة الإنترنت بالنظر ويتصل بأي شركة من الشركات مثلاً، ويتفق معهم على زيارة لندن بسعر معين، ثم بعد ذلك تبدأ في الفرجة والكاميرا تمر على الشوارع والحدائق والملاهي والمنتزهات، وتطلب من الشخص الذي يفرجك أن يتوقف عند هذا المنظر أو ذلك الشكل ويعلق عليه، فأنت تتفرج ما شئت في لندن أو غيرها من البلدان بشكل دقيق ومتكامل وأنت جالس على كرسيك أو على سريرك في بيتك، فكأنك زرت هذه المدينة ورأيت كل ما فيها وأنت مستقر في منزلك. فهذا الجهاز يحتاج منا إلى استغلال، ومبادرة في أن نستغله لصالح الدعوة إلى الله، فالأعداء استفادوا من ذلك، ولذلك تجد أن الإنترنت الآن فيه من وسائل الدعوة الباطلة ووسائل الدعوة اللاأخلاقية الشيء الغير المتصور. فالمواقع الإباحية الخليعة تعد بعشرات الملايين، فلو طلبت من برنامج من برامج البحث أن يعطيك المواقع التي تتحدث عن الشيء اللاأخلاقي الفلاني فسيعطيك، وهذه المواقع قد تتجاوز عشرين مليون موقع، على الرغم من أن هذه المواقع يضاف إليها المئات يومياً. إذاً: استغلال الأعداء لهذه القضية واضح وبين. أما عن استغلال الإنترنت في الدعوة إلى الله فسيكون في المسائل التالية: أولاً: وقفة ابتدائية من الإنترنت؛ النشأة والظهور. ثانياً: البرامج المتاحة في الإنترنت للدعوة إلى الله. ثالثاً: وقفة عتاب.

стр. 283

نشأة الإنترنت وظهوره أولاً: يعتبر الإنترنت برنامجاً أخذ مبدأ التطور بطريقة غير متوقعة، فأول ما ظهر في أمريكا على يدي وزارة الدفاع الأمريكية لربط بعض المواقع الخاصة، ولسرعة الاتصال فقط، فمن كان لديه عدة مواقع أو عدة مدارس فإنه بواسطة الإنترنت يختصر الوقت، فيستغني عن المراسلين والاتصالات التلفونية، وطلب أوراق، وغير ذلك؛ لأن القضية منحصرة في مراسلات بالجهاز أو بالكمبيوتر، وفعلاً نجحت هذه العملية، ثم شيئاً فشيئاً وإذا بها تعمم، وشيئاً فشيئاً وإذا بها تكون عالمية وإذا بمئات الملايين يدخلون في هذه المواقع، فتستطيع الآن أن ترسل أي رسالة لأي شخص في أي مكان في العالم في ثانية واحدة فقط، وتستطيع أن تتحدث مع عدد كبير من الأشخاص في جميع أرجاء العالم، ويستمعون إليك بسعر زهيد جداً. إذاً: عملية ظهور الإنترنت عملية بسيطة، فهي مجرد فكرة طرحت من ناحية عسكرية ثم عممت لتنتشر من الناحية المدنية.

стр. 284

الميادين التي تستغل في الإنترنت للدعوة إلى الله أما الفقرات التي ممكن أن تستغل في الإنترنت للدعوة إلى الله فأقول: وكل ما في الإنترنت ممكن أن يستغل، وهذه الأشياء التي ممكن أن تستغل هي ما يلي: أولاً: البريد الإلكتروني. الثاني: المنتديات الكتابية. الثالث: المواقع الثابتة. الرابع: البرامج الصوتية والمرئية. الخامس: برامج الاختراق. فنبتدئ أولاً بالجهاز الذي أمامك: لديك جهاز، وتشترك مع شركة من الشركات بالإنترنت، هذه الشركة التي هي مقدمة للخدمة تعطيك خطاً مقابل مبلغ من المال، وهذا الخط يمر على المرشح، ثم بعد ذلك يخرج هذا الخط إلى كمبيوترات العالم بأكمله؛ فأي موقع تختاره تدخل عليه، فتستطيع أن تتصفح وترى ما تشاء، وتنظر إلى ما تشاء، فعندما تفتتح الجهاز وتشترك بالإنترنت يكون أمامك مجموعة من الخيارات، كالبريد، والمواقع المتجددة الثابتة والكتابية والصوتية والمرئية إلى غير ذلك، فكل هذا يكون متاحاً أمامك، وبمجرد حركات بسيطة أو برامج بسيطة تستطيع أن تنتقي هذا أو ذاك أو آخر أو رابع أو خامس.

стр. 285

أهمية استخدام البريد الإلكتروني في الدعوة إلى الله فنبدأ أولاً بقضية البريد الإلكتروني: فمئات الشركات الموجودة في أنحاء العالم يكون لها بريد إلكتروني، بمعنى: أن تسجل في هذا الشركة وتقول: أنا اسمي فلان، وأريد بريداً باسم كذا، ولا يلزم أن يكون الاسم حقيقياً، ثم بعد ذلك يوافقون، ويسجلونك عندهم، ثم عندما تقول لي: أنا أريد منك بريداً، أو رسالة أو كلمة أو مقالة جميلة فأكتب الوثيقة أو أصورها ثم بعد ذلك أكتب رقم البريد الإلكتروني وإذا بالوثيقة تصل إليك في ثلاث ثوان أو أربع ثوان فقط لا غير، ثم تطلع عليها وتعيد الرد في ثلاث ثوان وهكذا. هذا هو البريد الإلكتروني بشكل بسيط ومبسط، لكن كيف يستغل هذا البريد الإلكتروني في الدعوة إلى الله؟ وأول قضية أريد أن أشير إليها هي قضية التدرج في استغلال البريد الإلكتروني، وسترون أن الاستغلال في هذه الناحية عجيب جداً. أولاً: المراسلة الفردية، فمثلاً: أنا أعرف فلاناً من الناس في أمريكا أو في إستراليا وأعرف بريده الإلكتروني وأعرف أنه منحرف، فتجدني أرسل له رسائل وأكتب له كتابات مناصحة أو دعوة أو غير ذلك، وهذه الوسيلة الدعوية مثمرة والمثال على ذلك ما يلي: أحد الدعاة الفلبينيين علم أن أكبر وأخطر مجرم في الفلبين مسجون في أحد السجون في الفلبين، ولديه جهاز كمبيوتر، ويمضي وقته في التسلية بالإنترنت فحرص الداعية المسلم كل الحرص في دعوته فراسله عبر بريده الإلكتروني باللغة الفلبينية، وإذا به يرد على الرسالة بسب ولعن وشتم وذم، فأطلنا النفس معه وردينا عليه برسالة أخرى فيها رقة ولطف وعذوبة، وتمنيات له بالخروج من السجن، وبتكوين حياة أسرية جديدة، وأن نعيش الهم الذي يعيشه، فوجد نوعاً من السعادة في أن هناك أناساً يعيشون همومه فبدأ يلين، وبدأ يرسل رسائل، فأرسل الداعية له كتباً وأشرطة مسموعة ومرئية موجودة في الإنترنت، وهي عبارة عن كتب مدخلة في الإنترنت في مواقع كثيرة، فكان الدعاة يسحبون الكتاب المكون من ١٠٠ صفحة أو ٢٠٠ صفحة أو ١٠٠٠ صفحة ثم يرسلونه إليه عبر البريد الإلكتروني، فيحفظ الكتاب عنده ويتصفحه وإن شاء طبع منه ما شاء، فبدأ يقرأ مطويات ويستمع إلى أشرطه وينظر إلى مرئيات وإذا به يعلن إسلامه! ولم يكن هناك أي احتكاك بينه وبين أي مسلم بشكل مباشر أبداً بأي صورة من الصور؛ لأن سجنه انفرادي، وإذا بصحيفة فلبينية تعلن أن المجرم فلان بن فلان قد أعلن إسلامه. فهذه الفائدة حصلت عن طريق المراسلات الفردية التي تولاها شخص بعينه. ثم بعد ذلك ننتقل إلى شق آخر: وهو الارتقاء بالمراسلات من الفردية إلى الجماعية، فمثلاً: هناك موقع من المواقع اسمه (ياهو) وتستطيع أن تطلب منه عناوين كل المشاهير في العالم كالتجار والأغنياء والساسة أو الممثلين والمغنين والفساق، المهم يكون مشهوراً حتى ولو كان في الحضيض. وهذا البرنامج فيه عشرات الألوف من الأسماء، وفيها أسماء رءوساء دول، فالإخوة يضعون خطاباً جميلاً -باللغة الإنجليزية مثلاً- وبضغطة زر وإذا بهذا الخطاب يصل إلى الألوف من الناس فجأة بطريقة واحدة وبعملية واحدة. فهؤلاء المشاهير عندما يطلعون على هذا الخطاب قد يتفاعلون معه وبعضهم قد يرسل رداً فيه سب وشتم، والبعض الآخر يطلب المزيد؛ لأنهم يحسون أن هناك دعوة إلى السعادة، فإن هؤلاء المشاهير يعيشون أوضاعاً مأساوية من ناحية فراغ القلب، ومن ناحية الفراغ الروحي، فهم يسعون إلى السعادة ويبحثون عنها بأي وسيلة، وبالتالي فإن هذا الأمر يجعلهم يتجاوبون مع هذه المراسلات. والإخوة الذين يرسلون هذه الرسائل يقولون: والله لا نستطيع أن نتجاوب حتى مع المشاهير لكثرة الرد الذي يأتينا ممن يطلبون المزيد، يقول أحد الإخوة: نرسل رسالة واحدة ثم فجأة وإذا (٥٠٠٠) رسالة تأتينا في خلال يومين أو ثلاثة أيام، يقول: لا نستطيع أن نرد عليها، فهذا يطلب المزيد وهذا يطلب الكتب وهذا يطلب أشرطة وهذا يطلب كذا وهذا يريد منا الرد على خطابه بخطاب آخر، يقول: ونحن لا نتمكن. فلو كان هناك طاقة بشرية أكثر لكان هناك مجال أوسع لدعوة هؤلاء. واليهود في أمريكا أنشئوا برنامجاً الكترونياً اسمه: (يسكيو) وقد سجل فيه إلى الآن أكثر من ٨٠ مليون مشترك على مستوى العالم بأكمله، وميزة هذا البرنامج أنك عندما تشترك فيه تجد فيه خاصية تذكر لك هذه الخاصية من هم الذين معك في هذا البرنامج الآن، وتذكر لك عناوينهم، كما أنها تذكر لهم عنوانك أنت، فإذا طلبت عناوينهم تجدها أمامك، فلو افترضنا أن هناك مليون مشترك أو ٥٠٠ ألف مشترك في لحظة واحده دخلوا في هذا البرنامج فماذا تصنع يا ترى؟ ممكن أن تكتب خطاباً جميلاً وترسله إلى هؤلاء، ودعهم يفكرون فيتجاوبون أو لا يتجاوبون، أهم شيء أنك بذلت وقدمت شيئاً. وهذا البرنامج أيضاً يجعلك تنتقل بعد ذلك إلى محادثة من شئت منهم محادثة صوتية، فممكن أن يرد عليك شخص معين برسالة ويقول: رسالتك جميلة وأنا أطلب المزيد، فتضغط الزر وتطلب محادثته ولو كان في أقصى الدنيا في الصين أو الأرجنتين أو إندونيسيا أو اليابان أو غيرها. فتدعوه إلى الإسلام، فهذه المسألة غاية في البساطة، ولكن أين الذي يعمل؟ وأين الذي يقدم؟ وأين الذي يبذل؟ فهذا البرنامج يستخدمه البعض من الدعاة، فأحد الدعاة يقول: أنا عندي جزء من الوقت أخصصه للدخول في (الآيسيكو) ثم بعد ذلك أطلب خمسه أو ستة فقط لا غير وفي إمكاني أن أرسل رسالة إلى عشرات الألوف، لكن إذا ردوا علي فكيف أرد عليهم؟ لا أستطيع، يقول: أنتقي لي خمسة أو ستة ثم أرسل لهم رسائل فتأتيني ثلاث رسائل تقريباً من هؤلاء الستة، وهؤلاء يطلبون المزيد، فهذا يطلب كتاباً وهذا يطلب شريطاً وهذا يطلب مزيداً من المعلومات، فأبدأ أتعاون معهم، وشيئاً فشيئاً أستطيع أن أربطهم معي، يقول: وكم من شخص أسلم على يدي، أو فكر أن يسلم، وهذا مكسب عجيب، فإن هؤلاء الدعاة يدخلون تحت قول الرسول ﷺ : (لئن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم). والعدو الآن يستغل البريد الإلكتروني ليعطيك كما تعطيه، فأحياناً أفتح البريد الإلكتروني فأجد فيه دعوات سيئة أجد فيه دعوات فاسدة أجد فيه أشياء لمذاهب باطلة ولفرق منحرفة حتى داخل المجتمع المسلم فإن هناك دعوات لتبني فكر أو منهج باطل، فالأعداء يستغلون، فلماذا لا نستغل؟ ويبذلون فلماذا لا نبذل؟ وعجبت من جلد الفاجر وعجز الثقة.
следующие страницы →