← Общие книги

Общие книги · id 37831

صلاح البيوت

محمد علي محمد إمام

Полный текст (443 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

نساء خائفات - أم المؤمنين السيدة عائشة الصديقة بنت الصديق: فعن عوف بن مالك بن الطفيل، أن عائشة ﵂، حدثت أن عبد الله بن الزبير ﵄، قال في بيع أو عطاء أعطته عائشة ﵂: والله! لتنتهين عائشة أو لأحجرن عليها، قالت: أهو قال هذا! قالوا: نعم، قالت: هو لله علي نذر أن لا أكلم ابن الزبير أبداً، فاستشفع ابن الزبير إليها حين طالت الهجرة، فقالت: لا، والله لا أشفع فيه أبداً، ولا أحنث في نذري. فلما طال ذلك علي ابن الزبير كلم المسور بن مخرمة، وعبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث، وقال لهما: أنشد كما الله لما أدخلتماني علي عائشة ﵂، فإنها لا يحل لها أن تنذر قطيعتي، فأقبل به المسور وعبد الرحمن حتى استأذنا علي عائشة فقالا: السلام عليك ورحمة الله وبركاته، أندخل؟ قالت عائشة ﵂: ادخلوا، قالوا: كلنا؟ قالت: نعم ادخلوا كلكم، ولا تعلم أن معهما ابن الزبير، فلما دخلوا، دخل ابن الزبير الحجاب فاعتنق عائشة ﵂، وطفق يناشدها ويبكي، وطفق المسور وعبد الرحمن يناشدنها إلا كلمته وقبلت منه، ويقولان إن النبي ﷺ نهى عما قد علمت من الهجرة، ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال، فلما أكثروا علي عائشة من التذكرة والتحريج، طفقت تذكرهما وتبكى، وتقول: إني نذرت والنذر

стр. 107

شديد، فلم يزالا بها حتى كلمت ابن الزبير، وأعتقت في نذرها ذلك أربعين رقبة، وكانت تذكر نذرها بعد ذلك فتبكى حتى تبل دموعها خمارها. رواه البخاري (١) أخرج ابن سعد، عن عمرو بن أبى سلمة عن عائشة ﵂ قالت: والله! لوددت أني كنت مدرة، والله! لوددت أن الله لم يخلقني شيئا قط. وعن ابن أبى ملكية أن ابن عباس ﵁ دخل علي عائشة قبل موتها، فأثني عليها، قال: أبشري زوجة رسول الله ﷺ ... !!! ولم ينكح بكراً غيرك، ونزل عذرك من السماء، فدخل عليها ابن الزبير ﵁ خلافه، فقالت: أثنى عليَّ عبد الله بن عباس ولم أكن أحب أن أسمع أحدا يُثنى عليَّ، لوددت أني كنت نسيا منسيا (٢). وفي رواية الحاكم عن أبي ملكية قال جاء ابن عباس ﵁ يستأذن علي عائشه ﵂ في مرضها، فأبت أن تأذن له، فقال لها بنو أخيها: ائذني له، فإنه من خير ولدك، قالت: دعوني من تزكيته، فلم يزالوا بها حتى أذنت له، فلما دخل عليها، قال ابن عباس ﵄: إنك سميت أم المؤمنين لتسعدي، وإنه لأسمك قبل أن تولدي .. إنك كنت من أحب أزواج النبي ﷺ ، ولم يكن النبي ﷺ يحب إلا طيبا، وما بينك وبين أن تلقى الأحبة إلا أن تفارق الروح الجسد ولقد سقطت قلادتك يوم الأبواء فجعل الله للمسلمين خيرة في ذلك فأنزل الله ﵎ آية التيمم، ونزلت فيك آيات من القرآن فليس مسجد من مساجد المسلمين، إلا تلي فيه عذرك، أناء الليل وأناء النهار، فقالت: دعني من تزكيتك لي يا ابن عباس، فوددت أني كنت نسيا منسيا " (٣).

стр. 108

- أم المؤمنين أم حبيبة (رملة بنت أبي سفيان ﵂: أخرج بن سعد عن عائشة ﵂ قالت: دعتني أم حبيبة - ﵂ زوج النبي ﷺ عند موتها، فقالت: قد كان يكون بيننا مابين الضرائر، فغفر الله لي ولك ما كان من ذلك، فقلت: غفر الله لك ذلك كله وتجاوز وحللك من ذلك، فقالت: سررتني سرك الله! وأرسلت إلي أم سلمة فقالت لها مثل ذلك (١). - المرأة الغامدية: روى مسلم في صحيحه أن امرأة تسمى الغامدية جاءت إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله! إني زنيت فطهرني ... إلخ نفوس كريمة عفيفة , أخطأت .. أرغمها الخوف من الله أن تعترف بزناها لتتطهر في الدينا من الذنب وتلقى الله طاهرة نقية، ما الذي جاء بها إنه الإيمان بالله والخوف منه.

стр. 109

نساء عابدات .. قوامات - مريم ﵍: قال تعالى: ﴿يَمَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرّاكِعِينَ﴾ (١) قال قتادة في قوله ﴿اقْنُتِي لِرَبّكِ﴾: أطيعي لربك. عن أبى سعيد: كانت مريم تصلى حتى ترم قدماها. وعن الأوزاعى: كانت مريم تقوم حتى يسيل القيح من قدميها. وعن مجاهد. قال: لما قيل لمريم ﴿اقْنُتِي لِرَبّكِ﴾، قامت حتى ورمت قدميها. وبسبب المجاهدة واليقين على الله .... كان الله يرزقها بغير حساب كما في قولها ﴿إنّ اللهَ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (٢) (٣)

стр. 110

- أم سليمان النبي عليه وعليها السلام: عن عثمان بن أبى العاص قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " كان لداود ﵇ من الليل ساعة يوقظ فيها أهله يقول: قوموا فصلوا، فإن هذه الساعة يستجيب الله فيها الدعاء إلا لساحر أو عشار (١) ". رواه أحمد (٢). وكانت أم سليمان توصي ابنها وتقول: يا بني لا تدع الصلاة بالليل فإن النوم بالليل يجعل العبد فقيرا يوم القيامة. - أم المؤمنين زينب بنت جحش ﵂: كانت ﵂ تحب قيام الليل، لتخلوا بربها ، فتقوم حتى تتعب فتجعل لها حبل بين الأعمدة لتعتمد عليه، فعن أنس ﵁. قال: دخل النبي ﷺ المسجد فإذا بحبل ممدود بيني الساريتين (٣)، فقال: " ما هذا الحبل؟ قالوا: هذا حبل لزينب، فإذا فترت (٤) تعلقت به. فقال النبي ﷺ : " حلوه، ليصل أحدكم نشاطه فإذا فتر فليرقد " متفق عليه. (٥)

стр. 111

- أم المؤمنين حفصة بنت عمر بن الخطاب ﵄: لما طلقها رسول الله ﷺ جاء جبريل ﵇ وقال له: راجع حفصة، فإنها صوامة قوامة، وإنها زوجك فى الجنة ". رواه الطبراني برجال الصحيح. انظر لهذه المرأة الصالحة ـ الله أنزل جبريل من أجلها يأمر النبي ﷺ بمراجعتها ـ لأن الله يحبها .. لما بينها وبينه سبب واصل وهو مداومتها على الصوم والصلاة .. ولهذا ذكر ابن كثير فى كتابه البداية والنهاية: أن رجلا سأل امرأة عابدة أن تدعو له. فقالت: فهل بينك وبينه سبب واصل، فإذا دعوته لك استجاب لى. - معاذة بنت عبد الله أم الصهباء العدوية البصرية (رحمها الله): كانت إذا جاء النهار , قالت: هذا يومي الذي أموت فيه , فما تنام حتى تمسى , وإذا جاء الليل قالت هذه ليلتي التي أموت فيها , فما تنام حتى تصبح .. وإذا كان البرد كانت تلبس الثياب الرقاق حتى يمنعها البرد من النوم. وكانت تصلى في كل يوم وليله ستمائة ركعة , وتقرأ جزئها من الليل تقوم به. وكانت تقول عجبت لعين تنام وقد عرفت طول الرقود في ظلم القبور.

стр. 112

وكان زوجها صلة بن أشيم في مغزى معه ابن له , فقال: أي بني! تقدم فقاتل حتى احتسبك , فحمل فقاتل حتى قتل .. ثم تقدم فقتل , فاجتمعت النساء عندها فقالت: إن كنتن جئتن لتهنئنني فمرحبا بكن وإن كنتن جئتن لغير ذلك فارجعن .. ولم تتوسد معاذة فراشا بعد أبى الصهباء حتى ماتت. ولما جاءها الموت بكت ثم ضحكت فقيل لها مم بكيت ثم ضحكت؟ قالت: أما البكاء الذي رأيتم , فإني ذكرت مفارقه الصيام والصلاة والذكر فكان البكاء لذلك ... وأما الذي رأيتم من تبسمي وضحكى فإني نظرت إلى أبى الصهباء قد أقبل في صحن الدار وعليه حلتان خضراوان وهو في نضر ما رأيت لهم في الدنيا شبها فضحكت إليه ولا أراني أدرك بعد ذلك فرضا فماتت قبل أن يدخل وقت الصلاة (١). - حفصه بنت سيرين (رحمها الله):- نشأت في بيت تقوى وصلاح فأخيها محمد بن سيرين صاحب كتاب تفسير الأحلام .. قرأت القران وهى ابنة اثنتي عشرة سنه وماتت وهى ابنه تسعين سنه .. مكثت في مصلاها ثلاثين سنه لا تخرج إلا لحاجة أو لقائلة (٢). - فاطمة بنت محمد بن المنكدر (رحمها الله): كانت نهارها صائمة فإذا جنها الليل تنادى بصوت حزين: هدأ الليل واختلط الظلام وأوى كل حبيب إلى حبيبه وخلوت بك.

стр. 113

- امرأة رياح بن عمرو القيسى (رحمها الله): كان زوجها رجل صالح وأراد أن يختبر عزيمتها على قيام الليل، فتناوم، فقامت هى تصلى وأيقظته، فادعى التثاقل وأنه سيقوم، فكررت إيقاظه بعد ما مضى ربع الليل، وهكذا إلى أن مضى الليل ولم يقم فقالت: مضى الليل وعسكر المحسنون وأنت نائم! ليت شعرى من غرنى بك يا رياح (١). - - - - -

стр. 114

نساء فقيهات قال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُوْلََئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللهُ إِنّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (١). وقال تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنّ وَلاَ تَبَرّجْنَ تَبَرّجَ الْجَاهِلِيّةِ الاُولَىَ وَأَقِمْنَ الصّلاَةَ وَآتِينَ الزّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ إِنّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيرا * وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَىَ فِي بُيُوتِكُنّ مِنْ آيَاتِ اللهِ وَالْحِكْمَةِ إِنّ اللهَ كَانَ لَطِيفاً خَبِيراً﴾ (٢). فكان النبي ﷺ يجلس مع نساءه ويحدثهم، فيتعلمون منه أمور دينهم، وما أشكل عليهم شيئاً إلا سألوا عنه، فقد روى البخاري في صحيحه في كتاب العلم أن عائشة زوج النبي ﷺ كانت لا تسمع شيئاً لا تعرفه إلا راجعت فيه حتى تعرفه وأن النبي ﷺ قال: " ليس أحد يحاسب يوم القيامة إلا هلك " قلت: أو ليس يقول

стр. 115

الله: " فسوف يحاسب حساباً يسيراً " فقال: " إنما ذلك العرض؛ ولكن من نوقش في الحساب يهلك ". متفق عليه. (١) وكان رسول الله ﷺ كما جاء في الحديث عن أبى سعيد الخدرى قال: كان رسول الله ﷺ أشد حياءً من العذراء في خدرها ..... ) متفق عليه. (٢) فما كان يستطيع أن يجيب عن كل سؤال يٌعرض عليه من جهة النساء بالصراحة الكاملة، بل كان يكنى في بعض الأحيان .... ولربما لم تفهم المرأة عن طريق الكناية مراده ﵇، فتقوم أمهات المؤمنين بتوضيح مراد رسول الله ﷺ ، كما تروي لنا السيدة عائشة ﵂ ذلك، قالت: إن امرأة من الأنصار سألت رسول الله ﷺ عن غسلها من المحيض، فأمرها كيف تغتسل، ثم قال: خذي فرصة من مسك فتطهري بها " قالت: كيف أتطهر بها؟ قال سبحان الله! تطهري بها " فاجتذبتها إلىَّ فقلت لها: تتبعي بها أثر الدم. متفق عليه. (٣) فكانت نساء الأنصار حريصات على معرفة الأحكام في أخص أمورهن، فكانوا كما تقول السيدة عائشة ﵂: نعم النساء، نساء الأنصار لم يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين. وتروى لنا أم سلمة ﵂ قالت: قالت أم سليم: يا رسول الله! إن الله لا يستحيى من الحق، فهل على المرأة من غسل إذا احتلمت؟ قال: نعم، إذا رأت الماء " فغطت أم سلمة وجهها، وقالت: يا رسول الله! أو تحتلم المرأة؟ قال: " نعم " تربت يمينك، فبم يشبهها ولدها؟ "

стр. 116

وزاد مسلم براوية أم سليم " إن ماء الرجل غليظ أبيض، وماء المرأة رقيق أصفر، فمن أيها علا أو سبق يكون منه الشبه. (١) وفى رواية: فقالت أم سلمة: لقد فضحت النساء، ويحك أو تحتلم المرأة؟ - مثال آخر: عن عائشة ﵂ أن امرأة رفاعة القرظى جاءت إلى رسول الله ﷺ فقالت: إني كنت عند رفاعة، فطلقني فأبت طلاقي فتزوجت عبد الرحمن بن الزبير، وما معه إلا مثل هدبة الثوب، فتبسم رسول الله ﷺ فقال: أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ لا، حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك " متفق عليه (٢). فهكذا كن في حرصهن على معرفة ما ينفعهن من أحكام، يجعلهن يبحن، بأخص أسرارهن .. وكانت المرأة منهن تأتى إلى السيدة عائشة في الظلام لتسألها عن بعض أمور الدين .. من أحكام الحيض والنفاس والجنابة وغيرها. فكان لزوجاته الطاهرات أكبر الفضل في نقل جميع أحواله وأفعاله البيتية .... وعلى رأسهن السيدة عائشة ﵂ فكانت من الذكاء والفهم بمكان ... فعن عروة بن الزبير قال: ما رأيت أحداً أعلم بالقران ولا بفريضه، ولا بحلال ولا بحرام، ولا بفقه، ولا بطب، ولا بشعر، ولا بحديث العرب، ولا بنسب من عائشة " (٣)

стр. 117

وعن الزهري قال: لو جمع علم الناس كلهم، ثم علم أزواج رسول الله ﷺ لكانت عائشة أوسعهم علماً " (١) وعن عطاء بن أبى رباح قال: كانت عائشة أفقه الناس، وأعلم الناس، وأحسن الناس رأيا في العامة. (٢) وعن سفيان بن عيينة قال: قال معاوية بن أبى سفيان، يا زياد، أي الناس أعلم؟ قال: أنت يا أمير المؤمنين، قال: أعزم عليك، قال: أما إذا عزمت علىَّ عائشة. كان يسألها الأكابر من أصحاب رسول الله ﷺ .. فعن أبى موسى ﵁ قال: ما أشكل علينا أصحاب رسول الله ﷺ حديثا قط، فسألنا عائشة إلا وجدنا عندها منه علما ً " رواه الترمذي وصححه الألباني. (٣) وعن القاسم بن محمد قال: كانت عائشة ﵂، قد اشتغلت بالفتوى زمن أبى بكر، وعمر، وعثمان، وَهُلمَّ جراً إلى أن ماتت وكنت ملازما لها " وروى لها عن رسول الله ﷺ ألفان ومائتان حديث وعشرة أحاديث (٢٢١٠) أتفق الشيخان منهما على مائة وأربعة وسبعين حديثاً، وانفرد البخاري بأربعة وخمسين، ومسلم " ثمانية وسبعين .. وروى عنها خلق كثير من الصحابة والتابعين ﵃ أجمعين.

стр. 118

- أخي المسلم .. أختي المسلمة: تعالوا معي لننظر كم سنة صحبت عائشة ﵂ رسول الله ﷺ ، روى مسلم عنها: أن رسول الله ﷺ تزوجها وهى بنت سبع سنين، وزفت إليه وهى بنت تسع سنين ولٌعبها معها، ومات عنها وهى بنت ثمان عشر سنة " نجدها صحبت رسول الله ﷺ تسع سنوات ... فكان محصلتها هذا العلم الكثير، وقد ورد فيها حديث قال عنه الإمام ابن كثير في البداية والنهاية أنه لا يثبت " خذوا نصف دينكم عن هذه الحميراء " وأنت أخت المسلمة: كم سنة صحبتي زوجك؟ كم تعلمت ّّمنه؟!! فلا أدرى العيب فيك أم في زوجك؟ ... صراحة لا نظلمك، فالعيب في الرجال، لأنهم في خارج البيت دعاة، وداخل البيت .. أصحاب الطعام والشراب وقضاء الحاجات والشهوات، ونسوا قول الله تعالى: ﴿يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ قُوَاْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلاَئِكَةٌ غِلاَظٌ شِدَادٌ لاّ يَعْصُونَ اللهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ (١). والمرأة ظل الرجل ولا يستقيم الظل والعود أعوج.

стр. 119

- والمشايخ كل يوم يقولون يا أحباب اتقوا الله في النساء، وأقيموا حلقة التعليم في البيت ولكن لا حياة لمن تنادى!! إلا من رحم ربى .. نسأل الله أن يجعل بيوتنا كبيت النبي ﷺ ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَىَ فِي بُيُوتِكُنّ مِنْ آيَاتِ اللهِ وَالْحِكْمَةِ إِنّ اللهَ كَانَ لَطِيفاً خَبِيراً﴾ (١) - زواج بنت سيد التابعين (سعيد بن المسيب): ومن حلقة التعليم في البيت تخرجت ابنة سيد التابعين سعيد بن المسيب ﵀ التي خطبها الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان لابنه الوليد .. فرفض سعيد بن المسيب وخشي على ابنته من الترف في قصور بني أمية فتنس ربها .... وفي يوم من الأيام غاب عن مجلسه تلميذه عبد الله بن وداعة، لبضعة أيام ثم عاد مرة ثانيه، فسأله ابن المسيب: عن غيابه؟ فأخبره بوفاة زوجته وانشغاله بذلك، فقال ابن المسيب: فهلا أخبرتنا حتى نشهدها ونشاطرك العزاء؟ ثم سأله: هل استحدثت امرأة؟ هل تزوجت بأخرى؟ قال ابن وداعه: لا ومن الذي يزوجني لا أملك من الدنيا إلا ثلاثة دراهم، فقال ابن المسيب: أنا ثم وضع يده في يد عبد الله بن وداعة أمام الحاضرين إلى لمجلسه فى مسجد رسول الله ﷺ ثم حمد الله وأثنى عليه وصلى علي نبيه ﷺ ، ثم أشهد جماعة المسلمين أنه زوج كريمته لعبد الله بن وداعة على كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وأخذ سعيد بن المسيب ابنته ثم ذهب إلى بيت عبدالله بن وداعة ثم طرق الباب فخرج عبد الله فقال له سعيد: إنك كنت رجلا عزباً فتزوجت، فكرهت أن تبيت الليلة وحدك، وهذه امرأتك، ثم تركهم وانصرف، ولما أراد ابن وداعة أن

стр. 120

يخرج، قالت له زوجته: إلى أين؟ قال: لأحضر درس سعيد. فقالت له: اجلس هنا أعلمك علم سعيد. - ولهذه الزيجة من فوائد عظيمة جداً: ١ - درس وعبره لكل من ينتظر من يَطرق عليه الباب خاطباً لابنته، فمن ينتظر؟ دكتور مهندس .. صاحب الشركة .. صاحب المصنع .. أم صاحب الدين؟!! ٢ - كم كان في هذا الزواج من بساطة؟ ماذا دلت كلمة المرأة " اجلس حتى أعلمك علم سعيد "؟ تدل: على حلقات التعليم التي كان يبثها سعيد في بيته لزوجه ولأولاده. فلا تتعجب فإن أبيها سيد فقهاء التابعين .. وأمها بنت أبي هريرة ﵁. - فقه أم المؤمنين أم سلمة ﵂: قالت ﵂: كان الناس علي عهد رسول الله ﷺ يضعون أبصارهم في الصلاة موضع سجودهم، وفي عهد أبي بكر ﵁ قريبا من سجودهم، وفي عهد عمر طمحت أبصارهم إلي القبلة، وفي عهد عثمان ﵁ التفتوا يمينا وشمالا فحدثت الفتنة. وهذا يدل علي فقه أم سلمة ﵂ وفهمها، حيث ربطت حال الأمة بحالهم في صلاتهم .. ودليل علي قوة استنباطها للأحكام الفقهية الموافقة للنبي ﷺ ، فعن البراء بن عازب ﵁، قال: كان رسول الله ﷺ يتخلل الصف من ناحية، يمسح صدورنا، ومناكبنا، يقول: " لا تختلفوا فتختلف قلوبكم "

стр. 121

رواه أبو داود بإسناد حسن (١). وعن النعمان بن بشير ﵁ قال سمعت رسول ﷺ يقول: " لتسون صفوفكم أو لا يخالفن الله بين قلوبكم " متفق عليه حسن (٢). وقد رزقت أم سلمة هذا الفهم بسبب تضحيتها لدين الله . - فقه امرأة: نظر رجل إلى امرأته وهى صاعدة على السلم فقال لها: أنت طالق إن صعدت وطالق إن نزلت. وطالق إن وقفت .... فرمت بنفسها على السلم وسط الدار، فقال لها: فداك أبى وأمي، إن مات الإمام مالك أحتاج إليك أهل المدينة في أحكامهم. - فقه أم الشافعي رحمها الله: شهدت أم الشافعى عند القاضي هي ورفيقتها، فأراد القاضي أن يفصل بينهما، فقالت له أم الشافعي: ليس لك ذلك، لأن الله تعالي يقول: (أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى) (٣)

стр. 122

- وكان ابن سيرين إذا أشكل عليه شئ من القراءة، قال: اذهبوا فاسألوا حفصة بنت سيرين لأخته كيف تقرأ. (١) - وكانت أم عيسي بنت إبراهيم الحربي فاضلة عالمة تفتي في الفقه. (٢) - قال أبو الحسن الدارقطني: أمة الواحد بنت الحسين بن إسماعيل بن محمد القاضي المحاملي .. حفظت القرآن والفقه علي مذهب الشافعي، والفرائض وحسابها، والنحو وغير ذلك من العلوم .. مسارعة في الخيرات، وحدثت وكتب عنها الحديث (٣). - وهذه فاطمة بنت علاء الدين السمرقندي الحنفي صاحب كتاب " تحفة الفقهاء " حفظت التحفة فكانت فقيهة , طلبها كثير من الرجال فلم يزوجها والدها , وعندما صنف أبو بكر الكاساني كتابه " بدائع الصنائع" وهو شرح التحفة عرضه على شيخه – أبوها – ففرح به كثيراً وزوجه ابنته وجعل مهرها منه ذلك فقالوا: شرح تحفته فزوجه ابنته، وكانت الفتوى تأتي فتخرج وعليها خطها وخط أبيها فلما تزوجت صاحب البدائع كانت تخرج وعليها خطها وخط أبيها وخط زوجها .. مهرها كتاب وأم سليم مهرها إسلام أبو طلحة .. نساء تشرف التاريخ بذكرهن.

стр. 123

نساء وفيات لأزواجهن - امرأة نبي الله أيوب (﵇): كان أيوب (﵇) رجلا كثير المال من سائر صنوفه، وكان له أولاد وأهلون كثير، فسلب ذلك جميعه، وابتلي في جسده بأنواع من البلاء، ولم يبق منه عضو سليم سوي قلبه ولسانه، يذكر الله بهما، وهو في ذلك كله صابر محتسب، ذاكر الله في ليله ونهاره وصباحه ومسائه، وطال مرضه حتى عافه الجليس، وأوحش منه الأنيس، وأخرج من بلده، ولم يبق أحد يحنو عليه سوى زوجته، كانت ترعي له حقه، وتعرف قديم إحسانه إليها، وشفقته عليها، وكانت تتردد إليه وتُصلح من شأنه، وتعينه علي قضاء حاجته، وتقوم بمصلحته، وضعف حالها، وقل مالها، حتى كانت تخدم الناس بالأجر وتطعمه، وتقوم بأوده ﵂ وأرضاها) وهى صابرة معه على ما حل بها من فراق المال والولد، وما يختص به من المصيبة بالزوج، وضيق ذات اليد، وخدمة الناس، بعد السعادة والنعمة والخدمة والحرمة، وكانت تخدم الناس بالأجر وتطعم أيوب (﵇) خوفا أن ينالهم من بلاءه أو تُعديهم بمخالطته، فلما لم تجد أحداً يستخدمها، فعمدت إلي شعرها فقصته، وباعت لبعض بنات الأشراف إحدى ضفيرتها بطعام طيب كثير،

стр. 124

فأتت به أيوب، فقال من أين لك هذا، وأنكره، فقالتك خدمت به أناسا، فلما كان الغد لم تجد أحداً فباعت الضفيرة الأخرى بطعام فأتته به فأنكره أيضا وحلف لا يأكله، حتى تخبره من أين لها هذا الطعام، فكشفت عن رأسها خمارها، فلما رأي رأسها محلوقاً، قال في دعاءه: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ (١) فلما كان ذات يوم أبطأت عليه، فأوحي الله إلي أيوب في مكانه ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾ (٢) أي اضرب الأرض برجلك، فامتثل ما أمر به، فأنبع الله له عينا باردة الماء، وأُمر أن يغتسل فيها ويشرب منها، فأذهب الله عنه ما كان يجد من الألم والأذى والسقم والمرض الذي كان في جسده ظاهراً وباطناً، وأبدله الله بعد ذلك كله، صحة ظاهرة وباطنة، وجمالا تاما، فجاءت فلم تجده، فاستبطأته، فتلقته تنظره، وأقبل عليها قد أذهب الله ما به من البلاء وهو أحسن ما كان فلما رأته، قالت: أي بارك الله فيك، هل رأيت نبي الله هذا المبتلى، فوالله القدير علي ذلك ما رأيت رجلا أشبه به منك إذ كان صحيحاً؟ قال: إني أنا هو .. فعوض الله صبرهما خيراً، وأبدلهما بعد الشقاء والعناء الراحة والسعادة، وأخلفهما الولد، وأعطاهما المال الكثير، قال: ﷺ (بينما أيوب يغتسل عريانا، خر عليه جراد من ذهب، فجعل أيوب يحثي في

стр. 125

ثوبه، فناداه ربه : ألم أكن أغنيتك عما تري، قال: بلي يا رب! ولكن لاغني لي عن بركتك) رواه البخاري٠ أختي المسلمة .. انظري إلي إخلاص هذه المرأة العظيمة لزوجها، وصبرها عليه، ووفاءها له، وصيانتها لنفسها، وتفانيها في خدمته، ولم تتركه في أيام محنته .. كل ذلك ابتغاء مرضاة ربها ٠ قصص الأنبياء لابن كثير ص ٢٧٢ قيل: أن اسمها رحمة بنت إفراثيم، وقيل: ليا بنت يعقوب وقيل: ليا بنت منسا بن يعقوب - نائلة زوجة عثمان بن عفان ﵄: لما مات عثمان ﵁، وكانت نائلة زوجته مليحة الثغر، فكسرت ثناياها بحجر، وقالت: والله لا يجتليكن أحد بعد عثمان، وخطبها معاوية بالشام فأبت. (١) - أم الدرداء ﵄: يأتيها معاوية بن أبي سفيان ﵁ خاطبا بعد موت أبي الدرداء، فأبت أن تتزوجه، وقالت سمعت أبا الدرداء يقول: قال النبي ﷺ : " المرأة في آخر أزواجها " أو قال: " لآخر أزواجها " أوكما قال، ولست أريد بأبي الدرداء بدلا. (٢) إ

стр. 126

- فاطمة بنت عبد الملك بن مروان: لما تولى عمر بن عبد العزيز الخلافة أمر زوجته أن ترد إلي بيت المال، ما كان والدها أعطاها من جهاز وحُلي وجواهر .. فأمر به فحمل ووضع في بيت المال فلما مات عمر، وتولى الخلافة بعده يزيد أخوها، قال لها: إن شئت رددته عليك. وقالت: فإني لا أشاؤه، طبت عنه نفسا في حياة عمر، وأرجع فيه بعد موته؟! لا والله أبدا. وبكت عليه حتى عشي بصره. (١). إنه الحب .. إنه الوفاء .. إنه الرباط الوثيق الذي لايستطيع أحد أن يقطعه، ولو كان أمير المؤمنين. - - - - -

стр. 127

نساء صابرات - أم سليم ﵂: عن أنس قال مات بن لأبي طلحة من أم سليم فقالت لأهلها لا تحدثوا أبا طلحة بابنه حتى أكون انا أحدثه قال فجاء فقربت إليه عشاء فأكل وشرب فقال ثم تصنعت له أحسن ما كان تصنع قبل ذلك فوقع بها فلما رأت انه قد شبع وأصاب منها قالت يا أبا طلحة أرأيت لو ان قوما أعاروا عاريتهم أهل بيت فطلبوا عاريتهم الهم ان يمنعوهم قال لا قالت فاحتسب ابنك قال فغضب وقال تركتني حتى تلطخت ثم أخبرتني بابني فانطلق حتى أتى رسول الله ﷺ فأخبره بما كان فقال رسول الله ﷺ بارك الله لكما في غابر ليلتكما قال فحملت قال فكان رسول الله ﷺ في سفر وهي معه وكان رسول الله ﷺ إذا أتى المدينة من سفر لا يطرقها طروقا فدنوا من المدينة فضربها المخاض فاحتبس عليها أبو طلحة وانطلق رسول الله ﷺ قال يقول أبو طلحة انك لتعلم يا رب انه يعجبني ان اخرج مع رسولك إذا خرج وادخل معه إذا دخل وقد احتبست بما ترى قال تقول أم سليم يا أبا طلحة ما أجد الذي كنت أجد انطلق فانطلقنا قال وضربها المخاض حين قدما فولدت غلاما فقالت لي أمي يا أنس لا يرضعه أحد حتى نغدو به على رسول الله ﷺ فلما أصبح احتملته فانطلقت به إلى رسول الله ﷺ قال فصادفته ومعه ميسم فلما رآني قال لعل أم سليم ولدت قلت نعم فوضع الميسم قال وجئت به فوضعته في حجره ودعا

стр. 128

رسول الله ﷺ بعجوة من عجوة المدينة فلاكها في فيه حتى ذابت ثم قذفها في في الصبي فجعل الصبي يتلمظها قال فقال رسول الله ﷺ انظروا إلى حب الأنصار التمر قال فمسح وجهه وسماه عبد الله (١) - أم سعد بن معاذ ﵄: عندما قتل ابنها عمرو بن معاذ ﵁ جاءت تعدو، وسعد أخذ بلجام فرسه، فقال: يا رسول الله! أمي، فقال: " مرحباً بها " ووقف لها ... فلما دنت عزاها بابنها عمر بن معاذ، فقالت: أما إذا رأيتك سالماً، فقد اشتوت المصيبة (أي قلتَّ) ثم دعا لأهل من قتل بأحد وقال: يا أم سعد! أبشرى وبشرى أهلهم أن قتلاهم ترافقوا في الجنة جميعاً، وقد شفعوا في أهلهم جميعاً قالت: رضينا يا رسول الله! ومن يبكى عليهم بعد هذا؟ ثم قالت: يا رسول الله! أدع لمن خلفوا منهم، فقال: " اللهم اذهب حزن قلوبهم، واجبر مصيبتهم وأحسن الخلف على من خلفوا " (٢) وما أن تمر سنتان من موت عمرو إلا ويلحق به أخيه البطل الشهيد سعد بن معاذ ﵁ الذي اهتز له عرش الرحمن فرحا بقدوم روحه، علي أثر جرح قد أصابه في غزوة الخندق، بعد أن حكمه رسول الله ﷺ في بني قريظة – وهو ابن سبع وثلاثون سنة – فصاحت أمه فقال لها رسول الله ﷺ :" ألا يرقأ دمعك ويذهب حزنك، فإن ابنك أول من ضحك الله إليه، واهتز له العرش ". (٣)

стр. 129

فجاءت أم سعد تنظر إليه في اللحد، فردها الناس فقال رسول الله ﷺ : " دعوها "، فأقبلت حتي نظرت إليه وهو في اللحد قبل أن يبني عليه اللبن والتراب، فقالت: أحتسبك عند الله، وعزاها رسول الله ﷺ علي قبره. . (١) - قال الأصمعي: أصيبت أعرابية بابنها وهي حاجة، فلما دفنته، قامت علي قبره وقالت: والله! يا بني، لقد غذوتك رضيعا، وفقدتك سريعا، وكأنه لم يكن بين الحالين مدة ألتذ بعيشك فيها، فأصبحت بعض النضارة والغضارة ورونق الحياة، والتنسم في طيب روائحها، تحت أطباق الثرى، جسدا هامدا، ورفاة سحيقا، وصعيداً جرزاً. أي بني: لقد سحبت الدنيا عليك أذيال الفناء، وأسكنتك دار البلى، ورمتني بعدك بنكبة الردى. أي بني: لقد أسفر لي عن وجه الدنيا، صباح داج ظلامه. ثم قالت: أي رب: منك العدل .. وهبته لي قرة عين، فلم تمتعني به كثيرا بل سلبتنيه وشيكا ثم أمرتني بالصبر ووعدتني عليه الأجر، فصدقت وعدك، ورضيت قناعك، فرحم الله علي من ترحم علي من استودعته الروح، ووسدته الثرى - اللهم: ارحم غربته، وآنس وحشته، واستر عورته، يوم تنكشف الهنات والسوءات. ولما أرادت الرجوع إلي أهلها، قالت: أي بني! إنني قد تزودت لسفري، فليت شعري، ما زادك لبعد طريقك، يوم معادك؟

стр. 130

اللهم إني أسألك له الرضا، برضائي عنه٠ اللهم إني أستودعك من استودعتني إياه في أحشائي جنينا واثكل الوالدات، ما أمضى حرارة قلوبهن، وأقلق مضاجعهن، وأقصر نهارهن، وأقل أنسهن، وأشد وحشتهن، وأبعدهن من السرور، وأقربهن من الأحزان .. ثم حمدت الله واسترجعت وانصرفت وأبكت كل الحاضرين. - عجوز: وقفت عجوز أمام الحجاج بن يوسف الثقفي، يوم أن سجن ابنها، وحلف بالله للعجوز أن يقتله، فقالت في ثقة: لو لم تقتله لمات! ما أعقلك أيتها العجوز المؤمنة، الواثقة بربها .. وكيف أخذت هذا الأمر ببساطة؟ .. فما أحلي الإيمان، إذا امتلأ به القلب، وتنور به العقل، وفاض علي اللسان، وتزينت به الأركان٠ - - - - -

стр. 131

نساء يُحببن الإنفاق في سبيل الله - إنفاق أم المؤمنين عائشة ﵂: عن عبد الله بن الزبير ﵄، قال: مات رأيت امرأتين أجود من عائشة وأسماء ﵄ وجودهما مختلف، أما عائشة فكانت تجمع الشيء إلي الشيء، حتى إذا كان اجتمع عندها قسمت، أما أسماء فكانت لا تمسك شيئا لغد (١). وأخرج ابن سعد عن أم درة، قالت: أتيت عائشة ﵂ بمائة ألف ففرقتها وهي يومئذ صائمة، فقلت لها ما استطعت فيما أنفقت أن تشتري بدرهم لحما تفطرين عليه؟ فقالت لو كنت أذكرتين لفعلت ٠ (٢) وكانت ﵂ إذا أخرجت الصدقة تعطرها، وتقول: إنها تقع في يد الله قبل أن تقع في يد السائل٠

стр. 132

وإذا قال السائل: جزاك الله خيرا، تقول للخادم قول له: جزاك الله خيرا٠ (لا نريد منكم جزاء ولا شكورا) - إنفاق أم المؤمنين سودة بنت زمعة ﵂: أخرج ابن سعد، عن محمد بن سيرين: أن عمر ﵁ بعث إلي سودة ﵂ بغرارة من دراهم، فقالت: ما هذه؟ قالوا: دراهم، قالت في غرارة مثل التمر! ففرقتها ٠ - إنفاق زينب بنت جحش ﵂: عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : " أسرعكن لحاقا بي أطولكن يدا "، قالت: فكن يتطاولن، أيتهن أطول يداً، قالت: وكان أطولنا يداً زينب لأنها كانت تعمل بيدها وتتصدق٠ رواه البخاري ومسلم وللفظ لمسلم ٠ (١) وفي لفظ البخاري: قالت عائشة ﵂: فكنَّ إذا اجتمعنا في بيت إحدانا بعد وفاة رسول الله ﷺ ، نمد أيدينا في الجدار نتطاول، فلم نزل نفعل ذلك حتى توفيت زينب

стр. 133

بنت جحش وكانت امرأة قصيرة، ولم تكن بأطولنا، فعرفنا حينئذ أن النبي ﷺ إنما أراد طول اليد بالصدقة ٠ (١). وكانت زينب امرأة صناع اليد، فكانت تدبغ وتخرز وتتصدق به في سبيل الله٠ كذا في الإصابة لابن حجر٠ وكانت زينب ﵂ تخاف من فتنة المال٠٠ ويروي لنا ذلك بن سعد عن برة بنت رافع، قالت: لما خرج العطاء، أرسل عمر ﵁ إلي زينب بنت جحش بالذي لها، فلما دخل عليها، قالت: غفر الله لعمر! غيري من إخواني كان أقوي علي قسم هذا مني، قالوا: هذا كله لك، قالت: سبحان الله! واستترت منه بثوب، وقالت: صفوه واطرحوا عليه ثوبا، ثم قالت: أدخلي يدك فاقبضي منه قبضة، فاذهبي به إلي بني فلان، وبني فلان من أهل رحمها وأيتامها! حتى بقيت منه بقية تحت الثوب، فقالت لها برة: غفر الله لك يا أم المؤمنين والله! لقد كان لنا في هذا حق! قالت: فلكم ما تحت الثوب، قالت: فوجدنا ما تحته خمسة وثمانين درهما، ثم رفعت يدها إلي السماء، فقالت: اللهم! لا يدركني عطاء عمر بعد عامي هذا، فماتت٠ وفي رواية أخري لابن سعد: عن محمد بن كعب قال: كان عطاء زينب بنت جحش ﵂ اثني عشر ألفا، لم تأخذه إلا عاما واحدا، فجعلت تقول: اللهم لا يدركني هذا المال

стр. 134

من قابل فإنه فتنة، ثم قسمته في أهل رحمها، وفي أهل الحاجة، فبلغ عمر ﵁، فقال: هذه امرأة يراد بها خير، فوقف عليها وأرسل بالسلام، وقال: بلغني ما فرقت، فأرسل بألف درهم تستبقيها، فسلكت به هذا المسلك كذا في الإصابة - أم الدحداح ﵂: عن أنس ﵁ أن رجلا قال: يا رسول الله! إن لفلان نخلة وأنا أقيم حائطي بها، فأمره أن يعطيني حتى أقيم حائطي بها، فقال له النبي ﷺ : أعطه إياها بنخلة في الجنة، فأبي، قال: فأتاه أبو الدحداح ﵁ فقال: بعني نخلتك بحائطي، قال: ففعل، فأتي النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! ابتعت النخلة بحائطي، فاجعلها له فقد أعطيتكها، فقال:" كم من عزق رداح لأبي الدحداح في الجنة " قالها مرارا، قال: فأتي امرأته فقال: يا أم الدحداح! أخرجي من الحائط فإني قد بعته بنخلة في الجنة٠ وعن عبد الله بن مسعود قال: لما نزلت: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ (١) قال أبو الدَّحداح: يا رسول الله أو إن الله تعالى يريد منا القَرْضَ؟ قال: " نعم يا أبا الدَّحداح قال: أرني يدك؛ قال فناوله؛ قال: فإني أقرضتُ الله حائطًا فيه ستمائة نخلةٍ، ثم جاء يمشي حتى أتى الحائط وأم الدَّحداح فيه وعياله؛

стр. 135

فناداها: يا أم الدَّحداح؛ قالت: لبيك؛ قال: اخرجي، قد أقرضتُ ربي الحائط. قالت أمُّ الدَّحداح: ربح بيعك بارك الله لك فيما اشتريت، ثم أقبلت على صبيانها تخرج ما في أفواههم وتنفض ما في أكمامهم؛ حتى أفضت إلى الحائط الآخر (١). ماذا تقولين لو كنت مكانها؟ تصوري، لو أن زوجك عاد إليك يوما من عمله، فقال: يا أم فلان! وأنا في عودتي إليك من العمل، وجدت قوما منكوبين، ويحتاجون إلي المال، فأعطيتهم كل مرتبي لهذ الشهر؟ أدع لك الإجابة، أما أم الدحداح فقد تصدق زوجها بالحائط كله، الذي يقتاتون منه طول العام، ولكن السعادة تملأ قلبها، وتقول: ربح البيع .. يا لها من كلمة مملوءة بالإيمان بالله ﷻ ، والثقة فيما عند الله (٢). وجدير بنا أن نختم هذا الباب بوصية النبي ﷺ لأسماء بنت أبي بكر: " انفقي ولا تحصي فيحصي الله عليك، ولا توعي فيوعي الله عليك، ارضخي ما استطعت" متفق عليه (٣). - - - - -

стр. 136

نساء مضحيات - أم المؤمنين خديجة ﵂: كانت خديجة ﵁ امرأة تاجرة ذات شرف ومال، تستأجر الرجال على مالها فلما بلغها من صدق رسول الله ﷺ ، وعظم أمانته، وكرم أخلاقه، فبعثت إليه، فعرضت عليه أن يخرج لها في مال تاجرا إلي الشام، وتعطيه أفضل ما تعطي غيره من التجار، مع غلام لها يقال له ميسرة، فقبله رسول الله ﷺ منها وخرج في مالها ذاك، وخرج معه غلامها (ميسرة) حتى نزل الشام، فنزل ﷺ في ظل شجرة قريباً من صومعة راهب من الرهبان، فاطلع الراهب إلى "ميسرة" فقال: من هذا الرجل الذي تحت الشجرة؟ فقال "ميسرة ": هذا رجل من قريش من أهل الحرم. فقال الراهب: ما نزل تحت هذه الشجرة إلا نبي. وكان ميسرة، إذا كانت الهاجرة واشتد الحر، يرى ملكين يظلانه .. فلما قدم مكة أخبر ميسرة خديجة بما رأى من إظلال الملائكة لمحمد ﷺ وما سمع من قول الراهب فيه. وكانت خديجة امرأة حازمة شريفة لبيبة، فذكرت ذلك لورقة بن نوفل وكان ابن عمها، فقال ورقة: لئن كان هذا حقاً يا خديجة إن "محمداً " لنبي هذه الأمة .. عرفت أنه كائن لهذه الأمة نبي ينتظر هذا زمانه.

стр. 137

فبعثت خديجة للنبي ﷺ وأخبرته بإرادتها للزواج منه، وتزوجته ﷺ . . فلما بلغ سن الأربعين حٌبب إليه الخلاء، فكان ﷺ يخلو بغار حراء فيتحنث فيه - وهو التعبد الليالي ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله ويتزود لذلك ثم يرجع إلى خديجة، فيتزود لمثلها ... حتى جاءه الحق وهو في غار حراء .. فجاءه الملك فقال: أقرأ فقال: ما أنا بقارئ. قال: فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ منى الجهد ثم أرسلني. فقال: أقرأ فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثالثة، حتى بلغ منى الجهد. ثم أرسلني فقال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبّكَ الّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبّكَ الأكْرَمُ* الّذِى عَلّمَ بِالْقَلَمِ * عَلّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ (١) فرجع رسول الله ﷺ يرجف فؤاده، فدخل على خديجة بنت خويلد فقال: زملونى .. زملونى .. فزملوه حتى ذهب عنه الروع .. فقال لخديجة وأخبرها الخبر لقد خشيت على نفسي. فقالت خديجة: كلا والله، لا يخزيك الله أبدا .. إنك لتصل الرحم .. وتقرى الضيف، وتحمل الكَلَّ وُتكسب المعدوم، وُتعين علي نوائب الحق .. فانطلقت به خديجة حتى أتت ورقة بن نوفل - ابن عم خديجة وكان امرءاً قد تنصر في الجاهلية ... وكان يكتب الكتاب العبراني، فيكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب ... وكان شيخاً كبيراً قد عمى. فقالت له خديجة: يا بن عم! أسمع من ابن أخيك. فقال له (ورقة): يا بن أخي ماذا ترى؟ فأخبره رسول الله ﷺ خبر ما رأى. فقال له ورقة: هذا الناموس الذي كان ينزل على "موسى " يا ليتني فيها جذعاً، ليتني أكون حياً إذ يخرجك قومك فقال رسول الله

стр. 138

- ﷺ : أو مخرجي هم؟! فقال نعم، لم يأت أحد بمثل ما جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصراً مؤزرا. ثم لم ينشب " ورقة أن توفى وفتر الوحي فترة. رواه البخاري. وقالت خديجة لرسول الله ﷺ : يا بن عم، أتستطيع أن تخبرني بصاحبك هذا الذي يأتيك إذ جاءك؟ قال نعم. قالت: فإذا جاء فأخبرني به. فجاء جبريل، فقال رسول الله ﷺ : يا خديجة هذا جبريل قد جاءني فقالت: قم يا بن عمى فاجلس على فخذي اليسرى: فقام رسول الله فجلس عليها. فقالت: هل تراه؟ قال: نعم. قالت: فتحول واقعد على فخذي اليمني، فتحول رسول الله ﷺ فجلس على فخدها اليمني، فقالت هل تراه؟ قال نعم،، فحسرت فألقت خمارها ورسول الله ﷺ جالس في حجرها ثم قالت: هل تراه؟ قال: لا. قالت: يا بن عم اثبت وأبشر فو الله إنه بملك ما هذا بشيطان " رواه البيهقي (١) فكانت ﵂ عاقلة لبيبة .. فكانت أول من آمن به وصدقت بما جاء به من عند الله ووازر ته على أمره، فخفف الله بذلك عن رسوله، لا يسمع بشيء يكرهه من رد عليه، وتكذيب له، فيحزنه ذلك، إلا فرج الله بذلك عنه، إذا رجع إليها تثبته، وتخفف عنه وتصدقه وتهون عليه أمر الناس يرحمها الله تعالى. (٢) وبسب هذه التضحيات العظيمة التي قدمتها أمنا خديجة، ووقوفها بجوار حبيبه ونبيه محمد ﷺ بشرها الله بيت في الجنة، كما في الحديث عن أبى هريرة ﵁ قال: أتى جبريل النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! هذه خديجة قد

стр. 139

أتت معها إناء فيه إدام وطعام، فإذا أتتك، فاقرأ ﵍ من ربها ومنى، وبشرها ببيت فى الجنة من قصب، لا صخب فيه ولا نصب " متفق عليه. (١) وعن أنس ﵁ قال: جاء جبريل إلى رسول الله ﷺ فقال: إن الله يقرأ على خديجة السلام، فقالت: إن الله هو السلام وعلى جبريل السلام، وعليه السلام ورحمة الله " (٢) وعن عبد الله بن جعفر ﵁، أن رسول الله ﷺ سٌئل عن خديجة أنها ماتت قبل أن تنزل الفرائض والأحكام قال: أبصرتها على نهر من أنهار الجنة في بيت من قصب، لا لغو فيه ولانصب " رواه أحمد وأبو يعلى والطبراني وابن حبان والدولابى. (٣) قال السُهيلى في الروض الآنف: النكتة في قوله " من قصب " ولم يقل " من لؤلؤ، أن في لفظ القصب مناسبة، لكونها أحرزت قصب السبق بمبادرتها إلى الإيمان دون غيرها. (٤) وفى العام الذي ماتت فيه خديجة وعمه أبو طالب سمى عام الحزن .. لحزن رسول الله ﷺ على موتهما .. فكان ُيكثر الثناء عليها فروى، الإمام أحمد بسند جيد عن عائشة ﵂، قالت: كان رسول الله ﷺ إذا ذكر خديجة ﵂ أثنى فأحسن الثناء عليها، قالت فغرت يوماً، فقلت: ما أكثر ما تذكرها، حمراء الشدقين، قد أبدلك الله خيراً منها، فقال: " ما أبدلني الله خيرا منها،

стр. 140

قد آمنت بي إذ كفر بي الناس، وصدقتني إذ كذبني الناس، وواستني بمالها إذ حرمني الناس، ورزقني الله أولادها إذ حرمني أولاد النساء. (١) وعن عائشة قالت: ما غرت على أحد من نساء النبي ﷺ ، ما غرت على خديجة، وما رأيتها، ولكن كان يكثر ذكرها، وربما ذبح الشاة ثم يقطعها أعضاء ثم يبعثها في صدائق خديجة، فربما قلت له: كأنه لم تكن في الدنيا إلا خديجة فيقول: " إنها كانت، وكان لي منها الولد " متفق عليه. (٢) وبهذا قد تحصلت على الخيرية، ففي الحديث عن على قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: " خير نسائها مريم بنت عمران، وخير نسائها خديجة بنت خويلد " متفق عليه. (٣). يقول د/ نعمان أبو الليل (٤): لماذا فضلت خديجة ﵂ علي عائشة ﵂؟ ... فرغم علم عائشة ﵂ وفقهها، وكثرة روايتها للحديث، وخديجة ﵂ لم ترو حديث واحد، وعائشة بنت الصديق أبو بكر، وخديجة لم يدرك أبيها الإسلام .. مع ذلك فالفرق واضح في تفضيل خديجة علي عائشة، وذلك لأن خديجة عاشت مع النبي في الفترة المكية التي كانت كلها مشاق وتعب وقلق واضطراب والنبي كل يوم يشتم ويضرب، ويتهم بالسحر .. والكذب .. والكهانة .. والشعر، ويؤذي في الله، وما يستطيع أن يعبد الله إلا سراً، فكانت تواسيه بمالها ونفسها، وتؤازره وتسانده وتثبته علي دعوته، فما أن يرجع إلي بيته، فلا يجد منها إلي صدر الأم الحنون٠

стр. 141

وبالطبع إذا سب، وقيل له: ساحر .. فهي زوجة من؟ مجنون .. فهي زوجة من؟ أما عائشة ﵂ تزوجت الرسول ﷺ في الفترة المدنية، التي لاقي فيها ترحيب أهل المدينة (طلع البدر علينا) والمسلمون ملتفون حول رسول الله ﷺ ، وأبيها الصديق أبو بكر الوزير والصاحب الأول لرسول الله ﷺ (وثاني اثنين إذ هما في الغار) فأخذت مكانة اجتماعية عالية فتنادي: يا أم المؤمنين! .. والرسول ﷺ يدللها (يا عائش .. يا عويش .. يا موفقة .. يا ابنة الصديق) .. وهذا هو السبب الأول٠ أما السبب الثاني: في فضل خديجة هو قوة تضحيتها وإنفاقها، مثل آسية " امرأة فرعون " فقد ضحت بالجاه والمنصب والمكانة الاجتماعية المرموقة، فهي زوجة الملك وسيدة القصر وتنادي بالملكة والأميرة٠ أختي المسلمة: بعد أن قرأت كل هذا عن أول امرأة ضحت في سبيل الله من أجل هداية الناس وانتشار الإسلام، وكيف نالت كل الخير بسبب التضحيات التي قدمتها من أجل دين الله ، حيث نالت محبة الله ، ومحبة جبريل ﵇، ومحبة محمد ﷺ ، بل محبة جميع خلق الله من المسلمين إلى أن تقوم الساعة .. فهل نويت أختي المسلمة أن تكوني مثلها فتقومي بجانب زوجك جانباً لجنب، وتؤازريه، وتناصريه، وتشجعيه، على نصرة دين الله وتجهزيه للحركة في الأرض والخروج في سبيل الله لدعوة الناس إلى الله لتنالي ما نلته أم المؤمنين خديجة ﵂.

стр. 142

- زينب بنت رسول الله ( ﷺ ) (ورضي الله عنها): عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، قال: حدثت عن زينب بنت رسول الله ﷺ قالت بينما أنا أتجهز بمكة إلي أبي تبعتني هند بنت عتبة بن ربيعة، فقالت: يا بنت محمد ألم يبلغني أنك تريدين اللحوق بأبيك، قالت: فقلت: ما أردت ذلك، فقالت أي ابنة عم لا تفعلي إن كانت لك حاجة في متاع مما يرفق بك في سفرك وتبلغين به إلي أبيك فإن عندي حاجتك، قالت زينب: والله ما أراها قالت ذلك إلا لتفعل، قالت: ولكن خفتها فأنكرت أن أكون أريد ذلك، فتجهزت، فلما فرغت من جهازي قدم حموي كنانة بن الربيع أخو زوجي، فقدم لي بعير فركبت، وأخذ قوسه وكنانته، فخرج بي نهاراُ يقودها وهي في هودج لها، فتحدث بذلك رجال من قريش (ابن عبد العزي ونافع بن قيس الفهري لقرابة من بني أبي عبيد بإفريقية) يروعها هبار بن الأسود بالرمح، وهي في هودجها، وكانت المرأة حاملا فيما يزعمون، فلما وقعت طرحت ذا بطنها، فبرك حموها ونثر كنانته، ثم قال: لا يدنو مني رجل إلا وضعت فيه سهمي، فتلكأ الناس عنه وأتي أبو سفيان في جلة من قريش، فقال: أيها الرجل كف عنا نبلك حني نكلمك، فكف، فأقبل أبو سفيان، حتى وقف عليه فقال: إنك لم تصب، خرجت بالمرأة علي رؤوس الناس علانية، وقد عرفت مصيبتنا ونكبتنا وما دخل علينا من محمد ﷺ ، فيظن الناس وقد أخرج بابنته إليه علانية علي رؤوس الناس من بين أظهرنا، أن ذلك عن ذل أصابتنا عم مصيبتنا التي كانت وأن ذلك ضعف بنا ووهن، ولعمري ما لنا بحبسها عن أبيها حاجة، ولكن ارجع بالمرأة، حتى إذا هدأ الصوت وتحدث الناس أنا قد رددناها فسر بها سرا فألحقها بأبيها، قال، ففعل،

стр. 143

فرجع فأقامت لياليا، حتى إذا هدأ الصوت خرج بها ليلا، حتى سلمها إلي زيد بن حارثة وصاحبه، فقدما بها علي رسول الله ﷺ ٠ رواه الحاكم (١) وفي رواية أخري للحاكم: عن عروة بن الزبير عن عائشة زوج النبي ﷺ أن رسول الله ﷺ لما قدم المدينة خرجت ابنته زينب مع كنانة أو ابن كنانة، فخرجوا في أثرها فأدركهما هبار بن الأسود فلم يزل يطعن بعيرها برمحه حتى صرعها وألقت ما في بطنها وأهراقت دما فحملت فاشتجر فيها بنو هاشم وبنو أمية، فقال بنو أمية نحنُ أحق بها، وكانت تحت ابن عمهم أبي العاص، فصارت عند هند بنت عتبة بن ربيعة وكانت تقول لها هند: هذا بسبب أبيك فقال رسول الله ﷺ لزيد بن حارثة: ألا تنطلق فتجيئني بزينب، قال: بلي يا رسول الله! قال: " فخذ خاتمي فأعطها إياه فانطلق زيد فترك بعيره فلم يزل يتلطف، حتى لقي راعيا فقال: لمن ترعي، قال: لأبي العاص، قال: فلمن هذه الغنم، قال: لزينب بنت محمد، فسار معه شيئا، ثم قال له: هل لك أن أعطيك شيئا تعطيها إياها ولا تذكره لأحد قال: نعم فأعطاه الخاتم، فانطلق الراعي فأدخل غنمه، وأعطاها الخاتم، فعرفت، فقالت: من أعطاك هذا، قال: رجل، قالت: وأين تركته، قال: بمكان كذا وكذا، قال: فسكتت حتى إذا جاء الليل خرجت إليه، فلما جاءته، قال: لها اركبي، قالت: لا، ولكن اركب أنت بين يدي، فركب وركبت وراءه، حتى أتت فكان رسول الله ﷺ يقول هي أفضل بناتي أصيبت فيَ، فبلغ ذلك علي بن الحسين، فانطلق إلي عروة، فقال: ما حديث بلغني عنك تحدثت به تنقص به حق فاطمة، قال: عروة إني لا أحب أن لي ما

стр. 144

بين المشرق والمغرب وأني انتقص فاطمة ﵂ حقا هو لها، وأما بعد فإن لك أن لا أحدث به (١) - أم حكيم بنت الحارث بن هشام ﵂: لما كان يوم الفتح أسلمت أم حكيم بنت الحارث بن هشام، امرأة عكرمة بن أبي جهل، ثم قالت أم حكيم: يا رسول الله! قد هرب عكرمة منك إلي اليمن وخاف أن تقتله فآمنه، فقال رسول الله ﷺ : " هو آمن " فخرجت في طلبه ومعه غلام لها رومي، فراودها عن نفسها، فجعلت تمنيه حتى قدمت علي حي من عك، فاستعانتهم عليه، فأوثقوه رباطا، وأدركت عكرمة علي ساحل من سواحل تهامة، فركب البحر فجعل نوتي السفينة يقول له: أخلص، قال: أي شيء أقول؟ قال: قل لا إله إلا الله، قال عكرمة: ما هربت إلا من هذا، فجاءت أم حكيم علي هذا من الأمر، فجعلت تليح إليه، وتقول: يا ابن عم! جئتك من عند أوصل الناس، وأبر الناس، وخير الناس، لا تهلك نفسك، فوقف لها حتى أدركته، فقالت إني استأمنت لك رسولا الله ﷺ قال: أنت فعلت؟ قالت نعم! أنا كلمته فآمنك، فرجع معها، فقالت: ما لقيت من غلامك الرومي، وخبرته خبره فقتله عكرمة وهو يومئذ لم يسلم، فلما دنا من مكة، قال: رسول الله ﷺ لأصحابه: " يأتيكم عكرمة بن أبى جهل مؤمنا مهاجراً، فلا تسبوا أباه، فإن سب الميت يؤذي الحي ولا يبلغ الميت "، قال: وجعل عكرمة يطلب منها أن يجامعها فتأبى عليه، وتقول: أنت كافر، وأنا مسلمة، فيقول: إن أمراً منعك منى، لأمر كبير، فلما رأي النبي ﷺ عكرمة وثب إليه وما علي النبي ﷺ رداءً فرحا بعكرمة، ثم جلس رسول الله ﷺ فوقف بين يديه ومعه زوجته

стр. 145

متنقبة، فقال: يا محمد! إن هذه أخبرتني، أنك آمنتني، فقال رسول الله ﷺ : صدقت فأنت آمن، فقال عكرمة: فإلى م تدعو يا محمد! قال: " أدعوك إلى أن تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، وأن تقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتفعل وتفعل وعد خصال الإسلام، فقال عكرمة: والله! ما دعوت إلا إلي الحق وأمر حسن جميل، قد كنت والله!. كم من الفيافي والصحراء قطعتها أم حكيم، وكم جاء عليها من ليل ونهار، وهي تتبع زوجها، تتحرك علي قدميها، وتتحمل المشاق، لتحمل له نور الإيمان والهداية، وكم لاقت من غلامها الرومي في الطريق من المراودة عن النفس، وهي تتحمل وتصبر حتي جعل الله لها مخرجا، فضربت أروع الأمثلة في العفة والتضحية من أجل حب الله وحب رسوله صلي الله عليه وسلم. - أم شريك ﵂: هذه المرأة المسلمة التي أسلمت قديماً في مكة، ثم أخذت تدعو إلى الإسلام، فقد روى ابن عباس ﵁: قال وقع في قلب أم شريك ﵂ الإسلام، فأسلمت وهى بمكة وكانت تحت (أبى العسكر الدوسى)، ثم جعلت تدخل على نساء قريش سراً فتدعوهم إلى الإسلام حتى ظهر أمرها لأهل مكة فأخذوها وقالوا: لها لو قومك لفعلنا بك وفعلنا، ولكنا سنردك إليهم. قالت: فحملونى على بعير ليس تحتى شيئ موطأ ولا غيره ثم تركونى ثلاثاً لا يطعموننى ولا يسقوننى، قال: فما أتت على ثلاث حتى ما فى الأرض شيئ أسمعه، فنزلوا منزلاً، وكانوا إذا نزلوا أوثقونى فى الشمس وأستظلوا وحبسوا عنى الطعام والشراب حتى يرتحلوا، فبينما أنا كذلك إذ أنا بأثر شيئ على برد منه، ثم رفع، ثم عاد فتناولت، فإذا هو دلو ماء، فشربت منه قليلاً، ثم نزع منى، ثم عاد، فتناولته فشربته منه قليلاً، ثم رفع، ثم عاد أيضاً، ثم رفع، فصنع ذلك مراراً،
следующие страницы →