وبالطبع إذا سب، وقيل له:
ساحر .. فهي زوجة من؟
مجنون .. فهي زوجة من؟
أما عائشة ﵂ تزوجت الرسول ﷺ في الفترة المدنية، التي لاقي فيها ترحيب أهل المدينة (طلع البدر علينا) والمسلمون ملتفون حول رسول الله ﷺ ، وأبيها الصديق أبو بكر الوزير والصاحب الأول لرسول الله ﷺ (وثاني اثنين إذ هما في الغار) فأخذت مكانة اجتماعية عالية فتنادي: يا أم المؤمنين! .. والرسول ﷺ يدللها (يا عائش .. يا عويش .. يا موفقة .. يا ابنة الصديق) .. وهذا هو السبب الأول٠
أما السبب الثاني: في فضل خديجة هو قوة تضحيتها وإنفاقها، مثل آسية " امرأة فرعون " فقد ضحت بالجاه والمنصب والمكانة الاجتماعية المرموقة، فهي زوجة الملك وسيدة القصر وتنادي بالملكة والأميرة٠
أختي المسلمة: بعد أن قرأت كل هذا عن أول امرأة ضحت في سبيل الله من أجل هداية الناس وانتشار الإسلام، وكيف نالت كل الخير بسبب التضحيات التي قدمتها من أجل دين الله ، حيث نالت محبة الله ، ومحبة جبريل ﵇، ومحبة محمد ﷺ ، بل محبة جميع خلق الله من المسلمين إلى أن تقوم الساعة .. فهل نويت أختي المسلمة أن تكوني مثلها فتقومي بجانب زوجك جانباً لجنب، وتؤازريه، وتناصريه، وتشجعيه، على نصرة دين الله وتجهزيه للحركة في الأرض والخروج في سبيل الله لدعوة الناس إلى الله لتنالي ما نلته أم المؤمنين خديجة ﵂.
стр. 142
- زينب بنت رسول الله ( ﷺ ) (ورضي الله عنها):
عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، قال: حدثت عن زينب بنت رسول الله ﷺ قالت بينما أنا أتجهز بمكة إلي أبي تبعتني هند بنت عتبة بن ربيعة، فقالت: يا بنت محمد ألم يبلغني أنك تريدين اللحوق بأبيك، قالت: فقلت: ما أردت ذلك، فقالت أي ابنة عم لا تفعلي إن كانت لك حاجة في متاع مما يرفق بك في سفرك وتبلغين به إلي أبيك فإن عندي حاجتك، قالت زينب: والله ما أراها قالت ذلك إلا لتفعل، قالت: ولكن خفتها فأنكرت أن أكون أريد ذلك، فتجهزت، فلما فرغت من جهازي قدم حموي كنانة بن الربيع أخو زوجي، فقدم لي بعير فركبت، وأخذ قوسه وكنانته، فخرج بي نهاراُ يقودها وهي في هودج لها، فتحدث بذلك رجال من قريش (ابن عبد العزي ونافع بن قيس الفهري لقرابة من بني أبي عبيد بإفريقية) يروعها هبار بن الأسود بالرمح، وهي في هودجها، وكانت المرأة حاملا فيما يزعمون، فلما وقعت طرحت ذا بطنها، فبرك حموها ونثر كنانته، ثم قال: لا يدنو مني رجل إلا وضعت فيه سهمي، فتلكأ الناس عنه وأتي أبو سفيان في جلة من قريش، فقال: أيها الرجل كف عنا نبلك حني نكلمك، فكف، فأقبل أبو سفيان، حتى وقف عليه فقال: إنك لم تصب، خرجت بالمرأة علي رؤوس الناس علانية، وقد عرفت مصيبتنا ونكبتنا وما دخل علينا من محمد ﷺ ، فيظن الناس وقد أخرج بابنته إليه علانية علي رؤوس الناس من بين أظهرنا، أن ذلك عن ذل أصابتنا عم مصيبتنا التي كانت وأن ذلك ضعف بنا ووهن، ولعمري ما لنا بحبسها عن أبيها حاجة، ولكن ارجع بالمرأة، حتى إذا هدأ الصوت وتحدث الناس أنا قد رددناها فسر بها سرا فألحقها بأبيها، قال، ففعل،
стр. 143
فرجع فأقامت لياليا، حتى إذا هدأ الصوت خرج بها ليلا، حتى سلمها إلي زيد بن حارثة وصاحبه، فقدما بها علي رسول الله ﷺ ٠ رواه الحاكم (١)
وفي رواية أخري للحاكم:
عن عروة بن الزبير عن عائشة زوج النبي ﷺ أن رسول الله ﷺ لما قدم المدينة خرجت ابنته زينب مع كنانة أو ابن كنانة، فخرجوا في أثرها فأدركهما هبار بن الأسود فلم يزل يطعن بعيرها برمحه حتى صرعها وألقت ما في بطنها وأهراقت دما فحملت فاشتجر فيها بنو هاشم وبنو أمية، فقال بنو أمية نحنُ أحق بها، وكانت تحت ابن عمهم أبي العاص، فصارت عند هند بنت عتبة بن ربيعة وكانت تقول لها هند: هذا بسبب أبيك فقال رسول الله ﷺ لزيد بن حارثة: ألا تنطلق فتجيئني بزينب، قال: بلي يا رسول الله! قال: " فخذ خاتمي فأعطها إياه فانطلق زيد فترك بعيره فلم يزل يتلطف، حتى لقي راعيا فقال: لمن ترعي، قال: لأبي العاص، قال: فلمن هذه الغنم، قال: لزينب بنت محمد، فسار معه شيئا، ثم قال له: هل لك أن أعطيك شيئا تعطيها إياها ولا تذكره لأحد قال: نعم فأعطاه الخاتم، فانطلق الراعي فأدخل غنمه، وأعطاها الخاتم، فعرفت، فقالت: من أعطاك هذا، قال: رجل، قالت: وأين تركته، قال: بمكان كذا وكذا، قال: فسكتت حتى إذا جاء الليل خرجت إليه، فلما جاءته، قال: لها اركبي، قالت: لا، ولكن اركب أنت بين يدي، فركب وركبت وراءه، حتى أتت فكان رسول الله ﷺ يقول هي أفضل بناتي أصيبت فيَ، فبلغ ذلك علي بن الحسين، فانطلق إلي عروة، فقال: ما حديث بلغني عنك تحدثت به تنقص به حق فاطمة، قال: عروة إني لا أحب أن لي ما
стр. 144
بين المشرق والمغرب وأني انتقص فاطمة ﵂ حقا هو لها، وأما بعد فإن لك أن لا أحدث به (١)
- أم حكيم بنت الحارث بن هشام ﵂:
لما كان يوم الفتح أسلمت أم حكيم بنت الحارث بن هشام، امرأة عكرمة بن أبي جهل، ثم قالت أم حكيم: يا رسول الله! قد هرب عكرمة منك إلي اليمن وخاف أن تقتله فآمنه، فقال رسول الله ﷺ : " هو آمن " فخرجت في طلبه ومعه غلام لها رومي، فراودها عن نفسها، فجعلت تمنيه حتى قدمت علي حي من عك، فاستعانتهم عليه، فأوثقوه رباطا، وأدركت عكرمة علي ساحل من سواحل تهامة، فركب البحر فجعل نوتي السفينة يقول له: أخلص، قال: أي شيء أقول؟ قال: قل لا إله إلا الله، قال عكرمة: ما هربت إلا من هذا، فجاءت أم حكيم علي هذا من الأمر، فجعلت تليح إليه، وتقول: يا ابن عم! جئتك من عند أوصل الناس، وأبر الناس، وخير الناس، لا تهلك نفسك، فوقف لها حتى أدركته، فقالت إني استأمنت لك رسولا الله ﷺ قال: أنت فعلت؟ قالت نعم! أنا كلمته فآمنك، فرجع معها، فقالت: ما لقيت من غلامك الرومي، وخبرته خبره فقتله عكرمة وهو يومئذ لم يسلم، فلما دنا من مكة، قال: رسول الله ﷺ لأصحابه: " يأتيكم عكرمة بن أبى جهل مؤمنا مهاجراً، فلا تسبوا أباه، فإن سب الميت يؤذي الحي ولا يبلغ الميت "، قال: وجعل عكرمة يطلب منها أن يجامعها فتأبى عليه، وتقول: أنت كافر، وأنا مسلمة، فيقول: إن أمراً منعك منى، لأمر كبير، فلما رأي النبي ﷺ عكرمة وثب إليه وما علي النبي ﷺ رداءً فرحا بعكرمة، ثم جلس رسول الله ﷺ فوقف بين يديه ومعه زوجته
стр. 145
متنقبة، فقال: يا محمد! إن هذه أخبرتني، أنك آمنتني، فقال رسول الله ﷺ : صدقت فأنت آمن، فقال عكرمة: فإلى م تدعو يا محمد! قال: " أدعوك إلى أن تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، وأن تقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتفعل وتفعل وعد خصال الإسلام، فقال عكرمة: والله! ما دعوت إلا إلي الحق وأمر حسن جميل، قد كنت والله!.
كم من الفيافي والصحراء قطعتها أم حكيم، وكم جاء عليها من ليل ونهار، وهي تتبع زوجها، تتحرك علي قدميها، وتتحمل المشاق، لتحمل له نور الإيمان والهداية، وكم لاقت من غلامها الرومي في الطريق من المراودة عن النفس، وهي تتحمل وتصبر حتي جعل الله لها مخرجا، فضربت أروع الأمثلة في العفة والتضحية من أجل حب الله وحب رسوله صلي الله عليه وسلم.
- أم شريك ﵂:
هذه المرأة المسلمة التي أسلمت قديماً في مكة، ثم أخذت تدعو إلى الإسلام، فقد روى ابن عباس ﵁: قال وقع في قلب أم شريك ﵂ الإسلام، فأسلمت وهى بمكة وكانت تحت (أبى العسكر الدوسى)، ثم جعلت تدخل على نساء قريش سراً فتدعوهم إلى الإسلام حتى ظهر أمرها لأهل مكة فأخذوها وقالوا: لها لو قومك لفعلنا بك وفعلنا، ولكنا سنردك إليهم. قالت: فحملونى على بعير ليس تحتى شيئ موطأ ولا غيره ثم تركونى ثلاثاً لا يطعموننى ولا يسقوننى، قال: فما أتت على ثلاث حتى ما فى الأرض شيئ أسمعه، فنزلوا منزلاً، وكانوا إذا نزلوا أوثقونى فى الشمس وأستظلوا وحبسوا عنى الطعام والشراب حتى يرتحلوا، فبينما أنا كذلك إذ أنا بأثر شيئ على برد منه، ثم رفع، ثم عاد فتناولت، فإذا هو دلو ماء، فشربت منه قليلاً، ثم نزع منى، ثم عاد، فتناولته فشربته منه قليلاً، ثم رفع، ثم عاد أيضاً، ثم رفع، فصنع ذلك مراراً،
стр. 146
حتى رويت، ثم أفضت سائره على جسدى وثيابى، فلما استيقظوا، فإذا هم بأثر الماء، ورأونى حسنة الهيئة، فقالوا لى: انحللتى فأخذت سقاءنا فشربت منه؟ فقالت: لا الله ما فعلت ذلك كان من الأمر كذا وكذا، فقالوا: لئن كنتى صادقة فدينك خير من ديننا، فنظروا إلى الأسقية فوجدوها كما تركوها وأسلموا بعد ذلك (١).
فجهد المرأة على المرأة مثلها، من أحسن الجهود قبولا، حيث أن المرأة كثيراً ما تأثر في زوجها وأولادها، وذوى رحمها، ولا سيما إذا كان بينهم المودة والمحبة، كما فعلت أم حكيم بنت حزام ﵂، حيث كانت حريصة على إسلام زوجها عكرمة بن أبى جهل ﵁.
- أم سليم ﵂:
تضحي بصداقها إذا أسلم زوجها .. فقد أخرج الإمام أحمد عن أنس ﵁ أن أبا طلحة ﵁ خطب أم سليم ﵁ قبل أن يُسلم، فقالت: يا أبا طلحة! ألست تعلم أن إلهك الذي تعبده نبت من الأرض؟ قال: بلي. قالت: أفلا تستحي تعبد شجرة؟ إن أسلمت فإني لا أريد منك صداقا غيره، قال: حتى انظر في أمري، فذهب ثم جاء، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فقالت: يا أنس زوج أبا طلحه فزوجها. كذا في الإصابة.
انظروا إلى عقل هذه المرأة العظيمة التي ما رضيت بصداق غير الإسلام فكان صداقهاً أعظم صداقاً في الإسلام .. وقصة أم سليم أكبر مظهر من مظاهر مسئولية المرأة عن الدعوة إلى الله وتضحياتها.
стр. 147
- تحمل أسماء بنت أبي بكر الصديق ﵂:
أخرج الطبرانى عن أسماء بنت أبى بكر ﵂ قالت: كنت مرة في أرض أقطعها النبي ﷺ لأبى سلمه والزبير ﵄ في أرض بني النضير، فخرج الزبير مع رسول الله ﷺ ، ولنا جار من اليهود، فذبح شاة فطبخت، فوجدت ريحها، فدخلني ما لم يدخلني من شيء قط، وأنا حامل بابنتي خديجة فلم أصبر، فدخلت على امرأة اليهودي أقتبس منها ناراًُ لعلها تطمعني، وما بي من حاجة إلي النار، فلما شممت الريح ورأيته ازددت شرها (١)، فأطفأته، ثم جئت ثانياً اقتبس؛ ثم ثالثة، ثم قعدت أبكى وأدعو الله، فجاء زوج اليهودية فقال: أدخل عليكم أحد؟ قالت: العربية تقتبس ناراً. قال: فلا آكل منها أبداً أو ترسلي إليها منها، فأرسلت إلىَّ بقدحة - يعنى غرفة - فلم يكن شئ فى الأرض أعجب إلىّ من تلك الأكلة. كذا فى الإصابة (٢).
стр. 148
- أم المؤمنين أم سلمة (١) ﵂:
عن أم سلمة ﵂ قالت: لما أجمع أبو سلمة ﵁ الخروج إلى المدينة رحل لي بعيره، ثم حملني عليه، وجعل معي سلمة بن أبي سلمة في
حجري، ثم خرج يقود بي بعيره، فلما رأته رجال بني المغيرة قاموا إليه فقالوا: هذه نفسك غلبتنا عليها، أرأيت صاحبتنا هذه، علام نتركك تسير بها في البلاد، فنزعوا خطام البعير من يده، وأخذوني منه. قالت: وغضب عند ذلك بنو عبد الأسد رهط أبى سلمة، وقالوا: والله! لا نترك ابننا عندها، إذ نزعتموها من صاحبنا. قالت: فتتجاذبوا ابني سلمة بينهم حتى خلعوا يده، وانطلق به بنو عبد الأسد، وحبسني بنو المغيرة عندهم، وانطلق أبو سلمة إلى المدينة! قالت: ففرق بيني وبين ابني وبين زوجي (٢)، فكنت أخرج كل غداة فأجلس في الأبطح، فما أزال أبكى حتى مر بي رجل من بني عمي أحد بني المغيرة، فرأى ما بى فرحمني، فقال لبنى المغيرة: ألا تخرجوا هذه المسكينة،
стр. 149
فرقتم بينها وبين زوجها وبين ولدها؟ قالت: قالوا لي: الحقي بزوجك إن شئت، قالت: فرد بنو عبد الأسد إلىَّ عند ذلك ابني، فوضعته في حجري، ثم خرجت أريد زوجي بالمدينة، قالت: وما معي أحد من خلق الله (١) حتى إذا كنت بالتنعيم لقيت عثمان بن طلحة أخا بني عبد الدار، فقال: إلي أين يا ابنة أبي أمية؟ قلت: أريد زوجي بالمدينة، قال: أو ما معك أحد، قلت: ما معي أحد إلا الله، وبني هذا، فقال: والله! ما لك من مترك، فأخذ بخطام البعير فانطلق معي يهوى بي! فو الله ما صحبت رجلا من العرب قط أرى أنه كان أكرم منه، كان إذا بلغ المنزل أناخ بي ثم استأخر عني، حتى إذا نزلت، استأخر ببعيري فحط عنه، ثم قيده في الشجر ثم تنحى إلي شجرة فاضجع تحتها، فإذا دنا الرواح قام إلي بعيري فقدمه فرحله، ثم استأخر عني وقال: اركبي فإذا استويت علي بعيري أتى فأخذ بخطامه فقادني حتى ينزل بي، حتى إذا قدمنا المدينة، فلما نظر إلي قرية بني عمرو بن عوف بقباء، قال: زوجك في هذه القرية ـ وكان أبو سلمة بها نازلا ـ فادخليها علي بركة الله، ثم انصرف راجعا إلى مكة .. فكانت تقول: ما أعلم أهل بيت في الإسلام أصابهم ما أصاب آل أبي سلمة، وما رأيت صاحبا قط كان أكرم من عثمان بن طلحة (٢) كذا في البداية (٣).
стр. 150
- آسية بنت مزاحم ﵍:
زوجة الطاغية فرعون حاكم مصر عليه اللعنة الذي تجبر وعلا حين ادعي الربوبية والألوهية، فقال:
﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ (١) ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ (٢) فأكرمها الله بالهداية، فآمنت بموسي ﵇ وأحبته، وكانت تنفق عليه وعلي كل من اتبعه، فلما علم فرعون عليه اللعنة أمر بتعذيبها، بالشمس، فإذا انصرف عنها، أظلتها الملائكة بأجنحتها، فلما اشتد بها التعذيب ﴿قَالَتْ رَبّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتاً فِي الْجَنّةِ وَنَجّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظّالِمِين﴾ (٣)
، قال العلماء: ما أحسن هذا الكلام اختارت الجار قبل الدار، فهي تطمع في جوار الله قبل القصور، وفي الآية دليل علي قوة إيمانها وتصديقها بالبعث، وبعد أن طلبت جوار الله، طلبت النجاة من فرعون وطغيانه، وأتباعه (وَنَجّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظّالِمِين) فشد يديها ورجليها، وهي صابرة، فرأت بيتها في الجنة، فضحكت حين رأته، فقال: فرعون: ألا تعجبون من جنونها! إنا نعذبها وهي تضحك، فقبض الله روحها ونجاها الله تعالي أكرم نجاة، فرفعها إلي الجنة تأكل وتشرب وتتنعم ٠
стр. 151
فجعل الله حالها مثلا لحال المؤمنين في أن وصلة الكفر لا تضرهم حيث كانت في الدنيا تحت أعدي أعداء الله (فرعون) وهي في أعلي غرف الجنة .. فلم يضرها اتصالها به وهو من أكفر الكافرين، ولم ينفع امرأة نوح ولوط، اتصالهن بهما وهما رسولا رب العالمين ٠
وبهذه التضحيات العظيمة التي ضحت بها السيدة آسية، حيث ضحت بالأبهة والعظمة، حيث أنها كانت سيدة القصر الفرعوني، حيث الخدم والحشم .. فالله ﷻ أعزها ورفع شأنها وذكرها في أشرف كتبه المنزلة، وزوجها بخير البشر (محمد ﷺ ) في الجنة٠
الأحاديث التي وردت في فضلها:
١) عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " حسبك من نساء العالمين بأربع: مريم بنت عمران، وآسية امرأة فرعون، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد " ٠ رواه أحمد ٠
٢) عن أبي موسي الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا آسية امرأة فرعون، ومريم امرأة عمران، وفضل عائشة علي النساء كفضل الثريد علي سائر الطعام ٠ متفق عليه ٠
٣) عن سعد بن جنادة، هو العوفي، قال: قال رسول ﷺ : " إن الله زوجني في الجنة مريم بنت عمران، وامرأة فرعون وأخت موسي " رواه الطبراني ٠
٤) عن يعلي بن المغيرة، عن أبي داود، قال: دخل رسول الله ﷺ ، علي خديجة وهي في مرضها الذي توفيت فيه، فقال لها: " بالكره مني ما أري منك، ما أري يا خديجة، وقد يجعل الله في الكره خيرا كثيرا، أما تعلمين أن الله قد زوجني معك في الجنة مريم بنت عمران وكلثم أخت موسي وآسية امرأة فرعون " قالت: وقد فعل الله بك ذلك يا رسول الله؟ قال: " نعم " قالت: بالرفاء والبنين ٠
стр. 152
- امراة من بني إسرائيل:
عن وهب بن منبه قال: أُتي بامرأة من بني إسرائيل يقال لها سارة وسبعة بنين لها إلى ملك كان يفتن الناس على أكل لحم الخنزير فدعا أكبرهم فقرَّب إليه لحم الخنزير فقال: كُل فقال: ما كنت لآكل شيئًا حرَّمه الله أبدًا فأمر به فقطعت يداه ورجلاه ثم قطعه عضو عضوا حتى قتله ثم دعا بالذي يليه فقال: كُل فقال: ما كنت لأكل شيئًا حرمه الله تعالى فأمر بقدر من نحاس فملئت زيتًا ثم أغليت حتى إذا غلت ألقاه فيها ثم دعا الذي يليه فمال: كُل فقال: ما كنت لآكل شيئا حرمه الله تعالى فقتله ثم دعا الذي يليه فقال: أنت أذل وأقل وأهون على الله من أن آكل شيئا حرمه الله تعالى علي فضحك الملك ومال: أتدرون ما أراد بشتمه إياي أراد أن يغضبني فأعجل في قتله وليخطئه ذلك وأمر به فجز جلدة عنقه ثم أمر به أن يسلخ جلدة رأسه ووجهه فسلخوه سلخًا فلم يزل يقتل كل واحد منهم بلون غير قتل أخيه حتى بقي أصغرهم فالتفت به إلى أمه فقال: لقد رثيت لك مما رأيت فانطلقي بابنك هذا فاخلي به وانقديه على أن يأكل لقمة واحدة إخوتك حق ولي عليك حقان.
وذلك إني أرضعت كل واحد حولين فمات أبوك وأنت حمل فأرضعتك لضعفك ورحمتي إياك أربعة أعوام فأسألك بالله وحقي أما صبرت ولم تأكل شيئا مما حرمه الله عليك ولا تلقين أخوتك يوم القيامة ولست معهم فقال: الحمد له الذي أسمعني هذا منك أما كنت أخاف أن تريديني على أن آكل مما حرمه الله ثم جاءت به إلى الملك فقالت: ها هو ذا قد أردته وعرضت عليه فأمره الملك أن يأكل فقال: ما كنت
стр. 153
لآكل شيئا حرمه الله علي فقتله وألحقه بأخوته وقال لأمهم: إني لأجدني أرثي لك فما رأيت اليوم ويحك فكلي لقمة ثم أصنع بك ما شئت وأعطيك ما أحببت تعيشين به.
قالت: ما أجمع بين ثكل ولدي ومعصية الله فلو حييت بعدهم ما أردت ذلك وما كنت لآكل شيئا مما حرمه الله تعالى أبدًا فقتلها وألحقها ببنيها (١).
- الخنساء ﵂:
وقد ضربت أروع الأمثلة في التضحية بفلذات كبدها في موقعة القادسية، فقد وقفت بين أبنائها الأربعة، عندما تهيئوا للخروج مجاهدين في سبيل الله، توصيهم بالصبر عند اللقاء، وتحرضهم على التضحية والفداء، وتقول لهم: يا بني: إنكم أسلمتم طائعين، وهاجرتم مختارين، والله الذي لا إله إلا هو إنكم لبنو رجل واحد، كما أنكم بنو امرأة واحدة، ما هجنت حسبكم، ولا غيرت نسبكم، واعلموا أن الدار الباقية خيراً من الدار الفانية ﴿يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتّقُواْ اللهَ لَعَلّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٢)
فإذا أصبحتم فاغدوا إلى قتال عدوكم مستبصرين، وبالله على أعدائه مستنصرين، فإذا رأيتم الحرب قد شمرت عن ساقها، وحللت ناراً على
стр. 154
أوارها، فيمموا وطيسها، وجا لدوا رسيسها تظفروا بالغنم والكرامة، في دار الخلد والإقامة.
فلما جاءها الخبر بنعيهم، فما زادت على أن استرجعت واستغفرت ثم قالت: الحمد لله الذي شرف بقتلهم، وأرجو أن يجمعني بهم في مستقر رحمته.
- صاحبة الذأبتين:
لما سبى الروم بعض نساء المسلمين، فبلغ الخبر الرقة وبها أمير المؤمنين هارون الرشيد .. فقيل لمنصور بن عمار: لو اتخذت محل بالقرب من أمير المؤمنين، فحرضت الناس على الغزو، ففعل، فبينما هو يذكرهم ويحرض، إذا نحن بخرقه مصرورة مختومة قد طرحت إلى منصور وإذا كتاب مضموم إلى الصرة، ففك الكتاب، فقرأه، فإذا فيه: إني امرأة من أهل البيوتات من العرب، بلغني ما فعل الروم بالمسلمين، وسمعت تحريضك الناس علي الغزو، وترغيبك في ذلك، فعمدت إلى أكرم شئ من بدني، وهما ذأبتاى، فقطعتهما، وصررتها في هذه الخرقة المختومة، وأناشدك بالله العظيم، لما جعلتهما قيد فرس غازٍ في سبيل الله، فلعل الله العظيم أن ينظر إلىَّ على تلك الحال نظرةً فيرحمني بها. قال: فبكى وأبكى الناس، وأمر هارون أن ينادى النفير، فغزا بنفسه، فأنكي فيهم، وفتح الله عليهم. انظروا إلى هذه المرأة العظيمة التي لم تجد مالا تضحي به فضحت بأكرم شئ عليها .. وأعز شئ على المرأة شعرها
стр. 155
الذي به تتزين، فعمدت إليه وقصته ليكون قيدا لفرس في سبيل الله ... فيا من امتلأت يديها وصدرها بالذهب ماذا نويت أن تقدمين؟؟
- يحكى الإمام الطبري في تاريخه:
أن امرأة كان لها أربعة من البنون، شهدوا القادسية، فقالت لهم: إنكم أسلمتم فلم تبدلوا، وهاجرتم فلم تثوبوا (١) ولم تنب بكم البلاد (٢) ولم تقحمكم السنة (٣) ثم جئتم بأمكم عجوز كبير فوضعتموها بين يدي أهل فارس ... انطلقوا فاشهدوا أول القتال وآخره، فأقبلوا يشتدون، فلما غابوا عنها،
رفعت يديها إلى السماء، وهى تقول: اللهم أدفع عن بني، فرجعوا إليها وقد أحسنوا القتال، ما كلم منهم رجل كلما (٤)(٥).
لذا نجد أن المرأة المسلمة قد شاركت من أول يوم في التضحية للدين وتحمل المسئولية تجاه الدفاع عن دينها وعقيدتها .. حيث هاجرت وتحملت ما تحملت من مشاق الغربة وترك الوطن، من أجل الحفاظ علي دينها وإيمانها وإعلاء كلمة ربها (لا إله إلا الله).
стр. 156
- يقول ابن القيم ﵀:
فلما اشتد البلاء، أذن الله سبحانه وتعالي لهم بالهجرة الأولي إلي الحبشة وكان أول من هاجر إليها عثمان بن عفان ﵁ ومعه زوجته رقية بنت رسول الله ﷺ ، وكانوا اثني عشر رجلا وأربع نسوة:
عثمان وامرأته رقية بنت رسول الله ﷺ .
وأبو حذيفة وامرأته سهلة بنت سهيل ٠
وأبو سلمة وامرأته أم سلمة هند بنت عبد الأسد.
وعامر بن ربيعة وامرأته ليلي بنت حثمة.
وفي الهجرة الثانية: خرج ثلاثة وثمانين رجلا ومن النساء تسع نسوة منهم أسماء بنت عميس مع زوجها جعفر بن أبي طالب، وأم حبيبة بنت أبي سفيان مع زوجها عبد الله بن ربيعة الذي تنصر ومات كافرا (١).
- - - - -
стр. 157
مواقف بطولية
من صنع النساء
- الثبات على الإيمان:
١) المرأة المؤمنة التي ألقت بنفسها وولدها في الأخدود:
وهي التي ذكرها النبي ﷺ في قصة أصحاب الأخدود عندما آمن الناس برب الغلام، وأمر الملك بالأخدود بأفواه السكك فخدت وأضرم فيها النيران وقال من لم يرجع عن دينه فأقحموه فيها ... فجاءت امرأة ومعها صبى لها فتقاعست أن تقع فيها خوفاً على ولدها فأنطق الله ولدها في المهد وقال لها: يا أمه اصبري فإنك على الحق "
انظري أختي المسلمة إلى هذا الثبات على الإيمان والتضحية من أجل الله حيث ألقت بنفسها وولدها في النار. فكتب الله لها خلودين، خلود في الدنيا (١) فقد سجل الإمام مسلم في صحيحه تضحية هذه المرأة، لتكون مثلا لأمة الحبيب محمد ﷺ رجالا ونساءً في التضحية والثبات على الإيمان والعقيدة، حتى لو وصل الأمر إلى إزهاق النفوس والأرواح من أجل الله ... والخلود الثاني في الفردوس مع أنبياء الله ورسله ﵈.
стр. 158
٢) ماشطة ابنة فرعون:
مر الحبيب محمد ﷺ ليلة الإسراء والمعراج وهو فى طريقه إلى بيت المقدس فوجد ريحاً طيبةً، فقال: " يا جبريل ما هذه الرائحة؟ " قال: هذه رائحة ما شطة بنت فرعون وأولادها، بينا هي تمشط بنت فرعون إذا سقط المشط. فقالت: بسم الله، تعس فرعون: فقالت ابنة فرعون، أولك رب غير أبى؟ قالت: نعم، ربى وربك الله. وكان للمرأة ابنان وزوج فأرسل إليهم فراود المرأة وزوجها أن يرجعنها عن دينها، فقال: إنى قاتلكما، فقالا: إحسانا منك إن قتلتنا أن تجعلنا في بيت. وفى رواية قالت: إن لى إليك حاجة، قال: وما هي؟ قالت: تجمع عظامي وعظام ولدى، فتدفنا جميعا، قال: ذلك لك بما لك علينا من حق، فأمر بنقرة من نحاس فأحميت، ثم أمر بها لتلقى فيها هي وأولادها، فألقوا واحداُ واحداً حتى بلغوا أصغر رضيع فيهم، فقال: يا أمه قع ولا تقاعسي فإنك على الحق. (١)
٣) آسية بنت مزاحم ﵍:
وكانت آسية امرأة فرعون من بني إسرائيل، وقيل: كانت من غيرهم، وكانت مؤمنة تكتم إيمانها، فلمّا قتلت الماشطة، رأت آسية الملائكة تعرج بروحها، كشف الله عن بصيرتها وكانت تنظر إليها وهي تعذب فلمّا رأت الملائكة قوة إيمانها وازدادت يقينًا وتصديقًا لموسى فبينما هي كذلك إذ دخل عليها فرعون، فأخبرها خبر الماشطة، قالت: له آسية: الويل لك ما أجرأك على الله، فقال لها: لعلّك
стр. 159
اعتراك الجنون الذي اعترى الماشطة فقالت: ما بي جنون ولكنّي آمنت بالله تعالى ربي وربّك وربّ العالمين.
فدعا فرعون أمّها وقال لها: إنّ ابنتك قد أصابها ما أصاب الماشطة فأقسم لتذوقنّ الموت أو لتكفرنّ بإله موسى، فأرادتها على موافقة فرعون، فأبت وقالت: أمّا أن أكفر بالله فلا والله فأمر فرعون حتى مدّت بين يديه أربعة أوتاد وعذّبت حتى ماتت فلما عاينت الموت قالت: ﴿قَالَتْ رَبّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتاً فِي الْجَنّةِ وَنَجّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظّالِمِين﴾ (١) فكشف الله عن بصيرتها فرأت الملائكة وما أعدّ لها من الكرامة فضحكت فقال فرعون: انظروا إلى الجنون الذي بها تضحك وهي في العذاب ثم ماتت (٢). . وقد مر ذكرها في باب تضحيات نسائية، وقد كررنا ذكرها هنا لما كان في قصتها أعظم الثبات علي الإيمان
٤) فاطمة بنت الخطاب ﵂:
يدخل عليها عمر حين علم بإسلامها هي وزوجها سعيد بن زيد، ويقول: ما هذه الهينمة التي سمعتها عندكم؟ وكانوا يقرؤون " طه " فقالا: ما عدا حديثاً تحدثناه بيننا، قال: فلعكما صبوتما. قال له ختنه سعيد بن زيد ﵁: أرأيت يا عمر! إن كان الحق في غير دينك؟ فوثب عمر على ختنه فوطأه وطئاًَ شديداً،
стр. 160
فجاءت أخته فدفعته عن زوجها فنفحها بيده نفحة فدمى وجهها، فقالت وهى غضبى: يا عمر إن كان الحق في غير دينك، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمد رسول الله ......... الخ
انظر القصة بتمامها في حياة الصحابة باب تحمل الصحابة الشدائد في الدعوة إلى الله - تحمل سعيد بن زيد وزوجته.
وفى رواية البزار قال: فلما فتحت لى أختي الباب، قلت: أيا عدوة نفسها! صبوت؟ قال: وأرفع شيئاً فأضرب به على رأسها، فبكت المرأة وقالت: يا بن الخطاب: أصنع ما كنت صانعاً فقد أسلمت ... الخ. (١)
٥) قصة الغلام وابن قدامة المقدسي ﵀:
كان بمدينة رسول الله ﷺ رجل يقال له أبو قدامة الشامي، وكان قد حبب الله إليه الجهاد في سبيل الله والغزو إلى بلاد الروم، فجلس يوماً في مسجد رسول الله ﷺ يتحدث مع أصحابه، فقالوا له: يا أبا قدامة حدثنا بأعجب ما رأيت في الجهاد؟ فقال أبو قدامة نعم إني دخلت في بعض السنين الرقة أطلب جملاً أشتريه ليحمل السلاح، فبينما أنا يوماً جالساً إذ دخلت علي امرأة فقالت: يا أبا قدامة سمعتك وأنت تحدث عن الجهاد وتحث عليه وقد رُزقتُ من الشَّعر ما لم يُرزقه غيري من النساء، وقد قصعته وأصلحت منه شكالا للفرس وعفرته بالتراب كي لا ينظر إليه أحد، وقد أحببت أن تأخذه معك فإذا صرتَ في بلاد الكفار وجالت
стр. 161
الأبطال ورُميت النبال وجُردت السيوف وشُرعت الأسنّة، فإن احتجت إليه وإلا فادفعه إلى من يحتاج إليه ليحضر شعري ويصيبه الغبار في سبيل الله، فأنا امرأة أرملة كان لي زوج وعصبة كلهم قُتلوا في سبيل الله ولو كان عليّ جهاد لجاهدت.
وناولتني الشكال. وقالت: اعلم يا أبا قدامة أن زوجي لما قُتل خلف لي غلاماً من أحسن الشباب وقد تعلم القرآن والفروسية والرمي على القوس وهو قوام بالليل صوام بالنهار وله من العمر خمس عشرة سنة وهو غائب في ضيعة خلفها له أبوه فلعله يقدم قبل مسيرك فأوجهه معك هدية إلى الله وأنا أسألك بحرمة الإسلام، لا تحرمني ما طلبت من الثواب.
فأخذت الشكال منها فإذا هو مظفور من شعرها. فقالت: ألقه في بعض رحالك وأنا أنظر إليه ليطمئن قلبي. فطرحته في رحلي وخرجتُ من الرقة ومعي أصحابي، فلما صرنا عند حصن مسلمة بن عبدالملك إذا بفارس يهتف من ورائي: يا أبا قدامة قف علي قليلاً يرحمك الله، فوقفت وقلت لأصحابي تقدموا أنتم حتى أنظر من هذا، وإذا أنا بفارس قد دنا مني وعانقني وقال: الحمد لله الذي لم يحرمني صحبتك ولم يردني خائباً. قلت للصبي أسفر لي عن وجهك، فإن كان يلزم مثلك غزو أمرتك بالمسير، وإن لم يلزمك غزو رددتك، فأسفر عن وجهه فإذا به غلام كأنه القمر ليلة البدر وعليه آثار النعمة.
стр. 162
قلت للصبي: ألك والد؟ قال: لا بل أنا خارج معك أطلب ثأر والدي لأنه استشهد فلعل الله يرزقني الشهادة كما رزق أبي. قلت للصبي: ألك والدة؟ قال: نعم. قلت: اذهب إليها فاستأذنها فإن أذنت وإلا فأقم عندها فإن طاعتك لها أفضل من الجهاد، لأن الجنة تحت ظلال السيوف وتحت أقدام الأمهات. قال: يا أبا قدامة أما تعرفني قلت: لا. قال: أنا ابن صاحبة الوديعة، ما أسرع ما نسيت وصية أمي صاحبة الشكال، وأنا إن شاء الله الشهيد ابن الشهيد، سألتك بالله لا تحرمني الغزو معك في سبيل الله، فإني حافظ لكتاب الله عارف بسنة رسول الله ﷺ ، عارف بالفروسية والرمي وما خلفت ورائي أفرس مني فلا تحقرني لصغر سني وإن أمي قد أقسمت على أن لا أرجع، وقالت: يا بني إذا لقيت الكفار فلا تولهم الدبر وهب نفسك لله واطلب مجاورة الله تعالى ومجاورة أبيك مع إخوانك الصالحين في الجنة فإذا رزقك الله الشهادة فاشفع فيّ فإنه قد بلغني أن الشهيد يشفع في سبعين من أهله وسبعين من جيرانه، ثم ضمتني إلى صدرها ورفعت رأسها إلى السماء وقالت: إلهي وسيدي ومولاي هذا ولدي وريحانة قلبي وثمرة فؤادي سلمته إليك فقربه من أبيه.
فلما سمعت كلام الغلام بكيت بكاءاً شديداً أسفاً على حسنه وجمال شبابه ورحمة لقلب والدته وتعجباً من صبرها عنه. فقال: يا عم مم بكاؤك؟ إن كنت
стр. 163
تبكي لصغر سني فإن الله يعذب من هو أصغر مني إذا عصاه. قلت: لم أبك لصغر سنك ولكن أبكي لقلب والدتك كيف تكون بعدك.
وسرنا ونزلنا تلك الليلة فلما كان الغداة رحلنا والغلام لا يفتر من ذكر الله تعالى، فتأملته فإذا هو أفرس منا إذا ركب وخادمنا إذا نزلنا منزلا، وصار كلما سرنا يقوى عزمه ويزداد نشاطه ويصفو قلبه وتظهر علامات الفرح عليه. فلم نزل سائرين حتى أشرفنا على ديار المشركين عند غروب الشمس فنزلنا فجلس الغلام يطبخ لنا طعاما لإفطارنا وكنا صياما، فغلبه النعاس فنام نومة طويلة فبينما هو نائم إذ تبسم في نومه فقلت لأصحابي ألا ترون إلى ضحك هذا الغلام في نومه، فلما استيقظ قلت: بني رأيتك الساعة ضاحكاً مبتسماً في منامك، قال: رأيت رؤيا فأعجبتني وأضحكتني. قلت: ما هي. قال: رأيت كأني في روضة خضراء أنيقة فبينما أنا أجول فيها إذ رأيت قصراً من فضة شُرفه من الدر والجواهر، وأبوابه من الذهب وستوره مرخية، وإذا جواري يرفعن الستور وجوههن كالأقمار فلما رأينني قلن لي: مرحبا بك فأردت أن أمد يدي إلى إحداهن فقالت: لا تعجل ما آن لك، ثم سمعت بعضهن يقول لبعض هذا زوج المرضية، وقلن لي تقدم يرحمك الله فتقدمت أمامي فإذا في أعلى القصر غرفة من الذهب الأحمر عليها سرير من الزبرجد الأخضر قوامه من الفضة البيضاء عليه جارية وجهها كأنه الشمس لولا أن الله ثبت علي بصري لذهب وذهب عقلي من حسن الغرفة وبهاء الجارية.
стр. 164
فلما رأتني الجارية قالت: مرحبا وأهلا وسهلا يا ولي الله وحبيبه أنت لي وأنا لك فأردت أن أضمها إلى صدري فقالت: مهلا، لا تعجل، فإنك بعيد من الخنا، وإن الميعاد بيني وبينك غداً بعد صلاة الظهر فأبشر.
قال أبو قدامة: قلت له: رأيت خيراً، وخيراً يكون. ثم بتنا متعجبين من منام الغلام، فلما أصبحنا تبادرنا فركبنا خيولنا فإذا المنادي ينادي: يا خيل الله اركبي وبالجنة أبشري، انفروا خفافاً وثقالاً وجاهدوا. فما كان إلا ساعة، وإذا جيش الكفر خذله الله قد أقبل كالجراد المنتشر، فكان أول من حمل منّا فيهم الغلام فبدد شملهم وفرق جمعهم وغاص في وسطهم، فقتل منهم رجالاً وجندل أبطالاً فلما رأيته كذلك لحقته فأخذت بعنان فرسه وقلت: يا بني ارجع فأنت صبي ولا تعرف خدع الحرب. فقال: يا عم ألم تسمع قول الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الأدبار﴾، أتريد أن أدخل النار؟ فبينما هو يكلمني إذ حمل علينا المشركون حملة رجل واحد، حالوا بيني وبين الغلام ومنعوني منه واشتغل كل واحد منا بنفسه.
وقُتل خلق كثير من المسلمين، فلما افترق الجمعان إذ القتلى لا يحُصون عددا فجعلت أجول بفرسي بين القتلى ودماؤهم تسيل على الأرض ووجوههم لا تعرف من كثرة الغبار والدماء، فبينما أنا أجول بين القتلى وإذا أنا بالغلام بين سنابك الخيل قد علاه التراب وهو يتقلب في دمه ويقول: يا معشر المسلمين، بالله ابعثوا لي عمي أبا قدامة فأقبلت عليه عندما سمعت صياحه
стр. 165
فلم أعرف وجهه لكثرة الدماء والغبار ودوس الدواب فقلت: أنا أبو قدامة. قال: يا عم صدقت الرؤيا ورب الكعبة أنا ابن صاحبة الشكال، فعندها رميت بنفسي عليه فقبلت بين عينيه ومسحت التراب والدم عن محاسنه وقلت: يا بني لا تنس عمك أبا قدامة في شفاعتك يوم القيامة. فقال: مثلك لا يُنسى لا تمسح وجهي بثوبك ثوبي أحق به من ثوبك، دعه يا عم ألقى الله تعالى به، يا عم هذه الحوراء التي وصفتها لك قائمة على رأسي تنتظر خروج روحي وتقول لي عجّل فأنا مشتاقة إليك، بالله يا عم إن ردّك الله سالماً فتحمل ثيابي هذه المضمخة بالدم لوالدتي المسكينة الثكلاء الحزينة وتسلمها إليها لتعلم أني لم أضيع وصيتها ولم أجبن عند لقاء المشركين، واقرأ مني السلام عليها، وقل لها أن الله قد قبل الهدية التي أهديتها، ولي يا عم أخت صغيرة لها من العمر عشر سنين كنت كلما دخلت استقبلتني تسلم علي، وإذا خرجتُ تكون آخر من يودعني عند مخرجي، وقد قالت لي بالله يا أخي لا تبط عنّا فإذا لقيتَها فاقرأ عليها مني السلام وقل لها يقول لك أخوك: الله خليفتي عليك إلى يوم القيامة، ثم تبسم وقال أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له صدق وعده وأشهد أن محمداً عبده ورسوله هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله، ثم خرجت روحه فكفناه في ثيابه ووريناه ﵁ وعنا به.
стр. 166
فلما رجعنا من غزوتنا تلك ودخلنا الرقة لم تكن لي همة إلا دار أم الغلام، فإذا جارية تشبه الغلام في حسنه وجماله وهي قائمة بالباب وتقول لكل من مر بها: يا عم من أين جئت فيقول من الغزو، فتقول: أما رجع معكم أخي فيقولون لا نعرفه، فلما سمعتها تقدمت إليها فقالت لي: يا عم من أين جئت، قلت: من الغزو قالت: أما رجع معكم أخي ثم بكت وقالت ما أبالي، يرجعون وأخي لم يرجع فغلبتني العبرة، ثم قلت لها: يا جارية قولي لصاحبة البيت أن أبا قدامة على الباب، فسمعت المرأة كلامي فخرجت وتغير لونها فسلمت عليها فردت السلام وقالت: أمبشراً جئت أم معزياً. قلت: بيّني لي البشارة من التعزية رحمك الله. قالت: إن كان ولدي رجع سالماً فأنت معز، وإن كان قُتل في سبيل الله فأنت مبشر. فقلت: أبشري. فقد قُبلت هديتك فبكت وقالت: الحمد لله الذي جعله ذخيرة يوم القيامة، قلت فما فعلت الجارية أخت الغلام. قالت: هي التي تكلمك الساعة فتقدمت إلي فقلت لها إن أخاك يسلم عليك ويقول لك: الله خليفتي عليك إلى يوم القيامة، فصرخت ووقعت على وجهها مغشياً عليها، فحركتها بعد ساعة، فإذا هي ميتة فتعجبت من ذلك ثم سلمت ثياب الغلام التي كانت معي لأمه وودعتها وانصرفت حزيناً على الغلام والجارية ومتعجباً من صبر أمهما.
- - - - -
стр. 167
حب النساء
للجهاد والخروج في سبيل الله
كان رسول الله ﷺ إذا خرج للجهاد فكان يقرع بين نساءه. فمن وقع سهمها خرجت معه .. وتخرج معه نساء المؤمنين يسقين المرضى، ويداوين الجرحى. ويقمن على خدمتهن .. فعن أم عطية الأنصارية (رضى الله عنها) قالت: غزوت مع رسول الله ﷺ سبع غزوات أخلفهم في رحالهم، وأصنع لهم الطعام، وأداوى الجرحى، وأقو م على الزمني .. أخرجه الإمام أحمد ومسلم وابن ماجة (١).
وعن أنس (رضى الله عنه) قال: لما كان يوم أحد انهزم الناس عن النبي ﷺ قال: ولقد رأيت عائشة بنت أبى بكر، وأم سليم (رضى الله عنهما) وإنهما لمشمرتان، أرى خدم سوقهما تنقزان (٢) القرب؟ رواه البخاري.
وقال غيره: تنقلان القرب على متونهما (٣) ثم تفرغانه في أفواه القوم، ثم ترجعان فتملأنها ثم تجيئان فتفرغانه في أفواه القوم " أخرجه مسلم (٤).
стр. 168
وكانت النساء مع جهد الخدمة، والسقاية، ومداواة الجرحى، يقمن بالقتال من وراء الرجال إذا اشتدت الحاجة لذلك، كما روى عن أم سعد بنت سعد بن الربيع (رضى الله عنها) كانت تقول: دخلت على أم عمارة (١) (رضى الله عنها) فقلت لها: يا خالة! أخبريني خبرك؟ فقالت: خرجت أول النهار أنظر ما يصنع الناس، ومعي سقاء فيه ماء، فانتهيت إلي رسول الله ﷺ وهو فى أصحابه والدولة والريح للمسلمين، فلما انهزم المسلمون، انحزت إلى رسول الله ﷺ فقمت أباشر القتال وأذب عنه بالسيف، وأرمى عنه القوس حتى خلصت الجراح إلىَّ، قالت: فرأيت على عاتقها جرحاً أجوف له غور، فقلت لها من أصابك بهذا؟ قالت: ابن قمئة، أقمأه الله! لما ولى الناس عن رسول الله ﷺ أقبل يقول: دلوني على محمد، لا نجوت إن نجا، فاعترضت له أنا ومصعب بن عمير ﵁ وأناس ممن ثبت مع رسول الله ﷺ فضربني هذه الضربة، ولقد ضربته على ذلك ضربات، ولكن عدو الله كان عليه درعان. كذا في البداية (٢).
وتقول: لقد رأيتني وقد انكشف الناس عن رسول الله وما بقي إلا نفر يتمون عشرة وأنا وابناي وزوجي بين يديه نذب عنه والناس يمرون به منهزمين ورآني لا ترس معي فرآى رجلاً مولياً معه ترس. فقال لصاحب الترس: ألقي ترسك لمن يقاتل، فألقى ترسه فأخذته فجعلت أتترس به عن رسول الله ﷺ فأقبل رجل على فرس فضربني فتترست له فلم يصنع سيفه شيئاً فولى فأضرب عرقوب فرسه فوقع على ظهره فجعل النبي ﷺ يصيح: يا أم عمارة أمامك قالت: فعاونني عليه حتى أوردته شعوب المنية.
стр. 169
وعن عمرو (رضى الله عنه) قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ما التفت يوم أحد يميناً وشمالاً إلا وأراها تقاتل دوني. كذا في الإصابة (١).
وكانت صفية في غزوة أحد بيدها رمح تضرب به فى وجوه المشركين. وقتلت يومئذ رجل من اليهود (٢).
وكانت أم سليم في غزوة حنين تحمل خنجراً .. وتقول: إذا دنى أحد من المشركين بقرت به بطنه (٣).
وهذه أسماء بنت عم معاذ بن جبل (رضى الله عنهما)، قتلت يوم اليرموك تسعة من الروم بعمود الفسطاط. رواه الطبرانى (٤).
فكانت المرآة تقف بجوار الرجل جنباً لجنب لنصرة دين الله وتتحمل
مسؤولية الدين.
- - - - -
стр. 170
حب الشهادة
فى سبيل الله
- أم حرام بنت ملحان (رضى الله عنها):
عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يدخل على أم حرام بنت ملحان فتطعمه وكانت أم حرام تحت عبادة بن الصامت ﵁ فدخل عليها رسول الله ﷺ يوماً فأطعمته ثم جلست تٌفلي رأسه (١) فنام ثم أستيقظ وهو يضحك، قالت: فقلت: ما يضحكك يا رسول الله؟ قال: " أناس من أمتي عرضوا علىَّ غزاةً في سبيل الله يركبون ثبج هذا البحر ملوكاً على الأسرة، أو مثل الملوك على الأسرة " يشك أيهما قال، قالت: فقلت: يا رسول الله! ادع الله أن يجعلني منهم، فدعا لها ثم وضع رأسه فنام، ثم استيقظ وهو يضحك، قالت: فقلت ما يضحكك يا رسول الله؟ قال: " ناس من أمتي
стр. 171
عرضوا علىَّ غزاةً في سبيل الله، كما قال في الأولى. وقالت: فقلت يا رسول الله! أدع الله أن يجعلني منهم قال: أنت من الأولين " فركبت أم حرام البحر في زمن معاوية، فصرعت عن دابتها حين خرجت من البحر " (١). رواه مسلم (٢).
وفى رواية أخري لمسلم " بعد أن قال: أنت من الأولين ... قال: فتزوجها عبادة بن الصامت بعد فغزا في البحر فحملها معه فلما أن جاءت قربت لها بغلة فركبتها فصرعتها فدقت عنقها ".
- أم ورقة بنت عبد الله بن الحارث الأنصارية:
كان رسول الله ﷺ يزورها ويسميها الشهيدة، وكانت قد جمعت القرآن، وكان رسول الله ﷺ حين غزا بدراً، قالت له: أتأذن لي أن أخرج معك، أداوى جرحاكم، وأمرض مرضاكم، لعل الله يهدى لي الشهادة. وكان رسول الله ﷺ يزورها في بينها، وجعل لها مؤذناً يؤذن لها في بيتها ..
стр. 172
وأمرها أن تؤم أهل دارها. . فقتلها غلام وجارية لها غما ًزمن عمر بن الخطاب ﵁، فصلبهما، وساق الله لها الشهادة (١).
- - - - -
стр. 173
أين الملتقي ؟
بعث أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁، حبيب بن مسلمة الفهري، قائداُ علي جيش من المسلمين لتأديب الروم، وكانت زوجته معه، وقبل أن تبدأ المعركة، قالت له زوجته: أين ألقاك إذا حمي الوطيس وماجت الصفوف؟ قال: في خيمة قائد الروم، أو في الجنة .. وما هي إلا ساعات قلائل، ونصرهم الله علي الروم، وأسرع حبيب إلي خيمة قائد الروم فإذا بزوجته داخل الخيمة .. انظروا إلي هذه الهمة العظيمة، والشجاعة القوية، والقلب الجرئ .. إنها قوة الإيمان واليقين.
стр. 174
أجر
الخارج فى سبيل الله
عن سهل بن معاذ عن أبيه ﵁ أن رسول الله صلي الله عليه وسلم بعث سرية، فأتته امرأ فقالت، إنك بعثت هذه السرية، وإن زوجي فيها وقد كنت أصوم بصيامه، وأصلي بصلاته، وأتعبد بعبادته، فدلني علي عمل أبلغ به عمله، قال: " تصلين فلا تقعدين، وتصومين فلا تفطرين، وتذكرين فلا تفترين " قالت: وأطيق ذلك يا رسول الله؟ قال: " ولو طقت ذلك، والذي نفسي بيده ما بلغت العشير من عمله ". (١)
- - - - -
стр. 175
ثواب
المرأة إذا خَلَفَت زوجها
المرأة الصالحة التي تعيين زوجها على التفرغ لعمل الدعوة إلى الله والخروج في سبيل الله ، وتخلفه في أولاده بخير (تحوط عليهم، وتربيهم وتنفق عليهم إن كان بها سعة أو من مال زوجها) ٠٠ فكأنما غزت فى سبيل الله .. وقد تشاركه فى الأجر، وهذا ما صرحت به أحاديث النبي ﷺ ، فعن زيد بن خالد الجهنى عن رسول الله ﷺ أنه قال: " من جهز غازياً في سبيل الله فقد غزاً، ومن خلفه فى أهله بخير فقد غزا " رواه مسلم (١)
وعن أبى سعيد الخدرى أن رسول الله ﷺ بعث إلى بنى لحيان من هذيل فقال: " لينبعث من كل رجلين أحدهما، والأجر بينهما " رواه مسلم (٢)
وعن أبى سعيد الخدرى أن رسول الله ﷺ بعث إلى بنى لحيان ليخرج من كل رجلين رجلٌ، ثم قال للقاعد أيكم خلف الخارج في أهله وماله بخير كان له مثل نصف أجر الخارج. رواه مسلم (٣)
- - - - -
стр. 176
حرمة نساء المجاهدين
عن يريدة (رضى الله عنه) قال: قال رسول الله ﷺ : " حرمة نساء المجاهدين على القاعدين كحرمة أمهاتهم، ما من رجل من القاعدين يخلف رجلا من المجاهدين فى أهله، فيخونه فيهم إلا وقف له يوم القيامة، فيأخذ من عمله ما شاء فما ظنكم "؟ رواه مسلم.
وفى رواية: .... فقال: " فخذ من حسناته ما شئت " فالتفت إلينا رسول الله ﷺ فقال: " فما ظنكم " (١).
- - - - -
стр. 177
وافدة النساء
عن أسماء بنت يزيد الأنصارية ﵂، أنها أتت النبي ﷺ وهو بين أصحابه فقالت: بأبي أنت وأمى إنى وافدة النساء إليك - واعلم نفس لك الفداء - أنه ما من امرأة كائنة في شرق ولا غرب سمعت بمخرجي هذا إلا وهى على مثل رأيى، إن الله بعثك بالحق إلى الرجال والنساء، فآمنا بك وبإلهك الذي أرسلك، وإنا معشر النساء محصورات ومقصورات، قواعد بيوتكم، ومقضي شهواتكم، وحاملات أولادكم، وإنكم معاشر الرجال فضلتم علينا بالجمعة والجماعات، وعيادة المرض، وشهود الجنائز، والحج بعد الحج، وأفضل من ذلك الجهاد فى سبيل الله، وإن الرجل منكم إذا خرج حاجاً أو معتمراً أو مرابطاً حفظنا لكم أموالكم، وغزلنا لكم أثوابكم، وربينا لكم أولادكم، فما نشارككم فى الأجر يا رسول الله؟ فالتفت النبي ﷺ إلى أصحابه بوجهه كله ثم قال: " هل سمعتم مقالة امرأة قط أحسن من مساءلتها في أمر دينها من هذه "؟ فالتفت النبي ﷺ إليها ثم قال: " انصرفي أيتها المرأة، واعلمي من خلفك من النساء أن حسن تبعل إحداكن لزوجها، وطلبها لمرضاته واتباعها موافقته، يعدل ذلك كله "، فأدبرت المرأة وهى تهلل وتكبر استبشاراً." رواه البيهقى (١).
стр. 178
وعن ابن عباس (رضى الله عنهما) قال: جاءت المرأة إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله! أنا وافدة النساء إليك، هذا الجهاد كتبه الله على الرجال، فإن يُصيبوا أُجروا، وإن قُتلوا كانوا أحياء عند ربهم يرزقون، ونحن معاشر النساء نقوم عليهم، فما لنا من ذلك؟ قال: فقال رسول الله ﷺ : " أبلغي من لقيت من النساء، إن طاعة الزوج واعترافاً بحقه يعدل ذلك، وقليل منكن من يفعله " رواه البزار واللفظ له والطبرانى. (١)
- - - - -
стр. 179
المرأة والشورى
لا بأس أن يستشير الرجل زوجته وأولاده، فى كثير من الأمور، التى تحتاج إلى شورى ولكن يكون الفصل في الشورى للرجل، فالاستئناس بآراء الآخرين أمر مهم، فكثير من الرجال يفهم حديث النبي ﷺ أن المرأة ناقصة عقل ودين، على غير معناه فيهمل امرأته في بيته ويفعل من أم رأسه ما يتراءى له، فيستبد برأيه، وهذا يورث الضغائن عند النساء لأزواجهن، فكثير من النساء عقلها يزن ألف رجل، مثل ﴿خديجة .. أم سلمة .. عائشة .. إلخ﴾ فنشاورهن، وإذا رأينا ما يخالف رأيهن نوضح لهن ذلك.
- نماذج من الشورى مع النساء:
١) مشاورة النبى ﷺ لأم سلمة ﵂ يوم الحديبية:
لما فرع رسول الله ﷺ من الصلح قال ﷺ :" قوموا فانحروا، ثم احلقوا فو الله ما قام رجل منهم، حتى قال ذلك ثلاث مرات، فاشتد ذلك عليه، فدخل على أم سلمة فقال: " هلك المسلمون أمرتهم أن ينحروا ويحلقوا فلم يفعلوا ".
وفى رواية: " ألا ترين الناس آمرهم بالأمر فلا يفعلونه - وهم يسمعون كلامى وينظرون وجهي " فقالت: يا رسول الله! لا تلمهم، فإنهم قد دخلهم أمر
стр. 180
عظيم مما أدخلت على نفسك من الشفقة فى أمر الصلح، ورجوعهم بغير فتح، يا نبى الله! أخرج ولا تكلم أحداً، حتى تنحر بدنك، وتدعو حالقك، فيحلقك - فجلى الله تعالى عن الناس بأم سلمة - فقام رسول الله ﷺ واضطبع بثوبه، فخرج فأخذ الحربة ويمم هديه وأهوى بالحربة إلى البدن رافعاً صوته: " بسم الله .. الله أكبر " ونحر، فتواثب المسلمون إلى الهدى، وازدحموا عليه ينحرونه، حتى كاد بعضهم يقع علي بعض، وأشرك رسول الله ﷺ بين أصحابه في الهدى، فنحر البدنه عن سبعة وكان هدى رسول الله ﷺ سبعين بدنه.
وفى رواية ابن سعد: عن جابر ....... فلما فرغ رسول الله ﷺ من نحر البدن دخل قبة من أدم حمراء، ودعا بخراش بن أميه بن الفضل الكعبي فحلق رأسه ورمى شعره على شجرة كانت جنبه من سمرة خضراء، فجعل الناس يأخذون الشعر من فوق الشجرة فيتحاصونه (يتقاسمونه) وأخذت أم عمارة طاقات من شعره فكانت تغسلها للمريض وتسقيه فيبرأ، وجعل بعضهم يحلق بعضاً، حتى كاد بعضهم يقتل بعضاً غماً (١)
وفى كلامه ﷺ لأم سلمة في توقف الناس عن امتثال أمره، جواز مشاورة المرأة الفاضلة، وفضل أم سلمة ووفور عقلها.
٢) بنت شعيب ﵇:
حيث أشارت إلي أبيها أن يستأجر موسى ﵇ فقالت " استأجره إن خير من استأجرت القوى الأمين "