الوعظ المسيحي، لكن هذا التكييف لم ينشأ عن مجرد (حاجة جديدة) أحسَّ بها المجتمع الإسلامي، بل كان ضرورة نفسية، وإمكاناً فنياً متوافراً في ذلك المجتمع.
ولقد رأينا (الفارابي) ومدرسته في ميدان العلم والمعرفة ينقلون فلسفة أرسطو المادية إلى الفكر العلمي الإسلامي، ولكن بعد أن طبعوها بطابع إسلامي، كما رأينا من بعدهم (توماس الإكويني) ينزع عن فلسفة أرسطو طابعها الإسلامي كيما يطبقها على المجتمع المسيحي الذي كان يتهيأ بدوره للنشوء والارتقاء.
وها هو ذا العالم الإسلامي قد وقف منذ قرن يواجه مشكلة الاقتباس، مدفوعاً بحركة نهضته إلى الأخذ بكل جديد أو مقتبس، على حين تشده إلى الوراء أشكال من التقاليد البالية.
وهنا يجدر بنا أن نستخلص عوامل هذا القلق والعجز، كيما نزيدها وضوحاً؛ فبعض هذه العوامل متصل بمسألة الاقتباس من الحضارة الحديثة، فهو يواجهنا بمشكلة من طراز عضوي تاريخي، وبعضها الآخر يتصل بموقف المسلم إزاء مشكلات الحياة الراهنة، فالمشكلة على هذا نفسية منطقية.
أما المشكلة الأولى فينبغي أن نذكر بصددها أن الحياة الاجتماعية محكومة بقوانين خاصة بها، شأنها في ذلك شأن الحياة العضوية.
ومن حقائق علم الحياة أن عملية نقل الدم تخضع لشروط وقواعد دقيقة تنبغي مراعاتها، مخافة أن يؤدي الأمر إلى زلزلة الجسم المتلقي والفتك به، فليس كل عنصر من عناصر الدم بقابل ليحل محل الآخر، لا بين فصائله من اختلاف عضوي يرجع في الحقيقة إلى اختلاف الأبدان.
هذه الحقيقة ذات الطابع الحيوي صادقة فيما يتعلق بالمجال العضوي
стр. 72
التاريخي، فالعناصر الاجتماعية التي تسم الثقافات المختلفة ليست كلها قابلة للتداول.
وذلك ما استطعنا أن نلاحظه مثلاً في أمريكا عام ١٩٣٣، عندما فشل (تحريم الخمر)، فإن الأخذ المؤقت بنظام التحريم قد أحدث اضطرابا ًاجتماعياً لا يقل في خطره مما أحدثه الإدمان ذاته من فساد، على حين قد سن القانون لعلاجه.
ومع ذلك فلا يمكن القول إن ضمير الأمة الأمريكية، أو طبيعة تكوينها، كان أحدهما أو كلاهما متعارضاً مع (نظام التحريم)، كما لا يمكن القول إن طبيعة الجاهلي كانت أكثر تهيؤاً في هذا الصدد، وإنما يرجع الفضل في نجاح الحظر في البلاد الإسلامية إلى أمر القرآن الذي سلكه في نفسية الجاهلية، وفي عوائدها.
وعليه فإن المجتمع الناشئ لا يمكنه تمثل العناصر الاجتماعية الجديدة التي يقتبسها إلا بشروط معينة، فإما حاجة ملحة، وإما أمر علوي.
والواقع أن المجتمع الإسلامي منذ نصف قرن لم يقدر هذه الشروط حق قدرها، فقبس من (أشياء) الغرب دون أدنى مقياس أو نقد، يحمله على ذلك أحياناً نوع من الإكراه، وغالباً كثير من النفج وفراغ العقل.
وكل ما يسوده من اختلاط وفوضى في الميادين الفكرية والخلقية أو في ميادين السياسة إنما هو نتيجة ذلك الخليط من الأفكار الميتة؛ تلك البقايا غير المصفاة، ومن الأفكار المستعارة؛ تلك التي يتعاظم خطرها كلما انفصلت عن إطارها التاريخي والعقلي في أوربا.
ففي المجتمع الأوربي مثلاً يدين الناس بالحكمة القائلة: ((كل إنسان لنفسه، والله للجميع)) تسمع ذلك في أحاديثهم وتلمسه في بعض سلوكهم ولكن التنظيم
стр. 73
الاجتماعي قد درأ خطر هذه الحكمة بقيم أخرى. أما في المجتمع الإسلامي فإن هذا المبدأ يصبح مبيداً حين نحله محل الحكمة القائلة: ((الفرد للمجموع والمجموع للفرد))، وهي المبدأ الاجتماعي الجوهري في الإسلام.
وقد يكون المبدأ المبيد مقتبساً عن بعض المصادر العلمية ومن هنا يستمد مهابة ذات تأثير ضار، فهكذا صارت نظرية (دارون)، القائلة إن ((البقاء للأصلح))، حكمة لأخلاقيينا المحدثين، دون أن يخطر ببالهم أن ما يصدق في علم الحيوان قد يكون خاطئاً في ميدان الاجتماع؛ حيث يعني (الأصلح) هنا غالباً (الأعظم بلاء).
بل لقد أدى نقل هذا المبدأ في أوربا من متنه العلمي إلى نشأة الفلسفات العنصرية التي قادها (جوبينو) و (روزنبرج) (١). فلقد كان هذا المبدأ سبباً في التنافس والتسابق اللذين ساعدا على النمو المادي في العالم الغربي، بيد أن هذا الاندفاع في النشاط لم يكن سوى فورة عابرة، فسرعان ما أصبح (الأصلح) هو الرجل الشرير الذي لا يتورع عن استخدام أية وسيلة لضمان انتصاره على بعض (المغفلين)، الذين يقيمون وزناً للاعتبارات الخلقية، وبذلك نشأت عصابات خطيرة للصوصية في المجتمع الغربي، وكان العامل الأول في نشأتها اتخاذهم من المبدأ الحيواني مبدأ خلقياً.
تلكم هي الأفكار الخطيرة حتى على الحضارة التي خلقتها، والتي تتردد كثيراً في جوانب النهضة الإسلامية، وهكذا تتراكم في مجتمع انطمر ببقايا انحطاطه، بقايا تحلل جديد.
ويخيل إلينا أن أحداً لم يفكر حتى الآن في نقد ما قبسه مجتمعنا في نصف
стр. 74
قرن. ومع ذلك فإن تصفية الأفكار الميتة، وتنقية الأفكار الميتة يعدان الأساس الأول لأية نهضة حقة.
وهكذا نرى مشكلات رئيسية تواجه المجتمع الإسلامي، ولم يقف هو في مواجهتها، فإن المصادفة تحل فيه محل الأفكار والمحاولات.
والجانب الثاني من المسألة التي نتناولها هنا هو العجز عن التفكير وعن العمل، وهو في المجال النفسي يدل على انعدام الرباط المنطقي (الجدلي) بين الفكر ونتيجته المادية، فالفكرة والعمل الذي تقتضيه لا يكشلان كلاً لا يتجزأ، والواقع أننا عندما نحلل اطراد أي نشاط له علاقة ما بالحياة العامة للنهضة نجده مبتوراً من جانب أو آخر: فإما فكرة لا تحقق، وإما عامل لا يتصل بجهد فكري، وليس في قائمة النشاط الاجتماعي ما يصح أن يعد ضئيل القيمة، فلكل حركة في ذلك الاطراد أثرها في تقدم المجتمع.
وكما يتجلى هذا النقص في الإطار العام، أعني في النشاط الاجتماعي، يتجلى أيضاً في الإطار الخاص، أعني في النشاط الفردي، فالفكرة الإصلاحية مثلاً تستهدف إصلاح الفرد، ولكنا لا نشم مطلقاً رائحة مصلح تتطلب معه الأمور أن يوجد ناطق بفكرة الإصلاح، أي حيث يوجد موضوع الإصلاح نفسه: في المقاهي، وفي الأسواق، وفي كل مكان تنكشف فيه العيوب الاجتماعية التي يدعو إلى إصلاحها.
وكل ما يقوم به المصلحون، هو أن يكتفوا بتلقين بعض الأطفال دروساً طبقاً لمناهج لا تدعو لشيء من الإصلاح، أو بتوجيه بعض العظات من المنابر، إلى جمهور لم يدرسوه في بيئته وجَوِّهِ الذي ألفه، بل هو الذي سعى ليحيط بالمنبر: فإذا بالطفل وقد أصبح متعلماً بقدر، وإذا بالفتى وهو يجيد الاستماع والمجاملة.
стр. 75
فمنهاج المدرسة الإصلاحية، لم يختلف في جوهره عن منهاج المدرسة التقليدية (القديمة)، وليست كلمة (إصلاح) سوى طابع ألصق على أوجه نشاط منقطعة الصلة بالفكرة النظرية، وإن كانت في الحق نافعة.
على أن هذا الانفصال بين الفكر والعمل، ليس هو السبب الوحيد في جمود التفكير الإسلامي، فهو يعود أيضاً إلى الاختلاط بين جوهر الظواهر وأشكالها؛ حدث هذا الاختلاط في بداية الحركة الفكرية في المجتمع الإسلامي الحديث: فلم يكن العلم الذي قبسته من جامعات الغرب وسيلة (للإسعاد)، بل كان طريقاً إلى (المظهرية)؛ لم يكن ذلك العلم (استبطاناً) لحاجة مجتمع يريد معرفة نفسه ليحدث تغييرها، بل لم يكن (استظهاراً) لبيئة نبحث عنها لنغيرها، فهو قانع منطوٍ على ذاته، حبيس في صوره وأشكاله المألوفة، وأقرب دليل على انعدام فاعلية هذا العلم الإسلامي، هو أننا لم نرَ فينا حتى الآن وجهاً من تلك الوجوه الخالدة، يبرز في تاريخ المعرفة الإنسانية في القرن الحالي.
ومع ذلك فإن هذا العجز الذي طبع الحركة الفكرية قد نشأ عن سبب عضوي، أخطأ (جب) في تعريفه حين أسرف في تعميم ملاحظاته الدقيقة، فعدّ العجز صبغة (فطرية) اصطبغ بها وحده عقل متجه نحو تحصيل (العلوم).
فلو أننا ذهبنا إلى أن كل علم يتجه إلى الكشف عن (المجهول) يقتضي نوعاً من (التوتر الفكري)، فلن يكون هذا العجز سوى عارض خاص بعقل ما بعد الموحدين، ولم تستطع الحركة الحديثة أو حركة الإصلاح تعديل الاستعداد العقلي في هذه الناحية تعديلاً جوهرياً.
فالذكاء يتبع دائماً حال النفس، فإذا ما فقدت النفس صفاءها فقد الذكاء عمقه، ولقد رأينا أن حركة الإصلاح لم تؤت النفس المسلمة (هزة القلب)، كيما ترتفع بها فوق ركود ما بعد الموحدين، والحق أنها قد طبعت فيها حركة،
стр. 76
ورسمت لها مطامح، وخلقت اتجاهاً معيناً يهدف إلى التقدم، لكنها ظلت عقيماً لأنها لم تكن منظمة في نطاق فقه محدد لمعنى الفاعلية.
فكانت النهضة، ولكن دون توجيه منهجي، فتحررت قوى كانت من قبل خامدة، بيد أنها لم تتخذ مجالاً أو تتسلم دوراً، لقد ثار العالم الإسلامي الحديث، لكن ثورته كانت في ظرف مغلق؛ في قنينة دعِيّ في الكيمياء، لا يدري قانوناً لتفاعل المادة في عمليته.
تلكم هي مأساة (الحركة) التي شاءت أن تتحرر من (السكون)، مأساة الفكر في نضاله ضد البلادة والقلق؛ مأساة الرجل الذي استيقظ ولم يعرف بعد واجبه.
هذا العجز العضوي تذكيه دائماً ضروب من الشلل، أصابت النواحي الخلقية والاجتماعية والعقلية جميعاً. وأخطر هذه النواحي هو الشلل الأخلاقي، إذ هو يستلزم أحياناً النوعين الآخرين. ومصدر هذا البلاء معروف، فمن المسلم به الذي لا يتنازع فيه اثنان أن (الإسلام دين كامل). بيد أن هذه القضية قد أدت في ضمير ما بعد الموحدين إلى قضية أخرى هي: (ونحن مسلمون)؛ فنتج: (إذن نحن كاملون)!!
ولنعد إلى الماضي، لقد كان عمر بن الخطاب- ﵁ يحاسب نفسه دائماً، وكان يبكي من ذنوبه رجاء أن يغفرها الله له؛ ولكن العالم الإسلامي قد فقد هذا الروح منذ زمن بعيد، فلم يعد أحد يؤنب نفسه أو يتأثر من خطيئته، أو يبكي على ذنبه. وهؤلاء هم القادة والموجهون وقد خيم عليهم شعور بالطمائينة الأخلاقية، فلم نعد نرى زعيما يعترف على الملأ بأخطائه.
وهكذا غرق المثل الأعلى الإسلامي؛ المثل الأعلى للحياة وللحركة، في فيضان من التعالي والغرور، بل في ذلك القنوع الذي يتصف به الرجل المتدين، حين يعتقد أنه بتأديته الصلوات الخمس قد بلغ ذروة الكمال، دون أن
стр. 77
يحاول تعديل سلوكه وإصلاح نفسه، فهو كامل كمال العقم، أو كمال الموت أو العدم، وبذلك تختل حركة التقدم النفسي في الفرد والمجتمع، فإذا بالذين اطمائوا لفقرهم الروحي، ولنقصهم النفسي، يصبحون قدوة في الخلق، في مجتمع تقود الحقيقة فيه إلى العدم.
والفرق كبير بين الحقيقة من حيث كونها مفهوماً نظرياً يتسم به الإدراك المجرد، وبين كونها حقيقة فاعلة مؤثرة تلهم الإنسان أضرب نشاطه المادي.
وقد تصبح الحقيقة من حيث كونها عاملاً اجتماعياً ذات تأثير ضار، عندما لا تتمشى مع دوافع التطور والتغيير، فتصبح ذريعة إلى الكساد الفردي والاجتماعي، وحينئذً لا تكون ملهمة للنشاط، بل عاملاً من عوامل الشلل.
وقد تكون هذه الحقيقة أساساً لعالم عاجز أشل، من نوع ما ندد به (رينان) و (لامانس) في قولتهما الشنيعة عن الإسلام: إنه (دين الركود والتخلف)؛ هذا الشلل الأخلاقي، وهو بلا مراء أخطر ما تخلف عن عصر ما بعد الموحدين، يعجز المجتمع الإسلامي فيجعله غير قادر على زيادة جهده الضروري لنهوضه، وما الشلل الفكري إلا نتيجة من نتائجه: فالكف عن التكامل الخلقي ينتج حتماً كفاً عن تعديل شرائط الحياة، وعن التفكير في هذا التعديل.
وهكذا يتجمد الفكر ويتحجر في عالم لم يعد يفكر في شيء، لأن تفكيره لم يعد يحتوي صورة الهم الاجتماعي.
إن (التقليد) الخلقي يقتضي التخلي عن (الجهد الفكري) حتماً، أي عن (الاجتهاد) الذي كان الوجهة الأساسية للفكر الإسلامي في عصره الذهبي (١).
стр. 78
ولقد كان التجديد الذي استتبعته حركة الشيخ محمد عبده في العالم الإسلامي تجديداً أدبياً في جوهره، ولهذا لم يتحرر الفكر الإسلامي من ربقة القواعد التقليدية الخانقة، فهو من الوجهة الإصلاحية ظل منعقداً على تلك الموضوعات القديمة: كعلم التوحيد وفلسفة الكلام والفقه الإسلامي وفقه اللغة، وهو في كل هذا لم يتعد المعالم التي خطها أساتذة الإصلاح.
أما من الوجهة الحديثة فإنه قد انطلق أكثر من ذلك على يد الدكتور (طه حسين)، ومؤلفات هذا الكاتب لا تعد (نظرية) تتفرع عنها اتجاهات جديدة، ولكنها قد خلقت بطرافتها وصورتها الأدبية ضجة من الأفكار جديرة بالدرس والمناقشة، ومن هنا جدت حركة في التفكير، ولكن هذه الحركة قد ظلت مجزأة لا تربطها مفاصل.
فليس لدى العالم الإسلامي حتى الآن مجامع فكرية تشرف على توجيه الحياة الأدبية، وعلى توثيق الصلات وتغذية المناظرات بين المدارس المختلفة، كما كان ذلك قديماً بين مدرسة الغزالي ومدرسة ابن رشد.
ومن هنا حق لنا أن نقول: إن عمل الدكتور طه حسين لم يزد على أن مس الأوساط الأدبية في شمال إفريقية مساً رفيقاً، وإن عمل الدكتور (إقبال) لم يكن له أيضاً أدنى صدى.
ومن الحق أن تمزق الحياة الفكرية يرجع أيضاً إلى عوامل خارجية هي ما أطلق عليه (جب) عقدة (التسامي)، ولكن السبب الداخلي يظل هنا على أية حال- كما هو في كثير من النواحي- ذا سطوة وتفوق، بل إن الفكر في البلاد الإسلامية التي تحررت من الوصاية الاستعمارية، لم تكتمل بعد شخصيته، ولم يظفر بعد، بحقه في السيطرة على وجوه الحياة، وبقيمته الاجتماعية، باعتباره وسيلة للعمل وأساساً جوهرياً للنشاط.
стр. 79
بل إن (العلم) في الأم الأغلب لم يكن آلة للنهضة، بقدر ما كان زينة وأسلوباً وترفاً. ولقد رأينا في بلادنا (الجزائر) كيف أن الفكر لم يكن حركة وعملاً إيجابياً، بل كان زخرفاً يؤخذ من باب التجمل؛ كان حلية لا تدخل في سلك قانون، ولا تخضع لمنطق نظري وعملي، وإنما تخضع لذوق ما بعد الموحدين (١).
وإذا ما ظل هذا الفكر متبطلاً منعدم التأثير بقي النشاط حركة فوضى، وتزاحماً يبعث على الضحك والرثاء، وليس هذا سوى شكل من أشكال الشلل الاجتماعي.
فلكل نشاط عملي علاقة بالفكر، فمتى انعدمت هذه العلاقة عمي النشاط واضطرب، وأصبح جهداً بلا دافع، وكذلك الأمر حين يصاب الفكر أو ينعدم، فإن النشاط يصبح مختلاً مستحيلاً، وعندئذ يكون تقديرنا للأشياء تقديراً ذاتياً، هو في عرف الحقيقة خيانة لطبيعتها، وغمط لأهميتها، سواء كان غلواً في تقويمها أم حطّاً من قيمتها.
وهذان الشكلان من أشكال الخيانة يتمثلان في العالم الإسلامي الحديث في صورة نوعين من (الذهان Psychose) : فإما أن يتمثل في صورة النظر إلى الأشياء على أنها (سهلة)، وهو قائد ولا شك إلى نشاط أعمى، (كما كانت الحال في قضية فلسطين)؛ وإما أن يأخذ صورة النظر إليها على أنها (مستحيلة)، فيصاب النشاط بالشلل وهو ما يحدث غالبا في شمال إفريقية.
ولقد قام هذا الذهان الأخير في الجزائر على قواعد ثلاث، من الواجب أن نذكرها، هي:
стр. 80
- لسنا بقادرين على فعل شيء لأننا جاهلون.
- لسنا بقادرين على أداء هذا العمل لأننا فقراء.
- لسنا بقادرين على تصور هذا الأمر لأن الاستعمار في بلادنا.
هذه (الأدوار) الغنائية الثلاثة، هي العملة الشائعة التي يفسر بها حسنو النوايا عجزهم، كما يستخدمها الدجالون ليدافعوا عن مشروعاتهم المربحة، مشروعات الشعوذة والمخاتلة، والاستعمار باسم قرير العين. مع أن أقل جهد في التأمل يكفي لتمزيق تلك الأستار الكافة، إذ لا تدع وراءها مجالاً للخرافات، ويكفينا أن نواجه (الاستحالات) المزعومة بالوقائع المادية، أي بالعناصر الحقة في المشكلة:
أ - نحن جاهلون- هذا واقع- وهو أثر من آثار الاستعمار. ولكن ماذا تفعل الدوائر المثقفة في بلادنا .. ؟ .. ما تفعل بثقافتها وهي السلاح الأساسي العاجل ضد الأمية العامة .. ؟ .. لقد شهدنا بأعيننا المثقفين الإسرائيليين إبان الاحتلال الألماني يهتمون بأبناء جلدتهم، شأن كل فئة متعلمة تستخدم معرفتها فيما ينفع شعبها، حدث هذا على الرغم من عنت المراقبة التي كانت مضروبة عليهم.
أما في الجزائر فقليل هم المسلمون الذين يفكرون- على اختلاف مهنهم- في تربية أمتهم، وكثيراً ما طالبت الفئة المثقفة هناك خلال الانتخابات بزيادة عدد المدارس، ولكن ما جدوى هذه الزيادة إذا لم يكن من نتيجتها (إصلاح) التعليم؟
إن مضاعفة العدم لا تؤتي غير العدم، فإذا ما كان الرجل المتعلم نفسه عديم التأثير، وإذا لم يكن لتعليمه أثر اجتماعي، فإن أسطورة (الجهل) تصبح أسطورة خطرة، إذ هي تحجب خلف مشكلة الإنسان الأمي مشكلة أعمق لإنسان ما بعد الموحدين- جاهلاً كان أو متعلماً.
стр. 81
ب - وأسطورة (الفقر) ليست بأقل خطراً، وحسبنا أن ننظر إلى ما يملك الفرد المسلم الثري من مال لنرى مدى فاعليته الاجتماعية، لقد زاد أغنياء المسلمين على فقرائهم في العطل على الرغم مما يملكون من ثروات، وكثير من أولئك الأغنياء لا يهتمون برعاية طفل مسلم لتربيته تربية عملية أو فنية، بل لا يهتمون برعاية عمل ذي فائدة عامة، فيقبلون عليه طائعين متنازلين عن قليل من رفاهيتهم.
ومع ذلك فليس هذا النقص بمقتصر على الفرد، فهو موجود في محيط المنظمات الثقافية، التي لم تتعود أن تتنازل عن بعض النفقات الزائدة في سبيل تشجيع الثقافة، والمساعدة على نشرها (١).
إنه التسابق إلى السرف المخلّ الذي لا يبدو الفقير فيه أقل استعداداً من الغني، وإلا فلننظر أين يستخدم (الفقراء) نقودهم؟
لقد لاحظت ذلك أخيراً في قرية صغيرة من قرى قسنطينة، حيث توجد مدرسة هي المؤسسة الوحيدة ذات النفع العام، هذه المدرسة توازن بصعوبة ميزانيتها السنوية المتواضعة في حدود ست مئة ألف فرنك (٢) (ست مئة جنيه تقريباً). ولكني قمت بتقدير إجمالي من واقع الإحصاءات، خرجت منه بنتيجة هي أن هؤلاء الفقراء- الذين يعانون الفقر فعلاً- قد أنفقوا في ليلة واحدة أكثر من مائتي ألف فرنك: ما بين دارين للخيالة، وملعب (للسيرك)، وكوخ قمار، وبعض المقاهي.
فلو أننا اعتمدنا على جملة أرقام من هذا النوع، لأمكننا أن نقوّم سعر فاعلية رأس المال المسلم؛ أعني النسبة بين ميزانية المشروعات النافعة- كالمدرسة- وميزانية
стр. 82
التوافه التي أحصينا أنواعها، وسنجد أن نسبة السفه في الحالة المذكورة هي ٩٥%، وهذا هو دليل التطور المقتصر على نمو الحاجات السائد في جميع ميادين الحياة الإسلامية الحديثة، على أن نسبة هذا الدليل ترتفع في الحفلات الرسمية ومهرجانات الزواج والختان وفي المآتم، وهي مناسبات تحدث نزيفاً مالياً رهيباً في حياة العائلات. هذه الملاحظات صادقة مهما أردنا تطبيقها في أي مجال من مجالي الحياة خاص أو عام، ومن أبلغ الأمثلة على ذلك ميزانية وفد الجامعة العربية إلى الأمم المتحدة عام ١٩٤٨؛ لقد كان هذا الوفد يتصرف فيما يقرب من نصف مليون دولار خلال إقامته بباريس، لم ينفق منها شيئاً في نشر أية وثيقة لعرض مسألة فلسطين على الرأي العام العالمي، بينما أغرق اليهود إغراقاً بدعايتهم. هذا التفاوت الهائل بين الوسائل التي بأيدينا والنتائج التي نحصلها منها، هو صورة نموذجية لجميع ألوان النشاط الإسلامي العام.
نحن فقراء، ما في ذلك شك، ولكنا لا نحمل في جنوبنا هماً لعلاج هذا الوضع باستخدام الوسائل المتاحة لنا استخداماً مجدياً.
وكم ثمرة من ثمرات الفكر ذات الأهمية الخطيرة ننتظر- دون أمل- نشرها لعجز أصحابها المالي، بينما الأموال العامة تهرب إلى حيث لا ندري (١).
ليست حالة الوفد العربي في باريس استثناء يرجع الخطأ فيه إلى باشوات مصر (قبل الثورة)، لأنه حيثما وجد المال- في المجال الخاص أو العام- لاحظنا سوء استعماله.
بل لو أنهم زادوا ميزانية هذا الوفد لكان من المتوقع الكثير ألا يستغلها في زيادة وسائله وصلاحياته، وإنما يزيد في حاجياته ونفقاته، فليست المشكلة
стр. 83
- على هذا- مالية، ولكنها مشكلة نفسية وفنية؛ إنها مشكلة (توجيه رأس المال) (١).
ج - والأسطورة الثالثة هي أسطورة الاستعمار، وهي التي تعجز ذوي القلوب الطيبة، وتسوغ أحياناً أعمال المخاتلة والاحتيال الأخلاقية والسياسية.
ويهمنا أن نذكر هنا أنه فيما يتصل بالأسطورتين اللتين فرغنا من حديثهما، لا يأتي عامل الكف من خارج الذات، بل هو سبب داخلي ناتج عن نفسية الناس، وأذواقهم وأفكارهم وعاداتهم، أي عن كل ما يكون عقل ما بعد الموحدين، وهو في كلمة واحدة ناتج عن (قابليتهم للاستعمار).
والحق أن سهم الاستعمار ماحق، إذ هو يسحق بصورة منهجية كل فكرة وكل جهد عقلي أو محاولة للبعث الأخلاقي أو الاقتصادي؛ أعني: كل ما من شأنه أن يتيح لحياة أبناء المستعمرات مخرجاً أيّاً كان (٢).
إن المستعمر يحط من قيمة الخاضعين لقانونه بطريقة فنية. وهو القانون الذي أطلقنا عليه في كتابنا (شروط النهضة): (المعامل الاستعماري). بيد أن هذا المعامل لا يؤثر في قيمة الفرد الأساسية، إذ إن هذه القيمة لا تخضع لحكمه، ومع ذلك نجد الفرد عاطلاً خامداً حتى في الميادين التي لا يمكن أن تخطر فيها شبهة الضغط الاستعماري.
وعليه فإن الاستعمار يمارس عمله وتأثيره بوصفه حقيقة عندما يكف النشاط
стр. 84
كفاً فعلياً، وهو يمارسهما بوصفه أسطورة عندما لا يكون سوى تعلة أو قناع للقابلية للاستعمار.
إن هناك حركة تاريخية ينبغي ألا تغيب عن نواظرنا، وإلا غابت عنا جواهر الأشياء فلم نرَ منها غير الظواهر؛ هذه الحركة لا تبدأ بالاستعمار، بل بالقابلية له، فهي التي تدعوه.
ومع ذلك فلقد يكون الاستعمار أثراً سعيداً من آثار تلك القابلية، لأنه يقلب حينئذ التطور الاجتماعي الذي أوجد المخلوق القابل، فهذا المخلوق لا يدرك قابليته للاستعمار إلا إذا استعمر، وعندئذ يجد نفسه مضطراً أن يتحرر من صفات أبناء المستعمرات، بأن يصبح غير قابل للاستعمار.
وبهذا نفهم الاستعمار باعتباره (ضرورة تاريخية)، فيجب أن نحدث هنا تفرقة أساسية بين بلد مغزو محتل وبلد مستعمر، ففي الحالة الأولى يوجد تركيب سابق للإنسان والتراب والوقت، وهو يستتبع فرداً غير قابل للاستعمار؛ أما في الحالة الأخرى فإن جميع الظروف الاجتماعية التي تحوط الفرد تدل على قابليته للاستعمار، وفي هذه الحالة يصبح الاحتلال الأجنبي استعماراً وقدراً محتوماً.
فروما لم تستعمر اليونان ولكنها غزتها، وإنجلترا التي استعمرت أربع مائة مليون من الهنود إذ كانت لديهم القابلية، لم تستعمر إيرلندة الخاضعة دون ما استسلام. وفي مقابل ذلك نجد اليمن، تلك التي لم تفقد استقلالها لحظة، لم تفد من ذلك الاستقلال أدنى فائدة، لأنها قابلة للاستعمار، أعني عاجزة عن القيام بأي جهد اجتماعي، ومع ذلك فإن هذا البلد لا يدين باستقلاله إلا لمحض المصادفة، فقد وجدت ملابسات دولية مواتية حفظت استقلاله. أما مراكش وقد كانت مستقلة حتى عام ١٩١٢، فإنها لم تتعلم من تجربة الجزائر المستعمرة منذ
стр. 85
قرن على طول حدودها؛ إنها لم تستفق للنهوض إلا بعد أن وقعت في أسر الاستعمار، يقودها في وثبتها سيدي محمد بن يوسف.
فالاستعمار إذن؛ ليس هو السبب الأول الذي نحمل عليه عجز الناس وخمولهم في مختلف بلاد الإسلام. ولكي نصدر حكماً صادقاً في هذا المجال ينبغي أن نتقصى الحركة الاستعمارية من أصولها، لا أن نقف أمام حاضرها؛ أي إن علينا أن ننظر إليها بوصفنا علماء اجتماع لا بوصفنا رجال سياسة، وسندرك حينئذ أن الاستعمار يدخل في حياة الشعب المستعمر بصفته عاملاً مناقضاً يعينه على التغلب على قابليته له، حتى إن هذه القابلية التي يقوم على أساسها الاستعمار، تنقلب إلى رفض لذاتها في ضمير المستعمر، فيحاول جهده التخلص منها. وليس تاريخ العالم الإسلامي منذ أكثر من نصف قرن، سوى الجو التاريخي لهذا التناقض، الذي أدخله الاستعمار على الأوضاع التي تخلقت في ظلها القابلية واتسمت بها.
فهناك إذن جانب إيجابي للاستعمار، حين يحرر الطاقات التي طال عليها زمن الخمود، على الرغم من أنه يعد من جانب آخر عاملاً سلبياً، حين يتجه إلى تحطيم هذه الطاقات، بتطبيقه قانون (المعامل الاستعماري)، ولدينا في هذا الصدد واقع ذو دلالة؛ فإن التاريخ لم يسجل مطلقاً استمرار الواقع الاستعماري، إذ إن قوى الإنسان الجوهرية تتغلب أخيراً على جميع ضروب التناقض. وليس معنى هذا أن المستعمر يفد إلى المستعمرات (ليحركها)، وإنما يجيء ليشلها، كما يشل العنكبوت ضحية وقعت في شباكه، ولكنه في نهاية الأمر يغير ظروف حياة المستعمَر من جذورها، فيساعده بذلك على تغيير نفسه.
فمن الواجب إذن عندما ندرس وضع بلد مستعمَر، ألا نغفل النظر إلى هاتين الفكرتين المتلازمتين، وإن كانتا في الحقيقة متمايزتين: الاستعمار والقابلية للاستعمار.
стр. 86
والطريقة الوحيدة لتعريف أسباب (الكف) والعطل تعريفاً فنياً، هي أن نحدد في أي الظروف تنتج عن الاستعمار، أو عن القابلية للاستعمار؛ وبهذه الطريقة يستطيع العالم الإسلامي، أن يحدد الوسائل المناسبة للقضاء على صنوف عجزه التي شلت حتى الآن جميع مشروعاته.
إن نجاح أي منهج- سواء اتصل بنظرية في السياسة أم في الإصلاح- مرتبط بتناول المشكلة من جانبيها معاً، فإذا نظرنا إلى جانب دون الآخر فقد غامرنا برؤية مشكله مزيفة (١).
ومن سوء المصادفة أن بتر المشكلة على تلك الصورة يتخفى عموماً في قناع (الوطنية)، الوطنية الهاذرة الباطلة.
أوليس من أنجع الوسائل لخدمة الاستعمار، أن يزمن عجزنا وشللنا، وأن تظل هذه الدماميل والقروح التي كانت تعدّ، منذ ثلاثة قرون أو أربعة، أمارات واضحة لمجتمع يمر بحالة التهيؤ للاستعمار؟
إن هناك نتيجة منطقية وعلمية تفرض نفسها، هي: أنه لكي نتحرر من (أثر) هو الاستعمار، يجب أن نتحرر أولاً من (سببه) وهو القابلية للاستعمار.
فكون المسلم غير حائز جميع الوسائل التي يريدها لتنمية شخصيته، وتحقيق مواهبه: ذلك هو الاستعمار؛ وأما ألا يفكر المسلم في استخدام ما تحت يده من وسائل استخداماً مؤثراً، وفي بذل أقصى الجهد ليرفع من مستوى حياته، حتى
стр. 87
بالوسائل العارضة، وأما ألا يستخدم وقته في هذه السبيل، فيستسم- على العكس- لحظة إفقاره وتحويله كمّاً مهملاً، يكفل نجاح الفنية الاستعمارية: فتلك هي القابلية للاستعمار.
وهكذا كلما حاولنا تصنيف مختلف أسباب (الكف) التي تعرقل ضروب النشاط في العالم الإسلامي الحديث، والتي تشد تطوره إلى نسق متلكئ، والتي تزرع القلق والعجز، وأخيراً الفوضى في حياته، وجدنا أن الأسباب الداخلية التي تنتج عن القابلية للاستعمار هي الأسباب ذات الشوكة والغلب.
وطبيعي أن نرى لهذا الوضع انعكاساته في الميدان السياسي، وهو الميدان الذي تتجلى فيه الخصائص الأخلاقية والفكرية والاجتماعية التي تتصف بها بيئة معينة وشعب معين؛ إن هناك أولاً علاقة مباشرة بين السياسة والحياة: فالأولى تخطيط للثانية، وما السياسة في جوهرها إلا مشروع لتنظيم التغيرات المتتابعة في ظروف الإنسان وأوضاع حياته، هذه العلاقة التي تحدد وضع الفرد باعتباره غاية كل سياسة، تعد الفرد أيضاً عاملاً لتحقيق تلك الغاية.
وهكذا يعد الإنسان عنصراً في المشروع السياسي من وجهتين: أي باعتباره (ذاتاً) تحقق الغاية من السياسة و (موضوعاً) هو عينه الغاية المرجوة.
ولما كان وضع إنسان ما بعد الموحدين هو وضع الفرد المستعمر والقابل للاستعمار، فإن العلاقة بين الذات والموضوع هنا هي علاقة الفرد- باعتباره مستعمراً- بذاته باعتباره (قابلاً للاستعمار)، وليست علاقة بين مستعمِر ومستعمَر.
هذه الملاحظة تسجل خطأ السياسات التي اتبعها العالم الإسلامي في الصميم؛ فقد اتجهت في كفاحها إلى المستعمر، دون أن تلتفت إلى الفرد الذي تسخره للقضاء على الاستعمار.
стр. 88
ولما كان المستعمَر من ناحية أخرى بحاجة إلى وسائل يغير بها وضعه بوصفه قابلاً للاستعمار، فإننا نجد هنا أيضاً انحراف تلك السياسات عن الجادة، وزيغها عن الطريق الأقوم، لأنها تتلمس وسائلها إلى العمل من المستعمِر نفسه، وعجيب أمر الأسير يطلب مفتاح سجنه من سجّانه.
يجب إذن أن نبين العوامل التي تحدد وضع الإنسان في مرحلة معينة من مراحل تطوره، ليمكننا أن نستخلص منها السياسة التي تنطبق على تلك المرحلة، وغني عن البيان أن ظروف الحياة تعد نتيجة للحالة العامة في بيئة معينة، وبذلك تكون تلك الظروف (مرحلة) من مراحل (الحضارة)، لا (شكلاً) من أشكال (السياسة): فما الشكل السياسي إلا انعكاس للوضع الحضاري، وكم من ملكيات ينتعل الناس فيها الحفاء، وجمهوريات يموتون فيها جوعاً.
والواقع أن الفكر السياسي الحديث في العالم الإسلامي هو في ذاته عنصر متنافر، فهو اقتباس لا يتفق وحالة ذلك العالم، والمسلمون في هذا الميدان أو في غيره من الميادين لم ينقبوا عن وسائل لنهضتهم، بل اكتفوا بحاجات قلدوا فيها غيرهم، وأشكال جوفاء إلا من الهواء، بينما ليست حاجتنا أن نجمع العناصر لنكوّن منها تلفيقاً، وإنما أن نوجد بواسطة منهج يقوم على التحليل، العناصر الأساسية التي تسهم في خلق (تركيب) حضاري قائم على: الإنسان والتراب والوقت.
وبوسعنا أن ندرس درجة حضارة ما، بملاحظة الطريقة التي يتبعها الإنسان ليتفاعل مع بيئته.
ففي طور الحياة النباتية (البدائية)، لم يكن الإنسان يبذل في سبيل التوافق مع نواميس الحياة سوى (أقل الجهد): فلكي يقاوم البرد يتوهم أنه قادر على ذلك بالقيام بأقل جهد ممكن؛ أعني بأقل حركات ممكنة، فيقبع في مسكنه
стр. 89
وينكمش. ولكي يتغلب على الجوع يمد يده إلى ما تجود به الطبيعة من تلقاء ذاتها، فإذا به يطعم مثلاً بعض الجذور.
ففي هذه المرحلة الحضارية يتعامل الإنسان مع البيئة، ويتوافق (بالحد الأدنى من الجهد)، أما في طور الحياة الناشطة فإن الإنسان يحقق توافقه ببذل (الحد الأقصى من الجهد) في تنظيم نفسه، فإذا ما أراد مقاومة البرد ابتكر جهازاً للتدفئة، وإذا لم يستطع الحصول عليه لظروف معينة قاومه بصورة أخرى، بأن يبذل جهده ويستهلك طاقته ويضاعف حركته. ولكي يحصل على غذائه، نجده يكيف التراب تكييفاً فنياً، بينما الإنسان البدائي كان يتلمس غذاءه من الأرض دون تكييف.
فالانتقال من الحياة البدائية الراكدة إلى الحياة العاملة الناشطة، هو الذي يسجل إذن بداية حضارة ما أو نهضة معينة. لكن هذا الانتقال يظل في التاريخ من الظواهر غير المفهومة لو أنه استلزم وسائل أخرى غير التي تقدمها البيئة، ولو أنه استخدم في الحصول على تلك الوسائل شيئاً غير ما منحه من قدرات طبيعية يسيطر بها على ذاته وعلى أرضه وعلى وقته.
وليس من شك في أن هذا القول صادق على الرجل المستعمَر، لأنه في حاجة إلى أن يبحث في بيئته عن الوسائل الأولى الأساسية على الرغم من وجود الاستعمار والقابلية للاستعمار.
فالتراب هو عماد حياته المادية، لأنه يعيش على ثمراته في أي ظرف كان، والوقت رهن مشيئته لا ينازعه فيه أحد، ولديه من العبقرية ما يعينه على التصرف فيهما، فهو على هذا يتصرف تصرفاً تاماً في الشروط الضرورية التي تتيح له أن يحصل على وسائل أقوى، ومعنى هذا أنه يستطيع أن يحيل وسائله البدائية وسائل أكمل، كلما قدر على تغيير نفسه، ووعى حقيقة إنسانيته، وما تقتضيه من مسؤوليات.
стр. 90
فإذا ما طبقنا هذه الاعتبارات العامة على مجال النشاط السياسي، وجدنا أن هذا النشاط- لكي يكوّن علم اجتماع تطبيقياً لا مجرد نشاط فوضوي- يجب أن يقوم على مبدأين:
١ - أن نتبع سياسة تتفق ووسائلنا.
٢ - أن نوجد بأنفسنا وسائل سياستنا.
ومن هذين الأصلين تنتج مرحلتان متتابعتان:
أولاهما:
مرحلة السياسة التي تتفق مع الوسائل الأولية الحاصلة، وهي الإنسان والتراب والوقت، وليس معنى ذلك أن نقصي الوسائل الثانوية التي تمنحنا إياها المصادفات أو الملابسات، ولكن علينا أن ندرك أن هذه الملابسات ليس هي القواعد الأساسية للسياسة، بل هي مجرد منح وإمكانيات مكملة تنعم علينا بها المصادفة، فلو أننا أفسحنا لها مكاناً في تقديرنا لأوشك أن نتورط في نوع من الشاعرية السياسية، والنتيجة الضرورية لتلك المرحلة هي تصفية القابلية للاستعمار والقضاء عليها قضاء مبرماً.
وثانيتهما:
مرحلة التغيير المتدرج لا بين أيدينا من وسائل بدائية كيما نحيلها وسائل أكل، فتكون قادرة على تعديل مختلف ظروف البيئة شيئاً فشيئاً.
وينبغي أن يكون من نتائج هذه المرحلة إلغاء الاستعمار في مختلف أشكاله، الخفية كما في اليمن، أو المستعلنة كما هي الحال بشمال إفريقية.
ومع ذلك فإن هذين المبدأين الأساسيين لا يستتبعان مطلقاً شكلاً من أشكال السياسة، بل المهم هو المضمون، أما الشكل فليأخذ أي طابع من طوابع النظم على اختلافها: جمهورياً، وملكياً، أو استبدادياً مطلقاً.
стр. 91
وما الانتخابات- التي تعد اليوم عقدة في الحياة السياسية في العالم الإسلامي الحديث- سوى شكل من أشكال الحكم: هو: الشكل البرلماني.
أما المضمون الإيجابي، فهو وحده المقياس الذي يتيح لنا أن نعرف إذا ما كانت السياسة المتبعة علم اجتماع مطبقاً، أو ضرباً من الأوهام والخزعبلات.
ولو أننا تتبعنا التطور العام للسياسة الإسلامية حتى قضية فلسطين؛ فلن نشعر- بكل أسف- بأنها ترتكز على مبادئ تامة التحديد، أو أصول واضحة، ولن نجد لها غايات واقعية تخضع لنظرية تهديها سبلها، حتى تبلغ هدفها بطريقة علمية، بل لن نعثر في تلك السياسة على المبدأ التقليدي الذي وضعه لها الباعث الرائد- جمال الدين- وأطلق عليه: (الأخوة الإسلامية)، ليكون أساساً ضرورياً لأية سياسة في البلاد الإسلامية.
بل لقد تعرض هذا المبدأ دائماً لمقاومة مختلف النزعات القومية التي ليست في الواقع سوى نزعات حزبية؛ أعني أنها لا تدل على اهتمام زعمائها بما ينبغي أن ينشأ بينهم من علاقات، بقدر ما يتكالبون على مصالحهم وشهواتهم.
وكل ما حدث في العالم الإسلامي هو أنه قد بدأ يشعر بأن الوحدة مشكلة رئيسية، وبأن أي تركيب حضاري لا يمكن أن يتحقق بما هب ودب من العناصر والسياسات الرائجة في السوق الآن، فإن من الصعب إطلاق مصطلح (سياسة) على تلك المحاولات الفوضوية التي مرد عليها مختلف الزعماء، ولعل من الأفضل أن يطلق عليها لفظة (البوليتيكا) الذي يطلقه عامة الناس على صنوف التخبط والأوهام والخرافات، وألوان المخاتلات؛ والفرق كبير بين المصطلحين؛ إذ هو الفرق بين المصادفة أو العاطفة وبين التوجيه المحدد المستقى من التجارب الإنسانية خلال التاريخ. وما هذه السياسة الخبيثة (البوليتيكا) التي اتبعها الزعماء سوى خلط الممكن بالمستحيل، وترك الأهداف التي تسهل إصابتها بوسائل مباشرة، إلى ما لا يمكن الوصول إليه مهما تعلقنا بوسائل خيالية.
стр. 92
ولقد اتخذت السياسة في شمال إفريقية خاصة هذا الطابع المختل، لأنها قامت على ما اتسم به عهد ما بعد الموحدين من عيوب ونقائص، فهي تحتوي حتماً أنواع (الذهان) المتناقضة، كذهان (السهولة)، وذهان (الاستحالة).
هذه السياسة الخرقاء، ما زالت تخفي العناصر الحقيقية للمشكلة عن ضمير المسلم: فهو يتكلم حيث يلزمه أن يعمل، وهو يلعن الاستعمار حيث يجب عليه أن يلعن القابلية للاستعمار، وهو مع هذا لا يبذل أقل الجهد في سبيل تغيير وضعه تغييراً عملياً. أما أكثر القادة جداً فهم في انتظار الملابسات، أعني: يتوقعون سنوح فرصة، فإذا بك تراهم من حين لآخر، يرفعون عقائرهم بالاحتجاج، معلقين أملهم على بعض الأساطير المسماة: (الأمم المتحدة) أو (الضمير العالمي).
وقد كان على الذين يدافعون عن مثل هذا الموقف، أن يعلموا أن نظرية الملابسات والفرص ليست سوى كلمة جوفاء وأمل هباء، يقف في مواجهة الأحداث التي تجري دائماً فلا نستطيع لها رداً، وما كان لنا أن نكشف عن اتجاه الملابسات الدولية، ما لم تكن لدينا مقدرة على تذوق الحقيقة المجردة من كل مغزى عاطفي، أو ميل شعري.
ولكن أحكامنا، بكل أسف، لا تكشف في الغالب إلا عن تحديد عاطفي لموقفنا، فنحن لا نحكم وإنما نأسى؛ نحن نكره ونحب ولا شيء غير هذا.
ولقد أصيب بهذا الخلل كبار مفكرينا الذين نيطت بهم مهمة الإصلاح، فها هو ذا المغفور له الشيخ عبد الحميد بن باديس- وقد شهد النزاع يحتدم بين ابن سعود والإمام يحيى- ينشر مقالاً عام ١٩٣٤ يأسى فيه على (إراقة دماء المسلمين)، ويعنف فيه الرجلين دون تفرقة، كأنما الشيخ لم يتبين عظم النزاع الذي تقف فيه القوى الروحية والمادية في النهضة الإسلامية متجسدة في الفكرة الوهابية، في وجه قوى الانحطاط والتدهور ممثلة في الإمام يحيى، تؤيده- كأنما
стр. 93
بمحض المصادفة- قوى الاستعمار. ولقد أغفل هذا الحكم الجانب الناطق من الموقف، وهو سرعة المناورة التي قام بها الجيش السعودي الفتي، فأحبط الخطة الاستعمارية بالاستيلاء على (الحديدة)، خلال أربع وعشرين ساعة، كما أسقط من حسابه موقف موسوليني الذي كان يطمع في احتلال اليمن (لمحاية الإسلام) .. !
ونحن إلى اليوم نجد انعكاس هذه النفسية العاطفية في صحافة الدول الإسلامية؛ فمنذ عهد قريب شهدت سورية ثلاثة انقلابات متعاقبة، ولم يكن من الصحافة العربية إلا أن أسيت على حالة القلق التي تعانيها الجمهورية السورية (١)، فلم يحاول مراسل صحفي واحد أن يتعقب سر الأحداث، فربما أدى به بحثه إلى ملاحظة أن وزارة الخارجية البريطانية لم تعد تدير الأمور على هواها في العالم العربي، فلقد حدث انقلاب (حسني الزعيم) دون علمها، كما أن صفيها (سامي الحناوي) قد طرد من الحكم دون أن تستطيع دفع الانقلاب، وكان انقلاب (أديب الشيشكلي) بدوره خير شاهد على أن العالم العربي يعرف منذئذ كيف ينظم نشاطه السياسي تنظيماً فنياً، مسترقاً أو متغفلاً جهاز المخابرات الإنجليزي البارع الدقيق (٢).
هذا هو الجانب الجوهري من المسألة، لا ما أسيت له الصحافة العربية من اضطراب الأحوال في دولة لم تزل في مهدها.
وعودة إلى (البوليتيكا) تكشف لنا عما أصابنا خلال كارثة فلسطين، فلقد برهن القادة على عدم كفاءتهم للقيام بأبسط الأعمال، وإن كان من الواجب أن نستثني هنا السياسة السعودية التي دلت على وعيها، فلقد دل (ابن سعود) على أنه رجل الدولة العربي الوحيد، الذي أدرك منذ البداية خفايا القضية، فأمسك
стр. 94
عن إرسال جيشه إلى فلسطين، وبذلك برهن على أنه لم ينخدع بجلاء الإنجليز المفاجئ عن يافا، وقد كانوا يعلمون أنهم متآمرون في فعلتهم، حين تركوا البلاد دون أن ينقلوا مسؤولياتهم عن إدارتها وحفظ الأمن فيها إلى سلطات منظمة تحمي جميع المدنيين بفلسطين. لقد قال برناردشو في إحدى نقداته اللاذعة قبيل الحادث بأيام: ((يجب أن ندع العرب واليهود يحسمون خلافهم بحد السلاح)) وهذا ولا شك رأي رجل مطلع على بواطن الأمور، تعود التفكير قبل إبداء رأيه.
لقد بهت أعضاء الجامعة العربية جميعاً- باستثناء ابن سعود- فلم يفكروا حتى في الاحتجاج على ذلك الجلاء المفاجئ عن يافا، في ظروف لا يفيد منها غير الصهيونيين، الذين كانت قواتهم على أهبة الاستعداد، متخذة مواقعها في أرض المعركة، وفضلاً عن ذلك، فإنهم لم يسبقوا الأحداث بعمل قانوني هو إعلان الجمهورية الفلسطينية، ذلك كله لم يدر بخلدهم، بيد أننا نسوق إلى القارئ ما يشهد بعجزهم السياسي الكلي، فإن قادة الجامعة آنذاك وقد استهواهم ذهان (السهولة) ركنوا إلى هيئة الأمم المتحدة، وأخذوا يحقرون من شأن الإسرائيليين، ويهونون من خطرهم وتفوقهم السياسي والمالي والفني، بل العددي أيضاً، وما كان لهذا التفوق الأخير أن يظهر لأعينهم لأول وهلة، ومع ذلك فقد كان بحسبهم أن يعرفوا الحساب على الأصابع ليدركوا حقيقة الموقف، لقد كان واضحاً أن الصهيونيين يملكون جيشاً يزيد على ثلاث مائة ألف مجند، بينما الدول العربية لم تكن تستطيع أن تجند سوى جيش لا يزيد على مائتي ألف، ولست أقصد هنا الشعوب العربية، فقد نجحت السياسة الاستعمارية في عزلها عن جو المشكلة، ولله الحمد.
أما من حيث التفوق السياسي والمالي والفني، فلا نزاع في أن الإسرائيليين كانوا سادة الموقف لما كان عليه العالم الإسلامي من فوضى.
стр. 95
لقد كان هيناً على كل إنسان أن يتوقع انتصار الصهيونيين، فيما عدا ضحايا (البوليتيكا)؛ إذ هي دائماً تكرر أخطاءها، لأنها ليست علماً أو تجربة، وإنما هي جهل وهذر وشذوذ، ولهذا الجهل اتجه الساسة المسلمون بقلوبهم إلى المنظمات الدولية، حتى بعد أن رأوا بأعينهم أن المرحومة عصبة الأمم لم تقم بتطبيق مبادئ ولسن الأربعة عشر، بل انصرفت إلى توزيع انتدابات ومحميات جديدة، فلم يفيدوا من ذلك درساً عملياً، بل تكررت المهزلة في صورة ثقة جديدة بميثاق الأطلنطي، وبهيئة الأمم المتحدة، فانعقدت الجمعية العامة بقصر (شايو)، والقادة ما زالوا منهمكين في مدح المنظمة الدولية الجديدة، وفاض طوفان الأساطير على ألسنتهم ليغمر الضمير المسلم بأبخرته المخدرة.
وكان الانخداع سهلاً بقدر ما كانت المظاهر خداعة، فها هي ذي باكستان تشيد سيادتها، وها هي ذي إندونيسيا تنال أستقلالها، وها هي ذي أبخرة الاستقلال الهين (السهل) الذي لا يقتضي كبير جهد في بنائه، ولا يستلزم وسيلة لتحقيقه، تبلبل العقول فتحدث خدراً كلياً، وفقداناً للحساسية العامة، فلم ندرك أن البلاد التي قيل عنها إنها قد تحررت، لم تحصل على حريتها بناء على مبدأ محرر، بل لأنها وجدت في منطقة الخطر، متاخمة للشيوعية، وحسبنا أن نلقي نظرة على الخريطة لنقتنع بهذا القول.
وربما استطعنا أن نتصور ضعف مثل هذا الاستقلال طالما ظلت البلاد التي حصلت عليه قابلة للاستعمار، وما دامت لم تسيطر بعد سيطرة واقعية على شؤونها الداخلية، فإن استراتيجية العالم قُلَّب، وقد تتغير بين عشية وضحاها.
ومن الأمثلة على ذلك ما حدث في إندونيسيا، حيث غيرت الملكة (ولهلمينا) موقفها بشأنها مرتين أو ثلاثاً تبعاً لتغير الظروف الدولية. فهي إذ ترى ضرورة المقاومة لهزيمة اليابان في الحرب العالمية الثانية، توافق على إعلان استقلال إندونيسيا، حتى إذا تمت الهزيمة، أرسلت حملة تعتقل الزعماء الوطنيين
стр. 96
بليل، وتقضي على جمهوريتهم الوليدة، أما عندما وصل (ماوتسي تونغ) إلى كانتون فإن هذه الملكة قد عدلت سياستها للمرة الثالثة في جاوة (١).
أما الوضع في الباكستان فيبدو لعين الناظر إليه أكثر استبهاماً واختلاطاً، والظاهر أن تشرشل كان يستهدف أهدافاً ثلاثة في الهند، وأنه قد بلغها فعلاً.
ولقد أراد أولاً أن يفوت على الاتحاد السوفييتي سلاحاً قوياً من أسلحة الدعاية والإثارة، فماذا عسى أن يكون وضع الهند المستعمَرة على حدود الصين الشيوعية في حرب عالمية ثالثة .. ؟
لقد استطاع (الثعلب الهرم) أن ينشئ في شبه القارة الهندية منطقة أمان، وبعبارة أخرى: حجراً صحياً ضد الشيوعية، ولكنه عرف أيضاً كيف يخلق بكل سبيل عداوة متبادلة بين باكستان والهند، وكان من أثرها عزل الإسلام عن الشعوب الهندية من ناحية، والحيلولة دون قيام اتحاد هندي قوي من ناحية أخرى؛ ولقد بذل هذا السياسي غاية جهده لتدعيم هذه التفرقة، وتعميق الهوة بين المسلمين والهندوس؛ تلك الهوة التي انهمرت فيها دماء ملايين الضحايا، من أجل هذا التحرر الغريب، فكان الدم أفعل في التمزيق من الحواجز والحدود، حتى إن (باتل) (٢) كان يثور عندما يتحدث عن باكستان، بعد أن بذلت الرابطة الإسلامية أقصى وسعها لتشجيع أعمال الفوضى والاضطراب، أضف إلى ذلك مشكلة كشمير المزعجة، وهي ليست أقل عقبة في طريق الصلح بين الأخوين المتخاصمين.
стр. 97
فهل يدرك الأخوان المغزى الميكافيلي لما أعلنه أحد الزعماء الصهيونيين منذ عام حين قال: ((من الواجب أن تقوم بين الهند وإسرائيل علاقات وثيقة حتى نخضد شوكة الإسلام)) .. ؟ إن معنى ذلك- بالقول الفصيح- أن تندلع الحروب بين الدولتين التوءمين اللتين تتقاسمان الهند في عالمنا الحديث، غير أن ظلاً هائلاً قد انبسط على الخريطة، فإن الذين يحرضون (باتل) ضد باكستان، أو يدفعون باكستان ضد الاتحاد الهندي، يرون بأعينهم ظل (ماوتسي تونغ) وهو يمتد على طول جنوبي آسيا.
ويخطر لنا في هذا المقام أيضاً وضع سورية، فإنها لا تدين باستقلالها لمبدأ محرر، بل لمجرد الملابسات الدولية التي كانت تلوح في نهاية الحرب العالمية الثانية بنشأة دولة إسرائيل المقبلة، ومما لا جدال فيه أن الشعب السوري قد أفاد من هذا كله، وكانت تصرفات بعض الحكام فيما بعد في سورية تعبيراً عن عرفان بلادهم بجميل محرريها، فاتخذوا إجراءات معينة ضد إحدى الجماعات الإسلامية. وعلى هذا يرى بعض الساسة أن شعوب شمال إفريقية لن تستطيع الفكاك من ربقة الاستعمار إلا في ظروف دولية مشابهة (١)، أما نحن فنرى أن هذه الشعوب لن تبلغ تحرراً حقاً إلا إذا أعدت بنفسها أدوات تحررها إعداداً علمياً.
وهكذا تظهر لنا سذاجة الرأي الذي توحي به عناوين الصحافة الجزائرية، من مثل قولها: ((إن تحزير شعوب آسيا سيعقبه حتما تحرير الشعوب المستعمَرة في إفريقية)). فإن صيغة كهذه، توحي بفكرة زائفة عن آلية التحرر التي لا توجد بكل أسف إلا في عقل كاتب المقال، لأن تحرر بلد ما لا يحتم بداهة تحرر بلد آخر.
стр. 98
فهناك موقفان ممكنان: إما أن ننتظر حتى تتحقق الشروط من تلقاء ذاتها، وإما أن نعدها نحن بطريقة إيجابية.
وعليه فإن المشكلة الرئيسية؛ هي أنه لكي نتخلص من الاستعمار، يجب أن نتخلص من القابلية للاستعمار، وأن نكف عن نسج الخرافات. إننا لم نبرأ حتى الآن من (ذهان السهولة) ويدلنا على ذلك أنني- وأنا أكتب هذه السطور- وقعت عيني على آخر ما كتب خاصاً بسياسة شمال إفريقية، فإذا به نداء إلى الأمم المتحدة، وهجوم على الاستعمار (١)، وليس فيما قرأت توجيه جديد أو إشارة إلى الوسائل المادية، أو تحديد للجهد اليومي الضروري لتغيير عوامل القابلية للاستعمار، للقضاء على عوامل الاستعمار.
وإنما يجب أن نقرر أن قضية فلسطين قد أيقظت الوعي العام من خدره، ونحن نرى فيها المحور التاريخي الذي أخذ العالم الإسلامي يدور حوله باحثاً عن اتجاه إيجابي جديد.
...
стр. 99
العوامل الخارجية
﴿إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾
[النمل ٢٧/ ٣٤]
ــ
كان حديثنا فيما سبق عن الجانب الداخلي من الفوضى وحده، وهو جانب القابلية للاستعمار، ولكن هناك أيضاً جانباً خارجياً هو جانب الاستعمار، وهو لا يظهر هنا في صورة أسطورة تكف العالم الإسلامي عن التطور، وذهان يشله عن التغلب على مصاعبه النفسية والاجتماعية فحسب، بل يظهر أيضاً في صورة مُحَسَّة، وأعمال سالبة تهدف إلى طمس قيم الفرد، وإمكانيات تطوره، ويكون هذا الجانب أكثر ظهوراً حينما يكون الاستعمار استبدادياً، كما كانت حاله في إندونيسيا وطرابلس الغرب، وكما هو الآن في شمال إفريقية.
هذان الجانبان ليسا منفصلين، فهما يتداخلان ويختلطان، ولكنا ملزمون بفصل كل منهما عن الآخر كيما نبين أهميته الخاصة على حدة. ولا شك أن من الضروري تحديد مفهوم عبارة (الاستعمار الاستبدادي)، فإن للاستعمار صورتين: إحداهما صورة الاستعمار المتحفظ، لأنه لا يتدخل مباشرة في نواحي حياة المستعمر جميعها، بل يطلق لأبناء المستعمرة بعض مظاهر الحرية؛ وعلى العكس من ذلك صور (الاستعمار الاستبدادي)، الذي يتدخل تدخلاً مباشراً في جميع تفاصيل الحياة، حتى الدينية منها، فتدخله يمتد إلى كل شيء، فيخصص لأبناء المستعمرات (مدرسة استعمارية) يستعمر بها عقولهم، وإذا ما سمح
стр. 100
لمستعمر بأن يدير مقهى لحسابه، ألزمه أن يتخذ لمقهاه عنواناً تجارياً يسم تجارته بسمة المستعمرين.
والعجيب أن لهذا الاستبداد الشامل بشؤون المستعمرات مجامع علمية تتبناه، وتقوم على دراسته وتوجيهه، كـ (مدرسة العلوم الاستعمارية بباريس)، وله أيضاً خطته العامة: وهي الميثاق الاستعماري الذي يتعدل تبعاً لظروف الموقف وسير الأحداث. وهناك مؤتمرات دورية تخفي أغراضها بأسمائها: كمؤتمر فولتا (١)، أو مؤتمر أصدقاء لستراداموس (٢) ... الخ. وهي تتناول دائماً بالبحث السياسة الاستعمارية، وخطتها الفنية في الاستعمار الأخلاقي والمادي.
وهكذا يحدق الاستعمار بحياة المستعمر من كل جانب، ويوجهها توجيهاً ماكراً لا يغفل أتفه الظروف وأدق التفاصيل.
ومن الواضح أن الاستعمار بصورته هذه يعد عنصراً جوهرياً في فوضى العالم الإسلامي، فهو لا يتدخل فقط بمقتضى العلاقة المباشرة بين الحاكم والمحكوم، بين المستعمِر والمستعمَر، وإنما يتدخل أيضاً بصورة خفية في علاقات المسلمين بعضهم ببعص.
(فحضوره) (٣) يتدخل في أتفه تفاصيل الحياة اليومية وأبعدها عن الظن ويستطيع المتنزه في شوارع الجزائر أن يلاحظ في جولته ثلاثة مشاهد على الأقل لها دلالتها في هذا الصدد: سيرى مثلاً صبية صغاراً يبيعون البرتقال، وإذا بالشرطة تطاردهم، ثم إذا بأحدهم ينجو بنفسه ملقياً بضاعته التافهة خلف
стр. 101
ظهره، بينما الشرطي يلاحقه وعلى وجهه أمارات الجد، كأنه يقوم بمهمة خطيرة. وسيرى أطفالاً آخرين، وقد راحت نظراتهم الزائغة تتربص مرور غرّ ينخدع بمظهرهم، بينما هم يمثلون (رواية البؤس) بطريقة تشوه من قيمة بؤسهم، وهم يلحون على من يستجدونه بأدعية مثيرة، كل هذا يحدث ورجل الشرطة رائح غاد أمام المشهد المهين دون أن ينبس بكلمة.
ثم يرى في المسار نفسه بعض قارئي الكف من المنجمين، وقد تعمموا بعمائم فخمة، يدعون كل سائح يتجول، وكل امرأة تمر، دون أن ينبس الشرطي أيضاً ببنت شفة.
إن لهذه المناظر اليومية دلالتها ومغزاها، فهي تكشف لنا عن فلسفة الاستعمار، التي تعبر عنها الآية التي صدرنا بها هذا الفصل: ﴿إِنَّ الْمُلُوكَ (١) إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾. [النمل ٢٧/ ٣٤].
كذلك نجده يحول بين الشعب وبين إصلاحه نفسه، فيضع نظاماً للإفساد والإذلال والتخريب، يمحو به كل كرامة أو شرف أو حياء. وهكذا يجد الشعب المستعمَر نفسه محاصَراً داخل دائرة مصطنعة، يساعد كل تفصيل فيها على تزييف وجود الأفراد. ومن المسلم به أن هذا التضليل العلمي يعد تقويضاً لكيان الشعوب، يتعدل دائماً تبعاً للطوارئ، ليقف في وجه كل محاولة أو طاقة جديدة، فيحدها ويهدمها. ومن هنا كان الاستعمار ولوعاً بتتبع (النهضة الإسلامية)؛ ومن السهولة بمكان أن نعرف ما يريد الاستعمار أن يقحمه في المجتمع الإسلامي الحديث من عناصر الإرجاف، وعوامل التنافر. فإن مقدرته وطموحه
стр. 102
غير المحدودين يوسوسان له بفكرة مجنونة دامية، هي إيقاف سير الحضارة في البلاد المستعمرة؛ لذلك نجده يجند جموع المتخلفين المتهالكين لتقف في وجه دعاة التجديد حتى كأننا أمام مشهد روائي، يمثل فيه مدعو التصوف والإقطاعيون وبعض العلماء والجامعيون المخدوعون، دور الرجوع إلى تقاليد الإسلام (١)، حتى لقد صارت كلمة (تقاليد) هذه، (كلمة السر) في السياسة الاستعمارية.
فأمام الجهد الإصلاحي تقف موجة من القتام الصاخب تحيي موات الأشكال البالية والخرافات الدارسة، وإذا بشخوص محنطة، ترجع في عهدها إلى قرون ما بعد الموحدين تتسكع في بعض العواصم، لتمثيل (تقاليد الإسلام) في رواية السياسة الاستعمارية الرجعية. فالاستعمار يصرخ في كل لحظة في تاريخ الشعوب المستعمرة بتلك الكلمة التي صرخ بها يوشع حين قال: ((أيتها الشمس ... قفي ... )).
والعجيب أن هذا الزعم الشاذ الذي لم يخطر بفكر جنكيز خان أو أتيلا (٢)، يعد اليوم الشكل السياسي لأحط ألوان الاستبداد الإنساني، في هذا القرن العشرين، قرن الحضارة الأوربية والمسيحية. وكثيراً ما برزت هذه المحاولة في أفعال المستعمرين، وخاصة منذ أن تزلزل توازن ما بعد الموحدين بفعل ضغط السيد جمال الدين، الرجل الذي فجر هذا التوازن الراكد.
فلم يكف الاستعمار لحظة عن خلط الطاهر بالدنس، مدفوعاً بتلك الفكرة الدنسة التي تملي عليه أن يوقف سير الشعوب نحو النور، حفاظاً على مصالحه المادية. ومن الأمثلة على خلطه وتخبطه تلك الطبعات الزائفة للقرآن، التي
стр. 103
ظهرت وانتشرت في مصر في بداية هذا القرن، وحسب المزيفون أنهم بذلك يقوضون أساس الفكرة الإسلامية الناهضة، بل لقد بلغت بهم القحة أن يهزؤوا بالمسلمين عندما انفضحت مكيدتهم، حتى لقد سمعت بنفسي أحد كبار الأساتذة في باريس وهو يعلن: ((هل المسلمون بحاجة إلى أن يحموا القرآن، والله قد وعدهم بحفظه .. ؟)).
ومهما يكن من شيء، فإن الاستعمار قد شاد (سياسته الاستعمارية) بمثل هذه الوسائل في التحريف والإفساد والتزييف، فهو بهذا مسؤول عن جانب كبير من فوضى العالم الإسلامي، وليس ممكناً في هذا المجال أن نهمل تفصيلاً، أو أن نلخص وقائع، ونركزها في مصطلحات منهجية، فإن النظام لا يفارق تفاصيله، فهي الشاهد المادي المباشر على مسؤوليته.
ولكنا لا ندعي هنا أننا نروي كل التفاصيل الشاذة، التي تتسرب إلى الحياة الإسلامية دون انقطاع، كما تندس حبات الرمل في أجزاء المحرك، بل حسبنا أن نقول: إن الاستعمار هو أفظع تخريب أصاب التاريخ.
بيد أن هناك تفاصيل تستحق أن نوردها، ومنها هذا المثال الذي تلقيناه بوصفه حادثاً عارضاً عادياً من حياة الشعب الجزائري، وهو يصور لنا موقفاً غريباً لتدخل الرجعية التي يريد بعثها الاستعمار الفرنسي، وكيف تصرف إزاءها أصحاب المبادئ الحديثة الحية، الصادرة عن إرادة الشعب. حدث هذا في مدينة (الأغواط)، حيث قضى سير الحياة الطبيعي على المرابطين وطريقتهم، فاختفت منذ بعيد من عادات الشعب وتقاليده، وبرغم هذا فوجئ الناس بضجيج كانوا قد نسوه، وذهلوا بأن رأوا مواكب غريبة تجوب أنحاء المدينة؛ كانت مواكب المرابطين.
ولكم كان كريهاً أن يستعرض هؤلاء أشكالاً فات أوانها، وتخلفت عن ركب
стр. 104
التطور، مع ماضي ما بعد الموحدين؛ ولذلك فكر قادة الكشافة من فورهم في تنظيم عرض يصاحب الموكب الساخر في شوارع المدينة، وكان من حظ الموكب الكبير ضحكات ونكات كانت من أفواه المارة، فتفرق أيدي سبأ، وكأنما أدرك منظموه أن ليل المهازل قد انجلى، ومضى زمان الأشباح.
وبمثل هذا تختار الإدارة الاستعمارية شخوصاً مطعونين في خلقهم، ممروضين في أبداخهم، لكي (يمثلوا) الشعب المسلم في الجمعيات السياسية (١)، ويا لها من مكيدة مفضوحة خيوطها بيضاء، يرتد سهمها إلى ناسجيها، وهم لا يكفون عن محاولاتهم، لعلهم يستطيعون تخدير الضمير المسلم.
وعجيب أمر الاستعمار، يبدو في قمة سذاجته وعناده حين لا تكف ميكيافيليته ساعة من نهار عن محاولة هذا التخدير، مهما أصابها من فشل، ومهما بعثرت من الأموال الطائلة على أولئك العملاء، وقد كان جديراً أن تنفق في مشروعات أنفع.
أما القدر الضئيل من مشاريع العمران، فمن السهل أن نلمح في طراز بنائه طابع الهوان، الذي يحاول الاستعمار بكل ثمن إلحاقه بحياة المسلمين، وخاصة في أشكال السراديب المتنوعة التي تعد تقدماً بالنسبة لأكواخ الصفيح، حيث استنقع (٢) فقراء الناس بجموعهم الغفيرة.
أما طراز مدن السراديب الموجودة في ضواحي الجزائر، فإنه تسجيل لطابع الاستعمار المهين الذي ألصقه بفن البناء، حين جعل أسقف المنازل أشبه بالقبو أو بظهر الحمار، وليس هذا بكل بساطة سوى ضرب من ضروب التنكر للذوق الإسلامي، ومحو للطراز العربي الجميل الذي خلف آثاراً لا تمحى في الأندلس.
стр. 105
بل لقد بلغ التدخل في شؤون المسلمين حداً لم تفلت منه التوافه، فلقد جرت عادة الإدارة عند افتتاح مقهى أن تشترط كتابة لافتته هكذا: ((مقهى عربي بإدارة الأرملة فلانة)).
أما في تونس فقد كان الأمر أشنع؛ إذ كان صاحب المقهى ملزماً بمقتضى الترخيص الممنوح له، بأن يقدم لمدخني الحشيش ما يطلبون منه بما يحتاجه من خدمة وأدوات، كان ذلك ولا شك حتى ينسى الناس الماضي والحاضر والمستقبل.
فإذا لم ينكب العالم مع هذا البلاء كله بالتجرد من أخلاقه، وإذا لم يفقد حاسته الخلقية، فما ذلك إلا لأن الروح الإنساني خالد لا يفنى، وأن رجال العقائد على اختلاف مللهم ونحلهم ليدينون بالجميل للاستعمار، إذ أمدهم بالدليل القاطع على خلود الروح.
ولم يحدث في عصر من العصور، أن ارتد الإنسان إلى خصائص الحيوان، كما حدث في هذا العصر، وذلك بما تقدم من فطريات تختمر على صور وأشكال، وهي معامل مهيأة بما تحتاجه من الوسائل المادية والنفسية؛ معامل تأخذ صورة القوانين والبنوك والإدارات، والصحف والسجون والمدارس الاستعمارية.
وبفضل هذه المعامل استوى على قمة المجتمع الإسلامي الحديث رعاع الناس، بينما هبط إلى القاع خيارهم وصفوتهم. وما الحياة الفكرية في أي بلد مستعمر سوى تخمير يقصد به انتقاء أفكار يهتم المستعمر بها ليجعل منها أساساً (للبوليتيكا).
بل إن الاستعمار يتدخل في تقرير مصائر الأطفال في مدارسهم، فما إن يبدأ التلميذ امتحانه في الشهادة الابتدائية حتى يصبح دون أن يشعر هدفاً للجنة الممتحنين المحترمين التي تقدر درجاته، فإذا بهم يتآمرون عليه كيلا يصبح (مستعمَراً حقيراً) متفوقاً على زملائه من أبناء الأوربيين.
стр. 106
وهذه الفكرة نفسها هي التي تتحكم في حياة رجال الجيش، حتى لقد أدلى المارشال (فرانشيت ديسبري) يوماً بتصريح في أحد الاستعراضات قال فيه: ((إن الرتبة ليست حقاً لأبناء المستعمرات، ولكنها منحة لهم)).
والأمر سواء بالنسبة للتلاميذ أو المثقفين المسلمين، فليست الشهادة التي ينالها أو الوظيفة التي يظفر بها حقاً من حقوقه، وإنما هي منحة يُنْعَم بها عليه، ولهذا كان من المشكوك فيه أن تصلح هذه العينات المحزنة من أبناء الصفوة المسلمة لعمل نافع، وقد كانت ثماراً لمنح المستعمرين.
ويكون الأمر على عكس ذلك حين ينبغ عقل واع ذكي، فإن المستعمر يحاول بوسائل شتى تحطيمه، فإذا ما بدا عصياً عنيداً حطم أسرته، ليشل نشاطه.
وهكذا يعوق الحياة الفكرية في البلاد فيعوق بالتالي تطورها.
والاستعمار يستخدم طبعاً الطريقة نفسها في الميدانين الاقتصادي والاجتماعي، فهو يهدم مقومات البلاد المستعمرة ويحول بينها وبين إعادة بنائها. كذلك فعلت إنجلترا في مصر منذ احتلالها، فقد قضت على فكرة محمد علي، وعلى ما قام به الخديوي اسماعيل من تجهيز لإنشاء الصناعة الوطنية، دعك من الخمسين في المائة من أسهم قناة السويس التي انتزعت من الحكومة المصرية بالضغط والإرهاب.
أما في الجزائر فقد هدم الاستعمار منذ دخلها عدداً غير قليل من المؤسسات، وكانت هناك مؤسسة من نوع مؤسسات (سانسير) (١)، تربي اليتامى وتزوجهم، استمرت هذه المؤسسة بعد عام ١٨٣٠ ردحاً من الزمن تحت إدارة محسنة فرنسية،
стр. 107
ثم اختفت بدورها، وأصبحت أثراً بعد عين؛ أثراً في السجلات، وفي ذاكرة بعض شيوخ الجزائر.
وفي قسنطينة نشأت نقابة معينة، اتخذت لها اسماً ذلك العنوان الرمزي (نادي صلاح بك)، وكان صلاح بك هذا يسهم في زمانه في النشاط الاجتماعي، فيشجع التعليم والعمل، ولكنها أغلقت بأمر الإدارة الاستعمارية.
ولسنا نجد اليوم أثراً لفن النقش الدقيق والصور المصغرة، فلم يبق من صناعه إلا القليل النادر، من أمثال (عمر راسم) بالجزائر، فإذا ما قضى هؤلاء الفنانون قضى معهم فنهم، لأن الإدارة الاستعمارية لا تساعده بل تعمل جهدها للقضاء عليه. وهكذا نرى في كل ميدان من ميادين الحياة الاجتماعية وجهي الفوضى مقترنين كأنهما توءمان؛ الاستعمار والقابلية للاستعمار.
وما فرض الاستعمار رقابته على الحياة الدينية، إلا لعلمه بأن الدين وحده هو الوسيلة النهائية لتصحيح أخلاق الشعب، الذي فقد في غمار أزمة تاريخه كل هم أخلاقي.
وإذا كنا نجد اليوم شيئاً يدوي في جوانب النفس الإسلامية، فيردها قادرة على تغيير ذاتها، والتخلي عن جمودها، فلن يكون هذا الشيء سوى الإسلام. ولذلك لم تفلت هذه القوة الباعثة من تهجم الاستعمار، ففرض عليها أنواع القيود وأشكال الرقابات، حتى أصبح ميسوراً اليوم عندنا أن تفتح نادياً للميسر أو مقهى، أكثر من أن تفتح مكتباً لتحفيظ القرآن.
وأعجب من ذلك أن تجد الإدارة هي التي تعين رجال الدين كالمفتي والإمام، لا طبقاً لمشيئة جماعة المسلمين، بل تبعاً لهوى المستعمرين.
وبذلك تجمع في يديها أنفذ وسائل الإفساد، فاختيار رجل يؤم الناس في
стр. 108
المسجد، لا يكون بناء على تميزه بضمير حي، أو علم بأصول العقيدة، بل يراعى في ذلك ما يقدم للإدارة من خدمات، حتى كأنه (جاويش) صلاة.
ولا شك أن هذا التحكم في شعائر الدين، مما يقض مضاجع أصحاب العقائد من المؤمنين، ويقلق ضمائرهم، لما يرون من أحداث غاية في الفساد والفتنة: إمام جاسوس خؤون، ومُفْتٍ فاسد مفسد، وقاض منافق مرتشٍ؛ وغاية الاستعمار من ذلك كله، أن يجعل من الإسلام صورة عجيبة من حياة أصحابه المستعمرين. ومن أجل هذا فهو يكدس العقبات والعوائق والقيود على طريق النهضة الإسلامية.
بيد أننا نستطيع أن نعقد هنا مقابلة مباشرة بين القابلية للاستعمار والاستعمار باعتبارهما عوامل شلل وتعجيز، وسندرك من هذه المقابلة، أن المستعمَر يمكنه أن يتحرر من قابليته في الوقت الذي يستخدم فيه ذكاءه وجهده لتذليل العقبات وتخطي العوائق وتحطيم القيود.
ولقد رأينا وما زلنا نرى في الجزائر، أن المسلم- حتى في مرحلة ما بعد الموحدين- لا يطيق المساس بدينه، فهو يصدف عن المساجد والمدارس التي سيطر عليها الاستعمار بواسطة عملائه، ليرفع بنفسه مساجد جديدة يعبد الله فيها دون قيود، وليشيد بيديه مدارس جديدة يتابع فيها أطفالهم، وهذه المحاولات تدلنا على أن الأمر لا يحتاج إلى الخطابة عن حرية العبادة أو نشر التعليم، وإنما يحتاج إلى القيام بأعباء اجتماعية، وأداء واجبات ملزمة.
ومن الجميل حقاً أن يحصل المرء على (حقوقه) التي يطالب بها، ولكن من المؤسف حقاً أن نقلب نظام القيم فنقدم (الحقوق) على (الواجبات)، فذلك يزيد نسبة التخليط والقلق والفوضى في حياتنا، لأنه يضاعف خطوات (البوليتيكا) الخاطئة.
стр. 109
إن الاستعمار ما زال يدق أجراس الليل، داعياً المستعمرين إلى مواصلة الهجوع، ولكن ساعة النوم قد انقضت، وذهبت إلى حيث ألقت أشباح الاستسلام في العالم الإسلامي.
***
стр. 110
الفصل الرابع
فوضى العالم الغربي
﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾
[آل عمران: ٣/ ٥٤]
ــ