← Джавами‘

Джавами‘ · id 37817

دروس للشيخ إبراهيم الفارس

إبراهيم بن عثمان الفارس

Полный текст (556 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

أهمية الدعوة إلى الله بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد الأمين وعلى آله وأصحابه أجمعين، ومن سار على نهجه واقتفى أثره إلى يوم الدين. أيها الأحبة الكرام! أرحب بكم وأبارك لكم حضوركم في هذا اللقاء الطيب المبارك، فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أيها الأحبة! اعلموا -رعاكم الله- أن الدعوة إلى الله من أجل الأفعال وأعظم الأعمال التي يؤديها المسلم في دنياه ويحتسبها لآخرته ويضعها في ميزان حسناته، بل هي من الهموم التي تقعده وتقيمه ويفكر فيها ليل نهار يبحث عن نوافذ للأمل ومخرج من الضيق الذي تعيشه الأمم والأفراد. أيها الأحبة! إن الدعاة إلى الله يقومون بمهمة بالغة الشأن عظيمة الأهمية لا يعلم قدرها إلا من تعلق قلبه بها وجعلها محور حياته، فهي مهمة الأنبياء والمرسلين الذين ابتعثهم الله لإخراج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة. أيها الأحبة! إن من سار على نهج الأنبياء واقتفى أثرهم من المصلحين العاملين الباذلين فهو داعية إلى الله ، قال الله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف:١٠٨]. إن الدعاة إلى الله هم الشموع التي تحترق لتضيء للناس طريق الهدى والحق، وهم وعي الأمة المستنير، وفكرها الحر، بل هم قلبها النابض، فهم أطباء القلوب المريضة والجريحة بل وحتى القلوب الميتة، وهم قادة سفينة النجاة التي من ركبها نجا ومن ابتعد عنها هلك وضاع، وهذه السفينة يقودها الدعاة وسط الأمواج المتلاطمة والرياح الهوجاء التي تحيط بها من كل جانب، هذه السفينة هي سفينة الأنبياء والمرسلين الذين قادوها ثم سلموا قيادتها إلى هؤلاء الدعاة الذين جاءوا من بعدهم. فالدعاة لا يعيشون لأنفسهم ولا لملذاتهم ولا لشهواتهم؛ لأن الذي يعيش لنفسه يعيش صغيراً ويموت صغيراً وينسى في لحظات بعد موته، قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٢ - ١٦٣]. أما الدعاة الصادقون المخلصون فإنهم يعيشون لأمتهم ولمجتمعهم ولذواتهم ولأسرهم، فدعوتهم هي هم بالليل والنهار، وهي فكرهم في النوم واليقظة، وشغلهم الشاغل في السر والعلن، يؤثرون من أجلها التعب والنصب ويضحون في سبيلها بالوقت والجهد والمال، بل بالمهج والأرواح، ويستعذبون في سبيل نشرها وإبلاغها البلاء الشديد والعذاب الأليم. أيها الأحبة! إن الحديث عن الدعوة حديث ذو شجون وحديث محبب إلى النفس؛ لأنه يعطي الإنسان زاده ليواصل فيه طريق الحياة الشاق الطويل إن مد الله في عمره، ولكنه طريق عذب؛ لأنه في سبيل الله؛ ولأن الداعية يعلم أن الله أمره بهذا، فهو يحقق إرادة الله فيه، ويسير على منهج الأنبياء في هذا المقام وفي هذا المجال. والدعوة إلى الله لم تتوقف منذ بدأ أول نبي على وجه الأرض، ولن تتوقف حتى يرث الله الأرض ومن عليها، وهذه الدعوة يحملها من يحملها ثم يسلم الراية لمن يأتي بعده. والدعوة إلى الله تتميز بوسائل مختلفة ومتفاوتة تتغير بتغير الزمان والمكان فما كان معروفاً الآن لم يكن معروفاً قبل فترة وجيزة، وما كان معروفاً قبل تلكم الفترة لم يكن معروفاً قبل قرون. إذاً: هذا التغير يدل على أن الدعوة إلى الله دعوة توقيفية اجتهادية في فروعها؛ مبنية على أصول توقيفية ثابتة راسخة، قال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل:١٢٥] هذه القاعدة هي الأساس وهي المرتكز، فمن خلالها ننطلق ونجدد ونغير ونبدل وندرس حالة الشخص والمجتمع ثم بعد ذلك نستفيد من الإمكانية ثم نتجه بعد ذلك إلى استثمار الوسيلة الموجودة؛ لعل الله أن ينفع بها. وهذا يدعونا إلى وقفة عتاب مع من يرى أن وسائل الدعوة جامدة، وأنها متوقفة على منهج معين، فالسلف الصالح استخدموا الوسائل الدعوية المتغيرة والمتجددة.

стр. 282

استغلال اليهود الإمكانات المتاحة لتأسيس دولتهم إن أعداء الإسلام بل أعداء الدين استغلوا ما يتعلق بالإمكانات المتاحة الموجودة أيما استغلال في سبيل نشر ما يدعون إليه وما يريدون نشره في أصقاع الأرض، ومن النماذج المتميزة في هذا المقام اليهود، فقد استغلوا كل الوسائل المتاحة في سبيل تلميع تاريخهم، وإبراز مناهجهم، والدعوة العامة الشاملة العالمية للتعاطف مع قضيتهم، فقلبوا الأمور وأظهروا الحق باطلاً ولمعوا الباطل وجعلوه حقاً. إن من وسائل الدعوة المتطورة والمتغيرة والمتجددة وسيلة مهمة جداً ظهرت في الزمن الحاضر وبدأت تنتشر انتشار النار في الهشيم، وبدأت تثبت نفسها بشكل غير متوقع، ألا وهي الإنترنت. فالإنترنت من الوسائل التقنية التي يعدها البعض من مبتكرات القرن العشرين، ويعتقد البعض أن الإنترنت سيكون مجاله في القرن الواحد والعشرين، وسيكون له مردود غير متصور ويعطون نماذج تخيلية في هذا المقام. ومن هذه النماذج: أن من أراد السفر إلى أي دولة من دول العالم فإنه يحتاج إلى جهد وبذل مال ويصاب بتعب وإرهاق، لكن في إمكانه أن يسافر عبر شبكة الإنترنت بالنظر ويتصل بأي شركة من الشركات مثلاً، ويتفق معهم على زيارة لندن بسعر معين، ثم بعد ذلك تبدأ في الفرجة والكاميرا تمر على الشوارع والحدائق والملاهي والمنتزهات، وتطلب من الشخص الذي يفرجك أن يتوقف عند هذا المنظر أو ذلك الشكل ويعلق عليه، فأنت تتفرج ما شئت في لندن أو غيرها من البلدان بشكل دقيق ومتكامل وأنت جالس على كرسيك أو على سريرك في بيتك، فكأنك زرت هذه المدينة ورأيت كل ما فيها وأنت مستقر في منزلك. فهذا الجهاز يحتاج منا إلى استغلال، ومبادرة في أن نستغله لصالح الدعوة إلى الله، فالأعداء استفادوا من ذلك، ولذلك تجد أن الإنترنت الآن فيه من وسائل الدعوة الباطلة ووسائل الدعوة اللاأخلاقية الشيء الغير المتصور. فالمواقع الإباحية الخليعة تعد بعشرات الملايين، فلو طلبت من برنامج من برامج البحث أن يعطيك المواقع التي تتحدث عن الشيء اللاأخلاقي الفلاني فسيعطيك، وهذه المواقع قد تتجاوز عشرين مليون موقع، على الرغم من أن هذه المواقع يضاف إليها المئات يومياً. إذاً: استغلال الأعداء لهذه القضية واضح وبين. أما عن استغلال الإنترنت في الدعوة إلى الله فسيكون في المسائل التالية: أولاً: وقفة ابتدائية من الإنترنت؛ النشأة والظهور. ثانياً: البرامج المتاحة في الإنترنت للدعوة إلى الله. ثالثاً: وقفة عتاب.

стр. 283

نشأة الإنترنت وظهوره أولاً: يعتبر الإنترنت برنامجاً أخذ مبدأ التطور بطريقة غير متوقعة، فأول ما ظهر في أمريكا على يدي وزارة الدفاع الأمريكية لربط بعض المواقع الخاصة، ولسرعة الاتصال فقط، فمن كان لديه عدة مواقع أو عدة مدارس فإنه بواسطة الإنترنت يختصر الوقت، فيستغني عن المراسلين والاتصالات التلفونية، وطلب أوراق، وغير ذلك؛ لأن القضية منحصرة في مراسلات بالجهاز أو بالكمبيوتر، وفعلاً نجحت هذه العملية، ثم شيئاً فشيئاً وإذا بها تعمم، وشيئاً فشيئاً وإذا بها تكون عالمية وإذا بمئات الملايين يدخلون في هذه المواقع، فتستطيع الآن أن ترسل أي رسالة لأي شخص في أي مكان في العالم في ثانية واحدة فقط، وتستطيع أن تتحدث مع عدد كبير من الأشخاص في جميع أرجاء العالم، ويستمعون إليك بسعر زهيد جداً. إذاً: عملية ظهور الإنترنت عملية بسيطة، فهي مجرد فكرة طرحت من ناحية عسكرية ثم عممت لتنتشر من الناحية المدنية.

стр. 284

الميادين التي تستغل في الإنترنت للدعوة إلى الله أما الفقرات التي ممكن أن تستغل في الإنترنت للدعوة إلى الله فأقول: وكل ما في الإنترنت ممكن أن يستغل، وهذه الأشياء التي ممكن أن تستغل هي ما يلي: أولاً: البريد الإلكتروني. الثاني: المنتديات الكتابية. الثالث: المواقع الثابتة. الرابع: البرامج الصوتية والمرئية. الخامس: برامج الاختراق. فنبتدئ أولاً بالجهاز الذي أمامك: لديك جهاز، وتشترك مع شركة من الشركات بالإنترنت، هذه الشركة التي هي مقدمة للخدمة تعطيك خطاً مقابل مبلغ من المال، وهذا الخط يمر على المرشح، ثم بعد ذلك يخرج هذا الخط إلى كمبيوترات العالم بأكمله؛ فأي موقع تختاره تدخل عليه، فتستطيع أن تتصفح وترى ما تشاء، وتنظر إلى ما تشاء، فعندما تفتتح الجهاز وتشترك بالإنترنت يكون أمامك مجموعة من الخيارات، كالبريد، والمواقع المتجددة الثابتة والكتابية والصوتية والمرئية إلى غير ذلك، فكل هذا يكون متاحاً أمامك، وبمجرد حركات بسيطة أو برامج بسيطة تستطيع أن تنتقي هذا أو ذاك أو آخر أو رابع أو خامس.

стр. 285

أهمية استخدام البريد الإلكتروني في الدعوة إلى الله فنبدأ أولاً بقضية البريد الإلكتروني: فمئات الشركات الموجودة في أنحاء العالم يكون لها بريد إلكتروني، بمعنى: أن تسجل في هذا الشركة وتقول: أنا اسمي فلان، وأريد بريداً باسم كذا، ولا يلزم أن يكون الاسم حقيقياً، ثم بعد ذلك يوافقون، ويسجلونك عندهم، ثم عندما تقول لي: أنا أريد منك بريداً، أو رسالة أو كلمة أو مقالة جميلة فأكتب الوثيقة أو أصورها ثم بعد ذلك أكتب رقم البريد الإلكتروني وإذا بالوثيقة تصل إليك في ثلاث ثوان أو أربع ثوان فقط لا غير، ثم تطلع عليها وتعيد الرد في ثلاث ثوان وهكذا. هذا هو البريد الإلكتروني بشكل بسيط ومبسط، لكن كيف يستغل هذا البريد الإلكتروني في الدعوة إلى الله؟ وأول قضية أريد أن أشير إليها هي قضية التدرج في استغلال البريد الإلكتروني، وسترون أن الاستغلال في هذه الناحية عجيب جداً. أولاً: المراسلة الفردية، فمثلاً: أنا أعرف فلاناً من الناس في أمريكا أو في إستراليا وأعرف بريده الإلكتروني وأعرف أنه منحرف، فتجدني أرسل له رسائل وأكتب له كتابات مناصحة أو دعوة أو غير ذلك، وهذه الوسيلة الدعوية مثمرة والمثال على ذلك ما يلي: أحد الدعاة الفلبينيين علم أن أكبر وأخطر مجرم في الفلبين مسجون في أحد السجون في الفلبين، ولديه جهاز كمبيوتر، ويمضي وقته في التسلية بالإنترنت فحرص الداعية المسلم كل الحرص في دعوته فراسله عبر بريده الإلكتروني باللغة الفلبينية، وإذا به يرد على الرسالة بسب ولعن وشتم وذم، فأطلنا النفس معه وردينا عليه برسالة أخرى فيها رقة ولطف وعذوبة، وتمنيات له بالخروج من السجن، وبتكوين حياة أسرية جديدة، وأن نعيش الهم الذي يعيشه، فوجد نوعاً من السعادة في أن هناك أناساً يعيشون همومه فبدأ يلين، وبدأ يرسل رسائل، فأرسل الداعية له كتباً وأشرطة مسموعة ومرئية موجودة في الإنترنت، وهي عبارة عن كتب مدخلة في الإنترنت في مواقع كثيرة، فكان الدعاة يسحبون الكتاب المكون من ١٠٠ صفحة أو ٢٠٠ صفحة أو ١٠٠٠ صفحة ثم يرسلونه إليه عبر البريد الإلكتروني، فيحفظ الكتاب عنده ويتصفحه وإن شاء طبع منه ما شاء، فبدأ يقرأ مطويات ويستمع إلى أشرطه وينظر إلى مرئيات وإذا به يعلن إسلامه! ولم يكن هناك أي احتكاك بينه وبين أي مسلم بشكل مباشر أبداً بأي صورة من الصور؛ لأن سجنه انفرادي، وإذا بصحيفة فلبينية تعلن أن المجرم فلان بن فلان قد أعلن إسلامه. فهذه الفائدة حصلت عن طريق المراسلات الفردية التي تولاها شخص بعينه. ثم بعد ذلك ننتقل إلى شق آخر: وهو الارتقاء بالمراسلات من الفردية إلى الجماعية، فمثلاً: هناك موقع من المواقع اسمه (ياهو) وتستطيع أن تطلب منه عناوين كل المشاهير في العالم كالتجار والأغنياء والساسة أو الممثلين والمغنين والفساق، المهم يكون مشهوراً حتى ولو كان في الحضيض. وهذا البرنامج فيه عشرات الألوف من الأسماء، وفيها أسماء رءوساء دول، فالإخوة يضعون خطاباً جميلاً -باللغة الإنجليزية مثلاً- وبضغطة زر وإذا بهذا الخطاب يصل إلى الألوف من الناس فجأة بطريقة واحدة وبعملية واحدة. فهؤلاء المشاهير عندما يطلعون على هذا الخطاب قد يتفاعلون معه وبعضهم قد يرسل رداً فيه سب وشتم، والبعض الآخر يطلب المزيد؛ لأنهم يحسون أن هناك دعوة إلى السعادة، فإن هؤلاء المشاهير يعيشون أوضاعاً مأساوية من ناحية فراغ القلب، ومن ناحية الفراغ الروحي، فهم يسعون إلى السعادة ويبحثون عنها بأي وسيلة، وبالتالي فإن هذا الأمر يجعلهم يتجاوبون مع هذه المراسلات. والإخوة الذين يرسلون هذه الرسائل يقولون: والله لا نستطيع أن نتجاوب حتى مع المشاهير لكثرة الرد الذي يأتينا ممن يطلبون المزيد، يقول أحد الإخوة: نرسل رسالة واحدة ثم فجأة وإذا (٥٠٠٠) رسالة تأتينا في خلال يومين أو ثلاثة أيام، يقول: لا نستطيع أن نرد عليها، فهذا يطلب المزيد وهذا يطلب الكتب وهذا يطلب أشرطة وهذا يطلب كذا وهذا يريد منا الرد على خطابه بخطاب آخر، يقول: ونحن لا نتمكن. فلو كان هناك طاقة بشرية أكثر لكان هناك مجال أوسع لدعوة هؤلاء. واليهود في أمريكا أنشئوا برنامجاً الكترونياً اسمه: (يسكيو) وقد سجل فيه إلى الآن أكثر من ٨٠ مليون مشترك على مستوى العالم بأكمله، وميزة هذا البرنامج أنك عندما تشترك فيه تجد فيه خاصية تذكر لك هذه الخاصية من هم الذين معك في هذا البرنامج الآن، وتذكر لك عناوينهم، كما أنها تذكر لهم عنوانك أنت، فإذا طلبت عناوينهم تجدها أمامك، فلو افترضنا أن هناك مليون مشترك أو ٥٠٠ ألف مشترك في لحظة واحده دخلوا في هذا البرنامج فماذا تصنع يا ترى؟ ممكن أن تكتب خطاباً جميلاً وترسله إلى هؤلاء، ودعهم يفكرون فيتجاوبون أو لا يتجاوبون، أهم شيء أنك بذلت وقدمت شيئاً. وهذا البرنامج أيضاً يجعلك تنتقل بعد ذلك إلى محادثة من شئت منهم محادثة صوتية، فممكن أن يرد عليك شخص معين برسالة ويقول: رسالتك جميلة وأنا أطلب المزيد، فتضغط الزر وتطلب محادثته ولو كان في أقصى الدنيا في الصين أو الأرجنتين أو إندونيسيا أو اليابان أو غيرها. فتدعوه إلى الإسلام، فهذه المسألة غاية في البساطة، ولكن أين الذي يعمل؟ وأين الذي يقدم؟ وأين الذي يبذل؟ فهذا البرنامج يستخدمه البعض من الدعاة، فأحد الدعاة يقول: أنا عندي جزء من الوقت أخصصه للدخول في (الآيسيكو) ثم بعد ذلك أطلب خمسه أو ستة فقط لا غير وفي إمكاني أن أرسل رسالة إلى عشرات الألوف، لكن إذا ردوا علي فكيف أرد عليهم؟ لا أستطيع، يقول: أنتقي لي خمسة أو ستة ثم أرسل لهم رسائل فتأتيني ثلاث رسائل تقريباً من هؤلاء الستة، وهؤلاء يطلبون المزيد، فهذا يطلب كتاباً وهذا يطلب شريطاً وهذا يطلب مزيداً من المعلومات، فأبدأ أتعاون معهم، وشيئاً فشيئاً أستطيع أن أربطهم معي، يقول: وكم من شخص أسلم على يدي، أو فكر أن يسلم، وهذا مكسب عجيب، فإن هؤلاء الدعاة يدخلون تحت قول الرسول ﷺ : (لئن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم). والعدو الآن يستغل البريد الإلكتروني ليعطيك كما تعطيه، فأحياناً أفتح البريد الإلكتروني فأجد فيه دعوات سيئة أجد فيه دعوات فاسدة أجد فيه أشياء لمذاهب باطلة ولفرق منحرفة حتى داخل المجتمع المسلم فإن هناك دعوات لتبني فكر أو منهج باطل، فالأعداء يستغلون، فلماذا لا نستغل؟ ويبذلون فلماذا لا نبذل؟ وعجبت من جلد الفاجر وعجز الثقة.

стр. 286

أهمية استخدام برامج المحادثة في الدعوة إلى الله ثانياً: أنتقل إلى قضية برامج المحادثة: برامج المحادثة هي: البرامج الصوتية، وهي كثيرة جداً، وتستغل الآن على نطاق فردي وجماعي، أما على النطاق الفردي فعن طريق استغلالها في الخدمات الخاصة، كأن يكون لك أخ أو قريب في دولة من الدول، فلو اتصلت به هاتفياً فإن ذلك مكلف من الناحية المادية، فأنا أطلب منه أن يدخل في هذا البرنامج ويسجل وأنا أسجل في هذا البرنامج، ثم نلتقي في غرفه خاصة ونبدأ نتحدث بتكلفة زهيدة جداً. أما على المستوى الجماعي: فإن هناك الكثير من برامج المحادثة، ومنها برنامج اسمه (البالتوك) وهو برنامج أمريكي وتقوم عليه شركة أمريكية يهودية، وأهل السنة بالذات استغلوا هذا البرنامج أيما استغلال للدعوة إلى الله . فماذا يعني هذا البرنامج الذي يسمى بالبالتوك؟ أولاً: هذا البرنامج يدخله أشخاص كثيرون؛ فقد يتجاوز ١٢٠ إلى ١٤٠ ألف شخص في اللحظة الواحدة من جميع أرجاء العالم. فالإخوة عندما دخلوا في هذا البرنامج استغلوه استغلالاً عجيباً جداً، فإن فيه مواقع يسمونها مجموعات خاصة، إما خاصة بالهند وباكستان أو خاصة بالشرق بالفلبين واليابان أو البرتغال وأسبانيا أو خاصة بالإنجليز أو خاصة بالفرنسيين أو خاصة بالعرب، والعرب لهم غرف كثيرة لفرق متعددة، فالأحباش لهم مواقع، والشيعة لهم مواقع، والنصارى العرب لهم مواقع وهكذا، وأيضاً أهل السنة لهم مواقع. فأهل السنة عندما دخلوا في هذه المواقع بدءوا يستغلونها، فأهل السنة خلال أربع وعشرين ساعة تقريباً يتواجدون في هذا البرنامج ويقدمون عطاءات عجيبة جداً، فيتواجدون فيه دائماً؛ لأنهم يدخلون من نيوزلندا إلى أمريكا إلى غيرها من بلدان العالم، ولذلك لا ينقطع العطاء بأي صورة من الصور. ومثال ذلك: الدورات العلمية، فإنها تنقل حية على الهواء فمثلاً: تقام دورة شيخ الإسلام ابن تيمية في مسجد شيخ الإسلام ابن تيمية، فأسمعها وأنا موجود في نيوزلندا أو الأرجنتين أو في أي مكان آخر، فالإخوة جعلوا المسألة بسيطة فنقلوا الدورة حية على الهواء تسمعها واضحة صافية بل ربما أصفى ممن يحضرها في المسجد؛ لأن السماعة ستكون عند الملقي مباشرة. والأطرف من ذلك أن الإخوة في كثير من بلاد العالم صاروا يقيمون الدورات في الدول الأجنبية، فمثلاً: في النمسا يجمعون الرجال في مصلى والنساء في مصلى آخر ثم بعد ذلك يفتحون الجهاز على الدورة العلمية ويحاضر فيها أو يدرس الشيخ عبد الله بن جبرين جزاه الله خيراً أو الشيخ عبد العزيز الراجحي أو فلان من الناس، وإذا بالرجال في النمسا يجتمعون إلى شرح أو محاضرة هؤلاء العلماء وكأنهم معهم في ذلك المسجد، والنساء يستمعن وكأنهن في المسجد كذلك. أليس هذا أمراً دعوياً عجيباً جداً؟! أقول نعم، فهذه صورة من الصور. وصورة أخرى: هناك محاضرات عامة تقام كل ليلتين أو ثلاث ليال لمدة ساعتين، ويكون فيها إجابات عن الأسئلة وأخذ وعطاء، حتى أني مرة من المرات قمت بمحاضرة، وبعد أن انتهيت كتب لي واحد رسالة، وقال في هذه الرسالة: أنا أعيش في شمال السويد في منقطة ثلجية والنهار عندنا ثلاث ساعات، والليل واحد وعشرون ساعة، ولا يصلنا من البث الإسلامي شيء أبداً وليس لي مجال لتلقي العلم الشرعي إلا الإنترنت وبالذات البالتوك، فالرجاء لا تقطعوني! وهناك دروس ثابتة ومتواصلة ومتتابعة في كل ليلة، فهذا درس في الفقه وهذا درس في السيرة ودرس في السنن ودرس في العقيدة وغيرها، ويستمع إليها أناس من جميع أرجاء العالم. وهكذا الخطب، فمثلاً: خطب الحرمين يستمع إليها أي إنسان في أي مكان في العالم، وهناك بعض الخطباء تتمنى أن تستمع إليه، ولا تستطيع أن تستمع إليه إلا بعد فترة من الزمن عن طريق الشريط، لكن الآن بدأ الإخوة ينقلون بعض الخطب مباشرة على الهواء إلى جميع أرجاء الأرض في نفس اللحظة، ففي نفس اللحظة تستمع إلى خطبة فلان من الناس وتستطيع أن تنقل هذه الخطبة وتسجلها إلى آخر ذلك. وهناك المناقشات والعروض العلمية، فهنالك أشخاص يقيمون مناظرات مع الشيعة أو مع الأحباش أو مع النصارى، أو مع أي منحرف، وتكون هناك ردود فعل تثمر عن دخول عدد من الأشخاص في دين الله أو تصحيح المفاهيم الخاطئة. ومن الأشياء التي تعمل في هذا البرنامج أحياناً: عندما تفتتح مجموعات العرب تجد مجموعة من الفساق يفتحون غرفاً فاسدة ويتحدثون فيها بالفساد، فتجد شخصاً من الأشخاص الصالحين يدخل هذه الغرف ثم يبدأ في المناصحة. فمثلاً: ألقيت في يوم من الأيام كلمة على مجموعة من الأشخاص ٦٠ أو ٧٠ شخصاً كلهم من جميع أرجاء الكرة الأرضية، وفجأة وإذا بأحد المعروفين لدي معرفة قوية جداً يدعوني للدخول في غرفة أخرى، والدعوة هنا لا بد أن يكتب فيها اسم الغرفة، وكان اسم تلك الغرفة غاية في السوء، فقلت: ليس من المعقول أن يدعوني هذا الإنسان الملتزم الصالح إلى هذه الغرفة الفاسدة بشكل بين، فرفضت الدعوة واستمريت في كلامي مع الإخوة، وإذا بصاحبي يكرر الدعوة مرتين وثلاثاً وأربع، فلما رأيت الإصرار منه علمت أن هناك أمراً ما، وإذا به يخاطبني بهاتف وهو في الرياض ويقول: يا شيخ! هذه الغرفة افتتحتها امرأة واجتمع فيها ما يقارب من ٨٠ أو ٩٠ شخصاً وبدءوا يتكلمون ويضحكون في كل شيء إلا الخير، يقول: فدخلت هذه الغرفة وعلمت أن المسئولة عن هذه الغرفة امرأة فنصحتها وذكرتها بالله، وبالقبر ونعيمه وعقابه، وبالجنة والنار، وكان ذلك على انفراد، فبكت وقالت: سأخرج من هذه الغرفة وخذ رقم الغرفة السري وادخل أنت وكن أنت المسئول عن ذلك، فدخلت هذه الغرفة وبدأت أناصحهم وضيقت الموضوع إلى هم الشاب، والذي يهتم به الشاب العربي، وبدأ الكلام يأخذ منحاً آخر شيئاً فشيئاً، واحتجت إلى من يعينني في هذه القضية فطلبتك، وفعلاً دخلت وبدأت أناقش وآخذ وأعطي وكانت ردود الفعل لهذه المناقشة عجيبة. فأحدهم قال: أنا أول مرة حقيقة أستمع لكلام من مثل هذا الكلام؛ لأني كلما دخلت البالتوك لا أستمع إلا إلى فساد، وأحبه، والآن ألزمتموني أن أستمع إلى هذا الكلام؛ فوالله! لن أخرج من هذه الغرف الصالحة إلى الغرف الفاسدة أبداً. وهناك أسلوب آخر للنصيحة في الغرف الفاسدة، فمثلاً: دخلت مرة إلى غرفة مكتوب عليها أسماء جنسية أكرمكم الله، فأردت أن أناصح فلم أعط مجالاً، فبدأت أكتب كتابات موجودة عندي وهي ما يسمونه أو ما يعرف بالقص واللصق وفيها أبيات شعرية وآيات وأحاديث وكلمات رقيقة وأضعها، وأبين لهم أثر وجودهم في هذه الغرفة، فأول ما دخلت كان العدد يقارب خمسين شخصاً تقريباً وفي ظرف ثلاث دقائق من هذه الكتابات والتحذيرات ومنها أني كتبت: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر ويخاف على عرضه ودينه ويخاف ربه فليخرج من هذه الغرفة، وفي ظرف ثلاث دقائق لم يبق فيها إلا ستة أشخاص فقط لا غير. إذاً: هذا أسلوب دعوي مثمر ومنتج، لكن أين نحن من هذا الأسلوب؟

стр. 287

أهمية استخدام المنتديات الكتابية في الدعوة إلى الله ثالثاً: المنتديات الكتابية: هناك مواقع خاصة بالمشاركة الكتابية، يعني: إذا كان لديك أمر فإنك تستطيع أن تطلب الآراء، وتستطيع أن تناصح وتستطيع أن تذكر قصة من القصص، أو تكتب تجربة وإذا بها فجأة تنتشر في جميع أنحاء العالم، بل تستطيع أن تضع إعلاناً. فمثلاً: دورة من الدورات أو محاضرة من المحاضرات أو ندوة من الندوات تستطيع أن تضعها في هذا البرنامج، ورمز المحادثة، فيعرف الناس أن هناك ندوة في هذا المكان أو في هذا الموقع، فمثلاً: كان هناك ندوة عن الإعلام الهادف في مدرسة، فطبعت الإعلانات ووزعت، وعندما دخلت المسجد المرافق للمدرسة لم أر الإعلانات على باب المسجد، بالرغم من أنه أقرب موقع للمدرسة، فقد يكون سقط أو غير ذلك، ولكن لو وضع الإعلان في مواقع المحادثات فإن الخبر سينتشر في كل مكان، والإخوة بدورهم سينشرونه في مواقع أخرى، وفي لحظات إذا بملايين الأشخاص الذين يطلعون على هذه المواقع الكتابية أو المحادثة الصوتية يعرفون أن هناك ندوة عن الإعلام الهادف في مدرسة كذا.

стр. 288

أهمية استخدام المواقع الثابتة في الدعوة إلى الله رابعاً: المواقع الثابتة: هناك أشخاص ويبذلون جهدهم لإنشاء مواقع بأسمائهم ويستجيبون لتفاعل الآخرين. وهذا التفاعل غير متصور، فمثلاً: الشيخ محمد المنجد وفقه الله أنشأ موقع (الإسلام سؤال وجواب) يقول: أول ما أنشأت الموقع كان معي واحد أو اثنان، لكن صارت تأتينا أسئلة بشكل يجعلنا لا نستطيع أن نرد عليها، ولو كان الطاقم بالعشرات؛ لأن الأسئلة من جميع أرجاء العالم وكلهم يريدون الإجابات. والشيخ محمد الدويش له موقع واشترط فيه ألا تكون الأسئلة فقهية إنما اجتماعية وتربوية، ومع ذلك فلا يستطيع أن يتابع الإجابة على هذه الأسئلة على الرغم من أنه ضيق نطاقها فليست فقهية ولا عقدية ولا متعلقة بالتاريخ ولا الجغرافيا إنما في قضايا اجتماعية وتربوية، ومع ذلك لا يستطيع أن يتابعها لكثرتها. إذاً: هناك تجاوب، وهذا التجاوب يدعونا إلى أن نتجاوب نحن كذلك مع هذه المواقع فنشارك؛ حتى يكون هناك عطاء مثمر في نشر الخير وإبرازه إلى الآخرين؛ لأننا نجد الخير، أما المدعوون فقد يكونون في أماكن لا يجدون شيئاً، ويتمنون أن تكون هذه المواقع متجددة باستمرار حتى تسهل عليهم ما يتعلق بفهم وفقه أمور دينهم.

стр. 289

أهمية استغلال الاختراق في الهجوم على أعداء الدعوة الإسلامية خامساً: الاختراق أو ما يسمى بالهكرز، وهذه القضية هي قضية حرب أو قضية هجوم ودفاع، فمثلاً: تجد هناك مواقع فاسقه وفاسدة أخلاقياً أو فكرياً لمذاهب هدامة سواء كانت داخل المحيط الإسلامي أو الديانات الأخرى، هذه المذاهب تحاول أن تضلل العوام وتلبس عليهم وتحاول أن تدعو الآخرين بتبني فكرهم. فأنت مطالب بأن تقف في وجه هذه المواقع، والطرق الموجودة هي: طريقة الهجوم والدفاع، أما طريقة الهجوم فبتدمير هذا الموقع، وطريقة الدفاع في نشر الخير لينتشر ويغطي على هذا الشر، وأمر الدفاع تحدثنا عنه قبل قليل، وأما الهجوم فهو أن تدمر هذا الموقع؛ لأنه أحياناً إن لم تدمر هذا الموقع وإن لم تفسده أفسدك، وإن لم تقض عليه فإنه يفسد البرامج الدعوية التي تسعى إليها، فتجد أنك أحياناً تدعو أشخاصاً إلى الحق وفجأة وإذا بهؤلاء الأشخاص يخبرونك أنهم تلقوا رسائل ومعلومات من الموقع الفلاني يدعوهم إلى الفكر الفلاني، فترى أنهم يفسدون عليك. إذاً: أنت مطالب بأن تفسد عليهم، فهذه القضية هي قضية حرب وقضية صراع. فمثلاً: أحد الأشخاص في حرب الشيشان قال: رتبت أموري وأرسلت رسائل دقيقة مركزة إلى وزارة الدفاع الروسية أخبرهم أن في موقع كذا وكذا وكذا وكذا قنابل مؤقتة ستنفجر الساعة كذا والساعة كذا والساعة كذا، يقول: وإذا بأحد الأشخاص يخبرني بعد ذلك أن وزارة الدفاع الروسية استنفرت عشرات الآلاف من الضباط والجنود لتفتيش هذه المواقع، أليست هذه حرب استنزاف؟! جهد بسيط ويسير وسهل انظروا ماذا أثمر، بل أشارت إلى هذه القضية محطة البي بي سي البريطانية. مثال آخر: أحد الأشخاص استطاع أن يعرف جدول خطوط الطيران الإسرائيلي متى تقيم؟ ومتى تنزل؟ وأين تذهب؟ وأرقام الرحالات؟ واطلع على برنامج الخطوط بأكمله؛ استطاع اختراقه والاطلاع عليه وعرف أسماء الأشخاص الذين يركبون الطائرة -مثلاً- من لندن إلى تل أبيب أو من تل أبيب إلى نيويورك، فأرسل رسالة أن الطائرة الفلانية المتجهة من تل أبيب إلى لندن والذي يتواجد فيها فلان وفلان وفلان وعدد أسمائهم فيها قنبلة ستنفجر الساعة كذا وكذا، فجاء أمر مباشرة إلى الطائرة بالنزول الاضطراري في اليونان، فهذا عمل وجهد بسيط لكنه حرب. فبرنامج الهكرز لا بد أن يستثمر استثماراً جيد؛ لأن الهكرز هنا هو الاختراق وقد يكون حراماً إذا كان فيه الاطلاع على أسرار الآخرين، ودخول برامجهم واختراق أجهزتهم والاطلاع على ملفاتهم وعلى صورهم وهذا لا يجوز، إلا إذا كان في خدمة دين الله فقد يكون هذا جائزاً وخاصة مع من يعادينا ويحاربنا. ومثال آخر: شخص من الأشخاص خدع طائفة ضالة منحرفة تنتشر في الخليج العربي وما حوله، فأظهر لهم أنه يريد تدمير مواقع أهل السنة، فأرسل لهم رسالة قال: لقد دمرت موقع كذا وكذا، فذهب إلى أشخاص معروفين واستعار مواقعهم لمدة ثلاثة أيام، وأعطوه كلمة السر لدخول مواقعهم، فدخل موقعاً موقعاً، وكتب على لوحة الموقع أنه اخترق هذا الموقع ودمره، ثم بدأ يتصل بهؤلاء ويخبرهم بأنه قد دمر هذه المواقع، فتأكدوا منه فوجدوا الأمر صحيحاً، فظنوا أن هذا الرجل مخلصاً لهم، ففتحوا له المجال، فأخبرهم أنه يحتاج إلى أموال، فلما عرفوا أن له طاقه عجيبة فتحوا له حساباً في أحد البنوك، ومدوه بالمال، وهو من أهل السنة. إذاً: القضية ممكن أن تكون حرباً قوية تنتج وتثمر لمن استثمرها ولمن استغلها.

стр. 290

من ثمار الدعوة عبر الإنترنت وفي أحد البرامج وهو برنامج المحادثة (البالتوك) واحد من الأشخاص المتمكنين من خلال عرضه القضايا العقدية لأهل السنة صار يبحث في البريد الإلكتروني بطريقة لبقة عن أسماء النساء، ثم بعد ذلك جمع عدداً مناسباً من الأسماء ثم بعد ذلك أرسل لهن رسالة يطلب منهن الحضور لهذا البرنامج؛ لأن هناك محاضرات أسبوعية نسائية توعوية من جميع أنحاء العالم، وفعلاً بدأ يحضر بحدود ٦٠ أو ٧٠ امرأة من البرازيل وكندا ونيوزلندا والفلبين وغيرها، وهناك ترجمة باللغة الإنجليزية، ثم بدأ يقيم لهن دورات متتابعة من كل أسبوع، فانظروا إلى هذا الجهد كيف أثمر هذه الثمرة العجيبة في دعوة النساء إلى دين الله ؟

стр. 291

وقفة عتاب لأبناء الأمة الإسلامية أختم هذا اللقاء بوقفة عتاب أخيرة، وأقول: لماذا أيها الأحبة! نسبق دوماً من قبل الأعداء إلى هذه البرامج التي تعد من أفضل الوسائل الدعوية على المستوى العالمي، أو لأنها على المستوى المحلي -ولله الحمد والمنة- موجودة وبكثرة، لكنها على المستوى العالمي ليست موجودة إلا من خلال برامج الإنترنت ومن خلال المحطات الفضائية، فالمحطات الفضائية الأصل فيها السلبية؛ لأنها تجعل الإنسان يستمع ويوجه فكره إليها، ويحجم الفكر بحسب ذات المحطة وتوجهها، فالمحطات الفضائية توجه الإنسان بناءً على الفكر الذي تحمله المحطة والذي يقوم عليها من الأفراد أو الجماعات أو الدول. أما الإنترنت فلا؛ فإن الأصل فيه التجارب، والأصل فيه السلب والإيجاب، والأخذ والعطاء، ولذلك علينا دوماً أن نستغله أيما استغلال مع الأخذ بالاعتبار الاحتياطات اللازمة؛ لأنه وعاء اشتمل على الخير وهو قليل، واشتمل على الشر وما أكثره في هذا الجهاز! وبالتالي إذا أراد الإنسان أن يستفيد منه أو يستغله فعليه أن يتعامل معه بحذر وخاصة إن كان هناك آخرون ممن هم أقل منه تعاملاً أو فهماً أو فقهاً فيما يتعلق بقضية التعامل مع هذا الجهاز؛ حتى لا يكون هناك تأثير مضاد من قبل الآخرين تجاه الغير.

стр. 292

التحذير من مفاسد المقاهي وأحب كذلك أن أشير إلى نقطة أخيرة وهي ما يعرف بالمقاهي التي انتشرت في كثير من المناطق والشوارع، فينبغي علينا أن نقف معها وقفة عتاب كذلك؛ لأن الغالب عليها أن الاستفادة منها دوماً استفادة سلبية، وبالتالي على كل منا أن يربي الشباب والكبار والصغار ألا يتعاملوا مع هذه المقاهي بحكم أن هذه المقاهي تقوم دوماً على نشر ما هو مباح كدرجة أولى وما هو فاسد بعد ذلك. فالأشياء الخيرة نادرة في هذه المقاهي، وبالتالي ستبقى قضية الضبط والانضباط في التعامل مع هذه الجهات قاعدة أساسية ينبغي أن نسير عليها. أسأل الله لي ولكم العلم النافع والعلم الصالح، والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل، وصلى الله وبارك على نبينا ورسولنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

стр. 293

الأسئلة

стр. 294

الدعوة إلى الله في المقاهي السؤال ما رأيك بمن يدعو إلى الله في المقاهي، مع العلم أنها مليئة بالمعاصي وعرض الأفلام، كما نسمع، فما رأيك في ذلك؟ وهل هناك توجيه لمن أراد الاستفادة منها؟ الجواب طبعاً كل إنسان له قدراته وإمكانياته، فإذا رأى الإنسان أنه سيجدي في هذا المقهى وسيكون محمياً من التأثر من قبل الآخرين فجيد أن يستخدم هذه الوسائل المتجددة في دعوة هؤلاء إلى الله ، ويبتكر الوسائل المناسبة لهؤلاء الذين يشاركون في هذه المقاهي، سواء كان هؤلاء ممن يملكون المقهى أو يعملون في المقهى أو بجانب المقهى.

стр. 295

الاشتراك في مواقع الإنترنت السؤال البعض يرى عدم الاشتراك في الإنترنت لوجود المفاسد فيها؛ لأن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، ما هو توجيهكم رعاكم الله؟ الجواب إذا كان الإنسان يرى في نفسه القدرة على أن يحول الفساد إلى خير بالتواصل بالإنترنت فيشترك فيه، وإن كان لا يجد إمكانية لذلك فوسائل الدعوة الأخرى المتاحة موجودة وبكثرة، فتبقى القضية متاحة بمن بيده الإمكانية، وشبيه هذا كثير؛ فأنت -مثلاً- ممكن أن تدعو إلى الله أو تناصح في الأسواق، فالبعض يقول: أنا إذا دخلت السوق أخشى أن أفتن أو أفتتن لما أرى من المفاسد والفساد وصوره المختلفة فأخشى لو ذهبت لتأثرت، وربما يقول: أنا ذهبت وتأثرت فعلاً، ولكن حماني الله وأخشى أن أكرره. فنقول: هناك مجالات أخرى، وكل بحسبه، فهذه القاعدة الأساسية في هذا المقام.

стр. 296

حكم النظر إلى المواقع الإباحية السؤال أنا ممن استخدم الإنترنت في بداية الأمر من باب الفضول والاطلاع، وذلك للاستفادة من المواقع، ولكن وقعت في بعض المواقع الإباحية فأصبحت أنظر إليها ولم أستطع التخلص منها إلا نادراً، فأرجو النصيحة لي ولمن هو على شاكلتي؟ الجواب الإنسان مجبول على حب الفضول، لكن تبقى قاعدة مهمة هنا وهي أن هناك خطوط حمراء ينبغي أن لا يتجاوزها الإنسان؛ لأن النظر سيحاسب عليه الإنسان، والسمع سيحاسب عليه الإنسان، وعلى الإنسان أن يعي ويعلم أنه إذا نظر إلى المواقع الإباحية فإنه يتشبه بالفساق والمنحرفين والضلال والمغنين والممثلين، فإنه سيكون في منزلتهم لأنهم لا ينظرون إلا إلى أمثال هذا الفساد. فينبغي استغلال هذا الإنترنت في الخير وبذل الدعوة إليه وإمضاء الساعات الطوال في نشر هذا الخير، والاستماع إلى المحاضرات والدروس التي تستمر الساعات الطوال في الإنترنت، ونتيجة ذلك الخير العظيم ونشره بين الناس، وعندما ينظر الإنسان في هذا الجانب سيعلم أنه بذر بذرة صالحة لا ثمرة فاسدة في قلبه، ويستقيم قلبه بعد ذلك شيئاً فشيئاً.

стр. 297

ضوابط الدعوة إلى الله تعالى على الإنترنت السؤال هذا سائل يقول: ما هي شروط الدعوة إلى الله على الإنترنت؟ وهل هي لكل أحد؟ الجواب لا، ليست لكل أحد، لا بد من وجود ضوابط وعلى رأسها الإخلاص لله ومراقبته في هذا الأمر وفي هذا النظام. أما قضية أسلوب التعامل مع الإنترنت وكيفية التواصل مع الآخرين لنشر الخير فيهم، فإذا كان هناك إخلاص ومراقبة لله وأسلوب رائع في التعامل مع هذا الجهاز ومع من يقصد الجهاز فستكون هناك -إن شاء الله- ثمار حسنة متعددة وكثيرة لا يعلمها إلا الله .

стр. 298

كيفية الترشيح للمواقع الإلكترونية السؤال ما هو الترشيح الذي يمر به الخط؟ وهل يمكن المعاقبة القانونية على الإنترنت؟ وهل يمكن عمل موقع لفلسطين؟ الجواب أي إنسان يمكن أن يفتح موقعاً، وهذا الموقع قد يكون صالحاً وقد يكون فاسداً، والموقع الفاسد قد يكون فاسداً أخلاقياً أو فكرياً أو عقدياً أو أي نوع من أنواع الفساد، فمدينة الملك عبد العزيز جزى الله القائمين عليها خير الجزاء لهم جهد مشهود في هذا المقام، فهم يغلقون مئات المواقع يومياً حتى لا يتأثر بها الأشخاص الذين يفتحونها، فممكن أن تدخل وتطلب أي موقع ضال فكرياً أو منحرف أخلاقياً وتطلع عليه ويترتب على ذلك أنواع من الفساد، وممكن أن تأخذ من هذا الموقع وتصور منه أو تنقله إلى جهازك كالصور والأفلام والمقالات وسيكون في هذا دعوة إلى نشر الشر والرذيلة. فهذه المدينة تعمل مثل الحجر على هذا الموقع، فأنت عندما تكتب اسم الموقع فإنه يمر على الشركة ليزوده ثم ينتقل إلى المدينة والمدينة عندها قائمة سوداء في هذا الموقع فتعطيك لوحة وهي: عذراً لا يمكنك الدخول إلى هذا الموقع! فعند ذلك تتوقف ولا تدخل هذا الموقع. عمل مواقع لفلسطين فهناك مواقع كثيرة لفلسطين فيها أخبار وصور متعددة لجهودهم وجهادهم وحربهم ضد اليهود وليست موقعاً واحداً، فمن يفتح موقع (ردادي) سيطلع على مواقع فلسطين وإندونيسيا والشيشان وغيرها من المواقع التي تعطي الأخبار بالتفصيل أولاً بأول.

стр. 299

كيفية إرسال المطويات الدعوية عبر الإنترنت السؤال عندما أريد إرسال مطوية دعوية هل تكون عن طريق التصوير الفوتوغرافي أو الطباعة أو مادة مسجلة؟ وكيف تعمم هذه المطوية على الإنترنت؟ الجواب تستطيع أن تدخلها بالتصوير الفوتوغرافي أو بالإسكنر أو بالصوت أو بالصورة المرئية، وكل هذه تستطيع أن تدخلها بالبريد الإلكتروني وفي لحظات، فيطلع عليها من شاء في أي لحظة وفي أي مكان بدون أي تكاليف. فمثلاً: هناك كتب تخرج إلى الساحة وتكون ظاهرة في بلاد بعيدة ولكي تنقل هذه الكتب إلينا وتباع ربما تحتاج إلى أيام بل شهور، لكن الإخوة هناك أول ما يخرج الكتاب وإذا بهم يدخلونه في الإنترنت، ويقولون: الكتاب موجود لدينا فهل تريد منه نسخة؟ أقول: نعم، وفي ظرف ثلاث دقائق أو دقيقتين وإذا بالكتاب موجود عندي، أستطيع أن أنسخه، وأستطيع أن أصدر أمراً للطابعة أن تطبع لي الكتاب وفي ظرف دقائق وإذا بالكتاب أمامي، فآخذه وأذهب إلى مكان تجليد وإذا بالكتاب في ظرف بسيط أمامي وهو قد طبع وهو لم يخرج في لندن -مثلاً- إلا قبل ساعة. فهذه إمكانية متاحة وسهلة موجودة.

стр. 300

أهمية الاستفادة من خبرات الآخرين في الدعوة عبر الإنترنت السؤال أنا شخص من الذين يدعون إلى الله عبر الإنترنت، وأنا من الذين لا يملكون علماً وافراً في علوم الشريعة فبعضهم قال: أغلق المحل إذا لم تعرف الحكم في ذلك، فهل علي في ذلك أثم؟ الجواب طبعاً عليك بالاستفادة من جهود الآخرين، ويجب أن يكون هناك تعاون بينك وبين غيرك، وأنت بالتعاون قد تأتي بنتيجة أفضل مما هي موجودة الآن بالنسبة لك، وخاصة إذا كان المتعاون معك ممن يجيد لغات الآخرين.

стр. 301

بعض المواقع الإسلامية على الإنترنت السؤال نريد أن تذكر لنا بعض المواقع الإسلامية على الإنترنت؟ الجواب المواقع الإسلامية كثيرة جداً وغالب المشايخ لهم مواقع في الإنترنت، فمثلاً: الشيخ ابن باز رحمة الله عليه له موقع، والشيخ ابن عثيمين له موقع، والمنجد له موقع، والشيخ علي القرني له موقع، ومحمد الشنقيطي له موقع، ومحمد الدويش له موقع، والشيخ عبد الرحمن المحمود له موقع وغيرهم. وهنالك مواقع أخرى فمثلاً: إسلام تودي، وإسلام أون لاين، وإسلام وي، وكلها مواقع كثيرة وعجيبة جداً، وتستطيع أن تبحث عنها في موقع بحث اسمه أيمن، فتكتب فيه إسلام أو الإسلام باللغة العربية، وسيعطيك مئات المواقع التي تتحدث عن الإسلام وبعضها قد يكون خيراً وبعضها قد يكون داخلاً تحت مسمى الإسلام لكنه منحرف تماماً عن الإسلام، فهذه المواقع كثيرة جداً ومتعددة. وبعض المواقع التي أشرت إليها في السابق قد تعطيك إحالات إلى مواقع أخرى.

стр. 302

نصيحة لطلاب المدارس الذين يمضون أوقاتهم في مواقع الإنترنت السؤال أنا طالب في الصف الأول المتوسط، هل أستطيع أن أدعو إلى الله في الإنترنت؟ الجواب لا، اجعل وقتك يمضي في التعلم وطلب العلم وستلحق الركب إن شاء الله فيما بعد، عندما تكون قاعدتك قوية وخلفيتك أقوى إن شاء الله.

стр. 303

الهندوسية [١] الهندوسية ديانة باطلة وخطرها على العالم الإسلامي ملموس، وقد نشأت هذه الديانة نشأة خاصة بها منذ قديم الزمان، وهي على أطوار عدة في نشأتها وتغيرها، حتى انتهت إلى الاكتفاء بكتابها المقدس الويدا، وهو ملخص من الكتب الهندوسية في العصور القديمة، وتظهر الطبقات بين الهندوسيين بشكل يثير الدهشة.

стр. 304

نشأة الديانة الهندوسية الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد الأمين، وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد: فإن الهندوسية ديانة تشغل حيزاً كبيراً جداً من الكرة الأرضية، ولها جهود ليست باليسيرة في سبيل الدعوة إلى مناهجها، ولها جهود ليست باليسيرة كذلك في سبيل حرب الإسلام والمسلمين، بل لها الأثر القوي في بروز كثير من الفرق والمذاهب التي تتسمى باسم الإسلام أو تندرج تحت مسمى الإسلام. إن الكتاب الذين كتبوا حول هذه الفرقة يكادون يعدون بالأصابع؛ لأنهم قلة قليلة فليس هناك كتابات مميزة عن هذه الديانة، بل الهندوس أنفسهم لم يكتبوا عنها من الناحية التاريخية، باعتبار أن أوائلهم لم يكونوا يهتمون بالجوانب التاريخية، فلا يعرف لنشأة الهندوسية تاريخاً محدداً أو زمناً معيناً، إنما القضية مجرد معرفة كلية وليس هناك معرفة جزئية، بمعنى: أنها نشأت قريباً من القرن الفلاني أو حول القرن الفلاني أو قبل كذا أو بعد كذا، إنما ليس ذلك تاريخاً سليماً صحيحاً كالتواريخ التي تنسب إليها الديانات الأخرى، فالبوذية مثلاً نستطيع أن نقول: إنها نشأت في القرن الفلاني، بل وفي السنة الفلانية، والإسلام كذلك نستطيع أن نقول عنه: أنه نشأ في اليوم الفلاني وفي الشهر الفلاني وفي السنة الفلانية، أما الهندوسية، فالتعامل معها بمئات السنين، ولذلك بعضهم يقول: إنها نشأت في عام ١٥٠٠ قبل الميلاد، والبعض يقول: في عام ٢٠٠٠ قبل الميلاد، والبعض يقول: في عام ١٠٠٠ قبل الميلاد. إذاً: لدينا ١٠٠٠ سنة وهو رقم ليس باليسير، لذلك لا يعرف في أي وقت نشأت هذه الديانة، إنما نأخذ التاريخ المتوسط وهو ١٥٠٠ قبل الميلاد، فتكون هذه الديانة نشأت -جمعاً بين هذه الآراء الثلاثة- في سنة ١٥٠٠ قبل الميلاد.

стр. 305

كيفية نشأة الديانة الهندوسية كانت منطقة الهند عبارة عن منطقة زراعية وخصبة، إلا أن الذين يعيشون فيها، كانوا بدائيين وكانت القبائل قبائل بدائية، وكان يغلب عليهم طابع العبادة السلطنية، -أي: عبادة القوة-، وتمثيل هذه القوة بسلطان يمثلها، يعجبون بالأسد فيعبدون صورة الأسد، يعجبون بالفيل فيعبدون صورة الفيل، يعجبون بالشمس فيعبدون صورة الشمس، يعجبون بالقمر، بالسماء بالكواكب بفلان من الناس، ببطل معين أو بشيء معين، بل بأكلات معينة، فإذا كانت تعجبهم الأكلة الفلانية يعبدون هذه الأكلة، عن طريق تمثيل صنم يمثلها، حتى وصل الأمر بهم إلى أن يعبدوا أجزاء من جسد الإنسان، يعجبون بكذا من جسد المرأة فيصورونه ويعبدونه، ويعجبون بشيء من الرجل فيعبدونه ويصورونه في معابدهم على أنه إله. إذاً: وجدت هذه الديانة قبل ١٥٠٠ سنة من الميلاد، يعني: قريباً من (٣٤٠٠) أو (٣٥٠٠) سنة من الآن، وكانت هذه هي عبادتهم، وكانت هذه القبائل عبارة عن قبائل صغيرة تعيش كل قبيلة لوحدها، وكان التناحر والتقاتل بينهم وارداً على نمط الغزو القبلي المعروف. في هذا الوقت كان هناك مجموعة من القبائل أرادت أن تبحث عن منطقة خصبة جميلة مريحة لها، فأرسلت مجموعة من الأشخاص لكي يكتشفوا المناطق، وكانت هذه القبائل تسمى القبائل الآرية، وهي التي يدعي هتلر الزعيم النازي المعروف الانتساب إليها، وكان يقول: إن أفضل الشعوب هو الشعب الآري، ثم يقسم بقية الشعوب إلى درجات إلى أن يصل إلى العرب وهو قبل الأخير ثم اليهود، فاليهود هم في ذيل القائمة، وقبلهم العرب، ثم بعد ذلك مجموعة كبيرة من الشعوب في حدود (١٤) شعباً، ثم الذين في القمة هم الشعب الآري الذي ينتسب إليه. هذه الشعوب الآرية قيل: إنها تعيش في أواسط آسيا، أو بمعنى أخص في المناطق الجنوبية من الاتحاد السوفيتي الآن، وقيل: إنها كانت تعيش في النمسا والمجر وبلغاريا وغيرها، وقيل: إنها كانت تعيش في إيران والعراق. هذه القبائل هاجرت من مناطقها بحثاً عن النعيم والدفء، والمياه الدافئة، فأرسلت استكشافات وصلت إلى الهند، ورجعت إلى قبائلها وقالت: إن هناك مناطق جميلة وخصبة وليس فيها إلا عدد بسيط من القبائل السود، فقد كان اللون الأسود يغلب على تلكم الشعوب، فاتجهت هذه القبائل في رحلة طويلة استمرت ثلاثمائة سنة، يعني: كانت تصل على دفعات وذلك حين كانوا يسمعون الأخبار، فعندما وصلت الدفعة الأولى كانوا يتراسلون بطريقة أو بأخرى بأنهم وجدوا كذا وكذا، فتأتي قبيلة أو فرع للقبيلة وهكذا شيئاً فشيئاً. وكانوا يأتون إلى الهند ومعهم ثقافاتهم ودياناتهم وقوتهم، ومعهم الحضارة التي لم تكن موجودة قبل ذلك في الهند، فلما وصلوا إلى الهند قوبلوا بقوة من قبل هذه القبائل، لكنها قبائل بدائية، والحرب بدائية، والاتجاه التنظيمي في الحرب بدائي، أما هذه الدفعات فهي منظمة ومرتبة، فاستطاعت أن تستأصل هذه القبائل بأسرع وقت، ثم سيطرت عليها، لكنها وجدت أن هذه القبائل كثيرة بحيث يستعصي على الإنسان أن يقضي عليها، خاصة أن هذه القبائل عندما رأت الانهزام المتتالي بالنسبة لجيوشها أو لتجمعاتها بدأت تستخدم حرب العصابات، وبدأت تستخدم الانطواء في الجبال والاختفاء في الغابات، فخشي هؤلاء الآريون من هذه القبائل، فأرادوا أن يندمجوا معها بطريقة معينة بحيث تسير الحياة بعد ذلك السير الذي يريدون. وهذه القبائل الآرية التي قدمت على أرجح الأقوال أنها قبائل كانت تعيش في أواسط أوروبا الشرقية، أي: في النمسا والمجر وبلغاريا وتشيكوسلوفاكيا وغيرها، ويقولون: إن السبب في هجرتهم: أن مناطقهم أصيبت بجفاف وهاجروا إلى الشرق وإلى الغرب، فالذين هاجروا إلى الشرق استوطنوا جزءاً من إيران والعراق والهند، والذين هاجروا إلى الغرب استوطنوا جزءاً من مناطق أوروبا وخاصة ألمانيا والمناطق التي في شمال ألمانيا من أمثال هولندا وبلجيكا وغيرها. هذه القبائل عندما هاجرت كانت تمر على قبائل ذات ديانات معينة، فتأخذ وتستفيد منها، وتفيد كذلك الآخرين بدياناتهم، وعندما وصلت إلى الهند وسيطرت عليها كان مجال هذه القبائل فيما يتفق في العبادات منصباً على تقديس القضايا الكلية فيما يرتبط بالطبيعة، فما كانوا يقدسون إلا المسائل الكبرى، فكانوا يقدسون الشمس والقمر والسماء والكواكب والسحاب والبرق والرعد والمطر، لكن لا يقدسون الأسد والفيل والأكلة الفلانية والجهاز التناسلي الفلاني أو غير ذلك، فوجدوا أن الشعوب الهندية لم ترضخ لدياناتهم، فاتفقوا -بما أنها ديانات وضعية- على أن يدمجوا هاتين الديانتين ببعضهما، فصار هناك اندماج في الديانتين: الديانة الهندية القديمة، والديانة الآرية، فخرج لنا ما يسمى بالديانة الهندوسية. إذاً: الديانة الهندوسية: عبارة عن خليط بين ديانة الآريين التي تنصب على تقديس القوى الطبيعية، وبين ديانة الهنود القدماء التي تركز في الغالب على الأشياء التي يحبها أهل الهند القدماء. وبعد فترة من الزمن تطور الوضع وصار هناك نوع من الاندماج، إذ وجد الآريون أن هؤلاء الهنود السود أو السمر بدءوا يسيطرون على جزء من إمكانات البلد بحكم الخبرة والمعرفة، فخشي هؤلاء القلة من الآريين أن يسيطر هؤلاء عليهم؛ فيذوب هذا الشعب الآري في الشعب الهندي، بمعنى: أن الكثرة تغلب الشجاعة مع الوقت، فأرادوا أن يجعلوا هناك نظاماً دقيقاً في العمل ومهاماً معينة في العبادات ومهاماً معينة في الارتباط بالآلهة، إلى آخر ذلك، فبدءوا في كتابة بعض الأفكار حول هذه المسائل، وسميت هذه الأفكار فيما بعد بالفيداأو الويدا، والويدا هذا هو أعظم الكتب المقدسة عند الهندوس. إذاً: يقال له: الفيدا والويدا، ينطق باللغتين والويدا: باللغة السنسكريتية-لغة هندية قديمة- ومعناها: القانون أو الحكمة، فبدءوا يسطرون هذه القوانين أو الأحكام، والمراد منها: إعطاء الطبقة الآرية أو الجنس الأبيض ميزة تخالف ما لدى الطبقة السوداء، ولذلك تلاحظون أحياناً أن هناك بعض الهنود لونه أبيض، وبعض الهنود لونه أسود وهناك تفاوت، وهناك طبقات بين هذا اللون وهذا اللون. طبعاً هؤلاء لو دققت فيهم وساءلتهم، ربما تجد أن اللون الأبيض ينتسب إلى الآريين في الأصل، وهو لا يعرف أنه ينتسب إلى الآريين أو لا يقول ذلك، لكن ينتسب إلى فرقة أخرى سنذكرها، أما الأسود فينتسب إلى الهنود القدماء. طبعاً بدأت كتابة هذه القوانين التي تعطي الأقلية الامتيازات المتتابعة؛ إلى أن تضخمت وكبرت، فصار حفظ هذه القوانين في القلب صعباً، فقالوا: لابد من تدوينها وكتابتها، فبدءوا بتدوين ما يسمى بكتاب الفيدا، وقيل: إن التدوين استمر عشرة قرون -يعني: ١٠٠٠ سنة- وتدوين هذا الكتاب المقدس عند الهنود متواصل، إلى أن ختم بقرار من المجلس الأعلى عند الكهنة الهندوس على أنه لا يمكن إضافة شيء على هذا الكتاب، ولو لم يختم بهذا القرار لاستمرت الإضافات على هذا الكتاب، وهو كتاب ضخم جداً يشكل عدداً كبيراً من المجلدات. طبعاً ولم يترجم هذا الكتاب إلى اللغة العربية، وهو موجود في كثير من المكتبات الجامعية باللغة الهندية القديمة أو اللغة السنسكريتية. ولو قارنا الآن بين ديانة الهنود الموجودة حالياً مع ما كتب في الويدا مسبقاً لوجدنا كثيراً من الاختلاف والتغير والتعديل، السبب في ذلك أنها ديانة بشرية، والديانة البشرية خاضعة لإيرادات البشر ولآرائهم وأهدافهم، فكل فرقة أو كل تجمع أو كل عصر يضيف ويعدل ما يشاء حسب أهواء هذا العصر واتجاهاته، ولذلك تجد أن هناك آلهة كانت تعبد قبل ٣٠٠٠ سنة ليست لها وجود الآن، وتجد أن هناك أصنافاً تعبد الآن ليست موجودة في الكتب القديمة، وهذا في حد ذاته يبين تهافت هذه الديانة. من هذا الكلام بأجمعه يتضح لنا أن الهندوسية ليس لها مؤسس معروف، بمعنى لا تنسب إلى مؤسس، لكن الإسلام أسسه المصطفى ﵇، والمسيحية أسسها عيسى، واليهودية أسسها موسى، والحنيفية أسسها إبراهيم، والبوذية رجل يدعى بوذا، والجينية كذلك لها رجل، أما الهندوسية فليس لها رجل معين من الممكن أن نقول: له الدور القوي في بروزها وظهورها، لكن هناك رجال اشتهروا بتجديدها أو إعطائها روح الحيوية بعد أن كادت تموت، أما أن هناك مؤسساً لها فليس هناك مؤسس، كما أن كتاب الويدا الذي هو أعظم كتب الهندوس ليس له كاتب، أو لا ينسب إلى شخص معين، بل كل هذه الكتابات كتبت على مر القرون المتتابعة، وهذه الكتابات فيها تناقضات ليست باليسيرة؛ لأن ما كتب الآن مثلاً أحياناً يخالفه ما كتب بعد ٥٠٠ سنة أو ١٠٠٠ سنة، ومع ذلك أبقي ولم يعدل، ولذلك هناك تناقضات صريحة داخل هذا الكتاب.

стр. 306

أطوار الديانة الهندوسية إنك لا تستطيع أن تستوعب المنهج العقائدي إلا بعد أن تربطه بماضي هذه الديانة وأساسها وأساس نشأتها، فأنت تعرف عن الإسلام كيف نشأ وكيف بدأت الدعوة الإسلامية، وما هي جهود الرسول ﵇ في ذلك وجهود الصحابة والتابعين ومن بعدهم، كل هذا معروف بالنسبة لك، وتعرف كذلك التشريعات والعقائد، ونحن سنسير على نفس المنهج بالنسبة لهذا الأمر بما يرتبط بالهندوسية.

стр. 307

الطور الأول العصر الوزيري الأول سمي بالعصر الويدي الأول نسبة إلى كتاب الويدا الذي هو الكتاب المقدس الأول عند هؤلاء، ومبدأ هذا العصر من سنة ١٥٠٠ قبل الميلاد، وهذه البداية بدأت أولاً عند دخول الآريين إلى الهند، ثم الاندماج الآري الهندي، ثم بعد ذلك بدء كتابة القواعد والقوانين العقائدية التي كان الهدف الظاهر منها هو تأصيل الديانة وكتابتها، أما الهدف الباطن منها فهو إضفاء الحقوق وحصرها في الآريين، حتى لا تختلط مع حقوق الهنود السمر الذين هم الهنود الأصليون، فكانت البداية بهذه الصورة، وفي هذا العصر اخترعت آلهة جديدة غير الآلهة الموجودة عند الهنود والموجودة عند الآريين، فجاءونا بأسماء آلهة: الإله أغنى، والإله أندرو والإله رودرا، وآلهة كثيرة جداً بالعشرات، وكل إله يمثل منهجاً، ولذلك وجد الهنود في آخر آمرهم أن لكل حركة أو سكنة تعمل مهما قلت إله، ولذلك وصل عدد الآلهة إلى أكثر من أربعمائة مليون إله، كل إله يختلف عن الإله الثاني في الهند، هذا إله النصر، هذا إله الحب، هذا إله العداوة، هذا إله الحكمة، هذا إله الصبر، هذا إله الكتابة، وهذا إله القراءة، هذا إله كذا، فأي حركة أو سكنة في هذا الوجود يجعلون لها إلهاً، ففي العصر الويدي الأول بدأت هذه الفكرة، ولم تنته إلا قبل عصر دخول الإسلام، فبدأ هؤلاء الهنود يجعلون لكل حركة من حركاتهم إلهاً يمثل هذه الحركة، حتى الحركات البسيطة التافهة تجد أن لها إلهاً كذلك، مثلاً: إله الأكل، إله الشرب، إله النكاح، إله الغسل، إله تقليم الأظافر، وإله القيء، فمثلاً: إنسان أصيب بداء القيء فإنه لا يذهب إلى إله الحكمة ولا إلى إله النار، بل يذهب إلى إله القيء، ويطلب منه أن يشفيه من هذا القيء الذي أصابه، إذاً: جعلوا لكل حركة إلهاً وجعلوا لها أسماء، ولذلك يقولون: إنه لا يوجد الآن إمكانية لحصر هذه الأسماء، ومعلوم الآلهة كانت تنشأ أول الأمر بشكل كبير، يعني: الصنم يكون ضخماً جداً وله معنى، ولكن وجد الناس أن الإنسان إذا أصيب بقيء معين من الصعوبة أن يذهب إلى القرية الفلانية لزيارة هذا الصنم وطلب الشفاء من هذا المرض، فماذا فعلوا؟ قالوا: يمكن للأسرة أن تعمل صنماً بدائياً صغيراً يمثل هذا الإله، فصارت كل أسرة حسب حاجاتها تجعل هناك أصناماً، ولذلك تجد عند الهندوس أحياناً دالوباً كبيراً جداً فيه عشرون أو ثلاثون أو أربعون صنماً، وكل واحد مخصص لعملية معينة، فلو افترضنا أن الرجل أصيب بأمر معين ولا يوجد الإله المخصص له في هذا الدالوب، فإنه مباشرة إن كان غنياً أو عنده قليل من المال ذهب إلى السوق واشترى إلهاً صنماً إما من الخشب وإما من البلاستيك، وإما من الخرق أو غير ذلك، ويكتب عليه مباشرة أنه إله الشيء الفلاني ويضعه في الدالوب، وبذلك يكون قد حدد إلهه فطلب منه أن يشفيه من هذا المرض. إذاً: اشتراه ثم سماه؛ لأنه كان مجهولاً أولاً، فتجده يشتري وصلة واحدة من بلاستيك مثلاً ويصنع عشرات الآلاف من هذه الوصلة، فيأخذ الإله ويجعل له اسماً، إله كذا وكذا، ثم يضعه في الدالوب، فإذا احتاج إليه توجه له في طاعة أو في حروب أو في غير ذلك.

стр. 308

الطور الثاني مرحلة التدوين لكتاب الويدا أما العصر الثاني: فهو مرحلة التدوين للكتاب المقدس الذي يسمى الويدا، ومرحلة التدوين هذه تمت على أيدي مجموعة من الآريين الذين اجتمعوا في اجتماع قوي وكبير جداً، فبدءوا يناقشون وضعهم وأنهم أقلية، وأنه من الممكن أن يندمجوا داخل هذا المجتمع فيضمحلوا ويزولوا، فاقترحوا أن تكتب الأفكار التي بدأت تنشر بين الناس في كتاب، ثم يعطى هذا الكتاب هالة من القدسية العجيبة، بحيث إن كل من سمعه أو قرأه أطاعه طاعة عقائدية، فاتفقوا على كتابة هذا النظام، الذي هو نظام الويدا أو آراء الويدا. ولم يضيفوا في الويدا فقط مجرد إدراج تقديرهم واحترامهم لا، بل أضافوا فيها قضايا الآلهة والعبودية والقرابين وعبادة النار والتناسخ والحلول ووحدة الوجود كما سنعرف، وأضافوا فيه حقوق كل طبقة من الطبقات، ثم أخرجوه للناس على دفعات قليلاً قليلاً، ثم اندثرت هذه الفئة وجاءت فئة أخرى بعدها فأضافوا عليه وهكذا إلى أن تدون واكتمل هذا الكتاب، وهذه المرحلة استمرت طويلاً، يقولون: استمرت أكثر من ستة إلى سبعة إلى ثمانية قرون، وتعد من المراحل الطويلة ضمن هذه الديانة.

стр. 309

الطور الثالث مرحلة تلخيص الويدا بعد أن انتهت كتابة الويدا واكتملت تحددت الطبقات: طبقة البراهمة وطبقة الجند المحاربين وطبقة الزراع والتجار وطبقة المنبوذين. والمنبوذون هم أهل الهند القدماء، وأعطي لكل طبقة عمل، فالبراهمة هؤلاء هم الكهنة الذين يقومون على المعابد ويأخذون القرابين والنذور، واستطاعوا بذلك أن يسيطروا على بقية الطبقات. والطبقة التي تليها: طبقة الجند المحاربين، وهي من بين الطبقات التي تعد من الفرقة الآرية أو التجمع الآري، لكنها من قبائل ضعيفة أو موالية أو ممن أخذهم الآريون معهم عندما قدموا إلى الهند. أما طبقة الزراع وطبقة المنبوذين فهم أهل الهند القدماء، فإذا رأوا رجلاً جيداً ونشيطاً وغير ذلك من الهنود القدماء، جعلوه في طبقة الزراع والتجار، وبقي البقية الباقية في طبقة المنبوذين. هذه الطبقات عندما ظهرت وتأصلت في مرحلة تدوين الكتاب، بدأ بعض المنبوذين وبعض الزراع والتجار يملون، فحصل نوع من الثورة على الكتاب المقدس، وقد قادها مجموعة رجال من الزراع والتجار والمنبوذين، وذلك عندما أخذوا الكتاب المقدس غصباً؛ لأنه محرم عليهم أن يقرءوه أو يسمعوه، حيث إنه إذا ثبت أن أحد طبقة الشودر -وهي الطبقة المنبوذة- سمع عمداً كلاماً للويدا فقطعت أذناه، ومن تكلم به قراءة قطع لسانه، بسبب ذلك أخذوه ولخصوه وحذفوا منه كل ما يمت إلى الطبقية بصلة، وأخرجوه للناس ونشروه فضعفت الهندوسية. إذاً: مرحلة تلخيص الويدا نستطيع أن نقول: إنها بداية مرحلة ضعف الهندوسية، فتأصل الضعف في المرحلة الثانية أو في العصر الثاني الذي هو عصر الضعف الهندوسي، وعصر الضعف الهندوسي هو عصر الإلحاد، وذلك بعد أن انتشرت هذه الكتابات التي لخصت كل ما يمت إلى الويدا بصلة، وحذفت منه كل ما فيه تمييز للطبقات، لا أقول الإلحاد الذي نعرفه نحن، إنما الإلحاد بالنسبة للهندوس، وهو أنه وجد أناس كفروا بالآلهة، ولم يعترفوا بالأصنام ولا بالأوثان، بل ولا يعترفون بوجود آلهة أو إله لهذا الكون، فهم كفروا بالطبقية ونبذوها، وأرادوا أن يثبتوا أنفسهم، فحطموا المعابد والأوثان، بل وقتلوا البراهمة الذين هم قمة المجتمع عندهم. إذاً: هذا العصر ترتب عليه ضعف في النواحي العقائدية والنواحي السياسية، فصارت البلاد ضعيفة، وفي هذه الفترات الضعيفة وجد أناس مصلحون، رأوا الهندوسية على وشك الانهيار، فخرج رجل منهم بالمنهج البوذي، وخرج آخر بالمنهج الجيني، فالجينية والبوذية خرجت أثناء ذلك، فبرز المذهب البوذي وانضم له عدد كبير من الهندوس، وانضم عدد كبير آخر إلى المذهب الجيني. أما العصر الذي يليه فهو العصر الويدي الثاني يأتي بعد عصر الضعف الهندوسي، وذلك بعد أن رأى كثير من البراهمة ما فعل هؤلاء الثوار في دياناتهم بدءوا يفكرون في إعادة الهندوسية إلى أصلها الأول، فتجمع عدد من البراهمة وأنزلوا أنفسهم إلى درجة عموم الشعب، وقالوا: لا نريد شيئاً اسمه طبقات، لكن الآلهة والأصنام والأرباب لا بد أن تستمر، فبدءوا قليلاً قليلاً يدخلون في هذا المجتمع إلى أن نتج عن ذلك أن الناس بدءوا يعودون إلى الهندوسية مرة أخرى، وأخرجوا شروحات للويدا فيها سهولة في التفسير، وابتعدوا عن مسألة القسوة فيما يرتبط بالتشريع ضد بعض الفرق والعنف وغير ذلك، فتقبل الناس هذه الهندوسية المعدلة أو المجددة، وهذا العصر بدأ قبل الميلاد بثلاثمائة سنة، أو بمائتين أو بمائة وخمسين سنة حسب الآراء، طبعاً ليس هناك تاريخ ثابت، لكنهم يقولون: إنه قبل الميلاد أو قريباً من الميلاد حدثت هذه الحركة، ويقولون في مقولة أخرى: إن هذا العصر الذي هو عصر النهضة الهندوسية بدأ بظهور المسيح، فعندما ظهر المسيح وبدأت النصرانية تنتشر في أصقاع الأرض، بدأ الهندوس يستفيدون من الديانة النصرانية ويضيفون على دياناتهم، فأعطوها نوعاً من التجديد ونوعا من التغيير فتقبلها الناس. إذاً: العصر الويدي الثاني أو عصر النهضة كثير من العلماء يقولون: إنه لم يبدأ إلا بعد الميلاد بفترة يسيرة عندما تأثرت الهندوسية بكثير من القضايا النصرانية وخاصة التثليث، فعند الهنود كما سنعرف فيما بعد كثير من القضايا العقائدية التي تشابه تماماً ما عند النصارى، وهذا يؤكد هذا الرأي.

стр. 310

الطور الرابع عصر انتصار الهندوسية والقضاء على البوذية أما العصر الذي يليه فهو عصر انتصار الهندوسية والقضاء على البوذية، ونستطيع أن نقول: إنه عصر امتد إلى زماننا هذا، ولم تضعف الهندوسية فيه إلا قليلاً إبان الفتح الإسلامي، فظهرت الهندوسية وطردت البوذية من بلادها، وتجمع الهندوس في قيادات موحدة وحرب مركزة، وضغطوا على البوذيين ضغطاً قوياً فطردوهم من بلادهم، ثم بدءوا يركزون في مسألة نشر الهندوسية في أرجاء العالم، فبدأت ترسل الدعاة إلى ماليزيا وإلى إندونيسيا وإلى بنجلادش وإلى كشمير وإلى باكستان، بل وذهبوا إلى أوروبا وإلى أمريكا، فكان لهم دور في بروز الهندوسية مرة أخرى، وهذا كله قبيل ظهور الإسلام. ولذلك عندما تقرءون المعارك التي قادها المسلمون ضد هؤلاء الهندوس، تجدون أن الهندوس كانوا يحشدون قوات ليست باليسيرة، والسبب في ذلك قوتهم وتكاتفهم، لكن المسلمين ولله الحمد كانوا أقوى منهم فاستطاعوا أن يدمروهم.

стр. 311

الطور الخامس عصر دخول الإسلام وتراجع الهندوسية قليلاً أما العصر الأخير من عصور البراهمة فهو عصر دخول الإسلام وتراجع الهندوسية قليلاً. ففي عصر دخول الإسلام أوكل الوليد بن عبد الملك الخليفة الأموي المعروف إلى الحجاج بن يوسف أن يرسل الجيوش للتقدم شرقاً، فعين الحجاج بن يوسف محمد بن القاسم الثقفي ذلكم الفتى الشجاع، وهو قريب له قائداً لجيش ضخم واتجه هذا الجيش وافتتح شمال الهند، واستطاع أن يفتح أجزاء كبيرة من باكستان وشمال الهند بعد معارك ضارية، ثم توقف الفتح الإسلامي عند هذا الحد، وبعد ذلك بحوالي مائتين سنة أو أكثر جاء أحد الزعماء المسلمين من الدولة الغزنوية وهو محمود بن سبكتكين الغزنوي وهو رجل معروف بجهاده وقوته في دين الله ، وكان وقته قريباً من سنة ٤٠٠ أو ٣٩٠ للهجرة، هذا الرجل اتجه بحروبه إلى القضاء على الهندوسية، واتجه للقرى والمدن والهجر والمعابد يدمرها قرية قرية، ومدينة مدينة، وفعلاً كتب الله له الانتصارات المتتابعة إلى أن استطاع أن يدخل وسط الهند، وكان من ضمن ما فعله ﵀ أنه دمر أكبر معبد من معابد هؤلاء بعدما دُمِّر معبد الملتان، فهناك معبدان مشهوران في الهند، المعبد الأول: معبد الملتان وقد قضى عليه محمد بن القاسم، وهناك معبد اسمه معبد سومناه، وهو معبد ضخم جداً يقع في أواسط الهند استطاع أن يدمره محمود بن سبكتكين، وكان على هذا المعبد ١٠٠٠ كاهن يقومون بخدمة الصنم الموجود فيه، والزوار الذين يأتون إليه سنوياً يعدون بعشرات الملايين، وكان فيه من الكنوز والأموال والذهب الشيء الذي لا يمكن أن يحصى، وكان في مدينة حصينة جداً، فضغط محمود ضغطاً عجيباً، وكان قد قال له بعض الكهان: إنك لا تستطيع فتح هذه المدينة فهي محمية، فأصر على أن يفتحها، وحاصرها إلى أن دمرها وفتحها، واستطاع في هجمة واحدة أن يقضي على ٥٠٠٠٠ جندي هندوسي لقوته ﵀، إلى أن دخل هذا المعبد، ثم دخل عند الصنم، وكان مثيراً في شكله، كله ذهب ومعلق في الهواء، يعني: ليس على قاعدة ولم يعلق بحبال ولا غير ذلك، فاحتاروا فيه، بل يقول البعض: إن كثيراً من الجند الذين فيهم ضعف في إيمانهم أصابتهم الرهبة الشديدة من هذا الصنم؛ لأنه ضخم جداً ومعلق في الهواء، ما معنى ذلك؟ معنى ذلك: أن لديه قدرة أن يقف بهذه الصورة. فقال محمود: ابحثوا إن كان معلقاً بحبال غير مرئية واقطعوها، فأخذ أحدهم سيفه وطلع ورقى بطريقة معينة عليه وأراد أن يقطع الحبال فلم يجد حبالاً، فما عرفوا هذه الطريقة، لكن محمود ﵀ قال: أنا أتوقع أن هناك خدعة، فحكماء الهند يستطيعون أن يخدعوا الناس، اذهبوا إلى قبة هذا الصنم، فقد كان الصنم في معبد عليه قبة ضخمة، قال: واقلعوا جزءاً من اللبن الموجود على سطح القبة واحفروها، فحفروا وحفروا إلى أن أخرجوا اللبنة الأولى والثانية والثالثة ثم بدأ يتحرك الصنم، ويميل يميناً قليلاً قليلاً، فاستمروا في قلع اللبن حتى سقط الصنم؛ لأنه كان هناك أحجار مغناطيسية موضوعة على قبة الصنم، وهذا الصنم كان مغطى بغطاء داخلي من حديد، وعليه غطاء خارجي من ذهب، فوضعوه بشكل متوازن، بحيث لا يرتفع ولا يسقط، فعندما أبعدت هذه اللبنات سقط هذا الصنم. بعد أن جاهد في الهند محمود سبكتكين نشر الإسلام، فدخل تحت الحكم الإسلامي عدد كبير من الحكام الهنود، بل وكثير من الهندوس دخلوا في الإسلام، واستمر هذا الأمر فترةً من الزمن حتى ضعفت الهندوسية إلى أقصى درجة، لكن كان هناك فئات حافظت على نفسها وكانت في مدن حصينة أو بعيدة ونائية، أو في غابات ومعها كتابها المقدس، تنتظر فرصة الظهور، وعندما كانت الهند تحت الاستعمار الإنجليزي، قام الهندوس والمسلمون باتحاد لضرب الإنجليز، وفعلاً كاد الإنجليز أن يخرجوا من الهند نتيجة الضربات المتوالية، لكنهم قالوا: إن المسلمين الهندوس مختلفون في العقيدة، فلم لا نضرب بعضهم ببعض؟ وفعلاً ضربوا بعضهم ببعض، فقد أصلوا في الهندوس قضية أن الإسلام كذا وكذا وكذا، وبدءوا يشوهون صورته عند الهندوس، ويقربون الهندوس ويعطونهم الوظائف والعطايا المتواصلة والمتتابعة، وبذلك استطاع الإنجليز شراء الهندوس، فبدأ الهندوس يضربون المسلمين، وبدأ الإنجليز يدعمون الهندوس ويجعلونهم يتكاثرون، وكلما رزق أحدهم بولد أو غير ذلك أعطي مالاً حتى يكثر هؤلاء على حساب المسلمين، فكل من هجم أو ضرب مسلماً أو قتله فإن المسلم مهدور الدم ليس له قيمة، وأقيمت المجازر العجيبة اعتباراً من القرن الثامن عشر والتاسع عشر وأوائل القرن العشرين، فاستطاعوا أن يقلصوا عدد المسلمين بعد أن كانوا يشكلون الثلثين، فاستطاعوا أن يقلصوهم إلى أن وصل عددهم الآن (١٥%)، يعني: كانوا قبل ذلك يصلون إلى (٧٠%)، أما الآن فإن العدد (١٥%) أو أقل، وهذا بسبب جهود هؤلاء الإنجليز في دعمهم للهندوس. والإنجليز عندما أبرزوا الهندوس وأظهروهم ظهروا منظمين ومرتبين ومعهم كتابهم الويدا، الذي يحتوي على نفس نظام الطبقات ونظام الآلهة والأصنام وغير ذلك، فأعادوا كل شيء إلى مكانه، مع تطورات هم رأوها مناسبةً عندما كانوا في وقت انحسار إبان الفتح الإسلامي. فخرجت الهندوسية الآن قويةً متمكنة لديها إمكانات ليست باليسيرة، وعدد هائل من الجند والقوات والعتاد والمنعة وغير ذلك، وجهود ليست باليسيرة في سبيل نشر دعوتها في جميع أرجاء الأرض.

стр. 312

سبب بقاء الديانة الهندوسية وعدم اندثارها ما هو السبب الذي جعل الهندوس يبقون على دينهم؟ لماذا لم يندثر دين الهندوسية على مر العصور مع كثرة الضربات المتتابعة عليه؟ السبب في ذلك يعود إلى أن الهندوس لديهم ديانة متكاملة بصرف النظر عن أنها سيئة أو غير سيئة، فهي ديانة متكاملة، وعندهم عقائد مرتبطة بالألوهية والربوبية والنبوات والإلهيات والغيبيات والتنظيم الفقهي وتنظيم المجتمع والأحوال الشخصية، كل هذه القضايا موجودة عند الهندوس، وبالتالي بقيت عقيدتهم، فالعقائد التي تزول هي العقائد التي لا توفي بحاجة المجتمع، فإنه إذا جاءت عقيدة ناقصة تجاه مسألة تهم المجتمع فإن هذه العقيدة سرعان ما تتلاشى، فبقيت هذه الديانة لهذه الأسباب. كما أن من أسباب انتشارها أنهم كانوا يستغلون التجارة بالدعوة إلى المذهب الهندوسي، بل وجد في العصر الويدي الثاني مجموعة من الزعماء الذين حثوا التجار على الانتشار في بقاع الأرض، وخاصة في شرق آسيا لنشر الهندوسية، ولذلك انتشرت في إندونيسيا انتشاراً ليس باليسير، وفي ماليزيا كذلك. ومن ضمن الأسباب التي جعلت الهندوسية تنتشر: الكثرة الكاثرة من الهندوس في الهند، فالهند بلد ليس بالكبير جداً، فبدءوا يتضايقون من هذا الازدحام، وبالتالي حاولوا أن يبتعدوا عن هذا الازدحام إلى مناطق أخرى، فصارت هجرات متتابعة إلى إندونيسيا وماليزيا وشمال الهند في كشمير وبورما وبنجلادش وهجرات إلى أوروبا وأمريكا الجنوبية، فنقلوا مع هذه الهجرات الديانة الهندوسية، وهي موجودة إلى الآن في تلكم الدول، ولها دعاة وتنظيم ليس باليسير. هناك إحصائية في الحقيقة ذكرتها الشرق الأوسط، وهي إحصائية لا يستند عليها ولا يعتمد عليها باعتبار أن هذه الجريدة من الجرائد المشبوهة على الرغم من انتشارها، فقد ذكرت هذه الجريدة نسب الديانات في الهند كما يلي: (٧٥%) هندوس، و (١٣%) مسلمون، و (٢. ٥%) أو (٢%) سيخ، و (٤%) مسيحيون، والبوذيون يشكلون (١%)، اليانيون أو الديانة اليانية تشكل أقل من (٠. ٥%).

стр. 313

أصل الديانة الهندوسية هل للهندوسية أصل سماوي؟ يعني: هل الدين الهندوسي يرجع إلى ديانة سماوية، يعني: مثلاً الإسلام دين سماوي، واليهودية دين سماوي، والمسيحية دين سماوي، والمجوسية على أرجح الأقوال أنها دين سماوي، فهل الهندسية دين سماوي؟ هناك أربعة آراء حول هذه المسألة:

стр. 314

الرأي الأول أصل الهندوسية دين إبراهيم الرأي الأول: يقولون: أنها دين سماوي، لكنه حرف وغير وبدل فنسخ تماماً، فهي لها أصل من دين سماوي، قالوا: إن الديانة الهندوسية تسمى الديانة البرهمية، نسبة إلى براهمة، وبراهمة هذا هو إبراهيم ﵇، والآريون الذين جاءوا من النمسا والمجر، عندما جاءوا إلى الهند مروا في طريقهم بالعراق وإيران، وهذه مناطق تواجد ديانة إبراهيم، ووصلوا إلى الهند ومعهم ديانة إبراهيم أو جزء منها، وجزء من صحف إبراهيم، فنشروها وأضافوا إليها، وجعلوا بداية الويدا هي صحف إبراهيم، وأضافوا على هذه الصحف عدداً كبيراً من الأشياء فنتج لنا كتاب الويدا. إذاً: نظرة هؤلاء: أن الديانة ديانة سماوية، بل وإنها ترجع إلى الحنيفية، ولكن دخلها الخلل فيما بعد. طبعاً الذين قالوا بهذا القول هم أناس ممن يسمون بدعاة التقارب بين الأديان، فهناك الآن في الهند تجمع قوي جداً اسمه التقريب بين الهندوسية والإسلام، كما هو موجود في التقريب بين الشيعة والسنة، والتقريب بين النصرانية واليهودية والإسلام، ففي الهند التقريب بين الهندوسية والإسلام، ومن بعض تقريبهم قالوا: إن الإسلام هو ديانة إبراهيم، والهندوسية ديانة إبراهيم، إذاً: المرجع واحد والأصل واحد وبقي الفروع، والفروع هنا من الممكن أن نتفق عليها، أو أن نوجد حلاً وسطاً تجاهه. ويستدلون ببعض القصص الموجودة في الويدا، والتي هي موجودة في التوراة والإنجيل والقرآن، خاصة ما يرتبط بنزول آدم إلى الأرض، وما يرتبط بطوفان نوح، وما يرتبط بإهلاك بعض الأمم، يقولون: بما أنها موجودة في الويدا، إذاً: كتاب الويدا من أصل سماوي ابتداءً، بصرف النظر عما أضيف عليه وعدل فيه.

стр. 315

الرأي الثاني الهندوسية ديانة وثنية صرفة الرأي الثاني: إنها ديانة وثنية أرضية صرفة، ولا تمت إلى الديانات السماوية بصلة، وهؤلاء هم أكثر علماء الملل، ويقولون: إن الواقع يبين ذلك، فإن الآريين جاءوا ومعهم أصنام، والهنود القدماء كانوا يعبدون الأصنام، فضمت هذه الأصنام إلى بعضها البعض، فأصبحت هي الآلهة التي تعبد، ولم نجد تغيراً في الديانة الهندية على مر عصورها من الوثنية إلى جزء من التوحيد، مما ينبئ على أن الديانة الهندوسية ديانة وثنية صرفة من بدايتها إلى وقتها الحاضر، ولم يطفُ عليها التوحيد بأي صفة من الصفات وبأي صورة من الصور، وهذا الرأي قوي، وربما يعتبر من أقوى الآراء.

стр. 316

الرأي الثالث الهندوسية كانت وثنية ثم انتقلت إلى التوحيد الرأي الثالث: إنها كانت وثنية ثم انتقلت إلى التوحيد، ثم انتقلت إلى الوثنية مرة أخرى، وهؤلاء ليس لهم دليل على دخول التوحيد؛ لأنهم لا يستطيعون أن يأتوا لنا بفترة التوحيد التي يقصدونها؛ فإننا إذا أخذنا الويدا وجدنا فيه مجموعة كبيرة من الأصنام، وهو الكتاب الأول، وإذا أخذنا واقعهم الحالي وجدناهم يعبدون الأصنام. إذاً: بداياتها أصنام ونهاياتها أصنام، فهل الوسط يكون توحيداً؟! ليس لهم دليل. إذاً: هذا قول ليس مؤكداً، وبالتالي يقف أمامه الإنسان ولا يعقله ولا يعترف به.

стр. 317

الرأي الرابع التوقف الرأي الرابع: وهو السكوت عن هذه المسألة، ويقولون: ليس لدينا الدليل القوي على أن لها أصلاً سماوياً، وبالتالي السكوت هو الأولى، لكن نحن نحكم بالظاهر، أما قضية الأصول فالديانة لم تدون أصولها، وبالتالي لا نستطيع أن نحكم عليها، وقد سئل الشيخ ابن باز ﵀ عن ذلك، فقال: الله أعلم حول أصل هذه الديانة، لكن الظاهر لنا: أنهم وثنيون ويعاملون بحسب ظاهرهم، أما القديم فالله أعلم به، وبالتالي أن نسكت عن هذا الأمر هو الأصل، ولا نقول: إن لها أصل سماوي أو ليس لها أصل سماوي.

стр. 318

طبقات المجتمع الهندوسي لابد أن نعرف جميعاً أن الهندوس في الجملة يسيرون على نفس تيار المذاهب الأخرى والمناهج الأخرى في إيجاد طبقية داخل مجتمعهم، يعني: لا تكاد تجد ديانة إلا وفيها طبقية، فالمجتمع يقسم إلى طبقات، فاليهودية هي طبقات في عموم القبائل البدائية، كذلك عند الهندوس وعند النصارى وعند السيخ طبقية موجودة معروفة. أما الإسلام فليس به طبقية إلا عند الجهلة من المسلمين؛ لأن الله قال: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣]، والمصطفى ﷺ أوضح لنا ذلك، قال: (لا فضل لعربي على أعجمي ولا لأسود على أبيض ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى)، فالمسألة هنا مبتوت فيها وهي: أن التقوى مقياس العمل ومقياس الطبقية، فكلما كان الإنسان أكثر تقى كان أرفع من غيره، أما الطبقية بالنسبة للون أو الجلد أو الجاه أو المال أو الحسب أو النسب أو غير ذلك فهي ليست موجودةً في الإسلام، لكن عندما دخل التحريف لبعض قضايا الإسلام وخاصة فيما يرتبط بالأنساب وغيرها، وجدت هذه الطبقية، فهذا منزلته عالية وهذا أقل، هذه ليست من الإسلام في شيء، إنما ظهرت عندما انتشر الجهل، فإذا قل الجهل زالت هذه القضايا. ينقسم الهنود إلى أربع طبقات: الطبقة الأولى: طبقة البراهمة. والطبقة الثانية: طبقة الكشتري. والطبقة الثالثة: طبقة الويشا. والطبقة الرابعة: طبقة الشودرا. إذاً: هذه الطبقات سنستعرضها بإيجاز لنعرف فحوى كل طبقة.

стр. 319

الطبقة الأولى طبقة البراهمة الطبقة الأولى: البراهمة وهم الآريون الأول، أو يسمون أنفسهم بالمختارين أو النبلاء، فأول ما جاءت الآرية إلى الهند، وجدوا أنهم سيندمجون وينطوون تحت مجتمع في عمومه ويذوبون، فجعلوا لأنفسهم تميزاً فأعطوا لأنفسهم اسماً مستقلاً هو اسم البراهمة أو الطبقة النبيلة أو الطبقة المختارة أو الطبقة الآرية أو غير ذلك، ووقد ورد في قوانينهم المانو سميرتي حقوق هذه الطبقة، ومنها: من حقوق هذه الطبقة على الملك ألا يبغض البراهمة، حتى ولا في أوقات المصائب؛ لأنه إن فعل ذلك أباده البرهم، إما بجيشه أو مراتبه. إذاً: البرهمي له قدرة عجيبة حتى على إبادة الجيش؛ لأنه هو المختص أو المرتبط بالله. ويقولون: إن الطبقات الأربع خلقها براهمة وهو الإله الأقوى عندهم، فالبراهمة خلق الطبقة الأولى من رأسه ووجهه، وخلق الطبقة الثانية من كتفيه وعضديه ويديه، وخلق الطبقة الثالثة من فخذيه، لاحظوا الفرق في المسافة بين الفخذين واليدين، وخلق الطبقة الرابعة من قدميه، فيقولون: إن هؤلاء خلقهم براهمة من رأسه ومن وجهه، وهو أعظم ما في الإله، وبالتالي فهم في القمة، يقولون كذلك: وكيف ينجو من الهلاك من يغضب ذاك الرجل الذي جعل النار تهلك كل شيء، وجعل ماء البحار أجاجاً غير مشروب، وأنقص القمر وزاده. إذاً: البراهمة لهم القدرة كذلك على التصرف في أمور الكون! لاحظوا الهالة التي يريدون أن يضفونها على أنفسهم، وهي موجودة إلى الآن، يعني: لا تتوقعوا أن القضية قديمة، بل إنه إلى الآن الطبقية موجودة في الهند، ولذلك أحياناً تدخل بعض المدن فتجد رجلاً يملك آلاف الفدانات من الأراضي والقصور وغير ذلك، وتجد أناساً بجانبه في الشوارع يغتسلون من مياه المجاري ويأكلون من فضلات الطعام، وهذا بسبب الطبقية؛ لأنه فرض على هؤلاء -يعني: على الطبقة الأخيرة- كما سنعرف بعد قليل أنه لا يأكلون إلا من الفضلات، حتى إن بعضهم لا يأكل إلا من الفضلات تديناً. وقد قال أحد الإخوة: في يوم من الأيام سافرت إلى الهند لعمل، فسكنت في فندق من الفنادق يقول: وقرب الفجر قمت من النوم، فسمعت ضجة وكلاماً فنظرت من النافذة وإذا بصف من الناس لا ترى له طرفاً، فسألت الاستعلامات: من هؤلاء؟ فلم يخبرني، فبحثت حتى أخبرت بالسبب، قال: هؤلاء يجلسون الصفوف على فضلات الفندق، أي: كلما عبأ الفندق كيساً أو زبالة فيها شيء أخذها مجموعة يتقاسمونها إما ستة وإما خمسة، بحسب الاتفاق بينهم، وهذا الكيس إما أن يكون فيها أكل أو ليس فيها أكل، المهم أنهم يتقاسمون ما فيها أياً كان هذا الشيء، يقول: وكان هناك بجانب الفندق عدد كبير من القصور الضخمة، يقول: سألت أصحاب الفندق: لمن هذه القصور؟ قال: هذا قصر الكاهن، وهذا قصر المشرف على المعبد، وإذا كلهم داخلون تحت تصنيف البراهمة. يقول: وكيف يفلح من يؤذي ذلك الرجل الذي يستطيع أن يخلق عالماً آخر وآلهة يحفظونه؟ فانظروا يخلق هذا الرجل عالماً آخر ثم يخلق إلهاً يحفظه، يعني: يخلق إلهاً ليحفظه هو، وهذه من الأمور التي تضحك، باعتبار أنه هو الذي يخلق إلهاً، وهو الذي يستطيع أن يغير الأماكن العالية، ويستطيع أن يجعل إله القمر إله الشمس، ويغير إله الشمس إلى إله النجوم بحسب مزاجه ورأيه. فمن جاء بإيذاء للبرهمي فإنه سيتعرض لجملة مسائل من ضمنها قصر العمر، وقضايا كثيرة جداً. نحن قلنا: إن هؤلاء الآريين ميزوا أنفسهم أولاً بالصفة المعنوية أي: نحن ونحن ونحن، ثم الصفة المادية، إذ أرادوا أن يضفوا على أنفسهم صفات مادية معينة، فأي مال يكتسبه أحد أفراد الطبقة المنبوذة فإن للبرهمي الحق في الاستيلاء عليه حلالاً؛ لأن هذا رقيق ولا يمكنه أن يملك شيئاً، وإذا تعرض البرهمي إلى سب من الطبقة الرابعة فإنه يقطع لسانه، وإذا تعرض البرهمي لمناداة باسمه الصريح فإنه يقطع لسان من تعرض له، وإذا تعرض البرهمي إلى إيذاء في الطريق قطعت رجل الذي آذاه، بل يقولون: حتى لو وضع الشودري زنبيلاً أو ورقة في طريقه قطعت رجله، أي: الشودري هذا. إذاً: مجمل هذا الكلام يبين أن البراهمة الذين هم الآريون الأصليون الاستعماريون أرادوا أن يضفوا على أنفسهم هذه الهالة. إذاً: معنى هذا: أن المستعمر في الجملة يريد أن يفرض نفسه، وهذه قضية ليست عند الآريين فقط، بل هي عند اليهود الذين استعمروا فلسطين، بل عند المستعمر القديم الإنجليزي أو الفرنسي الذي استعمر البلاد العربية، يريد أن يفرض نفسه بهذا الأمر. فالطبقة الأولى هي طبقة البراهمة، وهي الطبقة التي يدعي أصحابها أنهم خلقوا من رأس الإله الذي هو براهما، ويقولون كذلك: إنه خصص لهم عمل وهو إدارة المعابد وتقديم القرابين وتلاوة الويدا وقراءته في المعبد، واستقبال الناس في المعبد وأخذ القرابين منهم، طبعاً الاستفادة منها فيما يخصهم هم، وكل من تعرض لهم بسوء فإنه يعاقب بعقوبات أضعاف أضعاف ما تعرض من السوء أياً كان الذي تعرض له، والبرهمي الصغير الذي يبلغ من العشر سنوات يعادل عشرات من الكشتر الذين يلونهم، حتى ولو كانوا كباراً، وحذاء البرهمي يعادل المئات من الطبقة الأخيرة الشودر وهناك نقطة استغلها بعض الهنود هناك، وهي أن المنبوذين يشكلون حوالي ٧٠ إلى ٨٠ مليون نسمة في الهند الآن، فالمسلمون الذين هم هناك استغلوا هؤلاء المنبوذين، فقالوا: انظروا هؤلاء هم أعيانكم لا يسمح لكم بقراءة الكتب المقدسة، ولا يسمح لكم بتكليمهم أو التحدث معهم أو مناقشتهم أو أو بل يهينونكم ويذلونكم وغير ذلك، وهذا جعلهم فعلاً ينفرون، فعندما عرض عليهم الإسلام استجابوا، ولذلك كثيراً ما تدخل قرى بأكملها في الإسلام نتيجة لذلك.

стр. 320

الطبقة الثانية الكشتري الطبقة الثانية: هي طبقة الجند المحاربين وهي طبقة الكشتريين، هذه الطبقة مهمتها أنها تحمي البلاد من الأعداء، وهذا في الظاهر، لكن الأصل أنها تحمي البراهمة من أن يعتدى عليهم، ولذلك تجدهم دائماً حراساً للبراهمة، وتجد كل برهمي معه أربعة أو خمسة أو ستة يسيرون معه لحمايته. يقولون: إن الكشتري خلقه براهما من ذراعيه ومن كتفيه. هؤلاء الكشتر بدءوا يحاولون أن يفرضوا أنفسهم، يعني: بقوة السلاح فهم قريبون من منطقة الخلق من اليدين كما يقولون وهؤلاء من الرأس، ففي هذه الحالة يمكن أن نثور على البراهمة، وفعلاً حصلت عدة قضايا فيها ثورة على البراهمة من قبل الكشتر، ولكن البراهمة كانوا ينفقون على الكشتر أموالاً ضخمة جداً يترتب عليها أنهم يرضون عما هم فيه من تدني الدرجة.
следующие страницы →