الخنزير ٠٠وينهى عن سائر المحظورات، لأنه لو لم يمنع فى الصغر لصعب عليه الامتناع فى الكبر، وقد قال الله تعالي: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ (١): قيل فى التنفيذ أي أدبوهم وعلموهم: (٢)
- - - - -
стр. 247
القدوة المفقودة
يحكي أن أحد الصبيان كان يتعلم القرآن في الكُتاب، فلما وصل إلي سورة المزمل وقرأها، رجع إلي بيته حزينا مهموما، فسأله أباه عن الذي أهمه؟ فقال: يا أبي قرأت سورة المزمل، والله يقول: ﴿يَأَيّهَا الْمُزّمّلُ * قُمِ الْلّيْلَ إِلاّ قَلِيلاً * نّصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً ٍ﴾ (١) وأنا لم أراك تقوم الليل، فقال: يا بني هذا رسول الله! ومن يعمل مثل رسول الله ﷺ ؟ فسكت الولد، ولكن في اليوم الثاني، قرأ قوله تعالي: ﴿إِنّ رَبّكَ يَعْلَمُ أَنّكَ تَقُومُ أَدْنَىَ مِن ثُلُثَيِ الْلّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَآئِفَةٌ مّنَ الّذِينَ مَعَكَ وَاللهُ يُقَدّرُ الْلّيْلَ وَالنّهَارَ عَلِمَ أَلّن تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُواْ مَا تَيَسّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُمْ مّرْضَىَ وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَاقْرَءُواْ مَا تَيَسّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُواْ الصّلاَةَ وَآتُواْ الزّكَاةَ وَأَقْرِضُواُ اللهَ قَرْضاً حَسَناً وَمَا تُقَدّمُواْ لأنفُسِكُمْ مّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللهِ هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً وَاسْتَغْفِرُواْ
стр. 248
اللهَ إِنّ اللهَ غَفُورٌ رّحِيمٌٍ﴾ (١) فرجع إلي أبيه وقرأ علي أباه الآية، فقال: يا بني! هؤلاء الصحابة ﵃ ومن يستطيع أن يفعل مثلهم؟ فقال الصبي: يا أبي! لا خير في من لا يقتدي بالنبي، ولا أصحابه٠
- - - - -
стр. 249
تعريض
الأولاد لرحمة الله
فعن ابن عباس ﵃ قال: صدر رسول الله ﷺ فلما كان بالروحاء (قرب المدينة) لقي قوماً فقال: "ومن أنتم"؟ قالوا: المسلمون. قالوا: من أنت؟ قال:" رسول الله " فأخرجت امرأة صبياً من المحفة (الهودج) فقالت: ألهذا حج؟ قال:" نعم ولكي أجر " رواه مسلم.
وكان أحد السلف الصالح يحج بأولاه كلهم فإذا سُئلَ عن ذلك قال: أعرضهم لرحمة الله تعالى.
- - - - -
стр. 250
الصبر
على تربية الأولاد
لابد للمربي أن يصبر علي من يربهم وبخاصة فلذة الأكباد (الأولاد) فأحيانا يجد الإنسان ولده شرس يضرب أمثاله من الصبيان، يلعب ويلهو فلا يثير ذلك عنده القلق، فالرسول ﷺ يطمئنا حيث يقول:" عرامة الصبي في صغره، زيادة في عقله في كبره. (١)
قال المناوي: عرامة الصبي في صغره: أي حدته وشراسته إذ العرام كغراب الحدة والشرس. زيادة في عقلة في كبره: قال الحكيم: العرم المنكر، وإنما صار منه منكراً لصغره فذاك من ذكاء فؤاده، وحرارة رأسه (٢)
ونصبر عليهم ولا ندعو عليهم فقد جاء رجل إلي عبد الله بن المبارك فشكا إليه بعض ولده، فقال عبد الله: هل دعوت عليه؟ قال الرجل: نعم، قال عبد الله: أنت أفسدته. فصلاح الأبناء بيد الله ، فلا ندعو عليهم بل ندعو لهم، فقد قال ﷺ : " دعاء الوالد لولده كدعاء النبي لأمته ".
فكثير من الآباء يهيأ لأولاده، كثير من سُبل الهداية، كالذهاب بهم إلي الكتاتيب ليعلمه القرآن، ثم يدخله المدارس الدينية، ويصطحبه إلي مجالس العلم، وينصحه كثيرا، إلا أنه يجده في اتجاه آخر، ونسي أن يتوجه إلي الله بالدعاء له
стр. 251
لأن القلوب بيد الله ، وقال ﷺ : " دعاء الوالد لولده كدعاء النبي لأمته " وهذا إمام الحنفاء إبراهيم ﵊ حيث دعا ربّه، لنفسه ولبنيه، بقوله: واجْنُبني وَبَنيَّ أن نعبُدَ الأصْنَامَ) (١) ". فلا نهمل أي سبيل من سبل الهداية٠
- - - - -
стр. 252
وقرن فى بيوتكن
قال تعالى: ﴿يَنِسَآءَ النّبِيّ لَسْتُنّ كَأَحَدٍ مّنَ النّسَآءِ إِنِ اتّقَيْتُنّ فَلاَ تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مّعْرُوفاً﴾ (١)
قوله: ﴿فَلاَ تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ﴾: وهى ترقيق الكلام عند مخاطبة الرجال.
وقوله: ﴿وَقُلْنَ قَوْلاً مّعْرُوفاً﴾: أي لا تخاطبن الرجال الأجانب بكلام فيه ترخيم.
وقوله: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنّ﴾: الزمن بيوتكن، ولا تخرجن لغير الحاجة، ولا تفعلن كما تفعل الغافلات المتسكعات في الطرقات لغير ضرورة.
وقوله: ﴿وَلاَ تَبَرّجْنَ تَبَرّجَ الْجَاهِلِيّةِ الاُولَىَ﴾ (٢): لا تُظهرن زينتكن ومحاسنكن للأجانب مثل ما كان نساء الجاهلية يفعلن.
قال مجاهد: كانت المرأة تخرج تمشى بين يدي الرجال فذلك تبرج الجاهلية. وقال قتادة: كانت لهن مشية وتكسر وتغنج، فنهى الله تعالى عن ذلك.
وقال مقاتل: التبرج أنها تُلقى الخمار على رأسها ولا تشده فيوارى قلائدها وعنقها فيبدو ذلك كله منها ذلك التبرج.
وهذه الآية وإن كانت واردة في حق نساء النبي ﷺ ، فإن ورودها في توجيه الخطاب لا في تخصيص الحكم لهن.
стр. 253
وذكر الإمام القرطبي في تفسيره عن ابن المنذر، ومحمد بن سيرين قال: نبئت أنه قيل لسودة: لم لا تحجين ولا تعتمرين كما فعل أخواتك؟ فقالت: قد حجبت واعتمرت وأمرني الله أن أقر في بيتي، فو الله! لن أخرج حتى أموت.
قال الراوي: فو الله! ما خرجت من باب حجرتها حتى أُخرجت جنازتها. (١)
وعن عمرة بنت عبد الرحمن قالت: لما سار عليُّ إلي البصرة دخل علي أم سلمة زوج النبي ﷺ يودعها، فقالت: سر في حفظ الله وكنفه فو الله! إنك لعلي الحق، والحق معك، ولولا أني أكره أن أعصي الله ورسوله فإنه أمرنا ﷺ أن نقر في بيوتنا لسرت معك، ولكن والله لأرسلن معك من هو أفضل عندي وأعز عليًّ من نفسي ابني عمر. رواه الحاكم (٢).
إذن القرار هو الراحة والطمأنينة وليس هو السجن كما يزعم أعداء الإسلام .. والبيوت مضافة لكم أيها النساء (في بيوتكن) فأنتم أولي بها من الرجال وإن كانت ملكا لرجالكم .. والله، والله أيمانا مكررة لا تنهض البيوت إلا بهذه القيم العظيمة التي تحمي المرأة من التبذل والامتهان أمام الرجال .. وتحمى الرجال من الإثارة.
والقرار في البيت أمر محبوب عند كثير من العقلاء، وصرحوا بذلك في شعرهم مثل كثير عزة قال:
أُحب من النسوان كل قصيرة ... لها نسب في الصالحين قصير (٣)
- وقال:
وأنت التي حببت كل قصيرة (٤) ... إليَّ وما يدري بذلك القصائر
عنيت قصيرات الحجال ولم أرد ... قصار الخطا شر النساء البحاتر (٥)
стр. 254
وأمر الله المرأة بهذه القيم لتظل المرأة كالجوهرة (مثل اللؤلؤ المكنون) في واحة البيت لتنعم بالسعادة والراحة والعفة والكرامة والهدوء لتربي أولادها علي الدين حتى تربي الأبطال مثل (أبو بكر الصديق .. عمر بن الخطاب .. عليَّ .. ضرار بن الأزور.
فالأم مدرسة كما قال شوقي:
الأم مدرسة إن أعددتها ... أعدد شعباُ طيبً الأعراق
- - - - -
- - - - -
стр. 255
الخلوة
عن عقبة بن عامر ﵁ , قال: قال رسول الله ﷺ : " إياكم والدخول على النساء "
فقال رجل: يا رسول الله! أرأيت الحمو (١)؟ قال "الحمو الموت " (٢) متفق عليه (٣)
وعن عمر ﵁، عن النبي ﷺ قال: " لا يخلون رجل بامرأة إلا كان ثالثها الشيطان " رواه الترمذى. (٤)
وعن جابر ﵁ عن النبي ﷺ قال: " لا تلجوا على المغيبات , فإن الشيطان يجرى من أحدكم مجرى الدم " قلنا: ومنك يا رسول الله؟ قال: " ومنى , ولكن الله أعانني عليه , فأسلم "٠ رواه الترمذي (٥).
стр. 256
وعن جابر ﵁ عن النبي ﷺ قال: " ألا لا يبيتن رجل عند امرأة ثيب إلا أن يكون ناكحا أو ذا محرم " رواه مسلم.
- - - - -
стр. 257
مصافحة
الرجل للمرأة الأجنبية
أحاديث بيعة النبي ﷺ النساء تدل على حرمة مصافحة الرجل للمرأة: فعن عائشة ﵂ قالت: كان ﷺ يمتحن من هاجر إليه من المؤمنات بهذه الآية بقول الله تعالى:" يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك .... "
قالت عائشة: فمن أقر بهذا الشرط من المؤمنات , قال لها رسول الله ﷺ : " قد بايعتك كلاما " والله ما مست يده امرأة قط في المبايعة , ما بيعهن إلا بقوله: " قد بايعتك علي ذلك " رواه البخاري
وعن عروة بن الزبير أن عائشة زوج النبي ﷺ قالت: كانت المؤمنات إذا هاجرن إلى رسول الله ﷺ يُمتحن بقول الله : " يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك
قالت عائشة: فمن أقر بهذا من المؤمنات فقد أقر بالمحنة، وكان رسول الله ﷺ إذا أقررن بذلك من قولهن، قال لهن رسول الله ﷺ : انطلقن فقد بايعتكن بالكلام، قالت عائشة: والله ما أخذ رسول الله ﷺ على نساء قط إلا بما أمر الله تعالى، وما مست كف الرسول ﷺ كف امرأة قط، وكان يقول لهن إذا أخذ عليهن: " قد بايعتكن كلاما " رواه مسلم.
стр. 258
وعن عروة أن عائشة أخبرته عن بيعة النساء قالت: ما مس رسول الله ﷺ بيد امرأة قط إلا أن يأخذها عليها، فإذا أخذ عليها، فأعطته قال: " اذهبي فقد بايعتك "٠ رواه مسلم (١)
وعن أميمة بنت رقيقة قالت: أتيت رسول الله ﷺ في نسوةٍ يبايعنه، فقلنا: نبايعك يا رسول الله! علي أن لا نشرك بالله شيئا، ولا نسرق، ولا نزني، ولا نقتل أولادنا، ولا نأتي ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا، ولا نعصيك في معروف، فقال رسول الله ﷺ : " فيما استطعتن وأطقتن، فقلنا: الله ورسوله أرحم بنا من أنفسنا، هلم نبايعك يا رسول الله! فقال: " إني لا أصافح النساء، إنما قولي لمائة امرأة، كقولي لامرأة واحدة ". أخرجه مالك وصححه ابن حبان .. وأخرجه الترمذي وغيره مختصراً. (٢)
وفى رواية أخرى:
عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: جاءت أميمة بنت رقيقة ﵂ إلى رسول الله ﷺ تبايعه على الإسلام، فقال: أبايعك على أن لا تشركي بالله شيئا ولا تسرقي، ولا تزني، ولا تقتلي ولدك، ولا تأتي ببهتان تفتريه بين يديك ورجليك، ولا تنوحي، ولا تبرجي تبرج الجاهلين الأولى. أخرجه الطبراني - والنسائي وابن ماجة - والأمام أحمد - وصححه الترمذي. (٣)
стр. 259
وقال ﷺ : " لأن يطعن أحدكم بمخيط من حديد خير له من أن يمس امرأة لا تحل له " رواه الطبراني والبيهقي.
- يقول الحافظ ابن حجر (رحمة الله):
قوله " قد بايعتك كلاما " أي يقول ذلك كلاما فقط، لا مصافحة باليد، كما جرت العادة بمصافحة الرجال عند المبايعة. (١)
- ويقول الإمام النووي:
فيه أن بيعة النساء بالكلام من غير أخذ كف، وفيه أن بيعة الرجال بأخذ الكف مع الكلام، ومنه أن كلام الأجنبية يباح سماعه عند الحاجة وأن صوتها ليس بعورة، وأنه لا يمس بشرة الأجنبية من غير ضرورة كتطبيب وفصد وحجامة وقلع ضرس ونحوه مما لا توجد امرأة تفعله، جاز للرجل الأجنبي فعله للضرورة. (٢)
- يقول الصابوني:
ورسول الله ﷺ عندما يمتنع عن مصافحة النساء مع أنه المعصوم فإنما هو تعليم للأمة، وإرشادها إلي طريق الاستقامة، وهو الطاهر، الفاضل الشريف، الذي لا يشك إنسان في نزاهته وطهارته، وسلامة قلبه، لايصافح النساء ويكتفي بالكلام في مبايعتهن، مع أن أمر البيعة أمر عظيم الشأن .. فكيف يباح لغيره
стр. 260
مصافحة النساء .. مع أن الشهوة فيهم غالبة؟ والفتنة غير مأمونة، والشيطان يجري فيهم مجري الدم. . (١)
- - - - -
стр. 261
آداب الطريق للمرأة
- إذا خرجت المرأة من بيتها للضرورة:
فعليها أن تلتزم بالآداب الآتية:-
١) لا تضع الطيب على ثيابها أو جسد ها:
فعن أبى موسى ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :" كل عين زانية، وإن المرأة إذا استعطرت فمرت بالمجلس، فهي كذا وكذا " يعنى زانية. رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح. ولأبى داود والنسائي نحوه. (١)
وعن أبى هريرة ﵁ قال: إني سمعت حبي أبا القاسم ﷺ يقول: " لا تقبل صلاة امرأة تطيبت للمسجد حتى تغتسل غسلها من الجنابة " رواه أبو داود ـ أحمد والنسائي نحوه. (٢)
وعن أبى هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ́إذا شهدت إحداكن المسجد فلا تمس طيبا " رواه مسلم (٣)
стр. 262
وعن أبى هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " أيما امرأة أصابت بخوراً؛ فلا تشهد معنا العشاء الآخرة ". رواه مسلم (١)
وعن موسى بن يسار قال: مرت بأبي هريرة امرأة وريحها تعصف فقال لها: أين تريدين يا أمة الجبار؟ قالت: إلى المسجد، قال: وتطيبت؟ قالت: نعم، قال: فارجعي فاغتسلي، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: " لا يقبل الله من امرأة صلاة، خرجت إلى المسجد وريحها تعصف حتى ترجع وتغتسل " رواه ابن خزيمة.
٢) المشي على حافتي الطريق:
على المرأة أن تمشى على حافة الطريق وتدع وسطه للرجال، فقد جاء في الحديث عن أبى أسيد الأنصاري ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول وهو خارج من المسجد، فاختلط الرجال مع النساء في الطريق، فقال للنساء: " استأخرن فإنه ليس لكن أن تتحققن (٢) الطريق، عليكن بحافات الطريق، فكانت المرأة تلصق بالجدار حتى إن ثوبها ليتعلق بالجدار. رواه أبو داود والبيهقي في شعب الإيمان (٣)
стр. 263
حتى في الطواف حول الكعبة واستلام الحجر , يجب على المرأة ألا تختلط بالرجال وتزاحمهم فقد روى الإمام البخاري عن عطاء قال: كانت عائشة ﵂ تطوف حجرة من الرجال لا تخالطهم. فقالت امرأة: انطلقي نستلم يا أم المؤمنين، قالت: انطلقي عنك وأبت.
وأخرج الببيهقي عن منبوذ بن أبى سليمان، عن أمه أنها كانت عند عائشة زوج النبي ﷺ أم المؤمنين ﵂ فدخلت عليها مولاة لها فقالت لها: يا أم المؤمنين طفت بالبيت سبعاً، واستلمت الركن مرتين أو ثلاثة، فقالت لها عائشة ﵂ ـ لا آجرك الله، لا آجرك، تدافعين الرجال، ألا كبرت ومررت؟
٣) غض البصر:
أي خفضه ونكسه .. وأصل الغض إطباق الجفن علي الجفن بحيث تمنع الرؤية .. وكف البصر عما لا يحل بخفضه إلي الأرض، أو بصرفه إلي جهة أخري، وعدم النظر بملء العين.
الآيات التي تحث علي غض البصر:
قال تعالى: ﴿قُلْ لّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضّواْ مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُواْ فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَىَ لَهُمْ إِنّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ * وَقُل لّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنّ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنّ إِلاّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا
стр. 264
وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنّ عَلَىَ جُيُوبِهِنّ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنّ إِلاّ لِبُعُولَتِهِنّ أَوْ آبَآئِهِنّ أَوْ آبَآءِ بُعُولَتِهِنّ أَوْ أَبْنَآئِهِنّ أَوْ أَبْنَآءِ بُعُولَتِهِنّ أَوْ إِخْوَانِهِنّ أَوْ بَنِيَ إِخْوَانِهِنّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنّ أَوْ نِسَآئِهِنّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنّ أَوِ التّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الإِرْبَةِ مِنَ الرّجَالِ أَوِ الطّفْلِ الّذِينَ لَمْ يَظْهَرُواْ عَلَىَ عَوْرَاتِ النّسَآءِ وَلاَ يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنّ وَتُوبُوَاْ إِلَى اللهِ جَمِيعاً أَيّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (١)
أسباب نزول الآية: عن مقاتل بن حيان، أن جابر بن عبد الله حدث أن أسماء بنت مرثد كانت في نخل لها في بني حارثة، فجعل النساء يدخلن عليها غير مؤتزرات فيبدو ما في أرجلهن يعني الخلاخل، ويبدو صدورهن وذوائبهن، فقالت أسماء: ما أقبح هذا؟ فأنزل الله في ذلك ﴿وَقُل لّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنّ﴾ (٢)
يقول ابن كثير رحمة الله في قوله ﴿وَقُل لّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنّ﴾ ... : أي عما حرم الله عليهن من النظر إلي غير أزواجهن .. ولهذا ذهب كثير من العلماء إلي أنه لا يجوز للمرأة النظر إلي الرجال الأجانب بشهوة وبغير شهوة أصلا، لما روي عن أم سلمه عندما دخل عليهم ابن أم مكتوم .. وذهب آخرون من العلماء إلي جواز نظرهن إلي الأجانب بدون شهوة، كما ثبت
стр. 265
في الصحيح أن رسول الله ﷺ ينظر إلي الحبشة وهم يلعبون بحرابهم يوم العيد في المسجد وعائشة أم المؤمنين تنظر إليهم من ورائه وهو يسترها منهم حتى ملت ورجعت. (١)
الأحاديث في الحث علي غض البصر:
عن يريدة ﵁ قال، قال رسول الله ﷺ لعلي: " يا عليَّ لا تتبع النظرة النظرة، فإن لك الأولي، وليست لك الآخرة " رواه أحمد والترمذي وأبو داود والدار مي. (٢)
وعن جرير بن عبد الله ﵁ قال سألت رسول الله ﷺ عن نظرة الفجأة ‘ فقال: " اصرف بصرك " رواه مسلم. (٣)
وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: " كتب علي ابن آدم حظه من الزنا مدرك ذلك لا محالة، والعينان زناهما النظر، والأذنان زناهما الاستماع، واللسان زناه الكلام، واليد زناهما البطش، والرجل زناها الخطأ، والقلب يهوي ويتمني ويصدق الفرج ذلك أو يكذبه " متفق عليه (٤)
وعن أم سلمة ﵂ قالت: كنت عند رسول الله ﷺ وعنده ميمونة فأقبل ابن أم مكتوم، وذلك بعد أن أمرنا بالحجاب فقال النبي ﷺ : " احتجبا منه " فقلنا: يا رسول الله! أليس هو أعمي إلا يبصرنا ‘ ولا يعرفنا؟ فقال النبي ﷺ :
стр. 266
أفعمياوان أنتما، ألستما تبصرانه!؟ رواه أحمد وأبو داود والترمذي وقال حديث حسن صحيح. (١)
الأحاديث في ثواب غض البصر:
عن أبي أمامه ﵁ عن النبي ﷺ قال: " ما من مسلم ينظر إلي محاسن امرأة أول مرة ثم يغض بصره إلا أحدث الله له عبادة يجد حلاوتها " رواه أحمد (٢)
وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :" إن النظرة سهم من سهام إبليس مسموم من تركه مخافتي أبدلته إيمانا يجد حلاوته في قلبه " رواه الطبراني.
يقول ابن القيم رحمه: في غض البصر فوائد عديدة:
١) امتثال أمر الله الذي هو غاية السعادة.
٢) يمنع أثر السهم المسموم.
٣) يقوي القلب ويفرحه.
٤) يورث في القلب أنسا في الله واجتماعا عليه.
٥) يكسب القلب نورا
٦) يورث الفراسة الصادقة (أي يقوي نور البصيرة).
٧) يسد علي الشيطان مداخله .. أن بين العين والقلب منفذاً يوجب انفصال أ
وقد أحسن من قال:
كل الحوادث مبدأها النظر ... ومعظم النار من مستصغر الشرر
стр. 267
والمرء مادام ذا عين يقلبها ... في أعين الغير موقوف علي الخطر
يسر مقلته ما ضر مهجته ... لا مرحبا بسرور جاء بالضرر
كم نظرة فتكت في قلب صاحبها ... فتك السهام بلا قوس ولا وتر
- - - - -
فَانْتَشِرُواْ وَلاَ مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النّبِيّ فَيَسْتَحْيِي مِنكُمْ وَاللهُ لاَ يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنّ مَتَاعاً فَاسْأَلُوهُنّ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تؤْذُواْ رَسُولَ اللهِ وَلاَ أَن تَنكِحُوَاْ أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَداً إِنّ ذَلِكُمْ كَانَ عِندَ اللهِ عَظِيماً﴾ (١)
وهى إحدى الموافقات الثلاث التي نزل القرآن الكريم فيها موافقا لرأى عمر ﵁، فعن عائشة ﵂ أن أزواج رسول الله ﷺ كن يخرجن بالليل إذا تبرزن إلى المناصع وهو صعيد أفيح وكان عمر بن الخطاب ﵁، يقول لرسول الله ﷺ احجب نساءك؛ فلم يكن رسول الله ﷺ يفعل، فخرجت سوده بنت زمعة زوج النبي ﷺ ليلة من الليالي عشاء وكانت امرأة طويلة فناداها عمر: ألا قد عرفناك يا سودة، حرصا على أن ينزل الحجاب، قالت عائشة: فأنزل الله الحجاب. رواه مسلم. (٢)
٦) - أسباب نزولها:
عن أنس وابن عمر ﵄، أن عمر ﵁ قال: وافقت ربي في ثلاث ‘ قلت: يا رسول الله! لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلي ‘ فنزلت: " ﴿وَاتّخِذُواْ مِن مّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّى﴾ (٣) " وقلت: يا رسول الله! يدخل علي نساءك البر والفاجر، فلو أمرتهن أن يحتجبن، فنزلت آية الحجاب، واجتمع
стр. 270
نساء النبي ﷺ في الغيرة ‘ فقلت ﴿عَسَىَ رَبّهُ إِن طَلّقَكُنّ أَن يُبْدِلَهُ أَزْوَاجاً خَيْراً مّنكُنّ﴾ (١) فنزلت كذلك.
وفي رواية لا بن عمر ﵁: وافقت ربي في ثلاث: في مقام إبراهيم، وفي الحجاب وفي أساري بدر " متفق عليه. (٢)
وعن أنس بن مالك ﵁، قال: لما تزوج رسول الله ﷺ زينب بنت جحش دعا القوم فطعموا ثم جلسوا يتحدثون، فإذا هو يتهيأ للقيام فلم يقوموا، فلما رأي ذلك قام، فلما قام، وقعد ثلاثة نفر، فجاء النبي ﷺ ليدخل فإذا القوم جلوس، ثم إنهم قاموا فانطلقوا فجئت ‘ فأخبرت النبي ﷺ أنهم قد انطلقوا ‘ فجاء حتى دخل ‘ فذهبت أدخل فألقي الحجاب بيني وبينه "٠ رواه البخاري وأخرجه مسلم والنسائي بتمامه.
٧) متى نزلت؟
كان وقت نزولها فى صبيحة عرس رسول الله ﷺ بزينب بنت جحش ﵂، وكان ذلك فى ذي القعدة من السنة الخامسة فى قول قتادة والواقدى وغيرهما.
стр. 271
- يقول الصابوني:
فى قو له تعالى: ﴿ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنّ﴾ فيه إشارة دقيقة إلى ما بين العين والقلب من صلة وثيقة، فالعين طريق الهوى، والنظرة بريد الشهوة، فإذا لم تر العين لا يشتهي القلب، وكما قال أحد الأدباء:
وما الحب إلا نظرة إثر نظرة ... تزيد نموا إن تزده لجاجا
فالقلب عند عدم الرؤية أطهر، وعدم الفتنة حينئذ أظهر. (١)
٨) الآية الثالثة:
قال تعالى: ﴿يَأَيّهَا النّبِيّ قُل لأزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَآءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنّ مِن جَلاَبِيبِهِنّ ذَلِكَ أَدْنَىَ أَن يُعْرَفْنَ فَلاَ يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللهُ غَفُوراً رّحِيماً﴾ (٢)
- يقول ابن كثير ﵀:
يقول الله تعالي آمراً رسول الله ﷺ أن يأمر النساء المؤمنات - خاصة أزواجه وبناته لشرفهن ـ بأن يدنين عليهن من جلابيبهن ‘ ليتميزن علي سمات نساء الجاهلية، والجلباب هو الرداء فوق الخمار. (٣)
стр. 272
واتفقت عبارات المفسرين علي أن المراد بالجلباب هو الرداء الذي تستر به المرأة جميع بدنها فوق الثياب وهو ما يسمي في زماننا بالملاءة أي الملحفة، وليس المراد ستر العورة كما ظن بعض الناس. (١)
وقيل بدأ الله بنساء النبي ﷺ وبناته في الأمر بالحجاب الشرعي وذلك للإشارة إلي أنهن قدوة لبقية النساء، فعليهن التمسك بالآداب الشرعية ليقتدي بهن سائر النساء .. فالدعوة لا تثمر إلا إذا بدأ الداعى بها في نفسه وأهله ‘ ومن أحق من بيت النبوة بالتمسك بالآداب والفضائل؟ وهذا هو السر في تقدمهن في الخطاب في قوله تعالي ﴿قُل لأزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ﴾ (٢)
- سرعة استجابة نساء النبي ونساء المؤمنين في امتثال الأمر:
فعن أم سلمه ﵂ قالت: لما نزلت هذه الآية " ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنّ مِن جَلاَبِيبِهِنّ﴾ (٣) خرج نساء الأنصار فكأن علي رؤوسهن الغربان من السكينة وعليهن أكسية سود يلبسنها. أخرجه بن أبي حاتم
стр. 273
وعن عائشة ﵂ قالت: يرحم الله النساء المهاجرات الأول، لما أنزل الله: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنّ عَلَىَ جُيُوبِهِنّ﴾ (١) شققن مروطهن فاختمرن بها رواه البخاري.
وفي رواية أبي داود: قالت: إن لنساء قريش لفضلا، وإني والله ما رأيت أفضل من نساء الأنصار أشد تصديقا بكتاب الله، ولا إيمانا بالتنزيل، لقد أنزلت سورة النور ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنّ عَلَىَ جُيُوبِهِنّ﴾ انقلب إليهن رجالهن يتلون عليهن ما أنزل الله إليهم فيها ‘ ويتلو الرجل علي امرأته وابنته وأخته، وعلي كل ذي قرابة. فما منهن امرأة إلا قامت إلي مرطها المرحل فاعتجرت به (الثوب تشده علي رأسها) تصديقا وإيمانا بما أنزل الله من كتابه ‘ فأصبحن وراء رسول الله ﷺ معتجرات كأن علي رؤوسهن الغربان.
ورواه ابن أبي حاتم عن صفية بنت شيبة قالت بينا نحن عند عائشة قالت فذكرن نساء قريش وفضلهن فقالت عائشة ﵂ أن لنساء قريش لفضلا وإني والله مارأيت أفضل من نساء الأنصار أشد تصديقا لكتاب الله ولاإيمانا بالتنزيل لقد أنزلت سورة النور ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنّ عَلَىَ جُيُوبِهِنّ﴾ انقلب رجالهن إليهن يتلون عليهن ما أنزل الله إليهم فيها ويتلو الرجل على امرأته وابنته وأخته وعلى كل ذي قرابته فما منهن امرأة إلا قامت إلى مرطها المرحل
стр. 274
فاعتجرت به تصديقا وإيمانا بما أنزل الله من كتابه فأصبحن وراء رسول الله ﷺ معتجرات كأن على رؤوسهن الغربان (١).
قال في النهاية ٤/ ٣١٩ المروط: الأكسية، الواحد مرط، ويكون من صوف وربما كان من خز أو غيره.
وقال ابن حجر في الفتح (٨/ ٣١٩): المرط: هو الإزار واستدل علي ذلك بما في الرواية الثانية: ((أخذن أزرهن فشققنها من قبل الحواشي فاختمرن بها)) كما في البخاري في باب تفسير سورة النور باب وليضربن بخمرهن علي جيوبهن.
والإعتجار بالعمامة: هو أن يلفها علي رأسه ويرد طرفها علي وجهه، ولا يعمل منها شيئا تحت ذقنه (النهاية ٣/ ١٨٥).
وفي الروايتين: رواية البخاري: نساء المهاجرات الأول، وفي رواية ابن أبي حاتم: نساء الأنصار، قال بن حجر: يمكن الجمع بين الروايتين بأن نساء الأنصار بادرن إلي ذلك.
وفي رواية البخاري: ((فاختمر نبها)) قال ابن حجر في الفتح (٨/ ٣٩٧) أي غطين وجوههن، وصفة ذلك أن تضع الخمار علي رأسها وترميه علي الجانب الأيمن، علي العاتق الأيسر وهو التقنع.
وقال الفراء: كانوا في الجاهلية تسدل المرأة خمارها من ورائها وتكشف ما قدامها، فأمرن بالإستتار، والخمار للمرأة كالعمامة للرجل.
стр. 275
٩) الآية الرابعة:
﴿وَقُل لّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنّ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنّ إِلاّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنّ عَلَىَ جُيُوبِهِنّ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنّ﴾ (١).
- الأحاديث والآثار:
١) أخرج بن سعد عن محمد بن ثابت بن قيس بن شماس ﵁ قال: قتل يوم قريظة رجل من الأنصار يدعي خلاداً ﵁ قال: فأتيت أمه فقيل لها: يا أم خلاد، قتل خلاد!. قال: فجاءت منتقبة فقيل لها: قتل خلاد، وأنت منتقبة! قالت: إن كنت رزئت خلاد فلا أرزأ أحيائي ‘ فأخبر النبي ﷺ بذلك فقال: " أما إن له أجر شهيدين " قال: قيل: لم ذاك يا رسول الله؟ فقال: لأن أهل الكتاب قتلوه " (٢)
٢) وعن أسماء بنت أبي بكر ﵂ قالت: كنا نغطي وجوهنا من الرجال، وكنا نمتشط، قبل ذلك في الإسلام " رواه الحاكم.
٣) وعن عائشة ﵂ قالت: كان الركبان يمرون بنا ونحن مع رسول الله ﷺ محرمات، فإذا جاوزوا بنا سدلت إحدانا جلبا بها من رأسها
стр. 276
علي وجهها، فإذا جاوزونا كشفناه " ٠ رواه أبو داود وابن ماجة معناه. (١) وهذا الحديث فيه دلالة علي انتقاب المرأة الغير محرمة ..
٤) وأخرج البيهقى عن عروة ابن الزبير ﵄ قال: وأقبل أبو بكر ﵁ من السنح على دابته حتى نزل بالمسجد، وأقبل مكروباً حزيناً فاستأذن في بيت ابنته عائشة ﵂، فأذنت له فدخل، ورسول الله ﷺ قد توفى على الفراش والنسوة حوله , فخمرن وجوههن واستترن من أبي بكر إلا ما كان من عائشة , فكشف عن رسول الله ﷺ .... ألخ الحديث " ٠ كذا في البداية. (٢)
٥) وأخرج بن سعد عن عطاء بن يسار قال: لما قدمت صفية ﵁ من خيبر أنزلت في بيت لحارثة بن النعمان، فسمع نساء الأنصار فجئن ينظرن إلى جمالها، وجاءت عائشة ﵂ منتقبة، فلما خرجت، خرج النبي ﷺ على أثرها، فقال: " كيف رأيت يا عائشة؟ قالت: رأيت يهودية , فقال: " لا تقولي ذلك فإنها أسلمت وحسن إسلامها. (٣)
٦) ونص الإمام أحمد ﵀ علي: أن كل شئ من المرأة عورة حتى الظفر. (٤)
- كيفية الحجاب:
стр. 277
عن ابن سيرين أنه قال سألت عبيدة السلمانى عن هذه الآية: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنّ مِن جَلاَبِيبِهِنّ﴾ فرفع ملحفة كانت عليه فتقنع بها , وغطى رأسه كله حتى بلغ الحاجبين , وغطى وجهه وأخرج عينه اليسرى من شق وجه الأيسر ٠
وعن ابن عباس ﵄ أنه قال: تلوى الجلباب فوق الجبين وتشده، ثم تعطفه على الأنف وإن ظهرت عيناها .. لكنه يستر الصدر ومعظم الوجه.
وفى رواية عن ابن عباس ﵂ أنه قال: أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن في حاجة أن يغطين وجوههن من فوق رؤوسهن بالجلابيب ويبدين عينا واحدة.
وقال عكرمة: تغطى ثغرة نحرها بجلبابها تدنيه عليها.
وقال السدي: تغطى إحدى عينيها وجبهتها، والشق الآخر إلا العين .. قال أبو حيان: كذلك عادة بلاد الأندلس لا يظهر من المرأة إلا عينها الواحدة.
وقال ابن الجوزي في قوله تعالي: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنّ مِن جَلاَبِيبِهِنّ﴾ أن يغطين رؤوسهن ليعلم أنهن حرائر، والمراد بالجلاليب: الأردية قاله ابن قتيبة ٠
وقال أبو حيان في البحر " وقوله تعالى: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنّ مِن جَلاَبِيبِهِنّ﴾ شامل لجميع أجسادهن، أو المراد بقوله ﴿عَلَيْهِنّ﴾ أي وجوههن لأن الذي كان يبدو في الجاهلية هو الوجه.
стр. 278
وقال أبو السعود: الجلباب ثوب أوسع من الخمار، ودون الرداء، تلويه المرأة على رأسها وتبقى منه ما ترسله على صدرها. ومعنى الآية: أن يغطين بها وجوههن وأيديهن إذا برزن لداعية من الدواعي.
وقال أبو بكر الرازي (الجصاص): وفي هذه الآية ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنّ مِن جَلاَبِيبِهِنّ﴾، دلالة علي أن المرأة الشابة مأمورة بستر وجهها عن الأجنبيين وإظهار الستر والعفاف عند الخروج لئلا يطمع فيهن أهل الريب.
وفي تفسير الجلالين: الجلابيب جمع جلباب وهي الملاءة التي تشتمل بها المرأة.
- س: هل الأمر بالحجاب خاص بأزواج النبي أم هو عام؟
ج: الآيات الكريمة وردت فى شأن بيوت النبي ﷺ خاصة تعظيما لرسول الله ﷺ وتكريما لشأنه، ولكن الأحكام التي فيها عامة تعم جميع المؤمنين، لأنها آداب اجتماعية، وإرشادات إلهية يستوي فيها جميع الناس، فالأمر بعدم الاختلاط بالنساء، وبسؤالهن من وراء حجاب ليس قاصراً على أزواج الرسول ﷺ ، ولكنه عام يشمل جميع نساء المؤمنين، فإذا كان نساء الرسول ﷺ لا يجوز الاختلاط بهن ولا النظر إليهن، مع أنهن أمهات المؤمنين، يحرم الزواج بهن، ولا يجوز سؤالهن إلا من وراء حجاب، فلا شك أن الاختلاط بغيرهن من النساء، أو التحدث إليهن بدون حجاب يكون حراما من باب أولى: لأن الفتنة بالنساء محققة، بل إن أمر الحجاب ليس خاصا بأزواج الرسول ﷺ ، بل هو عام لجميع
стр. 279
نساء المؤمنين لقول الله تعالى: ﴿يَأَيّهَا النّبِيّ قُل لأزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَآءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنّ مِن جَلاَبِيبِهِنّ ذَلِكَ أَدْنَىَ أَن يُعْرَفْنَ فَلاَ يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللهُ غَفُوراً رّحِيماً﴾ (١) فهل خرجت مؤمنة من هذا الخطاب؟ (٢)
أسباب نزول الآية:
روى المفسرون فى سبب نزول هذه الآية الكريمة، أن الحرة والأمة كانتا تخرجان ليلا لقضاء الحاجة فى الغيطان، وبين النخيل، من غير تمييز بين الحرائر والإماء، وكان فى المدينة فساق، لايزالون على عاداتهم فى الجاهلية يتعرضون للإماء، وربما تعرضوا للحرائر، فإذا قيل لهم يقولون: حسبناهم إماء، فأمرت الحرائر أن يخالفن الإماء فى الزى فيتسترن ليحتشمن ويَهَبٍِنَ فلا يطمع فيهن ذوو القلوب المريضة فأنزل الله : ﴿يَأَيّهَا النّبِيّ قُل لأزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَآءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنّ مِن جَلاَبِيبِهِنّ ذَلِكَ أَدْنَىَ أَن يُعْرَفْنَ فَلاَ يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللهُ غَفُوراً رّحِيماً﴾ (٣)
стр. 280
وقال ابن الجوزى: سبب نزولها: أن الفساق كانوا يؤذون النساء اذا خرجن بالليل، فإذا رأوا المرأة عليها القناع تركوها وقالوا حرة، واذا رأوها بغير قناع قالوا: أمة .. فآذوها، فنزلت الآية .. قاله السدى. (١)
- مفسدة كشف المرأة وجهها أمام الرجال الأجانب:
١) يعرضها لسخط الله ، لأنه معصية لله تعالى ولرسوله ( ﷺ ).
٢) أن فيه زوال لحياء المرأة.
٣) يوقع الفتنة بين الشباب والرجال.
٤) تعرِّض نفسها للإيذاء بالكلمات الساقطة.
٥) تعرض نفسها للعين والحسد، سواء من عيون الإنس أو الجن.
٦) تعرض نفسها لدعاء بعض الصالحين عليها.
٧) أن في ذلك تعويد للأمة على استمراء المنكرات شيئاً فشيئاً .. فاليوم كشف للوجه .. وغداً للرأس والشعر وبعد غد للذراع. وبعد ذلك ... ؟!! والعياذ بالله.
٨) أن فيه نشر للمنكرات في هذه الأمة. وقد قال تعالى: ﴿وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا﴾ (٢).
٩) التشبه بنساء الغرب، وقد قال ﷺ : " ومن تشبه بقوم فهو منهم. (٣).
١٠) تصبح المرأة سلعة رخيصة.
стр. 281
١١) تصبح فريسة لشياطين الإنس والجن.
١٢) تعرِّض نفسها للإيذاء بالكلمات الساقطة.
١٣) تعرض نفسها للعين والحسد، سواء من عيون الإنس أو الجن.
- لؤلؤة مكنونة: سأل يهودى مسلم: لماذا تحجبون نسائكم وتغطون مفاتنهن؟
أمسك مسلم علبه حلوى ونزع الغلاف عن اثنتين وترك الباقى مغلفا وقال
أى قطعه تريد؟ فأجاب اليهودى طبعا المغلفه لانها أنقى وأنظف، فقال المسلم: هل عرفت الآن لماذا تتحجب نسائنا؟
- - - - -
стр. 282
كلمة لكل فتاة
فعلى الفتاة تعلم أن الإسلام إنما أراد أن يؤمن شيخوختها الذابلة المنهكة، وأن يدفع إليها البشر والتفاؤل والأمان والاستقرار مع زوجها وشريك عمرها .. فالمرأة لن تظل جميلة طول العمر، ولا فاتنة ساحرة مدي حياتها .. فإذا ما ذبلت الزهرة - بتقدم العمر- وانمحت نضارتها، واعتصرت محاسنها، ولم تعد تصلح لإثارة غرائز الزوج، ونزل إلي الشارع ثم رأي فتاة في خير عمرها، وفي كامل زينتها، ورونقها وبهائها، جرت شهوته إلي غمار المقارنة بين ما ينظر في الشارع وما يراه في البيت، فتتكالب عليه الهموم والحسرات، وهو يندب حظه ونفسه، ولا نعتقد أن هذه المقارنة ستسر رأي أي فتاة في طور حياتها المتقدمة التي هي أحوج ما تكون فيها إلي زوجها.
إذن الإسلام حينما طلب منك أن تحتجبي، طالب لكِ ولسواك أن تحتجبي عن إغراء من هو لكِ (وهذا هو التأمين الجمالي للمرأة).
والذي يبدد رصيد المرأة من (طول الألفة والعشرة وامتدادها مع زوجها) هو نظرة الرجل في الشارع، إلي جمال سافر وحسن باهر، فيطغي علي كل مقدسات الروابط .. ومن هنا تتفكك روابط الأسرة وتنحل الآصرة الزوجية.
стр. 283
فافهمي أيتها الفتاة، واعلمي أن الذي منع، منع من أجلك، والذي منع ليحافظ عليك. (١)
- - - - -
стр. 284
زينة المرأة الحياء
- حياء أم المؤمنين عائشة بنت أبي بكر الصديق ﵂:
عن عائشة ﵂ قالت: كنت أدخل بيتي الذي دفن فيه رسول الله ﷺ ، وأضع ثوبي وأقول: إنما هو زوجي وأبى فلما دفن عمر ﵁ معهم .. والله ما دخلته إلا مشدودة عليَّ ثيابي حياءً من عمر ٠ رواه أحمد .. قال الهيثمي رجاله رجال الصحيح. (١)
إذا كان هذا الحياء كله ممن فارق الحياة الدنيا، فكيف بحيائها ممن لم يفارق الحياة.
- حياء فاطمة الزهراء ﵂:
فعن أم جعفر بنت محمد أن فاطمة بنت النبي ﷺ قالت يا أسماء: إني استقبحت ما يصنع بالنساء، إنه يطرح على المرأة الثوب فيصفها. قالت أسماء: ألا أريك شيئاً رأيته بأرض الحبشة؟ فدعت بجرائد رطبة فحنتها (أي عوجتها) ثم طرحت عليها ثوبا. فقالت فاطمة: ما أحسن هذا وأجمله! يعرف به الرجل من المرأة، فإذا أنا مت فاغسليني أنت وعلي ﵁، ولا تدخلي علىَّ أحداً، فلما توفيت جاءت عائشة ﵂ تدخل فقالت أسماء: لا تدخلي فشكت
стр. 285
لأبى بكر فقالت: إن هذه الخشعمية تحول بيني وبين ابنة رسول الله ﷺ ، وقد جعلت لها مثل هودج العروس .. فجاء أبا بكر فوقف على الباب فقال: ما حملك أن منعتي أزواج النبي ﷺ وجعلت لها مثل هودج العروس؟ فقالت: أمرتني ألا أدخل عليها أحداًُ، وأريتها هذا الذي صنعت، فقال أبو بكر ﵁: فاصنعي ما أمرتك، ثم انصرف، وغسلها عليٌُ وأسماء ﵄. أخرجه البيهقي.
قال ابن عبد البر: هى أول من غطى نعشها فى الاسلام على تلك الصفة. (١)
- حياء أسماء بنت أبي بكر الصديق ﵂:
أختي المسلمة أصغي معيَّ إلى السيدة أسماء ﵂ وهى تقول: تزوجني الزبير بن العوام ﵁ وماله فى الأرض من مال ولا مملوك، ولا شئ غير فرسه، قالت: فكنت أعلف فرسه وأكفيه مؤنته، وأسوسه، وأدق له النوى لناضحه وأعلف وأستقى الماء وأخرز غربة وأعجن، ولم أكن أحسن الخبز، فكان يخبز لي جارات من الأنصار، وكن نسوة صدق، وكنت أنقل النوى من أرض الزبير التي أقطعه رسول الله ﷺ على رأسي، فلقيت رسول الله ﷺ ومعه نفر من أصحابه فدعاني ثم قال: أخ .. أخ ... ليحملني خلفه، قالت: فاستحييت أن أسير مع الرجال، وذكرت الزبير وغيرته، قالت: وكان أغير الناس ــ فعرف رسول الله ﷺ أني استحييت، فمضي، وجئت الزبير، فقلت له: لقيني رسول الله ﷺ ومعه نفر من أصحابه، فأناخ لأركب معه، فاستحييت، وعرفت غيرتك. فقال: والله لحملك النوى أشد على من ركوبك معه