← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 37972

دفاع عن السنة ورد شبه المستشرقين ط مكتبة السنة

محمد أبو شهبة

Полный текст (402 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

أما هذا الإجماع على أنه كان مزاحا مهذارا فهي دعوى كبقية دعاواه التي لم يقم عليها دليل، ولم نجد أَحَدًا من العلماء الأثبات قال شيئا من هذا، فهذا ابن عبد البر في " الاستيعاب " لم يذكر شيئا منه، وهذا الحافظ ابن حجر في " الإصابة " لم يذكر إِلاَّ ما أخرجه ابن أبي الدنيا في " كتاب المزاح "، والزبير بن بكار فيه، من طريق ابن عجلان عن سعيد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَجُلاً قَالَ لَهُ: «إِنِّي أَصْبَحْتُ صَائِمًا فَجِئْتُ أَبِي فَوَجَدْتُ عِنْدَهُ خُبْزًا وَلَحْمًا، فَأَكَلْتُ حَتَّى شَبِعْتُ وَنَسَيْتُ أَنِّي صَائِمٌ، فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: " اللهُ أَطْعَمَكَ "، قَالَ: " فَخَرَجْتُ حَتَّى أَتَيْتُ فُلاَنًا فَوَجَدْتُ عِنْدَهُ لِقْحَةً تُحْلَبُ فَشَرِبْتُ مِنْ لَبَنِهَا حَتَّى رَوَيْتُ "، قَالَ اللهُ سَقَاكَ "، ثُمَّ رَجَعْتُ إِلَى أَهْلِي، فَلَمَّا اسْتَيْقَظْتُ دَعَوْتُ بِمَاءٍ فَشَرِبْتُ، فَقَالَ: " يَا ابْنَ أَخِي أَنْتَ لَمْ تَعَوَّدْ الصِّيَامَ "» ولم يصفه بأنه مزاح مهذار، وأما ابن كثير في " البداية والنهاية " فقد ذكر ما نقله المؤلف من قصص عنه، ولم يذكر قط أنه كان مزاحًا مهذارًا. وَأَنَّى لهؤلاء العلماء الأجلاء أن ينطقوا بهذا الهجر من القول في حق صحابي جليل؟ وأشهد الله أنه ليس للمؤلف سلف في هذا التعبير إِلاَّ ما حكى عن النَظَّامِ وأمثاله، و «جولدتسيهر» المستشرق اليهودي - على ما عرف عنه مِنَ التَجَنِّي على الحديث والمُحَدِّثِينَ - كان أعف من المؤلف في التعبير، وإليك عبارته (١): «وتظهرنا طريقة روايته للأحاديث التي ضمنها أتفه الأسباب بأسلوب مؤثر على ما امتاز به من روح المزاح ... الخ ما قال» فانظر فرق ما بين العبارتين. ثم ماذا ينقمون من أبي هريرة؟ أينقمون عليه أنه كان رجلاً فيه دعابة وفكاهة ومزاح لا يخل بدين ولا مروءة؟ فهذا مِمَّا ينبغي أن يعاب به شخص، ولم يخل عصر من العصور من علماء أجلاء كانت فيهم دعابة وخفة روح. مُزَاحُ أَبِي هُرَيْرَةَ مُزَاحٌ عَالٍ مُفِيدٍ وَذِكْرُ أَمْثِلَةٍ مِنْهُ: ومِمَّا ينبغي أن يعلم أن المزاح نوعان: ١ - نوع ساقط مبني على المجازفة وعدم التقدير لما يقول، وهو الذي يخل بالصدق والأمانة، ولم يكن عند أبي هريرة منه شيء والحمد لله.

стр. 107

٢ - ونوع عال طريف لا إسفاف فيه ولا إيذاء لأحد، وأكثره من المعاريض التي تدعو إلى إعمال الفكر والروية، وتبين مقدار الذكاء والفطنة وهذا مقبول، وهو ما أثر عن النَّبِيِّ ﷺ وبعض صحابته الكرام، وفي الحديث الشريف: «إِنِّي أَمْزَحُ وَلاَ أَقُولُ إِِلاَّ حَقًّا»، وإذا تأملت في القصة التي ذكرها الحافظ في " الإصابة " تجد أنها لا تخرج عن هذا النوع، وما أفتى به أبو هريرة الرجل هو ما جاء في الحديث الصحيح عن النَّبِيِّ ﷺ : «مَنْ نَسِيَ وَهُوَ صَائِمٌ فَأَكَلَ أَوْ شَرِبَ، فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ، فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللَّهُ وَسَقَاهُ»، رواه البخاري. وهاك مثالا آخر من تظرف أبي هريرة، لنرى أن مزاحه ما كان يخلو عن علم وحكمة، روي أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ كَانَ فِي سَفَرٍ (١)، فَلَمَّا نَزَلُوا وَضَعُوا السُّفْرَةُ وَبَعَثُوا إِلَيْهِ وَهُوَ يُصَلِّي فَقَالَ: إِنِّي صَائِمٌ فَمَا كَادُوا يَفْرُغُونَ حَتّى جَاءَ فَجَعَلَ يَأْكُلُ الطَّعَامَ فَنَظَرَ الْقَوْمُ إِلَى رَسُولِهِمْ فَقَالَ: مَا تَنْظُرُونَ؟ قَدْ - وَاللَّهِ - أَخْبَرَنِي أَنَّهُ صَائِمٌ، فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: صَدَقَ، إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «صَوْمُ رَمَضَانَ، وَصَوْمُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ صَوْمُ الدَّهْرِ»، وَقَدْ صُمْتُ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ مِنْ أَوَّلِ الشَّهْرِ فَأَنَا مُفْطِرٌ فِي تَخْفِيفِ اللَّهِ َصَائِمٌ فِي تَضْعِيفِ اللَّهِ. فانظر إلى هذا المزاح العالي وقد وصل به إلى غرضين شريفين: أحدهما أن يتركوه يتم ما يريد، الثاني إفادتهم هذا الحُكْم الشرعي وتعليمهم هداية من هدايات رسول رب العالمين، بهذا الإسلوب المشوق البارع، فأي تفاهة في هذا؟ بل أي هذر وباطل في هذا؟ ومثل ثالث: وهو ما نقله المؤلف قال: أخرج أبو نعيم في الحِلْيَةِ عن ثعلبة بن [أبي] مالك القرظي قال: أقبل أبو هريرة في السوق يحمل حزمة حطب وهو يومئذ خليفة لمروان على المدينة فقال: «أَوْسِعِ الطَّرِيقَ لِلأَمِيرِ يَا ابْنَ [أَبِي] مَالِكٍ، فَقُلْتُ: يَكْفِي هَذَا، فَقَالَ: أَوْسِعِ الطَّرِيقَ لِلأَمِيرِ وَالْحِزْمَةُ عَلَيْهِ!!» فهل يقتضي هذا أن يكون «مَزَّاحًا مِهْذَارًا»؟ وهل قال الرجل إِلاَّ الصدق؟ أليس نائب الأمير أميرًا؟ وألم يكن يحمل حزمة الحطب؟ ثم أليس حمله حزمة الحطب من التواضع الجم؟ وسائر ما ذكره أَبُو رَيَّةَ للتدليل على دعواه الفاجرة مزاعم واتهامات لا أساس لها من الصحة، ولا

стр. 108

سلف له فيما افتجره وافتراه إِلاَّ النَظَّامُ ومن على شاكلته من المُبَشِّرِينَ والمُسْتَشْرِقِينَ، فهو لم يزد عن كونه بُوقًا يُرَدِّدُ كلام الطاعنين من غير أن يحتكم إلى قواعد البحث المستقيم والنقد النزيه. تَجَنِّيهِ عَلَى أَبِي هُرَيْرَةَ بِاخْتِلاَقِ الأَحَادِيثِ: في [ص ١٦٤] قال: إنه يعني أبا هريرة كان يسوغ كثرة الرواية عن النَّبِي ﷺ ما دام لا يُحِلُّ حَرَامًا وَلاَ يُحَرِّمُ حَلاَلاً، وأنه أيد صنيعه هذا بأحاديث رفعها إلى النَّبِيِّ ﷺ وذكر جملة من الأحاديث، منها ما هو غير موضوع وذلك مثل حديث: «إِذَا لَمْ تُحِلُّوا حَرَامًا، وَلَمْ تُحَرِّمُوا حَلاَلاً، وَأَصَبْتُمُ الْمَعْنَى فَلاَ بَأْسَ» ومنها ما هو موضوع وذلك مثل حديث «إِذَا حَدَّثْتُمْ بِحَدِيثٍ يُوَافِقُ الْحَقَّ فَخُذُوا بِهِ حَدَّثْتُ بِهِ أَوْ لَمْ أُحَدِّثْ». وللجواب عن ذلك نقول: [أ] إنَّ حديث «إِذَا لَمْ تُحِلُّوا حَرَامًا» ليس بموضوع كما بَيَّنْتُ ذلك سابقًا وأيضًا فالحديث ليس مَرْوِيًّا عن أبي هريرة، وإنما هو عن عبد الله بن أكيمة الليثي، والمؤلف نفسه نقل عن كتاب " توجيه النظر " أنه من رواية عبد الله هذا وذكر هذا في كتابه [ص ٥٦] ولا أدري لِمَ عَدَلَ المؤلف عما نقله أولاً وهو الصحيح إلى غير الصحيح وهو أنه من رواية أبي هريرة؟ ولا أعلم سَبَبًا لذلك إِلاَّ أنه يكتب ما يكتب وهو غير متثبت، وأن تحامله على أبي هريرة أعماه عن الحق وأوقعه في الباطل، والحق أبلج والباطل لجلج. أما الأحاديث التي ذكرها بعد هذا الحديث فهي موضوعة ولا ريب كما قلت آنِفًا. [ب] إن المؤلف يتوهم أن الحديث ما دام روي عن أبي هريرة وهو موضوع أن يكون واضعه أبو هريرة، وَهُوَ وَاهِمٌ فِي وَهْمِهِ فما من حديث موضوع إِلاَّ وواضعه أسنده إلى الصحابي عن رسول الله، فلو أن ما تَوَهَّمَهُ المؤلف كان صحيحًا لكان

стр. 109

كل حديث موضوع روي عن صحابي أو تابعي يكون من وضع هذا الصحابي أو التابعي، وهذا إِنْ دَلَّ على شيء فإنما يدل على ضحولة في البحث وسطحية في العلم وقصر في النظر، وقد استولى هذا الوهم على المؤلف فمن ثم ألصق الكثير من الأحاديث الموضوعة بأبي هريرة وغيره من الصحابة وزعم أنها من اختلاقهم، وفي الحق أن الصحابة بُرَءَاءُ من هذه الأحاديث الموضوعة، وأن الاختلاق والوضع إنما جاء من بعدهم. وقد قَيَّضَ اللهُ لهذه الموضوعات من هذه جهابذة الحديث وصيارفته مَنْ نَبَّهَ إلى زيف هذه الأحاديث وأبان عن عِلَّتِهَا، ولما قيل لسفيان هذه الأحاديث الموضوعة فقال: «تَعِيشُ لَهَا الجَهَابِذَةُ». ومثل هذا الوهم ما توهمه حينما عرض لكعب الأحبار، فقد جعل كل ما رُوِيَ عنه من وضعه واختلاقه مع أن هذا ليس بلازم، فقد يكون الوضع مِمَّنْ جاء بعده من الوَضَّاعِينَ، ومن ثم وقع المؤلف في أخطاء كثيرة وجانبه الحق والصواب في جل ما كتب. زَعْمُهُ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ مُدَلِّسٌ: في [ص ١٦٤] ذكر اَيْضًا أن أبا هريرة كان يدلس ثم شرح معنى التدليس وحكمه ... الخ ما قال. والجواب: إن الكثرة الكاثرة من العلماء على خلاف هذا، وأن أبا هريرة بريء من وصمة التدليس بجميع أنواعه، وإنما قال هذا فئة قليلة جِدًّا منهم شُعْبَةُ والذين ذهبوا إلى هذا لم يريدوا التدليس بالمعنى المعروف عند المُحَدِّثِينَ (١)، وهو المذموم، وإنما

стр. 110

أرادوا معنى آخر، وإليك مقالة شُعْبَة، قال يزيد بن هارون سمعت شعبة يقول: «أَبُو هُرَيْرَةَ كَانَ يُدَلِّسُ، أَيْ يَرْوِي مَا سَمِعَهُ مِنْ كَعْبٍ وَمَا سَمِعَهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَلاَ يُمَيِّزُ هَذَا مِنْ هَذَا». وروى الأعمش عن إبراهيم يعني النخعي قال: «مَا كَانُوا يَأْخُذُونَ بِكُلِّ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ». وكلام شعبة ظاهر في أنه لم يرد التدليس بمعناه المعروف عند المُحَدِّثِينَ، وإنما أراد شيئًا آخر اعتبره هو تدليسًا وليس به، قال ابن كثير في " بدايته ": «وَقَدِ انْتَصَرَ ابْنُ عَسَاكِرَ لأَبِي هُرَيْرَةَ وَرَدَّ [هَذَا الَّذِي] قَالَهُ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ». وَقَالَ: «[وَقَدْ قَالَ مَا قَالَهُ] إِبْرَاهِيمُ طَائِفَةٌ مِنَ الْكُوفِيِّينَ، وَالجُمْهُورُ عَلَى خِلاَفِهِمْ». ثم نقل المؤلف قول ابن كثير: وكأن شعبة يشير بهذا إلى حديث «مَنْ أَصْبَحَ جُنُبًا، فَلاَ صِيَامَ لَهُ» فإنه لما حُوقِقَ عليه قال: «أَخْبَرَنِيهِ مُخْبِرٌ وَلَمْ أَسْمَعْهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ» وإني لأقول: وغاية هذا أنه كان يروي عن بعض الصحابة عن رسول الله ولم يذكرهم وهذا هو ما يسمى في اصطلاح المُحَدِّثِينَ مُرْسَلُ الصَّحَابِي وهو حُجَّةٌ باتفاق الأئمة، لأن الغالب أن الصحابي لا يروي إِلاَّ عن صحابي، والصحابة كلهم عدول. وقد ساق المؤلف للتدليل على دعواه ما رواه " مسلم " عن بُسْرٍ (*) «اتَّقُوا اللهَ، وَتَحَفَّظُوا [مِنَ] الحَدِيثِ، فَوَاللهِ لَقَدْ رَأَيْتُنَا نُجَالِسُ أَبَا هُرَيْرَةَ، فَيُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَيُحَدِّثُنَا عَنْ كَعْبٍ (الأحبار)، ثُمَّ يَقُومُ، فَأَسْمَعُ بَعْضَ مَنْ كَانَ مَعَنَا يَجْعَلُ حَدِيثَ رَسُولِ اللهِ عَنْ كَعْبٍ، وَيَجْعَلُ حَدِيْثَ كَعْبٍ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ »، فَاتَّقُوا اللهَ، وَتَحَفَّظُوا [مِنَ] الحَدِيثِ. وهذه الرواية ترد دعواه، لأنها صريحة في تبرئة ساحة أبي هريرة، وأن ما حدث من الخلط بين الكلامين إنما هو مِمَّنْ سمع منه، وماذا يصنع أبو هريرة في خطأ من يسمع عنه، والله لم يعط لأي بشر ولو كان نبيا أن يتحكم في أسماع الناس وأفهامهم، وما ذنب أبي هريرة في هذا، وقد ذكرني صنيع أَبِي رَيَّةَ وتجنيه على أبي هريرة قول القائل:

стр. 111

غَيْرِي جَنَى وَأَنَا المُعَذَّبُ فِيكُمُو * ... * ... * فَكَأَنَّنِي سَبَّابَةُ المُتَنَدِّمُ زَعْمُهُ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ أَوَّلُ رَاوِيَةِ اتُّهِمَ فِي الإِسْلاَمِ: في [ص ١٦٦] ذكر تحت عنوان: «أول راوية اتُّهِمَ في الإسلام»: أنَّ أبا هريرة اتهمه الصحابة وأنكروا عليه، وكانت عائشة أشدهم إنكارًا عليه لتطاول الأيام بها وبه .... وأن مِمَّنْ اتهم أبا هريرة بالكذب عمر وعثمان وَعَلِيٌّ، وبالغ في التَجَنِّي والكذب فزعم أن عَلِيًّا كان سَيِّئَ القول فيه وقال عنه: ألا إنه أكذب الناس أو قال: أكذب الأحياء على رسول الله لأبو هريرة (كذا) ولما سمعه يقول: حدثني قال: متى كان النَّبِي خليلك؟. تَصَيُّدُهُ رِوَايَاتٍ زَعَمَ أَنَّهَا تَشْهَدُ لَهُ فِي مَزَاعِمِهِ: ثم شرع يتصيد من كلام النظام ومن عَلَى شاكلته ما زعم أنه يشهد له فمن ذلك: [أ] أنه روى حديث «مَنْ أَصْبَحَ جُنُبًا فَلاَ صَوْمَ عَلَيْهِ» أنكرت عليه عائشة هذا الحديث فقالت: «إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ كَانَ يُدْرِكُهُ الْفَجْرَ وَهُوَ جُنُبٌ مِنْ غَيْرِ احْتِلاَمٍ فَيَغْتَسِلُ وَيَصُومُ» وَبَعَثَتْ إليه أن لا يُحَدِّثُ بهذا الحديث عن رسول الله فلم يسعه إِلاَّ الإذعان ... وقال إنها أعلم مني وأنا لم أسمعه من النَّبِي وإنما سمعته من الفضل عن النَّبِي فاستشهد ميتا، وأوهم الناس أنه سمع الحديث من رسول الله. [ب] وأنه لما روى عن النَّبِي ﷺ : «مَتَى اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ فَلْيَغْسِلْ يَدَهُ قَبْلَ أَنْ يَضَعَهَا فِي الإِنَاءِ فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لاَ يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ» لم تأخذه به عائشة وقالت: «كَيْفَ نَصْنَعُ بِالْمِهْرَاسِ؟» (١). [ج] وأنه لما روى حديث «إِنَّ الطِّيَرَةَ فِي الدَّابَّةِ وَالْمَرْأَةِ وَالدَّارِ» قالت عائشة: كذب وأنكرت عليه وقالت: إنما قال رسول الله: إِنَّ أَهْلَ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ: إِنَّ الطِّيَرَةَ فِي الدَّابَّةِ وَالْمَرْأَةِ وَالدَّارِ، ثم قرأت: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ (٢).

стр. 112

[د] وأنه لما روى: «مَنْ غَسَّلَ مَيِّتًا، وَمَنْ حَمَلَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ» أنكر عليه ابن مسعود وَقَالَ فِيهِ قَوْلاً شَدِيدًا ثُمَّ قَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ لاَ تَنْجَسُوا مِنْ مَوْتَاكُمْ». [هـ] ولما روى حديث «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ رَكْعَتَيِ الفَجْرِ فَلْيَضْطَجِعْ عَلَى يَمِينِهِ» فَقَالَ لَهُ مَرْوَانُ: أَمَا يَكْفِي أَحَدَنَا مَمْشَاهُ إِلَى الْمَسْجِدِ حَتَّى يَضْطَجِعَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ ابْنَ عُمَرَ، فَقَالَ: «أَكْثَرَ أَبُو هُرَيْرَةَ». والجواب على ذلك: (أ) إن ما ذكره ليس من بنات أفكاره ولا من بحثه وإنما هو كلام قاله النَظَّامِ وأمثاله من أعداء المُحَدِّثِينَ، وقد عرض له العَلاَّمَةُ ابن قتيبة في " تأويل مختلف الحديث " ناقلاً وَمُزَيِّفًا لَهُ وَمُبَيِّنًا أن ذلك لا يطعن في الحديث ولا في المُحَدِّثِينَ، وصنيع المؤلف كما ذكرت من قبل يوهم القارئ الذي لا يعلم أنه من كلام ابن قتيبة حيث قال: «قال ابن قتيبة في " تأويل مختلف الحديث " .... » وفي الحق أن ابن قتيبة بريء من هذا براءة الذئب من دم ابن يعقوب، وطريقة المؤلف في هذا عارِيةَ عن الأمانة في النقل والدقة في البحث، وغاية ما وصل إليه التدليس، وكل ما ذكره من إكذاب عمر وعثمان وَعَلِيٍّ له، وأن عَلِيًّا كان سيئ الرأي فيه، فلا يعدو أن تكون دعاوى كاذبة مغرضة، وهذه كتب الثقات في تاريخ الصحابة لا تكاد تجد فيها شيئا مِمَّا زعم وَادَّعَى. بين يدي الرَدِّ: -------------- أما ما ذكره من روايات يزعم أنها تشهد له، فإليك مفصل الحق فيها، ولكني قبل أن أعرض للروايات بالتفصيل أقول: لا شك أن الصحابة - رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِمْ - كانوا يأخذون الحديث عن رسول الله ﷺ ولم يكونوا سواء في التفرغ للتلقي ولا في الملازمة ولا في الحفظ والذاكرة، فمن ثَمَّ تفاوتت مروياتهم قلة وكثرة، وكما كانوا يتلقون عنه بالذات كانوا يتلقون عنه بالوساطة عن صحابي آخر، وفي بعض الأحيان كان يراجع بعضهم بعضًا فيما يرويه، إما للتثبت والتأكد لأن الإنسان قد ينسى أو يسهو أو يغلط عن غير قصد، وإما لأنه ثبت عنده ما يخالفه أو ما يخصصه أو يقيده، أو لأنه يرى مخالفته لظاهر القرآن أو لظاهر ما حفظه من سُنَّةٍ إلى غير ذلك، فليس

стр. 113

من الإنصاف أن نتخذ من هذه المراجعة دليلاً على اتهام الصحابة بعضهم لبعض، وتكذيب بعضهم لبعض، إلى غير ذلك من الدعاوى الكاذبة التي يطنطن بها المُبَشِّرُونَ وَالمُسْتَشْرِقُونَ ومن تابعهم من الكُتَّابِ المعاصرين الذين جعلوا من أنفسهم أبواقًا لترديد كلامهم. والسيدة عائشة - رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا - كانت عاقلة عالمة، وكانت لا تقبل الشيء إِلاَّ بعد اقتناع، وكانت تستشكل بعض الروايات التي لم تسمعها من رسول الله ورواها غيرها، لأنها تعارض ما سمعته في ظنها أو تخالف ظاهر القرآن، فمن ثم كانت تراجع بعض الصحابة، فمراجعتها لأبي هريرة لا تدل على اتهامها له أو تكذيبها إياه، ألا ترى أنها استشكلت بل ردت بعض روايات رواها الفاروق عمر وابنه عبد الله، وعمر فقيه الصحابة وصاحب الموافقات، وأحد وزيري رسول الله، وثاني الخلفاء الراشدين، ولا يتطرق إلى ساحته تهمة أو زيف ريبة بإجماع منا ومن أعداء السنن والأحاديث، فقد روى البخاري ومسلم في " صحيحيهما " أن عمر ﵁ لما روى حديث: «إِنَّ المَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبَعْضِ بُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ»، فلما ذُكِرَ ذلك لعائشة قَالَتْ: رَحِمَ اللَّهُ عُمَرَ، لاَ وَاللَّهِ مَا حَدَّثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِهَذَا، وَلَكِنَّ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ يَزِيدُ الكَافِرَ عَذَابًا بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ» وقالت عائشة: «حَسْبُكُمُ القُرْآنُ ﴿وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾» (١). وفي " صحيح مسلم " اَيْضًا أنَّ ابن عمر لما روى «المَيِّتُ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ» فَقَالَتْ: فَقَالَتْ: رَحِمَ اللهُ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، سَمِعَ شَيْئًا فَلَمْ يَحْفَظْهُ، إِنَّمَا مَرَّتْ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ جَنَازَةُ يَهُودِيٍّ، وَهُمْ يَبْكُونَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: «أَنْتُمْ تَبْكُونَ، وَإِنَّهُ لَيُعَذَّبُ»، ولما روى ابن عمر أن النَّبِيَّ قام على قليب بدر، وفيه قتلى المشركين، فقال لهم: «إِنَّهُمْ لَيَسْمَعُونَ مَا أَقُولُ» فقالت: لَقَدْ وَهَلَ إِنَّمَا قَالَ: «إِنَّهُمْ لَيَعْلَمُونَ أَنَّ مَا كُنْتُ أَقُولُ لَهُمْ حَقٌّ» ثُمَّ قَرَأَتْ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ (٢) فها أنت ذا ترى أنها في رَدِّهَا رواية عمر وابنه استندت إلى ظاهر القرآن وذلك بحسب اجتهادها، ولا شك أن الرواية إذا ثبتت عن النَّبِيِّ ﷺ فهي مقدمة على اجتهاد الصحابى مهما بلغ من العلم والفقه، فهل تعتبر مراجعتها لعمر وابنه - رَضِيَ

стр. 114

اللهُ عَنْهُمَا - اتِّهَامًا أَوْ تَكْذِيبًا؟ اللَّهُمَّ لاَ، وليس أدل على هذا من أنها قالت كما ورد في " صحيح مسلم ": «يَغْفِرُ اللَّهُ لأَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَمَا إِنَّهُ لَمْ يَكْذِبْ، وَلَكِنَّهُ نَسِيَ أَوْ أَخْطَأَ». وفي " الصحيح " اَيْضًا أنها قالت: - لما بلغها قول عمر وابنه -: «إِنَّكُمْ لَتُحَدِّثُونِّي عَنْ غَيْرِ كَاذِبَيْنِ، وَلاَ مُكَذَّبَيْنِ، وَلَكِنَّ السَّمْعَ يُخْطِئُ» (١) فهل هناك شيء أصرح في الدلالة على أن مراجعة الصحابي لآخر لا تعتبر اتهامًا ولا تكذيبًا من قول عائشة هذا؟؟ ولماذا اعتبرتم يا قوم مراجعتها لأبي هريرة اتهامًا ولم تعتبروا مراجعتها لعمر وابنه اتهامًا؟ أفيدونا يا أصحاب المنطق السليم. ولنأخذ في بيان الحق فيما عرض له من أحاديث: الرَدِّ التفصيلي: [أ] أما حديث «مَنْ أَصْبَحَ جُنُبًا فَلاَ صَوْمَ لَهُ» وإنكار عائشة عليه فتواه بهذا فليس فيه ما يخل بعدالة أبي هريرة، ولا ما يطعن في أمانته إذ كل ما فيه أنه كان يفتي على حسب ما علم، وهو ما رواه له الفضل عن النَّبِي ﷺ والظاهر أن هذا الحُكْمَ كان في مبدأ الإسلام فقد كان الرجل إذا صلى العشاء أو نام حرم عليه الأكل والشرب والجماع حتى يصبح، ثم اقتضت رحمة الله التخفيف على الأُمَّةِ بإحلال الأكل والشرب والجماع إلى طلوع الفجر بقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ ... ﴾ (٢). الآية، وإليك ما قاله العلماء وَالمُحَقِّقُونَ المُتَثَبِّتُونَ، قال الحافظ في " الفتح " (٣): «وَذَكَرَ اِبْن خُزَيْمَةَ أَنَّ بَعْضَ الْعُلَمَاء تَوَهَّمَ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَة غَلِطَ فِي هَذَا الحَدِيث ثُمَّ رَدَّ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ لَمْ يَغْلَطْ بَلْ أَحَالَ عَلَى رِوَايَة صَادِقٍ، إِلاَّ أَنَّ الْخَبَر مَنْسُوخ، لأَنَّ اللَّه تَعَالَى عِنْد اِبْتِدَاء فَرْضِ الصِّيَام كَانَ مَنَعَ فِي لَيْل الصَّوْم مِنْ الأَكْل وَالشُّرْب وَالجِمَاع بَعْد النَّوْم، قَالَ: فَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون خَبَر الفَضْل كَانَ حِينَئِذٍ ثُمَّ أَبَاحَ اللَّهُ ذَلِكَ كُلِّهِ إِلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ فَكَانَ لِلْمُجَامِعِ أَنْ يَسْتَمِرَّ إِلَى طُلُوعِهِ فَيَلْزَمَ أَنْ يَقَعَ اِغْتِسَالهُ بَعْد طُلُوعِ الْفَجْرِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ حَدِيثَ عَائِشَةَ نَاسِخٌ لِحَدِيثِ الْفَضْلِ وَلَمْ يَبْلُغْ الفَضْلَ وَلاَ أَبَا هُرَيْرَة النَّاسِخُ فَاسْتَمَرَّ أَبُو هُرَيْرَة عَلَى

стр. 115

الْفُتْيَا بِهِ، ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ بَعْد ذَلِكَ لَمَّا بَلَغَهُ ... وَإِلَى دَعْوَى النَّسْخ [فِيهِ] ذَهَبَ اِبْن الْمُنْذِرِ وَالخَطَّابِيُّ وَغَيْر وَاحِد» فأبو هريرة كان يفتي حتى علم الناسخ فرجع عنه، وتلك - لعمر الحق - فضيلة، قال الحافظ في " الفتح ": وَفِيهِ [فَضِيلَة] لأَبِي هُرَيْرَة لاعْتِرَافِهِ بِالْحَقِّ وَرُجُوعه إِلَيْهِ. وَفِيهِ اِسْتِعْمَال السَّلَف مِنْ الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ الإِرْسَال عَنْ الْعُدُول مِنْ غَيْر نَكِير بَيْنهمْ لأَنَّ أَبَا هُرَيْرَة اِعْتَرَفَ بِأَنَّهُ لَمْ يَسْمَع هَذَا الْحَدِيث مِنْ النَّبِيِّ ﷺ مَعَ أَنَّهُ كَانَ يُمْكِنهُ أَنْ يَرْوِيَهُ عَنْهُ بِلاَ وَاسِطَة وَإِنَّمَا بَيْنهَا لِمَا وَقَعَ مِنْ الاِخْتِلاَف». فانظر يا أخي كيف جعل الطاعنون الفضيلة رذيلة. [ب] وأما حديث «إِذَا (لا مَتَى كما نقل المؤلف) اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ فَلْيَغْسِلْ يَدَهُ فَلْيَغْسِلْ يَدَهُ قَبْلَ أَنْ يَضَعَهَا فِي الإِنَاءِ فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لاَ يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ» وأن عائشة لم تأخذ به وقالت «كَيْفَ نَصْنَعُ بِالْمِهْرَاسِ»، فإليك الجواب عنه: إن هذا الحديث رواه " البخاري " و" مسلم " (١) عن أبي هريرة من طرق عدة ورواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه قال الترمذي: «وَفِي الْبَابِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَجَابِرٍ، وَعَائِشَةَ» كما روي من فعله ﷺ عن علي وعثمان وجبير بن نفير، فالحديث ثابت عن أبي هريرة وغيره من قول الرسول وفعله وغير معقول إنكار عائشة على أبي هريرة وهي من رواته، فمن ثم سقط ما هدف إليه من تجريح أبي هريرة واتهامه له بالكذب. وهذا الكلام وأمثاله إنما يذكر في كتب الأصول وما شابهها وهذه الكتب ليست بِحُجَّةٍ في الحديث ولا تحرير ألفاظه، ولكن الطاعن حاطب ليل ولا شأن له بالتحقيق، وقد نَبَّهَ شَارِحُ " مسلم الثبوت " الشيخ اللكنوي إلى أن هذا الإنكار لم يثبت عن عائشة ولا ابن عباس، وإنما هو من رجل يُقَالُ له قين الأشجعي وفي صحبته خلاف، وفي " الإصابة " (٢): «قين الأشجعي تابعي من أصحاب عبد الله بن

стр. 116

مسعود جرت بينه وبين أبي هريرة قصة» ثم ذكر رواية أبي هريرة وقول قين له: «فَإِذَا جِئْنَا مِهْرَاسَكُمْ هَذَا فَكَيْفَ نَصْنَعُ بِهِ؟». ثم ألا يجوز أن يكون قين يريد الاستفسار ولا يريد الاستشكال والإنكار، وهذا هو الذي ينبغي أن يحمل عليه حال الرجل المسلم، ولو سلمنا أنه يريد الإنكار فإنكار التابعي على الصحابي لاَ يُعَوَّلُ عَلَيْهِ ولا يقدح في عدالته. [ج] وأما حديث «إِنَّمَا الطِّيَرَةُ فِي الْمَرْأَةِ وَالدَّابَّةِ وَالدَّارِ» فإليك وجه الحق فيه. دَخَلَ رَجُلاَنِ مِنْ بَنِي عَامِرٍ عَلَى عَائِشَةَ فَأَخْبَرَاهَا أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ يُحَدِّثُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " الطِّيَرَةُ فِي الدَّارِ، وَالْمَرْأَةِ، وَالْفَرَسِ " فَغَضِبَتْ فَطَارَتْ شِقَّةٌ مِنْهَا فِي السَّمَاءِ، وَشِقَّةٌ فِي الأَرْضِ، وَقَالَتْ: وَالَّذِي أَنْزَلَ الْفُرْقَانَ عَلَى مُحَمَّدٍ مَا قَالَهَا. ١) هذا الحديث رواه أحمد وابن خزيمة والحاكم من طريق قتادة عن أبي حسان: «أَنَّ رَجُلَيْنِ مِنْ بَنِي عَامِرٍ دَخَلاَ عَلَى عَائِشَةَ فَقَالاَ: إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «الطِّيَرَةُ فِي الْفَرَسِ وَالْمَرْأَةِ وَالدَّارِ» فَغَضِبَتْ غضبًا شديدًا وَقَالَتْ: مَا قَالَهُ، وَإِنَّمَا قَالَ: «إِنَّ أَهْلَ الجَاهِلِيَّةِ كَانُوا يِتَطَيَّرُونَ مِنْ ذَلِكَ»، فأنت ترى أن الرواية بلفظ (مَا قَالَهُ) وأن عائشة لم تقل كذب، وإنما هي مِمَّنْ اخترعها وهو النَظَّامُ ومشايعوه، ومنهم المؤلف الذي أخذ على نفسه التَجَنِّي على أبي هريرة ورميه بِالسَّيِّءِ من القول. ونحن نعلم أن عائشة ﵂ كثيرًا ما كانت تَرُدُّ على الصحابة اعتمادًا على ظاهر القرآن، فقد استندت في إنكارها إلى قوله سبحانه: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ﴾ (١). الآية» ولقد قالت هذه المقالة في مراجعتها لعمر وابنه، فلماذا اعتبر الطاعنون هذا القول في حق أبي هريرة تكذيبًا له، ولم يعتبروها في حق عمر؟. ٢) إن هذا الحديث رُوِيَ عن غير أبي هريرة من الصحابة، فقد رواه البخاري في " صحيحه " عن ابن عمر، وسهل بن سعد الساعدي، ورواه مسلم في " صحيحه " عنهما اَيْضًا (٢)، وعن جابر بن عبد الله، فإنكار عائشة على أبي هريرة لا يتجه بعد موافقة هؤلاء الصحابة له، قال الحافظ في " الفتح ": «وَلاَ مَعْنَى لإِنْكَار ذَلِكَ عَلَى أَبِي

стр. 117

هُرَيْرَة مَعَ مُوَافَقَةِ مَنْ ذَكَرْنَا مِنْ اَلصَّحَابَةِ لَهُ». وهكذا نرى أن المؤلف لم يكن أمينًا فيما نقل ولا تَحَرَّى الحق والصواب. [د] وأما ما ذكره من أن ابن مسعود أنكر عليه قوله: «مَنْ غَسَّلَ مَيِّتًا، وَمَنْ حَمَلَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ» وقال فيه قَوْلاً شَدِيدًا. فالجواب عليه نقول: ١ - نص الحديث كما في " منتقى الأخبار " (١) عن أبي هريرة ﵁ عن النَّبِي ﷺ : «مَنْ غَسَّلَ مَيِّتًا فَلْيَغْتَسِلْ، وَمَنْ حَمَلَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ» قال: رواه الخمسة، ولم يذكر ابن ماجه الوضوء، ورواه الترمذي بسنده عن أبي هريرة مرفوعًا بلفظ: «مِنْ غُسْلِهِ الغُسْلُ، وَمِنْ حَمْلِهِ الوُضُوءُ» يعني الميت قال: وفي الباب عن علي وعائشة قال أبو عيسى: حديث حسن، فالحديث خَرَّجَهُ غير واحد من أئمة الحديث، كما أنه لم ينفرد به أبو هريرة، مِمَّا ينفي التهمة عنه، وقد صَحَّحَ ابن أبي حاتم عن أبيه أن وقفه على أبي هريرة أصح، وسواء أكان الحديث مرفوعًا أو موقوفًا فلم يذكر أحد من المُخَرِّجِينَ له إنكار ابن مسعود ولا غيره من الصحابة عليه، نعم ذكر صاحب " مسلم الثبوت " الحديث بلفظ: «مَنْ حَمَلَ جَنَازَةً فَلْيَتَوَضَّأْ» وأن ابن عباس لم يأخذ به وقال: «لاَ يَلْزَمُنَا الوُضُوءُ مِنْ حَمْلِ عِيدَانٍ يَابِسَةٍ» وكتب الأصول لا يعتمد عليها في ثبوت الأحاديث والروايات. ٢ - إن الأدلة قد تعارضت في هذا الباب، فبينما نجد الترمذي وغيره من الأئمة روى هذا الحديث عن أبي هريرة وغيره من الصحابة نجد البخاري يخرج في " صحيحه " تعليقًا عن ابن عمر يخالفه فيقول: «وَحَنَّطَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ ابْنًا لِسَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ، وَحَمَلَهُ، وَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ» فمن ثم اختلف الصحابة ومن جاء بعدهم من العلماء في هذا، قال الإمام أبو عيسى الترمذي: «وَقَدْ اخْتَلَفَ أَهْلُ العِلْمِ فِي الَّذِي يُغَسِّلُ المَيِّتَ، فَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ وَغَيْرِهِمْ: " إِذَا غَسَّلَ مَيِّتًا فَعَلَيْهِ الغُسْلُ "، وقَالَ بَعْضُهُمْ: " عَلَيْهِ الوُضُوءُ "، وقَالَ مَالِكُ بْنُ

стр. 118

أَنَسٍ: " أَسْتَحِبُّ الغُسْلَ مِنْ غُسْلِ المَيِّتِ، وَلاَ أَرَى ذَلِكَ وَاجِبًا "، [وَهَكَذَا] قَالَ الشَّافِعِيُّ، وقَالَ أَحْمَدُ: " مَنْ غَسَّلَ مَيِّتًا أَرْجُو أَنْ لاَ يَجِبَ عَلَيْهِ الغُسْلُ، وَأَمَّا الوُضُوءُ فَأَقَلُّ مَا قِيلَ فِيهِ " وقَالَ إِسْحَاقُ: " لاَ بُدَّ مِنَ الوُضُوءِ "». وهكذا نجد أن المسألة محل اختلاف بين الأئمة، فمن قائل بالوجوب، ومن قائل بالندب، بل قال بعضهم: إن ما رواه أبو هريرة وغيره منسوخ، قال الحافظ في " الفتح ": «وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ بَعْدَ تَخْرِيجِهِ: هَذَا مَنْسُوخٌ، وَلَمْ يُبَيِّنْ نَاسِخَهُ». [هـ] وأما حديث «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ رَكْعَتَيِ الفَجْرِ فَلْيَضْطَجِعْ عَلَى يَمِينِهِ». فَقَالَ لَهُ مَرْوَانُ: «أَمَا يَكْفِي أَحَدَنَا مَمْشَاهُ إِلَى الْمَسْجِدِ حَتَّى يَضْطَجِعَ»، فَبَلَغَ ذَلِكَ ابْنَ عُمَرَ، فَقَالَ: «أَكْثَرَ أَبُو هُرَيْرَةَ». والقصة كما في " الإصابة " - فَقِيلَ لابْنِ عُمَرَ: هَلْ تُنْكِرُ مِمَّا يَقُولُ شَيْئًا قَالَ: «لاَ، وَلَكِنَّهُ أَجْرَأَ (١)، وَجَبُنَّا»، فَبَلَغَ ذَلِكَ أَبَا هُرَيْرَةَ، فَقَالَ: «مَا ذَنْبِي إِنْ كُنْتُ حَفِظْتُ وَنَسَوْا» وفي " الإصابة " اَيْضًا: وأخرج البغوي بسند جيد عن الوليد بن عبد الرحمن عن ابن عمر أنه قال لأبي هريرة: «إِنْ كُنْتَ لأَلْزَمَنَا لِرَسُولِ اللهِ ﷺ وَأَعْلَمَنَا بِحَدِيثِهِ». والجواب: ---------- أن هذا الحديث ثابت صحيح فقد رواه أبو داود والترمذي بأسانيد صحيحة، قال الترمذي: «حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ». ولا يضرنا إنكار من أنكره ومن هو مروان حتى يأخذ بقوله في رَدِّ حديث صحيح؟ أو يؤثر قوله في عدالة أبي هريرة وأمانته والثقة به؟ ثم ما رأى الطاعنين في أبي هريرة في أنه لم ينفرد بروايته؟ فقد روته عن النَّبِيِّ ﷺ السيدة العالمة عائشة ﵂ وهي بإجماع منا ومنهم غير متهمة فيما تروي، وروايتها ثابتة في " صحيحي البخاري ومسلم "، وإنكار من أنكر الاضطجاع بعد ركعتي الفجر، إما لأن الحديث لم يبلغه، وإما إنكار للوجوب أو الاستحباب قال الحافظ في " الفتح " ج ٣ ص ٣٣: «وَأَمَّا إِنْكَار اِبْن مَسْعُود الاِضْطِجَاع، وَقَوْل إِبْرَاهِيم النَّخَعِيِّ: "هِيَ ضِجْعَة الشَّيْطَان " كَمَا أَخْرَجَهُمَا اِبْن أَبِي شَيْبَةَ، فَهُوَ مَحْمُولٌ

стр. 119

عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَبْلُغهُمَا الأَمْرُ بِفِعْلِهِ، وَكَلاَم اِبْن مَسْعُود يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ إِنَّمَا أَنْكَرَ تَحَتُّمَهُ ... وَكَذَا مَا حُكِيَ عَنْ اِبْن عُمَرَ أَنَّهُ بِدْعَةٌ فَإِنَّهُ شَذَّ بِذَلِكَ، حَتَّى رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ أَمَرَ بِحَصْبِ مَنْ اِضْطَجَعَ» وإنكاره للاضطجاع إنما هو في المسجد ... والظاهر أن الأمر بالاضطجاع إنما هو على سبيل الاستحباب لا الوجوب كما ذهب إليه ابن حزم ... «وَحَمَلُوا الأَمْر الوَارِد بِذَلِكَ فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة عِنْد أَبِي دَاوُدَ وَغَيْره عَلَى الاِسْتِحْبَاب». وأيا كان الأمر فالإنكار لا يدل على الكذب ولا التهمة به ولا على الطعن في عدالة الراوي، أما قول ابن عمر: «أَكْثَرَ أَبُو هُرَيْرَةَ» فليس فيه تهمة ولا طعن، ولو أن المؤلف ذكر النص كله - كما نقلته عن " الإصابة " - لزال كُلُّ وَهْمٍ ولألقمه حَجَرًا، ولسد عليه طريق التهمة. افْتِرَاءَاتٌ عَلَى العُلَمَاءِ كَيْ يُثْبِتَ تَجْرِيحَ أَبِي هُرَيْرَةَ: في ص [١٦٩] قال: وقد امتد الإنكار عليه واتهامه في رواياته إلى من بعد الصحابة من التابعين وغيرهم، ثم أخذ يدلل على هذه الدعوى الكاذبة بنقول أغلب الظن أنها مُلَفَّقَةٌ وغير صحيحة فنقل عن الإمام أبي حنيفة وعن إبراهيم النخعي (١) وعن الأعمش بل وعن أبي جعفر الإسكافي وعن ابن الأثير صاحب كتاب " المثل السائر " إلى أن قال: وجرت مسألة المُصَرَّاةِ في مجلس الرشيد فتنازع القوم فيها وعلت أصواتهم فاحتج بعضهم بالحديث الذي رواه أبو هريرة (٢) فَرَدَّ بعضهم الحديث وقال: أبو هريرة متهم فيما يرويه ونحا نحوه الرشيد. والجواب: ---------- أن ما نسبه إلى الإمام أبي حنيفة من أنه قال: الصحابة كلهم عدول ما عدا رجالا، وَعَدَّ منهم أبا هريرة وأنس بن مالك، فهو كلام لم يعزه إلى كتاب موثوق به، ولم يبرز لنا سنده حتى ننقده، ونبين مبلغه من الصحة أو الضعف وأنا أقطع

стр. 120

بكذب ما روي عن أبي حنيفة، ثم هو معارض بما ثبت عن الإمام أبي حنيفة أنه قال: «مَاجَاءَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَعَلَى الرَّأْسِ وَالعَيْنِ» وهي عبارة عامة تدل على قبول ما جاء عنه سواء رواه أبو هريرة أم غيره. وكون الصحابة كلهم عدولاً لم يخالف فيه أحد من الأئمة الأربعة ولا من أصحابهم الموثوق بهم، وكل ما هنالك أن الحنفية جعلوا من أصولهم أن الراوي إن كان معروفًا بالفقه والاجتهاد فإنهم يقبلون خبره، سواء وافق القياس أم خالفه، وأما إذا كان معروفا بالرواية فإن وافق خبره القياس قُبِلَ، وكذا إذا خالف قياسًا ووافق قياسًا آخر، ولكن إذا خالف الأقيسة كلها لا يقبل وحجتهم في ذلك أن النقل بالمعنى كان مستفيضا فيهم، فإذا قصر فقه الراوي لم يؤمن من أن يذهب شيء من معانيه فيدخله شبهة زائدة يخلو عنها القياس، وَمَثَّلُوا بحديث المصراة، فقد قالوا: إنه مخالف للقياس الصحيح من كل وجه، لأن ضمان المتلفات إما بالمثل أو القيمة، والصاع من التمر ليس بمثل ولا قيمة وقالوا: إن ضمان المتلفات بالمثل أو القيمة ثابت بالكتاب وَالسُنَّةِ والإجماع إلى آخر ما قالوا (١) وبعضهم لم يأخذوا بالحديث لا لمخالفته للقياس، بل لمخالفته للكتاب وَالسُنَّةِ والإجماع، فمن ثم يَتَبَيَّنُ لنا أن الحنفية لما توقفوا في بعض أحاديث أبي هريرة لم يقولوا إن ذلك لطعن في عدالته أو لاتهامه بالكذب كما زعم المؤلف، الذي تجنى بسوء فهمه على الحنفية، وأظهرهم بمظهر التاركين للأحاديث الصحيحة، الطاعنين في بعض الصحابة، ولا سيما أبو هريرة وإنما كان توقفهم بناء على هذا الأصل من أصولهم. أَبُو هُرَيْرَةَ حَافِظٌ وَفَقِيهٌ: والحنفية محجوجون في هذا، فقد نقل عن كبار الصحابة أنهم تركوا القياس بخبر الواحد، والتفرقة بين الراوي الفقيه وغيره أمر مستحدث والذي عليه جماهير العلماء سلفًا وخلفًا أن خبر الواحد إذا ثبت مقدم على القياس، وأيضًا فكون أبي هريرة غير فقيه غير مُسَلَّمٍ لهم، فمعظم الصحابة ولا سيما المعروفون بالرواية كانوا

стр. 121

فقهاء علماء، وقد عَدَّهُ ابن حزم في فقهاء الصحابة، ونقل عنه الحافظ ابن حجر أنه في الطبقة الثانية من أهل الفتيا مع أبي بكر وعثمان وأبي موسى ومعاذ وسعد بن أبي وقاص وغيرهم (١)، وحديث أبي هريرة في المصراة صحيح غاية الصحة، وليس أدل على هذا من أن ابن مسعود - وهو مِمَّنْ قال الحنفية أنه فقيه - كان يفتي بوفق حديث أبي هريرة، ولهذا أورد البخاري بعد حديث أبي هريرة في المصراة حديث ابن مسعود وهو موقوف عليه، قال: «مَنْ اِشْتَرَى شَاةً مُحَفَّلَةً فَرَدَّهَا فَلْيَرُدَّ مَعَهَا صَاعًا» وهذا من فقه البخاري وَبُعْدِ نظره، وَمِمَّا ينبغي أن يعلم أن رَدَّ رواية الراوي غير الفقيه إذا خالفت القياس الجلي ليس أمرًا مُجْمَعًا عليه من الحنفية، وكذلك كون أبي هريرة ليس فيها مقالة لبعضهم، أما المُحَقِّقُونَ منهم فعلى خلاف هذا، وإليك ما قاله صاحب " عقود الجمان في مناقب أبي حنيفة النعمان " (٢) (*) قال في أثناء الرَدِّ على من زعم أن الإمام أبا حنيفة خالف بعض الأحاديث الثابتة عن رسول الله، وسرد وجوه الاعتذار عن ذلك. «الرَّابِعُ كَوْنُ رَاوِي الحَدِيْثِ غَيْرُ فَقِيْهٍ، وَهَذَا مَذْهَبُ عِيْسَىْ بْنُ أَبَانٍ، وَتَابَعَهُ كَثِيرٌ مِنَ المُتَأَخِّرِيَنَ، وَرَدُّوا بِذَلِكَ حَدِيثَ أُبَيِ هُرَيْرَةَ فِي المُصَرَّاةِ، وَقَالَ أَبُو الحَسَنِ الكَرْخِيُّ وَمَنْ تَابَعَهُ: لَيْسَ فِقْهَ الرَّاوِي شَرْطاً لِتَقْدِيمِ الخَبَرِ عَلَى القِيَاسِ، بَلْ يُقْبَلُ خَبَرُ كُلِّ عَدْلٍ ظَابِطٍ إِذَا لَمْ يَكُنْ مُخَالِفًا لِلْكِتَابِ أَوْ السُنَّةِ المَشْهُورَةِ وَيُقَدَّمُ عَلَى القِيَاسِ، قَالَ صَدْرُ الإِسْلاَمِ أَبُو اليُسْرِ: " وَإِلَيْهِ مَالَ أَكْثَرَ الْعُلَمَاءُ " وَبَسَطَ الكَلاَمَ عَلَى ذَلِكَ هُوَ وَصَاحِبٌ " التَّحْقِيقِ " بِمَا يُرَاجَعُ مِنْ كِتَابَيْهِمَا». قَالَ صَاحِبُ " التَّحْقِيقِ ": «وَقَدْ عَمِلَ أَصْحَابُنَا بِحَدِيثِ أَبِيْ هُرَيْرَةَ: " إِذَا أَكَلَ وَشَرِبَ نَاسِيًا " وَإِنْ كَانَ مُخَالِفًا لِلْقِيَاسِ، حَتَّىَ قَالَ الإِمَامُ أَبِوَ حَنِيفَةَ: " لَوْلاَ الْرِّوَايَةِ لَقُلْتُ بِالقِيَاسِ "، وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى - أَنَّهُ قَالَ: " مَاجَاءَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَعَلَى الرَّأْسِ وَالعَيْنِ "، وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ أَحَدٍ مِنْ السَّلَفِ اشْتِرَاطَ فِقْهِ الرَّاوِي فَثَبَتَ أَنَّهُ قَوْلُ مُحْدَثٍ».

стр. 122

وَقَالَ الإِمَامُ عّبْدُ الْعَزِيْزِ فِي " التَّحْقِيقِ ": «كَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ فَقِيْهًا وَلَمْ يَعْدَمْ شَيْئًا مِنْ أَسْبَابِ الاِجْتِهَادِ، وَقَدْ كَانَ يُفْتِيَ زَمَانَ الصَّحَابَةِ وَمَا كَانَ يُفْتِيَ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ إِلاَّ فَقِيهٌ، وَقَالَ الْشَّيْخُ مُحْيِي الدِّيْنُ القُرَشِيُّ صَاحِبُ " طَبَقَاتِ الحَنَفِيَّةِ " فِيْ آَخِرِ " طَبَقَاتِهِ ": " أَبُوْ هُرَيْرَةَ ﵁ مِنْ فُقَهَاءِ الصَّحَابَةِ " وَذَكَرَهُ ابْنُ حَزْمٍ فِيْ الفُقَهَاءِ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَقَدْ جَمَعَ شَيْخُنَا شَيْخُ الإِسْلاَمِ تَقِيُّ الدِّينِ السُّبْكِيُّ جُزْءًا فِي فَتَاوَى أَبِي هُرَيْرَةَ سَمِعْتُهُ مِنْهُ، وَأَجَابُوا عَنْ حَدِيثِ المُصَرََّاةِ بِأَشْيَاءَ أُخْرَى ذَكَرَ بَعْضُهَا القُرَشِيُّ فِي آخِرِ " طَبَقَاتِهِ "». ومهما يكن من شيء فليس في رَدِّ بعض الحنفية بعض مرويات أبي هريرة كحديث المصراة ما يطعن في روايته ولا ما يخل بعدالته، وأعتقد أن القارئ ليس في شك من هذا بعد هذا البيان الشافي، وليس أدل على أنهم لا يتهمونه ولا يطعنون في عدالته من أخذهم بكثير من مروياته كما تشهد بذلك كتبهم وهو أمر معروف مُسَلَّمٌ، قال الحافظ في " الفتح ": وَقَدْ تَرَكَ أَبُو حَنِيفَةُ القِيَاسَ الجَلِيَّ لِرِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَمْثَالِهِ كَمَا فِي الوُضُوءِ بِنَبِيذِ التَّمْرِ وَمِنَ الْقَهْقَهَةِ فِي الصَّلاَةِ وَغَيْر ذَلِكَ» وأما ما ذكره عن النَّخَعِيِّ قال: «كَانَ أَصْحَابُنَا يَدَعُونَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ» فلعل مراده - إِنْ صَحَّ - ما خالف من مروياته القِيَاسَ الجَلِيَّ كما هو مذهب الحنفية، وأما ما رواه عن أبي جعفر الإسكافي فلا يخرج عما نقله عن النظام وشيعته وكذلك ما ذكره عن صاحب " المثل السائر "، وعن تنازعهم في مسألة المصراة في مجلس الرشيد وأنه وافق من قال: أبو هريرة متهم في روايته، فكلام لا سند له ولا عزو، ومثل هذا لا نلقي به بالا ولعله من الافتراءات التي ألصقت بالرشيد - وما أكثرها -. اِعْتِمَادُ أَبِي رَيَّةَ فِي طُعُونِهِ عَلَى أَقْوَالِ المُسْتَشْرِقِينَ: وبعد كل هذا لم يجد المؤلف بدا من أن يستعلن بعد المداجاة والاستخفاء ويكشف لنا عن مصدره الذي أورده المهالك فينقل في ص ١٧١ ما قاله: جولدتسيهر المستشرق اليهودي في أبي هريرة، والوقوف من أحاديثه موقف الحذر، ورمى «شبرنجر» له بأنه «المتطرف في الاختلاق ورعا» .... إلى آخر ما قال.

стр. 123

وكلها فرى ظاهرة مكشوفة لم تقم عليها أثارة من علم وقد عرضت في ردي لكل ما ذكره، فكن على ذكر منه، ولا تعجب من هذا فإن أبا رية قد أخذ كلام «جولدتسيهر» ونفخ فيه ما شاء له هواه وجهالته بالحديث أن ينفخ حتى جعل من الحبة قبة، ومن الكذب سرابا يظنه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا، وقد ظهر لك أبو رية على حقيقته دعي متطاول سليط اللسان، وسارق بارع يسطو على أفكار الناس وآرائهم ويتبجح بها لنفسه. زَعْمُهُ أَنَّ كَعْبَ الأَحْبَارِ لَقَّنَ أَبَا هُرَيْرَةَ الأَخْبَارَ المُلَفَّقَةَ المَكْذُوبَةَ: ذكر في [ص ١٧٢] تحت عنوان «أخذه عن كعب الأحبار» أن علماء الحديث ذكروا في باب رواية الصحابة عن التابعين، أو رواية الأكابر عن الأصاغر: أن أبا هريرة والعبادلة ومعاوية وأنس وغيرهم رووا عن كعب الأحبار الذي أظهر الإسلام خداعا، وطوى قلبه على يهوديته، وأن أبا هريرة أول من انخدع به، وقد استغل كعب سذاجته فاستحوذ عليه ليلقنه كل ما يريد أن يبثه في الدين الإسلامي ولكي يُدَلِّلَ على ما قاله ذكر جملة من الروايات عن أبي هريرة مُبَيِّنًا أنها من الإسرائيليات التي أخذها أبو هريرة عن كعب ومقارنًا بين ما يرويه أبو هريرة، وما يقول كعب في بضع صفحات من كتابه. وإليك الجواب: أما ما يتعلق بكعب وأنه كان منافقًا يظهر الإسلام ويبطن اليهودية، فقد قدمت - في فصل سبق - الكلام عن كعب، وإني لَمْ أَرَ أَحَدًا رماه بهذا إِلاَّ ما كان من النَظَّامِ وَالمُسْتَشْرِقِينَ وذيلهم أَبِي رَيَّةَ، وأن علماء الجرح والتعديل لَمْ يُجَرِّحُوهُ على قرب عصرهم من عصره، وعلى ما رزقوا من علم وشفوف نظر في نقد الرجال ومعرفة الخفي من أحوالهم، وليس من العدل تجريح الناس بغير شُهُودٍ وَبَيِّنَةٍ، وأما رواية أبي هريرة وغيره كالعبادلة فليس بأمر جديد، وقد استوفى الإمام العراقي في " شرحه على مقدمة ابن الصلاح " ذكر الذين عرفوا من الصحابة بالرواية عن التابعين، ولسنا ننكر أن فيما روي عن كعب وغيره من علماء أهل الكتاب ما هو كذب في نفسه، وقد حَقَّقْتُ ذلك فيما سبق، ولكن علماء الحديث وَنُقَّادُهُ نقدوا كل هذا

стр. 124

وميزوا بين الصحيح والمعلول، والمقبول والمردود، وما هو موقوف على كعب من معارفه التي اكتسبها من كتب أهل الكتاب، وما وَهِمَ فيه بعض الرواة فرفعه إلى النَّبِيِّ - صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلاَمُهُ عَلَيْهِ - بحيث لم يدعوا زيادة لمستزيد ولا تَعْقِيبًا لِمُعَقِّبٍ، والذي ننكره على المؤلف أن يرمي أبا هريرة بأنه غر ساذج، وأن كعبًا استحوذ عليه حتى لقنه الكثير من الإسرائيليات واستبعاده أن يعرف أبو هريرة ما في التوراة وهو أُمِّيٌّ لا يقرأ ولا يكتب ولا أدري كيف غاب عن المؤلف أن العلم لا يتوقف على معرفة القراءة والكتابة، مع أن الكلمة المسموعة لا تقل عن الكلمة المقروءة رُسُوخًا في النفس؟ وماذا يقول المؤلف في بعض الأكفاء في القديم والحديث الذين حصلوا من العلوم والمعارف ما لم يحصله غيرهم من المبصرين القارئين الكاتبين؟ ومن البدهي أن الكفيف لا يقرأ ولا يكتب، ولكن يسمع من الغير. وهاك ما استشهد به على دعواه من أحاديث والجواب عنها: حديث «الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ثَوْرَانِ فِي النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ». قال في [ص ١٧٣]: روى البزار عن أبي هريرة أن النَّبِي ﷺ قال: «إنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ثَوْرَانِ فِي النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» فَقَالَ الحَسَنُ: " وَمَا ذَنْبَهُمَا؟ " فَقَالَ: " أُحَدِّثُكَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَتَقُولُ مَا ذَنْبَهُمَا؟ " وهذا الكلام قد قاله كعب بنصه، فقد روى أبو يعلى الموصلي قال كعب: «يُجَاءُ بِالشَّمْسِ وَالقَمَرِ يَوْمَ القِيَامَةِ كَأَنَّهُمَا ثَوْرَانِ عَقِيرَانِ فَيُقْذَفَانِ فِي جَهَنَّمَ يَرَاهُمَا مَنْ عَبَدَهُمَا» وذكر مرجعه " حياة الحيوان " للدميري. إن حديث البزار عن أبي هريرة ثابت، فقد ذكره الحافظ في " الفتح " (١)، وابن كثير في " تفسيره " (٢) وسكتا عنه، وناهيك بهما ناقدين بصيرين، وقد أخرج معناه الحافظ وأبو يعلى في " مسنده " من طريق يزيد الرقاش عن أنس وسنده فيه ضعف، وأخرجه الطيالسي مختصرًا، والذي أخرجه الإمام البخاري في " صحيحه " عن أبي هريرة مرفوعا ليس فيه أنهما ثوران عقيران ولا أنهما في النار، ولفظه: «الشَّمْسُ وَالقَمَرُ

стр. 125

مُكَوَّرَانِ يَوْمَ القِيَامَةِ» (١). ورواية البخاري صحيحة ولا شك، يؤيدها قول الحق ﵎: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ (٢). وليس في الحديث بعد ثبوته ما يشكل من جهة متنه. فإن قال قائل: وما ذنبهما حتى يعذبان؟ قلت: قد أجاب عن ذلك الإمام الخطابي فقال: «لَيْسَ المُرَادُ بِكَوْنِهِمَا فِي النَّارِ تَعْذِيبُهُما بِذَلِكَ، وَلَكِنَّهُ تَبْكِيْتٌ لِمَنْ كَانَ يَعْبُدُهُمَا فِي الدُّنْيَا لِيَعْلَمُوا أَنَّ عِبَادَتَهُمْ لَهُمْ كَانَتْ بَاطِلَةً» وليس من شك في أن جمع العابد والمعبود في النار غاية التوبيخ والسخرية والإيلام، وقال الإسماعيلي: «لاَ يَلْزَمُ مِنْ جَعْلِهِمَا فِي النَّارِ تَعْذِيبُهُما فَإِنَّ للهِ مَلاَئِكَةً وَحِجَارَةً وَغَيْرِهَا لِتَكُونَ لأَهْلِ النَّارِ عَذَابًا وَآلَةً مِنْ آلاَتِ العَذَابِ، وَمَا شَاءَ اللهُ مِنْ ذَلِكَ فَلاَ تَكُونُ هِيَ مُعَذَّبَةً». وإن قال قائل: وكيف يؤتى بالشمس والقمر ويكوران ويلقيان في النار والنار تضيق بالقمر فضلا عن الشمس، وهذا أمر يعلمه أهل الفلك وغيرهم؟ قلنا: إن ذلك سيكون يوم القيامة، وأحوال يوم القيامة لا تقاس على أحوال الدنيا، فستبدل الأرض غير الأرض والسماوات، وسيتغير نظام العالم الذي هو عليه اليوم، وشواهد ذلك من القرآن أكثر من أن تحصى، والله سبحانه الذي خلق هذه الأجرام قادر أن يُكَوِّرَ ما يشاء تكويره منها ويخسف ما يشاء من نورها وَيُصَغِّرَ ما هو كبير منها، ويكبر ما هو صغير منها، وهذا مِمَّا لا ينبغي أن يتشكك فيه مُوَحِّدٌ، أما الملحدون واللادينيون فللكلام معهم طريق آخر، ورواية كعب التي ذكرها لم أعثر عليها في كُتُبِ السُنَّةِ ولا التفسير وكتاب " حياة الحيوان " لاَ يُعَوَّلُ عليه في ثبوت الرواية، ولو سلمنا ثبوتها فهي لا تسعف المؤلف ولا تشهد لما قصد إليه من الطعن في أبي هريرة، لجواز أن يكون علم هذا من كتب أهل الكتاب، وليس كل ما فيها باطلاً ففيها الحق والباطل، والقرآن وَالسُنَّةُ الصحيحة هما الشاهدان على ما فيها من حق أو باطل

стр. 126

أو يكون علمه من أبي هريرة أو أنس، وليس تجويز أن أبا هريرة أخذه عن كعب ثم رفعه بأولى من تجويز أن يكون كعب أخذه منه، ولا سيما وقد جاء في القرآن ما يشهد لما رواه، وَسُنَّةُ النَّبِيِّ ﷺ شارحة للقرآن وَمُبَيِّنَةٌ لَهُ. اسْتِدْلاَلُ أَبِي رَيَّةَ بِحَدِيثٍ مَوْضُوعٍ فِي الطَّعْنِ فِي أَبِي هُرَيْرَةَ: قال في [ص ١٧٤] وروى الحاكم في " المستدرك " ورجاله رجال الصحيح عن أبي هريرة عن النَّبِيِّ ﷺ أنه قال: «إِنَّ اللَّهَ أَذِنَ لِي أَنْ أُحَدِّثَ عَنْ دِيكٍ رِجْلاَهُ فِي الأَرْضِ، وَعُنُقُهُ مَثْنِيَّةٌ تَحْتَ العَرْشِ وَهُوَ يَقُولُ: سُبْحَانَكَ مَا أَعْظَمَ شَأْنَكَ» قَالَ: «فَيَرُدُّ عَلَيْهِ مَا يَعْلَمُ ذَلِكَ مَنْ حَلَفَ بِي كَاذِبًا» قال: وهذا الحديث من قول كعب ونصه: إنَّ للهِ دِيكاً ... إلخ. والجواب: أنَّ متن هذا الحديث قد حكم عليه ابن الجوزي بالوضع وأحرى به أن يكون موضوعًا، والحاكم معروف بالتساهل في التصحيح، وَمِمَّا يدل على عدم ثبوته اَيْضًا ما قاله ابن قيم الجوزية في " جواب الأسئلة الطرابلسية " بعد سرده جملة من أحاديث الديك قال: «وَبِالجُمْلَةِ فَكُلُّ أَحَادِيثِ الدِّيكِ كَذِبٌ إِلاَّ حَدِيثًا وَاحِدًا: " إِذَا سَمِعْتُمْ صِيَاحَ الدِّيَكَةِ فَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ، فَإِنَّهَا رَأَتْ مَلَكًا "» (١) وإذا كان الحديث مُخْتَلَقًا مَوْضُوعًا فلا يثبت عن أبي هريرة ولا عن رسول الله، وبذلك انهار الأساس الذي بَنَى عليه كلامه، ويكون قول كعب إن ثبت من الإسرائيليات المبثوثة في كتب أهل الكتاب. طَعُنُهُ فِي حَدِيثٍ فِي " صَحِيحِ مُسْلِمٍ " بِسَبَبِ سُوءِ فَهْمِهِ لَهُ: قال في [ص ١٧٤] وروى أبو هريرة: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «النِّيلُ وَسَيْحَانُ وَجَيْحَانُ وَالْفُرَاتُ مِنْ أَنْهَارِ الْجَنَّةِ» (٢) وهذا القول رواه كعب إذ قال: أربعة أنهار

стр. 127

الجنة وصفها الله في الدنيا، فالنيل نهر العسل في الجنة، والفرات نهر الخمر في الجنة، وسيحان نهر الماء في الجنة، وجيحان نهر اللبن في الجنة. والجواب: إنَّ الحديث الذي رواه أبو هريرة صحيح غاية الصحة وهو في " صحيح مسلم " بلفظ: «سَيْحَانُ وَجَيْحَانُ وَالفُرَاتُ وَالنِّيلُ كُلُّهَا مِنْ أَنْهَارِ الْجَنَّةِ»، والحديث ليس على حقيقته كما ذهب إليه بعضهم، وإنما الكلام على سبيل التشبيه، وأن هذه الأنهار تشبه أنهار الجنة في صفتها وعذوبتها وكثرة خيراتها ونفعها للناس، وقيل: إن في الكلام حَذْفًا، والتقدير من أنهار أهل الجنة ففيه تبشير من النَّبِيِّ ﷺ أن الله سينجز له وعده وسينصره وسيظهر له دينه على الأديان حتى يبلغ مواطن هذه الأنهار الأربعة وغيرها - إذ ذكرها على سبيل التمثيل لا الحصر - وهذا ما كان فلم يمض قرن من الزمان حتى امتد سلطان الإسلام من المحيط الأطلسي إلى بلاد الهند، وأيا كان التأويل فالحديث مستساغ لغة وشرعًا وقد كان الصحابة بذكائهم وصفاء نفوسهم وإحاطتهم بالظروف والملابسات التي قيل فيها هذا الحديث وأمثاله يدركون ما يريده النَّبِيُّ ﷺ من مثل هذا الحديث الذي قد يشكل ظاهره على البعض، ولذلك لم يؤثر عن أحد منهم - على ما كانوا عليه من حُرِيَّةَ الرأي والصراحة في القول استشكال مثل هذا الحديث. وأما ما ذكره عن كعب فقد عزاه إلى " نهاية الأرب " وهو لا يعتمد عليه في ثبوت الأحاديث، وكلامه إن ثبت فهو محمول اَيْضًا على التشبيه، وبقليل من التأمل يَتَبَيَّنُ لنا أن ادِّعَاءَ تأثر أبي هريرة فيما رواه بكعب بعيد، ولا يعدو أن يكون تظننًا وتخمينًا، فالحديثان متغايران والأقرب أن يكون كلام كعب تفسيرًا لحديث أبي هريرة

стр. 128

على ضوء ما فهمه من قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ (١). اسْتِدْلاَلُهُ بِحَدِيثٍ فِي رَفْعِهِ نَكَارَةٌ وَوَهْمٌ: قال: وقال ابن كثير في " تفسيره ": «إن حديث أبي هريرة في يأجوج ومأجوج ونصه كما رواه أحمد عن أبي هريرة: «إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ لَيَحْفِرُونَ السَّدَّ كُلَّ يَوْمٍ، حَتَّى إِذَا كَادُوا يَرَوْنَ شُعَاعَ الشَّمْسِ، قَالَ الَّذِي عَلَيْهِمْ: ارْجِعُوا فَسَتَحْفِرُونَهُ غَدًا، فَيَعُودُونَ ... إلخ» وقد روى أحمد هذا الحديث عن كعب) قال ابن كثير: لعل أبا هريرة تلقاه من كعب فإنه كثيرًا ما كان يجالسه ويُحَدِّثُه. والجواب: أن الحديث ذكره ابن كثير في " تفسيره "، وذكر رواية الإمام أحمد ورواية الترمذي وأنه قال: إسناده قوي ولكن متنه في رفعه نكارة لأن ظاهر الآية يقتضي أنهم لم يتمكنوا من ارتقائه ولا من نقبه لأحكام بنائه وصلابته وشدته. قال ابن كثير: ولكن هذا قد روي عن كعب الأحبار ثم ذكر خبرًا آخر قريبًا منه في معناه، وليس هو هو ... إلى أن قال: ولعل أبا هريرة تلقاه من كعب فإنه كان كثيرًا ما يجالسه وَيُحَدِّثُهُ فَحَدَّثَ به أبو هريرة فتوهم بعض الرواة عنه أنه مرفوع فرفعه (٢)، ومن عجب أن المؤلف لما نقل كلام ابن كثير حذف متعمدًا قوله: «فَتَوَهَّمَ ... » وذلك لأنها ترد عليه فيما زعم وادعى أن أبا هريرة كان يأخذ كلام كعب ويرفعه، فانظروا كيف تكون الأمانة في النقل، وكيف تكون الأساليب الملتوية في البحث. والذي أميل إليه أن الحديث غير ثابت وأنه منكر كما قال ابن كثير، ويرجح عدم الثبوت أن في سنده قتادة، وهو معروف بالتدليس فلعل البلاء فيه من المحذوف.

стр. 129

هذا إلى مخالفته للقرآن كما أسلفنا، وَلِلْسُنَّةِ المَشْهُورَةِ، ففي " الصحيحين " أن رسول الله ﷺ قال: «وَيْلٌ لِلْعَرَبِ مِنْ شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ، فُتِحَ اليَوْمَ مِنْ رَدْمِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مِثْلُ هَذِه وَحَلَّقَ بِأُصْبُعَيْهِ الإِبْهَامِ وَالَّتِي تَلِيهَا». وإذا كان الحديث غير ثابت فقد انهار الأساس الذي بنى عليه مزاعمه. طَعْنُهُ فِي حَدِيثٍ فِي " الصَّحِيحَيْنِ ": قال في [ص ١٧٤] وفي " الصحيحين " من حديث أبي هريرة «إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ». وهذا الكلام قد جاء في " الإصحاح الأول " من التوراة - العهد القديم - ونصه هناك: وخلق الله الإنسان على صورته، على صورة الله خلقه. وذكر في الحاشية أن من روايات هذا الحديث: وطوله - أي آدم - ستون ذراعًا، وفي رواية على صورة الرحمن، وقد انتقد هذا الحديث من ابن حجر في " الفتح " فقال: «ويشكل على هذا - من الآن (١) الآثار للأمم السابقة كديار عاد وثمود، فإن مساكنهم تدل على أن قاماتهم لم تكن مفرطة في الطول على حسب ما يقتضيه هذا الترتيب الذي ذكره أبو هريرة. والجواب: أن الحديث مروي في " الصحيحين " وغيرهما من كُتُبِ السُنَّةِ المعتمدة، ولا يضير أبا هريرة أن يكون ما رواه من الحديث موافقًا لما في التوراة، فالكل من عند الله ووحيه، وَالقُرْآنُ وَالسُنَّةُ الصَّحِيحَةُ هما المهيمنان والشاهدان على الكتب السابقة، فما جاء في القرآن مُصَدِّقًا لما في التوراة والإنجيل فهو حق ولم يدخله تحريف ولا تبديل قال الله تعالى في سورة المائدة - بعد ما ذكر التوراة والإنجيل وتصديق الإنجيل لما في التوراة: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ

стр. 130

وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ﴾ (١). فالحديث صحيح من جهة سنده ومن جهة متنه ومعناه، سواء أكان الضمير في صورته راجعًا لآدم أو راجعًا لله كما في الرواية الأخرى: «خَلَقَ اللهُ آدَمَ عَلَى صُورَةِ الرَّحْمَنِ» فإن كان الضمير لآدم - وهو الراجح الذي ينبغي أن يصار إليه على مقتضى القواعد العربية - فالأمر ظاهر، ويكون المعنى إن الله أوجده على هذه الهيئة التي خلقه عليها لم ينتقل في النشأة أحوالاً ولا تردد في الأرحام أطوارًا كذريته بل خلقه رجلاً كاملاً سَوِيًّا من أول ما نفخ فيه الروح، وفي هذا أبلغ الرَدِّ على الطبيعين والماديين، وإن قلنا إن الضمير يعود على البارئ - جَلَّ وَعَلاَ - فالكلام في هذا معروف مشهور، فمذهب السلف الإيمان به كما ورد، وإمراره من غير تمثيل ولا تشبيه ولا تكييف مع تفويض علم معرفة الحقيقة إلى الله، ومذهب الخلف تأويله بما يتفق هو واللغة والشرع والعقل، والتأويل في مثل هذا سهل وقريب: أي على صفته من الحياة والعلم والسمع والبصر ونحوها. وما استشكله الحافظ ونقله أَبُو رَيَّةَ ليشكك القارئ في الحديث فلا إشكال فيه والحمد لله، فعمر الدنيا لا يقدر ببضع آلاف السنين ولا بعشرات الآلاف وإنما يقدر بملايين السنين، وإلى هذا ذهب الباحثون في علوم طبقات الأرض والأجناس والحيوان والطيور، فليس ببعيد أن يتناقص خلق ذرِيَّةَ آدم في هذه الآباد الطويلة حتى وصل إلى ما نحن عليه الآن، وإذا كان الحافظ قد استشكل ذلك في عصره فلا محل اليوم للاستشكال بعد تقدم العلوم والمعارف، ويظهر لي أن الحافظ كان متأثرًا في مقالته هذه بما يزعمه أهل الكتاب عن عمر الدنيا وأنه سبعة آلاف سَنَةٍ وهو باطل ولا شك، وقد تبين له فيما بعد أن لا استشكال وأن عُمْرُ الدنيا أكثر من ذلك فقال في أثناء ذكر ما يستنبط من الحديث: «وَفِيهِ أَنَّ الْمُدَّة الَّتِي بَيْنَ آدَم وَالْبَعْثَة الْمُحَمَّدِيَّة فَوْق مَا نُقِلَ عَنْ الإِخْبَارِيِّينَ مِنْ أَهْل الكِتَاب وَغَيْرهمْ بِكَثِيرٍ» (٢).

стр. 131

على أنه يجوز أن يكون الحديث سبق لبيان فرط طوله من غير خصوص كونه ستين ذراعًا فيكون المراد به التكثير، ولعل مِمَّا يُقَوِّي هذا الفهم ما رواه ابن أبي حاتم بإسناد حسن عن أُبَيٍّ بْنِ كَعْبٍ مرفوعًا: «إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ رَجُلاً طُوَالاً كَثِيرَ شَعْرِ الرَّأْسِ كَأَنَّهُ نَخْلَةٌ سَحُوقٌ». ومن بعد ذلك كله فما هي الصلة التي بين موافقة ما رواه أبو هريرة عن النَّبِيِّ لما في التوراة وبين ما زعمه من أخذ أبي هريرة عن كعب الأحبار، وكعب لا صلة له بهذه القصة البتة؟!!. افْتِرَاؤُهُ عَلَى مَالِكٍ فِي إِنْكَارِهِ بَعْضَ الأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ: ولما كان جُلُّ هَمِّ المؤلف التشكيك في الأحاديث ولا سيما ما رواه أبو هريرة فقد قال في حاشية [ص ١٧٥] بعد استشكال الحافظ للحديث: وأنكر مالك هذا الحديث وحديث «إِنَّ اللهَ يَكْشِفُ عَنْ سَاقِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ وَإنه - أي الله سبحانه - يدخل في النار يده حتى يدخل من أراد» إنكارًا شديدًا وحديث «كشف الساق» من رواية أبي هريرة في " الصحيحين " - عند البخاري - «فَيَكْشِفُ رَبُّنَا عَنْ سَاقِهِ، فَيَسْجُدُ لَهُ كُلُّ مُؤْمِنٍ وَمُؤْمِنَةٍ وَيَبْقَى مَنْ كَانَ يَسْجُدُ فِي الدُّنْيَا رِيَاءً وَسُمْعَةً، فَيَذْهَبُ لِيَسْجُدَ فَيَعُودُ ظَهْرُهُ طَبَقًا». وإني لأقول للمؤلف وأشباهه: إن المتكلم في مثل هذه المباحث الشائكة والأحاديث المشتبهة يجب عليه - إن كان بَاحِثًا حَقًّا - أن يدلنا على مصدره، ولا ندري في أي كتاب أنكر مالك هذا (*)، والذي يظهر لي من تتبع كلام المؤلف أنه إذا لم يجد لافتراءاته سَنَدًا يلقي الكلام جزافًا ويرسله على عواهنه، وهذه الأحاديث التي أشار إليها من المتشابهات، وقد شاء الله سبحانه أن يأتي بالمتشابه في قرآنه وأن يأتي به نَبِيَّهُ في أحاديثه، ليكون فتنة لأبي رِيَّةَ وأمثاله الذين لم تشرق قلوبهم بنور الإيمان، ولم ترق عقولهم إلى الإيمان بالمغيبات: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ (١). ومذهب السلف فيها معروف، ولو أنه كذب على غير مالك لجاز هذا عند بعض الناس أما مالك فمقالته في المتشابه معروفة مشهورة، فقد قال لمن سأله عن الاستواء: «الاِسْتِوَاءُ مَعْلُومٌ، وَالْكَيْفُ مَجْهُولٌ، وَالسُّؤَال عَنهُ بِدعَة، أَخْرِجُوهُ

стр. 132

عَنِّي فَإِنَّهُ رَجُلُ سُوءٍ». ولم يكذب المؤلف على مالك وحده، بل كذب على أبي هريرة اَيْضًا وعلى صاحبي " الصحيحين "، فقد روى البخاري الحديث الذي فيه الساق عن أبي سعيد الخُدري (١)، ورواه الإمام مسلم عن أبي سعيد الخُدري اَيْضًا (٢) وأما حديث أبي هريرة في " الصحيحين " فهو في معنى حديث أبي سعيد، ولكن ليس فيه مسألة الساق. طَعْنُهُ فِي حَدِيثِ صِفَةِ النَّبِيِّ ﷺ -: وقال في [ص ١٧٥] ولما ذكر كعب صفة النَّبِيِّ في التوراة قال أبو هريرة في صفته ﷺ : «لَمْ يَكُنْ فَاحِشًا، وَلاَ مُتَفَحِّشًا، وَلاَ صَخَّابًا فِي الأَسْوَاقِ» وهذا نص كلام كعب ... وبحسبي في الرَدِّ ما قدمته فيما سبق، حينما زعم أن صفة النَّبِيِّ في التوراة خرافة وضعها كعب، وأن عبد الله بن عمرو بن العاص أخذها عنه. وأزيد هنا فأقول: كونه ﷺ لم يكن فاحشًا ولا متفحشا ... مِمَّا لا يختلف فيه اثنان ويقر به الأعداء والأصدقاء، كون أبي هريرة أو غيره روى هذه الصفات لا يتوقف بحال من الأحوال على كون كعب ذكر أن هذه صفاته في التوراة، لأن هذه الأخلاق المحمدية كانت معلومة لهم بالمشاهدة والملاحظة. تَحْقِيقُ الحَقِّ فِي حَدِيثِ: «خَلَقَ اللَّهُ التُّرْبَةَ يَوْمَ السَّبْتِ»: قال في [ص ١٥٧] اَيْضًا: وروى مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِي، فَقَالَ: «خَلَقَ اللَّهُ التُّرْبَةَ يَوْمَ السَّبْتِ، وَخَلَقَ فِيهَا الْجِبَالَ يَوْمَ الأَحَدِ، وَخَلَقَ الشَّجَرَ يَوْمَ الإِثْنَيْنِ، وَخَلَقَ الْمَكْرُوهَ يَوْمَ الثُّلاَثَاءِ، وَخَلَقَ النُّورَ يَوْمَ الأَرْبِعَاءِ، وَبَثَّ فِيهَا الدَّوَابَّ يَوْمَ الْخَمِيسِ، وَخَلَقَ آدَمَ ﵇ بَعْدَ العَصْرِ مِنْ يَوْمَ الجُمُعَةِ فِي آخِرِ الْخَلْقِ مِنْ آخِرِ سَاعَةٍ مِنْ سَاعَاتِ الجُمُعَةِ فِيمَا بَيْنَ الْعَصْرِ إِلَى اللَّيْلِ».

стр. 133

وقد روى هذا الحديث كذلك أحمد والنسائي عن أبي هريرة، وقد قال البخاري وابن كثير وغيرهما: إن أبا هريرة قد تلقى هذا الحديث عن كعب الأحبار، لأنه يخالف نص القرآن في أنه خلق السماوات والأرض في ستة أيام قال: ومن العجيب أن أبا هريرة قد صرح في هذا الحديث بسماعه من النَّبِي ﷺ وأنه قد أخذ بيده حين حدثه به. قال: وإني لأتحدى الذين يزعمون في بلادنا أنهم على شيء من علم الحديث وجميع من هم على شاكلتهم في غير بلادنا أَنْ يُحِلُّوا لنا هذا المشكل، وأن يخرجوا بعلمهم الواسع شيخهم من الهوة التي سقط فيها ثم تَهَكَّمَ بأبي هريرة ما شاء له أدبه أن يتهكم!. وللجواب عن ذلك أقول: هذا الحديث قد تنبه إليه المُحَدِّثُونَ من قديم الزمان، وَأَعَلُّوهُ وَتَكَلَّمُوا فيه فمنهم من قال: إنه غير ثابت لأن إسماعيل بن أمية إنما أخذه عن إبراهيم بن أبي يحيى وإبراهيم لا يحتج به، فقد سئل عنه علي بن المديني شيخ البخارى فقال: «وَمَا أَرَى إِسْمَاعِيلَ بْنَ أُمَيَّةَ أَخَذَ هَذَا إِلاَّ مِنْ إِبْرَاهِيمَ بْنَ أَبِي يَحْيَى» وإبراهيم بن [أبي] يحيى هذا قال فيه الإمام أحمد «كَانَ قَدَرِيًّا مُعْتَزِلِيًّا جَهْمِيًّا، كُلُّ بَلاَءٍ فِيهِ تَرَكَ النَّاسُ حَدِيثَهُ وَكَانَ يَضَعُ» وقال ابن معين: «كَذَّابٌ رَافِضِيٌّ» فبمثل هذا السند لا يثبت متن الحديث ولا المشابكة المسلسل بها بسبب وجود إبراهيم في السند صراحة أو تدليسًا (١) وإذا كان الحديث [مُخْتَلَقًا] مكذوبًا على النَّبِي وعلى أبي هريرة ومن جاء بعده من الثقات فلا يصح أن يرتب عليه باحث حُكْمًا هو فرع عن ثبوته. ومنهم من أنكر رفع الحديث إلى النَّبِي ﷺ وأن أبا هريرة إنما أخذه من كعب الأحبار، وأن بعض الرواة وهم في رفعه والأصح وقفه على كعب، وإلى هذا ذهب إمام الأئمة البخاري في " تاريخه " فقال «رَوَاهُ بَعْضُهُمْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عن كَعْبِ الأَحْبَارِ وَهُوَ الأَصَحُّ» ووافقه على هذا العلاَّمة ابن كثير قال:

стр. 134

«فَكَأَنََّ هَذَا الحَدِيثَ مِمَّا تَلَقَّاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ كَعْبٍ عَنْ صُحُفِهِ فَوَهِمَ بَعْضُ الرُوَاةِ فَجَعَلَهُ مَرْفُوعًا إِلَىَ النَّبِيِِّ ﷺ بِقَوْلِهِ: أَخَذَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ بِيَدِي» (١). ومهما يكن من شيء فأبو هريرة بريء مِمَّا غمزه به أَبُو رَيَّةَ ولمزه واتهمه من رفع الحديث إلى رسول الله ﷺ والكذب عليه حتى صار يتهكم بأبي هريرة ما شاء له هواه أن يتهكم ويزيد في ذلك ويعيد، لأنه إن كان الأمر كما قال [ابن المديني] ومن تابعه فيكون أبو هريرة بريء كل البراءة من تبعة هذا الحديث، ويكون كل ما نسب إلى أبي هريرة في الحديث من لفظه ومن سماعه، وقوله: «أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ بِيَدِي» غير ثابت، ولا يعدو أن يكون مجرد افتراء قصد به الواضع التلبيس والتمويه وإظهار الباطل المُزَوَّرَ في صورة الحق الثابت المؤكد، وإن كان الأمر كما قال البخاري وابن كثير فيكون أبو هريرة بريء من تبعة رفعه، وأنه لم يقل: «سمعت رسول الله ... ولا أخذ بيدي ... » إلخ وإنما الواهم توهم الرفع فرفعه وأكده بهذا، ولعلك أيها القارئ المُتَثَبِّتُ تبتسم وتطيل الابتسام كما ابتسمتُ أنا وأطلتُ الابتسام من تحدي أَبِي رَيَّةَ الصارخ لعلماء الحديث في مصر بل والعالم الإسلامي قاطبة - أن ينتشلوا شيخهم أبا هريرة من الهوة التي سقط فيها فقد ظهر لك وجه الحق، وأنه لا هوة ولا سقوط، وأنه بَنَى مزاعمه على شَفَا جُرْفٍ هَارٍ فانهار به في نار جهنم وبئس المصير. وإن من يقرأ كلام أَبِي رَيَّةَ لَيُخَيَّلُ إليه أنه في زهوه قد غزا الأجواء وفتح أبواب السماء، وهذا يدل على الجهل الممزوج بالغرور المتطاول، وليس أضر على الباحث من هاتين الصفتين: الجهل والغرور. طَعْنُهُ فِي حَدِيثٍ فِي " صَحِيحِ البُخَارِيِّ ": في [ص ١٧٦] قال: وروى البخاري عن أبي هريرة أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قال (٢): «مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ

стр. 135

إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ: كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، [وَإِنْ سَأَلَنِي لأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لأُعِيذَنَّهُ]، وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ المُؤْمِنِ، يَكْرَهُ المَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ». قال: ومن له حاسة في شم الحديث يجد في هذا الحديث رائحة إسرائيلية، ثم أتى في الحاشية فيقول: تفرد " البخاري " بإخراج هذا الحديث دون " مسلم " وسائر أصحاب النَّبِيِّ (كذا) و" مسند أحمد "، وقد طعن الأئمة في هذا الحديث، وبعد ذكر ما اعتبره طعنًا قال: ويبدو لي أنَّ أستاذ أبي هريرة في هذا الحديث هو وهب بن منبه فقد وقع في " الحِلْيَةِ " من ترجمة هذا الكاهن (وهب): وإني لأجد في التوراة أن الله تعالى يقول: «مَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ قَطُّ تَرَدُّدِي عَنْ قَبْضِ رُوحِ الْمُؤْمِنِ». والجواب: أن هذا الحديث خرجه البخاري في " صحيحه " (١) فهو صحيح، ولا يخل بصحته أن كان بعض رجاله قد انتقدوا وهو خالد بن مخلد شيخ البخارى وشريك بن عبد الله، لأن الإنسان أعرف بشيوخه من غيره، وإذا تعارض قول البخاري في رجل وقول غيره فالقول ما قاله البخاري فقد كان نسيج وحده في معرفة علل الحديث وتاريخ الرجال حتى لقد قَبَّلَهُ الإمام مسلم بين عينيه لما كشف له عن علة خفية في حديث ولقبه بأستاذ الأستاذين فلو كان في رواة الحديث ما يخل بالصحة لما أخرجه البخاري، والحديث وإن كان لم يخرجه مسلم في " صحيحه " ولا أحمد في " مسنده " قد خرجه غيرهما من أئمة الحديث، فقد خرجه البيهقي في " الزهد " وأبو يعلى والبزار والطبراني، بل خرجه الإمام أحمد في " كتاب الزهد "؟ ولم ينفرد بالحديث أبو هريرة، فقد رواه غيره من الصحابة منهم عائشة وعلي وأبو أمامة وابن عباس وأنس وحذيفة

стр. 136

ومعاذ بن جبل ولم يتفرد به رواته فقد روي من طرق أخرى كثيرة وإن كانت لا تخلو من ضعف ولكنها يقوي بعضها بعضًا، وقد صدع بهذا الحافظ الحُجَّةُ الثبت ابن حجر وهو كما وصفه المؤلف أمير المؤمنين في الحديث قال الحافظ في " الفتح " (١) «وَإِطْلاَق أَنَّهُ لَمْ يُرْوَ هَذَا الْمَتْنُ إِلاَّ بِهَذَا الإِسْنَادِ مَرْدُودٌ» ... إلى أن قال: «وَلَكِنْ لِلْحَدِيثِ طُرُقٌ أُخْرَى يَدُلُّ مَجْمُوعُهَا عَلَى أَنْ لَهُ أَصْلاً» ثم شرع يسرد هذه الطرق ومن خرجها من أصحاب الكتب، ومن رويت عنه من الصحابة، وهكذا يَتَبَيَّنُ لنا أن الحديث لا مطعن يعتد به في سنده وأما من ناحية المعنى فلا شيء فيه إِلاَّ ما كان من قوله: «وَمَا تَرَدَّدْتُ ... إلخ» وفي القرآن المتواتر وَالسُنَّةِ الصَّحِيحَةِ من أمثال هذا الحديث شيء غير قليل، فلو رددنا هذا بسبب أنه مشكل لرددنا الكثير من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية. وللعلماء في هذا وأمثاله رأيان: ١ - رأي السلف وهو الإيمان به كما ورد مع عدم التمثيل والتكييف وتنزيه الله عن ظاهره المعروف لنا، وتفويض علم معرفة حقيقته إلى الله . ٢ - رأي الخلف وهم المُؤَوِّلَةِ وقد حملوا الكلام على المجاز وذلك بتمثيل حب الله أولياءه المؤمنين وكراهية إيذائهم وإساءتهم بهذه الصورة المعبرة المفهومة عند البشر، وبعضهم حمل التردد من الملائكة لا من الله، لكنهم لما كانوا رسل الله فنسب ما هو إليهم إلى الله لأنه هو الذي أرسلهم، وقد بسط الكلام على هذا الحافظ في " الفتح " فليرجع إليه من يشاء الاستزادة. ومن خيانة المؤلف في النقل أنه ذكر كلام الخطابي فاقتصر على الاستشكال ولم يذكر ما أجاب به، وَتِلْكَ شَنْشَنَةٌ نَعْرِفُهَا مِنْ أَخْزَمَ، وإليك كلام الخطابي بتمامه لتعجب من صنيع أَبِي رَيَّةَ، قال الخطابي: «التردد في حق الله غير جائز والبداء عليه في الأمور غير سائغ، ولكن له تأويلين: أحدهما أن الإنسان قد يشرف على الهلاك في أيام عمره من داء يصيبه وفاقة تنزل به فيدعو الله فيشفيه منها ويدفع عنه

стр. 137

مكروهها، فيكون ذلك من فعله كتردد من يريد أمرا ثم يبدو له فيه فيتركه ويعرض عنه، ولا بد له من لقائه إذا بلغ الكتاب أجله لأن الله قد كتب الفناء على خلقه واستأثر بالبقاء لنفسه، والثاني أن يكون معناه: ما رددت رسلي في شيء أنا فاعله كترديدي إياهم في نفس المؤمن .... إلخ» ما قال. ثم ما الذي حمل المؤلف على هذا الحُكْم الجائز على الحديث: ألأن وَهْبًا ذكر أن في كتب الأنبياء مثل هذا؟ ولم لا يكون هذا مِمَّا ذكره عن موسى ربهما ومحمد - عَلَيْهِمَا الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ - ثم ما رأيك يا صاحب الأنف البوليسية أن معظم الحديث لا يتفق هو وما عرف عن بني إسرائيل من الشكاسة والصلابة وسوء الطباع حتى وصفتهم التوراة بأنهم شعب صلب الرقبة، وإيغالهم في حب المادة والبعد عن الروحانيات، وإنا لنحمد الله - سبحانه - أنه لم يرزقنا حاسة شم كحاستك، ولا أنفًا كأنفك الصهيوني البارع! زَعْمُهُ فِي حَدِيثٍ فِي " صَحِيحِ مُسْلِمٍ " أَنَّهُ مِنَ الإِسْرَائِيلِيَّاتِ: وبعد أن صب المؤلف على أبي هريرة ذَنُوبًا من سفاهه ورميه بالسذاجة والغفلة في [ص ١٧٧] قال: «وإليك مثلا من ذلك نختم به ما نقله من الأحاديث التي رواها أبو هريرة عن النَّبِيِّ وهي في الحقيقة من الإسرائيليات حتى لا يطول بنا القول». روى الإمام أحمد عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «إِنَّ فِي الجَنَّةِ لَشَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظِلِّهَا مِائَةَ عَامٍ، اقْرَأُوا إِنْ شِئْتُمْ ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾» (١). ثم ذكر أن أبا هريرة لم يكد يروي هذا الحديث حتى أسرع كعب فَصَدَّقَ كلامه وذكر من أوصافها ما ذكر والجواب: أنَّ هذا الحديث لم يروه الإمام أحمد فحسب بل رواه الإمامان الجليلان البخاري ومسلم في " صحيحيهما "، ولو أن الرواية كانت عن أبي هريرة وحده لجاز أن ينخدع بعض الناس بهذا القول، ولكن الحديث رُوِيَ عن غير أبي هريرة من الصحابة الذين لا يعتبرون عند المؤلف ذوي سذاجة وغفلة كما زعم ذلك بالنسبة

стр. 138

لأبي هريرة، فقد رواه البخاري عن أبي هريرة وأنس (١) وعن سهل بن سعد وأبي سعيد الخُدري (٢) ورواه الإمام مسلم عن أبي هريرة وسهل بن سعد وأبي سعيد الخُدري (٣) فما رأيك يا باحث العصر في الثلاثة الآخرين من الصحابة؟ هل استغفلهم كعب كما استغفل أبا هريرة - على ما زعمت -؟ ومن يصدق أن صحابة رسول الله الذين كانوا خير أُمَّةٍ أخرجت للناس، وضرب الله لهم الأمثال في التوراة والإنجيل كانوا إلى هذا الحد من السذاجة والغفلة؟ بعض الحياء يا بوق المُبَشِّرِينَ وصدقت الحكمة النبوية: «إِذَا لَمْ تَسْتَحِ فَاصْنَعْ مَا تَشَاءُ». ومن خيانة المؤلف أن يجعل مرجعه " تفسير ابن كثير " مِمَّا يوهم القارئ أن ابن كثير يوهن الحديث كما هو ديدنه في العزو إلى ابن قتيبة، وقد رجعت إلى " تفسير ابن كثير " (٤) فوجدته بسط روايات الحديث بما لا مزيد عليه ثم قال ما نصه: «فَهَذَا الحَدِيثُ ثَابِتٌ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ بَلْ مُتَوَاتِرٌ مَقْطُوْعٌ بِصِحَّتِهِ عِنْدَ أَئِمَّةِ الحَدِيثِ لِتَعَدُّدِ طُرُقِهِ وَقُوَّةِ أَسَانِيدِهِ وَثِقَةِ رِجَالِهِ». فقلت: يا عجبا لأمر هذا المؤلف!!! وصدق الله ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ (٥) رَمْيُهُ أَبَا هُرَيْرَةَ بِضَعْفِ الذَّاكِرَةِ وَاخْتِلاَقِ الأَحَادِيثِ: في [ص ١٧٧] قال: تحت عنوان «ضعف ذاكرته» كان أبو هريرة يذكر عن نفسه أنه كان كثير النسيان، لا تكاد ذاكرته تمسك شيئًا مِمَّا يسمعه ثم زعم أن النَّبِيَّ دعا له فأصبح لا ينسى شيئًا يصل إلى أذنه، وقد ذكر ذلك لكي يسوغ كثرة أحاديثه ويثبت في أذهان السامعين صحة ما يرويه». وروى " مسلم " عن الأعرج قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: «إِنَّكُمْ تَزْعُمُونَ أَنَّ

стр. 139

أَبَا هُرَيْرَةَ يُكْثِرُ الْحَدِيثَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَاللَّهُ المَوْعِدُ، إِنِّي كُنْتُ رَجُلاً مِسْكِينًا، أخدُم رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى مِلْءِ بَطْنِي، وَكَانَ الْمُهَاجِرُونَ يَشْغَلُهُمُ الصَّفْقُ بِالأَسْوَاقِ، وَكَانَتِ الأَنْصَارُ يَشْغَلُهُمُ الْقِيَامُ عَلَى أَمْوَالِهِمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " مَنْ يَبْسُطْ ثَوْبَهُ فَلَنْ يَنْسَى شَيْئًا سَمِعَهُ مِنِّي " فَبَسَطْتُ ثَوْبِي حَتَّى قَضَى حَدِيثَهُ، ثُمَّ ضَمَمْتُهُ إِلَيَّ، فَمَا نَسِيتُ شَيْئًا سَمِعْتُهُ مِنْهُ». قال مسلم: إن مالكًا انتهى حديثه عند انقضاء قول أبي هريرة ولم يذكر في حديثه الرواية عن النَّبِيِّ: من بسط ثوبه ... ولا ريب أن رواية مالك هي الصحيحة لأن الكلام بعد ذلك مفكك الأوصال ولا صلة بينه وبين الذي قبله. مُتَابَعَةُ المُؤَلِّفِ لِلْمُسْتَشْرِقِينَ فِي كُلِّ مَا زَعَم: وإليك جوابنا عن هذه المزاعم الباطلة: ١ - إن هذا ليس من بنات أفكاره وإنما هو كلام «جولدتسيهر» المستشرق اليهودي عدو الإسلام والمسلمين، أَبُو رَيَّةَ لم يكن إِلاَّ بوقاً يُرَدِّدُ كلام هذا اليهودي، وإنْ كان - والحق يقال - أَعَفَّ من المؤلف، وإليك ما قاله جولدتسيهر لترى أنَّ المؤلف تابعه حذو النعل بالنعل قال: وقد اختلق الناس قصة تُبَرِّرُ اعتقادهم بعصمة ذاكرته عن الوقوع في الخطأ فقالوا: إنَّ النَّبِي لفه بيده في بُرْدَةٍ بسطت بينهما أثناء حديثهما، وبذلك ضمن أبو هريرة لنفسه ذاكرة تحفظ كل ما سمع ... إلخ ما قال (١). وقصة بَسْطِ الرِّدَاءِ مروية في " الصحيحين " وغيرهما من كُتُبِ السُنَّةِ المعتمدة (٢) وليس في العقل ولا النقل ما يخالفها، بل جاء الواقع مُؤَيِّدًا لهذا حتى شهد له بِقُوَّةِ الحفظ الصحابة ومن جاء بعدهم من أهل العلم وَعَدُّوا هذا من المعجزات النبوية الظاهرة، ومن خصائص أبي هريرة أخرج البخاري في " التاريخ "والبيهقي في " المدخل " مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدٍ بْن عُمَارَة بْنِ حَزْم أَنَّهُ قَعَدَ فِي مَجْلِس فِيهِ مَشْيَخَة مِنْ الصَّحَابَة بِضْعَة عَشَر رَجُلاً، فَجَعَلَ أَبُو هُرَيْرَة يُحَدِّثهُمْ عَنْ رَسُول اللَّه ﷺ بِالْحَدِيثِ فَلاَ يَعْرِفهُ

стр. 140

بَعْضهمْ، فَيُرَاجِعُونَ فِيهِ حَتَّى يَعْرِفُوهُ، ثُمَّ يُحَدِّثهُمْ بِالْحَدِيثِ كَذَلِكَ حَتَّى فَعَلَ مِرَارًا، فَعَلِمْتُ يَوْمَئِذٍ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَة أَحْفَظ النَّاس». وأخرج أحمد والترمذي عن ابن عمر أنه قال لأبي هريرة «إِنْ كُنْتَ لأَلْزَمَنَا لِرَسُولِ اللهِ وَأَعْرَفَنَا بِحَدِيثِهِ» قال الترمذي: حسن، وقصته مع مروان وكاتبه مشهورة (١) وقال الشافعي - وهو إمام في المعقول والمنقول -: «أَبُو هُرَيْرَة أَحْفَظ مَنْ رَوَى الْحَدِيث فِي عَصْره» فهل من البحث الصحيح والمنطق السليم أن ندع كلام هؤلاء الأئمة ونأخذ بكلام المُسْتَشْرِقِينَ ومتابعيهم؟. ٢ - محاولة المؤلف التشكيك في قصة بَسْطِ الثَّوْبِ وَالرِّدَاءِ بأن الإمام مسلمًا قال: إن مالكًا انتهى حديثه عند قول أبي هريرة الموقوف عليه ولم يذكر قصة البسط، وزعمه أن رواية مالك هي الصحيحة لأن الكلام بعد ذلك مفكك الأوصال ولا صلة بينه وبين الذي قبله ... محاولة فاشلة تنم عن جهل عميق بمقصد مسلم وطريقة المُحَدِّثِينَ، وعن بغض دفين لأبي هريرة حمله على أن يُحَرِّفَ الكلم عن مواضعه، والذي في " صحيح مسلم " أن الزُّهْرِي راوي الحديث عن ابن المسيب عن أبي هريرة قد روى عنه الحديث ثلاثة: مالك وسفيان بن عيينة ومعمر، أما مالك فقد اقتصر على كلام أبي هريرة وهو دفاعه عن نفسه وبيان الأسباب التي هيأت الإكثار، وأما سفيان ومعمر فقد ذكرا قصة الثوب ومقالة النَّبِيِّ ﷺ فالقصة وردت عن الزُّهْرِي من طريق ابن عيينة ومعمر وناهيك بهما إمامين جليلين، وكذلك وافق سفيان بن عيينة ومعمر في ذكر القصة إبراهيم بن سعد وحديثه عند البخاري (٢). وأما كون قصة الثوب مقتضبة عما قبلها فشيء لا وجود له إِلاَّ في وهم قائله لأنها وثيقة الصلة بما قبلها، ذلك أن أبا هريرة بعد أن بين أن تفرغه من الشواغل الدنيوية وملازمته لرسول الله ﷺ من الأسباب الحاملة له على الإكثار، ناسب أن يذكر سببا آخر وهو عدم نسيانه حديث رسول الله ﷺ ببركة دعائه له، على أن قصة بسط الثوب قد وردت مستقلة في " صحيح البخاري " من طرق عدة صحيحة عن أبي هريرة واعتبرها الأئمة من فضائل أبي هريرة ومن المعجزات النبوية قال الحافظ في " الفتح ": «وَفِي هَذَيْنِ الحَدِيثَيْنِ - حَدِيثُ " يَقُولُونَ أَكْثَرَ أَبُو هُرَيْرَةَ " ... وَ «حَدِيثُ بَسْطِ

стр. 141

الثَّوْبِ» ... فَضِيلَة ظَاهِرَةٌ لأَبِي هُرَيْرَةَ وَمُعْجِزَةٌ وَاضِحَةٌ مِنْ عَلاَمَاتِ النُّبُوَّة؛ لأَنَّ النِّسْيَانَ مِنْ لَوَازِمِ الإِنْسَانِ، وَقَدْ اِعْتَرَفَ أَبُو هُرَيْرَةَ بِأَنَّهُ كَانَ يُكْثِر مِنْهُ ثُمَّ تَخَلَّفَ عَنْهُ بِبَرَكَةِ النَّبِيِّ ﷺ » وهكذا يَتَبَيَّنُ لنا أن المؤلف قد أخطأ فهم عبارة " مسلم " وأنه طعن في غير مطعن. تَصَيُّدُهُ وَتَحْرِيفُهُ بَعْضَ المَرْوِيَّاتِ كَيْ يُثْبِتَ نِسْيَانَ أَبِي هُرَيْرَةَ: ولأجل أَنْ يُبَرِّرَ المؤلف تجنيه على أبي هريرة وأنه اختلق قصة بسط الثوب صار يتصيد بعض روايات زعم أنها تخالف حديث عدم النسيان فقال في [ص ١٧٨] مُتَهَكِّمًا: على أن هذه الذاكرة القوية التي اختص بها أبو هريرة من دون الصحابة جميعًا بل من دون ما ذرأ الله من الطباع الإنسانية قد خانته في مواضع كثيرة، وأن ثوبه الذي بسطه قد تمزق فتناثر ما كان قد ضمه بين أطرافه وإليك أمثلة من ذلك، ثم ذكر: حديث الشيخين عن أبي هريرة: أن النَّبِي ﷺ قال: «لاَ عَدْوَى وَلاَ طِيَرَةَ وَلاَ هَامَةَ» وأن أبا هريرة حدث به ثم نسيه، وقصة ذي اليدين في السهو في الصلاة، وشك أبي هريرة في تعيين الصلاة أهي الظهر أم العصر وذكر أن أبا هريرة لما روى أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قال: «لأَنْ يَمْتَلِئَ جَوْفُ أَحَدِكُمْ قَيْحًا وَدَمًا خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَمْتَلِئَ شِعْرًا» قالت عائشة: لَمْ يَحْفَظْ إِنَّمَا قَالَ: « ... مِنْ أَنْ يَمْتَلِئَ شِعْرًا هُجِيتُ بِهِ» وهكذا تتمخض المواضع الكثيرة التي زعم أنه نسي فيها عن ثلاثة أحاديث وسترى بعد الإجابة عنها أنه لن يسلم له إِلاَّ واحد أو اثنان. ١ - إن الروايات في قصة الثوب اختلفت، ففي بعضها تقييد عدم النسيان بما سمعه من النَّبِيِّ ﷺ بعد هذه المقالة، ففي " صحيح مسلم ": «فَمَا نَسِيتُ بَعْدَ ذَلِكَ الْيَوْمِ شَيْئًا حَدَّثَنِي بِهِ» وفي " صحيح البخاري": «فَمَا نَسِيتُ شَيْئًا بَعْدُ» وفي بعض الروايات أن عدم النسيان إنما كان مُقَيَّدًا بالمقالة التي سمعها من النَّبِيِّ ﷺ في هذه القصة، ففي رواية شُعَيْبٍ: «فَمَا نَسِيتُ مِنْ مَقَالَتِهِ تِلْكَ مِنْ شَيْءٍ» وعلى هذا فإن كان المراد الثاني فلا ينافي أن ينسى قبل هذه المقالة وبعدها بعض الأحاديث، وإن كان المراد الأول وهو الراجح فلا ينافي نسيان بعض الأحاديث قبل هذه القصة.

стр. 142

رَدُّ مَزَاعِمِهِ فِي حَدِيثِ «لاَ عَدْوَى ... »: ٢ - وأما حديث «لا عَدْوَى وَلاَ طِيَرَةَ ... » فقد رواه البخاري في " صحيحه " عن أبي هريرة (١) وعن ابن عمر (٢) وعن أنس بن مالك، وثبت اَيْضًا عن عائشة عند الطبري وعن سعد بن أبي وقاص ورواه " مسلم " عن أبي هريرة وعن السائب بن يزيد وعن جابر وعن أنس وعن ابن عمر (٣) فالحديث لم ينفرد به أبو هريرة، بل وافقه عليه بضعة من الصحابة، فاحتمال أن أبا هريرة اختلقه أو غلط فيه - غمز المؤلف ولمز - احتمال بعيد جِدًّا إن لم يكن مستحيلاً، فلم يبق إِلاَّ أن يكون رجوعه إما لنسيان أو لغرض آخر صحيح وعلى تسليم النسيان فيكون من الأحاديث التي سمعها قبل هذه المقالة، وهذا لا ينافي أنه ما نسي شيئًا بعد ذلك، وبذلك يظهر أن لا منافاة بين نسيان هذا الحديث وقصة بسط الثوب، ثم إن هذا النسيان لحديث واحد - على فرض تسليمه - إنما يعود على أبي هريرة بالتكريم والإكبار لحفظه وقد قيل في الحِكَمِ الشِّعْرِِيَّةَ: وَمَنْ ذَا الذِي تُحْصَى سَجَايَاهُ كُلَّهَا * ... * ... * كَفَى المَرْءِ نُبْلاً أَنْ تَعُدَّ مَعَايِبَهُ وإنا لنلمس هذا الإكبار لحفظ أبي هريرة في قول أبي سلمة، قال أبو سلمة «فَمَا رَأَيْتُهُ نَسِيَ حَدِيثًا غَيْرَهُ» بل جاء في بعض الروايات تردد أبي سلمة بين نسيان أبي هريرة أو نسخ أحد الحديثين للآخر (٤) على أن تسليمنا نسيان أبي هريرة إنما هو على سبيل الاحتمال، ومن الجائز جِدًّا أن يكون رجوعه عنه أو السكوت عليه وعدم التحديث به لغرض آخر شريف ككونه منسوخًا مثلاً، وإليك ما قاله الحافظ الكبير ابن حجر لترى الفرق بين العلماء المُتَثَبِّتِينَ وَالأَدْعِيَاءِ المَغْرُورِينَ قال - تعليقا على قول أبي سلمة «فَمَا رَأَيْتُهُ نَسِيَ حَدِيثًا غَيْرَهُ» - «في رواية يونس قَالَ أَبُو سَلَمَة: " وَلَعَمْرِي لَقَدْ كَانَ يُحَدِّثنَا بِهِ فَمَا أَدْرِي أَنَسِيَ أَبُو هُرَيْرَة أَمْ نَسَخَ أَحَدُ القَوْلَيْنِ لِلآخَرِ "، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ أَبُو سَلَمَة ظَاهِر فِي أَنَّهُ كَانَ يَعْتَقِد أَنَّ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ تَمَامَ التَّعَارُضِ، وَقَدْ

стр. 143

تَقَدَّمَ وَجْهُ الْجَمْع بَيْنهمَا فِي أنه كان يعتقد أن بين الحديثين تمام التعارض وقد تقدم وجه الجمع بينهما في " بَابِ الْجُذَام " (١) ... قَالَ ابْنُ التِّينِ: لَعَلَّ أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَ يَسْمَعُ هَذَا الحَدِيْثِ قَبْلَ أَنْ يَسْمَعَ مِنَ النَّبِيِِّ ﷺ حَدِيْثَ " مْنْ بَسَطَ رِدَاءَهُ ثُمَّ ضَمَّهُ إِلَيْهِ لَمْ يَنْسَ شَيْئًا سَمِعَهُ مِنْ مَقَالَتِي " وَقَدْ قِيلَ فِي الحَدِيث المَذْكُور إِنَّ الْمُرَاد أَنَّهُ لاَ يَنْسَى تِلْكَ الْمَقَالَة الَّتِي قَالَهَا ذَلِكَ الْيَوْم لاَ أَنَّهُ يَنْتَفِي عَنْهُ النِّسْيَان أَصْلاً. وَقِيلَ: كَانَ الْحَدِيث الثَّانِي نَاسِخًا لِلأَوَّلِ فَسَكَتَ عَنْ الْمَنْسُوخ»، وقال القرطبي في " المُفْهَمِ ": " وَيُحْتَمَل اَيْضًا أَنَّهُمَا لَمَّا كَانَا خَبَرَيْنِ مُتَغَايِرَيْنِ عَنْ حُكْمَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ لاَ مُلاَزَمَة بَيْنهمَا جَازَ عِنْده أَنْ يُحَدِّث بِأَحَدِهِمَا وَيَسْكُت عَنْ الآخَر حَسْبَمَا تَدْعُو إِلَيْهِ الْحَاجَة ... وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون خَافَ اِعْتِقَاد جَاهِل يَظُنّهُمَا مُتَنَاقِضَيْنِ فَسَكَتَ عَنْ أَحَدهمَا، وَكَانَ إِذَا أُمِنَ ذَلِكَ حَدَّثَ بِهِمَا جَمِيعًا» (٢) وهكذا ترى أن النسيان ليس بمتيقن بل هو احتمال، وعن فرض تسليمه فلا تعارض بينه وبين حديث البسط، فهل بعد هذا يستحق أبو هريرة من هذا الطاعن السليط كل هذا التهكم والتثريب؟. رَدُّ زَعْمِهِ فِي حَدِيثِ السَّهْوِ فِي الصَّلاَةِ: وأما حديث السهو في الصلاة فقد اعتمد فيه المؤلف على ما ذكره الحافظ في " الفتح "، وقد استظهر الحافظ أن الشك من الرواة ثم جواز أن يكون من أبي هريرة لأجل رواية النسائي، وأنه مرة كان يجزم بتعيين الصلاة وَمَرَّةً كان يشك، وإليك ما ذكر الحافظ في " الفتح " (٣) لترى المؤلف يأخذ ما يشاء ويدع ما يشاء على حسب هواه قال: «وَالظَّاهِر أَنَّ الاِخْتِلاَفَ فِيهِ مِنَ الرُّوَاةِ. وَأَبْعَدَ مَنْ قَالَ: يُحْمَلُ عَلَى أَنَّ القِصَّةَ وَقَعَتْ مَرَّتَيْنِ، بَلْ رَوَى النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ اِبْنِ عَوْنٍ عَنْ اِبْنِ سِيرِينَ أَنَّ اَلشَّكَّ

стр. 144

فِيهِ مِنْ أَبِي هُرَيْرَة وَلَفْظه " صَلَّى ﷺ إِحْدَى صَلاَتَيْ العَشِيِّ ـ قَالَ أَبُو هُرَيْرَة ـ: " وَلَكِنِّي نَسِيتُهَا " فَالظَّاهِر أَنَّ أَبَا هُرَيْرَة رَوَاهُ كَثِيرًا عَلَى الشَّكِّ، وَكَانَ رُبَّمَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهَا الظُّهْرُ فَجَزَمَ بِهَا، وَتَارَةً غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهَا العَصْرُ فَجَزَمَ بِهَا ... ». فها أنت ذا ترى أن كون الشك من أبي هريرة ليس مقطوعًا به لجواز أن يكون أحد الرواة - في رواية النسائي - وَهِمَ فنسب النسيان إلى أبي هريرة ولو سلمنا كون الشك منه فلعل هذا مِمَّا سمعه قبل قصة بسط الثوب. حَدِيثُ الشِّعْرِ وَتَحْقِيقُ الحَقِّ فِيهِ: وأما حديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: لأَنْ يَمْتَلِئَ جَوْفُ أَحَدِكُمْ قَيْحًا وَدَمًا، خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَمْتَلِئَ شِعْرًا»، قالت عائشة: لَمْ يَحْفَظْ إِنَّمَا قَالَ: «مِنْ أَنْ يَمْتَلِئَ شِعْرًا هُجِيتُ بِهِ»، فليس للمؤلف فيه أية وجهة حق، وإنما هي خطفة خطفها من بعض الكتب دون تحقيق. وإليك الحق في هذا: ١ - إن الحديث باللفظ الذي زعم أن عائشة اعترضت عليه قد رواه البخاري في " صحيحه " عن أبي هريرة وعن ابن عمر مرفوعين (١) ورواه مسلم في " صحيحه " عن أبي هريرة وعن سعد بن أبي وقاص وعن أبي سعيد الخُدري فها أنت ذا ترى أن أبا هريرة لم ينفرد به، بل وافقه عليه ثلاثة من الصحابة مِمَّا يبعد - إن لم يحل - تعقب السيدة عائشة له بأنه لم يحفظ. ٢ - إن هذه الرواية غير ثابتة من جهة الرواية، ولا هي صحيحة من جهة الدراية. أما الأول فلما قاله الحافظ في " الفتح " - بعد أن ذكر أن هذه الزيادة جاءت عن الشَعْبِيِّ مرسلة والمرسل لا يحتج به قال: «(٢) وَقَدْ وَقَعَ لَنَا ذَلِكَ مَوْصُولاً مِنْ وَجْهَيْنِ آخَرَيْنِ، فَعِنْدَ [أَبِي يَعْلَى] مِنْ حَدِيث جَابِر فِي الحَدِيث الْمَذْكُور " قَيْحًا أَوْ

стр. 145

دَمًا خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَمْتَلِئ شِعْرًا هُجِيتُ بِهِ " وَفِي سَنَده رَاوٍ لاَ يُعْرَف، وَأَخْرَجَهُ الطَّحَاوِيُّ وَابْن عَدِيٍّ مِنْ رِوَايَةِ اِبْن الكَلْبِيِّ عَنْ أَبِي صَالِح عَنْ أَبِي هُرَيْرَة مِثْل حَدِيث البَاب قَالَ: " فَقَالَتْ عَائِشَة لَمْ يَحْفَظ إِنَّمَا قَالَ: مِنْ أَنْ يَمْتَلِئ شِعْرًا هُجِيت بِهِ "، وَابْنُ الْكَلْبِيِّ وَاهِي الحَدِيث، وَأَبُو صَالِح شَيْخُهُ مَا هُوَ الَّذِي يُقَال لَهُ السَّمَّانُ المُتَّفَق عَلَى تَخْرِيجِ حَدِيثهِ فِي الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، بَلْ هَذَا آخَر ضَعِيفٌ يُقَال لَهُ بَاذَانْ، فَلَمْ تَثْبُتْ هَذِهِ [الزِّيَادَة]: وأما من جهة الدراية فإليك ما قاله الإمام النووي في " شرح مسلم " (١): «قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: قَالَ بَعْضُهُمْ الْمُرَادُ بِهَذَا الشِّعْرِ شِعْرٌ هُجِيَ بِهِ النَّبِيِّ ﷺ . قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ وَالْعُلَمَاءُ كَافَّةً: هَذَا تَفْسِيرٌ فَاسِدٌ، لأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ المَذْمُومَ مِنَ الهِجَاءِ أَنْ يَمْتَلِئَ مِنْهُ دُونَ قَلِيلِهِ، وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ الكَلِمَةَ الواحدة من هجاء النبي ﷺ مُوجِبَةٌ لِلْكُفْرِ. قَالُوا بَلِ الصَّوَابُ أَنَّ المُرَادَ أَنْ يَكُونَ الشِّعْرُ غَالِبًا عَلَيْهِ مُسْتَوْلِيًا عَلَيْهِ بِحَيْثُ يَشْغَلُهُ عَنِ القُرْآنِ وَغَيْرِهِ مِنَ العُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ وَذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَهَذَا مَذْمُومٌ مِنْ أَيِّ شِعْرٍ كَانَ، فَأَمَّا إِذَا كَانَ القُرْآنُ وَالحَدِيثُ وَغَيْرُهُمَا مِنَ العُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ هُوَ الغَالِبُ عَلَيْهِ فَلاَ يَضُرُّ حِفْظُ اليَسِيرِ مِنَ الشِّعْرِ [مَعَ هَذَا] لأَنَّ جَوْفَهُ لَيْسَ مُمْتَلِئًا شِعْرًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ .. » إلى أن قال: «وَقَالَ الْعُلَمَاءُ كَافَّةً: هُوَ مُبَاحٌ مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ فُحْشٌ وَنَحْوُهُ، [قَالُوا]: وَهُوَ كَلاَمٌ حَسَنُهُ حَسَنٌ وَقَبِيحُهُ قَبِيحٌ وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ، فَقَدْ سَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ الشِّعْرَ وَاسْتَنْشَدَهُ وَأَمَرَ بِهِ حَسَّانَ فِي هِجَاءِ الْمُشْرِكِينَ وَأَنْشَدَهُ أَصْحَابُهُ بِحَضْرَتِهِ فِي الأَسْفَارِ وَغَيْرِهَا وَأَنْشَدَهُ الْخُلَفَاءُ وَأَئِمَّةُ الصَّحَابَةِ وَفُضَلاَءُ السَّلَفِ وَلَمْ يُنْكِرْهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَلَى إِطْلاَقِهِ وَإِنَّمَا أَنْكَرُوا المَذْمُومَ مِنْهُ وَهُوَ الفُحْشُ وَنَحْوُهُ». وهكذا يَتَبَيَّن لنا أن المذموم من الشعر أن يكون غالبا على الإنسان حتى يشغله عن النافع من العلوم والمعارف وأنواع الكسب المشروعة، أو ما كان فيه فحش وهجر من القول كالهجاء والمدح بغير حق والتشبيب بالنساء وذكر محاسنهن وعوراتهن إلى غير ذلك، ولعلك تأكدت معي - أيها القارئ - أن المؤلف تَجَنَّى على أبي هريرة غاية التَجَنِّي وهول غاية التهويل إذ الرواية الثالثة غير ثابتة والروايتان الأخريان النسيان فيهما أمر محتمل لا متعين. زَعْمُهُ أَنَّ فِي القُرْآنِ الكَرِيمِ شِعْرًا: وَمِمَّا قَدَّمْنَاهُ من رأي العلماء المسلمين في الشعر، وأن حسنه حسن وقبيحه
следующие страницы →