← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 37972

دفاع عن السنة ورد شبه المستشرقين ط مكتبة السنة

محمد أبو شهبة

Полный текст (402 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

الثَّوْبِ» ... فَضِيلَة ظَاهِرَةٌ لأَبِي هُرَيْرَةَ وَمُعْجِزَةٌ وَاضِحَةٌ مِنْ عَلاَمَاتِ النُّبُوَّة؛ لأَنَّ النِّسْيَانَ مِنْ لَوَازِمِ الإِنْسَانِ، وَقَدْ اِعْتَرَفَ أَبُو هُرَيْرَةَ بِأَنَّهُ كَانَ يُكْثِر مِنْهُ ثُمَّ تَخَلَّفَ عَنْهُ بِبَرَكَةِ النَّبِيِّ ﷺ » وهكذا يَتَبَيَّنُ لنا أن المؤلف قد أخطأ فهم عبارة " مسلم " وأنه طعن في غير مطعن. تَصَيُّدُهُ وَتَحْرِيفُهُ بَعْضَ المَرْوِيَّاتِ كَيْ يُثْبِتَ نِسْيَانَ أَبِي هُرَيْرَةَ: ولأجل أَنْ يُبَرِّرَ المؤلف تجنيه على أبي هريرة وأنه اختلق قصة بسط الثوب صار يتصيد بعض روايات زعم أنها تخالف حديث عدم النسيان فقال في [ص ١٧٨] مُتَهَكِّمًا: على أن هذه الذاكرة القوية التي اختص بها أبو هريرة من دون الصحابة جميعًا بل من دون ما ذرأ الله من الطباع الإنسانية قد خانته في مواضع كثيرة، وأن ثوبه الذي بسطه قد تمزق فتناثر ما كان قد ضمه بين أطرافه وإليك أمثلة من ذلك، ثم ذكر: حديث الشيخين عن أبي هريرة: أن النَّبِي ﷺ قال: «لاَ عَدْوَى وَلاَ طِيَرَةَ وَلاَ هَامَةَ» وأن أبا هريرة حدث به ثم نسيه، وقصة ذي اليدين في السهو في الصلاة، وشك أبي هريرة في تعيين الصلاة أهي الظهر أم العصر وذكر أن أبا هريرة لما روى أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قال: «لأَنْ يَمْتَلِئَ جَوْفُ أَحَدِكُمْ قَيْحًا وَدَمًا خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَمْتَلِئَ شِعْرًا» قالت عائشة: لَمْ يَحْفَظْ إِنَّمَا قَالَ: « ... مِنْ أَنْ يَمْتَلِئَ شِعْرًا هُجِيتُ بِهِ» وهكذا تتمخض المواضع الكثيرة التي زعم أنه نسي فيها عن ثلاثة أحاديث وسترى بعد الإجابة عنها أنه لن يسلم له إِلاَّ واحد أو اثنان. ١ - إن الروايات في قصة الثوب اختلفت، ففي بعضها تقييد عدم النسيان بما سمعه من النَّبِيِّ ﷺ بعد هذه المقالة، ففي " صحيح مسلم ": «فَمَا نَسِيتُ بَعْدَ ذَلِكَ الْيَوْمِ شَيْئًا حَدَّثَنِي بِهِ» وفي " صحيح البخاري": «فَمَا نَسِيتُ شَيْئًا بَعْدُ» وفي بعض الروايات أن عدم النسيان إنما كان مُقَيَّدًا بالمقالة التي سمعها من النَّبِيِّ ﷺ في هذه القصة، ففي رواية شُعَيْبٍ: «فَمَا نَسِيتُ مِنْ مَقَالَتِهِ تِلْكَ مِنْ شَيْءٍ» وعلى هذا فإن كان المراد الثاني فلا ينافي أن ينسى قبل هذه المقالة وبعدها بعض الأحاديث، وإن كان المراد الأول وهو الراجح فلا ينافي نسيان بعض الأحاديث قبل هذه القصة.

стр. 142

رَدُّ مَزَاعِمِهِ فِي حَدِيثِ «لاَ عَدْوَى ... »: ٢ - وأما حديث «لا عَدْوَى وَلاَ طِيَرَةَ ... » فقد رواه البخاري في " صحيحه " عن أبي هريرة (١) وعن ابن عمر (٢) وعن أنس بن مالك، وثبت اَيْضًا عن عائشة عند الطبري وعن سعد بن أبي وقاص ورواه " مسلم " عن أبي هريرة وعن السائب بن يزيد وعن جابر وعن أنس وعن ابن عمر (٣) فالحديث لم ينفرد به أبو هريرة، بل وافقه عليه بضعة من الصحابة، فاحتمال أن أبا هريرة اختلقه أو غلط فيه - غمز المؤلف ولمز - احتمال بعيد جِدًّا إن لم يكن مستحيلاً، فلم يبق إِلاَّ أن يكون رجوعه إما لنسيان أو لغرض آخر صحيح وعلى تسليم النسيان فيكون من الأحاديث التي سمعها قبل هذه المقالة، وهذا لا ينافي أنه ما نسي شيئًا بعد ذلك، وبذلك يظهر أن لا منافاة بين نسيان هذا الحديث وقصة بسط الثوب، ثم إن هذا النسيان لحديث واحد - على فرض تسليمه - إنما يعود على أبي هريرة بالتكريم والإكبار لحفظه وقد قيل في الحِكَمِ الشِّعْرِِيَّةَ: وَمَنْ ذَا الذِي تُحْصَى سَجَايَاهُ كُلَّهَا * ... * ... * كَفَى المَرْءِ نُبْلاً أَنْ تَعُدَّ مَعَايِبَهُ وإنا لنلمس هذا الإكبار لحفظ أبي هريرة في قول أبي سلمة، قال أبو سلمة «فَمَا رَأَيْتُهُ نَسِيَ حَدِيثًا غَيْرَهُ» بل جاء في بعض الروايات تردد أبي سلمة بين نسيان أبي هريرة أو نسخ أحد الحديثين للآخر (٤) على أن تسليمنا نسيان أبي هريرة إنما هو على سبيل الاحتمال، ومن الجائز جِدًّا أن يكون رجوعه عنه أو السكوت عليه وعدم التحديث به لغرض آخر شريف ككونه منسوخًا مثلاً، وإليك ما قاله الحافظ الكبير ابن حجر لترى الفرق بين العلماء المُتَثَبِّتِينَ وَالأَدْعِيَاءِ المَغْرُورِينَ قال - تعليقا على قول أبي سلمة «فَمَا رَأَيْتُهُ نَسِيَ حَدِيثًا غَيْرَهُ» - «في رواية يونس قَالَ أَبُو سَلَمَة: " وَلَعَمْرِي لَقَدْ كَانَ يُحَدِّثنَا بِهِ فَمَا أَدْرِي أَنَسِيَ أَبُو هُرَيْرَة أَمْ نَسَخَ أَحَدُ القَوْلَيْنِ لِلآخَرِ "، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ أَبُو سَلَمَة ظَاهِر فِي أَنَّهُ كَانَ يَعْتَقِد أَنَّ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ تَمَامَ التَّعَارُضِ، وَقَدْ

стр. 143

تَقَدَّمَ وَجْهُ الْجَمْع بَيْنهمَا فِي أنه كان يعتقد أن بين الحديثين تمام التعارض وقد تقدم وجه الجمع بينهما في " بَابِ الْجُذَام " (١) ... قَالَ ابْنُ التِّينِ: لَعَلَّ أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَ يَسْمَعُ هَذَا الحَدِيْثِ قَبْلَ أَنْ يَسْمَعَ مِنَ النَّبِيِِّ ﷺ حَدِيْثَ " مْنْ بَسَطَ رِدَاءَهُ ثُمَّ ضَمَّهُ إِلَيْهِ لَمْ يَنْسَ شَيْئًا سَمِعَهُ مِنْ مَقَالَتِي " وَقَدْ قِيلَ فِي الحَدِيث المَذْكُور إِنَّ الْمُرَاد أَنَّهُ لاَ يَنْسَى تِلْكَ الْمَقَالَة الَّتِي قَالَهَا ذَلِكَ الْيَوْم لاَ أَنَّهُ يَنْتَفِي عَنْهُ النِّسْيَان أَصْلاً. وَقِيلَ: كَانَ الْحَدِيث الثَّانِي نَاسِخًا لِلأَوَّلِ فَسَكَتَ عَنْ الْمَنْسُوخ»، وقال القرطبي في " المُفْهَمِ ": " وَيُحْتَمَل اَيْضًا أَنَّهُمَا لَمَّا كَانَا خَبَرَيْنِ مُتَغَايِرَيْنِ عَنْ حُكْمَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ لاَ مُلاَزَمَة بَيْنهمَا جَازَ عِنْده أَنْ يُحَدِّث بِأَحَدِهِمَا وَيَسْكُت عَنْ الآخَر حَسْبَمَا تَدْعُو إِلَيْهِ الْحَاجَة ... وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون خَافَ اِعْتِقَاد جَاهِل يَظُنّهُمَا مُتَنَاقِضَيْنِ فَسَكَتَ عَنْ أَحَدهمَا، وَكَانَ إِذَا أُمِنَ ذَلِكَ حَدَّثَ بِهِمَا جَمِيعًا» (٢) وهكذا ترى أن النسيان ليس بمتيقن بل هو احتمال، وعن فرض تسليمه فلا تعارض بينه وبين حديث البسط، فهل بعد هذا يستحق أبو هريرة من هذا الطاعن السليط كل هذا التهكم والتثريب؟. رَدُّ زَعْمِهِ فِي حَدِيثِ السَّهْوِ فِي الصَّلاَةِ: وأما حديث السهو في الصلاة فقد اعتمد فيه المؤلف على ما ذكره الحافظ في " الفتح "، وقد استظهر الحافظ أن الشك من الرواة ثم جواز أن يكون من أبي هريرة لأجل رواية النسائي، وأنه مرة كان يجزم بتعيين الصلاة وَمَرَّةً كان يشك، وإليك ما ذكر الحافظ في " الفتح " (٣) لترى المؤلف يأخذ ما يشاء ويدع ما يشاء على حسب هواه قال: «وَالظَّاهِر أَنَّ الاِخْتِلاَفَ فِيهِ مِنَ الرُّوَاةِ. وَأَبْعَدَ مَنْ قَالَ: يُحْمَلُ عَلَى أَنَّ القِصَّةَ وَقَعَتْ مَرَّتَيْنِ، بَلْ رَوَى النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ اِبْنِ عَوْنٍ عَنْ اِبْنِ سِيرِينَ أَنَّ اَلشَّكَّ

стр. 144

فِيهِ مِنْ أَبِي هُرَيْرَة وَلَفْظه " صَلَّى ﷺ إِحْدَى صَلاَتَيْ العَشِيِّ ـ قَالَ أَبُو هُرَيْرَة ـ: " وَلَكِنِّي نَسِيتُهَا " فَالظَّاهِر أَنَّ أَبَا هُرَيْرَة رَوَاهُ كَثِيرًا عَلَى الشَّكِّ، وَكَانَ رُبَّمَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهَا الظُّهْرُ فَجَزَمَ بِهَا، وَتَارَةً غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهَا العَصْرُ فَجَزَمَ بِهَا ... ». فها أنت ذا ترى أن كون الشك من أبي هريرة ليس مقطوعًا به لجواز أن يكون أحد الرواة - في رواية النسائي - وَهِمَ فنسب النسيان إلى أبي هريرة ولو سلمنا كون الشك منه فلعل هذا مِمَّا سمعه قبل قصة بسط الثوب. حَدِيثُ الشِّعْرِ وَتَحْقِيقُ الحَقِّ فِيهِ: وأما حديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: لأَنْ يَمْتَلِئَ جَوْفُ أَحَدِكُمْ قَيْحًا وَدَمًا، خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَمْتَلِئَ شِعْرًا»، قالت عائشة: لَمْ يَحْفَظْ إِنَّمَا قَالَ: «مِنْ أَنْ يَمْتَلِئَ شِعْرًا هُجِيتُ بِهِ»، فليس للمؤلف فيه أية وجهة حق، وإنما هي خطفة خطفها من بعض الكتب دون تحقيق. وإليك الحق في هذا: ١ - إن الحديث باللفظ الذي زعم أن عائشة اعترضت عليه قد رواه البخاري في " صحيحه " عن أبي هريرة وعن ابن عمر مرفوعين (١) ورواه مسلم في " صحيحه " عن أبي هريرة وعن سعد بن أبي وقاص وعن أبي سعيد الخُدري فها أنت ذا ترى أن أبا هريرة لم ينفرد به، بل وافقه عليه ثلاثة من الصحابة مِمَّا يبعد - إن لم يحل - تعقب السيدة عائشة له بأنه لم يحفظ. ٢ - إن هذه الرواية غير ثابتة من جهة الرواية، ولا هي صحيحة من جهة الدراية. أما الأول فلما قاله الحافظ في " الفتح " - بعد أن ذكر أن هذه الزيادة جاءت عن الشَعْبِيِّ مرسلة والمرسل لا يحتج به قال: «(٢) وَقَدْ وَقَعَ لَنَا ذَلِكَ مَوْصُولاً مِنْ وَجْهَيْنِ آخَرَيْنِ، فَعِنْدَ [أَبِي يَعْلَى] مِنْ حَدِيث جَابِر فِي الحَدِيث الْمَذْكُور " قَيْحًا أَوْ

стр. 145

دَمًا خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَمْتَلِئ شِعْرًا هُجِيتُ بِهِ " وَفِي سَنَده رَاوٍ لاَ يُعْرَف، وَأَخْرَجَهُ الطَّحَاوِيُّ وَابْن عَدِيٍّ مِنْ رِوَايَةِ اِبْن الكَلْبِيِّ عَنْ أَبِي صَالِح عَنْ أَبِي هُرَيْرَة مِثْل حَدِيث البَاب قَالَ: " فَقَالَتْ عَائِشَة لَمْ يَحْفَظ إِنَّمَا قَالَ: مِنْ أَنْ يَمْتَلِئ شِعْرًا هُجِيت بِهِ "، وَابْنُ الْكَلْبِيِّ وَاهِي الحَدِيث، وَأَبُو صَالِح شَيْخُهُ مَا هُوَ الَّذِي يُقَال لَهُ السَّمَّانُ المُتَّفَق عَلَى تَخْرِيجِ حَدِيثهِ فِي الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، بَلْ هَذَا آخَر ضَعِيفٌ يُقَال لَهُ بَاذَانْ، فَلَمْ تَثْبُتْ هَذِهِ [الزِّيَادَة]: وأما من جهة الدراية فإليك ما قاله الإمام النووي في " شرح مسلم " (١): «قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: قَالَ بَعْضُهُمْ الْمُرَادُ بِهَذَا الشِّعْرِ شِعْرٌ هُجِيَ بِهِ النَّبِيِّ ﷺ . قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ وَالْعُلَمَاءُ كَافَّةً: هَذَا تَفْسِيرٌ فَاسِدٌ، لأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ المَذْمُومَ مِنَ الهِجَاءِ أَنْ يَمْتَلِئَ مِنْهُ دُونَ قَلِيلِهِ، وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ الكَلِمَةَ الواحدة من هجاء النبي ﷺ مُوجِبَةٌ لِلْكُفْرِ. قَالُوا بَلِ الصَّوَابُ أَنَّ المُرَادَ أَنْ يَكُونَ الشِّعْرُ غَالِبًا عَلَيْهِ مُسْتَوْلِيًا عَلَيْهِ بِحَيْثُ يَشْغَلُهُ عَنِ القُرْآنِ وَغَيْرِهِ مِنَ العُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ وَذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَهَذَا مَذْمُومٌ مِنْ أَيِّ شِعْرٍ كَانَ، فَأَمَّا إِذَا كَانَ القُرْآنُ وَالحَدِيثُ وَغَيْرُهُمَا مِنَ العُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ هُوَ الغَالِبُ عَلَيْهِ فَلاَ يَضُرُّ حِفْظُ اليَسِيرِ مِنَ الشِّعْرِ [مَعَ هَذَا] لأَنَّ جَوْفَهُ لَيْسَ مُمْتَلِئًا شِعْرًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ .. » إلى أن قال: «وَقَالَ الْعُلَمَاءُ كَافَّةً: هُوَ مُبَاحٌ مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ فُحْشٌ وَنَحْوُهُ، [قَالُوا]: وَهُوَ كَلاَمٌ حَسَنُهُ حَسَنٌ وَقَبِيحُهُ قَبِيحٌ وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ، فَقَدْ سَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ الشِّعْرَ وَاسْتَنْشَدَهُ وَأَمَرَ بِهِ حَسَّانَ فِي هِجَاءِ الْمُشْرِكِينَ وَأَنْشَدَهُ أَصْحَابُهُ بِحَضْرَتِهِ فِي الأَسْفَارِ وَغَيْرِهَا وَأَنْشَدَهُ الْخُلَفَاءُ وَأَئِمَّةُ الصَّحَابَةِ وَفُضَلاَءُ السَّلَفِ وَلَمْ يُنْكِرْهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَلَى إِطْلاَقِهِ وَإِنَّمَا أَنْكَرُوا المَذْمُومَ مِنْهُ وَهُوَ الفُحْشُ وَنَحْوُهُ». وهكذا يَتَبَيَّن لنا أن المذموم من الشعر أن يكون غالبا على الإنسان حتى يشغله عن النافع من العلوم والمعارف وأنواع الكسب المشروعة، أو ما كان فيه فحش وهجر من القول كالهجاء والمدح بغير حق والتشبيب بالنساء وذكر محاسنهن وعوراتهن إلى غير ذلك، ولعلك تأكدت معي - أيها القارئ - أن المؤلف تَجَنَّى على أبي هريرة غاية التَجَنِّي وهول غاية التهويل إذ الرواية الثالثة غير ثابتة والروايتان الأخريان النسيان فيهما أمر محتمل لا متعين. زَعْمُهُ أَنَّ فِي القُرْآنِ الكَرِيمِ شِعْرًا: وَمِمَّا قَدَّمْنَاهُ من رأي العلماء المسلمين في الشعر، وأن حسنه حسن وقبيحه

стр. 146

قبيح، يَتَبَيَّن لنا تهافت ما ذكره في [ص ١٧٩، هامش] حيث قال: «اتخذ الذين لا يعلمون قول أبي هريرة هذا حُجَّةً على أن النَّبِيَّ ﷺ كان يكره الشعر، وفشا ذلك بين المسلمين وغير المسلمين في حين أنا نجده ﷺ كان يُصْغِي إلى الشعر ويمدحه ويثيب عليه إلى أن قال: وفي القرآن عشرات من الأبيات الشعرِيَّةَ وكثير جدا من الأشطار فمن الرمل: وَجِفَان كَالْجَوَابِ * ... * ... * وَقُدُور رَاسِيَاتٍ ومن الخفيف: وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا * ... * ... * يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ ومن الوافر: وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ * ... * ... * وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَا ولا نستوفي كل ما جاء في القرآن من أبيات وأشعار حتى لا يطول بنا الطريق، ونستطرد إلى ما هو خارج عن موضوعنا». ولا أدري إذا لم يكن هذا استطرادًا وخروجًا عن الموضوع فما هو الاستطراد والخروج إِذًا؟ ولو أن الأمر وقف عند حد الاستطراد لهان الأمر، ولكن المؤلف سقط في أمر من البدهي نفيه عن القرآن وهو وجود الشعر فيه: والشعر - يا مدعيًا التأدب - لا يكون شعرًا إِلاَّ بالقصد، والعلماء لما قالوا: إن الكلام الموزون لا يكون شعرًا إِلاَّ بالقصد استدلوا على ذلك بوقوع جمل موزونة في القرآن الكريم مع الاتفاق بين العلماء قاطبة على عدم تسمية ذلك شعرًا، وكيف خفي على المؤلف ذلك والله يقول: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ (١). فقد نفت الآية أن يكون القرآن شعرًا، وقصرته على كونه ذكرًا وقرآنًا مبينًا، يقول العَلاَّمَةُ الزمخشري - وهو من أدباء العربية غير منازع ورائد المفسرين في الكشف عن أسرار الإعجاز -: «أي وما علمناه بتعليم القرآن الشعر على معنى أن القرآن ليس بشعر وما هو من الشعر في شيء، والشعر إنما هو كلام موزون مقفي يدل على معنى فأين الوزن وأين التقفيه وأين المعاني التي ينتجها الشعراء من معانيه؟ وأين نظم كلامهم من نظمه وأساليبه؟ فإذا لا مناسبة بينه وبين الشعر إذا حققت، اللَّهُمَّ إِلاَّ أن هذا لفظ عربي كما أن ذاك كذلك ثم قال: فإن قلت فقوله:

стр. 147

أَنَا النَّبِيُّ لاَ كَذِبْ * ... * ... * أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ وقوله: هَلْ أَنْتِ إِلاَّ إِصْبَعٌ دَمِيتِ * ... * ... * وَفِي سَبِيلِ اللهِ مَا لَقِيتِ قلت: ما هو إِلاَّ كلام من جنس كلامه الذي كان يرمي به على السليقة من غير صنعة ولا تكلف إِلاَّ أنه اتفق ذلك من غير قصد إلى ذلك ولا التفات منه إليه أن جاء موزونًا، كما يتفق في كثير من إنشاءات الناس في خطبهم ورسائلهم ومحاوراتهم أشياء موزونة لا يسميها أحد شعرًا، ولا يخطر ببال المتكلم ولا السامع أنها شعر، وإذا فتشت في كل كلام عن نحو ذلك وجدت الواقع في أوزان البحور غير عزيز ... ولما نفى أن يكون القرآن من جنس الشعر قال: ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ (١) يعني ما هو إِلاَّ ذكر من الله تعالى يوعظ به الإنس والجن كما قال: ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾ (٢). وما هو إِلاَّ قرآن كتاب سماوي يقرأ في المحاريب ويتلى في المتعبدات وينال بتلاوته والعمل بما فيه فوز الدارين، فكم بينه وبين الشعر الذي هو من همزات الشياطين؟». فهل كان يخفى على الزمخشري وهو من هو ضلاعة في اللغة والبلاغة وفن القول ما ظهر لمؤلف آخر الزمان؟ وقال تعالى: ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ، وَمَا لاَ تُبْصِرُونَ، إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ، وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلاً مَا تُؤْمِنُونَ، وَلاَ بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ﴾ (٣). ، فقد نفى أن يكون النَّبِيُّ شاعرًا وأن يكون القرآن شعرًا، قال الإمام الألوسي في تفسير هذه الآية (٤): «وذكر الإيمان مع نفي الشاعرِيَّةَ والتذكر مع نفي الكاهنية قيل: لما أن عدم مشابهة القرآن الشعر أمر بين لا ينكره إِلاَّ معاند، فلا عذر لمدعيها في ترك الإيمان وهو أكفر من حمار، بخلاف مباينته للكهانة فإنها تتوقف على تذكر أحواله ﷺ ومعاني القرآن المنافية لطريق الكهانة ومعاني أقوالهم». ويقول حَاكِيًا لمقالة المشركين وَمُنْكِرًا لها: ﴿بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الأَوَّلُونَ﴾ (٥) ويقول:

стр. 148

﴿فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلاَ مَجْنُونٍ، أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ﴾ (١). فقد أنكر عليهم قولهم: إن النَّبِيَّ شاعر وبالتالي ينتفي كون ما جاء به شِعْرًا، فهل بعد ما سمعت من أقوال الله وأقوال الراسخين من أهل العلم يزعم المؤلف أنه على شيء من العلم أو على شيء من الإيمان؟!. زَعْمُهُ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ لَمْ يَحْفَظْ القُرْآنَ: وقال في [ص ١٨٠]: «ومن عجيب أمر الذين يثقون بأبي هريرة ثقة عمياء أنهم يمنعون السهو والنسيان عنه، ولا يتحرجون من أن ينسبوهما إلى النَّبِيِّ ﷺ وذكر حديثًا في نسيان النَّبِيِّ بعض سور من القرآن إلى أن قال: «وإذا كان أبو هريرة على ما وصف به نفسه ذَكِيًّا فَطِنًا قوي الذاكرة واسع الحافظة ضَابِطًا لكل ما يسمع لا تفلت منه كلمة ولا يند عنه لفظ فلم لم يحفظ القرآن على فراغه وطول عمره في الإسلام؟ وقد حفظه كثير من الرجال وكذلك بعض النساء ومنهم أم ورقة، ولكن الأمر قد جرى على غير ذلك، فلم يكن له شأن يذكر في زمن النَّبِيِّ ﷺ ولا في عهد الخلفاء الراشدين، وقد حدثناك من قبل عن مبلغ ثقة عمر به، فقد كان ينهاه عن رواية الحديث ولما لم يرجع ضربه بالدرة وأنذره إذا هو روى أن ينفيه إلى بلاده، ولو كان أبو هريرة على ما زعم لأباح له وحده الرواية، وكان عنده وعند غيره أصدق من روى، ولم يقف الأمر عند ذلك، بل إنهم قد اتهموه في الرواية كما سترى ذلك فيما بعد واضحًا محققًا إن شاء الله». ولا أدري من ذا الذي زعم من العلماء قديمًا وحديثًا أن أبا هريرة لا ينسى ولا يسهو، إنه بشر ينسى ويسهو ولكن الله أكرمه ببركة دعاء النَّبِيِّ ﷺ فما نسي من حديث النَّبِيِّ بعد قصة بسط الثوب شيئًا، وقد قدمنا شهادة الواقع له وشهادة كبار الصحابة والعلماء له، مِمَّا لا داعي لإعادته، ثم من أين «لأَبِي رَيَّةَ» أنه لم يحفظ القرآن في حياة النَّبِيِّ وبعد حياته؟ ولماذا لم يذكر لنا سنده في هذا لنناقشه؟؟ وقد ذكر الإمام السيوطي في " الإتقان " (٢) عن أبي عبيد أن أبا هريرة ﵁ كان من قُرَّاء الصحابة وأنه قرأ على أقرأ الصحابة أُبَيٍّ بْنِ كَعْبٍ ﵁ ومن قواعد أدب البحث أن المثبت مقدم على النافي، ولو سلمنا جدلاً أنه

стр. 149

لم يحفظ القرآن كله في حياة النَّبِيِّ ﷺ لما عاد ذلك عليه بالنقيصة، لأن بعض الصحابة على جلالتهم ما كانوا يحفظون القرآن كله في حياة النَّبِيِّ، ثم تهيأ بعد ذلك حفظه كله، وقد قدمت أن أبا هريرة تصدر للعلم والفتوى زمنًا طويلاً، وكيف يتهيأ لمن لم يحفظ القرآن التصدر للعلم والفتوى؟؟. ثم أتدري أيها القارئ من أين أخذ أنه لم يحفظ القرآن؟ لعله أخذه من تعليقته التي ذكرها في [هامش ص ١٨٣] حيث قال: «روى مسلم أن النبي ﷺ قال: «خذوا القرآن من أربعة: من ابن أم عبد فبدأ به، ومعاذ بن جبل، وأبي بن كعب، وسالم مولى أبي حذيفة» ثم علق فقال: فترى أنه لم يصل إلى درجة أحد الموالي!!! فهل هذا منطق يا أصحاب العقول؟!!. ولو كان في عدم ذكر أبي هريرة في هذا الحديث إهمالا له وإزراء به فماذا يقول في مشاهير الصحابة الذين لم يذكروا في هذا الحديث، ولم يوص النبي بأخذ القرآن منهم كالخلفاء الراشدين وزيد بن ثابت وأبي الدرداء والعبادلة الأربعة وغيرهم ممن كانوا يحفظون القرآن كله؟ فهل نطبق عليهم هذا المنطق الأعرج المعكوس؟!! أما ما ذكره من قوله: ولكن الأمر جرى على غير ذلك، فهو لا يزيد عن كونه سفاها وسبابا ورجما بالغيب، وتلك شنشنة نعرفها من أخزم، وفيما قدمته من ردود ما فيه الكفاية. طَعْنُهُ فِي حَدِيثِ الوِعَاءَيْنِ وَزَعْمِهِ أَنَّهُ مُعَارِضٌ لأَحَادِيثَ أُخْرَى: قال في [ص ١٨٢] تحت عنوان «حفظ الوعاءين». أخرج " البخاري " عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «حَفِظْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وِعَاءَيْنِ: فَأَمَّا أَحَدُهُمَا فَبَثَثْتُهُ، وَأَمَّا الآخَرُ فَلَوْ بَثَثْتُهُ قُطِعَ هَذَا البُلْعُومُ». وهذا الحديث معارض لحديث رواه الجماعة بألفاظ متقاربة عن علي ﵁ فقد سئل هل عندكم كتاب؟ فقال: «لا، إلا كتاب الله، أو فهم أعطيه رجل مسلم، أو ما في هذه الصحيفة». وكذا يعارض ما رواه " البخاري " عن عبد العزيز بن رفيع، قال: دخلت أنا وشداد بن معقل، على ابن عباس ﵄، فقال له شداد بن معقل: أترك النبي ﷺ من شيء؟ قال: «ما ترك إلا ما بين الدفتين»، ولو كان هناك شيء يؤثر به النبي ﷺ أحد خواصه،

стр. 150

ويحجبه عن سائر أصحابه لكان علي أولى الناس جميعا بذلك، وذلك بأنه ربيبه، وابن عمه، وأول من أسلم، وزوج ابنته ولم يفارقه في سفر ولا حضر، فإن لم يكن عَلِيٌّ فَالصِدِّيقُ أَبُو بَكْرٍ أَوْ عُمَرَ أَوْ أَبُو عُبَيْدَةَ أو ... أو ... إلخ من عدد من الصحابة والصحابيات. عَنْ حُذَيْفَةَ، قَالَ: «قَامَ فِينَا رَسُولُ اللهِ ﷺ مَقَامًا، مَا تَرَكَ شَيْئًا يَكُونُ فِي مَقَامِهِ ذَلِكَ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ، إِلاَّ حَدَّثَ بِهِ، حَفِظَهُ مَنْ حَفِظَهُ وَنَسِيَهُ مَنْ نَسِيَهُ»، قَدْ عَلِمَهُ أَصْحَابِي هَؤُلاَءِ، وَإِنَّهُ لَيَكُونُ مِنْهُ الشَّيْءُ قَدْ نَسِيتُهُ فَأَرَاهُ فَأَذْكُرُهُ، كَمَا يَذْكُرُ الرَّجُلُ وَجْهَ الرَّجُلِ إِذَا غَابَ عَنْهُ، ثُمَّ إِذَا رَآهُ عَرَفَهُ، وكيف يكون ذلك؟ وأين يذهب ما رواه " الصحيحان " عَنْ حُذَيْفَةَ: «قَامَ فِينَا رَسُولُ اللهِ ﷺ مَقَامًا، مَا تَرَكَ شَيْئًا يَكُونُ فِي مَقَامِهِ ذَلِكَ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ، إِلاَّ حَدَّثَ بِهِ، حَفِظَهُ مَنْ حَفِظَهُ وَنَسِيَهُ مَنْ نَسِيَهُ». وقد قال بعض العلماء - كما جاء في " تاريخ ابن عساكر ": «إن اعتقاد ذلك - أي أن النَّبِيَّ ﷺ كتم عن جميع الصحابة شيئا يؤدي إلى نسبة الخيانة إلى النَّبِيِّ ﷺ معاذ الله!». والجواب: إن هذا الحديث رواه الإمام البخاري في " صحيحه "، وهو في غاية الصحة رواية ودراية، والمراد بالوعاءين نوعان من الأحاديث التي تلقاها عن النَّبِيِّ ﷺ فالكلام من قبيل المجاز وهو مجاز معروف مستساغ وأحد الوعاءين - وهو ما يتعلق بأحاديث الأحكام والآداب والمواعظ - قد بَلَّغَهُ حتى لا يكون كاتمًا وأما الآخر وهو ما يتعلق بالفتن والملاحم وأشراط الساعة، والإشارة إلى ولاة السوء، فقد آثر أن لا يذكر الكثير منه حتى لا يكون فتنة لسامعه، أو يسبب له التحديث به الضرر في نفسه أو ولده أو ماله من أمراء السوء، قال العلامة ابن كثير في (١) " البداية والنهاية ": «وَهَذَا الْوِعَاءُ الَّذِي كَانَ لاَ يَتَظَاهَرُ بِهِ هُوَ الْفِتَنُ وَالْمَلاَحِمُ وَمَا وَقَعَ بَيْنَ النَّاس مِنَ الْحُرُوبِ وَالْقِتَالِ، وَمَا سَيَقَعُ التِي لَوْ أَخْبَرَ بِهَا قَبْلَ كَوْنِهَا لَبَادَرَ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ إِلَى تَكْذِيبِهِ، وَرَدُّوا مَا أَخْبَرَ بِهِ مِنَ الحَقِّ» وقال الإمام الحافظ ابن حجر في " الفتح " (٢): «وَحَمَلَ العُلَمَاء الوِعَاء الذِي لَمْ يَبُثَّهُ عَلَى الأَحَادِيث التِي فِيهَا تَبْيِينُ أَسَامِي أُمَرَاءَ السُّوءِ وَأَحْوَالِهِمْ وَزَمَنِهِمْ، وَقَدْ كَانَ أَبُو هُرَيْرَة يَكُنِّي عَنْ بَعْضه وَلاَ يُصَرِّح بِهِ خَوْفًا عَلَى نَفْسه مِنْهُمْ، كَقَوْلِهِ: " أَعُوذ بِاَللَّهِ مِنْ رَأْس السِّتِّينَ وَإِمَارَة الصِّبْيَان "

стр. 151

يُشِير إِلَى خِلاَفَة يَزِيد بْن مُعَاوِيَة لأَنَّهَا كَانَتْ سَنَة سِتِّينَ مِنَ الهِجْرَة. وَاسْتَجَابَ اللَّه دُعَاءَ أَبِي هُرَيْرَةَ فَمَاتَ قَبْلهَا بِسَنَةٍ ... وَيُؤَيِّد ذَلِكَ أَنَّ الأَحَادِيث المَكْتُومَةَ لَوْ كَانَتْ مِنْ الأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ مَا وَسِعَهُ كِتْمَانُهَا لِمَا ذَكَرَهُ فِي الحَدِيثِ الأَوَّلِ مِنَ الآيَةِ (١) الدَّالَّةِ عَلَى ذَمِّ مَنْ كَتَمَ العِلْمَ. وَقَالَ غَيْرهُ: " يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ مَعَ الصِّنْفِ الْمَذْكُورِ مَا يَتَعَلَّقُ بِأَشْرَاطِ السَّاعَة وَتَغَيُّرِ الأَحْوَالِ وَالمَلاَحِمِ فِي آخِرِ الزَّمَانِ، فَيُنْكِرُ ذَلِكَ مَنْ لَمْ يَأْلَفْهُ، وَيَعْتَرِضَ عَلَيْهِ مَنْ لاَ شُعُورَ لَهُ بِهِ» (٢). وأيا كان تأويل الحديث فليس فيه ما يدل على أن النَّبِيَّ ﷺ خَصَّهُ بشيء على ذلك دون غيره، حتى يرتب المؤلف على الحديث كل هذه الإشكالات التي قالها وهي غير ذات موضوع، ولم نعلم أحدًا قط من علماء اللغة والبلاغة والأدب اعتبر هذا الأسلوب مفيدًا للتخصيص، اللَّهُمَّ إِلاَّ في ذهن هذا المؤلف الذي يزعم أنه أديب، وما هو من أهل الأدب في شيء!. أما ما ذكره من حديث عَلِيٍّ وابن عباس، فلا دخل لهما بما ذكرناه في تأويل حديث أبي هريرة، فحديثه في واد وحديث عَلِيٍّ وابن عباس في واد آخر، ذلك أن الشيعة ومن على شاكلتهم كانوا يزعمون أن النَّبِيَّ ﷺ خَصَّ آل بيته ولا سيما عَلِيًّا بأشياء لم يطلع غيرهم عليها، فمن ثم سأل السائل عَلِيًّا، وأجابه عَلِيٌّ بما هو الحق والواقع، قال الحافظ ابن حجر (٣) في شرحه للحديث الذي أشار إليه المؤلف: «وَإِنَّمَا سَأَلَهُ أَبُو جُحَيْفَةَ - هُوَ السَائِلُ لِعَلِيٍّ - عَنْ ذَلِكَ، لأَنَّ جَمَاعَة مِنَ الشِّيعَةِ كَانُوا يَزْعُمُونَ أَنَّ عِنْد أَهْلِ البَيْتِ - لاَ سِيَّمَا عَلِيًّا - أَشْيَاءَ مِنَ الوَحْيِ خَصَّهُمْ النَّبِيُّ ﷺ بِهَا لَمْ يُطْلِع [غَيْرَهُمْ] عَلَيْهَا. وَقَدْ سَأَلَ عَلِيًّا عَنْ هَذِهِ المَسْأَلَة اَيْضًا قَيْسُ [بْنُ عُبَادٍ] (*) وَالأَشْتَر النَّخَعِيُّ وَحَدِيثُهُمَا فِي " مُسْنَد النَّسَائِيِّ "». وإذا كان حذيفة قال

стр. 152

في حديث آخر: «وَاَللَّه إِنِّي لأَعْلَمُ النَّاسِ بِكُلِّ فِتْنَة هِيَ كَائِنَةٌ فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَ السَّاعَةِ» فليس في حديث أبي هريرة ما يعارضه، لأن أبا هريرة لم يقل: إنه أعلم الناس، على أن حذيفة حلف على حسب ظنه، وقد يصدق في ظنه فيكون هو أعلم الناس بالفتن، وقد لا يصدق في ظنه فيكون هناك من أعلم منه بها. وهكذا يتضح أنه لا تعارض بين الحديثين قط، بل ولا شبهة تعارض، وأما ما ذكره بعد من أن النَّبِيَّ ﷺ لو كان مُؤْثِرًا أَحَدًا بشيء لآثر عَلِيَّا وَفُلاَنًا وَفُلاَنًا مِمَّنْ عَدَّهُمْ، فهو كلام خطابي وتمويه لأجل النيل من أبي هريرة. وأيضا فلا تعارض قط بين حديث أبي هريرة وحديث حذيفة: «قَامَ فِينَا رَسُولُ اللهِ ... الحديث» لأن حذيفة لم يزعم أن النَّبِيَّ خصه به، ولا أن غيره لم يحفظ مثل ما حفظ، بل عبارته تدل على أن غيره حفظه، ففي الحديث: «حَفِظَهُ مَنْ حَفِظَهُ وَنَسِيَهُ مَنْ نَسِيَهُ» وتمام الحديث كما في " مسلم ": «قَدْ عَلِمَهُ أَصْحَابِي هَؤُلاَءِ، وَإِنَّهُ لَيَكُونُ مِنْهُ الشَّيْءُ قَدْ نَسِيتُهُ فَأَرَاهُ فَأَذْكُرُهُ، كَمَا يَذْكُرُ الرَّجُلُ وَجْهَ الرَّجُلِ إِذَا غَابَ عَنْهُ، ثُمَّ إِذَا رَآهُ عَرَفَهُ» ولا يخفى على القارئ أن أَبَا رَيَّةَ لم يذكر تتمة الحديث، لأنها تَرُدُّ عليه زعمه وتجعله يغص بريقه. وقد ورد ما يدل على أن إخبار النَّبِيِّ لهم كان على ملأ منهم، ففي " صحيح مسلم " عَنْ أَبِي زَيْدٍ يَعْنِي عَمْرَو بْنَ أَخْطَبَ، قَالَ: «صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ الفَجْرَ، وَصَعِدَ المِنْبَرَ فَخَطَبَنَا حَتَّى حَضَرَتِ الظُّهْرُ، فَنَزَلَ فَصَلَّى، ثُمَّ صَعِدَ المِنْبَرَ، فَخَطَبَنَا حَتَّى حَضَرَتِ الْعَصْرُ، ثُمَّ نَزَلَ فَصَلَّى، ثُمَّ صَعِدَ المِنْبَرَ، فَخَطَبَنَا حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ، فَأَخْبَرَنَا بِمَا كَانَ وَبِمَا هُوَ كَائِنٌ، فَأَعْلَمُنَا أَحْفَظُنَا». وأما ما نقله عن " تاريخ ابن عساكر " من مقالة بعض العلماء فلا أدري ولا غيري يدري ما الحامل له على ذكره؟ ورواية أبي هريرة ليس فيها ما يُشْتَمُّ منه أن النَّبِيَّ كتم شيئًا عن جميع الصحابة، ولا اِدَّعَى أبو هريرة ذلك، وإنما هو من تجنيات أَبِي رَيَّةَ.

стр. 153

زَعْمُهُ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ لَمْ يُذْكَرْ فِي طَبَقَاتِ الصَّحَابَةِ وَلَيْسَتْ لَهُ فَضِيلَةٌ وَلاَ مَنْقَبَةٌ: في [ص ١٨٤] قال: «ومن هو أبو هريرة حتى يؤثره النَّبِيُّ ﷺ بشيء يخصه به، ويكتمه ويخفيه من أصفيائه وأحبابه وأقرب الناس إليه، إنه لم يكن له أي فضل يدنو به إلى النَّبِيِّ، ولا عُدَّ بعد انتقال الرسول إلى الرفيق الأعلى من أية طبقة من طبقات الصحابة، فلا هو من السابقين الأولين، ولا من المهاجرين ولا من الأنصار، ولا من المجاهدين بأموالهم وأنفسهم، ولا من النقباء، ولا من العرفاء، ولا من الكملة في الجاهلية وأول الإسلام، ولا من شعراء النَّبِيِّ ﷺ الذين نافحوا عنه، ولا من المفتين، ولا من القُرَّاءِ الذين حفظوا القرآن، ولا جاء في فضله حديث عن الرسول، وكل ما عرف عنه أنه كان عريف أهل الصفة لا أكثر ولا أقل. ثم زاد الجهل جهلاً فجاء في الحاشية [ص ١٨٤] فذكر: أنهم قسموا الصحابة من حيث فضلهم إلى اثتني عشرة درجة ثم ذكرها ... وقد مَثَّلَ الحاكم لكل طبقة ببعض الصحابة ولم يذكر أبا هريرة فيمن مَثَّلَ بهم. وقال في حاشية [ص ١٨٥]: روى البخاري وغيره أحاديث كثيرة في فضائل طائفة كبيرة من أجلاء الصحابة لم نر بينهم أبا هريرة. وفي الحق أنَّ المؤلف لم يغرق في الجهل مثل ما أغرق في هذه الفقرات وإليك مفصل الحق فيما ذكره: أما ما زعمه من أنه لم يعد في أي طبقة من طبقات الصحابة فمردود، ولو كان على شيء من العلم والفهم لعلم أنه مِمَّنْ هاجر بين الحديبية والفتح، إذ الثابت أنه قدم على النَّبِيِّ مهاجرًا من بلده سَنَةَ سَبْعٍ، والحاكم حينما قسم الصحابة إلى اثتني عشرة طبقة إنما قصد التقسيم الكلي، ولم يقصد سرد أسماء كل طبقة ولا استيعابهم، لأن هذا أمر يطول، وكان على المؤلف - وهو الذي يزعم أنه طوف في مئات الكتب - أن يعرف أنه في الطبقات التي دللناه عليها. وأما ما زعمه من أنه لم يكن له أي فضل يدنو به إلى النَّبِيِّ ﷺ فغير صحيح، فبحسبه فضلاً أنه صاحب رسول الله ﷺ ، وأنه لازمه ما يزيد عن ثلاث

стр. 154

سنين، وأن النَّبِيَّ دَعَا لَهُ وَلأُمِّهِ أَنْ يُحَبِّبْهُمَا إِلَى عِبَادِهِ المُؤْمِنِينَ، وَيُحَبِّبَ إِلَيْهِمَا المُؤْمِنِينَ، وأنه عريف أهل الصُفَّةِ وهم أضياف الإسلام وأحباب الرسول ﷺ وأنه دعا فَأَمَّنَ النَّبِيُّ على دعائه، وكذلك ما زعمه من أنه لَمْ يَرِدْ في فضله حديث فمردود اَيْضًا، فقد ذكره الإمام مسلم في الصحابة الذين لهم فضائل، وعقد له الإمام النووي بَابًا (١)، وذكر له الإمام الحاكم في " مستدركه " جملة صالحة من مناقبه استغرقت بضع صحائف (٢)، والإمام البخاري وإن لم يعقد له ترجمة خاصة لكن ذكر فضائله ضمن أبواب كتابه (٣). ولعلك على ذكر مِمَّا نقلناه من كلام الحافظ ابن حجر في " الفتح " من عد ما ثبت من مناقبه وأما قوله: ولا من المهاجرين، فغير صحيح، فقد هاجر من بلده إلى المدينة، وَتَحَمَّلَ في سبيل الإسلام، ومجاورته للرسول بالمدينة من شظف العيش، وغربة الأهل والدار، قال الحافظ ابن حجر في " الإصابة ": «وَكَانَ إِسْلاَمَهُ بَيْنَ الحُدَيْبِيَةِ وَخَيْبَرَ، قَدِمَ المَدِينَةَ مُهَاجِرًا، وَسَكَنَ الصُّفَّةِ، مَعَ أَنَّ الهِجْرَةَ لَمْ تَكُنْ وَاجِبَةً قَبْلِ الفَتْحِ إِلاَّ مِنْ مَكَّةَ إِلَى المَدِينَةِ، أَمَّا مَا عَدَا مَكَّةَ فَلاَ». وكذا قوله: ولا من المجاهدين بأموالهم أو بأنفسهم، أما بالأموال فقد كان مُعْدَمًا، وأما بالنفس فقد حضر مع النَّبِيِّ خيبر، كما ذكره الإمام ابن عبد البر، وحضر معه المغازي بعد ذلك، كما حَدَّثَ هو عن نفسه ورواه ابن سعد. وكذا قوله: ولا من المفتين، ولا من القُرَّاءِ الذين حفظوا القرآن، وبحسبنا في الرَدِّ على ذلك ما ذكرته آنِفًا من أنه كان من أهل الفتوى، وَمِمَّنْ عُرِفَ بإقراء القرآن.

стр. 155

زَعْمُهُ تَشَيُّعَ أَبِي هُرَيْرَةَ لِبَنِي أُمَيَّةَ وَالرَدُّ عَلَيْهِ: ذكر في [ص ١٨٥] «تشيع أبي هريرة لبني أمية» وقد ذكر تحت هذا العنوان أنه كان مُعْدَمًا، ورماه بكلمات نابية يتعفف القلم عن أن يخطها، وأنه لما شبت الحرب بين عَلِيٍّ ومعاوية انحاز إلى الناحية التي يميل إليها طبعه وهي ناحية معاوية ليشبع نهمه من ألوان موائده الشهية، وذكر أنه لم يثر إِلاَّ بعد أن صانع بني أمية وتزلف إليهم وأغدقوا عليه العطاء، وأن ولاة بني أمية على المدينة كانوا ينيبونه عنهم إذا ما غابوا عنها، ولقد أسف في هذا الفصل إسفافًا لا يليق برجل ذي دين وخلق فضلاً عن مسلم. وَقَدْ قَدَّمْتُُ الرَدِّ على بعض هذه الفرى، وأزيد هنا فأقول: ١ - أبو هريرة لم يكن مُتَشَيِّعًا لبني أمية يَوْمًا مَا، وإنَّ ثراءه كان قبل بني أمية بزمن طويل، وقصة محاسبة عمر له على أمواله أكبر شاهد على ذلك وقد عرض لها المؤلف [ص ١٩٢] وإن كان حَرَّفَهَا وَبَدَّلَهَا، والروايات الصحيحة تدل على أن أبا هريرة كان معارضًا لبني أمية، وَمُنَدِّدًا بِوُلاَّتِهِمْ السُّفَهَاءِ روى الإمام البخاري في " صحيحه " عن عمرو بن يحيى بن سعيد، قال: أخبرني جَدِّي قال: «كنت جالسا مع أبي هريرة في مسجد النَّبِي ﷺ بالمدينة ومعنا مروان فقال أبو هريرة: سمعت الصادق المصدوق يقول: «هَلاَكُ أُمَّتِي عَلَى يَدَيْ غِلْمَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ» وفي رواية: «غِلْمَةٍ سُفَهَاء». فقال أبو هريرة: «لَوْ شِئْتَ أَنْ أُسَمِّيَهُمْ بَنِي فُلاَنٍ، وَ [بَنِي] فُلاَنٍ لَفَعَلْتُ». وكان ذلك كما قال الحافظ في " الفتح " في زمن معاوية، فهل يصح في المعقول أن من يقول: هذا يكون مُتَشَيِّعًا لبني أمية؟؟ ٢ - وأصرح من ذلك في الدلالة على شجاعته وجرأته في الحق وتنديده ببني أمية ما رواه ابْنُ أَبِي شَيْبَة عَنْ أَبِي هُرَيْرَة رَفَعَهُ: «أَعُوذ بِاَللَّهِ مِنْ إِمَارَة الصِّبْيَان، قَالُوا وَمَا إِمَارَة الصِّبْيَان؟ قَالَ: إِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ هَلَكْتُمْ - أَيْ فِي دِينكُمْ - وَإِنْ عَصَيْتُمُوهُمْ أَهْلَكُوكُمْ .. أَيْ فِي دُنْيَاكُمْ بِإِزْهَاقِ النَّفْس أَوْ بِإِذْهَابِ الْمَال أَوْ بِهِمَا» بل روى ابْنُ أَبِي شَيْبَة اَيْضًا: «أَنَّ أَبَا هُرَيْرَة كَانَ يَمْشِي فِي السُّوق وَيَقُول: اللَّهُمَّ لاَ تُدْرِكنِي سَنَةَ

стр. 156

سِتِّينَ وَلاَ إِمَارَةَ الصِّبْيَان» يريد يزيد بن معاوية فقد تولى سَنَةَ ستين ونحن نعلم ما فعله معاوية كي يجعل ولاية العهد لابنه، فهل يعقل أن يكون من يقول هذا القول متشيعًا لبني أمية ولا سيما معاوية؟؟ وإذا كان مروان أو غيره كانوا ينيبونه في غيبتهم، فليس ذلك لتملقه أو تشيعه لهم وإنما ذلك كان لفضله ومنزلته، وليس أدل على هذا من القصة التي رواها ابن سعد (١) بسنده عن الوليد بن رباح قال: سمعت أبا هريرة يقول لمروان: «وَاللَّهِ مَا أَنْتَ بوالٍ، وَإِنَّ الوَالِيَ لَغَيْرُكَ فَدَعْهُ - يعني حين أرادوا أن يدفنوا الحسن مع جده رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَلَكِنَّكَ تَدَخَّلُ فِيمَا لاَ يَعْنِيكَ، إِنَّمَا تُرِيدُ بِهَذَا إِرْضَاءَ مَنْ هُوَ غَائِبٌ عَنْكَ» - يَعْنِي مُعَاوِيَةَ - فأقبل عليه مروان مغضبًا فقال: «يَا أَبَا هُرَيْرَةَ إِنَّ النَّاسَ قَدْ قَالُوا: إِنَّك أَكْثَرْتَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ » الحديث، وَإِنَّمَا قَدِمْتَ قَبْلَ وَفَاةِ النَّبِيِّ ﷺ بِيَسِيرٍ. فَقَالَ لَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ: «قَدِمْتُ وَرَسُولُ اللهِ ﷺ بِخَيْبَرَ، وَأَنَا يَوْمَئِذٍ قَدْ زِدْتُ عَلَى الثَّلاَثِيْنَ، فَأَقَمْتُ مَعَهُ حَتَّى تُوُفِّيَ، وَأَدُورُ مَعَهُ فِي بُيُوتِ نِسَائِهِ، وَأَخْدُمُهُ، وَأغْزُو مَعَهُ، وَأَحُجُّ، [وَأُصَلِّي خَلْفَهُ]، فَكُنْتُ أَعْلَمَ النَّاسِ بِحَدِيثِهِ، وَقَدْ - وَاللهِ - سَبَقَنِي قَوْمٌ بِصُحْبَتِهِ فَكَانُوا يَعْرِفُونَ لُزُومِي لَهُ، فَيَسْأُلُونَنِي عَنْ حَدِيثِهِ، مِنْهُمْ عُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ وَطَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ، وَلاَ - وَاللهِ - لاَ يَخْفَىَ عَلَيَّ كُلُّ حَدِيثٍ كَانَ بِالمَدِينَةِ، وَكُلُّ مَنْ كَانَتْ لَهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ مَنْزِلَةً، وَمَنْ أَخْرَجَهُ مِن المَدِينَةِ أَنْ يُسْاكِنَهُ» قَالَ الرَّاوِي: فَوَاللهِ مَا زَالَ مَرْوَانُ بَعْدَ ذَلِكَ كَافًّا عَنْهُ. فلو كان أبو هريرة مُتَشَيِّعًا لبني أمية ومتطفلاً على موائد معاوية - كما زعم المؤلف - فهل يعقل أن يرد مروان - وهو من بيت الحُكْمِ - هذا الرَدَّ؟ ولو كان ما ذكره أبو هريرة عن نفسه ليس بصحيح، فهل كان مروان يسكت عنه ويتقيه بعد هذا؟ طَعْنُهُ فِي أَبِي هُرَيْرَةَ بِاخْتِلاَقِ الأَحَادِيثَ فِي فَضَائِلِ بَنِي أُمَيَّةَ: ومن افتراءات المؤلف ما ذكره في [ص ١٨١] وما بعدها حيث قال: ولم يكن ما قدم أبو هريرة لمعاوية جهادًا بسيفه أو بماله، وإنما كان جهاده أحاديث ينشرها بين المسلمين، يخذل بها أنصار عَلِيٍّ ويطعن عليه ويجعل الناس

стр. 157

يبرأون منه، وَيُشِيدُ بفضل معاوية، وقد كان مِمَّا رواه أحاديث في فضل عثمان ومعاوية وغيرهما مِمَّنْ يمت بأواصر القربى إلى آل أبي العاص وسائر بني أمية، ثم شرع يذكر بعض هذه الأحاديث. وأحب أن أقول للمؤلف ومن على شاكلته: ليس أدل على نزاهة أبي هريرة والصحابة جميعًا - رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِمْ - وعدالتهم، وأنهم لا يتقولون على رسول الله ما لم يقله مِمَّا قاله العلماء - وقد نقله المؤلف في كتابه - قالوا: «إنه لم يصح في فضائل معاوية حديث، ولو كان من الصحابة - كما زعم هذا المفترى - لَرَوَوْا في فضله أحاديث وحملت عنهم، ولاعتبرها الأئمة صحيحة باعتبار سلامة أسانيدها، ولكن لم يقع شيء من هذا» وأما الأحاديث التي عرض لها المؤلف في فضائل معاوية فأغلبها موضوع وقد نَصَّ على ذلك العلماء، وَمِنَ المُضْحِكِ المُبْكِي أن المؤلف بلغ من أمره أنه يتوهم أن الحديث إذا كان موضوعًا فواضعه هو من روى عنه من الصحابة وهو جهل جاهل فالآفة مِمَّنْ جاء بعد الصحابة من الرواة، ولو أن الأمر كما توهم لعاد ذلك بالتجريح على أكثر الصحابة. وأما ما عرض له من الأحاديث فإليك مفصل الحق فيها: أما حديث أن النَّبِيَّ ﷺ قال: «إِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ بَعْدِي فِتْنَةً وَاخْتِلاَفًا، فَقَالَ لَهُ قَائِلٌ مِنَ النَّاسِ: فَمَنْ لَنَا يَا رَسُولَ اللهِ، أَوْ مَا تَأْمُرُنَا؟ فَقَالَ: عَلَيْكُمْ بِالأَمِينِ وَأَصْحَابِهِ» وهو يشير إلى عثمان، فقد قال ابن كثير - وهو من أئمة النقد في الإسلام - رواه أحمد وإسناده جَيِّدٌ حَسَنٌ، ولا أدري أية غرابة في هذا وأية تهمة وعثمان ذو النورين صِهْرُ رَسُولِ اللهِ، وصاحب السوابق في الإسلام وصاحب المآثر والمفاخر، وفضائله أكثر من أن تحصى، خرجها أصحاب " الصحيحين "، وغيرهما، وليس من شك في أن الرجل قتل مظلومًا، وأن مثيري الفتنة أجرموا في حقه وحق الإسلام، فإذا روى أبو هريرة ﵄ سمعه من رسول الله في شأن هذه الفتنة وحضه على أن يكونوا في صف عثمان، يأتي أَبُو رَيَّةَ فينكر عليه ويرميه بالوضع والاختلاق، واللهُ ورسوله والمؤمنون يعلمون أنه براء من ذلك.

стр. 158

وأما حديث: «إِنَّ أَشَدَّ أُمَّتِي حُبًّا لِي قَوْمٌ يَأْتُونَ مِنْ بَعْدِي يُؤْمِنُونَ بِي وَلَمْ يَرَوْنِي، يَعْلَمُونَ بِمَا فِي الوَرَقِ المُعَلَّقِ» - يعني المصحف - فرواية الواقدي وهو متهم بالكذب وابن أبي سبرة وهو وَضَّاعٌ، فإذا كان هذا حاله فلا يصح الاحتجاج به، ويكون أبو هريرة بريء من عهدته، وبذلك ينهار كل ما رتبه على الحديث من دعاوى زائفة. وأما حديث: «أُصِبْتُ بِثَلاَثِ مُصِيبَاتٍ» وهو حديث المزود الذي تهكم به أبو رية ما شاء له هواه أن يتهكم فالذي استنكره منه قصة المزود وما أودعه اللهُ في تمره القليل من البركة بفضل مَسِّ النَّبِيِّ له ودعائه بالبركة فيه، وقد رويت هذه القصة من طرق عدة خرجها الإمام أحمد والبيهقي، وليس في القصة ما يستنكر إِلاَّ من ذوي العقول الضيقة، والقلوب المظلمة، وقد تواردت الأحاديث النبوية على إثبات الكثير من المعجزات الحسية لِلْنَّبِيِّ ﷺ مثل البركة في الطعام القليل والماء القليل والتمر القليل، وإذا أردت اليقين في هذا فلترجع إلى " الصحيحين " وغيرهما من كتب السنن المعتمدة وكتب السير والتواريخ، وبحسبك أن ترجع إلى " صحيح البخاري "، فقد ذكر في ذلك كتابًا حافلاً من " صحيحه "، أو إلى " دلائل النبوة " للبيهقي، أو إلى كتاب " البداية والنهاية " للحافظ ابن كثير، فقد ذكر في ذلك جملة كبيرة (١). وماذا نفعل لأَبِي رَيَّةَ وأمثاله إذا كانت نفوسهم أخلدت إلى الأرض واتبعوا أهواءهم، وَلَمْ تَسْمُ عُقُولُهُمْ إلى ما وراء الحس والمادة؟ وأما الأحاديث التي زعم - كَذِبًا - أن أبا هريرة وضعها في فضل معاوية فهي أحاديث موضوعة، كما نَبَّهَ على ذلك جهابذة الحديث، وقد بين الأئمة الواضع لكل حديث من رواته، ولم يقل أحد قط إن لأبي هريرة ضِلْعًا في هذا. خِيَانَةُ أَبِي رَيَّةَ لِلأَمَانَةِ العِلْمِيَّةِ: وقد خان المؤلف الأمانة العلمية من وجهين: أما أولاً: فلأنه ذكر مرجعه كتاب

стр. 159

" البداية والنهاية " لابن كثير، مِمَّا يُوهِمُ القَارِئَ أنه استبقى تلك الأحكام الجائرة من كتابه، مع أن ابن كثير قال في حديث: «الأُمَنَاءُ ثَلاَثَةٌ» بعد أن ذكر طُرُقَهُ: لا يصح من جميع وجوهه، وقال: وقد أورد ابن عساكر بعد هذا أحاديث كثيرة موضوعة - يعني في فضل معاوية - والعجب منه مع حفظه واطلاعه كيف لا ينبه على نكارتها وضعف رجالها؟! وقد نَبَّهَ على وضعها اَيْضًا ابن الجوزي ووافقه السيوطي (١). وأما ثانيًا: فلأن ابن عدي لم يذكر أن حديث «الأُمَنَاءُ ثَلاَثَةٌ» عن أبي هريرة، وإنما ذكره من رواية واثلة بن الأسقع، وحديث السهم اَيْضًا مروي عن أنس وعن ابن عمر، وهو بجميع طرقه موضوع، وهذا مِمَّا يَرُدُّ كَيْدَ المؤلف في نحره وافترائه على أبي هريرة. وأما ما ذكره في [ص ١٨٩] من قوله: ولقد بلغ من مناصرته لبني أمية أنه كان يحث الناس على ما يطالب به عمالهم من صدقات، ويحذرهم من أن يسبوهم، ثم ذكر عن العجاج الرازي مقالة في ذلك لأبي هريرة، فكلام لا سند له يعتد به، وقد عزا الرواية إلى كتاب " الشعر والشعراء " وهو لا يوثق به في باب الرواية، ولو صحت الرواية عن أبي هريرة فليس فيها ما يشهد لما زعم، وإنما هو يحمل الروايات - بسبب ضغنه على أبي هريرة - ما لم تتحمل، وهي لا تخرج عن كونها نصيحة رجل مسلم بإخراج حق مفروض معلوم وهو الزكاة في الأموال، وفي الرواية أنه قال له: «يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيكَ بَعْضُ بُقْعَانِ الشَّامِ ... » ثم فسرها بأنهم خدمهم وعبيدهم، وهذه العبارة لا تشعر بمناصرة بني أمية بل هي بالعكس تشعر بتألمه منهم وعدم الرضا عنهم، ولكنه الهوى يُعْمِي وَيُصِمُّ. زَعْمُهُ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ وَضَعَ أَحَادِيثَ فِي ذَمِّ عَلِيٍّ: في [ص ١٩٠] قال: «وضعه أحاديث على عَلِيٍّ» ثم نقل عن " شرج نهج

стр. 160

البلاغة " لابن أبي الحديد ما قاله أبو جعفر الإسكافي قال: «إنَّ معاوية حمل قومًا من الصحابة وقومًا من التابعين على رواية أخبار قبيحة على عَلِيٍّ، تقتضي الطعن فيه والبراءة منه، وجعل لهم في ذلك جَعْلاً فاختلقوا له ما أرضاه، منهم: أبو هريرة، وعمرو بن العاص، والمغيرة بن شعبة، ومن التابعين عروة بن الزبير. ولا يخفى على باحث أن ابن أبي الحديد والإسكافي كلاهما شيعي متعنت، وكلاهما في مثل هذا لا يوثق به، ومعاوية - رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ - أفضل من أن يحمل الصحابة على وضع الأحاديث، والصحابة أكرم على أنفسهم من أن يكذبوا على رسول الله، وإذا كان المؤلف بصنيعه هذا يتملق الشيعة فليرح نفسه فما هُمْ مِمَّنْ يخدعون بهذا التملق الرخيص. وأما ما ذكره من قدوم أبي هريرة العراق مع معاوية عام الجماعة فلا نعلمه ولا نكاد نصدقه، وقد ذكر ابن عبد البر: أنه لما عاد من البحرين في عهد عمر ﵁ ورغب إليه عمر أن يعود وَالِيًا عليها مرة أخرى فأبى، لم يزل بالمدينة حتى مات، وهذا هو الحق (١). أما فضائل عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللهُ وَجْهَهُ - و ﵁ فهي كثيرة ومشهورة وقد روى أبو هريرة في فضائله أحاديث كثيرة مِمَّا يبعد غاية البعد مناصرته لمعاوية ومعاداته لِعَلِيٍّ، ويلقم المؤلف حَجَرًا. وفي " الصحيحين " وغيرهما من ذلك شيء كثير، وفضائل سيدنا عَلِيٍّ أكثر من أن تحصى، وقد ألفت في ذلك كتب مستقلة ككتاب " الخصائص " للإمام النسائي، ولم يثبت في حق صحابي من الأحاديث الصحاح والحسان مثل ما ثبت في حقه، وهذا مِمَّا ندين الله تعالى عليه إرضاء لديننا وضمائرنا، واتباعًا لما التزمناه من قواعد البحث الحر النزيه، لا خوفًا من أحد ذي جاه ولا تزلفًا لأحد لأجل دنياه.

стр. 161

خِيَانَتُهُ فِي النَّقْلِ: في [ص ١٩٢] ذكر سيرته في ولايته، وافترى على سيدنا أبي هريرة وَحَرَّفَ الكلم عن مواضعه، وخان الأمانة في النقل، وَقَدْ قَدَّمْتُ الرَدِّ عن ذلك فيما سبق مُسْهِبًا فكن على ذكر منه. في [ص ١٩٣] نقل كلام السيد محمد رشيد رضا في أبي هريرة ﵁ وكلام السيد ﵀ لا يخلو من هِنَاتٍ لا نوافقه عليها، إِلاَّ أنه مهما كانت لنا عليه من مؤاخذات فشتان ما بين كلام أَبِي رَيَّةَ وكلام السيد رشيد، وفرق ما بينهما كفرق بين كلام جاهل دَعِيٍّ وعالم مطلع، وما ذكره من كلام السيد رشيد لا يشهد لدعاواه المبنية على التظنن وَالتَجَنِّي، وَكَأَنَّ المؤلف استشعر أنَّ كلام السيد رشيد لا يسعفه فيما ساقه لأجله فقال في [حاشية ص ١٩٥]: «يلاحظ أنَّ السَيِّدَ قال هذا الكلام في رَدٍّ له على دُعَاةِ النصرانية الذين انتقدوا أبا هريرة، ولذلك نجد فيه روح الدفاع عن أبي هريرة ظاهرة». تَشْكِيكُهُ فِي عَدَالَةِ الصَّحَابَةِ: وفي [ص ١٩٦، ١٩٧] عاد يردد مزاعمه السابقة، فمرة يغمز العلماء الأثبات القائلين: إنَّ الصحابة كلهم عدول، ويقولهم ما لم يقولوا في عدالة الصحابة إلى أن قال: ويعجبني قول علماء الكلام - أصحاب العقول الصريحة - في هذا الأمر نفسه، فقد جاءت عنهم هذه الكلمة الحكيمة، ثم نقل ما ذكره الإمام ابن قتيبة في كتابه " تأويل مختلف الحديث " عن النَظَّامِ وأمثاله وقد رَدَدْنَا على كل ذلك فيما سبق فهو كلام مكرر ممجوج، وكأن المؤلف يرى أنَّ علماء الكلام هُمْ النَظَّامُ وأشباهه وهو تدليس وتلبيس على القارئ بإيهامه أن هذا هو رأي علماء الكلام، وإذا أطلق لفظ علماء الكلام فإنما يفهم منه العلماء الأثبات الأعلام كأبي الحسن الأشعري وأبي منصور الماتريدي والباقلاني والرازي وأضرابهم لا النظام وأشباهه من غُلاة الاعتزال.

стр. 162

تَنَاقُضُ أََبِِي رَيَّةَ فِي أَقْوَالِهِ: وفي [ص ١٩٧] قال: «وأبو هريرة لم يكن له - كما قلنا - أي شأن في زمن النَّبِيِّ، ولا في عهد العمرين الراشدين، ولم يستطع أن يفتح فمه بحديث واحد إِلاَّ بعد قتل عمر، ولم يجرؤ على الفتوى إِلاَّ بعد الفتنة الأولى، وهي قتل عثمان وعلو شأن بني أمية، وقد أسلف المؤلف في غير موضع من كتابه أن عمر زجره على الإكثار من الرواية، وأنه قال له مُهَدِّداً: «لَتَتْرُكَنَّ الحَدِيثَ عَنِ رَسُولِ اللَّهِ أَوْ لأُلْحِقَنَّكَ بِأَرْضِ دَوْسٍ» وأن أبا هريرة لم يكن من أهل الفتوى، ولا معروفًا بالفقه، ولا ندري أي قوليه نصدق؟! فهو ينقض اليوم ما قاله بالأمس، ويقول هنا ما نقض هناك، وهذا إن دَلَّ على شيء فإنما يدل على أن المؤلف يفكر بعقل مشوش مضطرب، ويكتب بقلم مأجور مذبذب، وهكذا شأن المبطلين. ذِكْرُ أَبِي رَيَّةَ أَحَادِيثَ مَرْوِيَّةٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَطَعْنُهُ فِيهَا: في [ص ١٩٨ - ٢٠٢] ذكر المؤلف أمثلة مِمَّا رواه أبو هريرة، وسأستعرض هذه الأحاديث وأبين محاملها الصحيحة، وأن بعضها يعتبر من محاسن الإسلام في توجيهاته وإرشاداته، وسترى أن المؤلف كان ينظر إلى ما روي عن أبي هريرة بعين ساخطة ترى المستقيم مُعْوَجًّا والمحاسن مساوئ والحق باطلاً، وإليك هذه الأحاديث: حَدِيثُ إِرْسَالِ مَلَكِ المَوْتِ إِلَى مُوسَى ﵇: ------------------------------------------------- قال: أخرج " البخاري " و" مسلم " عنه قال: «أُرْسِلَ مَلَكُ المَوْتِ إِلَى مُوسَى ﵉، فَلَمَّا جَاءَهُ صَكَّهُ، فَرَجَعَ إِلَى رَبِّهِ، فَقَالَ: أَرْسَلْتَنِي إِلَى عَبْدٍ لاَ يُرِيدُ المَوْتَ، فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِ [عَيْنَهُ] وَقَالَ: ارْجِعْ، فَقُلْ لَهُ: يَضَعُ يَدَهُ عَلَى مَتْنِ ثَوْرٍ فَلَهُ بِكُلِّ مَا غَطَّتْ بِهِ يَدُهُ بِكُلِّ شَعْرَةٍ سَنَةٌ، قَالَ: أَيْ رَبِّ، ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: ثُمَّ المَوْتُ، قَالَ: فَالآنَ، فَسَأَلَ اللَّهَ أَنْ يُدْنِيَهُ مِنَ الأَرْضِ المُقَدَّسَةِ رَمْيَةً بِحَجَرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «فَلَوْ كُنْتُ ثَمَّ لأَرَيْتُكُمْ قَبْرَهُ، إِلَى جَانِبِ الطَّرِيقِ، عِنْدَ الكَثِيبِ الأَحْمَرِ».

стр. 163

وفي رواية لـ " مسلم " (*) قال: فلطم موسى عين الملك ففقأها. وفي " تاريخ الطبري " عن أبي هريرة أنَّ ملك الموت كان يأتي الناس أحيانًا حتى أتى موسى فلطمه ففقأ عينه، ومن بعد حادثة موسى يأتي الناس خفياً ... اهـ قال: وإنَّ رائحة الإسرائيلية لتفوح من هذا الحديث. والجواب: أنَّ هذا الحديث رواه الإمامان الجليلان البُخَارِي ومسلم (١) أَوْرَدَاهُ موقوفًا عليه من طريق طَاوُوس، ومرفوعًا إلى النَّبِيِّ من طريق همام بن منبه قال الحافظ: وهذا هو المشهور عن عبد الرزاق، وقد رفع محمد بن يحيى عنه رواية طاووس اَيْضًا أخرجه الإسماعيلي. فالحديث مرفوع لا محالة، أما في رواية همام بن منبه فالأمر ظاهر، وأما رواية طاووس فلها حكم الرفع لأنه لا مجال للرأي فيه، ويبعد كونه من الإسرائيليات وروده مرفوعًا صراحة من طريق صحيح. ورواه الإمام أحمد في " مسنده ": وليس في الحديث ما يستشكل وإنما يكون مشكلاً لو أن موسى ﵇ علم أنه ملك الموت، وأنه دافعه رغبة عن الموت، إذ مقام الأنبياء يتنزه عن ذلك. وفي الحق أن موسى ﵇ ظنه عاديًا يريد أن يعتدي عليه، فدافع موسى عن نفسه فأدت المدافعة إلى فَقْءِ عَيْنِهِ، والدفاع عن النفس أمر مشروع في جميع الشرائع السماوية والقوانين الوضعية. وليس في الرواية ما يدل على أنه كان يعرف أنه ملك الموت، وتشكل الملائكة بالصور الإنسانية أمر معروف مُسَلَّمٌ، وجاء به القرآن الصادق الذي لا يتطرق

стр. 164

إليه الشك والارتياب، وليس بلازم أنْ يعرف النَّبِيُّ أن المتشكل مَلَكٌ، فقد جاءت الملائكة إلى إبراهيم ولوط - عَلَيْهِمَا الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ - - كما قص القرآن الكريم - في صورة آدميين ولم يعرفاهم، ولولا ذلك لما قدم لهم إبراهيم ﵇ اللحم المشوي وقال: ألا تأكلون، ولما خاف عليهم لوط من قومه، وليس أدل على أن سيدنا موسى لم يكن يعرف ملك الموت أولاً أنه لما جاءه المرة الثانية وعرف أنه ملك الموت وأن اللهَ خَيَّرَهُ بين طول الحياة أو قبض الروح - اختار قبض الروح، والحديث صريح في هذا كل الصراحة، وقد سبق إلى هذا الإمام الكبير أبو بكر بن خزيمة وغيره من المُتَقَدِّمِينَ واختاره المازري والقاضي عياض وغيرهما (١) من علماء الأُمَّة الذين جمعوا بين المعقول والمنقول. وَمِمَّا ينبغي أن يعلم أن الملائكة تتشكل، وأن الصورة لا تحكم على هيئتها الحقيقية، فَفَقْءُ موسى عين الملك لا يعود عليه بنقص في خلقته ولا في هيئته، وبما ذكرناه يزول عن الحديث أي إشكال. حَدِيثُ تَحَاجِّ الجَنَّةِ وَالنَّارِ: ------------------------ قال: وأخرجا كذلك عنه قال: قال النَّبِيُّ ﷺ : «تَحَاجَّتِ الجَنَّةُ وَالنَّارُ، فَقَالَتِ النَّارُ: أُوثِرْتُ بِالمُتَكَبِّرِينَ وَالمُتَجَبِّرِينَ، وَقَالَتِ الجَنَّةُ: مَالِي لاَ يَدْخُلُنِي إِلاَّ ضُعَفَاءُ النَّاسِ وَسَقَطُهُمْ، قَالَ اللَّهُ ﵎ لِلْجَنَّةِ: أَنْتِ رَحْمَتِي أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ مِنْ عِبَادِي، وَقَالَ لِلنَّارِ: إِنَّمَا أَنْتِ عَذَابِي أُعَذِّبُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ مِنْ عِبَادِي، وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مِلْؤُهَا، فَأَمَّا النَّارُ: فَلاَ تَمْتَلِئُ حَتَّى يَضَعَ اللهُ، ﵎، رِجْلَهُ فَتَقُولُ: قَطْ قَطْ، فَهُنَالِكَ تَمْتَلِئُ وَيُزْوَى بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ». والجواب: أن هذا الحديث رواه البخاري ومسلم في " صحيحيهما " (٢)، رواه البخاري عن

стр. 165

أبي هريرة، وروى آخره عن أنس (١)، ورواه الإمام مسلم عن أبي هريرة من طرق عدة لا يتطرق إليها الارتياب، ورواه اَيْضًا عن أبي سعيد الخُدري مرفوعًا، وروى آخره عن أنس بن مالك، ولو أن الحديث كان من رواية أبي هريرة وحده لما اقتضى هذا الطعن فيه، فما بالك وقد روى عن غيره من الصحابة كما سمعت، وبذلك انهار الأساس الذي بنى عليه كلامه، وهو أنه من رواية أبي هريرة وحده، وإذا كان أبو هريرة ليس بالعدل الثقة عند المؤلف، فما رأيه والحديث ثبت عن غيره من الصحابة؟!. هذا من ناحية الرواية، وأما من ناحية الدراية فلا نرى عليه غُبَارًا يثير الشك، وإنما يستشكل هذا من لم يتذوق لغة العرب وأساليبهم في البيان، وفي الكتاب الحق: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ (٢) والحديث سيق مساق التمثيل بجعل الجنة والنار بمنزلة شخصين عاقلين يتحاوران ويتجادلان، ثم يفصل بينهما الحُكْمُ العَدْلُ بما فيه فصل الخطاب، وفي لغة العرب وطرقهم في «البيان» الكثير من ذلك، قال الشاعر العربي: شَكَا إِلَيَّ جَمَلِي طُولَ السُّرَى * ... * ... * صَبْرًا جَمِيلاً فَكِلاَنَا مُبْتَلَى ولا شكوى ولا كلام وإنما هو تمثيل. وقال امرؤ القيس في معلقته المشهورة مخاطبا الليل: فَقُلْتُ لَهُ لَمَّا تَمَطَّى بِصُلْبِهِ * ... * ... * وَأَرْدَفَ أَعْجَازًا وَنَاءَ بِكَلْكَلِ أَلاَ أَيُّهَا اللَّيْلُ الطَّوِيلُ أَلاَ انْجَلِى * ... * ... * بِصُبْحٍ وَمَا الإصْبَاحُ فِيكَ بِأَمْثَلِ

стр. 166

وقال الآخر: امتلأ الحوض وقال قطني. والحوض لا يتكلم وإنما هو تخيل وتمثيل، على أن الحديث يجوز أن يحمل على أن المحاجة كانت بين ملكين موكلين للجنة والنار، يكون الكلام من قبيل المجاز بالحذف، أي تحاج ملك الجنة وملك النار. ولو ذهبنا إلى ما ذهب إليه بعض العلماء من أن الكلام على حقيقته لا مجازه لم نبعد، ولسنا في ذلك حشويين ولا جامدين - كما يزعم المؤلف في نبذ كل عالم متثبت - إذ ليس بكثير على قدرة الله ﵎ أن يخلق في الجماد إدراكًا به يعقل وينطق، وإذا كان العقل البشري قد توصل إلى اختراع الإنسان الآلي الذي يسير ويتحرك وينطق ويحسب، أفنستكثر على قدرة الحق - جَلَّ وَعَلاَ - أن يُحَدِّثُ التمييز والنطق في الجنة والنار؟ وأما قوله: «حَتَّى يَضَعَ رِجْلَهُ ... الخ» وفي رواية «قدَمَهُ». فللعلماء في هذا وأمثاله رأيان: إما التفويض مع التنزيه والإيمان به من غير تمثيل ولا تكييف، وهو مذهب السلف، وإما التأويل، وهو مذهب الخلف، فقد قالوا: إن المراد بالقدم أو الرجل هنا الجماعة الذين قدمهم الله لها من أهل العذاب، أو المراد قدم أو رجل لبعض المخلوقين، أو أن المراد الكناية عن إذلال جهنم وإسكانها، فإنها إذا بالغت في الطغيان وطلب المزيد أذلها الله فوضعها تحت القدم وليس المراد حقيقة القدم، والعرب يستعملون ألفاظ الأعضاء في ضرب الأمثال ولا يريدون أعيانها، ولا يزال الناس يقولون: «وَضَعْتُهُ تَحْتَ رِجْلِي أَوْ قَدَمِي» ولا يريدون الحقيقة، وإنما يريدون الإهانة والإذلال. حديث: «مَا بَيْنَ مَنْكِبَيْ الكَافِرِ»: ----------------------------- قال: وروى " البخاري " عنه: «مَا بَيْنَ مَنْكِبَيِْ الكَافِرِ مَسِيرَةُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ للرَّاكِبِ المُسْرِعِ» وأخرج أوله " مسلم " عنه مرفوعًا وزاد: «وَغِلَظُ جِلْدِهِ مَسِيرَةُ [ثَلاَثٍ]».

стр. 167

والجواب: أن هذا الحديث رواه " البخاري " و" مسلم "، رواه " البخاري " عن أبي هريرة في باب «صفة الجنة والنار «من كتاب الرقاق (١) وهو مرفوع في رواية البخاري لا كما يوهم كلام المؤلف من أن رواية " البخاري " موقوفة عليه، ورواه مسلم في " صحيحه " (٢) عن أبي هريرة مرفوعًا بدون قوله: وغلظ جلده إلخ، وأما رواية " مسلم " التي فيها الزيادة فبلفظ: «ضِرْسُ الكَافِرِ، أَوْ نَابُ الْكَافِرِ، مِثْلُ أُحُدٍ وَغِلَظُ جِلْدِهِ مَسِيرَةُ ثَلاَثٍ» ومن ثم تبين لنا أن المؤلف غير متثبت فيما ينقل، وإنما يعتمد على الخطف السريع، فقد خطف هذه الكلمة من " الفتح " من غير أن يعرف مرجع الضمير في قوله: «أوله». وقد وردت أحاديث أخرى تفيد عظم خلق الكافر يوم القيامة عن غير أبي هريرة، مِمَّا يدل على أنه لم ينفرد بهذا، ففي حديث ابن عمر عند أحمد من رواية مُجَاهِدٍ عَنْهُ مَرْفُوعًا: «يَعْظُمُ أَهْلُ النَّارِ فِي النَّارِ، حَتَّى إِنَّ بَيْنَ شَحْمَةِ أُذُنِ أَحَدِهِمْ إِلَى عَاتِقِهِ مَسِيرَةَ سَبْعِمِائَةِ عَامٍ».وَلِلْبَيْهَقِيِّ فِي " البَعْث " مِنْ وَجْهٍ آخَرَ: عَن مُجَاهِدٍ عَن ابْن عَبَّاس: «مَسِيرَةَ سَبْعِينَ خَرِيفًا » ولابن المبارك في " الزهد " عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «ضِرْسُ الْكَافِرِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْظَمُ مِنْ أُحُدٍ، يُعَظَّمُونَ لِتَمْتَلِئَ مِنْهُمْ، وَلْيَذُوقُوا الْعَذَابَ» وسنده صحيح ولم يصرح برفعه لكن له حكم الرفع لأنه لا مجال للرأي فيه (٣). وأما الحكمة في تعظيم خلق الكافر فقد أشار إليها الحديث السابق وزاده القرطبي توضيحًا فقال في " المفهم ": «إِنَّمَا عَظُمَ خَلْقُ الْكَافِرِ فِي النَّارِ لِيَعْظُمَ عَذَابُهُ وَيُضَاعَفُ أَلَمُهُ ... وَلاَ شَكَّ فِي أَنَّ الكُفَّارَ مُتَفَاوِتُونَ فِي الْعَذَابِ عُلِمَ مِنْ الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَلأَنَّا نَعْلَمُ عَلَى القَطْع أَنَّ عَذَابَ مَنْ قَتَلَ الأَنْبِيَاء وَفَتَكَ فِي المُسْلِمِينَ وَأَفْسَدَ فِي الأَرْض لَيْسَ مُسَاوِيًا لِعَذَابِ مَنْ كَفَرَ فَقَطْ وَأَحْسَنَ مُعَامَلَة الْمُسْلِمِينَ مَثَلاً». وفي قوله - صَلَوَاتُ

стр. 168

اللهِ وَسَلاَمُهُ عَلَيْهِ -: «وَغِلَظُ جِلْدِهِ مَسِيرَةَ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ» سر عظيم قد كشف عنه الطب الحديث، ذلك أن أعصاب الإحساس إنما تكون في الجلد فكلما عظم الجلد واتسع زاد الإيلام، وفي هذا شاهد من شواهد النبوة ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ (١). وإلا فمن أعلم بأسرار هذا، وهو أُمِّيٌّ لا يقرأ ولا يكتب، ولم يكن مِمَّنْ يتعاطى صنعة الطب، ولا كان أحد من معاصريه الأطباء يدرك هذه الأسرار؟ حَدِيثُ الذُّبَابِ وَبَيَانُ أَنَّهُ مُعْجِزَةٌ نَبَوِيَّةٌ: قال: وروى " البخاري " و" ابن ماجه " عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قال: «إِذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْمِسْهُ كُلَّهُ، ثُمَّ لِيَطْرَحْهُ، فَإِنَّ فِي أَحَدِ جَنَاحَيْهِ شِفَاءً، وَفِي الآخَرِ دَاءً» وقد علق في الحاشية بما سَمَّاهُ «معركة الذباب» بين مجلة " لواء الإسلام " و" مجلة الدكتور " وانتصر فيها لـ " مجلة الدكتور " وأنحى باللائمة والتثريب على المُصَحِّحِينَ لهذا الحديث ونبزهم بالألقاب. وإليك مفصل الحق في هذا الحديث الذي ثارت حوله العجاجة والخصومات بين المُثْبِتِينَ وَالنَّافِينَ، وقد كنت عنيت بالكتابة في هذا الحديث وَرَدِّ الشُّبَهِ الواردة عليه في كتابي الذي نلت به درجة الأستاذية (٢) وهو " الوَضْعُ فِي الحَدِيثِ وَرَدِّ شُبَهِ المُسْتَشْرِقِينَ وَالكُتَّابِ المُعَاصِرِينَ " وَقَدْ وَجَّهَتْ إِلَيَّ «الإذاعة السعودية» في أول عهدها سؤالاً عن هذا الحديث وَرَدَ إليها من أحد المستمعين وكنت إبانها مبعوث الأزهر الشريف للتدريس بالبلد الحرام «مكة» وإصلاح مناهج التعليم، وهاك خلاصة ما كتبته في كتابي وأذعته. قلت بعد أن بَيَّنْتُ مَنْزِلَةَ السُنَّةِ من الكتاب وعناية الأُمَّةِ الإسلامية بها عناية فائقة، وأن المُحَدِّثِينَ بلغوا الغاية في نقد السند، وعنوا بنقد المتن ولكن لم يبالغوا في نقد المتن مبالغتهم في نقد السند، لاعتبارات شريفة أفضت في الكلام عنها في هذا الكتاب:

стр. 169

هذا الحديث رواه البخاري وأبو داود والنسائي وابن ماجه، ولم أجد لأحد من نقاد الحديث طعنا في سنده فهو في درجة عالية من الصحة وكل ما وقع من الطعن فيه من بعض المستاهلين إنما هو من جهة متنه ومدلوله، فقد قالوا: كيف يكون الذباب الذي هو مباءة الجراثيم فيه دواء؟ وكيف يجمع الله الداء والدواء في شيء واحد؟ وهل الذباب يعقل فيقدم أحد الجناحين على الآخر؟ وقد بذل علماؤنا الأوائل - أَثَابَهُمْ اللهُ - الجهد في رد هذه الشبهة فقالوا: لا مانع عقلاً أن يجمع الله الداء والدواء في شيء واحد، بل هو أمر مشاهد معروف، فالنحلة تلقي السُمَّ من أسفلها وتخرج عسلاً فيه شفاء للناس مِنْ فِيهَا، والحية القاتل سُمُّهَا يدخل لحمها في الترياق الذي يعالج به السم، وإن الله الذي هدى النحلة إلى أن تبني بيتها على أعظم نظام هندسي، وهدى النملة أن تدخر قوتها لأوان حاجتها، وأن تفلق الحبة نصفين لئلا تنبت، لقادر على أن يلهم الذبابة أَنْ تُقَدِّمَ جَنَاحًا وَتُؤَخِّرَ آخَرَ، وحاول بعضهم أن يجيب فقال: إن الحديث من قبيل المجاز، وأن المراد بالداء داء الكبر، وبالدواء حمل النفس على التواضع بتناول ما سقط فيه الذباب. وقد شاء ربك العالم بما كان وما يكون أن يظهر سِرُّ هذا الحديث، وأن يتوصل بعض نطس الأطباء إلى أن في الذباب مادة قاتلة للميكروب فبغمسه في الإناء تكون هذه المادة سَبَبًا في إبادة ما يحمله الذباب من الجراثيم التي ربما تكون عالقة به، وبذلك أصبح ما قال العلماء الأقدمون - تجويزًا - حقيقة مقررة، وإليك ما ذكره أحد الأطباء العصريين في محاضرة بجمعية الهداية الإسلامية بمصر قال: يقع الذباب على المواد القذرة المملوءة بالجراثيم التي تنشأ منها الأمراض المختلفة فينقل بعضها بأطرافه، ويأكل بعضًا آخر فتتكون في جسمه مادة سامة يسميها علماء الطب «مبعد البكتيريا» وهي تقتل كثيرًا من جراثيم الأمراض، ولا يمكن لتلك الجراثيم أن تبقى حية أو يكون لها تأثير في جسم الإنسان في حال وجود مبعد البكتيريا هذا، وإن هناك خاصة في أحد الجناحين هي أنه يحول مبعد البكتيريا إلى ناحيته، وعلى هذا إذا سقط الذباب في شراب أو طعام وألقى الجراثيم العالقة

стр. 170

بأطرافه، فإن أقرب مبعد لتلك الجراثيم وأول وَاقٍ منها هو مبعد البكتيريا الذي يحمله الذباب في جوفه قريبًا من أحد جناحيه، فإذا كان هناك داء فدواؤه قريب منه، وفي " مجلة التجارب الطبية الإنجليزية " عدد ١٣٠٧ سَنَةَ ١٩٢٧ ما ترجمته: «لقد أطعم الذباب من زرع ميكروبات بعض الأمراض، وبعد حين من الزمن ماتت تلك الجراثيم واختفى أثرها، وتكون في الذبابة مادة سامة تسمى «بكتريوفاج» ولو عملت خلاصة من الذباب لمحلول ملحي لاحتوت على «بكتريوفاج» التي يمكنها إبادة أربعة أنواع من الجراثيم المولدة للأمراض وقد كتب بعض الأطباء الغربيين نحو ذلك» وبذلك ظهر أن هذا الحديث الذي عده بعض المتساهلين كَذِبًا من أقوى المعجزات العلمية على صدق الرسول - صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلاَمُهُ عَلَيْهِ -. وقد كتب طبيبان فاضلان بَحْثًا قَيِّمًا حول حديث الذباب، مُدَعَّمًا بالأدلة وذكر المراجع العلمية التي رجعا إليها في إثبات صحة هذا الحديث بما لا يدع مجالا للشك فيه، وإليك هذا الحديث بنصه (١): كَلِمَةُ الطِبِّ فِي حَدِيثِ الذُّبَابِ: ---------------------------- البحوث والمراجع العلمية تؤيد الحديث الشريف: «إِذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْمِسْهُ فَإِنَّ فِي أَحَدِ جَنَاحَيْهِ دَاءً وَفِي الآخَرِ دَوَاءً». تحقيق علمي للدكتور محمود كمال، والدكتور محمد عبد المنعم حسين: كثر التعرض لهذا الحديث وخصوصًا من جانب أطباء مكذبين للحديث لعلمهم بأن الذباب ينقل العدوى والجراثيم الحاملة للمرض، ونحن نعلم أن من بين الأحاديث التي رويت عن النَّبِي ﷺ ما هو صحيح وما هو مكذوب، وكان على فقهاء الحديث أن يبينوا الصحيح ويستبعدوا المكذوب، وتمسك رجال الحديث والفقهاء الأعلام بصحة الحديث لاستناده لثقة من الرواة، وتمسك بعض الأطباء بالناحية

стр. 171

الصحية وَكَذَّبُوا الحديث، وكنا نود أن نفهم الحديث على أسس ثلاثة: ١ - عدم التعرض لصحة الحديث فهذا من اختصاص فقهاء الحديث والعلماء الذين درسوا العلم والحديث، وهم أعلم كيف يستبعدون الأحاديث المكذوبة. ٢ - محاولة البحث العلمي بافتراض صحة الحديث للوصول إلى حقائق أنبأنا عنها النَّبِيُّ ﷺ : ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الهَوَى، إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ قرآن كريم. (١) ٣ - عدم الخوض في موضوع مادة الحديث قبل الرجوع إلى المراجع العلمية الكافية عن الحشرات وعن طفيليات الحشرات، لهذا رأينا بعد قراءة الموضوع والمجادلات المتبادلة بين الفريقين في الصحف والمجلات منذ مدة طويلة أن نحاول أن نرد الحق إلى نصابه، ذلك أن بعضنا - بعد قراءة آراء فقهاء الحديث عن صحة الحديث - لم يتردد في تصديقه، وحاول أن يرجع إلى المراجع العلمية التي تؤيد صحة الحديث. وقد جاء في المراجع العلمية أن الأستاذ الألماني «بريفيلد» من جامعة هال بألمانيا وجد في عام ١٨٧١ أن الذبابة المنزلية مصابة بطفيلي من جنس الفطريات سماها «أمبوزا موسكي» من عائلة «انتوموفترالي» من فصيلة «سيجومايسيس» من فصيلة «فيكومايسيس» ويقضي هذا الفطر حياته في الطبقة الدهنية داخل بطن الذبابة، على شكل خلايا خميرة مستديرة ثم يستطيل ويخرج على نطاق البطن بواسطة الفتحات التنفسية أو بين المفاصل البطنية، وفي هذه الحالة يصبح خارج جسم الذبابة، وهذا الشكل يمثل الدور التناسلي لهذا الفطر وتتجمع بذور الفطر في داخل الخلية إلى قوة معينة تمكن الخلية من الانفجار وإطلاق البذور خارجها، وهذا سيكون بقوة دفع شديدة لدرجة تطلق البذور إلى مسافة حوالي ٢ سم من الخلية بواسطة انفجار الخلية واندفاع السائل على هيئة رشاش. ويوجد دائمًا حول الذبابة الميتة والمتروكة على الزجاج مجال من البذور لهذا الفطر، ورؤوس الخلية المستطيلة التي تخرج منها البذور موجودة حول القسم الثالث

стр. 172

والأخير من الذبابة على بطنها وظهرها، وهذا القسم الثالث أو الأخير دائمًا يكون مرتفعًا عندما تقف الذبابة على أي مسند لتحفظ توازنها واستعدادها للطيران، والانفجار كما ذكرنا يَحْدُثُ بعد ارتفاع ضغط السائل داخل الخلية المستطيلة إلى قوة معينة، وهذا قد يكون مسببًا من وجود نقطة زائدة من السائل حول الخلية المستطيلة، وفي وقت الانفجار يخرج من السائل والبذور جزء من «السيتوبلازم» من الفطر، كما ذكر الأستاذ «لانجيرون» - أكبر الأساتذة في علم الفطريات - في عام ١٩٤٥، أن هذه الفطريات كما ذكرنا تعيش في شكل خميرة مستديرة داخل أنسجة الذبابة وهي فرز أنزيمات قوية تحلل وتذيب أجزاء الحشرة الحاملة للمرض. ومن جهة أخرى تم في سَنَةِ ١٩٤٧ عزل مادة مضادة للحيوية (بواسطة «آرشتين» و «كوك» من انجلترا و «روليوس» من سويسرا في سَنَةِ ١٩٥٠ تُسَمَّى «جافاسين» من فطر من نفس الفصيلة التي ذكرناها والتي تعيش في الذبابة وهذه المادة المضادة للحيوية تقتل جراثيم مختلفة من بينها جراثيم السالبة والموجبة لصبغة جرام، وجراثيم الدوسنتاريا والتيفود، وفي سَنَةِ ١٩٤٨ عزل (بريان) و (كورتيس) و (هيمنج) و (جيفيريس) و (ماكجوان) من بريطانيا مادة مضادة للحيوية تسمى «كلوتينيزين» من فطريات من نفس فصيلة الفطر الذي يعيش في الذبابة، وتؤثر على الجراثيم السالبة لصبغة جرام من بينها جراثيم الدوسنتاريا والتيفويد، وفي سَنَةِ ١٩٤٩ عزل (كوكس) و (فارمر) من انجلترا و (جرمان) و (روث) و (اتلنجر) و (بلاتنر) من سويسرا مادة مضادة للحيوية تسمى «انياتين» من فطريات من نفس صنف الفطر الذي يعيش في الذبابة تؤثر بقوة شديدة على جراثيم جرام موجب وجرام سالب وعلى بعض فطريات أخرى، ومن بينها جراثيم الدوسنتاريا والتيفويد والكوليرا، ولم تدخل هذه المواد المضادة للحيوية بعد الاستعمال الطبي، ولكنها فقط من العجائب العلمية لسبب واحد وهو أنها بدخولها بكميات كبيرة في الجسم قد تؤدي إلى حدوث بعض المضاعفات، بينما قوتها شديدة جِدًّا وتفوق جميع مضادات الحيوية المستعملة في علاج الأمراض المختلفة وتكفي كمية قليلة جِدًّا لمنع معيشة أو نمو جراثيم التيفويد والدوسنتاريا والكوليرا وما يشبهها.

стр. 173

وفي سَنَةِ ١٩٤٧ عزل «موفتيش» مواد مضادة للحيوية من مزرعة الفطريات الموجودة على جسم الذبابة، ووجد أنها ذات مفعول قوي في بعض الجراثيم السالبة لصبغة جرام مثل جراثيم التيفويد والدوسنتاريا وما يشبهها، وبالبحث عن فائدة الفطريات لمقاومة الجراثيم التي تسبب أمراض الحميات التي يلزمها وقت قصير للحضانة وجد أن واحد جرام من هذه المواد المضادة للحيوية يمكن أن يحفظ أكثر من ١٠٠٠ لتر لبن من التلوث من الجراثيم المرضية المزمنة. وهذا أكبر دليل على القوة الشديدة لمفعول هذه المواد. أما بخصوص تلوث الذباب بالجراثيم المرضية كجراثيم الكوليرا والتيفويد والدوسنتاريا وغيرها التي ينقلها الذباب بكثرة، فمكان هذه الجراثيم يكون فقط على أطراف أرجل الذبابة أو في بُرَازِهَا، وهذا ثابت في جميع المراجع البكتريولوجية، وليس من الضروري ذكر أسماء المؤلفين أو المراجع لهذه الحقيقة المعلومة. ويستدل من كل هذا على أنه إذا وقعت الذبابة على الأكل فستلمس الغذاء بأرجلها الحاملة للميكروبات المرضية، التيفويد أو الكوليرا أو الدوسنتاريا أو غيرها، وإذا تبرزت على الغذاء سيلوث الغذاء اَيْضًا كما ذكرنا بأرجلها، أما الفطريات التي تفرز المواد المضادة للحيوية والتي تقتل الجراثيم المرضية الموجودة في بُرَازِ الذبابة وفي أرجلها، فتوجد على بطن الذبابة ولا تنطلق مع سائل الخلية المستطيلة من الفطريات والمحتوي على المواد الضارة للحيوية إِلاَّ بعد أن يلمسها السائل الذي يزيد الضغط الداخلي لسائل الخلية ويسبب انفجار المستطيلة واندفاع البذور والسائل. وبذلك يحقق العلماء بأبحاثهم تفسير الحديث النبوي الذي يؤكد ضرورة غمس الذبابة كلها في السائل أو الغذاء إذا وقعت عليه لإفساد أثر الجراثيم المرضية التي تنقلها بأرجلها أو بِبُرَازِهَا، وكذلك يؤكد الحقيقة التي أشار إليها الحديث، وهي أن في أحد جناحيها داء (أي في أحد أجزاء جسمها الأمراض المنقولة بالجراثيم المرضية التي حملتها) وفي الآخر شفاء، وهو المواد المضادة للحيوية التي تفرزها الفطريات الموجودة على بطنها، والتي تخرج وتنطلق بوجود سائل حول الخلايا

стр. 174

المستطيلة للفطريات. وبعد: فلعلك - أيها القارئ - ازددت يَقِينًا بصحة هذا الحديث، واطمأننت إلى أن الإذعان والقبول لما صح عن الرسول أحرى بالمؤمن المُتَثَبِّت وَأَوْلَى، وفي كل يوم تتقدم فيه العلوم والمعارف البَشَرِِيَّةُ يظهر الله سبحانه من الآيات ما يدل على صِدْقِ النَّبِيِّ - صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلاَمُهُ عَلَيْهِ - وَصِدْقِ معجزته الكبرى وهي القرآن وصدق الله حيث يقول: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ (١). اسْتِشْهَادُهُ لِمَزَاعِمِهِ بِحَدِيثٍ مُنْكَرٍ: قال: وروى الطبراني في " الأوسط " عنه عن النَّبِي ﷺ : «أَتَانِي مَلَكٌ بِرِسَالَةٍ مِنَ اللَّهِ ، ثُمَّ رَفَعَ رِجْلَهُ فَوَضَعَهَا فَوْقَ السَّمَاءِ، وَرِجْلُهُ الأُخْرَى ثَابِتَةٌ فِي الأَرْضِ لَمْ يَرْفَعْهَا». وهذا الحديث منكر، وما دام حاله كذلك فلا يصح الاحتجاج به، ولا يصح أن يترتب عليه ما يهدف إليه المؤلف من الطعن في أبي هريرة من أنه يروي الروايات الخرافية. وأما حديث " الترمذي " عنه قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «العَجْوَةُ مِنَ الجَنَّةِ، وَفِيهَا شِفَاءٌ مِنَ السُّمِّ»، فسيأتي الكلام عنه قريبًا إن شاء الله. طَعْنُهُ فِي حَدِيثٍ يُعْتَبَرُ مِنْ مَحَاسِنِ الإِسْلاَمِ: قال في [ص ٢٠٠]: وروى الحاكم وابن ماجه من حديثه بسند صحيح: «خَمِّرُوا الآنِيَةَ وَأَوْكِئُوا الأَسْقِيَةَ، وَأَجِيفُوا الأَبْوَابَ، وَاكْفِتُوا صِبْيَانَكُمْ عَنِ النِّسَاءِ (كذا نقله، والصواب: عِنْدَ العِشَاءِ) فَإِنَّ لِلْجِنِّ انْتِشَارًا وَخَطْفَةً، وَأَطْفِئُوا الْمَصَابِيحَ عِنْدَ الرُّقَادِ فَإِنَّ الفُوَيْسِقَةَ (أَيْ الْفَأْرَةُ) رُبَّمَا اجْتَرَّتِ الفَتِيلَةَ فَأَحْرَقَتِ البَيْتَ».

стр. 175

والجواب: إن هذا الحديث بهذا اللفظ رواه البخاري في " صحيحه " (١) ولكنه عن جابر بن عبد الله لا عن أبي هريرة، ورواه من طرق أخرى عن جابر بنحو هذا في مواضع من كتابه (٢) ورواه مسلم في " صحيحه " عن جابر من طرق عدة بنحو ما رواه البخاري، وهكذا يَتَبَيَّنُ لنا أن الحديث ثابت من غير طريق أبي هريرة، ولو أن الحديث كان من روايته وحده لما جاز له أن يتخذ منه تكأة للطعن فيه، فما بالك وقد ثبت عن غيره؟! إن هذا الحديث يعتبر من مفاخر الإسلام وتوجيهاته الرشيدة السديدة الصحية والاجتماعية، وإليك كلمة موجزة في شرح هذا الحديث كي تزداد يقينًا بسمو الإرشاد النبوي وأن أبا هريرة كان يستحق التكريم - لا التأنيب - لو أنه نقل هذه الآداب الإسلامية الحكيمة. «خَمِّرُوا الآنِيَةَ» أَيْ غَطُّوهَا، ومن ذا الذي لا يدعو إلى تغطية آنية الطعام والشراب؟ أليس في تغطيتها صيانة لها عن القاذورات وسقوط الهوام والحشرات، وفي هذا ما فيه من حفظ الصحة والإبقاء على النفوس؟ وإذا كان المؤلف قد ران الحقد على قلبه حتى عَدَّ المحاسن مساوئ فليسأل رجال الطب وسيعلم علم اليقين سُمُوَّ هذا التوجيه الصحي النبوي! «وَأَوْكِئُوا الأَسْقِيَةَ» الأسقية: القِرَبَ، أي اربطوها وشدوها بالوكاء وهو ما يربط به فَمَ القِرْبَةِ، وهذه الفقرة لا تقل في التوجيه الصحي عن سابقتها «وَأَجِيفُوا الأَبْوَابَ»: أي أغلقوها، ومن ذا الذي ينكر ما في إغلاق الأبواب من الفوائد والمصالح وحراسة الأنفس والأهل والولد والمال من أهل العبث والفساد والحيوانات الكاسرة والكلاب العقورة ولا سيما في البلاد الصحراوية والبدوية والقرى والدساكر؟.

стр. 176

«وَاكْفِتُوا (١) صِبْيَانَكُمْ عِنْدَ العِشَاءِ» أي ضموهم إليكم، والمعنى امنعوهم من الحركة والخروج من البيوت في هذا الوقت، وقد عَلَّلَ ذلك بقوله: «فَإِنَّ لِلْجِنِّ انْتِشَارًا وَخَطْفَةً» وقد روي من طريقين آخرين بلفظ «فإنَّ الشياطين» وَهُمْ المرادون من لفظ الجن في الرواية الأولى، ومِمَّا ينبغي أنْ يعلم أنَّ الشيطان في لغة العرب يطلق على المتمرد من الجن والإنس والحيوان، بل والهوام والطيور. وشواهد ذلك كثيرة في لغة العرب، ومن ذا الذي يجهل ما عسى أن يلحق الأولاد عند المساء من مَرَدَةِ الجن والإنس والحيوانات والهوام؟ وهذا أمر مشاهد محسوس، وفي الرواية الأخرى «إِذَا اسْتَجْنَحَ اللَّيْلُ، أَوْ [قَالَ]: جُنْحُ اللَّيْلِ، فَكُفُّوا صِبْيَانَكُمْ، فَإِنَّ الشَّيَاطِينَ تَنْتَشِرُ حِينَئِذٍ، فَإِذَا ذَهَبَ سَاعَةٌ مِنَ العِشَاءِ فَخَلُّوهُمْ» أليس في هذا تنبيهًا إلى ما هو مشاهد من أن الحيوانات الكاسرة والهوام المؤذية التي من شأنها الاستتار نهارًا لا تلبث وقد شاهدت إقبال الظلمة أن تسرح وتخرج من مساربها وفي نفسها عرامة وشراسة فلا تصادف إنسانًا إِلاَّ آذته، والحديث لم يعين المراد من الشياطين أهم شياطين الجن أم شياطين الإنس أم شياطين الحيوان؟ فالحديث أَيًّا كَانَ محمله صحيح في معناه وسام في مغزاه. «وَأَطْفِئُوا الْمَصَابِيحَ عِنْدَ الرُّقَادِ» وقد قال أئمة الحديث وشراحه: إن هذا الإرشاد النبوي ليس خَاصًّا بالمصابيح بل يشمل إطفاء أي نار كنار الكانون والتنور، فانظر إلى مرونتهم في الفهم وعدم جمودهم ووقوفهم عند ظاهر النص. وكان على المؤلف أن يذهب إلى البَاحِثِينَ الاِجْتِمَاعِيِّينَ - إن كان لا يقتنع بكلام شُرَّاحِ الحَدِيثِ - ليدلوه على سمو هذا الإرشاد النبوي، بل ليذهب إلى وزارة الداخلية وسيخبرونه بما تجره الفتيلة، والكانون، والتنور من حرائق وأضرار لا حصر لها. ولعلك أيها القارئ المُنْصِف ازددت يقينًا إلى يقين بأن المؤلف بلغ من حقده

стр. 177

على الصحابي أبي هريرة أنه وصل إلى حد حمله على أن جعل المحاسن مساوئ، والفضائل رذائل، وأن هذا الحديث الذي عرض له المؤلف بالطعن من مفاخر النَّبِيِّ ﷺ وتوجيهاته السديدة. حَدِيثُ الشَّجَرَةِ العَظِيمَةِ التِي فِي الجَنَّةِ: ------------------------------------ قال في [ص ٢٠١]: وروى " مسلم " عنه أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ فِي الجَنَّةِ لَشَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظِلِّهَا مِائَةَ سَنَةٍ» وروايات أبي هريرة من هذا القبيل وأدهى منه، تفهق الكتب بها، ولا نستطيع إيرادها هنا لأن ذلك يحتاج إلى مجلدات برأسها. «رَدُّنَا عليه»: أما الحديث المذكور فبحسبك ردنا عليه فيما سبق، وقد ألقمناه حَجَرًا، أما تنديده بروايات أبي هريرة فقد بينا لك وجه الحق فيما اعترض عليه منها، وأن الكثير منها أحاديث موضوعة، ورسول الله وأبو هريرة بريئان منها، والموضوع مكذوب مختلق لا يصح لباحث أن يرتب عليه نتائج، ولا أن يحتج به؟. والبعض أحاديث رويت عن غير أبي هريرة من الصحابة، والبعض شارك أبا هريرة في روايتها غيره من الصحابة، والبعض أحاديث صحيحة طعن فيها لضيق تفكيره وقلة بضاعته في فهم الأحاديث ومعرفتها، ومتابعته المُسْتَشْرِقِينَ وَالمُبَشِّرِينَ وأضرابهم، مع أن تقدم العلم أظهر بعض ما فيها من أسرار ما كانت تجول بخاطر إنسان ما في هذا الوقت إِلاَّ أن يكون نَبِيًّا يوحى إليه. المُؤَلِّفُ إِمَّعَةً فِيمَا يَقُولُ: ومِمَّا ينبغي أن يعلم أن المؤلف إمعة يتبع كل ناعق من أعداء الإسلام من المُسْتَشْرِقِينَ وَالمُبَشِّرِينَ وأضرابهم، وأغلب الأحاديث التي ذكرها في طعونه في أبي هريرة، وفي تهجمه على السُنَّةِ قد تابع فيها الأستاذ أحمد أمين في " فجر الإسلام " و" ضُحَاهُ "، وأحمد أمين قد تابع فيها «جولدتسيهر» وأضرابه من المُسْتَشْرِقِينَ، وهكذا يَتَبَيَّن لنا أن المؤلف لم يزد عن كونه ذَيْلاً، ولا يليق بالباحث أن يكون إمعة وذيلاً في كل ما يكتب، ولكن كيف يتأتى له أن يكون غير هذا وهو قليل العلم بالحديث

стр. 178

ورجاله، وبضاعته فيه بضاعة مزجاة، فلا تعجب إذا كانت آراؤه فيه فجة مبتسرة. خَمْسُونَ صَفْحَةً كُلُّهَا سِبَابٌ وَاتِّهَامٌ: وقد استغرقت ترجمته لأبي هريرة ﵁ ما يربو على خمسين صفحة كلها سفاه وشتائم، وتظنن واتهامات، وافتراءات ليس لها ما يؤيدها من عقل أو نقل، وإنما تكشف عن سوء طويته، وبلغ حقده ثم يختمها بقوله: هذا هو تاريخ أبي هريرة الذي لم يصاحب النَّبِيَّ إِلاَّ حوال ثلاث سنين ثم ترك هذه الألوف الكثيرة من الأحاديث التي ضاقت بها صدور الكتب وقد أطلنا فيها لأن أمر أبي هريرة يباين أمر الصحابة جميعًا. جَهْلُ أَبِي رَيَّةَ بِاللُّغَةِ: وقد جهل أَبُو رَيَّةَ أن الألوف من جموع الكثرة وهي لما فوق العشرة، مع أنه نقل عن الإمام ابن حزم [ص ١٦٢] من كتابه أن " مسند بقي ابن مخلد " وهو أوسع المصنفات وأشملها قد احتوى من حديث أبي هريرة على [٥٣٧٤]، فها نحن نرى أنها لم تبلغ الستة آلاف فضلاً عن أن تزيد عن العشرة. وفي الحق أن صدور الكتب لم تضق بأحاديث أبي هريرة وإنما تضيق بها صدور أمثاله من أعداء السنن والأحاديث، والجهلاء بأقدار الصحابة ومنزلتهم في العلم والرواية، وقد قدمنا لك السبب في إكثاره من الرواية، كما قدمنا رأي الصحابة فيه، والتابعين وأئمة العلم والدين، وإذا كان أمره يباين أمر الصحابة جميعًا فكيف خفى هذا على قرن التابعين وهو من خير القرون بشهادة الرسول، حتى روى عنه نحو ثمانمائة من أهل العلم والرواية كما قال الإمام الكبير البخاري؟!!. أَلاَ إِنَّ الهُدَى هُدَى اللهِ، وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ. السَّبَبُ فِي قِلَّةِ رِوَايَةِ الخُلَفَاءِ الأَرْبَعَةِ: ----------------------------------- في [ص ٢٠٣) عرض لرواية كبار الصحابة كالخلفاء الأربعة وأمثالهم وقلة

стр. 179

الرواية عنهم، وقد بَيَّنْتُ فيما سبق قلة الرواية - نِسْبِيًّا - عن الخلفاء الأربعة ولا سيما الشيخان أبو بكر وعمر، وأن ذلك كان لاشتغالهم بمهام الخلافة ونشر الإسلام، ولم يكن ذلك لقلة ما سمعوه من رسول الله ﷺ ، ولا لنسيانهم ما حفظوه، ولا للشك والريبة في الصحابة الذين تفرغوا لسماع الحديث وحفظه ونشره، كَمَا رَدَّدَ أَبُو رَيَّةَ في غير موضع من كتابه، وقد أفضت فيما سبق في بيان أن كثرة الرواية يرجع إلى عوامل منها: التفرغ، وقوة الحفظ، وقلة الشواغل الدنيوية، وتأخر الوفاة، والتصدي للعلم والفتيا، فكن على ذكر منه. اِ تِّهَامُهُ لِلْصِدِّيقِ ﵁ -: ومن تظنناته التي لا يشهد لها عقل ولا نقل قوله في الصدِّيق: وإن مِمَّا يلفت (١) (كذا) النظر حَقًّا أن تجد مثل أبي بكر على ما أوتي من قوة الحفظ ورجاحة العقل ومتانة الدين ينصرف عن حفظ أحاديث رسول الله وما حفظ منها لا يرويه، وما جمعه يعود فيحرقه .... ونحن لا نقره على ما قال من انصراف الصِدِّيقِ عن حفظ أحاديث رسول الله وقد كان يحبه أكثر من حبه لنفسه، وكان أعز عليه من سمعه وبصره، فانظر يا أخي القارئ كيف يرمي الصِدِّيقَ بهذه الفِرْيَةِ، لأجل أن ينال من أبي هريرة؟!! كما لا نقره على أنَّ ما حفظ منها لا يرويه، وكيف؟ وقد رويت عنه أحاديث - غير قليلة - في " الصحيحين " وغيرهما!! وأما ما نقله عن الحاكم من أن الصِدِّيقَ جمع خمسمائة حديث ثم عاد فحرقها (*) فروايات الحاكم ليست كلها صحيحة، وهو معروف بالتساهل في التصحيح، وعلى فرض صحتها فإحراقه لما جمع مبالغة في التحري والتثبت، وزيادة في الورع والتحوط لجواز الغلط والنسيان على الرواي العدل الثقة وليس ذلك للشك في الصحابة وتهمتهم كما يريد المؤلف أن يصل إليه.

стр. 180

مَا رَوَاهُ سَيِّدُنَا عَلِيٌّ ﵁: -------------------------------------- وأما ما ذكره تحت عنوان ما رواه عَلِيٌّ من أنه ابن عم النَّبِيِّ، وتربى في حجره وهو صغير ... إلخ ما ذكره فنحن نقر به، ولكن الفضل شيء، والرواية شيء آخر، ولا ارتباط بينهما قط وقد يروي المفضول أكثر بكثير مِمَّنْ هو أفضل منه، ومرويات سيدنا عَلِيٍّ أكثر مِمَّا رُوِيَ عن الشيخين ولا ريب، إِلاَّ أنه لم يتفرغ للرواية كتفرغ أبي هريرة والعبادلة وغيرهم من المكثرين فمن ثم قَلَّتْ روايته عنهم، وغير خفي على من درس التاريخ ما اشتغل به أبو الحسن من مداومة الجهاد والغزو في حياة النَّبِيِّ وبعد وفاته، وما لاقاه من متاعب وحروب أثناء خلافته، وتقدم وفاته عن أبي هريرة وغيره من المكثرين، وكل هذه العوامل من أسباب قلة الرواية. مِنْ أَمْثِلَةِ الفَهْمِ السَيِّءِ وَالتَّجَنِّي الآثِمِ: ------------------------------------- في هامش [ص ٢٠٣] نقل كلام الإمام ابن تيمية في سيدنا عمر في كتاب " اقتضاء الصراط المستقيم " حيث قال: «وَكَانَ وَقَّافًا عِنْدَ كِتَابِ اللهِ مُمْتَثِلاً لِسُنَّةِ رَسُولِهِ، مُحْتَذِيًا حِذْوَ صَاحِبَيْهِ، مُشَاوِرًا فِي أُمُورِهِ لِلسَّابِقِينَ الأَوَّلِينَ مِثْلَ عُثْمَانَ، وَعَلِيِّ وَطَلْحَةَ وَالزُّبَيْرَ ... وَغَيْرِهِمْ مِمَّنْ لَهُ عِلْمٌ، وَفَّقَهٌ، أَوْ رَأْيٌ أَوْ نَصِيْحَةٌ لِلإِسْلاَمِ وَأَهْلِهِ». فتأبى عليه نفسه المتجنية على أبي هريرة إِلاَّ أن يتخذ من كلام الإمام سبيلاً للطعن في أبي هريرة فيقول: انظر إلى دقة فهم ابن تيمية، وواسع اطلاعه، فإنه لم يذكر أبا هريرة في الذين يستشيرهم عمر لأنه لم يكن له علم ولا فقه، ولا رأي، ولا نصيحة!!! وأقول: يا عجبًا لهذه العقول التي لا تدري كيف تفهم!! إن الإمام ابن تيمية حينما ذكر استشارة الفاروق للسابقين الأولين وذكر بعضهم على سبيل التمثيل ما كان يدور بخلده قط تنقص أبي هريرة ولا النيل منه كما افترى المؤلف، وأبو هريرة لم يكن قطعًا من السابقين لأنه أسلم سَنَةَ سَبْعٍ، ولكن كونه ليس من السابقين لا يعود عليه بالطعن، ولا بالازدراء فالآلاف من الصحابة ليسوا من السابقين الأولين،
следующие страницы →