(تَنْبِيه) يقَع لكثيرين أنهم يتَواجَدون عند سماع الغناء دُون سماع القرآن، وكان القرآن أولى، وأجيب بأنَّ كلام الله قديم (١) ومستمعه حادث، ولا جامع بينهما حتى يَحدُث فِي سماعه طرَب، وإنما يحصل فِي سماعه الخشوع والهيبة والتعظيم، كذا قيل، ومرَّ فِي كلام ابن عبدالسلام خلافُ ذلك؛ وهو أنَّه كلَّما زادَت المعرفة زادَ حسن سَماع القُرآن ويزيد التأنِّي والفهم منه، وهذا هو الصواب، فإنَّ التواجُد إنْ كان عن اختيارٍ فهو مذمومٌ سواء القُرآن وغيره، وإنْ كان لا عن اختيار فليكن عند سماع القرآن أكثر، فما اعتِيد من التواجُد عند الغناء دون القُرآن أمرٌ نشَأ غالبًا عن شهوةٍ وتصنُّع فلا يُلتَفت لفاعِلِيه؛ إذ لا يسأل عن أقوال مثلِ هؤلاء وأفعالهم.
(تنبيه) قضيَّة ما تقرر وجود الخلاف فِي الجواز وعدمه مع تحقُّق زيادة حرف أو نقصه، والصواب كما قاله الأذرعي: إنْ تعمَّد ذلك لأجْل التحسين والتزيين فسق، ولا يتحقَّق فِي هذا خِلافٌ وينزل قول مَن عبَّر فيه بالكراهة على كراهة التحريم، من ذلك قول سليم: إذ أخرَجَه عن الإفهام كره؛ لما فِي حديث أنه ﷺ – [عدَّ] (٢) من أشرَاطِ
стр. 72
السَّاعَة أنْ يَتَّخِذ القُرآنَ مزاميرَ يُقدِّمونَ أحدهم ليسَ بأقَرئِهم ولا أفضلهم إلا ليغنِّيَهُم به غناءً)) (١).
وأفتى النووي ﵀ [تعالى]- فِي قومٍ يقرؤون القُرآن بالتمطيط الفاحش والتغيير الزائد، بأنَّ ذلك حرامٌ بإجماع العلماء كما قاله غيرُ واحدٍ، ويجبُ على وَلِيِّ الأمر زجرُهم وتعزيرُهم واستتابتُهم، ويجبُ إنكار ذلك على كُلِّ مُكلَّف تمكَّن من إنكاره، ا. هـ.
وأمَّا اعتراض الأسنوي على ما مرَّ عن النووي فِي "الروضة" من التحريم عند تغيير القرآن عن موضوعه بأنَّه ضعيفٌ مخالفٌ لكلام الشَّافِعِي والأصحاب، قال: وبتَسلِيم التحريم، فالتفسيقُ به مُشكِلٌ لا دليل عليه، فالصواب أنَّه صغيرةٌ فهو مردود؛ ومن ثَمَّ قال الأذرعي عَقِبَه: وهذا كلامٌ يمجُّه السمع السليم، [ز١/ ١٧/ب] وأي دليل أعظم على التحريم والفسق من تغيير كلام الله - تعالى - بالنقص والزيادة فيه عمدًا؛ إذ غير العامد لا يُقال فيه: يعصي ويفسق، وإنما لم يُكفَّر لأنَّه لم يفعل الزيادة والنقص حقيقةً، فإنَّا لله وإنَّا إليه راجعون، وبه التوفيق، وكأنَّه توهَّم من النصِّ على أنَّه لا بأس [بالقراءة] (٢) بالألحان أنَّه على إطلاقه، وحاشا الشَّافِعِي من ذلك، ولا يقول عالم: إنَّ الحركات إذا أشبعت بالألحان حتى صارت حروفًا أنَّ ذلك
стр. 73
يجوزُ، ويجب تنزيل الوجه السابق أنَّه لا يكره وإنْ أفرط على ما إذا لم ينتَهِ بالإفراط إلى ذلك الحدِّ، وإلاَّ لم يكنْ لهذا الوجه الضعيف مدركٌ أصلاً.
(تَنْبِيه ثانٍ) ممَّا يدلُّ على ندْب تحسين الصوت بقِراءة القُرآن بشرط السلامة عن أدنى تغييرٍ فيه، أنَّه ﷺ قال: ((زَيِّنوا القُرآنَ بأصواتِكُم))؛ رواه أحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وابن حبان، والحاكم، وعلَّقَه البخاري بالجزم فهو حديثٌ صحيحٌ (١)، ولابن حبَّان عن أبي هريرة، والبزار عن عبدالرحمن بن عوف، وللحاكم من طريق أخرى عن البراء أنَّه ﷺ قال: ((زيِّنوا أصواتَكُم بالقرآنِ))، وهي فِي الطبراني من حديث ابن عباس (٢)، ورجَّح هذه الرواية الخطابيُّ، قال شيخ الإسلام فِي تخريج أحاديث الرَّافِعِي: وفيه نظَرٌ؛ لما رواه الدارمي والحاكم بلفظ: ((زَيِّنوا القُرآن بأصواتكم، فإنَّ الصوت الحسن يزيدُ القُرآن حُسنًا))، فهذه الزيادة تُؤيِّد معنى الرواية الأولى (٣).
стр. 74
روى الشيخان أنَّه ﷺ سمع أبا مُوسَى الأشعرى يقرَأ فقال: ((لقد أُوتِي هذا مِزمارًا من مَزامِير آل داودَ)) (١)؛ أي: داود نفسه؛ إذ لم تُعرَف الأصوات الحسنة إلاَّ له ﷺ وأخرج البخاري وأحمدُ من حديث أبي هريرة ﵁ وأحمد، وأبو داود، وابن ماجه، والحاكم، وابن حبان من حديث سعد بن أبي وقاص أنَّه ﷺ قال: ((ليس مِنَّا مَن لم يتغنَّ بالقُرآن))، وفي الباب عن ابن عباسٍ وعائشة في الحاكم.
وعن أبي لُبَابَةَ فِي سُنَنِ أبي داوُد، وممَّن رواه عبدالرزاق، وابن أبي شيبة، [والخطيب]، وأحمد، وعبد بن حميد، والدارمي، وأبو عوانة، وابن حبان، والحاكم، والبيهقي عن [ز١/ ١٨/أ] سَعْدِ بنِ أبي وقَّاص، وأبو داود، والبَغَوِي، وابن قانع، والطبراني، والبيهقي عن أبي لُبابَة، والخطيب، والبخاري، وأبو نصرٍ فِي "الإبانة"، والحاكم، والبيهقي عن أبي هريرة، والطبراني، وابن ماجه، وأبو نصر فِي "الإبانة" عن ابن عباس، وأبو نصر عن ابن الزبير، وأبو نصر، والحاكم عن عائشة، والخطيب عن أنس (٢).
стр. 75
قال الشافعي ﵁: معنى هذا الحديث: تحسين الصوت بالقرآن، وفي رواية أبي داود: قال ابن أبي مليكة: يحسنه ما استطاع، وقال ابن عيينة: يجهر به، وقال وكيع: يستغني به، وقيل غير ذلك في تأويله (١)، والرواية الأولى [تعين] (٢) ما قالَه الشافعي ﵁ فلا معدل عنه؛ خلافًا لِمَن أطال في ترجيح قولِ وكيع.
ومن الأحاديث لذلك خبرُ عبدالرزاق: ((إنَّ الله ليأذن للرجل يكون حسن الصوت يتغنَّى بالقُرآن)) (٣)، وخبر الطبراني ((إنَّ أحسن [الناس] قراءةً مَن إذا قرأ القُرآن يتحزَّن فيه)) (٤).
وخبر ابن مردويه: ((إنَّ هذا القرآن قول يحزن فاقرَؤُوه بحزن)) (٥).
وخبر عبدالرزاق عن أبي سلمة مرسلاً، وأبو نصر السجزي في "الإبانة" عن أبي سلمة: ((ما أذِن الله لشيءٍ ما أذِن لرجل حسَن الترنُّم بالقرآن)).
وخبر ابن أبي شيبة عن أبي سلمة [مرسلاً]: ((ما أذِن الله لشيء كأذْنه لعبدٍ يترنَّم بالقُرآن)) (٦)؛ أي: ما رضي بشيء كرضاه بذلك.
стр. 76
وخبر ابن حبان عن أبي هريرة: ((ما أَذِنَ الله - تعالى - لشيءٍ كأذنه للذي يتغنَّى بالقرآن ويجهر به)) (١).
وخبر أبي نعيم عن زيد بن أرقم، عن سالم بن أبي سلام: "وَيْحك يا شاب، هلاَّ بالقرآن تتغنَّى؟ " (٢).
* * *
стр. 77
القسم الرابع: فِي الدُّف
المعتمَد من مذهبنا أنَّه حلالٌ بلا كراهة فِي عرس وختان، وتركُه أفضل، وهكذا حكمُه فِي غيرهما، فيكون مباحًا أيضًا على الأصحِّ فِي "المنهاج" وغيره، وقال جمعٌ من أصحابنا: إنَّه فِي غيرهما حرام، وقال آخرون من أصحابنا المتأخِّرين: إنه فيهما مستحب، وبه جزم البغَوِيُّ فِي "شرح السنة" فقال: إعلان النكاح وضرب الدُّفِّ فيه مستحبٌّ، والدليل عليه قوله ﷺ : ((فصْل ما بين الحلال والحرام الضَّرب بالدُّفِّ))؛ حسَّنه الترمذي، وصحَّحه ابن حبان وغيره (١).
وفي روايةٍ سندُها ضعيفٌ من سائر [ز١/ ١٨/ب] طرقها (٢): ((أَعْلِنُوا بالنِّكاح)) (٣)، قال شيخ الإسلام: ادَّعى الكمال جعفر الأُدْفوي فِي كتابه " [الإمتاع] (٤) في أحكام السماع" (٥) أنَّ مسلمًا أخرج هذا الحديث،
стр. 78
ووهم فِي ذلك وهمًا قبيحًا (١)، وممَّن رواه عبدالرزاق، وابن أبي شيبة، والخطيب، وأحمد، وعبد بن حميد، والرازي، وأبو عوانة، وابن حبان، والحاكم، والبيهقي عنْ سعدِ بن أبي وقَّاصٍ، وأبو داود، والبغَوِي، والطبراني، والبيهقي عن أبي لُبابة، والخطيب، والبخاري، وأبو نصرٍ فِي "الإبانة" عن ابن عباسٍ، وأبو نصرٍ، والحاكم عن عائشة، والخطيب عن أنسٍ.
وأجاب القائلون بالإباحة بأنَّ الأمر للإباحة؛ لأنَّ الأصل فيه التحريم؛ لأنَّه من جملة اللهو المحذور كما قالَه كثيرون، ولما يأتي عن الصِّدِّيق ﵁ أنَّه سمَّاه مزمور الشيطان بحضرة رسول اله ﷺ ولم ينكرْ عليه (٢)، لكن صحَّ أنَّ جاريَةً سوداءَ جاءت النبيَّ ﷺ فقالت: يا رسول الله، إنِّي نذرت إنْ ردَّك الله سالمًا أنْ أضرب بين يديك بالدفِّ وأتغنَّى فقال: ((إنْ كنت نذرتِ فأوفي بنذرك)).
وفي روايةٍ: يا رسول الله، إنِّي نذرت أنْ أضرب بالدفِّ بين يديك إنْ رجعت من سفرك سالمًا، فقال ﷺ : ((أوفي
стр. 79
بنذرك)) (١)؛ رواه أحمد، والترمذي، وابن حبان، [وابن ماجَهْ]، والبيهقي من حديث بريدة، وفي الباب عن عبدالله بن [عمر] (٢) - رضي الله تعالى عنهما - رواه أبو داود (٣)، وعن عائشة رواه الفاكهي بسندٍ حسن (٤)، ومرَّ في المقدمة حديث أنَّه ﷺ نهى عن ضرْب الدفِّ ولعب الصنج وضرب الزَّمَّارة (٥)، فينبغي اجتنابُه في غير السرور، وفي السرور إذا اقترن به جلاجل أو نحوها ممَّا يقتضي تحريمه على ما يأتي، وظاهره ندبه لكلِّ سرور مطلوب، وفي الجواب عنه عسر.
(تَنْبِيه) تردَّد الأذرعي في المراد بغيرِهما الذي سبَق حكاية الخلاف فِي حُرمته، وممَّن قال بها صَاحِبُ "المُهَذَّبِ"، "والتهذيب" وغيرهما، ما كان لحادث سرور؛ كقدوم الحاج، وشفاء المريض، والولادة أو ما كان كذلك، وما كان لغيره الأشبه الأوَّل، ويُؤيِّده قول الغزالي في "الإحياء": يُباح فِي العُرْسِ [ز١/ ١٩/أ] والعيد، وقدوم الغائب وكلِّ سرور حادث، لكن كلامه فِي "البسيط" ظاهرٌ فِي الإباحة مطلقًا حيث لا جلاجل فيه، وادَّعى الوفاق عليه، وهذا - أعني الإباحة مطلقًا - هو قضيَّة ما فِي "الوسيط" و"الوجيز"
стр. 80
أيضًا، لكن حكايته الاتِّفاق على الإباحة معترضةٌ بما مرَّ أنَّ جماعةً كثيرين من أصحابنا قالوا بحرمته فِي غير العُرْسِ والختان، بل اعترض تصحيح الشيخين إباحته فِي غيرهما بأنَّ الذي نصَّ عليه الشَّافِعِي ﵁ وعليه جمهورُ أصحابه أنَّه حرام فِي غيرهما، نعم؛ أُلحِق بهما على هذا كلُّ حادث سرور له وقع.
قال المعترضون: وأمَّا الإباحة مطلقًا فلا دليلَ عليها، والاستدلال له بلعب الجواري به ضعيفٌ؛ لأنهنَّ سُومِحن بما لم يُسامَح به المكلَّفون.
قال الأذرعي: ومن مصائب ابن طاهر المقدسي وفضائحه قولُه فِي كتابه "فِي السماع": وأمَّا ضَرْب الدُّف فأقول: إنَّه سنَّة رسول الله ﷺ وقال: ((مَن رَغِبَ عن سنَّتي فليس منِّي)) (١)، ا. هـ.
فجعل اللهو بالدُّفِّ وضرب الجهلة به فِي السَّماع من سنَّة المطهَّر عن اللعب، ثم حث الناس بقوله وقد قال: ((مَن رَغِبَ عن سنَّتي فليس منِّي)) مع علمه بقول الصِّدِّيق ﵁ للجواري بحضرته ﷺ : ((مَزمُور الشَّيْطان في بَيْتِ رسولِ الله ﷺ ) (٢)، ولم يُنكِر عليه هذه التسمية، نعوذُ بالله عن اتِّباع الهوى.
(تَنْبِيه ثان) محلُّ ندبه على القول به السابق إذا ضَرب النساء والجواري، وخلا عن الصَّنْج ونحوه، وَعَن التأنُّق والتصنُّع فِي الضرب بأنْ يكون ضربًا بالكف كما يضرب الطبل ونحوه، ولما يأتي فِي أضداد هذه القيود.
(تَنْبِيه ثالث) قال الماوردي: اختلف أصحابُنا هل ضرْب الدُّفِّ على النكاح عام في جميع البلدان والأزمان؟ فقال بعضهم: نعم؛ لإطلاق الحديث،
стр. 81
وخصَّه بعضهم ببعض البلدان [التي] (١) لا يتناكَرُه أهلها في المناكح؛ كالقرى والبوادي، فيكره في غيرها، وبغير زماننا، قال: فيكره فيه؛ لأنَّه عدل به إلى السخف والسفاهة، ا. هـ (٢).
وحَكاه فِي "البحر" عنه وأقرَّه، قال الأذرعي: وهو حسن غريب، وتأمَّل قولَه: وبغير زماننا ... إلخ تعلم به [ز١/ ١٩/ب] أنَّه إذا كان فِي ذلك الزمن الذي بيننا وبينه أكثر من خمسمائة سنة قد عدل به إلى السخف والسفاهة، فما بالك بزمننا الذي لم يبقَ فيه من معالم الخيرات إلا القليل، وتعارفت فيه المنكرات حتى صارت هي التي عليها التعويل، فإنَّا لله وإنَّا إليه راجعون!
(تَنْبِيه رابع) قال الشيخان (٣): حيث أبَحنا الدُّفَّ فهو فيما إذا لم يكن فيه جلاجل، فإنْ كانت فيه فالأصحُّ حلُّه أيضًا وهو الجواب فِي "الوجيز"، و"الإحياء"، وتعقَّبه الأذرعي فقال: لم أرَ فِي كتب المذهب ذكر الجلاجل إلا فِي كلام الغزالي كإمامه، ومعهما أيضًا صاحب "الحاوي الصغير" وغيره، ولم يبيِّنوا ما هذه الجلاجل، فإنْ أرادوا بها ما يعتاده العرب وأهل القرى وبعض متفقِّهة الأمصار، ومتصوفتهم وهو الظاهر من وضع حلق من حديد داخل الطار شبه السلاسل فقريبٌ، وإنْ أُرِيدَ بها ما يصنَعُه أهل الفُسوق وأعوان شرَبَة الخمور من اتِّخاذ صنوج لطاف تُوضَع فِي خروق تفتح لها فِي جوانب الدُّفِّ فممنوع؛ لأنها أشد إطرابًا وتهييجًا من كثيرٍ من الملاهي المتَّفَق على تحريمها، والقول بتحريم الصفاقتين الأتي وإباحة هذه
стр. 82
محال، لا يُقال: إنما حرمت الصفاقتان لأنهما شعار المخنَّثين: لأنَّا نقول: وهذه شعار العواهر ونحوهن من فسَقَة الرجال ومخنثيهم.
وقال فِي المُحكَم: إنَّ الصَّنْج الذي يكونُ فِي الدُّفِّ عربي، وحينئذ فيشمل تحريم الأصحاب الصنوج، بل هذه أحقُّ بالتحريم من الصَّنْج الكبير، ولا يغتر بقول صاحب "الحاوي الصغير" ويدق بصنج من ذكر المسألة، إنما قال: جلاجل، وفي "كافي الخوارزمي": والدُّفُّ الذي فيه جلاجل حرامٌ فِي جميع الأحوال والمواضع، ا. هـ كلام الأذرعي.
والمعتمَد كلامُ الشيخين، والأوجَهُ كلام "الحاوي الصغير"، ويُفرَّق بينه وبين بقيَّة الصنوج بأنها هنا تابعةٌ للدُّفِّ ويُغتَفر فِي التابع ما لا يُغتَفر فِي المستقلِّ.
(تَنْبِيه خامس) ظاهر إطلاقهم أنَّه لا فرقَ فِي جواز الضرب بالدُّفِّ بين هيئةٍ وهيئةٍ، وخالَف القاضي الإمام أبو عليٍّ الفارقي فِي "فوائد المُهَذَّب"؛ لأستاذه الشيخ أبي إسحاق فقال: إنما يُباح الدُّفُّ الذي تَضرِب به العرب من غير [ز١/ ٢٠/أ] زفن؛ أي: رقص، فأمَّا الدُّفُّ الذي يزفن به، وينقر؛ أي: برؤوس الأنامل ونحوها على نوعٍ من الإيقاع فلا يحلُّ الضرب به؛ لأنَّه أبلغ فِي الإطراب من الطبل؛ أي: الطبل الذي جزَم العراقيُّون بتحريمه وتابَعَه تلميذه القاضي أبو سعيد بن أبي عصرون.
قال الأذرعي: وهو حسنٌ؛ فإنَّه إنما يَتعاطاه على هذا الوجه مَن ذكرنا من أهل الفُسوق، ا. هـ، وهو كما قال وإنْ كان ذلك مقالة.
(تَنْبِيه سادس): حكى الإمام البيهقي عن شيخه الإمام الحليمي ولم يخالفه أنَّا إذا أبَحْنا الدُّفَّ فإنما نُبِيحه للنساء خاصَّة، ا. هـ.
стр. 83
وعبارة منهاجه: وضرب الدُّفِّ لا يحلُّ إلا للنساء؛ لأنَّه فِي الأصل من أفعالهنَّ (١)، وقد لعَنَ رسولُ الله ﷺ المتَشبِّهين بالنِّساء (٢)، انتهت.
ونازَعَه السبكي فِي "الحلبيَّات" بأنَّ الجمهور لم يُفرِّقوا بين الرجال والنساء، قال: ففرق الحليمي بينهما ضعيف، والأصل اشتراك الذكور والإناث فِي الأحكام إلاَّ ما ورَد الشرع فيه بالفرق، ولم يردْ هنا، وليس ذلك ممَّا يختصُّ بالنساء حتى يُقال: يحرم على الرجال التشبُّه بهن فيه، فنهيه على العموم وقد جاء: ((أعلِنُوا النِّكاح واضرِبُوا عليه بالدُّفِّ)) (٣)، فلو صحَّ لكان فيه حجَّة؛ لأنَّ ((اضربوا)) خطاب الذكور، لكنَّه ضعيف، ا. هـ.
وهو كما قال، وإنْ مال الأذرعي لكلام الحليمي بقوله: ويشهد للحليمي أنَّه لم يُحفَظْ عن أحدٍ من رجال السلف أنَّه ضَرَبَ به، وبأنَّ الأحاديث والأثار إنما وردت فِي ضَرْبِ النساء والجواري به، فقد يكون سُكوتُ الجمهور عن بيانه؛ لدلالة الأخبار على أنَّه فِي العادة من أعمال النساء.
وفي "مغني الحنابلة": "أمَّا الضَّرْبُ به للرجال فمكروهٌ على كلِّ حال؛ [لأنَّه] إنما كان يضرب به النساءُ، ففي ضَرْبِ الرجال به تشبُّهٌ بالنساء، ا. هـ.
стр. 84
وظاهر كلامه إرادة التحريم، ثم قال فِي آخِر الفصل: ومذهَبُ الشافعيِّ في هذا الفصلِ كما قُلنَا" (١).
(تَنْبِيهٌ سابع) إذا أبَحْناه أو ندَبْناه فِي العُرْسِ والخِتان، فمتى يُضرَب وإلى متى؟ قال الأذرعي: لم أرَ فيه تصريحًا، بل بعضهم يقول فِي الإملاك وبعضهم يقول في العُرْسِ والإملاك، والمعهود عرفًا أنَّه يُضرَب به وقتَ العقد ووقتَ الزِّفاف أو بعده بقليل. [ز١/ ٢٠/أ]
وعبَّر البَغَوِيُّ فِي "فتاويه" بوقت العقد وقريبٌ منه [قبله وبعده] (٢) ويجوزُ الرُّجوع فيه للعادة، وحديث الربيع دالٌّ على ضربِه بعد الزِّفاف، ويحتمل ضبطه بأيَّام الزفاف التي يُؤثر بها العروس، وأمَّا الختان فالمرجع فيه العرف، ويحتمل أنَّه يفعل من حين الأخْذ فِي أسبابه القريبة منه.
(خاتمة) فِي فتاوى الشيخ أبي عمرو بن الصلاح أنَّ اجتماع الدُّفِّ بالشَّبَّابَة حَرامٌ عند أئمَّة المذاهب، ولم يَثبُت عند أحدٍ ممَّن يُعتَدُّ بقوله فِي الإجماع، والخلاف أنَّه أباحَ هذا السَّماع، والخلاف المنقول عن بعض أصحاب الشَّافِعِيِّ إنما نُقِلَ في الشَّبَّابَة منفردةً والدُّفِّ منفردًا، وربما اعتَقَد مَن لا تحصيل له ولا تأمُّل عنده خلافًا فِي هذا السَّماع، وهذا وهمٌ من الصائر إليه، ثم قال: وهذا السماع حَرامٌ بإجماع أهل الحلِّ والعقد من المسلمين، وكأنَّه يُعرِّض بعَصْرِيِّه الإمام الشيخ عزِّ الدين بن عبدالسلام؛ لما وقع بينهما فِي عدَّة مسائل الحقُّ فِي أكثرها مع ابن عبدالسلام كما [بيَّنتُ] (٣) كثيرًا منها فِي محالِّه؛ كتخالُفِهما فِي إحياء ليلة الرغائب وليلة النِّصف من شعبان
стр. 85
بالصلاة المشهورة، قال ابن عبدالسلام: إنهما بِدعتان مَذمومتان وحديثهما موضوعٌ، وهو كما قال، كما بيَّنته فِي كتابي "الإيضاح والبيان لما جاء فِي ليلة الرغائب وليلة النصف من شعبان"، وممَّن وافق ابن عبدالسلام فِي حكاية خِلاف العلماء فِي الجمع بين الدُّفِّ والشَّبَّابَة ابن المُنَيِّر المالكي: واعتَرَض بعض المتأخِّرين على ابن الصلاح من حيث الحكمُ الذي ذكَرَه بأنَّه لا يلزم من حُرمة الشَّبَّابَة وحدَها أنها إذا انضمَّت إلى الدُّفِّ تُصيِّره محرمًا، وانتصر الأذرعي لابن الصلاح فقال: وفي الإنكار على ابن الصلاح بالنسبة إلى مذهبنا نظرٌ؛ إذ لا يلزم من ثُبوت الخلاف فِي حالة الانفِراد ثبوتُه فِي حالة الاجتماع إلاَّ أنْ يثبت أنَّ مَن أباح الدُّفَّ بانفِراده من أصحاب الوجوه يقول بإباحة الشَّبَّابَة بإنفِرادها، وهَيْهات! على أنَّ ذلك ليس بلازمٍ؛ إذ قد يجوزُ ذلك على الانفِراد ويمتنع [في حال. ت. أ] (١) الاجتماع؛ لشدَّة الإطراب المتولِّد من الهيئة الاجتماعيَّة، ومَن سَبَر أحوالَ الصحابة والتابعين وتابعيهم عَلِم يقينًا أنَّ أحدًا لم يجمع بينهما [ز١/ ٢٠/ب] ولا صحَّ عنه قولاً ولا فعلاً، ا. هـ، والله تعالى أعلم.
* * * * *
стр. 86
القسم الخامس: في الكُوبَة وسائر الطبول
قال الشيخان وغيرهما: ولا يحرم ضَرْبُ الطبول إلاَّ الكُوبَة؛ وهي: طبل طويل متَّسِع الطرفين ضيِّق الوسط، وهو الذي يعتاد ضربه المخنَّثون ويولعون به، قال الإمام: وليس فيه من المعنى ما يميِّزه عن سائر الطبول، إلا أنَّ المخنَّثين يعتادون ضربَه ويُولَعون به، قال: والطبول التي تُهيَّأ لِمَلاعِب الصبيان إنْ لم تلحق بالطبول الكبار فهي كالدُّفِّ وليست كالكُوبَة بحال، ا. هـ.
وبه يُعلَم أنَّ ما يُصنَع فِي الأعياد من الطُّبول الصِّغار التي هي على هيئة الكُوبَة وغيرها لا حُرمَة فيها؛ لأنَّه ليس فيها إطرابٌ غالبًا، وما على صورة الكُوبَة منها انتَفَى فيه المعنى المحرَّم للكوبة وهو التشبُّه بأفعال المخنثين؛ لأن لهم كيفيَّات فِي ضربها، وغيره لا توجد فِي تلك التي تُهيَّأ للعب الصبيان.
(تَنْبِيه) ما مشى عليه الشيخان من تحريم الكُوبَة هو الحق، ومن ثَمَّ قطَع به الشيخ أبو محمد الجويني قال: لأنَّ فيها أحاديث مُغلَّظة على ضاربها والمستمِع لصوتها، وقال الإمام أبو الفتح سليم بن أيوب الرازي فِي "تقريبه" بعد أنْ ذكَر حديثا فِي تحريم الكُوبَة، وفيها حديثٌ آخَر: ((إنَّ الله يغفرُ لكلِّ مذنبٍ إلا صاحب عَرطَبة أو كُوبَةٍ)) (١) والعَرطَبة: العُود، ومع هذا فإنَّه إجماعٌ، اهـ.
فتأمَّل نقلَ هذا الإمامِ الإجماعَ على حُرمَتِها، وما مَشَيَا عليه من حِلِّ سائر الطُّبول ما عدا الكُوبَة اعتَرَضه الأسنوي بأنَّ الموجود لأئمَّة [المذهب] (٢)
стр. 87
تحريم الطبول كلها ما عدا الدُّفِّ فقد ذهَب إليه القاضي الحسين، والبندنيجي، والحليمي، والماوردي وصاحبُ "المُهَذَّبِ"، والروياني، والبَغَوي، والخوارزمي، والعمراني وعدَّد جماعة آخرين، ونقله فِي "الاستقصاء" عن الشيخ أبي حامد شيخ الطريقتين، واعتَرَضه الأذرعي بأنَّ صاحب "الذخائر" نقَل عن العراقيين أنهم حرَّموا الطبول كلها من غير تفصيلٍ.
قال الأذرعي: وهو كما قال، إلا أنهم أرادوا طبول اللهو كما صرَّح به غير واحد، وممَّن أطلق تحريم الطبول التي [نهي بها] (١) العمرانيُّ، والبَغَويُّ، و"صاحب الانتصار"، وهو المحكيُّ عن الشيخ أبي حامد [ز١/ ٢١/أ] وقضيَّة ما فِي "المجموع"، "والمقنع"؛ للمحاملي، "والحاوي"؛ للماوردي، ونقل فِي "البحر" عن الأصحاب: أنَّ من المحرَّم ضَرْبَ الطَّبل، وقال القاضي الحسين فِي تعليقه: أمَّا ضَرْبُ الطبول فإنْ كان طبلَ لهوٍ فلا يجوز.
واستثنى الحليمي من الطُّبول طبلَ الحرب والعِيد وأطلَقَ تحريمَ سائر الطُّبول، وخَصَّ ما استثناه فِي العِيد بالرجال خاصَّة، وطبل الحجيج مُباحٌ كطبل الحرب.
وقال ابن الرفعة: ما نقَلَه الغزالي من إباحة ما عدا الكُوبَة من الطُّبول بَناهُ على قول أبي محمد: إنَّه لا طبل لهوٍ إلاَّ الكُوبَة، وفيه نظَر؛ فقد قال فِي "الكافي": الكُوبَة حرامٌ، وطبل اللهو فِي معناها، فدلَّ على أنَّه غيرها، ثم قال - أعني: ابن الرفعة - ما حاصِلُه أنَّ الأصحاب صرَّحوا بإباحة طَبْلِ الحرب؛ فتعيَّن أنَّ (أل) الذي فِي الطَّبل الواقع فِي كلام مَن حرَّمَه المراد بها (أل)
стр. 88
العهديَّة، والمعهود هو طبْل المخنَّثين، وقد صرَّح به الماوردي من بعدُ؛ فلا مُخالَفةَ إذًا بين كلام الفريقين؛ أي: القائِلِين بتحريم الطبول كلها ما عدا الدُّف، والقائلين بحلِّها كلِّها ما عدا الكُوبَة، فمراد الأوَّلين طبول اللهو المنحصِرة فِي الكُوبَة بدليل اتِّفاقهم على حلِّ طبل الحرب، وجَرَى الزركشي على غير ذلك فقال ردًّا لما مرَّ عن الأسنوي: أكثر الأئمَّة قيَّد التحريم بطبل اللهو، ومَن أطلق التحريم أراد به اللهو؛ أي: فالمراد: إلاَّ الكُوبَة ونحوها.
(تَنْبِيه ثانٍ) قلت فِي كتابي "الزَّوَاجِرَ عَن اقْتِرَافِ الكَبَائِر" وقَع للإمام هنا مزلاَّت يتعيَّن التيقُّظ لها؛ فإنها مخالفةٌ للإجماع، وهي قولُه فِي الكُوبَة: لو ردَدْنا إلى مسلَك المعنى فهي في معنى الدف، ولستُ أرى فيها ما يقتضي تحريمها، إلا أنَّ المخنثين يولعون بها ويَعتادون ضربَها، وقوله: الذي يقتضيه الرأي أنَّ ما يصدر منه ألحانٌ مستلذَّة تهيج الإنسان وتستحثُّه على الطرب ومجالسة أحداثه فهو
[المحرم] (١) والمعازف والمزامير كذلك، وما ليس له صوتٌ مستلذٌّ، وإنما يفعل [لأنغام] (٢) قد تطرب وإن كانت لا تستلذُّ، فجميعها في معنى الدف.
والكوبة في هذا المسلك كالدف، فإنْ صحَّ فيها تحريمٌ حرَّمناها، وإلا توقَّفنا فيها، وقوله: ليس فيها من جهة المعنى ما يُميِّزها من سائر الطبول، إلا أنَّ المخنَّثين يعتادون ضربه ويتولَّعون بها فإنْ صحَّ حديثٌ قلنا به، اهـ. [ز١/ ٢١/ب]
стр. 89
ويردُّه ما يأتي أنَّ هذا بحثٌ منه مخالفٌ للإجماع فلا يُعوَّل عليه، وأنَّه حيث وُجِدَ في المسألة إجماعٌ فلا نظَر إلى صحَّة الحديث وضعْفه، وقد نقَل الإمام نفسه عن أبيه الشيخ أبي محمد الجويني ما يُوافِق الإجماع، فقال: كان شيخي يقطَع بتحريمها، ويقول: فيها أخبارٌ مغلَّظة على ضاربها والمستمِع إلى ضربها، وقد نصَّ الشافعيُّ على أنَّ الوصيَّة بطبل اللهو باطلة، ولا يعرف طبل لهو يلتَحِق بالمعازف حتى تبطل الوصيَّة به إلا الكوبة، وتَبِعَه في "البسيط" فقطع بتحريمها وأنَّه لا يحرم من الطُّبول إلا هي، لكن اعترض ذلك بقول "الكافي": الكوبة حرامٌ، وطبل اللهو في معناها؛ فدلَّ على أنَّه غيرها، وبأنَّ العراقيين حرَّموا الطبول كلَّها من غير تفصيلٍ.
ويجاب بأنَّ هذه طريقة ضعيفة، والأصح حِلُّ ما عدا الكوبة من الطُّبول، وقيل: أراد العراقيُّون طبول اللهو كما صرَّح به غيرُ واحد، وممَّن أطلقَ تحريم طبول اللهو العمرانيُّ والبغويُّ وصاحب "الانتصار"، وهو المحكِيُّ عن الشيخ أبي حامد، وقضيَّة ما في "الحاوي" و"المقنع" وغيرهما.
وعبارة القاضي: أمَّا ضرب الطبول فإنْ كان طبل لهوٍ فلا يجوزُ، واستَثنَى [الحليمي] من الطبول طبل الحرب والعيد، وأطلق تحريم سائر الطبول وخصَّ ما استَثْناه في العيد بالرجال خاصَّة، وهذه طريقةٌ ضعيفة أيضًا.
وعدَّ جمعٌ من العراقيين من المحرَّمات الأكبار، وأمَّا قول الأذرعي عَقِبَ كلام الإمام الثاني: إنَّه بحثٌ في غاية الحسن، فغير مقبولٍ منه؛ لِمُخالَفته لصريح كلامهم، وقد قال ابن الرفعة عقبه: وهذا يدلُّ على أنَّ الأخبار الواردة في الكوبة لم تصحَّ عنده، ا. هـ.
стр. 90
وممَّا يردُّه أيضًا قولُ سليم في "تقريبه" بعد أنْ ذكَر تحريم الكوبة: وفي الحديث: ((إنَّ الله يَغفِر لكلِّ مذنبٍ إلا صاحب عَرطَبة أو كُوبة)) (١)، والأولى العود، ومع هذا فإنَّه إجماع، اهـ.
فتأمَّل نقلَه الإجماعَ على تحريم الكوبة، وهو من أكابر أصحابنا ومُتقدِّميهم، يتَّضِح لك أنَّ بحث الإمام الذي استَحسَنه الأذرعي مخالفٌ للإجماع، وحينئذٍ فلا فرقَ بين أنْ يصحَّ الحديث وأن لا، وهو ما قاله بعضهم - أعني: عدم صحَّته - لأنَّ الإجماع حجة وإنْ صح الحديث بخلافه؛ إذ لا يكون إلا عن دليلٍ سالم من الطَّعن [ز١/ ٢٢/أ] والمُعارِض، فكان أقوى، وقد نقل الإجماع أيضًا على تحريم الكوبة القرطبيُّ، وهو من أئمَّة النقل، فقال كما مرَّ عنه: لا يختلف في تحريم استِماعها، ولم أسمعْ عن أحدٍ ممَّن يُعتَبر قولُه من السلف وأئمَّة الخلف أنَّه يبيح ذلك، (٢) انتهى ما فِي الكتاب المذكور.
(تَنْبِيه ثالث) ما فسَّر به الشيخان وغيرهما الكُوبَة هو الصحيح، وعليه جرَيْت فِي "شرح الإرشاد" وعبارته: ولا يحرم من الطبول إلا الكُوبَة؛ لما فيها من التشبُّه بِمَن يَعتادُ ضربَها وهم المخنَّثون، وهي طبلٌ طويل ضيِّق الوسط متَّسع الطرفَيْن، وقضيَّة كلامهم أنَّه لا فرقَ بين أنْ يكون طرفاها مَسدُودين أو أحدهما، ولا بين أنْ يكون اتَّساعها على حدٍّ واحد أو يكون أحدُهما أوسع، انتهت.
ولا يُنافي تفسيرها بما ذكَرُوه تفسير الجوهري وآخَرين لها بأنَّها الطبل الصغير المخصَّر؛ لأنَّها كذلك، ويُوافِق ذلك تفسير أحدِ رُواة الحديث لها بالطبل
стр. 91
كما ذكَرَه البيهقي (١) وتفسير الراوي مُقدَّم على تفسير غيرِه؛ لأنَّه أعرف بمرويِّه ولا تفسير آخَرين لها بالنرد؛ لأنَّ الكُوبَة كما تُطلَق على ذلك الطبل تُطلَق على النَّرد، كما صرَّحوا به نقلاً عن بعض أهل اللغة، وبذلك يتبيَّن اندِفاع قول الخطابي وغيره: الكُوبَة النرد، وغلط مَن قال: إنها الطبل، واندِفاع قول الأسنوي: تفسير الكُوبَة بالطبل خلاف المشهور فِي كتب اللغة، ا. هـ.
وقال الأذرعي: فِي كلام الجوهري وغيره ما يدفَع تغليط الخطابي وغيره، نعم؛ إطلاقها على كلِّ ما يُسمَّى طبلاً ليس بجيِّد، ا. هـ.
وعبارة ابن معين الحرزي فِي "التنقيب على المُهَذَّبِ": الصحيح أنَّ الكُوبَة طبلٌ ضيِّق الوسط واسع الطرفين، كان يلعَب به شباب قريش بين الصفا والمروة، انتهت، وقيل: هي الشِّطرَنج.
(تَنْبِيه رابع) من الأحاديث المغلَّظة فِي تحريم الكُوبَة أنَّ النبي ﷺ قال: ((إنَّ الله حرَّم على أمَّتي الخمرَ، والميسرَ، والكوبة في أشياء عدَّدَها)) (٢)؛ رواه أحمد، وأبو داود، وابن حبان، والبيهقي، من حديث ابن عباسٍ بهذا، وزاد: ((وهو الطبل، وكلُّ مسكرٍ حرام)).
стр. 92
وبيَّن - أعني: البيهقي - في روايةٍ أخرى أنَّ تفسير الكوبة بالطبل من كلام راويه عليِّ بن بذيمة، ورواه أبو داود من حديث ابن عمر، وزاد: ((والغُبَيراء)) (١)، وزاد أحمد فيه [ز١/ ٢٢/ب] ((والمزر)) (٢)، ورواه أحمد من حديث قيس بن سعد بن عبادة، واختلفوا في تفسير الغُبَيراء فقيل: هي الطنبور، وقيل: العُود، وقيل: البربط، وقيل: مزر يصنع من الذرة أو من القمح، ومَرَّ فِي المقدمة أحاديث ذلك فراجِعْها، والله أعلم.
* * * * *
стр. 93
القسم السادس: فِي الضرب بالصفاقتين
وهما دائرتان من صفرٍ تضرب إحدهما على الأخرى وتُسمَّيان بالصَّنْج أيضًا، والمعتمَد من مذهبنا عند الشيخين وغيرهما؛ كالشيخ أبي محمد، والقاضي الحسين، وصاحب "المُهَذَّبِ"، ونقله فِي "البحر" عن الأصحاب أنَّ ذلك حرامٌ؛ لأنهما من عادة المخنَّثين كالكُوبَة، وتوقَّف الإمام فيهما؛ لأنَّه لم يردْ فيهما خبرٌ بخِلاف الكُوبَة؛ يُجاب عنه بأنَّ شأن القياس أنَّ المقيس عليه منصوصٌ بخلاف المقيس، وهذا كذلك؛ لأنَّ الكُوبَة منصوصٌ عليها بخلاف الصفاقتين، فألحقنا بها بجامع أنَّ كلاًّ منهما الضرب به من عادة المخنَّثين المطَّردة، وهذا هو المقتضى لتحريم الكُوبَة كما اعتَرَف به الإمام، فإنَّه قال: كان شيخي - يعني: أباه كما مرَّ نقله عنه - يقطع بتحريمها ويقول: فيها أخبار مغلَّظة على ضاربها والمستمِع إلى صوتها، وقد نصَّ الشَّافِعِيُّ ﵁ على أنَّ [مَن أوصى بطبل لهو] (١) يلتَحِق بالمعازف حتى تبطل الوصيَّة به إلا الكُوبَة (٢).
(تَنْبِيه) ما فُسِّرت به الصَّفاقتَيْن فيما مَرَّ هو المعتمد، وإنْ قالَ ابنُ أبي الدَّم: اختلف الفقهاء المتأخِّرون فيه؛ فبعضهم يقول: هو الشيزات، ويعضده التعليل بأنَّه من عادة أهل الشُّرب، وبعضهم يُفسِّره بالصنوج المتَّخَذة من صفر التي تضرب مع الطبول والرباب والنقارات، وهذا يُضعفه أنَّه ليس بمطربٍ ولا يُحدِث بسماعه لذَّة لذي لُبٍّ سليم وعقل صحيحٍ، ا. هـ.
стр. 94
ويردُّ تضعيفَه بما ذكر أنَّه ليس المأخذ فِي تحريمها اللذَّة - كما مرَّ - وإنما المأخَذ الأعظم فِي ذلك أنهما من دأب المخنَّثين وأهل الفُسوق، ففي الضرب بهما تَشبُّهٌ بأولئك الذين لا خَلاقَ لهم ولا دِين، فحرم لأجل ذلك؛ إذ ((مَنْ تشَبَّه بقومٍ فهوَ منهُمْ)) (١)، فاتَّجَه ما ذكَرُوه وأنَّه لا غُبار عليه فتأمَّله.
* * * * *
стр. 95
القسم السابع: في الضرب بالقضيب على الوسائد
اختلف أصحابنا فيه على وجهين: [ز١/ ٢٣/أ]
أحدهما: أنَّه مكروهٌ، وبه قطَع العراقيُّون؛ لأنَّه لا يفرد عن الغِناء ولا يطرب وحدَه، وإنما يزيدُ الغناء طربًا بخِلاف الآلات المطرِبة، فهو تابعٌ للغناء المكروه فيكون مكروهًا، وهذا هو المجزوم به فِي "مجموع المحاملي"، "وتقريب سليم" وغيرهما، واعتمَدَه ابن الرفعة فِي "مطلبه" (١) فقال: [يزيد] (٢) الغناء طربًا ولا يحرم؛ لأنَّه ليس بآلةٍ، وإنما تتبع الصوت، وهذا لا يسمع منفردًا بخلاف الملاهي، قاله ابن الصبَّاغ، والبندنيجي، وكذا الفوراني والغزالي.
وثانيهما: أنَّه حرامٌ، وجرَى عليه البَغَوي فِي تهذيبه وتعليقه (٣)، وعبارته: وأمَّا ضَرْبُ القضيب فقال الخراسانيُّون من أصحابنا: هو حرام، وأمَّا العراقيون فقالوا: إنَّه مكروه غير حرام، انتهت.
стр. 96
وكذا قاله تلميذه الخوارزمي فِي "كافيه"، وقال الشيخ إبراهيم المروزي: قال القاضي حسين: تردُّ به شهادةُ فاعليه.
وقال أبو حامد: سُئِلَ الشَّافِعِيُّ عن هذا فقال: أوَّل مَن أحدَثَه الزنادقة فِي العراق حتى يلهوا الناس عن الصلاة وعَن الذكر، ونقَلَه عن الشَّافِعِي أيضًا القاضي أبو الطيب فِي كتابه في السماع، وزاد أنَّ الشَّافِعِيَّ كان يكرهه، قال الأذرعي: وهذا وما قبله قد يُشعِر بإرادة الشَّافِعِيِّ كراهةَ التحريم.
(تَنْبِيه) الظاهر أنَّ ذِكرَهم للقضيب والوسائد مثالٌ، وأنَّ الضرب باليد على الوسادة أو غيرها يجري فيه الخلاف المذكور؛ لأنَّ العلة أنَّه يزيد الغناء طربًا، وهذا موجودٌ ومعتادٌ فِي الضرب باليد على نحو الوسائد فاتَّضح ما ذكرته.
* * * * *
стр. 97
القسم الثامن: فِي التصفيق ببطن أحد الكفين على الآخر
قال الماوردي، والشاشي، وصاحب ["الاستقصاء"] (١)، ة"الكافي": حُكمُه حكمُ الضرب بالقضيب على الوسائد؛ أي: فيَجرِي فيه هذا الخلاف المذكور؛ فيكون مكروهًا عند العراقيين، حرامًا عند الخراسانيين، ذكَرَه ابن الرفعة فِي "المطلب".
وبالَغ ابن عبدالسلام فِي ذمِّه بقوله فِي "قواعده" (٢) كما مرَّ: أمَّا الرَّقْصُ والتصفيق فخفَّة ورُعونة مُشابهة لرُعونة الإناث، لا يفعلها إلا أرعن أو متصنِّع جاهل، ويدلُّ على جَهالة فاعلهما أنَّ الشريعة لم تردْ بهما في كتابٍ ولا سنَّة، ولا فعَل ذلك أحدٌ من الأنبياء (٣)، ولا معتبر [ز١/ ٢٣/ب] من أتْباع الأنبياء، وإنما يفعَلُه الجهَّال السُّفهاء الذين التبسَتْ عليهم الحقائق بالأهواء.
وقد حرَّم بعضُ العلماء التصفيقَ على الرجال بقوله ﷺ : ((إنَّما التَّصفيقُ للنِّساء)) (٤)، ا. هـ.
وعبارة الحليمي: يُكرَه التصفيقُ للرجال؛ فإنَّه ممَّا يختصُّ به النساء، وقد مُنِعوا من التشبُّه بهنَّ كما مُنِعُوا من لبس المُزعفَر لذلك، ا. هـ.
قال الأذرعي: وهو يُشعِر بتحريمه على الرجال، ا. هـ.
стр. 98
وجريت فِي "شرح الإرشاد" على كَراهة هذا وما قبله، وعبارته: ويُكرَه على الأصحِّ الضرب بالقضيب على الوسائد، ومنه يُؤخَذ حلُّ ضَرْب إحدى راحتي الكفِّ على الأخرى ولو بقصْد اللعب، وإنْ كان فيه نوعُ طرَب، ثم رأيتُ الماوردي، والشاشي، وصاحب "الاستقصاء"، "والكافي" ألحَقُوه بما قبله، وهو صريحٌ فيما ذكرتُه، وأنَّه يجري فيه خلاف القضيب، والأصحُّ منه الحلُّ؛ فيكون هذا كذلك، ومن ثَمَّ صرَّح الحليمي بكراهته، وأقرَّه ابن الرفعة وغيره؛ لكنَّه عقَّبه [بما] يُومِئُ إلى أنها كراهة تحريم على الرجال؛ لما فيه من التشبُّه بالنساء، ويُوافِقه ذم ابن عبدالسلام لِمُتَعاطِيه، قال: وقد حرَّمه بعض العُلَماء لخبر: ((وإنَّمَا التَّصفيقُ للنِّساءِ)) (١)، ا. هـ.
وأنت خبيرٌ بأنَّه لا دلالةَ فِي الخبر؛ إذ (أل) فيه للتصفيق الذي يُؤمَرون به في الصلاة، وليس هذا منه، وبأنَّ التشبُّه بهنَّ إنما يحرم فيما يختصُّ النساء به، وهذا ليس كذلك، فالوجه أنَّه مكروهٌ كراهةَ تنزيهٍ لا تحريم، انتهت عبارة الشرح المذكور.
* * * * *
стр. 99
القسم التاسع: الضرب بالأقلام على الصيني أو بإحدى قطعتين منه على الأخرى:
اعلَمْ أنَّ هذا النَّوع قد اشتَهَر فِي هذه الأزمنة بين أهل الفُسوق والشَّرَبة للخُمور؛ حتى صار من أظهر شعارهم فِي مَعاصِيهم وعلى شُربهم واجتماعهم بالقَيْنات والغِلمان، وتركوا من أجله كثيرًا من ذَوات الشُّعور والأوتار؛ لما وجدوا فيه من اللذَّة التي فاقَتْ سائِرَ اللَّذَّات؛ لما فيها من البدائع والترقيقات، والصوت العجيب والطرب الغريب، كما يَزعُمون كلَّ ذلك، ويعترفون بأكثر ممَّا هنالك، ويدلُّ على هذا تغالُبهم على سماعه وحُضوره، ووزنهم النقود الكثيرة لضاربه ليحظوا بلذَّة صوته وفُجوره؛ فلذلك [ز١/ ٢٤/أ] عَظُمَ الخطب فيه، وتعيَّنت المبالغة فِي زجْر مُتَعاطِيه؛ لعلَّهم ينفكُّون عن تلك القبائح التي لا تَتناهَى، وينزَجِرون عن مَعاصِيهم وسَفاهاتهم التي أشغلتْ نفوسهم عن رُشدها وتَقواها؛ فلذلك أفتيتُ غيرَ مرَّة بِحُرمة ذلك، وأنَّه مُلحَقٌ بذوات الأوتار فِي حُرمتها الأكيدة وعُقوبتها الشديدة؛ لما قدَّمته من أنَّ لذَّة هذا وإطرابَه فاقَ لذَّة تلك وإطرابها، وقوانينه ونغماته أنساهم قوانين تلك ونغماتها، وقد بلغني لَمَّا أفتيتُ بذلك عن بعض مَن يزعُم أنَّ له نوعًا ما من فضيلة أنَّه اعتَرضَ ذلك الإفتاء بِخُرافات تُضحِك الناس عليه، وتشدُّقات تجرُّ وَبال الخِزي والبَوار إليه، على أنَّ هذا منه ليس لكونه مسألة علميَّة يتعرَّف حُكمَ الله فيها، وإنما هو لأنَّه كان جعَل سماع ذلك شبكةً يتصيَّد بها غِزلان القاذورات، ويتحيَّل بها على استِجلاب المخمورين والمخمورات، فلمَّا أنْ ظهر الإفتاء بِحُرمة ذلك تعطَّلت عليه أغراضُه، واستحكمتْ أهويته وأمراضُه؛ فأحبَّ أنْ يُغيِّر فِي الوجوه الحسان؛
стр. 100
لعلَّه يغير فِي الأحكام الشرعيَّة بما له من البُهتان، الذي حُقَّ له به الخذلان والهوان - وفَّقنا الله لطاعته.
على أنِّي لم أبتَدِعْ ذلك الإفتاءَ، وإنما أخذته من كلامهم بالأولى؛ لأنَّهم إذا حرَّموا ما مَرَّ من الضرب بالصفاقتين وغيرهما مع أنَّه ليس فيها كبيرُ إطرابٍ، فما بالك بهذا الذي فاقَ إطرابه كما تواترت [به أخبارُ] (١) سامعيه إطراب العُود وغيره، وإذا علمت ما يأتي فِي الشَّبَّابَة وغيرها ظهَر لك اتِّضاح ما قلته وظهور ما بيَّنته وقرَّرته.
وممَّا يعلم منه ذلك قطعًا وهو من جملة مستنداتي فِي الإفتاء السابق "أنَّ شخصًا كان بزمننا فِي مصر، وكان يملأ إناءً من صيني ماء، ويمرُّ أصبعه على حافَّة الإناء، وينشد عليه كلام الصوفيَّة كالإمام [العارف] (٢) عمر بن الفارض (٣) فسُئِلَ عنه مشايخنا كشيخ الإسلام خاتمة المتأخِّرين أبي يحيى زكريا الأنصاري، ومعاصروهم كالكمال بن أبي شريف والشمس الجوجري شارحي "الإرشاد" (٤) وغيرهم، فبعضهم جزَم بِحُرمته لأنَّ فيه طربًا، وبعضهم تردَّد فقال: إنْ كان فيه إطرابٌ حرم وإلاَّ فلا، فهم متَّفِقون
стр. 101
على أنَّه إذا كان فيه إطرابٌ يحرم؛ وإذا اتَّفقوا فِي هذا على ذلك فما نحنُ فيه أولى بالحرمة [ز١/ ٢٤/ب] قطعًا؛ لإجماع كلِّ ذي عقلٍ سمعهما أو تَواتَرَ عنده خبرُهما ووصفهما على أنَّ ما نحن فيه يَفُوق ذاك فِي الإطراب بمراحل، فعلم أنَّه لا غُبار على إفتائي بالتحريم فِي ذلك، وأنَّ مَن عانَد فِي ذلك بل توقَّف فيه كان ممَّن ضلَّت به المسالك، وعُجِّلتْ له المهالك، نسأَلُ الله السلامة من ذلك بمنِّه وكرمه، آمين.
وممَّا يزيدُ ما قرَّرته وُضوحًا أيضًا قول الدولقي الذي استدلَّ النووي بكلامه فِي "الروضة"، ونقل عنه تحريم الشَّبَّابَة ما حرَّمت الأشياء التي ذكَرُوها لأسمائها وألقابها، بل لما فيها من الصدِّ عن ذِكر الله - تعالى - وعَن الصلاة، ومُفارَقة التقوى والميل إلى الهوى.
وقول القرطبي: كلُّ ما لأجله حُرِّمتِ المَزَامِير موجود فِي الشَّبَّابَة وزيادةً؛ فيكون أولى بالتحريم.
قال الأذرعي: وما قاله حقٌّ واضح، والمنازَعة فيه مُكابَرة، انتهى.
فلذلك نقول: كلُّ ما حُرِّمتِ الأوتار لأجله موجودٌ فِي هذا [وزيادة] (١)؛ فكان أولى بالتحريم منها، وما حرم ما نصوا عليه لاسمه ولقبه؛ بل لما ذكر من أنَّه شِعار الشَّرَبة، وفيه الصدُّ عن ذِكر الله والصلاة، وكلُّ ذلك موجودٌ فِي هذا مع زِيادات؛ فكان أولى بالتحريم كما تقرَّر.
على أنَّ النووي صرَّح فِي "شرح المُهَذَّب" بأنَّ المسألة إذا دخَلتْ تحت عُموم كَلام الأصحاب كانت منقولةً، وهذه دخلت تحت عُموم كَلامهم حتى المختصرات الصغيرة كـ"الحاوي الصغير" وفروعه، فإنهم اتَّفقوا على
стр. 102
حُرمة سَماع ذلك المطرب، وقد تقرَّر أنَّ هذا من أعلى المطرِبات، فيشمله كلامهم بالنصِّ، وحينئذٍ فالمسألة منقولة، وصرَّح بها المتقدِّمون أيضًا؛ إذ لا شكَّ أنَّ العراقيين من أئمَّتنا هم المعوَّل عليهم فِي المذهب نقلاً وترجيحًا، وقد أطبَقُوا على قولهم: الأصوات المكتسَبة بالآلات ثلاثَةُ أضرُب: ضَرْب حرام؛ وهي التي تطرب من غير غِناء ... إلى آخِر ما يأتي، فكلامهم هذا شاملٌ لما نحن فيه كما لا يَخفَى على مَن له أدنى مسكةٍ من فهمٍ، فيكون التحريم الذي قرَّرته منقولاً للأصحاب، وحينئذٍ لا يبقى للنِّزاع فيه مَساغ، اللهم إلا مع العِناد؛ فإنَّه لا ينفَعُ معه شيء حتى الأدلَّة القرآنيَّة؛ لأنَّ الهوى يُعمِى ويصمُّ، نعوذُ بالله منه.
وقال الشمس الجوجري فِي "شرح الإرشاد": ويمكن أنْ يستدلَّ لتحريم الشَّبَّابَة بالقِياس على الآلات المحرَّمة؛ لاشتراكه معها فِي كونه مطربًا [ز١/ ٢٥/أ] بل ربما كان الطرب الذي فيه أشدَّ من الطرب الذي فِي نحو الكمنجة والرباب، فهو إمَّا قياس الأولى أو المساواة بالنسبة إلى المذكورين، وهما حَرام بلا خلافٍ، انتهى.
وصرَّح بما يعمُّ ذلك إمامُ الحرمين أيضًا، ونقَلَه عنه الأذرعي، وقال [عَقِبَهُ]: إنَّه فِي غاية الحُسن، وعبارة توسطه، وقد أشار الإمام إلى ضابط المحرَّم من ذلك وغيره بقوله: ما يصدر منه ألحانٌ مُستلَذَّة تهيج [السامع] وتستحثُّه على الطرب ومجالسة أحداثه فهو المحرَّم، فهذه العبارة تشمَل ما نحن فيه بالنص؛ لأنَّ ما ذُكِرَ موجودٌ فيه وزيادة.
* * * * *
стр. 103
القسم العاشر: في الشَّبَّابة والزَّمارَة وهي اليَراع
اعلم أنَّ إماميَّ مذهبنا: الرَّافِعِي والنووي، اختلفا فِي الراجح من الخِلاف فيها؛ فقال الرَّافِعِي فِي "عزيزه": في اليَرَاع وجهانِ صَحَّحَ البغويُّ التحريم، والغزالي الجواز، وهو الأقرب، وليس المراد من اليَراع كلَّ قصب، بل المزمار العراقي وما يُضرَب به الأوتارُ - كما فِي نسخ، وفي نسخة معتمدة: مع الأوتار كما يأتي - حرامٌ بلاَ خلافٍ (١).
وقال النووي فِي "روضته" بعد ذِكره ذلك استدراكًا عليه: قلتُ: (الأصحُّ)؛ أي: فيكون الخلاف قويًّا، أو (الصحيح)؛ أي: فيكون الخلاف ضعيفًا، كما عُلِم من اصطلاحه فِي خِطبته.
تحريم اليَرَاع، وهو هذه الزَّمَّارَة التي يُقال لها: الشَّبَّابَة ممَّن صحَّحه البَغَوي، وقد صنَّف الإمام أبو القاسم الدولقي كتابًا فِي تحريم اليَرَاع مشتملاً على نفائس، وأطنَبَ فِي دَلائل تحريمه، والله أعلم، انتهى (٢).
وأشار بقوله ممَّن صحَّحه البَغَوي إلى التورُّك على الرَّافِعِيِّ، فإنَّ ظاهر عبارة الرَّافِعِي أنَّه لم يُصحِّحه سوى البَغَويِ، فأشار بقوله: ممَّن صحَّحه البَغَوي، إلى ردِّ عبارته، وأنَّ البَغَوي لم ينفردْ بذلك، وبهذا الذي ذكرته إنْ تأمَّلته
стр. 104
يظهَرُ لك فَسادُ اعتراض الأسنوي على النووي بقوله: نَقْلُهُ تصحيحَ المنع عن البَغَوي عجيبٌ، فقد ذكَرَه الرَّافِعِيُّ، انتهى.
ووجْه فَساده أنَّ الذي قالَه النوويُّ غيرُ ما قاله الرَّافِعِيُّ؛ لما علمت أنَّ الرَّافِعِيَّ حصَر التصحيح فِي البَغَوي والنووي، أفاد عدم انحِصاره فيه، وإنما هو من جُملة المصححين، وعجيبٌ خفاءُ مثلِ هذا على الأسنوي، وأعجَبُ منه سكوت المتعقِّبين لكلام الأسنوي على هذا الاعتراض الذي فِي غاية السُّقوط.
قال الأسنوي: واعلم أنَّ المنع قد رجَّحَه الشيخ أبو حامد [ز١/ ٢٥/ب] فقال: إنَّه القياس، وصحَّحه الخوارزمي فِي "الكافي" وجزَم به ابن أبي عصرون، وأمَّا الجواز فقال به الماوردي، والخطابي، والروياني، ومحمد بن يحيى فِي "المحيط"، انتهى.
(تَنْبِيه) ما اقتضاه كلام الرَّافِعِيِّ السابق، وكلام الأسنوي هذا من تَساوِي القائلين لكلٍّ من الحل والحرمة فيه نظر؛ بل أكثر أصحاب الشَّافِعِي على الحرمة، بل الكلام في ثُبوت لكلٍّ فِي مذهبنا وجهًا يعتدُّ بخلاف قائله كما ستعلَمُه.
وقد قال الأذرعي: ما ذهَب إليه الغزالي من الحلِّ وتَبِعَه صاحبه ابن يحيى شاذٌّ، ولم أرَ للغزالي فِي ترجيحه سلفًا، قال: وقد ذكَر غيرُ الأسنوي أنَّ الشيخ أبا عليٍّ قال: إنَّ التحريم هو القياس.
قال فِي "الكافي": لأنَّه من جِنس َالمَزَامِير وهو المذهب، وقضيَّة كلام العراقيين وغيرهم إذ قالوا: الأصوات المكتسَبة بالآلات المطرِبة ثلاثة أضرب ... وعدوا منها المَزَامِير، واستدلُّوا للتحريم بحديث ابن عمر - رضي
стр. 105
الله عنهما - المشهور، وأحسن فِي "الذخائر" فنقَل عن الأصحاب التحريم للمَزامِير مطلقًا.
ثم قال: وقال الغزالي: يحرم المِزمارُ العِراقِيُّ الذي يُضرَبُ به مع الأوتار، وفيما سواه وجهان، وأمَّا العراقيون فحرَّموا المَزامِير كلها من غير تفصيل؛ فإذًا المذهب الذي عليه الجماهيرُ تحريم اليَراع وهو الشَّبَّابة، وقد أطنَبَ الإمام الدولقي خطيب الشام فِي دلائل تحريمه وتقريرها كما رأيته بخطِّه فِي مصنَّفه، قال: والعجب كلُّ العجب ممَّن هو من أهل العلم يَزعُم أنَّ الشَّبَّابَة حلالٌ، ويحكيه وجهًا لا مستند له إلا خَيال، ولا أصلَ له وينسبه إلى مذهب الشَّافِعِي، ومَعاذ الله أنْ يكون ذلك مذهبًا له أو لأحدٍ من أصحابه الذين عليهم [التعويل] (١) فِي علم مذهبه والانتماء إليه، وقد عُلِمَ من غير شكٍّ أنَّ الشَّافِعِي حرَّم سائر أنواع الزمر، والشَّبَّابة من جملة الزمر، وأحد أنواعه، بل هي أحقُّ بالتحريم من غيرها؛ لما فيها من التأثير فوق ما فِي [الناي] (٢) وصوناي، وما حُرِّمتْ هذه الأشياء لأسمائها وألقابها، بل لما فيها من الصدِّ عن ذِكر الله وعَن الصَّلاة، ومُفارَقة التقوى، والميل إلى الهوى، والانغِماس فِي المعاصي، وأطال النفَس فِي تقرير التحريم، وأنَّه الذي درَج عليه الأصحاب من لَدُنِ الشَّافِعِي إلى آخِر وقتٍ من المصريين، والبغداديين، والخراسانيين، والشاميين، والجزريين [ز١/ ٢٦/أ] ومَن سكَن الجبال، والحجاز، وما وراء النهر، واليمن، كلهم يستدلُّ [بقصة] (٣) ابن عمر ﵄ يعني: حديث زمارة الراعي.
стр. 106
قال الأذرعي: وأحسبه عرَّض فِي صدر كلامه بالغزالي؛ فإنَّه من مُعاصِريه، انتهى.
واعتَرضَه تلميذُه الزركشي بأنَّه ليس من مُعاصِريه، فإنَّه وُلِدَ بعد وَفاته بعشْر سنين، انتهى.
ويُجاب عنه بأنَّ مُراده بكونه من مُعاصِريه أنَّه قريب جدًّا من عصره، فصَحَّ أنْ يطلق عليه كونه من مُعاصِريه مجازًا.
وقال الإمام جمال الإسلام ابن [البِزري] (١) بكسر الباء نسبةً لبزر الكتان (٢): الشَّبَّابة زمرٌ لا محالة حَرام بالنص، ويجبُ إنكارها ويحرم استِماعها، ولم يقل العلماء المتقدِّمون ولا أحدٌ منهم بحِلِّها وجوازِ استعمالها، ومَن ذهَب إلى حلِّها وسماعها فهو مُخطِئ، انتهى.
وقال ابنُ أبي عَصْرُونٍ: الصواب تحريمُها، بل هي أجدَرُ بالتَّحْريم من سائرِ المزامِيرِ المُتَّفَقِ على تحريمِها؛ لشدَّةِ طربها، وهي شِعارُ الشَّرَبَة وأهلِ الفُسوق، انتهى.
وإذا تقرَّر ما فِي هذا التَّنْبِيه عُلِمَ منه خطَأ صاحب ذلك الكتاب فِي قوله: اختَلَفَ العلماء فيها؛ فذهب طائفةٌ إلى التحريم، وطائفةٌ إلى الإباحة، وهو مذهَبُ جماعةٍ، ثم عَدَّ جملة مَن اختاره من الشافعية مُقلِّدًا فيه مَن لا يُوثَق به، وكلُّ ذلك تمويهٌ وتلبيس كما قرَّرته فاعلَمْه.
стр. 107
واستِدلالُه بقول الرَّافِعِيِّ: رُوِيَ عن الصحابة الترخيصُ في [مزمار] الراعي ليس فِي محلِّه؛ لأنَّ ذلك لم يَثبُتْ عن أحدٍ منهم.
وأمَّا حديث الراعي الآتي فسيأتي الكلامُ فيه، على أنَّ هذا لا ينفَعُ صاحب ذلك الكتاب؛ لأنَّها كانت تُفعَل بحضرته فِي المجامع الحفلة وغيرها على غايةٍ من الإطراب، وزمَّارة الراعي ليس فيها شيءٌ من ذلك كما يأتي، ووقَع له أنَّه استدلَّ على حِلِّ مُطلَق الشَّبَّابَة بأنها تُجرِي الدمع، وتُرقِّق القلب، وبأنَّ العلماء والصالحين لم يزالوا يسمَعُونها وتَجرِي على أيديهم الكرامات الظاهرة، وقد قدَّمتُ ذلك كلَّه عنه فِي مبحث الرَّقص، وأنَّه من خراف ابن طاهر وغيره، وتَبِعَهم هذا من غير تأمُّل؛ لأنَّ الهوى يعمي ويصمُّ، فراجِعْ ذلك كلَّه واحفَظْه فإنَّه مفيد.
(تَنْبِيه ثانٍ) قول الأسنوي السابق: وبالجواز قال الماوردي، والخطابي، والروياني، اعترَضَه الأذرعي وتَبِعَه تلميذُه الزركشي فقال فِي "خادمه": نقل [ز١/ ٢٦/ب] فِي المهمَّات الحِلَّ عن الماوردي، والخطابي، ومحمد بن يحيى، فأمَّا ابن يحيى فإنَّه تبع الغزالي، وأمَّا الماوردي فإنَّه فصل بين الأمصار فيكره، وبين الأسفار والمراعي فيُباح، وحَكاه عنه فِي "البحر" هكذا ولم يَحْكِ غيره، وأصلُ ذلك قول شيخه الأذرعي فِي "توسطه" فِي إطلاق الأسنوي نقل الحِلِّ عمَّن ذكر نظَر، وعبارة "البحر" قال فِي "الحاوي": الشَّبَّابَةُ فِي الأَمصارِ مكروهة؛ لأنها تستعمل فيها من السخف والسفاهة، وفي الأسفار والمراعي مُباحة؛ لأنها تحثُّ على السَّير وتجمَع البهائم إذَا سَرَحَتْ (١).
стр. 108
فإنْ قيل: أليس رُوِي عن ابن عمر وساقَ طرفًا من حديث الراعي وغيره، ثم قال: قلنا: قال أبو سليمان الخطابي: المِزْمَار الذي سمعه ابن عمر صفارة الرُّعاة، وهذا محمولٌ على غير الشَّبَّابَة؛ وهذا يدلُّ على أنَّه وإن كان مكروها فليس كسائر الملاهي؛ لأنَّه لو كان كذلك لما اقتَصَر على سَدِّ المسامع فقط دُون الزجر والتنكيل، انتهى لفظه.
ولا خَفاء أنَّ الراعي ونحوه يصفر فيها صفرًا مجرَّدًا، والكلام فيمَن يصفر فيها على القانون المعروف، فالوجه التحريمُ فيها مطلقًا، بَل هي أجدَرُ بالتحريم من سائر المزامير المتَّفَق على تحريمها؛ لأنها أشدُّ إطرابًا وهي شِعار الشَّرَبة وأهل الفُسوق، وقال بعض أهل هذه الصناعة - وهي الموسيقا -: الشَّبَّابَة آلةٌ كاملة وافية تجمَعُ النَّغمات، وقال آخَرون: ينقص قيراطًا.
قال القرطبي: هي من أعلى المَزَامِير، وكل ما لأجله حرمت المَزَامِير موجودٌ فيها وزيادة، فيكون أولى بالتحريم، قال الأذرعي: وما قاله حقٌّ واضح، والمنازعة فِيه مكابرةٌ، وقال غيره: هي من أعلى المَزامِير، وكل ما لأجله حُرِّمت المَزامِير موجودٌ فيها وزيادة؛ فيكون أولى بالتحريم، والمنازعة في هذا مكابرةٌ، وهو الموافق للمَنقول، فإنَّه الذي نَصَّ عليه الشَّافِعِيُّ والجمهورُ؛ فقد قال فِي "الأم" فِي باب السرقة: ولا يقطع فِي ثمن الطُّنْبُور ولا المِزْمَار، انتهى (١).
وقد حرم الشَّافِعِي ما دونها فِي الإطراب بكثيرٍ فإنَّه حرَّم الكُوبَة وهو الطبل الصغير، وحرَّم طبل اللهو وهو [ز١/ ٢٧/أ] الطبل الكبير، وحرم الطبل (٢) فِي غير العُرس والخِتان، وما حرَّمَه إلا لأنَّه لهوٌ لا ينتفع به فيما يجوز؛ ففي
стр. 109
الشَّبَّابَة مع كونها لهوًا يصدُّ عن ذِكر الله وعَن الصلاة مع الميل إلى أوطار النُّفوس ولذَّاتها، فهي بالتحريم أحقُّ وأولى، وهو مُقتَضى كلام العراقيين؛ فإنهم قالوا: الأصوات المكتسبة بالآلات ثلاثةُ أضرب: ضَرْب محرَّم وهي التي تطرب من غير غِناء؛ كالعيدان والطنابير والمَزَامِير، انتهى.
(تَنْبِيه ثالث) اختلف الحفَّاظ فِي حديث نافع الذي هو أصْل الخلاف فِي الشَّبَّابَة وهو: "أنَّ ابنَ عمرَ سمع صوتَ زمَّارة راعٍ، فجعَل أصبعيه في أذنَيْه، وعدل عن الطريق، وجعل يقولُ: يا نافع، أتسمَعُ؟ فأقول: نعم، فلمَّا قلت: لا، رجَع إلى الطريق ثم قال: هكذا رأيتُ رسول الله ﷺ يفعَلُه".
وفي روايةٍ: "أنَّ ابن عمر سمع مِزمارًا فوضَع أصبعَيْه في أذنَيْه، ونأى عن الطريق وقال لي: يا نافعُ، هل تسمع شيئًا؟ قلت: لا، فرفَع أصبعَيْه عن أذنَيْه وقال: كنت مع النبي ﷺ فصنَع مثل هذا" (١)، فقال أبو داود: إنَّه حديث منكر، وخالَفَه ابن حبان فخرَّجَه فِي صحيحه، ووافَقَه الحافظ محمد بن نصر السلامي فإنَّه سُئِل عنه فقال: هو حديثٌ صحيح.
وكان ابن عمر بالغًا إذ ذاك عمره سبع عشرة سنة، وقال: هذا من الشارع ﷺ ليعرف أمَّته أنَّ استماع الزَّمَّارَة والشَّبَّابَة وما يقومُ مقامهما محرَّم عليهم استماعُه، ورخَّص في ذلك لابن عمر لأنَّه حالة ضرورة، ولا يمكن إلا ذاك، وقد تُباح المحظورات للضرورات، قال: ومَن رخَّص فِي ذلك - أي: فأباح الشَّبَّابَة - فهو مخالفٌ للسنَّة، انتهى.
стр. 110
وبهذا الحديث استدلَّ أصحابُنا على تحريم المَزَامِير، وعليه بنوا التحريم فِي الشَّبَّابَة التي هي من جملة المَزَامِير بل أشدها طربًا، وممَّا يدلُّ على حُرمتها الحديث السابق فِي المقدمة وهو: أنَّه ﷺ نَهَى عن ضرْب الدفِّ ولعب الصنج وضربِ الزَّمَّارَةِ (١).
وأمَّا استِدلال مَن أباحها تمسُّكًا بأنَّه لم يَأمُرْ ابن عمر بسَدِّ أذنَيْه ولا نهى الراعي فدلَّ على أنَّه إنما فعَلَه تنزيهًا أو أنَّه كان فِي حالة ذكرٍ أو فكرٍ، وكان السَّماع يشغله، فسدَّ أذنَيْه لذلك، فقد ردَّه الأئمَّة بأمورٍ كثيرة.
منها: أنَّ تلك الزَّمَّارَة لم تكنْ ممَّا يتَّخذه أهلُ هذا الفن الذي هو [ز١/ ٢٧/ب] محلُّ النِّزاع من الشَّبَّابات التي يتقنونها، وتحتها أنواعٌ كلها تطرب، ومعلومٌ أنَّ زمر الراعي في قصبةٍ ليس كزمر مَن جعله صنعته وتأنَّق فيه وفي طَرائِقه التي اخترَعُوا فيها نغماتٍ تُحرِّك إلى الشهوات.
ومنها: أنَّه ﷺ إنما لم يأمرْ ابنَ عمر بسدِّ أذنيه لأنَّه تقرَّر عندهم أنَّ أفعاله ﷺ حجَّة [لأقواله] (٢) فحين فعَل ذلك بادَر ابن عمر إلى التأسِّي به، وكيف يظنُّ به أنَّه ترك التأسِّي وهو من أشدِّ الصحابة تأسِّيًا؟ قال الدولقي: وهذا لا يخطر ببال محصل قد عرف قدْر الصحابة واطَّلع على سبيلهم، قال: وقوله ﷺ : ((يا عَبدَالله، هل تسمَعُ؟))؛ معناه: تسمع هل تسمع؟ وإنما أسقَطَ تسمع