← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 37886

كف الرعاع عن محرمات اللهو والسماع

ابن حجر الهيتمي

Полный текст (206 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

قال الأذرعي: وأحسبه عرَّض فِي صدر كلامه بالغزالي؛ فإنَّه من مُعاصِريه، انتهى. واعتَرضَه تلميذُه الزركشي بأنَّه ليس من مُعاصِريه، فإنَّه وُلِدَ بعد وَفاته بعشْر سنين، انتهى. ويُجاب عنه بأنَّ مُراده بكونه من مُعاصِريه أنَّه قريب جدًّا من عصره، فصَحَّ أنْ يطلق عليه كونه من مُعاصِريه مجازًا. وقال الإمام جمال الإسلام ابن [البِزري] (١) بكسر الباء نسبةً لبزر الكتان (٢): الشَّبَّابة زمرٌ لا محالة حَرام بالنص، ويجبُ إنكارها ويحرم استِماعها، ولم يقل العلماء المتقدِّمون ولا أحدٌ منهم بحِلِّها وجوازِ استعمالها، ومَن ذهَب إلى حلِّها وسماعها فهو مُخطِئ، انتهى. وقال ابنُ أبي عَصْرُونٍ: الصواب تحريمُها، بل هي أجدَرُ بالتَّحْريم من سائرِ المزامِيرِ المُتَّفَقِ على تحريمِها؛ لشدَّةِ طربها، وهي شِعارُ الشَّرَبَة وأهلِ الفُسوق، انتهى. وإذا تقرَّر ما فِي هذا التَّنْبِيه عُلِمَ منه خطَأ صاحب ذلك الكتاب فِي قوله: اختَلَفَ العلماء فيها؛ فذهب طائفةٌ إلى التحريم، وطائفةٌ إلى الإباحة، وهو مذهَبُ جماعةٍ، ثم عَدَّ جملة مَن اختاره من الشافعية مُقلِّدًا فيه مَن لا يُوثَق به، وكلُّ ذلك تمويهٌ وتلبيس كما قرَّرته فاعلَمْه.

стр. 107

واستِدلالُه بقول الرَّافِعِيِّ: رُوِيَ عن الصحابة الترخيصُ في [مزمار] الراعي ليس فِي محلِّه؛ لأنَّ ذلك لم يَثبُتْ عن أحدٍ منهم. وأمَّا حديث الراعي الآتي فسيأتي الكلامُ فيه، على أنَّ هذا لا ينفَعُ صاحب ذلك الكتاب؛ لأنَّها كانت تُفعَل بحضرته فِي المجامع الحفلة وغيرها على غايةٍ من الإطراب، وزمَّارة الراعي ليس فيها شيءٌ من ذلك كما يأتي، ووقَع له أنَّه استدلَّ على حِلِّ مُطلَق الشَّبَّابَة بأنها تُجرِي الدمع، وتُرقِّق القلب، وبأنَّ العلماء والصالحين لم يزالوا يسمَعُونها وتَجرِي على أيديهم الكرامات الظاهرة، وقد قدَّمتُ ذلك كلَّه عنه فِي مبحث الرَّقص، وأنَّه من خراف ابن طاهر وغيره، وتَبِعَهم هذا من غير تأمُّل؛ لأنَّ الهوى يعمي ويصمُّ، فراجِعْ ذلك كلَّه واحفَظْه فإنَّه مفيد. (تَنْبِيه ثانٍ) قول الأسنوي السابق: وبالجواز قال الماوردي، والخطابي، والروياني، اعترَضَه الأذرعي وتَبِعَه تلميذُه الزركشي فقال فِي "خادمه": نقل [ز١/ ٢٦/ب] فِي المهمَّات الحِلَّ عن الماوردي، والخطابي، ومحمد بن يحيى، فأمَّا ابن يحيى فإنَّه تبع الغزالي، وأمَّا الماوردي فإنَّه فصل بين الأمصار فيكره، وبين الأسفار والمراعي فيُباح، وحَكاه عنه فِي "البحر" هكذا ولم يَحْكِ غيره، وأصلُ ذلك قول شيخه الأذرعي فِي "توسطه" فِي إطلاق الأسنوي نقل الحِلِّ عمَّن ذكر نظَر، وعبارة "البحر" قال فِي "الحاوي": الشَّبَّابَةُ فِي الأَمصارِ مكروهة؛ لأنها تستعمل فيها من السخف والسفاهة، وفي الأسفار والمراعي مُباحة؛ لأنها تحثُّ على السَّير وتجمَع البهائم إذَا سَرَحَتْ (١).

стр. 108

فإنْ قيل: أليس رُوِي عن ابن عمر وساقَ طرفًا من حديث الراعي وغيره، ثم قال: قلنا: قال أبو سليمان الخطابي: المِزْمَار الذي سمعه ابن عمر صفارة الرُّعاة، وهذا محمولٌ على غير الشَّبَّابَة؛ وهذا يدلُّ على أنَّه وإن كان مكروها فليس كسائر الملاهي؛ لأنَّه لو كان كذلك لما اقتَصَر على سَدِّ المسامع فقط دُون الزجر والتنكيل، انتهى لفظه. ولا خَفاء أنَّ الراعي ونحوه يصفر فيها صفرًا مجرَّدًا، والكلام فيمَن يصفر فيها على القانون المعروف، فالوجه التحريمُ فيها مطلقًا، بَل هي أجدَرُ بالتحريم من سائر المزامير المتَّفَق على تحريمها؛ لأنها أشدُّ إطرابًا وهي شِعار الشَّرَبة وأهل الفُسوق، وقال بعض أهل هذه الصناعة - وهي الموسيقا -: الشَّبَّابَة آلةٌ كاملة وافية تجمَعُ النَّغمات، وقال آخَرون: ينقص قيراطًا. قال القرطبي: هي من أعلى المَزَامِير، وكل ما لأجله حرمت المَزَامِير موجودٌ فيها وزيادة، فيكون أولى بالتحريم، قال الأذرعي: وما قاله حقٌّ واضح، والمنازعة فِيه مكابرةٌ، وقال غيره: هي من أعلى المَزامِير، وكل ما لأجله حُرِّمت المَزامِير موجودٌ فيها وزيادة؛ فيكون أولى بالتحريم، والمنازعة في هذا مكابرةٌ، وهو الموافق للمَنقول، فإنَّه الذي نَصَّ عليه الشَّافِعِيُّ والجمهورُ؛ فقد قال فِي "الأم" فِي باب السرقة: ولا يقطع فِي ثمن الطُّنْبُور ولا المِزْمَار، انتهى (١). وقد حرم الشَّافِعِي ما دونها فِي الإطراب بكثيرٍ فإنَّه حرَّم الكُوبَة وهو الطبل الصغير، وحرَّم طبل اللهو وهو [ز١/ ٢٧/أ] الطبل الكبير، وحرم الطبل (٢) فِي غير العُرس والخِتان، وما حرَّمَه إلا لأنَّه لهوٌ لا ينتفع به فيما يجوز؛ ففي

стр. 109

الشَّبَّابَة مع كونها لهوًا يصدُّ عن ذِكر الله وعَن الصلاة مع الميل إلى أوطار النُّفوس ولذَّاتها، فهي بالتحريم أحقُّ وأولى، وهو مُقتَضى كلام العراقيين؛ فإنهم قالوا: الأصوات المكتسبة بالآلات ثلاثةُ أضرب: ضَرْب محرَّم وهي التي تطرب من غير غِناء؛ كالعيدان والطنابير والمَزَامِير، انتهى. (تَنْبِيه ثالث) اختلف الحفَّاظ فِي حديث نافع الذي هو أصْل الخلاف فِي الشَّبَّابَة وهو: "أنَّ ابنَ عمرَ سمع صوتَ زمَّارة راعٍ، فجعَل أصبعيه في أذنَيْه، وعدل عن الطريق، وجعل يقولُ: يا نافع، أتسمَعُ؟ فأقول: نعم، فلمَّا قلت: لا، رجَع إلى الطريق ثم قال: هكذا رأيتُ رسول الله ﷺ يفعَلُه". وفي روايةٍ: "أنَّ ابن عمر سمع مِزمارًا فوضَع أصبعَيْه في أذنَيْه، ونأى عن الطريق وقال لي: يا نافعُ، هل تسمع شيئًا؟ قلت: لا، فرفَع أصبعَيْه عن أذنَيْه وقال: كنت مع النبي ﷺ فصنَع مثل هذا" (١)، فقال أبو داود: إنَّه حديث منكر، وخالَفَه ابن حبان فخرَّجَه فِي صحيحه، ووافَقَه الحافظ محمد بن نصر السلامي فإنَّه سُئِل عنه فقال: هو حديثٌ صحيح. وكان ابن عمر بالغًا إذ ذاك عمره سبع عشرة سنة، وقال: هذا من الشارع ﷺ ليعرف أمَّته أنَّ استماع الزَّمَّارَة والشَّبَّابَة وما يقومُ مقامهما محرَّم عليهم استماعُه، ورخَّص في ذلك لابن عمر لأنَّه حالة ضرورة، ولا يمكن إلا ذاك، وقد تُباح المحظورات للضرورات، قال: ومَن رخَّص فِي ذلك - أي: فأباح الشَّبَّابَة - فهو مخالفٌ للسنَّة، انتهى.

стр. 110

وبهذا الحديث استدلَّ أصحابُنا على تحريم المَزَامِير، وعليه بنوا التحريم فِي الشَّبَّابَة التي هي من جملة المَزَامِير بل أشدها طربًا، وممَّا يدلُّ على حُرمتها الحديث السابق فِي المقدمة وهو: أنَّه ﷺ نَهَى عن ضرْب الدفِّ ولعب الصنج وضربِ الزَّمَّارَةِ (١). وأمَّا استِدلال مَن أباحها تمسُّكًا بأنَّه لم يَأمُرْ ابن عمر بسَدِّ أذنَيْه ولا نهى الراعي فدلَّ على أنَّه إنما فعَلَه تنزيهًا أو أنَّه كان فِي حالة ذكرٍ أو فكرٍ، وكان السَّماع يشغله، فسدَّ أذنَيْه لذلك، فقد ردَّه الأئمَّة بأمورٍ كثيرة. منها: أنَّ تلك الزَّمَّارَة لم تكنْ ممَّا يتَّخذه أهلُ هذا الفن الذي هو [ز١/ ٢٧/ب] محلُّ النِّزاع من الشَّبَّابات التي يتقنونها، وتحتها أنواعٌ كلها تطرب، ومعلومٌ أنَّ زمر الراعي في قصبةٍ ليس كزمر مَن جعله صنعته وتأنَّق فيه وفي طَرائِقه التي اخترَعُوا فيها نغماتٍ تُحرِّك إلى الشهوات. ومنها: أنَّه ﷺ إنما لم يأمرْ ابنَ عمر بسدِّ أذنيه لأنَّه تقرَّر عندهم أنَّ أفعاله ﷺ حجَّة [لأقواله] (٢) فحين فعَل ذلك بادَر ابن عمر إلى التأسِّي به، وكيف يظنُّ به أنَّه ترك التأسِّي وهو من أشدِّ الصحابة تأسِّيًا؟ قال الدولقي: وهذا لا يخطر ببال محصل قد عرف قدْر الصحابة واطَّلع على سبيلهم، قال: وقوله ﷺ : ((يا عَبدَالله، هل تسمَعُ؟))؛ معناه: تسمع هل تسمع؟ وإنما أسقَطَ تسمع

стр. 111

لدلالة الكلام عليه؛ إذ مَن وضَع إصبعيه فِي أذنَيْه لا يسمع، وإنما أذن له فِي هذا القدْر لموضع الحاجَة. ومنها: أنَّ الممنوع إنما هو الاستِماع لا مجرَّد السَّماع لا عن قصد وإصغاء، وقد صرَّح أصْحابنا بأنَّه لو كان فِي جواره شيءٌ من الملاهي المحرَّمة ولا يمكنه إزالتها لا يلزَمه النقلة ولا يأثَم بسَماعها لا عن قصدٍ وصرَّحوا هاهنا بأنَّه إنما يأثَم بالاستماع لا بالسماع. قال الاذرعي: وأُجِيبَ عن ترك الإنكار على الراعي بأمورٍ واضحة لا نُطِيل بذِكرِها، وأغرَبَ مَن قال قوله: ((زمَّارة راعٍ)) لا يتعيَّن أنها الشَّبَّابَة؛ فإنَّ الرُّعاة يضربون بالشعيبية وغيرها، فأوهَمَ أنَّ ما يُسمَّى بالشعيبية مُباح مفروغٌ منه، وهي عِبارة عن عدَّة قصبات صِغار تُجعَل صفًّا وقد تُجعَل فوق رُؤوسها صفر يتَعاطاه بعض السُّفَهاء، ولها إطرابٌ بحسَب حِذق مُتَعاطِيها، وهي شبَّابَةٌ أو مِزمار لا محالةَ، انتهى. ومرَّ قولُ الماوردي: تُكرَه الشَّبَّابَة فِي الحضَر - أي: تحريمًا - وتُباح للراعي (١)، وفي السفر (٢) وقول الخطابي: الزَّمَّارَة التي سمعها ابن عمر زمَّارة الرُّعاة وهو محمولٌ على غير الشَّبَّابَة، ا. هـ. وتعقَّب ذلك الأذرعي فقال: إنْ كان يصفر بها كالأطفال والرُّعاة على غير قانون بل صفيرًا مجرَّدًا على نمطٍ واحد فقريب عدم الحرمة فيها، وإنْ كان المسافر أو الراعي يصفر فيها على القانون المعروف من الإطراب فهي حَرامٌ

стр. 112

مطلقًا، بل هي أجدَرُ بالتحريم من سائر المَزَامِير المتَّفَق على تحريمها؛ لأنها أشدُّ إطرابًا وهي شعار الشَّرَبة وأهل الفِسق، ا. هـ. (تَنْبِيه رابع) إذا تأمَّلت ما ذكَرْناه [ز١/ ٢٨/أ] فِي تقرير الحديث والأجوبة عنه بانَ لك واتَّضَح اندِفاعُ ميل البلقيني إلى مُتابَعة الرَّافِعِيِّ، وقوله: لا يثبت التحريم إلا بدليلٍ مُعتَبر ولم يُقِمِ النَّووي دليلاً على ذلك، اهـ، واندِفاع قول التاج السبكي فِي "توشيحه" (١): لم يقمْ عندي دليلٌ على تحريم اليَرَاع مع كثْرة التتبُّع، والذي أراه الحلُّ، فإنِ انضمَّ إليه محرَّم فلكلٍّ منهما حكمُه، ثم الأولى عندي لِمَن ليس من أهل الذَّوق الإعراضُ عنه مطلقًا؛ لأنَّه قد يجرُّه إلى ما لا ينبغي، وأدناه صَرْفُ الوقت فيما غيرُه أهمُّ منه، وحُصول اللذَّة به، وليست اللذَّة النفسانيَّة فِي هذه الدار من المطالب الشرعيَّة، وأمَّا أهل الذَّوق فحالهم مسلَّم إليهم، وهم على حسَب ما يجدون فِي أنفسهم، ا. هـ. ووجه اندِفاع ما قاله هذان الإمامان أنَّ الحديث السابق صحيحٌ، ودلالته على التحريم واضحةٌ، فأيُّ وجْه لتوقُّفِهما؟ بل بغرض عدم دلالة الخبر على عدم صحَّته (٢)، فالقياس حجَّة أي حجة، وقد سبَق فِي كلام الأئمَّة أنَّه دالٌّ بالأولى على تحريم الشَّبَّابَة، ومن ثَمَّ قال الشمس الجوهري عُقَيب ما مرَّ عن البلقيني: ويمكن أنْ يُستَدلَّ بالقياس على الآلات المذكورة لاشتراكه

стр. 113

معها فِي كونه مُطرِبًا، بل ربما كان الطرب الذي فيه أشدَّ من الطرب الذي فِي نحو الكمنجة والربابة ونحوهما، فهو إمَّا [قياس] (١) الأولى أو المساواة بالنسبة إلى المذكورين، وهما حرامٌ بلا خلاف، ا. هـ. ثم [قول] (٢) السبكي: ثم الأولى عندي لِمَن ليس من أهل الذَّوق ... إلخ، إنما يأتِي على ما زعَم أنَّه الذي يظهَر وهو الحِلُّ، أمَّا على الحرمة التي هي منقول المذهب ومُعتمَد أكثر أئمَّته أو كلهم على ما مرَّ فلا يفتَرِق الحال فيها بين أهل الذوق وغيرهم، بل أهل الذوق أشدُّ الناس تَعصُّبًا عن مواطن الشُّبهات فَضْلاً عن المحرَّمات، اللهم إلا لِمَن غلَبَه حال حتى صار لا شُعورَ له، وشهدت قرائنُ أحواله على ذلك، فهذا لا تكليفَ عليه الآن حتى يعترض عليه، وقد سبَق أنَّ الجنيد وتَبِعَه الأئمَّة جعل السَّماع حَرامًا على العَوام؛ لبَقاء نفوسهم، مُباحًا للزُّهَّاد؛ لحصول مُجاهَدتهم، مُستَحبًّا للعارفين؛ لحياة قلوبهم. قال التاج السبكي: والظاهر أنَّه لم يُرد التحريم الاصطلاحي، وإنما أراد أنَّه لا ينبغي وفيه نظر؛ لما مرَّ أنَّ الغناء ونحوه قال بتحريمه كثيرون من أئمَّتنا [ز١/ ٢٨/ب] وغيرهم، فلعلَّ الجنيد يرى تحريمه على العوام فقط؛ لأنَّه يجرُّهم إلى الفتنة والوقوع فِي المعصية سريعًا بخلاف القسمَيْن الآخرَيْن. (فائدة) وقَع فِي "العزيز"؛ للرافعي أنَّه قال: رُوِي أَنَّ داود النبِيَّ ﷺ كانَ يضربُ باليراعِ في غنمه، قال شيخ الإسلام فِي تخريج أحاديثه: لم أجده (٣)، وبهذا يُعلَم خطأُ صاحب هذا الكتاب وغيره؛ حيث

стр. 114

أخَذُوا من ذكر الرَّافِعِيِّ له الاحتجاجَ به على حِلِّ الشَّبَّابَة، على أنَّه لو صَحَّ لم يكن فيه ذلك؛ إذ شريعةُ مَن قبلنا ليست بشريعةٍ لنا؛ لأنَّه إمَّا ورَد فِي شرعنا ما يُنافِيها فواضحٌ، أو ما يوافقها فالحجَّة فِي شرعنا دون غيره. (تَنْبِيه خامس) قال فِي "المهمَّات": اليَرَاع بفتحة التحتيَّة وتخفيف الراء وبالمهملة جمع (يراعة) اسم جنس واحدُه (يراعة) قاله النووي فِي "تهذيبه"، وقال الجوهري: اليَرَاع القصب، واليَرَاعة القصبة، إذا علمت ذلك علمت أنَّ اليَرَاع مُتعدِّد، وحينئذ فكيف يصحُّ تفسيره - أي: الواقع فِي "الروضة" وغيرها - بالشَّبَّابَة؟ ا. هـ (١). ويُجاب بأنَّه تفسيرٌ باعتبار مُفرَده، وقد يقع مثل ذلك كثيرًا (٢). * * * * *

стр. 115

القسم الحادي عشر: الموصول قال الكمال ابن أبي شريف فِي "الإسعاد" (١): وليس من محلِّ اختِلاف الشيخين القصب المسمَّى بالموصول؛ لأنَّه يُضرَب به مع الأوتار، وهو من شعار شارِبِي الخَمْر كما لا يَخفَى على مَن اطَّلَع على أحوالهم، وقد قال الرافعي: ليس المراد باليَراع كلَّ قصب، بل المزمار العراقي وما يُضرَب به مع الأوتار حَرامٌ بلا خلافٍ، ا. هـ (٢)، وقيل: وأوَّل مَن اتَّخذ المزَامِير بنو إسرائيل. * * * * *

стр. 116

القسم الثاني عشر: المِزْمَار العِرَاقِي وما يُضرَب به مع الأَوْتَار [قال الرافعي في "العزيز" والنووي في "الروضة": المزمار العراقي وما يضرب به مع الأوتار] (١) حَرَامٌ بِلاَ خِلاَفٍ، انتهى. ولفظُه [مع ما وقَع] (٢) فِي نسخةٍ مُعتمَدة من نسخ "العزيز"، والموجود فِي كثيرٍ من النسخ: وما يُضْرَبُ به الأوتار، والنسخة الأولى هي الصواب كما أشار إليه الزركشي، فإنَّ عبارة الشيخين: وليسَ المُرَادُ من اليَرَاع كلَّ قصب، بل المزمار العراقي وما يُضرَب به مع الأوتار (٣) حرامٌ بلا خلافٍ، انتهت. فلا مُناسبة لذِكر ذوي الأوتار مع مَزامِير القصب، قال الزركشي: وقد راجعت كلامَ الغزالي الذي أخَذ الرَّافِعِيُّ هذا منه فوجدته إنما ذكر ذلك [ز١/ ٢٩/أ] تفسيرًا للمِزمار العراقي، فقال بعد حكاية الوجهين فِي اليَرَاع: ولا نعني به المِزْمَار الذي يُسمَّى العراقي ويُضْرَبُ مع الأَوْتَارُ، فإنَّه حرامٌ؛ يعني: بِلاَ خِلاَفٍ، وكذا حًكاه عنه صاحب "الذخائر" كما سبق، ا. هـ. (تَنْبِيه) استدلَّ الأصحاب لتحريم المِزْمَار بأنَّه من شعار شرَبَة الخمور نظيرَ ما يأتي في الأوتار، واعترض بأنَّ الغالب أنهم لا يحضرونه؛ فإنَّ فيه إظهارًا لحالهم، ا. هـ. قال الأذرعي: وهذا باطِلٌ، بل يحضرونه فِي مكانهم الذي لا يظهر فيه أصوات المَعَازِف ويظهره أربابُ الولايات المُتَجاهِرون بالفسق، وصرَّح

стр. 117

[العمراني] (١) وغيرُه بتحريم سائر المَزَامِير وهي تشمَلُ الصرناني وهي قصبة ضيِّقة مُتَّسعة الآخِر يزمر به فِي المواكب وعلى النقارات وفي الحرب، وتشمل [الكرجة] (٢) وهي مثل الصرناني إلا أنَّه يُجعَل فِي أسفل القصبة قطعة نحاس معوجَّة يزمر بها فِي أعراس البوادي وغيرها وتشمل الثاني وهي أطرب من الأوَّلين وتشمَلُ المقرونة وهي قصَبتان ملتفَّتان. (فائدة) أخرج الديلمي عن جابر ﵁ أنَّ النبي ﷺ قال: ((إذَا كانَ يوم القيامة قال الله : أين الذين كانوا يُنزِّهون أسماعهم وابصارهم عن مَزامِير الشيطان؟ ميِّزوهم، فيُميِّزوهم في كثب المِسك والعَنبر، ثم يقول لملائكته: أسمِعُوهم تسبيحي وتمجيدي، فيسمَعُون بأصواتٍ لم يسمع السامعون مثلها)) (٣)، ومرَّ فِي المقدمة حديث أنَّه ﷺ قال: ((صَوْتانِ مَلعُونانِ في الدُّنيا والآخِرَة: مِزْمارٌ عندَ [نعمةٍ]، ورَنَّةٌ عندَ مُصِيبَةٍ)) (٤)، وحديث: ((أُمِرتُ بهدْم الطَّبل والمِزْمَار)) (٥). * * * * *

стр. 118

القسم الثالث عشر: الأوتار والمعازف كالطُّنْبُور والعُود والصَّنْج أي: ذي الأوتار والرباب (١) والجَنْك (٢) والكمنجة والسنطير والدِّرِّيجُ (٣)، وغير ذلك من الآلات المشهورة عند أهل اللهو والسَّفاهة والفُسوق، وهذه كلُّها محرَّمة بلا خِلاف، ومَن حكى فيه خلافًا فقد غلط أو غلب عليه هَواه، حتى أصمَّه وأعماه، ومنعه هداه، وزلَّ به عن سنن تَقواه. وممَّن حكَى الإجماع على تحريم ذلك كلِّه الإمام أبو العباس القرطبي وهو الثقة العدل فإنَّه قال كما نقَلَه عن أئمَّتنا وأقرُّوه: أمَّا َالمَزَامِير والكُوبَة فلا يُختَلف فِي تحريم سماعها ولم أسمعْ عن أحدٍ ممَّن يُعتَبر قوله من السلف [ز١/ ٢٩/ب] وأئمَّة الخلف مَن يبيح ذلك، وكيف لا يُحرَّم وهو شعار أهل الخمور والفسوق ومهيج للشهوات والفساد والمجون، وما كان كذلك لم يُشَكَّ فِي تحريمه ولا فِي تفسيق فاعله وتأثيمه. وممَّن نقَل الإجماعَ على ذلك أيضًا إمامُ أصحابنا المتأخِّرين أبو الفتح سليم بن أيوب الرازي (٤)، فإنَّه قال فِي "تقريبه" بعد أنْ أورد حديثًا فِي تحريم

стр. 119

الكُوبَة، وفي حديث آخَر: أنَّ اللهَ يَغفِرُ لكلِّ مذنبٍ إلا صاحب عَرطَبة أو كُوبةٍ (١)، والعَرطَبة: العُود، ومع هذا فإنَّه إجماع، ا. هـ. (تَنْبِيه) اعتُرضِتْ حكاية الإجماع بأنَّ الماوردي من أكابر أصحابنا قال فِي "حاويه": إنَّ بعض [أصحابنا] (٢) كان يخصُّ العُود بالإباحة من بين الأوتار ولا يحرمه؛ لأنَّه موضوع على حركات تنفي الهمَّ وتزيد فِي النَّشاط، ويُقال: إنَّه ينفَعُ من بعض الأمراض، وبأنَّ ابنَ طاهر حَكاه عن إجماع أهل المدينة وعَنْ صاحب "التَّنْبِيه" الإمام أبي إسحاق الشيرازي قال: وكان مذهبه أنَّه مشهورٌ عنه، وأنَّ أحدًا من عُلَماء عصره لم يُنكِرْه عليه، وهذا الاعتِراضُ باطلٌ سفساف لا يُعوَّل عليه، أمَّا ما فِي "الحاوي" فقد عقَّبَه الماوردي بما [يزيفه] (٣) ويردُّه ويبيِّن أنَّه لا يُعتَدُّ به ولا يُحكَى إلا لردِّه، فإنَّه قال في "الحاوي" عقبه: وهذا لا وجْه له؛ لأنَّه أكثر الملاهي طربًا، وأشغلها عن ذكر الله - تعالى - وعن الصَّلاة، وإنْ تميَّز به الأماثل عن الأراذِلِ (٤). وتابَعَه الروياني فِي "البحر" على ردِّ هذا الوَجْه وتزييفه، وأمَّا زعْم أنَّه ينفَع لبعض الأمراض فقد جعَلَه الأسنوي مُقوِّيًا لذلك الوجْه؛ فقال بعد قول الشيخين: إنَّ ما مَرَّ حرامٌ بلا خِلافٍ، وإطلاقهما عدم الخلاف ليس كذلك؛ فقد حكى الماوردي والروياني فِي "البحر" وجهًا أنَّ العُود بِخُصوصه حَلال؛ لما يقال: إنَّه ينفَعُ بعض الأمراض، اهـ، واعتَرضَه

стр. 120

المتعقِّبون لكلامه بأنَّ حِكايته لهذا الوجهِ على هذا المَهيَع (١) باطلةٌ من وجهين: أحدهما: أنَّه إذا كان مُعلَّلاً بنَفعِه لبعض الأمراض فينبغي تقييدُ الإباحة لِمَن به ذلك المرض دُون غيره، فإطْلاق حِكايته غَلَطٌ فاحش. الثاني: إذا أُبِيحَ لحاجة المرض فلا ينبَغِي أنْ يقتَصِرَ على حِكايته وجهًا، بل يحرم بِجَوازِه [ز١/ ٣٠/أ] كما يجوزُ التَّداوِي بالنَّجِس، وقد جزَم الحليميُّ فِي "منهاجه" بأنَّ آلات اللهو إذا كانت تنفَعُ من بعض الأمراض أُبِيحَ سماعها، قال ابن العماد: والذي قاله مُتعين، انتهى. والحاصل أنَّه متى شَهِدَ طبيبان عدلان أنَّ هذا المرض بِخُصوصه ينفَع فيه العُود وانحصَر النفع بأنْ لم يوجد دَواء حَلال ينفَع فيه غيره جازَ استِماعُه ما دام ذلك المرض باقيًا، كما صرَّحوا بذلك فِي التداوي بالنَّجِسِ - غير محض الخَمْر - فإنَّه يجوز عندنا بهذه الشُّروط التي ذكرتها، وإذا وُجِدتْ أبيح العُود حينئذٍ للضرورة كما يُباح أكل الميتة للمضطرِّ، وحينئذٍ فلم يتحقَّق لنا وَجْهُ قائلٍ لجواز العُود على إطلاقه. وأمَّا ما حَكاه ابن طاهر من إجماع أهل المدينة فهو من كَذِبه وخُرافاته؛ فإنَّه - كما مرَّ - رجلٌ كذَّاب يَروِي الأحاديث الموضوعة ويتكلَّم عليها بما يُوهِم العامَّة صحَّتها، كما مرَّ فِي مبحث الغناء والرقص، وأيضًا فهو مُبتدِع إباحي لا يُحرِّم قليلاً ولا كثيرًا؛ ومن ثَمَّ قال بعضهم فيه: إنَّه رجسُ العقيدة نجسُها، ومَن هذا حالُه لا يُلتَفتُ إليه ولا يُعوَّل عليه؛ ومن ثَمَّ قال الأذرعي عَقِبَ حكايته الباطلة الكاذبة عن إجماع أهل المدينة وعَن الشيخ أبي

стр. 121

إسحاق: وهذا من ابن طاهر مجازفةٌ، وإنما فعَل ذلك بالمدينة أهلُ المجانة والبطالة، ونسبة ذلك إلى صاحب "التَّنْبِيه" كما رأيته فِي كتابه بالسماع نسبةٌ باطلة قطعًا، كيف وقد قطَع فِي "مهذبه" هنا وفي الوصايا بتحريم العُود، وهو قضيَّة ما فِي "تنبيهه"، ومَن عرف حاله وشدَّة ورعه ومتين تَقواه جزَم ببُعدِه ونَزاهته وطَهارة ساحته من ذلك، وكيف يظنُّ ذو لبٍّ فِي هذا العابد القانت أنْ يقول فِي دِين الله ما يفعل ضدَّه مع ما فِي ذلك من غَلِيظ الذم والمقت، وكلُّ مَن ترجَمَه لم يذكُر شيئًا من هذا - فيما نعلَمُ. ومن المجازفة قولُ ابن طاهر: إنَّ ذلك مشهورٌ عنه، ودعوى ابن طاهر أنَّ ذلك إجماعُ أهل المدينة من [جرَّاء] (١) دَعواه إجماع الصحابة والتابعين على إباحة الغناء، والهوى يُعمِي ويصمُّ، اهـ. وقال الزركشي عَقِبَ اعتراض الأسنوي على الشيخين نفيهما الخلاف في سائر الأوتار السابقة بحكاية ابن طاهر عن الشيخ أبي [ز١/ ٣٠/ب] إسحاق [ما مرَّ قلت: هذا تلبيسٌ من الأسنوي قلَّد فيه صاحبه الكمال الأُدفوي فِي كتابه "الإمتاع"، ولا تجوزُ حكاية هذا عن الشيخ أبي إسحاق] (٢) فإنَّ ابن طاهرٍ مُتكلَّمٌ فيه عند أهل الحديث بسبب الإباحة وغيرها، وقد قطع الشيخ أبو إسحاق فِي "المُهَذَّبِ" هنا وفي الوصايا بتحريم العُود وهو أتْقى لله من أنْ يقول فِي دِين الله شيئًا ويفعل ضدَّه، ا. هـ. وإذا تأمَّلت ما تقرَّر فِي هذا التَّنْبِيه علمت أنَّ قول صاحب ذلك الكتاب: وذهبت طائفةٌ إلى جَواز سماع العُود وما جَرَى مَجراه من الآلات المعروفة ذوات الأوتار كذبٌ صريح وجهلٌ قبيح؛ لما مرَّ أنَّ ذلك محرَّم بالإجماع،

стр. 122

وأنَّه لم يقعْ خلافٌ إلا فِي العُود، وأنَّ ذلك الخلافَ باطلٌ لا يُعتَدُّ به فِي حكاية الإجماع. وقوله: ونقل سماعه عن فلان وفلان وذكر جماعة من الصحابة وجماعة من التابعين وغيرهم ... جوابه: أنَّ هذا كلَّه نقلٌ باطلٌ، واحتجاجٌ بالتمويهات والتلبيسات، وكيف يسوغ لِمُتديِّن - فضلاً عمَّن يدَّعِي التصوُّف والمعرفة - أنْ يحتجَّ على تَعاطِي الأشياء المحرَّمة عند أئمَّة المذاهب الأربعة وغيرهم بمجرَّد قوله ونقل سماعه عن فلان وفلان، ما ذاك إلا غَباوة ظاهرة وجهْل مُفرِط؛ لأنَّ اللائق بِمَن يُرِيدُ أنْ يفعل شيئًا يُخالِف فيه المشهور المقرَّر فِي مذاهب العلماء أنْ يحتجَّ عليهم بنقلٍ صريح أو حديث صحيح؛ لأنَّه إمَّا أنْ يكون مجتهدًا أو مُقلِّدًا، فإنْ كان مجتهدًا بيَّن أوَّلاً أنَّ المسألة غير مُجمَع عليها، وأثبت النقل بطريقِه المعتبرة عند أئمَّة الحديث وغيرهم، عمَّن يُعتَدُّ به أنَّه لا إجماع فِي المسألة، ثم بيَّن حجَّته من كتابٍ أو سنَّة أو غيرهما بطَرائِقه [المعتبَرة] (١) عند أئمَّة الأصول وغيرهم، وإنْ كان مُقلِّدًا بيَّن صحَّة الحِلِّ عند أحدٍ من العلماء المجتهِدين ثم قال: أنا مقلدٌ لهذا الإمام حتى يرتَفِع الإنكار عنه، وأمَّا مجرَّد قوله نقل فهذا كلام لغو لا يُفِيد شيئًا إلا فِي غرَضِه الفاسد، وهو ترويجُ أفعالِه وأقولِه الباطلة الكاذبة على مَن لا يُفرِّقون بين نقلٍ [صحيحٍ]، ويعتَقِدون أنَّ الكلَّ من وادٍ واحدٍ، وهيهات! ليس الأمر بالهُوَيْنَى كما يظنُّ هذا الرجل وأضرابه، بل بينه وبين إثبات الحلِّ [ز١/ ٣١/أ] عن واحدٍ ممَّن ذكر [مفاوز] (٢) تُقطَع دونها الأعناق؛ إذ لو أقام طول عُمرَه يفحَص ويُفتِّش ما ظفر بنقل الحِلِّ من طريق صحيح عن

стр. 123

واحدٍ من العلماء فضلاً عن هؤلاء الكثيرين الذين عددهم بمجرَّد الدعاوى الكاذبة منه، وممَّن سبقه إلى ذلك كابن حزم (١) وابن طاهر وليته عرف حال هذين الرجلين ليتجنَّب متابعتهما، فإنَّ كلاًّ منهما مبتدعٌ ضالٌّ. أمَّا ابن حزم فـ[إنَّ] العلماء لا يُقِيمون له وزنًا كما نقَلَه عنهم المحقِّقون؛ كالتاج السبكي وغيرهم؛ لأنَّهم أصحاب ظاهريَّة محضة تَكادُ عقولهم أنْ تكون مُسِختْ، ومَن وصل إلى أنَّه يقول: إنْ بال الشخص فِي الماء تنجَّس، أو فِي إناءٍ ثم صبَّه فِي الماء لم يتنجَّس، كيف يُقامُ له وزنٌ ويُعَدُّ من العُقَلاء فضلاً عن العلماء؟! ولابن حزم هذا وأضرابه من أمثال هذه الخرافات الشيء الذي لا ينحَصِر، ومَن تأمَّل عِلَلَه ونحله وكذبَه على العلماء سيَّما إمام أهل السنَّة أبي الحسن الأشعري عَلِمَ أنَّ الأولى به وبأمثاله أنْ يكونوا فِي حيِّز الإهمال [وعدم رفع رأس لشيءٍ صدَر منهم] (٢). وأمَّا ابن طاهر فإنَّ العلماء بالَغُوا فِي تضليله وتسفيهه بما مرَّ بعضه ويأتي بعضه، من ذلك أنَّه رجس العقيدة نجسها، فإنَّه رجل إباحي لا يتقيَّد بدليلٍ ولا يعول على تعليلٍ، بل كلَّ ما وسوس له الشيطان اتَّخذه مذهبًا، وبَرهَن عليه بالأشياء التي يعتقد كذبها، وإنما يُموِّه على مَن لا علمَ عنده ليُوهمه صحَّة ذلك، نظير ما مرَّ له فِي الحديث الباطل الكَذِب الموضوع المُختَلق

стр. 124

الذي فِيه نسبة الرقص إليه ﷺ فإنَّه أسقط ذكر واضعة ومختلقه، وذكر بعض رواته الذين لا مَطعَن فيهم؛ ليوهم الناس أنَّه حديث صحيح، ومَن وصلت جهالته وسفاهته إلى هذا الحد، كيف يُعوَّل عليه أو يُلتَفت إليه؟ مَن يَزعُم أنَّ له أدنى مسكة من دِين الله فضلاً عن ورَع. وقول صاحب ذلك الكتاب: إنَّ الحلَّ نُقِلَ أيضًا عن أكثر فقهاء المدينة، وهذا غاية فِي الكذب والتدليس، لأنَّه إن قلد ابن طاهر فِي النقل، فابن طاهر إنما عبَّر بإجماع أهل المدينة لا بأكثرهم، وإن قلَّد العلماء فِي تكذيب ابن طاهر فِي هذا النقل فأهل المدينة بريئون [ز١/ ٣١/ب] من نسبة ذلك إليهم، فترْك هذا الرجل هاتين المقالتين واختراعُه النقلَ عن أكثر المدينة غايةٌ فِي سُوء الصَّنيع المبنيِّ على التلبيس، وحال هذا الرجل يَأبَى صُدور مِثلِ ذلك عنه، لكن الهوى يوجب أكثر من ذلك؛ قال تعالى ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ (١) الآية، قوله: ونقل عن مالك سماعه، وليس ذلك بالمعروف عند أصحابه، كأنَّه لم يطالع "تفسير القرطبي" فِي سورة الروم، ولا "المسالك"؛ لابن فضل الله فِي مبحث المغنين المأخوذ منه ردُّ ذلك المحكيِّ بأنَّه اشتباه، فإنَّ شخصًا اسمه مالك فِي زمَن الإمام كان مغنِّيًا، وبفرْض صحَّة ذلك - وهو بعيدٌ جدًّا - فالعبرة بآخِر أحوال الأئمَّة وأقوالهم. والحاصل: أنَّه لا حجَّة له فِي هذا النقل عن مالك مطلقًا، فكان اللائق صَوْن إمامه عن هذا الذي أشار إليه، ونقل عن ابن العربي فِي "شرح

стр. 125

الترمذي" ما يُوهِم الحلَّ، وليس كذلك كما هو ظاهرٌ بأدنى تأمُّل، وما مثالُ هذا إلا ما فِي أمثال العوام: (الغريق يتعلَّق بالقش). وقوله: وحكَى إباحته الماوردي عن بعض الشافعيَّة ... هذا من غاية التدليس والبُهت، فإنَّ الماوردي عقَّب هذه الحكاية بتزييف هذا القول وإبطاله كما مرَّ مبسوطًا، وكأنَّ هذا الرجل يظنُّ أنَّ أحدًا لا يتعقَّب كلامه ولا يعترض عليه، وليس كذلك؛ فقد أخبر الصادق المصدوق ﷺ أنَّه لا تزالُ طائفة من أمَّته ظاهرين على الحق إلى يوم القيامة - أي: حِزبه - لا يضرُّهم مَن خالفهم (١)، وبأنَّ الله - تعالى - وعَدَه بأنَّ كلَّ زمنٍ يُوفِّق الله فيه عُدُولاً يحملون العلم وينفون عنه تحريف [الغالين] (٢) وإلحاد الملحِدين وشُبَه المبطلين (٣). وقوله: وقال الأستاذ أبو منصور البغدادي: هو من نَظِير ما قبله، قوله: ونقل عن أبي إسحاق الشيرازي أنَّه كان مذهبه وأنَّه مشهورٌ عنه، وأنَّه لم ينقلْ عن أحدٍ من العلماء أنَّه أنكَرَه عليه، حَكاه ابن طاهر المقدسي عنه، جوابه ما سبق أنَّ هذا النقل منه على هذا العالم الرباني كذبٌ صريح، كيف

стр. 126

والشَّيْخُ مُصرِّحٌ بتحريم سماع العُود، وأنَّه لا خلاف فيه فِي كتب الفقه، وكيف يُظَنُّ بهذا العبدِ [ز١/ ٣٢/أ] القانت الذي قد اشتهر ورَعُه اشتهارَ الشمس أنْ يُصرِّح فِي كتبه بِحُرمَة شيءٍ من غير خِلافٍ فيه ثم يفعله، ما هو إلا أمر قبيح؛ ومن ثَمَّ بالَغ العلماء فِي تكذيب ابن طاهر فِي ذلك، وأنَّ هذا من جملة خُرافاته وكذباته الشَّنِيعة التي تصدُر عن المجازَفة ورقَّة الدِّيانة، ومن مُبالَغته فِي كَذِبه قوله: إنَّه كان مشهورًا عن الشيخ، وإنَّه لم ينقل عن أحدٍ من العلماء أنَّه أنكَرَه عليه. ومن تدليس هذا الرجل الناقل عن ابن طاهر أنَّه نقَل كذبه ولم ينقل تكذيب العُلَماء له فِي هذا النقل [أصلاً] (١) ومبالغتهم فِي الردِّ عليه. قوله: وكان إبراهيم بن سعد الزهري من عُلَماء المدينة يقول بإباحته ولا يُحدِّث حديثًا حتى يضرب به جَوابه، هذا من جُملَة الكذب أيضًا على إبراهيم بن سعد، وقد مرَّ عن القرطبي أنَّه نقل إباحة الغناء عنه شاذٌّ، على أنَّه لو فرض صحَّة ذلك عنه لم يجزْ لأحدٍ تقليده؛ للإجماع على أنَّه لا يُقلَّد إلا مجتهدٌ، وإبراهيم هذا ليس من أهل الاجتهاد كما مرَّ عن القرطبي، فهذا النقل [غير مفيد، ولو] (٢) فرض صحَّته عنه فكيف وهو لم يصحَّ، فتأمَّل مجازفةَ هذا الرجل كيف أراد أنْ يُعارِض القرطبي بمجرَّد زعْمه، فقال: وإبراهيم بن سعد أحد شيوخ الشَّافِعِي، وروَى عنه البخاري، وهو إمام مجتهدٌ مشهور عدل بارٌّ لله مأمون، وهذا كلُّه من الجزاف، والكذب، والتلبيس، فإنَّ كونه شيخًا للشافعي وغيره لا يقتَضِي بل ولا يدلُّ من وجهٍ

стр. 127

قريبٍ [ولا بعيدٍ أنَّه مجتهد، وكم أخَذ الشافعي عن غير مجتهد] (١) وروى البخاري عن جاهلٍ بمراتب الاجتهاد فضلاً عن التحلِّي بها، فذِكْرُ ذلك غَباوةٌ محضة، وقوله: وهو إمام مجتهد، [هذا كذبٌ] (٢) منه؛ لأنَّه إذا تعارَض قول هذا: إنَّه مجتهد، [وقول القرطبي: إنَّه غير مجتهد] (٣) مَن الذي يُعتَمد قوله من الرجلين؟ [فشتَّان] ما بينهما، لا سيَّما وهذا الرجل أمَر فِي هذا الكتاب بمتابعة خبيثَيْن مبتدعَيْن كذابَيْن: ابن حزم، وابن طاهر، كلُّ ذلك [لتَرُوج] (٤) مَقالته الفاسدة وشُبهته الكاسدة، وتأمَّل مُجازَفته ووُقوعه فِي حقِّ كلِّ العلماء بحِكايته عن إبراهيم بن سعد هذا أنَّه لما ضرْب بالعُود بين يدي هارون، قال له: يا إبراهيم، مَن قال بتحريم هذا [ز١/ ٣٢/ب] من عُلَمائكم؟ قال: مَن ربَطَه الله - تعالى - يا أمير المؤمنين)) (٥)، ا. هـ.

стр. 128

فهذه الحكاية لا تصدر عن أدنى السُّوقة فِي حقِّ العلماء، فكيف استَباحَ هذا الذي يَزعُم الدِّين والتصوُّف أنْ يَحكِي ذلك ويشهره للعوام، ليس ذلك إلاَّ لأنَّ المِحنة القبيحة بسَماع الأوتار أخرجَتْه من حيِّز الصِّيانة إلى حيِّز الخِيانة، وعَنْ ساحة الأدب إلى هُون العطَب، ولِمَ لا وقد وقَع فِي حق كلِّ العلماء، وباءَ بسبب ذلك بالخسار والبَوار والعَمى؟ وكيف يستَجِيزُ بعد ذلك أنْ يقلد إمامَه مالكًا ويجعله الواسطة بينه وبين الله - تعالى - وهو قد ربَطَه الله؛ إذ هذه كلمة ذمٌّ لهم؟ وكيف ساغَ لهذا الرجل أنْ يحتجَّ على العُلَماء كلِّهم بكلام، مغنٍّ يضرب بالعُود بين يدي ظالم سبَّ العلماء كلهم لأجْل أنْ يرضيه ويُحسِّن له قبيحه! وكيف يُعقَل منه أنْ يقبل منه وصْف إبراهيم هذا بتلك الأوصاف العليَّة مع هذه المرتبة الدنيَّة؟! إذ غايته أنَّه مغنٍّ عوَّاد لظالم، فإنَّ هذا كلَّه بتقدير صِحَّة ذلك من إبراهيم هذا، وإلا فقد مَرَّ أنَّ هذا الرجل إنما يعتَمِد كذب ابن طاهر الخبيث ويظنُّه حجَّة؛ لأنَّ هَواه أعماه وأصمه حتى أنَّه لم يُفرِّق بين القبيح والحسن، بل لا يألف إلا القبيح؛ لأنَّه الموافق للهوى، وقوله: ونقل الإمام المازري عن عبدالله بن الحكم أنَّه مكروه [جوابه: أنَّه مكروهٌ] (١) كراهةَ تحريم، فإنَّ المجتهدين الذين هم مشايخُ ابن الحكم كالشافعي كثيرًا ما يُطلِقون الكراهة يريدون بها كراهةَ التحريم.

стр. 129

وقوله: وحُكِي عن الإمام عز الدين بن عبدالسلام أنَّه مباح، هذه الحكاية كذب صُراح، كيف وهو مُصرِّحٌ فِي كتبه بخلافه! فهو نظير الكذب السابق على أبي إسحاق، ولولا ابتُلِي الناس بهؤلاء الكذَّابين الذين لا مسكة لهم [ولا دِين] (١) لاتَّضَح الحق [وظهر الصدق، فإنَّ الحكمة الإلهيَّة اقتَضتْ ذلك ليظهر المحقُّ من المبطل، ويتحلَّى كلٌّ برداء صِدقه أو كَذِبِه] (٢) يومَ العرض الأكبر يوم تبيضُّ وجوه وتسودُّ وجوه، عافانا الله من ذلك بمنِّه وكرمه آمين. (تَنْبِيه ثانٍ) استدلَّ أصحابُنا لتحريم الملاهي المذكورة بقوله - تعالى -: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ﴾ (٣) [ز١/ ٣٣/أ] فسَّرَه ابنُ عباس والحسن بالملاهي (٤)، وبقوله - تعالى -: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ﴾ (٥) فسَّرَه مجاهد: بالغناءِ والمَزَامِير (٦). وبالحديث الصحيح أنَّه ﷺ قال: ((ليَكوننَّ فِي أمَّتي أقوام يستَحلُّون الخَزَّ والحرير والخَمْر والمعازِف))؛ رواه البخاري تعليقا، ووصَلَه الإسماعيلي وأبو نعيم فِي "المستخرج"، وأبو داود بأسانيد

стр. 130

صحيحة (١)، والمَعَازِف آلات اللهو، وبهذا الذي تقرَّر من صحَّة الحديث من هذه الطُّرق الكثيرة اندَفَع قولُ ابن حزم: إنَّ الحديث منقطعٌ ولا حجَّة فيه، ولو فرض أنَّ غير البخاري لم يذكُرْه [لأنَّ] (٢) ذكرَه له حجَّة؛ لما قد تقرَّر عند الأئمة أنَّ تعليقاته المجزوم بها صحيحة، على [أنَّ] بعضَ الحفَّاظ قال: طرقه المذكورة كلُّها صحيحة لا مَطعَن فيها، وقد صحَّحه جماعةٌ [آخَرون] من الأئمَّة الحفَّاظ، على أنَّ ابن حزم ذكَر فِي موضعٍ آخَر أنَّ قول العدل الراوي إذا روَى عمَّن أدرَكَه من العُدول فهو على اللقاء والسَّماع، سواء قال: أنبأنا، أو حدثنا، أو عن فلان، أو قال فلان، فكلُّ ذلك منه محمولٌ على السماع، ا. هـ. فتأمَّل كيف ناقضَ نفسه، فإنَّه لَمَّا ذكَر عن البخاري أنَّه روَى فِي صَحِيحه فِي الأشربة قولَه: قال هشام ابن عمَّار: حدثنا صدقة بن خالد، حدثنا عبدالرحمن بن يزيد بن جابر ... وساق سندَه إلى أبي عامر أو أبي مالك الأشعري أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: ((لَيكُونن في أمَّتي أقوامٌ يستَحِلُّونَ الحر)) (٣)؛ أي: بكسْر الحاء المهمَلة وفتْح الرَّاء مع التَّخفِيف؛ أي: الزنا، فإنَّ الحِرَ اسمٌ لفرج المرأة، ا. هـ. قال - أعني: ابن حزم -: هذا حديثٌ منقطعٌ غير متَّصل، فلا يستدلُّ به، بل حمَلَه تعصُّبه لمذهبه الفاسد الباطل فِي إباحة الأوتار وغيرها إلى أنَّ حكَم على هذا الحديث وكلِّ ما ورد فِي الملاهي بالوضع، وقد كذب فِي ذلك

стр. 131

وافترى على الله وعلى نبيِّه ﷺ وشريعته الغرَّاء، كيف وقد صرَّح الأئمَّة الحفَّاظ الذين هم أُمَناء الله على شريعة نبيِّهم ﷺ بتصحيح كثيرٍ من الأحاديث الواردة فِي ذلك كما قدَّمته، ولقد قال بعض الأئمَّة الحفَّاظ: إنَّ ابن حزمٍ إنما صرَّح بذلك تقريرًا لمذهبه الفاسد فِي إباحة الملاهي، وليس كما زعَم وافترى فقد صحَّح ذلك الحديثَ جماعةٌ كثيرون [ز١/ ٣٣/ب] من الأئمَّة الحفَّاظ، ووقَعَ من حديث عَشرةٍ من أصحاب هشام عنه، بل ولم ينفَرِد به كلٌّ من هشام وصدقة وابن جابر؛ أي: فالحديث مشهورٌ عن غيرِ رُواة البخاري أيضًا، وبهذا يتَّضِح لك بُطلان كلامِ ابن حزمٍ، وأنَّ تعصُّبه لمذهبه الباطل أوقَعَه فِي المجازَفة والاستِهتار حتى حكَم على الأحاديث الصحيحة من غير شكٍّ ولا مرية بأنها موضوعةٌ، وقد كذب وافترى؛ ومن ثَمَّ قال الأئمَّة فِي الحطِّ عليه: إنَّ له مجازفات كثيرة، وأمورًا شنيعة نشَأتْ من غِلطه وجُموده على تلك الظواهر، ومن ثَمَّ قال المحقِّقون: إنَّه لا يُقام له وزنٌ، ولا يُنظَر لكلامه ولا يُعوَّل على خِلافه؛ أي: فإنَّه ليس مراعيًا للأدلَّة، بل لما رآه هَواه وغلب عليه من عدم تحرِّيه وتَقواه، ومُبالَغته فِي سَبِّ العلماء وثَلبهم بما أوجَبَ الخزي فِي آخِرته ودُنياه، أعاذنا الله من مثل هذه الأحوال، وبأنها آلةُ شرَبَةِ الخُمور فتَدعُو لشُربِها، وفيه تشبُّه بأهلها، وهو حَرام؛ ولذلك لو رتَّب جماعةٌ مجلسًا وأحضَرُوا آلة الشُّرب وأقداحه، وصبُّوا فيه السكنجبين (١) ونصبوا ساقيًا يَدُورُ عليهم ويسقيهم، ويجيبُ بعضهم بعضًا بكلماتهم المعتادة بينهم حرم عليهم ذلك؛ لما فيه من التشبُّه بأهل المعصية، وبهذا مع ما مرَّ من الإجماع

стр. 132

على تحريم تلك الآلات يندَفِع قول الغزالي: القياس تحليل العُود وسائر الملاهي، ولكنْ ورد ما يقتضي التحريم، ا. هـ. ووجْه اندِفاعِه أنَّ ما فيها من المعاني الموجِبة للحُرمة مع صِحَّة الحديث بِحُرمتها وقِيام الإجماع عليها يُلغِي ما قالَه من القياس لو فُرِضت صحَّته، فكيف وهو لم يصحَّ؟! وإنما القياس فيها الحرمة لما عُلِمَ واستقرَّ فِي الشرع من أنَّ وسائل المعاصي مَعاصٍ مثلها، وهذه الآلات كذلك كما تقرَّر، وأصلُ هذا قول إمامِه فِي بعض آلات الملاهي: القياس تحليلُها، فإنْ صحَّ الخبر قُلنا بتحريمه وإلا توقَّفنا، قال بعض شراح "المنهاج": لم يصحَّ، وليس كما زعَم، بل صحَّ الخبر من طُرُقٍ عديدةٍ لا مَطعَن فيها كما سبق. ثم رأيتُ الغَزالي ذكر ما يدفَع ما مرَّ عنه؛ فإنَّه قال فِي "الإحياء" (١): والمنع من الأوتار كلِّها لثلاث علل:

стр. 133

إحداها: أنها تدعو إلى شُرب الخَمْرِ فإنَّ اللذَّة الحاصلة بها تدعو [لذلك] (١) [ز١/ ٣٤/أ]؛ ولهذا حرم شرب قليله الذي يُقطَع بعدَم إسكاره؛ لأنَّه يجرُّ لكثيره. الثانية: أنها فِي قريب العهد بشُربه تُذكِّره [محاسنَ] (٢) الشُّرب، والذكر سببُ انبِعاث الفُسوق، وانبعاث الفُسوق إذا قَوِيَ سببٌ للإقدام. والثالثة: أنَّ [الاجتماع] (٣) على الأوتار لَمَّا صار من عادة أهل الفسق منع من التشبُّه بهم؛ إذ ((مَنْ تشَبَّه بقومٍ فهو مِنهُمْ)) (٤).

стр. 134

(تَنْبِيه ثالث) زعَم ابن حزمٍ أنَّه لم يَصِحَّ فِي تحريم العُود حديث، قال: وقد سمعه ابن عمر وابن جعفر، ا. هـ، وابن حزمٍ هذا رجلٌ ظاهري لا يُعتَدُّ بخلافه، ولا يُعوَّل عليه كما صرَّح به الأئمَّة، وقوله: لم يَصِحَّ فِي تحريم العُود حديثٌ ... مبنيٌّ على ما سبق عنه قريبًا فِي حديث البخاري، وقد علم أنَّه حديث صحيح عند أئمَّة الحديث الذين عليهم المعوَّل فِي القديم والحديث، وزَعْمُه أنَّ هذَيْن الإمامين سَمِعَاه من تهوُّره ومُجازَفته؛ ومن ثَمَّ قال الأئمَّة فِي الرد عليه: لم يثبت ما زعَمَه عنهما، وحاشا ابن عمر من ذلك مع شدَّة ورعه وتحرِّيه واتِّباعه وبُعده من اللهو، قالوا أيضًا: وقوله: لم يصحَّ فيه حديثٌ، جمودٌ منه على ظاهريَّته، وفي عُموم الأحاديث الناصَّة على ذمِّ البِدَع والمُحدَثات وإنكارها ما يدلُّ على تحريمه دلالةً ظاهرة لا مَدفَع لها، وإذا تقرَّر لك ما في هذا التَّنْبِيه واللذَيْن قبله مع ما مرَّ فِي مبحث الرَّقص، علمتَ به بُطلان ما نقَلَه بعضُ مَن لا وثوقَ به ولا تعويلَ عليه عن الشيخ عزِّ الدين ابن عبدالسلام أنَّه سُئِلَ عن الآلات كلها فقال: مُباح، قال ابن القمَّاح: يريد أنَّه لم يردْ دليلٌ صحيحٌ من السُّنَّة على تحريمه فسمعه الشيخ فقال: لا أردت أنَّ ذلك مباح، ا. هـ.

стр. 135

وهذا كلُّه كذبٌ مصنوع وباطلٌ موضوع، ومَعاذ الله أنَّ سُلطان العلماء يُبِيحُ ما أجمعَ العلماء على تحريمه، ومَن توهَّم ذلك فيه لم يثقْ بعدُ بكلام عالمٍ قطُّ؛ لأنَّ مثلَ هذا الحبر إذا صرَّح فِي كتُبِه بِحُرمة تلك الآلات كلها وكذب عليه بذلك، واعتمد هذا الكذب مَن لا فهْم له بل ولا دِين، وأقرَّ هؤلاء الكَذَبة على كذبهم - زالت الثقة بالعلماء ومُؤلَّفاتهم، فتعيَّن علينا أنْ نبالغ فِي الردِّ على هؤلاء الذين لا خَلاقَ لهم ولا دِين بِحَجْزِهم عن قَبِيح الافتراء على العُلَماء العامِلين والأئمَّة المحقِّقين، وليت هؤلاء الأشقياء كذَبوا على مَن ليس له تصنيفٌ بين أيدي الناس يرجعون [ز١/ ٣٤/ب] إليه، وأمَّا هذا الإمام فتصانيفه مشهورةٌ منشورة، فهي تكذبهم وتُسفِّه أحلامهم، ومن العجب ما نقَلَه عن ابن القماح أنَّه لم [يردْ] (١) دليلٌ صحيح على تحريم ذلك، وهذا باطل، كيف ومرَّ فيه حديث البخاري، ولكنَّه تبع ابن حزم، وقد مرَّت المبالغة فِي الرد عليه، وأنَّ الخبر صحيح عند الحفَّاظ، وأنَّه مُصرِّح تصريحًا لا يقبَلُ تأويلاً بِحُرمة الآلات كلها كما مرَّ فِي التَّنْبِيه مع الرد عليه على مَن نازَع فيه، ونظيره ما نُقِلَ عن التاج الفزاري أنَّه كان يحضر غيرَ مرَّة السَّماع بالدُّفِّ والشَّبَّابَة، وبفرض صحَّة ذلك عنه فالدُّفُّ حلالٌ وكذا الشَّبَّابَة عند بعض العلماء، فلعلَّه ممَّن يبيحها، وهو بعيدٌ، ومَن استدلَّ على حلِّ السَّماع المحرم بأنَّ معتقدًا كان إذا سمع سماعًا اعتراه حال قام منتصبًا زمانًا طويلاً كأصحِّ الرجال [فلم يصب] (٢)، ومن أين ذلك للحاكي أنَّه سماع محرَّم؟ لأنَّ شأنَ هؤلاء المنتصِرين لحلِّ ما حرَّم الله على لسان نبيِّه ﷺ ووارثيه أنهم يكتَفُون بمجرَّد حِكايةٍ يجدونها فِي

стр. 136

كتابٍ من غير بحثٍ منهم عمَّن رَواها، ولا عن مَدلولها ومَعناها، لما أنَّ حبَّ الهوى أعْماهُم، وعَنْ طريق الهدى أضلَّهم وأغْواهم. ونظيرُ ما مرَّ عن ابن عبدالسلام من الكَذِبِ والتقوُّل عليه ما نُقِلَ عن تلميذه الإمام المجتهد ابن دقيق العيد أنَّه حضَر السماع بالدُّفِّ والشَّبَّابَة، وكذا جماعة من الفقهاء من حِكاياتٍ كلها لا يُعوَّل عليها ولا يلتفتُ إليها، وبفرض صحَّة ذلك فهو فِي أمرٍ مُختَلَف فيه، وقد مرَّ فِي صحَّته عن العلماء فيه ما فيه مَقنَعٌ لِمَن رُزِقَ أدنى نوعٍ من هداية، وإنما الطامَّة اعتقاد هؤلاء حلَّ الأوتار جميعها، وأنَّه لم يَرِدْ فيها حديث صحيح افتراءً وكذبًا على الله ورسوله؛ قال - تعالى -: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ ... ﴾ الآية (١)، ولا منكر أقبح ممَّن يريد أنْ يُحلِّل ما أجمع العلماء على تحريمه، ويوقع العامَّة وغيرهم فِي العمل به وسَماعه، غافلاً عمَّا يترتَّب عليه من الإثم والعِقاب، عافانا الله من ذلك بمنِّه وكرمه، آمين. ومن العجب أنَّ صاحب ذلك الكتاب سرد عن كثيرين أنهم حضَرُوا السَّماع على حسَب تقوُّله وتهوُّره وكأنَّه لم يطَّلِع على كلام القرطبي وغيره السابق، ولا على كلام الأئمَّة عنهم ولا فهم محلَّ الخلاف من محلِّ الوفاق، وإنما يدلِّس ويُلبِّس [ز١/ ٣٥/أ] ليروج خُرافاته ويُظهِر سَقطاته، ومَن الذي يُحرِّم السماع مُطلقًا حتى يُعرِّض بأنَّه حَرام، وإنما المنكر ما يَزعُمونه من حلِّه بالآلات المحرَّمة بالإجماع، وكلُّ ما حكاه عن أولئك الأئمَّة إنما هو فِي سَماعٍ اختُلِف فيه، كما مَرَّ بيان ذلك واضحًا مبسوطًا، فعليك بتحريره

стр. 137

ودعْ تلك الحكايات، وما فيها من الكذب والتقوُّلات، إنْ أردت السلامة من الحسرة والندامة، لا سيَّما وقت العرض يوم القيامة. (تَنْبِيه رابع) إنما فسَّرت الصَّنْج فِي الترجمة بذي الأوتار لأنَّه الذي لا خلافَ فِي تحريمه، بخِلاف الصَّنْج الذي هو دَوائر يضرب بواحدة على الأخرى فإنَّ فيه خلافًا [مرَّ] بسطُه، وإطلاق الصَّنْج على الأمرين ذكَرَه الجوهريُّ وغيره؛ حيث قالوا: الصَّنْج هو الذي يُتَّخذ من صفرٍ يُضرَب إحداهما بالأخرى مختص بالعرب، وذو الأوتار مختصٌّ بالعجم وهما مُعرَّبان، وقال ابن معنٍ الجزري فِي "التنقيب على المهذب" قوله: ويحرم استعمال الآلات التي تطرب من غير غناء؛ كالعُود والطُّنْبُور [والمعزفة، والصِّلِّيل، والمِزْمَار، أمَّا العُود والطُّنْبُور] (١) فقد فسَّرهما الشيخ، والمعزفة أصوات القيان إذا كانت مع العُود وإلا فلا يُقال ذلك، وقد قِيل: كلُّ ذي وترٍ مِعزاف، والصِّلِّيل بكسر الصاد وتشديد اللام المكسورة، وهو الصَّنْج، واشتقاقه من الصلول وهو صوت الحديد إذا وقَع بعضه على بعض، وفي نسخ "المُهَذَّبِ" مكان الصليل (الطبل) وليس بشيءٍ، بل هو غلط وتصحيف، ا. هـ. وفي المحكم: صلَّ اللجام امتدَّ صوتُه، ومصلصل مصوت. (تَنْبِيه خامس) الطُّنْبُور بضمِّ الطاء معروفٌ [وفي كتب اللغة: الطُّنْبُور العُود] (٢)، والمشهور فِي العُرف وعند أهل الصِّناعة أنَّه غيره، وكأنَّ كلَّ واحدٍ من العُود والطُّنْبُور وغيرهما اسمُ جنسٍ تحته أنواعٌ، وقد يشمَل اسم العُود سائر الأوتار، انظُر قول العمراني وخلائق من الأصحاب:

стр. 138

الأصوات الملهية ثلاثة أضرب: ضَرْب محرم وهي التي تطرب من غير غناء؛ كالعيدان، والطنابير، والطبول والمَزَامِير، والمَعَازِف، والنايات، والأكبار، والرباب وما أشبهها، ا. هـ. والمعازف جمع معزفة، قيل: وهي أصوات القَيْنَات إذا كانت مع العُود وإلا فلا يُقال لها ذلك، وقيل هي كلُّ ذي وتَر. [ز١/ ٣٥/ب] (تَنْبِيه سادس) إذا تأمَّلت ما مرَّ فِي المقدمة ممَّا يترتَّب على سامع الغناء، والمَزَامِير، والمَعَازِف وهي آلات الملاهي والأوتار، رجاء لك أنْ تُوفَّق إلى العمل بتلك الأحاديث، وأنْ تنزَجِر عن سماع تلك السفسافات، وتتوجَّه إلى الله بقِيامك فيما أمرك فيه فِي سائر الحالات، فمن تلك الأحاديث قولُه ﷺ : ((إيَّاكُمْ واستماع المَعازف والغِناء؛ فإنهما يُنبِتان النِّفاق في القَلب كما يُنبِت الماءُ البقلَ)) (١)، وقوله ﷺ : ((الغناء واللهو يُنبِتان النِّفاق في القَلب كما يُنبِت الماءُ العُشبَ، والذي نفسي بيَدِه، إنَّ القرآن والذِّكر ليُنبِتان الإيمانَ في القلب كما يُنبِت الماءُ العُشْب)) (٢)، فتأمَّل ذلك مع ما مر من الأحاديث، وأقوال العلماء، وأعرض عمَّن أدَّت بهم مجازفته إلى أنْ أحلَّ سماع الآلات، وأوهم العامة أن فِي ذلك مكاشفات ومنازلات، كلا والله ليس فيه إلا النقصان، وغاية المقت والخسران، ولسنا نحرِّم مطلق السماع، ولا نعتقد أنَّ ما تفعله من ذلك كلِّه سفساف وضَياع، بل منهم العارفون وهم حزب الله ﴿أَلاَ إِنَّ

стр. 139

حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الغَالِبُونَ﴾ (١)، وما جاء عنهم أكثره لم يصحَّ، وما صحَّ عنهم سالِمٌ من المحرَّمات - بحمد الله تعالى. (تَنْبِيه سابع) قِيلَ: أوَّل مَن وضَع العُود مالك بن آدم - صلَّى الله على نبيِّنا وعليه وعلى سائر الأنبياء وسلَّم - وذلك أنَّه مات له ولدٌ فصَلبَه فِي شجرةٍ وجلس تحتَه يُراقِبه حتى تناثَر لحمُه ولم يبقَ إلا العظم والعُروق، فعرف أنها ستَفنَى فاتَّخذه على مثال وركه ورجله، وجعَل له أوتارًا نظيرَ عُروق الرجل الموصلة للورك، ثم ضَرَبَ عليها فصوَّتت صوتًا حسنًا فعكَف على ضربها وسماعها. وقيل: أوَّل مَن وضعه حكماء الهند، وضَعُوه على طباع الإنسان؛ ومن ثَمَّ حُكِي عن الفارابي إمام الموسيقا أنَّه حضَر مجلسًا حافلاً لبعض الملوك أو الرُّؤَساء، فأخرج آلة صغيرة من داخل ثوبه، وضرب عليها فضحكوا إلى أنْ خُشِي عليهم الهلاك، ثم غيَّر الضرب فبكوا كذلك، ثم غيَّره فنامُوا عن آخرهم، فتركهم وذهب عنهم. * * * * *

стр. 140

القسم الرابع عشر: في بيان أنَّ ما مرَّ صغيرة أو كبيرة قد بسَطتُ ذلك فِي كتابي "الزَّواجر عن اقترافِ الكبائر"، وهو كتابٌ حافلٌ مُستوعِب لكلِّ ما قِيل: إنَّه [ز١/ ٣٦/أ] كبيرة، وما ورد فيه من السُّنَّة وكلام الأئمَّة فقلت فيه: (الكبيرة الثامنة والتاسعة والثلاثون بعد الأربعمائة، والكبيرة الموفية للأربعين، والحادية، والثانية، والثالثة والأربعون بعد الأربعمائة: ضرب وتر واستماعه، وزمر بمزمار واستماعه، وضرب بكوبة واستماعه) قال الله - تعالى -: ﴿وَمِنَ النَّاسِ ... ﴾ (١) الآية فسَّر ابن عباس والحسن لهو الحديث بالملاهي، وسيأتي بيانُها (٢). وقالَ - تعالَى -: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَن اسْتَطَعْت مِنْهُمْ بصوتك ... ﴾ (٣) فسَّرَهُ مجاهدٌ بالغناء والمزامير (٤)، وسيأتي حديث أنَّه ﷺ قال: ((إنَّ الله يَغفِرُ لكلِّ مذنبٍ إلا صاحب عَرطَبة - أو عَرطابة - أو كُوبة - والأولى العود)) (٥).

стр. 141

وعَدُّ هذه الست من الكبائر تبعتُ فيه الأكثَرين في بعضِها وقياسة الباقي، بل في "الشامل" - كما يأتي - التصريحُ بذلك في الجملة، قال الإمام: قال شيخي أبو محمد: سَماع الأوتار مرَّة واحدة لا تُوجِب ردَّ الشهادة، وإنما تردُّ بالإصرار عليها، وقطع العراقيُّون ومُعظَم الأصحاب بأنَّه من الكبائر، هذا لفظُه وتابَعَه عليه الغزالي، قالا: وما ذكَرْناه من سَماع الأوتار مَفروضٌ فيما إذا لم يكن الإقدام عليها مرَّة تُشعِر بالانحلال، وإلا فالمرَّة الواحدة تُرَدُّ بها الشهادةُ، وطرَد الإمام ذلك في كلِّ ما جانَسَه، وتوقَّف ابن أبي الدم فيما نسَبَه الإمام للعِراقيِّين، وقال: لم أرَ أحدًا منهم صرَّح به، بل جزَم الماوردي - وهو منهم - بنَقِيض ما حَكاه الإمام، فقال: إذا قُلنا بتحريم الأغاني والملاهي فهي من الصَّغائر دُون الكبائر مفتقرٌ إلى الاستِغفار ولا تُرَدُّ به الشهادة إلا بالإصرار، ومتى قلنا بكَراهة شيءٍ منها فهي من الخلاعة لا مفتقر إلى الاستغفار ولا تُرَدُّ الشهادة بها إلا مع الإكثار، ا. هـ. وتابَعَه في "المهذب"، وكذلك القاضي الحسين فإنَّه قال في "تعليقه": قال بعض أصحابنا: لو جلس على الديباج عند عقد النكاح لم ينعَقِد؛ لأنَّه مخلٌّ بالشَّهادة فيه كالأداء، والذي صارَ إليه المحصلون أنَّ هذا من الصَّغائر، وما يندر منه لا يوجب الفسق، وتابَعَه الفوراني في "الإبانة"، وردَّ بعضهم إنكارَ ابن أبي الدم على الإمام ما ذكر بأنَّ مجليًا صرَّح في [ذخائره] (١) بما يُوافِقه، فقال: إنَّ كون ذلك من الكبائر هو ظاهِرُ كلام "الشامل" حيث قال: مَن استَمَع إلى شيءٍ من هذه المحرَّمات فسق ورُدَّتْ شهادته، ولم يشترط تكرُّر السَّماع، ا. هـ (٢).

стр. 142

والحاصل: أنَّ المُعتَمَد عندنا من أنَّ ذلك من الصَّغائر حيث لم يحصلْ إدمان عليه حتى غلبت مَعاصِيه طاعاته، وإلا التحَقَ بالكبائر فِي إبطال العَدالة وردِّ الشَّهادة. (تَنْبِيه) وقَع لصاحب هذا الكتاب أنَّه قال: مَن ارتكب أمرًا فيه خلافٌ لا يُعزَّر عليه؛ لقوله ﷺ : ((ادرؤُوا الحدُودَ بِالشُّبُهات)) (١)، وهذا من جملة سَقطاته؛ للاتِّفاق على أنَّه لا عبرة بعقيدة الخصم، وإنما العِبرة بعقيدة الحاكم الذي رُفِعَ إليه الخصم، فيفعَلُ فيه الحاكم باعتِقاد نفسه دُون غيره، ولو رأينا إلى هذه السَّقطة لم يجزْ أنْ يُرفَع خصمٌ إلى قاضٍ يخالف عقيدته، وهذا بدعٌ خارق للإجماع، لا يصدر مثلُه إلا ممَّن لا يُفرِّق بين الحكم بعدَ الرَّفع إلى الحكام وقبلَه؛ وبيان ذلك أنَّ مَن ارتكب مُختَلَفًا فيه فإنْ قلَّد القائل بحلِّه وكان ذلك القائل ممَّن يجوزُ تقليده فلا حرج عليه عند الله - تعالى - وهذا الذي قال فيه العلماء: لا يُعذِّب الله الشخصَ بمسألةٍ عَمِلَ بها على قول عالم، وأمَّا بالنسبة للأحكام الظاهرة فمتى رُفِعَ لحاكمٍ فعل معه باعتقاده ولم ينظر لتقليده مَن يُجوِّز ذلك ولا لعدمه إقامَة لنظام [السياسات] (٢) الشرعيَّة، وإلاَّ لكان كلُّ مَن ادَّعى عليه بشيءٍ يَزعُم أنَّه قلَّد فيه مَن لا يلزمه به، وتتعطَّل الأحكام وتستحلُّ الأموال، ومن ثَمَّ قالَ

стр. 143

الشَّافِعِيُّ ﵁ فِي حنفيٍّ شرب نبيذًا يعتَقِد حلَّه ثم رفع إليه: أحدُّه وأقبَلُ شهادته، قال أصحابُه: إنما حدَّه لأنَّ العبرة بعقيدة الحاكم لا الخصم، وإنما قَبِلَ شهادته لأنَّه أقدَمَ على جائزٍ فِي اعتقاده، وهذا هو الصَّواب فِي هذا البحث فاحفَظْه لئلاَّ تزلَّ فيه قدمُك كما زلَّ فيه قدم صاحب ذلك الكتاب، فإنَّه استدلَّ على عدم التعزير بالحديث السابق، وبما نقَلَه عن الشَّافِعِي: إنَّ الله لا يُعذِّب على فعلٍ اختَلَف العلماء فيه، فالتبس عليه الأمر الأخروي بالأمر الدنيوي، وقد علمتَ ما بينهما من الفرق الواضح. ثم ظاهِرُ كلامه أنَّ مجرَّد كون الفعل مختلفًا فيه يمنع [من] العقاب عليه، وهو خِلافُ الإجماع كما قالوا الأئمَّة، وإنما شرْط ذلك أنْ يعلم القائل بذلك، وأنَّه من المجتهدين، وأنَّه من الذين يَجُوزُ تقليدهم، ثم بعد ذلك كلِّه يُقلِّده تقليدًا صحيحًا، بألاَّ يترتَّب عليه تلفيق التقليد، وإلا لم يجزِ اتِّفاقًا، كما إذا قلَّد الشَّافِعِيُ مالكًا فِي (١) نجاسة الكلب، ولم يمسحْ رأسه كله، أو لم يُوالِ فِي وضوئه مثلاً، كما هو مقرَّر فِي الأصول، فاستَفِدْ ذلك فإنَّ كثيرين يزلُّون فيه؛ اعتقادًا منهم أنَّ مجرَّد الاختلاف فِي الشيء [ز١/ ٣٧/أ] يمنَع العقاب عليه، وليس كذلك كما علمت: وإنما قُلنا: يجوز تقليده؛ لأنَّ كثيرين من المجتهِدين الخارجين عن الأئمَّة الأربعة لا يجوزُ تقليدهم كما هو مُقرَّر فِي كتب الفقه والأصول، ألا ترى إلى ما جاء عن عطاء فِي إباحة [إعارة] الجواري للوطء، وعن آخَرين فِي تحليل المطلقة ثلاثًا، وَعَن الأعمش فِي الأكْل فِي رمضان بعد الفجر وقبل طُلوع الشمس، ونحو ذلك من

стр. 144

مذاهب المجتهِدين الشاذَّة التي كاد الإجماع أنْ ينعقد على خِلافها، فهذه كلُّها لا يجوز تقليد أربابها، ومَن قلَّدهم فهو آثِمٌ فاسق يحدُّ ويُعزَّر إجماعًا بموجب فعله. وبهذا يتَّضح لك خطَأُ ذلك الرَّجُلِ فِي إيهامه أنَّه يجوزُ تقليدُ غيرِ الأئمَّة الأربعة مطلقًا، وما درى المسكين أنَّ لذلك شروطًا كثيرةً أشَرتُ إليها بينه وبينها خرطُ القتاد (١)، وليس مجرَّد الاختِلاف مُسوِّغًا للهُجوم على الفعل، بل لا بُدَّ من جميع شُروط التقليد كما هو مقرَّر ومحرَّر فِي كتب الأصول، ولكنَّ الجهل بذلك يُوجِب الوُقوع فِي أوعَرِ المسالك، وقد ذكَر الأئمَّة أنَّه لا يجوزُ لمفتٍ ولا لقاضٍ تقليدُ غير الأئمَّة الأربعة، قالوا: لا لنقصهم؛ لأنَّ الصحابة وتابِعِيهم ساداتُ الأمَّة، وإنما هو لارتفاع الثقة بشُروط مَذاهبهم وتحقيقاتها وصُورها، فإنها أقوالٌ فِي جُزئيَّات مُتعدِّدة، ولم يعلمْ لهم قواعدُ يُرجَع إليها، ولا شروطٌ وتقييداتٌ يُعوَّل عليها، وارتفعت الثِّقة بها لأنَّها لم تُحرَّر وتُدوَّن بخلاف المذاهب الأربعة؛ فإنها حُرِّرتْ ودُوِّنت وتعاقَبتها الآراء، [ومَحَّصَتْها] كَوامِلُ العقول حتى نقَّحتها وحرَّرتها، ولم يقلْ منها مسألة إلا وعلم مَغزاها ودَليلها ومَعناها، فوثقت بها النُّفوس، واطمأنَّت إليها [ز١/ ٣٧/ب] القلوب، بخِلاف بقيَّة المذاهب الخارجة عنها، ومن ثَمَّ كان الشَّافِعِيُّ يقول: الليث أفقَهُ من مالك لكن ضيَّعَه أصحابُه؛ أي: بعدَم تدوين مذهبه وتحرير مقاصده وقواعده، واعلم أنَّ الأئمَّة صرَّحوا بأنَّ الظاهريَّة لا يعتدُّ بخلافهم، ولا يجوز تقليد أحدٍ منهم؛ لأنهم سُلِبوا العقول حتى أنكَرُوا

стр. 145

القياس الجلي، وابنُ حزم من أقبحهم فِي ذلك، فلا يجوزُ لأحدٍ أنْ ينظُر لما قاله فِي الآلات، خِلافًا لما وهم فيه صاحبُ ذلك الكتاب فإنَّ الظاهر أنَّه يشير إلى أنَّه إذا جاز تقليدُ غير الأئمَّة الأربعة جاز تقليدُ مثل ابن حزم، وهذه زلَّة قبيحة، يتعيَّن على كلِّ مَن خطرت له التوبةُ منها؛ لما علمت أنَّ العلماء لا يُقِيمُون لابن حزم وأصحابه وزنًا، وأنَّه لا يجوزُ لأحدٍ تقليده ولا الإصغاء لما يقولُه أصلاً ورأسًا.
следующие страницы →