عَقْلِهَا، أَلَيْسَ إِذَا حَاضَتْ لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ» قُلْنَ: بَلَى, قَالَ: «فَذَلِكِ مِنْ نُقْصَانِ دِينِهَا».
هكذا ساقه بتمامه في الحيض (٣٠٤) وساق إسناده في الشهادات (٢٦٥٨) وقال فيه: عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَلَيْسَ شَهَادَةُ الْمَرْأَةِ مِثْلَ نِصْفِ شَهَادَةِ الرَّجُلِ» قُلْنَ: بَلَى قَالَ: «فَذَلِكَ مِنْ نُقْصَانِ عَقْلِهَا».
وهذا من فقه البخاري ﵀ وقدرته على التصرف في المتون، فهو من فقهاء المحدثين وأئمة الدنيا.
الثاني: يَذْكر المهلب الحديث في الباب الذي هو أولى به، وأجدر أن يحتوي عليه.
الثالث: يسوق المهلب لفظ راوٍ ينص عليه، ثم يبين ما زاده كل راوٍ ساق إسناده أول الحديث، ولذلك فإنه لا يأتي إلا بالأسانيد التي احتوت متونها على ألفاظ زائدة للمتن الكامل الذي اختاره.
ومع تنوع الأسانيد وتشعبها فإنَّ المُهَلَّبَ ينص على من عليه مدار الحديث.
قال المهلب: «فظهر إلي أن أخرج من كل حديث على أكمل ما أجده في الأبواب التي ذكره فيها ليُريَ فوائده، وتنوِّع أسانيده، وأتوخى أولى الأبواب به ما أمكن، وأذكر فيه ما زاده الضابط من الرواة على غيره في موضعه من نصه، بعد تقديم شعوب سنده إلى من عليه مدار الحديث، لكيما يكمل المتن مسند الألفاظ مقيد الزوائد».
стр. 107
مثال ذلك:
حديث عبد الله بن عمرو في صيامه وقيامه، فقد كرره البخاري في سبعة عشر موضعا في كتاب الصلاة والصيام والنكاح والقرآن والتفسير والأدب، لم يكرر البخاري إسنادًا واحدًا مرتين إلا ويأتي بزيادة في الإسناد أو المتن.
وقد رواه في مواضع عن شيخين مختلفين عن شيخ اتفقا عليه، وقد كتب إسنادًا واختصر متنه، فذكر المهلب عامة الطرق التي استوعب بها عامة لفظ الحديث، فخرجه من اثني عشر إسنادًا للبخاري، استوعب ما في الحديث من ألفاظ مدخلها في الصلاة أو الصيام أو النكاح .. إلى آخر فوائد الحديث.
ومازَ زيادات الرواة على ما اشترط.
وكحديث عائشة في حجة النبي ﷺ , كرره البخاري في خمسة وثلاثين موضعا، في كتب عدة، تبدأ بالحيض وتنتهي بالأدب، وقد لخصه المهلب بطريقة بديعة ليرفع ما فيه من إشكالات، فحصر الرواة له عن عائشة فإذا هم أربعة، فساق أسانيد البخاري إلى هؤلاء الأربعة وشعب عنهم طرقًا كثيرة، واقتصر على ستة عشر إسنادًا احتوت متونها عامة ألفاظ حديث عائشة ولم تغادر منه شيئا.
الرابع: مذهب المهلب أنه يجب على الراوي إذا روى حديثا عن شيخين ثقتين أن يبين لفظ هذا من هذا، وفي المسألة قولان، إلا أن المهلب تشدد فيها، واعتمد القول الأصعب، والتزم به في هذا النصيح.
стр. 108
قال: «وإن كان ابن شهاب الزهري ﵁ وغيره من الأئمة قال في حديث الإفك، وحديث موسى مع الخضر ﵈ وفي غيرهما حين كثرة عليه زيادات الرواة في الحديث، فقال في آخر الاسناد: وكلٌّ حدثني طائفة من الحديث، وبعضهم يزيد في الحديث على بعض، ولم يذكر المزيد ولا الزائد، ثم ساوى الحديث على نص واحد ولم يعين لكل راوٍ منهم زيادته».
قلت: ومذهب البخاري مذهب الزهري، وقد انتقده الإسماعيلي في بعض ذلك.
قال البخاري في كتاب المغازي، باب (ويوم حنين): نا أَبُوالنُّعْمَانِ نا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عُمَرَ قَالَ: يَا رَسُولَ الله, ح، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أنا عَبْدُ الله أنا مَعْمَرٌ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: لَمَّا قَفَلْنَا مِنْ حُنَيْنٍ سَأَلَ عُمَرُ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ نَذْرٍ كَانَ نَذَرَهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ اعْتِكَافٍ فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِوَفَائِهِ.
فَقَدْ عَابَ عَلَيْهِ الْإِسْمَاعِيلِيّ جَمْعهمَا لِأَنَّ قَوْله: «لَمَّا قَفَلْنَا مِنْ حُنَيْنٍ» لَمْ يَقَع فِي رِوَايَة حَمَّاد بْن زَيْد أَيْ أن الرِّوَايَة الْأُولَى مُرْسَلَة.
وهذا مما يسجل في منهجية البخاري رحمه الله تعالى في التدوين، وقد أخذ به صاحبه مسلم بن الحجاج.
إلا أنَّ المهلب لم يرتض هذا المذهب، واختار أن يفصل رواية هذا عن هذا، وقال: «ولم أسمح أنا في ذلك ولا قنعت به لأن ابن معين ﵀ قد تكلم في مثل هذا، فرأيت الخروج عن موضع التكلم أولى، وإن زادت الأسانيد، لكني ربما ذكرت زيادة الراوي في المتن وفصلتها بتحويقة.
стр. 109
وربما كررت اسم الأول الذي له اللفظ».
ولأنَّ الناسخ لم يعرف قيمة تلك التحويقة فأخل بها فقد حافظت أنا على جهد المهلب، فميزتُ الزيادات وفصلتها بأن وضعت في آخرها فاصلة هذا رسمها (,) وربما فصلت بوضع كل زيادة بين علامتين هذا رسمهما («») وذلك إذا كانت الزيادة في النص المرفوع، وربما استأنفت سطرا جديدا.
الخامس: بعد ذكر الحديث كاملًا يتبع المهلب بتخريج الحديث في أبوابه التي ذكره البخاري فيها.
فقال: «ثم إني ذكرت في آخر الحديث كل باب خرجه البخاري ﵁ فيه ليستدل الدارس له المتفقه بتلك التراجم على لطيف المعاني التي تضمنت ويتعلم كيف وجه الاستنباط لها إن خفيت واستخراجها إن غمضت, والله يلقي الحكمة من أراد به الخير بفضله.
ولما خرجت من الأحاديث الأكمل، وركبت منها المشتت فاتصل، ألفيت الذي صدَّر به من الحديث في أوائل الأبواب مقطوعا وأكثرها في الكتاب مسندًا في غير تلك الأبواب المصدر بها فيها فخرجتها حيث أجدها وتركت ذكرها في مواضع التصدر بها».
السادس: لم يكرر المهلب الأبواب المكررة الواردة في كتب مختلفة, فقال: «وهممت أيضا بترك الأبواب التي هي بمعنى واحد في أواخر الأحاديث، مثل قوله باب تزويج المحرم، وقال في النكاح: باب نكاح المحرم، وباب المرأة تحيض
стр. 110
بعد الإفاضة، وقال في الحج: باب إذا حاضت المرأة بعدما أفاضت، وخرج فيها حديثًا واحدًا، وغيرها كثير فتركت الأقل، وذكرت الأكثر».
السابع: وصل المهلب ما في الصحيح من معلقات لم توجد في البخاري مسندة، واعتذر عما وقع في البخاري من ذلك بأن المنية حالت بين البخاري وبين تهذيب كتابه، فقال: «إني تدبرت هذا الكتاب الصحيح الذي جعله الله في آخر الزمان عصمة للمختلفين, وحكما للمتفرقين، ورحمة للعالمين، فألفيت مؤلفه ﵀ على ضمان الصحة، وجامعه عن أهل الثقة، لم يبلغ من تهذيبه ما أراد، ولا تمكن فيه من كل ما أمل، واستدللت على أنه أعجل عنه بأجل، أو غالب شغل، بأنه يبوب أبوابًا كثيرة وتركها فارغة لم يخرج فيها أحاديثها وبعضها يفهم من الترجمة، ولا يفهم من بعض، ومن تلك الأبواب الفارغة ما صدر فيها الأحاديث بما يدل على المعنى ثم لم يخرج فيها غير التصدير, وأبواب كثيرة قال فيها: باب، ثم ذكر أحاديثها ولم يترجم لها بالمعنى, وأحاديث مقطوعة لم يسندها، كحديث «إِنْ لَقِيتُمْ فُلانًا وَفُلانًا فَأَحْرِقُوهُمَا بِالنَّارِ» , وحديث ابن عباس: لَيْسَ السَّعْيُ بِبَطْنِ الوَادِي بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ بِسُنَّةٍ، قال فيهما البخاري: وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ، ولم يذكر من حدثه عنه.
وكذلك قال في حديث الخشبة، وحديث أسماء رأيت زيد بن عمرو بن نفيل مسندا ظهره إلى الكعبة، وحديث عائشة أن رسول الله ﷺ لم يذكر سردا لحديثه كسردكم، قال فيها كلها: وقال الليث, ولم يذكر من حدثه عن الليث.
وسأسندها إنشاء الله تعالى.
стр. 111
وقد يترجم بعض الحديث لبيان معناه، ويترجم بطرف منه ليدل عليه، وفي كثير من الأبواب خرج فيها أحاديث يخفى معنى ذلك التبويب من نصها إلا باستدلالٍ خفي ٍ وغوص ذكي، ولو أمهل - والله أعلم - لأردف تلك النصوص بما هو أجلى لوجوه المعاني وأظهر لها».
الثامن: اعتاد المهلب في نصيحه عادة البخاري في صحيحه، من حيث إنه يعتمد سياقة متن آخر إسناد يورده، والبخاري إذا ساق إسنادين لمتنٍ واحد فإن المتن هو للفظ الآخر من الإسنادين ما لم ينص على خلاف ذلك.
مثاله في البخاري حديث «إِنَّ الله حَبَسَ عَنْ مَكَّةَ الْفِيلَ».
رواه في كتاب الديات (٦٨٨٠) قال: نا أَبُونُعَيْمٍ نا شَيْبَانُ عَنْ يَحْيَى عَنْ أبِي سَلَمَةَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ, وَقَالَ عَبْدُ الله بْنُ رَجَاءٍ نا حَرْبٌ عَنْ يَحْيَى نا أَبُوسَلَمَةَ نا أَبُوهُرَيْرَةَ.
ثم ساق متنا واحدا لم يبين لفظ من هو.
وعلمنا أنه حديث عبد الله بن رجاء لما رأينا سوق البخاري لحديث أبِي نعيم مفردًا في كتاب العلم (١١٢) فإذا غير متن ابن رجاء.
ومثله أيضًا:
قصة مقتل اليمان أبِي حذيفة يوم بدر، فقد رواها البخاري في باب العفو في الخطأ (٦٨٨٣) من حديث فَرْوَةُ بْنُ أبِي الْمَغْرَاءِ بإسناده عَنْ عَائِشَةَ ثم قال: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ فساق إسناده أيضا إلى عَائِشَةَ، والمتن الذي أعقب به إنما هو لمحمد
стр. 112
بن حرب, وإن لم يقل البخاري: لفظه، فقد أخرج حديث فروة في الأيمان (٦٦٦٨) مفردا لم يقرن إسناده بآخر وساق متنه غير متن ابن حرب.
ومثله أيضًا:
حديث أسماء ﵂: «لا تحصي .. »
فقد رواه في الهبة (٢٥٩٠) فقال: حَدَّثَنَا أَبُوعَاصِمٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ, ح, وحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ عَنْ حَجَّاجِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ أبِي مُلَيْكَةَ عَنْ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ الله بْنِ الزُّبَيْرِ أَخْبَرَهُ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أبِي بَكْرٍ ﵄ أَنَّهَا جَاءَتْ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: «لَا تُوعِي فَيُوعِيَ الله عَلَيْكِ ارْضَخِي مَا اسْتَطَعْتِ».
فهذا لفظ محمد بن عبد الرحيم، لأنه ساق في كتاب الزكاة حديث أبِي عاصم (١٤٣٤) فقال: حَدَّثَنَا أَبُوعَاصِمٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ ابْنِ أبِي مُلَيْكَةَ عَنْ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ الله عَنْ أَسْمَاءَ ﵂ قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله مَا لِيَ مَالٌ إِلَّا مَا أَدْخَلَ عَلَيَّ الزُّبَيْرُ فَأَتَصَدَّقُ؟ قَالَ: «تَصَدَّقِي وَلَا تُوعِي فَيُوعَى عَلَيْكِ».
ومثله: حديث ابن عباس في السبعين ألفا.
رواه البخاري في الرقاق بَاب يَدْخُلُ الْجَنَّةَ سَبْعُونَ أَلْفًا بِغَيْرِ حِسَابٍ (٦٥٤١) قال: نا عِمْرَانُ بْنُ مَيْسَرَةَ نا ابْنُ فُضَيْلٍ نا حُصَيْنٌ، ح, وحَدَّثَنِي أَسِيدُ بْنُ زَيْدٍ نا هُشَيْمٌ عَنْ حُصَيْنٍ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فَقَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «عُرِضَتْ عَلَيَّ الْأُمَمُ فَأَخَذَ النَّبِيُّ يَمُرُّ مَعَهُ الْأُمَّةُ وَالنَّبِيُّ يَمُرُّ مَعَهُ النَّفَرُ وَالنَّبِيُّ يَمُرُّ مَعَهُ الْعَشَرَةُ» الحديث، فهذا إنما هو لفظ
стр. 113
حديث أسيد بن زيد، فقد وجدنا البخاري خرج حديث عمران في كتاب الطب بَاب مَنْ اكْتَوَى أَوْ كَوَى غَيْرَهُ وَفَضْلِ مَنْ لَمْ يَكْتَوِ (ح ٥٧٠٥) فإذا لفظه غير هذا اللفظ.
قال البخاري: نا عِمْرَانُ بْنُ مَيْسَرَةَ نا ابْنُ فُضَيْلٍ نا حُصَيْنٌ عَنْ عَامِرٍ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵄ قَالَ: لَا رُقْيَةَ إِلَّا مِنْ عَيْنٍ أَوْ حُمَةٍ, فَذَكَرْتُهُ لِسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فَقَالَ: نا ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : «عُرِضَتْ عَلَيَّ الْأُمَمُ فَجَعَلَ النَّبِيُّ وَالنَّبِيَّانِ يَمُرُّونَ مَعَهُمْ الرَّهْطُ» الحديث (١).
إلا أنّ المهلب خالف في موضع واحد وهو في تفسير قوله ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ من سورة المائدة، فقد ساق إسناد البخاري فقال: نا أَبُوالْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ أَنَّ النبي ﷺ خَرَجَ حِينَ زَاغَتْ الشَّمْسُ فَصَلَّى الظُّهْرَ فَلَمَّا سَلَّمَ قَامَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَذَكَرَ السَّاعَةَ وَذَكَرَ أَنَّ بَيْنَ يَدَيْهَا أُمُورًا عِظَامًا أهـ.
والبخاري أخرج حديث أبِي اليمان مرتين, مرة مفردا لم يسق إسنادا آخر معه وذلك في الصلاة باب وقت الظهر عند الزوال, والموضع الثاني في باب ما يكره من كثرة السؤال، الباب، لكنه قال في الموضع الثاني: نا أَبُوالْيَمَانِ أَخْبَرَنَا
стр. 114
شُعَيْبٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ, ح، وحَدَّثَنِي مَحْمُودٌ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ أَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، ثم ساق المتن كما ساقه المهلب.
ومتن أبِي اليمان الأول فيه نقص يسير عن هذا المتن, فقد يجوز أن يكون المهلب ساق الإسناد كما هو عند البخاري لكن سقط على الناسخ, مع أن عادته الاقتصار في مثل هذا على الإسناد الثاني، والله أعلم.
التاسع: لم يلتزم المهلب في تخريج الحديث الاكتفاء بحديث الصحابي الذي خرجه فيه، ففي أحيان كثيرة يخرج المهلب حديث الباب بذكر شواهده التي في الكتاب, فمثلا حديث الساعدي الطويل في قصة سفرهم إلى تبوك, وفي آخره قوله ﷺ لَمَّا رَأَى أُحُدًا: «هَذَا جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ» فقد ذكر في تخريجه أن البخاري رواه في باب أحد يحبنا في غزوة أحد, وليس هناك إلا حديث أنس في جبل أحد, ورقمه في الصحيح (٤٠٨٣) , وهكذا يفعل المهلب في باقي الأحاديث.
العاشر: إذا كان الحديث طويلًا وكرره البخاري في مواضع عدة فإنه حينما يذكر لفظ الباب المخرج به لا يعزو إلى أصل الحديث كله سواء منه ما احتوى على اللفظ المقصود أم لا, بل يخرجه من الباب الذي فيه نفس اللفظ والشاهد.
كحديث شعبة الطويل الذي كتب به إلى معاوية ﵄ وفيه أذكار بعد الصلاة وجملة مما أمر به ونهى عنه, وقد كرره البخاري في مواضع عدة ومن طرق عدة أرقامها في الصحيح هكذا: (٨٤٤)(١٤٧٧)(٢٤٠٨)(٥٩٧٥)(٦٣٣٠)(٦٤٧٣)(٦٦١٥)(٧٢٩٢).
стр. 115
وفي الحديث المختص بالزكاة ورقمه (١٤٧٧) وفيه النهي عن إضاعة المال خرجه المهلب بقوله: وخرجه في باب عقوق الوالدين من الكبائر (٥٩٧٥) , اقتصر على ذلك ولم يزد لأن هذا الباب هو الذي يشاكل لفظه لفظ باب الزكاة ويقاربه، ولم يعرج في التخريج على أصل الحديث, وإلا كان خرج عن مقصوده, إذ أن هذا ليس هو الموضع الأول الذي يمر فيه الحديث، فقد سبق في الصلاة, وهناك ذكر حديث شعبة تاما مطولًا، لأنه أول موضع يمر فيه, ورقمه في الصحيح (٨٤٤) , وخرجه هناك بأوسع فقال: خرجه في باب الدعاء بعد الصلاة, وخرج الآخر في باب النهي عن كثرة السؤال وتكلف ما لا يعني, وفي كتاب الدعاء، وباب لا مانع لما أعطى الله, والأول: في باب ما يكره من قيل وقال أهـ.
الحادي عشر: قد يعيد المهلب الحديث في موضعين من كتابه، ويخرجه في كل موضع, كحديث عائشة «لكن أفضل الجهاد» لاحتياجه إليه في الترجمة.
الثاني عشر: تعامل المهلب مع الكتاب تعامل المحدث والفقيه.
أما نظر المحدث:
فهو في الكتاب في مواضع عديدة, يتكلم على الموافقة والمخالفة، والتفرد والشذوذ، ويصحح يضعف، ويعدل ويجرح, ويبين من تفرد بين الرواة ومن زاد عليهم، وله تعقبات على البخاري لم يسبق إليها وليست من نوع تتبع الدارقطني وإلزاماته.
стр. 116
وقد حكم على أحاديث بالشذوذ وعلى أخرى بالاضطراب، كحديث ابن عباس في من مات وعليه صوم فقد حكم باضطرابه ولم يجد بدا من تخريجه بعد أن تبرأ منه البخاري, كما قال ..
وأما نظر الفقيه:
فالمهلب مالكي المذهب، متقن لفقه السادة المالكية، مطلع على مذاهب أصحاب المذاهب، ومع أنه بدأ كتابه بالاستدلال العام على تفوق مذهب مالك وأهل المدينة على من سواهم ولا سيما مذهب أهل الكوفة والعراق، وعقد لذلك مفاضلة غير خالية من التحيز للمذهب، فإنه لا يخفى على طالب العلم أن مواطن العلم التي خرج منها العلم - وهي الحجازان مكة والمدينة، والعراقان البصرة والكوفة، والشام - تتساوى في الأصل الذي فاضل به, فكلها نزل فيها من الصحابة جم غفير, وكان فيها من العلم ما أنار مشارق الأرض ومغاربها، وقد حشد المهلب هذا الكتاب بالمناقشات الفقهية, والاستدلالات المذهبية, ينتصر فيها غالبا لمذهبه، وإن خالفت مذهب المصنف البخاري.
قال المهلب: «ولعل الله يمهل في الأجل لهذا الأمل ويعين على شرح هذا المختصر النصيح بأوجز ما يتهيأ, فيكون بعون الله شرحه على قد كتاب البخاري أو قدره، وتكون الفائدة في شرحه أجدى على الناس من ما اختصرت من تكرير نصه، غير أني قد تكلمت فيه على نبذ من الأحاديث المشكلة التي أدخلها ﵀ على اضطراب الرواة فيها، ونثرها فيه غير مرتبة ولا مبينة, على ما نبين وجوهها، وأشرت فيها بما ينفي الاضطراب عنها فلا تتعارض، ويقف الوهم في أسانيدها
стр. 117
أو متونها على من حكم به النظر عليه من ناقليها، وكذلك فعلت في تأويل معانيها.
ومنها ما هذبت أسانيدها، وطرحت الوهم الظاهر فيها، كحديث صفة عيسى وموسى في رؤيا النبي ﷺ لهما في منامه عند الطواف، وكحديث الإفراد والقران في الحج، وقد تكلمت عليه، وكحديث رافع في المزارعة، وحديث جابر فيما دون الحد من العقوبة، وحديثه في بيع الجمل واشتراط ظهره، وغيرها كثير، كلها أعجل البخاري ﵀ عن تهذيبها, وتقليب الصواب لأهللها، ولم أتقصها كلها كيلا يكثر الكتاب فيمل الشارح والكتاب، وتبقى الإطالة, فلا تعدم الملامة».
إلا أن بعض هذه المواضع غفل من التعليق والتبيين، فلا أدري أنسي المهلب أم أخل الناسخ فيها.
الثالث عشر: هذا الكتاب مصنف لطوائف الطلبة كلهم، المتفقهين منهم والحديثيين وطلبة الحفظ.
قال المهلب منبهًا إلى ذلك: «وقد يسوغ لمن أراد تحفظ متون الأحاديث خاصة أن يختصر ذكر أسماء المختلفين في ألفاظها بالزيادة والنقصان، فيكون متن الحديث أسمح لقراءته، وأيسر لتحفظه، كما يسوغ له أيضا أن يختصر ذكر الأبواب من آخر كل حديث، إذا لم يرد التفقه فيه منها، وقدم تحفظها، فيكون قد خفف عن نفسه مؤونة كبيرة من ذكر الأسماء التي يحتاج إليها أهل الإسناد، والأبواب التي منها تفقه أهل العلم.
стр. 118
فكتابي هذا إذًا:
يحتاج إليه طبقات العلم الثلاث أعني المسندين، والمتفقهين، والمتحفظين.
فلكل واحد منهم فيه بغيته ملخصة، وحاجته معينة، ومطالبه مقربة، وليس لمن صفرت يداه من بضاعة الحديث وعلم إسناده ومعانيه».
стр. 119
منهج المهلب في شرح الحديث وتفسيره:
لما كان من منهج المهلب في هذا النصيح أن يجمع الروايات والأسانيد في مكان واحد، فإنَّ ذلك قد أفاد القارئ فائدتين عظيمتين لا يمكن الكشف عنهما إلا بهذا الحشد والجمع، وهما:
معرفة علل الأسانيد، ومعرفة شرح الحديث ومعناه على الوجه الصحيح.
أما معرفة العلل:
فإن هذه المعرفة غير معرفة الصحيح من الضعيف، حتى لا يظن ظان أن هذا النوع غير موجود في صحيح البخاري، لاقتصار البخاري في كتابه على الصحيح، فإن العلة إنما تدخل على الحديث الصحيح.
قال أَبُوعبد الله الحاكم ﵀: وانما يعلل الحديث من أوجه ليس للجرح فيها مدخل, فإن حديث المجروح ساقط واه, وعِلَّة الحديث يكثر في أحاديث الثقات, أن يحدثوا بحديث له علَّة, فيخفى عليهم علمه, فيصير الحديث معلولا, الحجة فيه عندنا الحفظ والفهم والمعرفة لا غير أهـ.
وقد أجمل الحاكم أوجه العلل في أحاديث الثقات فقال: فان المعلول ما يوقف على عِلَّتِه أنه دخل حديث في حديث, أو وهم فيه راو, أو أرسله واحد فوصله واهم اهـ وزاد غيره أوجهًا أخرى.
إلا أنه لا يمكن الكشف عن علة حديث ما إلا بجمع طرقه ومقارنة أسانيده وألفاظ رواته بعضها ببعض.
قال يحي بن معين: لو لم نكتب الحديث من ثلاثين وجها ما عقلناه (١).
стр. 120
وقال ابن المديني: الباب إذا لم تجمع طرقه لم يتبين خطؤه (١).
فاستفاد المهلب من جمعه للحديث الواحد معرفة علته، وحكم في كتابه هذا على حديث ابن عباس في المرأة التي ماتت وعليها قضاء فقضت عنها ابنتها، وعلى حديث رافع في المساقاة بالاضطراب, وعلله سندًا ومتنًا.
قال عن حديث رافع:
إِنَّ فِي حَدِيثِ رَافِعٍ فِي كِرَاءِ الأَرْضِ مِن الاضْطِرَابِ فِي أَسَانِيدِهِ فِي مَنْزِلِهِ لَمْ يَجِد الْبُخَارِيُّ ﵀ بُدًّا مِنْ إِدْخَالِهِ بِاضْطِرَابِهِ لِيَتَدَبَّرَ أَهْلُ الرُّسُوخِ فِي الْعِلْمِ أَمْرَهُ سَنَدًا وَمَعْنَىً.
فَأَمَّا السَّنَدُ فَمَرَّةً حَدَّثَ رَافِعٌ عَن النَّبِيِّ ﷺ , وَمَرَّةً عَنْ عَمِّهِ ظُهَيْرٍ بْنِ رَافِعٍ عَنْهُ, وَمَرَّةُ عَنْ عَمَّيْهِ وَكَانَا قَدْ شَهِدَا بَدْرًا عَلَى مَا نَذْكُرُهُ أهـ
ولئن كان الشاذ في اصطلاح المتقدمين نوع آخر من غير جنس العلل كما فرق بينهما الحاكم أَبُوعبد الله في المعرفة فذكر الشاذ بعد العلل, إلا أن بينهما ارتباطًا وثيقًا من حيث كون الشاذ لا يكون إلا في الحديث الصحيح، وطريق معرفة الشاذ هي طريق معرفة الحديث المعلل.
وقد رد المهلب ألفاظا عديدة في الصحيح بحجة الشذوذ، كلفظة القضاء الواردة في حديث ابن شهاب، وحديث هشام بن حسان في المتلاعنين، ولفظة محمود بن غيلان في الصلاة على المحدود، وحديث سعيد بن عبيد في القسامة وهمه في ألفاظه الثلاثة، وفي حساب تركة الزبير، ولم يضف الوهم فيه لأحد, وغير ذلك إنما أردت التمثيل.
стр. 121
وبعض ما يحكم عليه المهلب من الشذوذ مصيب فيه، وبعضه محل نزاع.
وأما معرفة شرح الحديث ومعناه:
فإنَّ المعرفة الأولى مفيدة جدا في شرح الحديث، إذ كانت جسارة المهلب تحمله على رد الألفاظ التي يحكم بشذوذها أو اضطرابها، قانعًا بالألفاظ الصحيحة التي يتفق عليها عامة الرواة، وإن كان بعض الشراح المتأخرين يميل دائمًا للجمع بين الألفاظ ولو بالتعسف الشديد, واللي المستكره أحيانًا، والحافظ ابن حجر في شرحه يجمع بين القولين, قول من وفق بينهما على تكلف ومن رد لفظًا وقنع بآخر، لكنه لا يختار أحيانًا بين الأقوال التي ينقلها.
فهذه السمة الأولى من سمات منهج المهلب في شرح الحديث.
والسمة الثانية وهي مهمة جدًا، وجدتها بينةً في كتابه، لم أرها على هذا البيان في كتاب آخر، وذلك أن المهلب يفسر الحديث بالحديث، فالرواية في صحيح البخاري يبحث عن تفسيرها في رواية أخرى في الصحيح، وهذا المنهج قد طربت له كثيرًا، ورأيته أصلحَ المناهج في تفسير حديث رسول الله ﷺ وأسلمها، فإنَّ الروايات يفسر بعضها بعضًا، بمثابة تفسير القرآن بالقرآن، فإنَّ القراءات سواء المتواتر منها أو ما يسمى بالقراءات التفسيرية أو حتى ما يطلق عليها بالشاذة تفسر القرآن، وخير ما فسر به القرآن القرآن.
ليس عبثًا ولا تقطيعًا للحديث حينما يفرق المهلب بين أجزاء الحديث الواحد بألفاظ رواته، وقد يضيق صدر الجاهل أحيانًا بهذا التقطيع إلا انه للعالم بردًا وسلامًا.
стр. 122
انظر إلى المهلب كيف يفسر حديث البخاري بحديث البخاري، ويحمل متشابه الألفاظ على محكمها:
قال البخاري: نا الْحَسَنُ بْنُ إِسْحَاقَ نا مُحَمَّدُ بْنُ سَابِقٍ نا زَائِدَةُ عَنْ عُبَيْدِالله، ونا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ عَنْ أبِي أُسَامَةَ عَنْ عُبَيْدِ الله عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ جَعَلَ لِلْفَرَسِ سَهْمَيْنِ وَلِصَاحِبِهِ سَهْمًا.
وقال زائدة: قَسَمَ رَسُولُ الله ﷺ يَوْمَ خَيْبَرَ لِلْفَرَسِ سَهْمَيْنِ وَلِلرَّاجِلِ سَهْمًا.
فقَالَ المهلب:
فَسَّرَهُ نَافِعٌ فَقَالَ: إِذَا كَانَ مَعَ الرَّجُلِ فَرَسٌ فَلَهُ ثَلَاثَةُ أَسْهُمٍ, فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ فَرَسٌ فَلَهُ سَهْمٌ.
ويستفيد كذلك تعيين المبهمين:
قال البخاري: نا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ ومُسَدَّدٌ نا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ نا خَالِدٌ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ مَكَّةَ اسْتَقْبَلَهُ أُغَيْلِمَةُ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَحَمَلَ وَاحِدًا بَيْنَ يَدَيْهِ وَآخَرَ خَلْفَهُ.
فأعقبه المهلب بالقول:
وخرجه في باب حمل صاحب الدابة غيره بين يديه مفسرا، فقال البخاري: نا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ نا عَبْدُ الْوَهَّابِ نا أَيُّوبُ ذُكِرَ شَرُّ الثَّلَاثَةِ عِنْدَ عِكْرِمَةَ فَقَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَتَى رَسُولُ الله ﷺ وَقَدْ حَمَلَ قُثَمًا بَيْنَ يَدَيْهِ وَالْفَضْلَ خَلْفَهُ, أَوْ قُثَمَ خَلْفَهُ وَالْفَضْلَ بَيْنَ يَدَيْهِ, فَأَيُّهُمْ شَرٌّ وَأَيُّهُمْ خَيْرٌ.
стр. 123
وتظهر لك نجاعة هذا المنهج في تفسير الرواية بالرواية في كتاب الحج, وكيف رتبه المهلب وفسر ألفاظه من ألفاظه، وأزعم أن ترتيبه لكتاب المناسك شرح للكتاب على حياله، فمن ارتاب فيما أقول فلينظر فيه أولًا.
وقد صرح هو فيه بمنهجه في تفسير الأحاديث وأنه يرتب الألفاظ على مواطنها وأوقاتها، ويجمع الروايات, ويركب الألفاظ على المواطن.
قَالَ الْمُهَلَّبُ:
إن هذا الحديث من الإشكال بحيث قد اعتمد (!) على حفاظ النقل وأئمة الفقه مساق نصه وتأويله، حتى تكلف كثير من العلماء المتقدمين تأليف الكتب والدواوين في اختلاف نصوصه واضطراب ألفاظه، رغبة منهم ﵏ في تلخيص سبيله والتسيب إلى تأويله.
فمنهم من وقف اضطراب ألفاظه على أمنا عائشة ﵂، ومنهم من جعل ذلك من قبل ضبط الرواة عنها على قدر تقدم المتقدم منهم في الحفظ والضبط وتأخره، وهذا الوجه كان آدب وأقرب، لولا أن الله بفضله قد فتح لنا في تصحيح معناه على نصه بترتيبه على مواطنه وأوقات إخبارها عنه ﷺ من جمع الروايات فيه, وتركيبها على لفظه في المواطن التي ابتدأ الإحرام فيها, ثم أعقب حين دنا من مكة بما أمر به من لم يسق الهدي, إذ أوحى الله إليه بتجويز الاعتمار في أشهر الحج, فسحة منه تعالى لهذه الأمة، ورمة لهم بإسقاط أحد السفرين عنهم, ومنع في كتابه من إحلال الهدي بقوله ﴿لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ﴾ فأمر ﵇ من لم
стр. 124
يكن معه هدي بالإحلال بعمرة ليُريَ أمته جوازها، ويعرفهم بنعمة الله عليهم بها عيانًا، عملًا بحضرته ﷺ لا خبرًا.
فأوجب الاعتبار للأحاديث وصحح النظر في إحرامه أولًا وفيما أمر به آخرًا تخليص المعنى من الاشكال بحمد الله كما نشير إليه من ترتيب ذلك على المواطن في هذا الباب إنشاء الله ، ولم نستغن عن تكرير الحديث، لكثرة من رواه من الصحابة ﵃ مع أم المؤمنين ﵂، لما في نصوص أحاديثهم من موافقة هذا الترتيب بحديث عائشة، والشاهد على صحته، وتصديق الترتيب فيه, والتأويل فيه.
ثم طفق سوقًا للأحاديث وقرنًا للألفاظ المجملة بالمبينة.
وأما حديث البخاري: «إِنَّ الله لَيُعَذِّبُ الْمُؤْمِنَ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ».
فلم يجد تفسيره في صحيح البخاري فراغ إلى بحر السنة الزخار وقال:
قد فسره النبي ﷺ بقوله لِقَيْلَةَ بنتِ مَخْرَمَةَ الوافدة عليه، حين ذكرت ولدا لها قاتل معه ﵇ يوم الربذة، ومات بخيبر، فبكت عليه، فقال لها النبي ﷺ : «لَوْ لم تَكُونِي مِسْكِينَةً لجَرَرْنَاكِ اليَوْمَ عَلَى وَجْهكِ, أَيُغْلَبُ أَحَدُكُمْ أَنْ يُصَاحِبَ صُوَيْحِبَهُ فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا, فَإِذَا حَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ مَنْ هُوَ أَوْلى بِهِ اسْتَرْجَعَ ثُمَّ قَالَ: رَبِّ آسِنِي مَا أَمْضَيْتَ، وَأَعِنِّي عَلَى مَا أَبْقَيْتَ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ أَحَدَكُم لَيَبْكِي، فَيَسْتَعِيرُ إليه صُوَيْحِبَهُ، فَيَا عِبَادَ الله لا تُعَذِّبُوا إِخْوَانَكُم»
حَدَّثَنَا بِهِ .. ثم ساق إسناده.
стр. 125
وبعد، فإن تفسير الحديث بالحديث طريقة الحفاظ والمحدثين، ومنهج الإمام البخاري ﵀ في شرح السنة.
قال في صحيحه:
نا سَعِيدُ بْنُ أبِي مَرْيَمَ نا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ عَنْ ابنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ الله عَنْ أَبِيهِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «فِيمَا سَقَتْ السَّمَاءُ وَالْعُيُونُ أَوْ كَانَ عَثَرِيًّا الْعُشْرُ, وَمَا سُقِيَ بِالنَّضْحِ نِصْفُ الْعُشْرِ».
قال: هَذَا تَفْسِيرُ الْأَوَّلِ, لِأَنَّهُ لَمْ يُوَقِّتْ فِي الْأَوَّلِ يَعْنِي حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ «فِيمَا سَقَتْ السَّمَاءُ الْعُشْرُ» وَبَيَّنَ فِي هَذَا وَوَقَّتَ, وَالزِّيَادَةُ مَقْبُولَةٌ, وَالْمُفَسَّرُ يَقْضِي عَلَى الْمُبْهَمِ إِذَا رَوَاهُ أَهْلُ الثَّبَتِ, كَمَا رَوَى الْفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يُصَلِّ فِي الْكَعْبَةِ، وَقَالَ بِلَالٌ: قَدْ صَلَّى, فَأُخِذَ بِقَوْلِ بِلَالٍ, وَتُرِكَ قَوْلُ الْفَضْلِ أهـ.
والحافظ ابن حجر أكثر الشراح اعتمادًا على هذه الطريقة وأخذًا بها، ولذلك نبل شرحه وكمل، والله أعلم.
стр. 126
النسخ الخطية:
لكتاب النصيح نسختان قابلت عليهما في تحقيق هذا الكتاب المبارك.
النسخة الأولى: هي من محفوظات الخزانة العامة في الرباط، ومنها نسخ مصورة في كثير من المكتبات، وقد صور لي هذه النسخة من مكتبة الجامعة الإسلامية في مدينة النبي ﷺ أخي الشيخ بلال أبو قدوم، فجزاه الله خيرًا.
وصف النسخة:
عدد أوراقها ٣١٨ ورقة في كل ورقة لوحتان، في اللوحة ٣٠ سطرا, في كل سطر قريب من ١٨ كلمة.
وخطها مغربي جيد, ميز أبواب الكتاب بلون مغاير، وخط عريض.
لم يتبين لي مَنْ كاتبها، ولكنه مجتهد غير ذي خبرة في الحديث، فهو يصحف في أسماء الرجال المشاهير، وقد يكون في كلام المهلب بعد سوق الإسناد ما يضبط اسم الرجل الذي صحفه، ولكنه لا ينتبه لذلك.
وقد أخل الناسخ في مواضع عديدة في هذا النصيح من جراء انتقال النظر، فيترك سطرًا أو سطرين, وقد بينت ذلك ونبهت عليه.
ينقل أحيانا شروحا للغريب من كتابي المشارق والتوشيح, وقد أهملت ذكر ذلك، لقلة جدواه, وسهولة الوقوف عليه، ولأنه ليس من رأس المهلب.
في أول الحديث يكتب الناسخ: خ يرمز به للبخاري, وبين الأسانيد يكتب خ أو ح يهملها أحيانا ويعجمها أخرى، وقد جريت أنا في الكتاب على سنة واحدة:
стр. 127
فأول الحديث أكتب (خ) أي البخاري كما أراد المهلب، كأنه يقول: (قال البخاري: حدثنا .. ).
وعند التحويل بين الأسانيد أكتب (ح) كما هي عاة المحدثين، ولا التفت إلى اضطراب الناسخ في ذلك، وقد أتبع المخطوط أحيانا, والأمر ليس بذي بال.
النسخة الثانية:
وهي من مكتبة الحرم المكي الشريف، إلا انها غير تامة، تبدأ من كتاب النكاح، وتنتهي آخر كتاب الذبائح، وعدد أوراقها ٥٧ ورقة.
وأحد هذين الأصلين منسوخ من الآخر بدلالة المتابعة في السقط وما شابه.
وقد تفضل أخي الشيخ أبو عمر عبد الرحمن الفقيه الغامدي، المشرف العام على ملتقى أهل الحديث، فصور لي هذه النسخة، فجزاه الله خيرا.
منهجي في التحقيق:
لما نسخت الكتاب أعدت مقابلته على الأصل الأول، ثم عارضت بالأصل الثاني، ثم قارنت رواية المهلب هذه بنسختين مطبوعتين مختلفتين، ثم قارنت بين روايات البخاري الأخرى وبين رواية المهلب هذه، وذكرت الفروقات بين النسخ, مكتفيًا بما الاختلاف فيه له تأثير، ونبهت على ذلك كي لا يعتقد في نسختنا التصحيف، معتمدا في معرفة الاختلاف على كتب الشروح ولا سيما شرح ابن بطال وشرح ابن حجر رحمهما الله تعالى.
عارضت الكتاب أيضا على نسخة أبي زيد ورمزت لها: ز.
стр. 128
تجد للأحاديث في هذا الكتاب رقمين، الأول الرقم العام في ترتيب هذا المختصر، والثاني رقم الرواية في صحيح البخاري، وكل شيخ للبخاري أذكر رقم حديثه قبل اسمه.
وقد اعتمدت في ترقيم الأحاديث على النسخ المطبوعة التي تعداد أحاديث البخاري فيها ٧٥٦٣ حديثا، وهي أكثر النسخ تعدادا للأحاديث فيما أحسب، لترقيمهم الأحاديث المعلقة التي صدر بها البخاري وأفردها المهلب في بعض الأبواب.
ضبطت الأسانيد والمتون والأبواب بالشكل صيانة لصحيح البخاري من اللحن، وتسهيلًا للراغبين في قراءته من عامة وخاصة، فإنَّ إعرابَ الحديثِ شَطرُ فَهْمِهِ، وقد اعتمدت بضبط الكتاب على النسخة أولًا، إذ أن ناسخها شكل فيها ما أشكل، ثم على كتب الشروح ثانيًا.
أسأل الله أن يتقبل هذا الجهد المتواضع من قليل البضاعة والطاعة، وأن يجعله في ميزان حسناتي ووالديَّ ومشايخي وجميع المسلمين، وأن يجزي المهلب خير الجزاء، وأن يرحمه ويتجاوز عنه، ويجمعنا به في روضات الجنات، والله الموفق والهادي إلى صراط المستقيم، وهو أهل التقوى وأهل المغفرة.
стр. 129
صورة المخطوط
стр. 130
صورة المخطوط٢
стр. 131
صورة المخطوط٣
стр. 132
صورة المخطوط٤
стр. 133
صورة المخطوط٥
стр. 134
صورة المخطوط٦
стр. 135
صورة المخطوط
стр. 136
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وَصَلَّى اللهُ عَلَى سَيِّدِنَا وَمَوْلانَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا
(*) الإمام الحافظ والحبر العالم أَبُوعبد الله محمد بن إسماعيل البخاري ﵀ بترك تكراره بعد تقصي آثاره، وما دل على فائدة فيه، مما نصح به المسلمين، وهذبه للمتحفظين والمتفقهين، بتأييد رب العالمين: الشيخ الإمام الحافظ الثقة العدل القاضي:
أَبُو القاسم المهلب بن أبِي صفرة ﵀ ونضر وجهه ورضي عنه.
رواية: الشيخ الفقيه القاضي أبِي عبد الله بن المرابط ﵀ عنه (١).
رواية: الشيخ الفقيه القاضي الخطيب أبِي عبد الله محمد بن أحمد بن خلف القيسي بالحمراء عنه (٢).
стр. 137
رواية: الشيخ المحدث الثقة الراوية الحافظ أبِي محمد عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عبيد الله الحجري ﵀ عنه (١).
رواية: الشيخ الفقيه القاضي أبِي القاسم أحمد بن يزيد بن بقي ﵀ عنه (٢).
رواية: محمد بن أحمد بن محمد القيسي ثم الزندي اسعده الله ووفقه عنه.
كان أَبُوالحسن محمد بن عبد العزيز بن علي بن علي بن مختار الغافقي الإمام المحدث العدل الثقة شيخ أبِي محمد بن حوط الله (٣)، ﵏ يثني على هذا المختصر النصيح ثناء جميلا ويفضله على جميع أمثاله.
стр. 138
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 139
وَصَلَّى اللهُ عَلَى سَيِّدِنَا وَمَوْلانَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا. (١) وصل فافهم، ومثل فأكمل، .. , وردد القصص .. من القصص, وأطال فما استحال، وأوجز فأعجز، فلا بكلمة مكبوت، ولا فهم إلا بمعانيه ... (٢) إلى بيان الرسول كما شرط في محكم التنزيل، فقَالَ عزَّ مِنْ قائل ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾.
فامتثل النَّبِيُّ ﷺ البيان كما أُمر، ونطق عن غير هوى كما بُشر، ما ترك فريضة مجملة إلا فصلها وحددها، ولا سنة منزلة إلا بيَّنها وقيَّدها، ولا فضيلة مرجوة إلا بسطها وفردها، وبالغ في الإبلاغ، وأشهد الله يوم حجة الوداع على ذوي الأبصار والأسماع، بما أعلن به وصدع، وبيَّنَ وشرع، فقَالَ: (ألا هل بلغت) فقَالَوا: اللهم نعم، فقَالَ: (اللهم فاشهد) فبرأه الله من ملامة التقصير والإسرار، ورضي منه بالإعلان والإجهار، وأعلمهُ بكمال الدين، وتمام النعمة على المؤمنين.
ثم دعا ﵇ لمن تسَمَّعَ منه فبلغ عنه، فرب مبلَّغٍ في نازلة عصره أوعى له من سامع نَصِّهِ، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، ممن أقامهم الله لدينه عدولًا من كل خَلَفٍ، ينفون عنه انتحال المبطلين، وتحريف الغالين، إلى يوم الدين.
стр. 140
ثم آنسَ النُّفُوسَ ﵇ مما آذن به من فيض العلم، حِين تَسُودُ الأُغَيْلِمَةُ (١) الجهلاء، وتراه بَيْنَ الأغبياء، بأن الله قد نصر من هذه الأمة الطائفة القائمين بالحجة على أهل الجهالة والبدعة، فقَالَ ﷺ : (لا تزال طائفة من أمتي على الحق ما يضرهم من كذبهم ولا من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك).
فجعل إليهم تعالى برحمته استنباط حكم النازلات، وتأويل فقه المشكلات من مفهوم (٢) النصوص، وبيان العام والخصوص، وسَوَّغَهُمْ توجيه الأقاويل المختلفة إلى السنن المعروفة, فقَالَ تعالى ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾.
فلا خفاء بعدُ على من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد أن من تبوأ الدار والإيمان, وشهد مواقع نجوم القرآن، وتلقى من الرسول ﷺ حُكْم التنزيل في جماعات الرجال والنساء، وأيفاع الولدان والإماء، ومتجالات العيال، وربات الحجال، أولى بضبط الشرائع، وأحق بنقل الحقائق إلى الذين اتبعوهم بإحسان ﵃ كافة عن كافة إلى كافة, منصوص على فضل جميعها, ثم إلى عالم من أهلها فقيه المعنى .. مبشر منه ﷺ بانتهاء العلم إليه، ووقفه عليه، تضرب إليه آباط الإبل, ويتكلف إليه بعيد السبل، من انقطاع العلم عن أشتات الآفاق وآحاد الشام والعراق، حيث يطلع
стр. 141
قرن الشيطان للفتنة، ويزلزلها بالفرقة، فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون، فبهداهم اقتده، فلهم الضبط والفهم، وإليهم يأرز العلم، أبناء طيبة، ونشأة الروضة، تربة الرسول، ومنزل جبريل، ومحل الوحي وملبث الحق، .. ، أرباب الأيمان وعيبة نصح الإسلام, لا جرم أن لهم الحسنى وأنهم هم الفائزون, وحزب الله المفلحون، ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
جعلنَا الله من المتبعين سبيل المؤمنين, القائمين بحجة رب العالمين, على منهاج خاتم النبيئين, وأول الشافعين, صلى الله عليه وعلى أهله وأتباعه وأنصاره أجمعين, أفضل صلاة وأزكاها وأطيبها وأرضاها، وسلم تسليما.
النبوءة، وحملة أعباء الرسالة, ومن أوصى بهم الرسول ﷺ , وخصهم بالصحبة جبريل، يطلبونه .. ما يحجونه.
فإني أوصي نفسي بما به أوصيكم من لزوم الخير والتقى والصبر عن عرض الدنيا فقد أخذ الله عليكم الميثاق, وتضمن لكم الأرزاق، وأراد بكم الخير, ووعدكم النصر، حين فقهكم في الدين, .. , وقضى لكم بالسيادة, ... وقلد لكم الآية ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ ..
فإنما الأعمال بالنيات، واسلكوا سبيل الجادة، وتنكبوا .. عن مختلف الأقاويل، بالرد إلى الرسول، واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم.
стр. 142
فقد حفظ الله عليكم التنزيل، وبين لكم الرسول، وقيد العلماء، واستنبط الفقهاء، ونقلت الأمة، وصححت الأئمة، واجتمعت على هذا الكتاب الجامع الصحيح الآثار، وقنعت به عن أمات أهل الإكثار، واقتصرت قرون الإسلام عليه، ولجأ المخالف والمؤآلف إليه، ولن تجتمع الأمة على ضلال، ولا تتفق على اختلال.
فرحم الله مؤلفه الفاضل محمد بن إسماعيل العالم المرضي، والحبر الزكي، الناهج لسبيل النجاة، والدليل الماهر في مهامه الرواة، والنجم الهادي في الظلمات، .. يتضمن صحيح الحديث على أئمة الأمصار، فما عورض والزعيم يميز صريح الأسانيد ..
العارف بعدالة الرجال الحاكم فيهم بتغليب الحال، المنكت بجواهر العلم بتبويباته، والمنبه على خفيه بإشاراته، فهو يصدر في أول الباب بوجه الحديث ليفهم، ويميز المعنى الذي به ترجم، ويكرر الأحاديث بكثرة المعاني التي فيها، فمن وهب الله له فهمها ودَّ تكثيرها، ومن خفت عليه كره تكريرها.
فلذلك رغب إِلَيَّ منكم راغبون كثير في اختصار تكراره، وتحرير آثاره، حرصا على قرب أمره، وتأتي حفظه، ولو كان تكرره في كل باب على نص واحد لأمكن ما رغبوه، وساغ ما أرادوه، ولكن يكرره بألفاظ مختلفة يدل على وجوه، وبزيادات الرواة على غيرهم تنفس المعاني للناظر الفقيه.
فلو اختصر على ما ظنه الراغبون فيه، واحتمل على رأي المستنبطين له, لذهبت بهجة الكتاب، وطمست [ص/٣] أعين المعاني, وعدم من فوائد الحديث
стр. 143
الأكثر التي ترجم بها، واستنبطها من خَفِيِّ أماكنه فجلاها للعقول، ونبه عليها من جوامع كلام الرسول فإنه ﵇ قَالَ: (بعثت بجوامع الكلم).
فأعملتُ النظر أيدكم الله فيما رغبه الآملون لتحفظه فتقر فيه , والراغبون في التفقه منه مع تهذيبه، فلم يمكنني فيه غير اختصاره بإسقاط تكراره، إلا ما ضنت الحاجة إليه، واشتملت المتون من اللفظ عليه، فَأُبْقِيهِ لفائدةٍ فيه.
فظهر إِلَيَّ أنْ أُخَرِّجَ من كل حديث على أكمل ما أجده في الأبواب التي ذكره فيها ليُريَ فوائده، وينوِّعَ أسانيده، وأتوخى أولى الأبواب به ما أمكن، وأركب فيه ما زَادَه الضابط من الرواة على غيره في موضعه من نصه، بعد تقديم شعوب سنده إلى من عليه مدارالحديث، لكيما يكمل المتن مسند الألفاظ مقيد الزوائد.
وإنْ كان ابن شهاب الْزُهْرِيّ ﵁ وغيره من الأئمة قَالَ في حديث الإفك، وحديث موسى مع الخضر ﵈, وفي غيرهما حين كثرت عليه زيادات الرواة في الحديث، فقَالَ في آخر الاسناد: وكلٌّ حَدَّثَنِي طائفة من الحديث، وبعضهم يزيد في الحديث على بعض، ولم يذكر المزيد ولا الزائد، ثم ساوى الحديث على نص واحد ولم يعين لكل راوٍ منهم زيادته.
ولم أَسْمَحْ أنَا في ذلك, ولا قنعتُ به, لأنَّ ابن معين ﵀ قد تكلم في مثل هذا, فرأيت الخروج عن موضع التكلم أولى، وإن زَادَت الأسانيد، لكني ربما ذكرت زيادة الراوي في المتن وفصلتها بتحويقة.
وربما كررت اسم الأول الذي له اللفظ, ثم إني ذكرت في آخر الحديث كل باب خرجه البخاري ﵁ فيه ليستدل الدارس له المتفقه بتلك التراجم
стр. 144
على لطيف المعاني التي تضمنت ويتعلم كيف وجه الاستنباط لها إن خفيت واستخراجها إن غمضت, والله يلقي الحكمة من أراد به الخير بفضله.
ولما خرجت من الأحاديث الأكمل، وركبت منها المشتت فاتصل، ألفيت الذي صدَّر به من الحديث في أوائل الأبواب مقطوعا وأكثرها في الكتاب مسندًا في غير تلك الأبواب المصدر بها فيها فخرجتها حيث أجدها وتركت ذكرها في مواضع التصدير بها.
وهممت أيضا بترك الأبواب التي هي بمعنى واحد في أواخر الأحاديث، مثل قوله باب تزويج المحرم، وقَالَ في النكاح: باب نكاح المحرم، وباب المرأة تحيض بعد الإفاضة، وقَالَ في الحج: باب إذا حاضت المرأة بعدما أفاضت، وخرج فيها حديثا واحدا، وغيرها كثير فتركت الأقل، وذكرت الأكثر.
стр. 145
فصل:
ثم إني تدبرت هذا الكتاب الصحيح الذي جعله الله في آخر الزمان عصمة للمختلفين, وحكما للمتفرقين، ورحمة للعالمين، فألفيت مؤلفه ﵀ على ضمان الصحة، وجامعه عن أهل الثقة، لم يبلغ من تهذيبه ما أراد، ولا تمكن فيه من كل ما أمل، واستدللت على أنه أعجل عنه بأجل، أو غالب شغل، بأنه يبوب أبوابًا كثيرة وتركها فارغة لم يخرج فيها أحاديثها وبعضها يفهم من الترجمة، ولا يفهم من بعض، ومن تلك الأبواب الفارغة ما صدر فيها الأحاديث بما يدل على المعنى ثم لم يخرج فيها غير التصدير, وأبواب كثيرة قَالَ فيها: باب، ثم ذكر أحاديثها ولم يترجم لها بالمعنى, وأحاديث مقطوعة لم يسندها، كحديث (إن لقيتم فلانَا وفلانَا فأحرقوهما بالنار) , وحديث ابن عباس (ليس السعي ببطن الوادي بين الصفا والمروة بسنة) قَالَ فيهما البخاري: وقَالَ ابن وهب، ولم يذكر من حدثه عنه.
وكذلك قَالَ في حديث الخشبة، وحديث أسماء رأيت زيد بن عمرو بن نفيل مسندا ظهره إلى الكعبة، وحديث عائشة أن رسول الله ﷺ لم يذكر سردا لحديثه كسردكم، قَالَ فيها كلها: وقَالَ اللَّيْثُ, أو يذكر، ولم يذكر من حدثه عن الليث.
وسأسندها إنشاء الله تعالى.
وقد يترجم بعض الحديث لبيان معناه، ويترجم بطرف منه ليدل عليه، وفي كثير من الأبواب خرج فيها أحاديث يخفى معنى ذلك التبويب من نصها إلا باستدلالٍ خفي ٍ وغوص ذكي، ولو أمهل - والله أعلم - لأردف تلك النصوص بما هو أجلى لوجوه المعاني وأظهر لها.