← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 37972

دفاع عن السنة ورد شبه المستشرقين ط مكتبة السنة

محمد أبو شهبة

Полный текст (402 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

«وَاكْفِتُوا (١) صِبْيَانَكُمْ عِنْدَ العِشَاءِ» أي ضموهم إليكم، والمعنى امنعوهم من الحركة والخروج من البيوت في هذا الوقت، وقد عَلَّلَ ذلك بقوله: «فَإِنَّ لِلْجِنِّ انْتِشَارًا وَخَطْفَةً» وقد روي من طريقين آخرين بلفظ «فإنَّ الشياطين» وَهُمْ المرادون من لفظ الجن في الرواية الأولى، ومِمَّا ينبغي أنْ يعلم أنَّ الشيطان في لغة العرب يطلق على المتمرد من الجن والإنس والحيوان، بل والهوام والطيور. وشواهد ذلك كثيرة في لغة العرب، ومن ذا الذي يجهل ما عسى أن يلحق الأولاد عند المساء من مَرَدَةِ الجن والإنس والحيوانات والهوام؟ وهذا أمر مشاهد محسوس، وفي الرواية الأخرى «إِذَا اسْتَجْنَحَ اللَّيْلُ، أَوْ [قَالَ]: جُنْحُ اللَّيْلِ، فَكُفُّوا صِبْيَانَكُمْ، فَإِنَّ الشَّيَاطِينَ تَنْتَشِرُ حِينَئِذٍ، فَإِذَا ذَهَبَ سَاعَةٌ مِنَ العِشَاءِ فَخَلُّوهُمْ» أليس في هذا تنبيهًا إلى ما هو مشاهد من أن الحيوانات الكاسرة والهوام المؤذية التي من شأنها الاستتار نهارًا لا تلبث وقد شاهدت إقبال الظلمة أن تسرح وتخرج من مساربها وفي نفسها عرامة وشراسة فلا تصادف إنسانًا إِلاَّ آذته، والحديث لم يعين المراد من الشياطين أهم شياطين الجن أم شياطين الإنس أم شياطين الحيوان؟ فالحديث أَيًّا كَانَ محمله صحيح في معناه وسام في مغزاه. «وَأَطْفِئُوا الْمَصَابِيحَ عِنْدَ الرُّقَادِ» وقد قال أئمة الحديث وشراحه: إن هذا الإرشاد النبوي ليس خَاصًّا بالمصابيح بل يشمل إطفاء أي نار كنار الكانون والتنور، فانظر إلى مرونتهم في الفهم وعدم جمودهم ووقوفهم عند ظاهر النص. وكان على المؤلف أن يذهب إلى البَاحِثِينَ الاِجْتِمَاعِيِّينَ - إن كان لا يقتنع بكلام شُرَّاحِ الحَدِيثِ - ليدلوه على سمو هذا الإرشاد النبوي، بل ليذهب إلى وزارة الداخلية وسيخبرونه بما تجره الفتيلة، والكانون، والتنور من حرائق وأضرار لا حصر لها. ولعلك أيها القارئ المُنْصِف ازددت يقينًا إلى يقين بأن المؤلف بلغ من حقده

стр. 177

على الصحابي أبي هريرة أنه وصل إلى حد حمله على أن جعل المحاسن مساوئ، والفضائل رذائل، وأن هذا الحديث الذي عرض له المؤلف بالطعن من مفاخر النَّبِيِّ ﷺ وتوجيهاته السديدة. حَدِيثُ الشَّجَرَةِ العَظِيمَةِ التِي فِي الجَنَّةِ: ------------------------------------ قال في [ص ٢٠١]: وروى " مسلم " عنه أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ فِي الجَنَّةِ لَشَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظِلِّهَا مِائَةَ سَنَةٍ» وروايات أبي هريرة من هذا القبيل وأدهى منه، تفهق الكتب بها، ولا نستطيع إيرادها هنا لأن ذلك يحتاج إلى مجلدات برأسها. «رَدُّنَا عليه»: أما الحديث المذكور فبحسبك ردنا عليه فيما سبق، وقد ألقمناه حَجَرًا، أما تنديده بروايات أبي هريرة فقد بينا لك وجه الحق فيما اعترض عليه منها، وأن الكثير منها أحاديث موضوعة، ورسول الله وأبو هريرة بريئان منها، والموضوع مكذوب مختلق لا يصح لباحث أن يرتب عليه نتائج، ولا أن يحتج به؟. والبعض أحاديث رويت عن غير أبي هريرة من الصحابة، والبعض شارك أبا هريرة في روايتها غيره من الصحابة، والبعض أحاديث صحيحة طعن فيها لضيق تفكيره وقلة بضاعته في فهم الأحاديث ومعرفتها، ومتابعته المُسْتَشْرِقِينَ وَالمُبَشِّرِينَ وأضرابهم، مع أن تقدم العلم أظهر بعض ما فيها من أسرار ما كانت تجول بخاطر إنسان ما في هذا الوقت إِلاَّ أن يكون نَبِيًّا يوحى إليه. المُؤَلِّفُ إِمَّعَةً فِيمَا يَقُولُ: ومِمَّا ينبغي أن يعلم أن المؤلف إمعة يتبع كل ناعق من أعداء الإسلام من المُسْتَشْرِقِينَ وَالمُبَشِّرِينَ وأضرابهم، وأغلب الأحاديث التي ذكرها في طعونه في أبي هريرة، وفي تهجمه على السُنَّةِ قد تابع فيها الأستاذ أحمد أمين في " فجر الإسلام " و" ضُحَاهُ "، وأحمد أمين قد تابع فيها «جولدتسيهر» وأضرابه من المُسْتَشْرِقِينَ، وهكذا يَتَبَيَّن لنا أن المؤلف لم يزد عن كونه ذَيْلاً، ولا يليق بالباحث أن يكون إمعة وذيلاً في كل ما يكتب، ولكن كيف يتأتى له أن يكون غير هذا وهو قليل العلم بالحديث

стр. 178

ورجاله، وبضاعته فيه بضاعة مزجاة، فلا تعجب إذا كانت آراؤه فيه فجة مبتسرة. خَمْسُونَ صَفْحَةً كُلُّهَا سِبَابٌ وَاتِّهَامٌ: وقد استغرقت ترجمته لأبي هريرة ﵁ ما يربو على خمسين صفحة كلها سفاه وشتائم، وتظنن واتهامات، وافتراءات ليس لها ما يؤيدها من عقل أو نقل، وإنما تكشف عن سوء طويته، وبلغ حقده ثم يختمها بقوله: هذا هو تاريخ أبي هريرة الذي لم يصاحب النَّبِيَّ إِلاَّ حوال ثلاث سنين ثم ترك هذه الألوف الكثيرة من الأحاديث التي ضاقت بها صدور الكتب وقد أطلنا فيها لأن أمر أبي هريرة يباين أمر الصحابة جميعًا. جَهْلُ أَبِي رَيَّةَ بِاللُّغَةِ: وقد جهل أَبُو رَيَّةَ أن الألوف من جموع الكثرة وهي لما فوق العشرة، مع أنه نقل عن الإمام ابن حزم [ص ١٦٢] من كتابه أن " مسند بقي ابن مخلد " وهو أوسع المصنفات وأشملها قد احتوى من حديث أبي هريرة على [٥٣٧٤]، فها نحن نرى أنها لم تبلغ الستة آلاف فضلاً عن أن تزيد عن العشرة. وفي الحق أن صدور الكتب لم تضق بأحاديث أبي هريرة وإنما تضيق بها صدور أمثاله من أعداء السنن والأحاديث، والجهلاء بأقدار الصحابة ومنزلتهم في العلم والرواية، وقد قدمنا لك السبب في إكثاره من الرواية، كما قدمنا رأي الصحابة فيه، والتابعين وأئمة العلم والدين، وإذا كان أمره يباين أمر الصحابة جميعًا فكيف خفى هذا على قرن التابعين وهو من خير القرون بشهادة الرسول، حتى روى عنه نحو ثمانمائة من أهل العلم والرواية كما قال الإمام الكبير البخاري؟!!. أَلاَ إِنَّ الهُدَى هُدَى اللهِ، وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ. السَّبَبُ فِي قِلَّةِ رِوَايَةِ الخُلَفَاءِ الأَرْبَعَةِ: ----------------------------------- في [ص ٢٠٣) عرض لرواية كبار الصحابة كالخلفاء الأربعة وأمثالهم وقلة

стр. 179

الرواية عنهم، وقد بَيَّنْتُ فيما سبق قلة الرواية - نِسْبِيًّا - عن الخلفاء الأربعة ولا سيما الشيخان أبو بكر وعمر، وأن ذلك كان لاشتغالهم بمهام الخلافة ونشر الإسلام، ولم يكن ذلك لقلة ما سمعوه من رسول الله ﷺ ، ولا لنسيانهم ما حفظوه، ولا للشك والريبة في الصحابة الذين تفرغوا لسماع الحديث وحفظه ونشره، كَمَا رَدَّدَ أَبُو رَيَّةَ في غير موضع من كتابه، وقد أفضت فيما سبق في بيان أن كثرة الرواية يرجع إلى عوامل منها: التفرغ، وقوة الحفظ، وقلة الشواغل الدنيوية، وتأخر الوفاة، والتصدي للعلم والفتيا، فكن على ذكر منه. اِ تِّهَامُهُ لِلْصِدِّيقِ ﵁ -: ومن تظنناته التي لا يشهد لها عقل ولا نقل قوله في الصدِّيق: وإن مِمَّا يلفت (١) (كذا) النظر حَقًّا أن تجد مثل أبي بكر على ما أوتي من قوة الحفظ ورجاحة العقل ومتانة الدين ينصرف عن حفظ أحاديث رسول الله وما حفظ منها لا يرويه، وما جمعه يعود فيحرقه .... ونحن لا نقره على ما قال من انصراف الصِدِّيقِ عن حفظ أحاديث رسول الله وقد كان يحبه أكثر من حبه لنفسه، وكان أعز عليه من سمعه وبصره، فانظر يا أخي القارئ كيف يرمي الصِدِّيقَ بهذه الفِرْيَةِ، لأجل أن ينال من أبي هريرة؟!! كما لا نقره على أنَّ ما حفظ منها لا يرويه، وكيف؟ وقد رويت عنه أحاديث - غير قليلة - في " الصحيحين " وغيرهما!! وأما ما نقله عن الحاكم من أن الصِدِّيقَ جمع خمسمائة حديث ثم عاد فحرقها (*) فروايات الحاكم ليست كلها صحيحة، وهو معروف بالتساهل في التصحيح، وعلى فرض صحتها فإحراقه لما جمع مبالغة في التحري والتثبت، وزيادة في الورع والتحوط لجواز الغلط والنسيان على الرواي العدل الثقة وليس ذلك للشك في الصحابة وتهمتهم كما يريد المؤلف أن يصل إليه.

стр. 180

مَا رَوَاهُ سَيِّدُنَا عَلِيٌّ ﵁: -------------------------------------- وأما ما ذكره تحت عنوان ما رواه عَلِيٌّ من أنه ابن عم النَّبِيِّ، وتربى في حجره وهو صغير ... إلخ ما ذكره فنحن نقر به، ولكن الفضل شيء، والرواية شيء آخر، ولا ارتباط بينهما قط وقد يروي المفضول أكثر بكثير مِمَّنْ هو أفضل منه، ومرويات سيدنا عَلِيٍّ أكثر مِمَّا رُوِيَ عن الشيخين ولا ريب، إِلاَّ أنه لم يتفرغ للرواية كتفرغ أبي هريرة والعبادلة وغيرهم من المكثرين فمن ثم قَلَّتْ روايته عنهم، وغير خفي على من درس التاريخ ما اشتغل به أبو الحسن من مداومة الجهاد والغزو في حياة النَّبِيِّ وبعد وفاته، وما لاقاه من متاعب وحروب أثناء خلافته، وتقدم وفاته عن أبي هريرة وغيره من المكثرين، وكل هذه العوامل من أسباب قلة الرواية. مِنْ أَمْثِلَةِ الفَهْمِ السَيِّءِ وَالتَّجَنِّي الآثِمِ: ------------------------------------- في هامش [ص ٢٠٣] نقل كلام الإمام ابن تيمية في سيدنا عمر في كتاب " اقتضاء الصراط المستقيم " حيث قال: «وَكَانَ وَقَّافًا عِنْدَ كِتَابِ اللهِ مُمْتَثِلاً لِسُنَّةِ رَسُولِهِ، مُحْتَذِيًا حِذْوَ صَاحِبَيْهِ، مُشَاوِرًا فِي أُمُورِهِ لِلسَّابِقِينَ الأَوَّلِينَ مِثْلَ عُثْمَانَ، وَعَلِيِّ وَطَلْحَةَ وَالزُّبَيْرَ ... وَغَيْرِهِمْ مِمَّنْ لَهُ عِلْمٌ، وَفَّقَهٌ، أَوْ رَأْيٌ أَوْ نَصِيْحَةٌ لِلإِسْلاَمِ وَأَهْلِهِ». فتأبى عليه نفسه المتجنية على أبي هريرة إِلاَّ أن يتخذ من كلام الإمام سبيلاً للطعن في أبي هريرة فيقول: انظر إلى دقة فهم ابن تيمية، وواسع اطلاعه، فإنه لم يذكر أبا هريرة في الذين يستشيرهم عمر لأنه لم يكن له علم ولا فقه، ولا رأي، ولا نصيحة!!! وأقول: يا عجبًا لهذه العقول التي لا تدري كيف تفهم!! إن الإمام ابن تيمية حينما ذكر استشارة الفاروق للسابقين الأولين وذكر بعضهم على سبيل التمثيل ما كان يدور بخلده قط تنقص أبي هريرة ولا النيل منه كما افترى المؤلف، وأبو هريرة لم يكن قطعًا من السابقين لأنه أسلم سَنَةَ سَبْعٍ، ولكن كونه ليس من السابقين لا يعود عليه بالطعن، ولا بالازدراء فالآلاف من الصحابة ليسوا من السابقين الأولين،

стр. 181

فلو كان الأمر كما فهم أَبُو رَيَّةَ صاحب المنطق المعكوس، والفهم السقيم لعاد ذلك بالتنقيص على هؤلاء جميعًا، ثم من قال: إن كل من لم يستشرهم الفاروق ليسوا من أهل العلم والفقه، والرأي والنصيحة؟! إن هذا الاستنتاج الخاطئ لو صح لعاد ذلك بالطعن على جمهور الصحابة، ثم ألأجل أن ينال من أبي هريرة يركب هذا المركب الصعب، ويسلك هذا المسلك الملتوي في الفهم والاستنتاج؟! أغيثونا يا أهل الإنصاف من هذا الغثاء والهراء. ذِكْرُهُ بَعْضَ الأَحَادِيثِ المُشْكِلَةِ: في [ص ٢٠٧] ذكر عنوان «أحاديث مشكلة» وقد ذكر أحاديث بعضها مرفوع، وبعضها موقوف، وبعضها صحيح لا شك فيه ولكنه استشكلها، وبعضها غير صحيح والأقرب أن تكون من الإسرائيليات أو الموضوعات. وقبل أن أجيب عن هذه الأحاديث أقول: من عجيب أمر هذا المؤلف أنه يتلقف الإشكالات ويزيدها استشكالاً، ويأبى عليه سوء مقصده أن يذكر ولو بعض ما ذكره العلماء الأثبات في رد هذه الاستشكالات ولا سيما ما يتعلق منها بالأحاديث الصحيحة المروية في " الصحيحين " أو أحدهما. وأمره لا يخلو من أمرين أحدهما: لأنه إما أن يكون لم يطلع على ما كتبه الأئمة الشراح للأحاديث في هذا وهو تقصير وجهل! وإما أن يكون اطلع عليها ورأى أنها لا تسعفه بل وترد عليه فيما يهدف إليه من تقليل الثقة بِالسُنَّةِ ورجالاتها فآثر طيها، وهذا خيانة وتلبيس! وهذا وذاك مِمَّا ينأى به عن أن يكون بَاحِثًا وَمُنْصِفًا. وقد دأب المؤلف على تلقف المشاكل والطعون، والعمل جَادًّا على النفخ فيها حتى يصير من الحبة قبة ولكنها لا تلبث أمام البحث العلمي الأصيل أو تزول كما تزول الفقاقيع من على وجه الماء، ولم يخطر بباله أن يشذ ولو مرة فيذكر بعض المحاسن - وما أكثرها - للحديث ورجاله، وفي السُنَّةِ ألوف الأحاديث التعليمية،

стр. 182

وَالخُلُقِيَّةِ، وَالتَّوْجِيهِيَّةِ مِمَّا يعتبر من مفاخر الإسلام ومحاسنه، وكان على المؤلف أن يشير إلى هذه الألوف ولو بكلمة قصيرة، ولكنه لم يفعل، وذلك لحاجة في نفسه. عرض الأحاديث التي استشكلها والجواب عنها: -------------------------------------------- حَدِيثُ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ: قال: ابن عباس قال: «إِنَّ اللهَ خَلَقَ لَوْحًا مَحْفُوظاً مِنْ دُرَّةٍ بَيْضَاءَ دَفَّتَاهُ مِنْ يَاقُوتَةٍ حَمْرَاءَ، قَلَمُهُ نُورٌ، وَكِتَابُهُ نُورٌ، عَرْضُهُ مَا بَيْنَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَنْظُرُ فِيهِ كُلَّ يَوْمٍ نَظَرَةً وَيُحْيِى وَيُمِيتُ، وَيُعِزَّ وَيُذِلُّ وَيَفْعَلُ مَا يَشَاءُ». والجواب: أنه لم يصح عن النبي ﷺ في تفصيل ذلك حديث مرفوع، وإنما هي آثار عن بعض الصحابة والتابعين، والواجب أن نؤمن بوجود اللوح المحفوظ، وأن الله دون فيه كل ما كان وما يكون. أما ما وراء ذلك مما ورد في وصفه وكيفيته والقلم الذي كتب به فلا، والأقرب فيما ورد عن ابن عباس وغيره في هذا أنه من الإسرائيليات التي أخذت عن أهل الكتاب، ورويت لغرابتها، ولا سيما وأنه ليس في القرآن ما يصدقها ولا ما يكذبها فبقيت روايتها على أصل الإباحة، وقد فصلت فيما سبق موقف الإسلام مما ذكر عن بني إسرائيل فارجع إليه، على أنه ليس في الحديث على فرض ثبوته ما يستشكل، وقدرة الله صالحة لكل شيء. حَدِيثُ سُجُودِ الشَّمْسِ: قال: وروى الشيخان وبعض السنن والمسانيد، والتفسير المأثور عن أبي ذر قال: قال رسول الله لأبي ذر حين غربت الشمس «أتدري أين تذهب؟»، قلت: الله ورسوله أعلم، قال: «فإنها تذهب حتى تسجد تحت العرش ... » إلخ الحديث.

стр. 183

والجواب: هو ما قدمته في هذا الكتاب (١) من أنه لا إشكال في الحديث، وأنه من قبيل المجاز والتمثيل، ومثل هذا المجاز قريب، ومستساغ ومستفيض في لغة العرب، وإنما يستشكل مثل هذا من لم يتذوق لغة العرب وما لهم من الافتنان في الأساليب وطرق البيان. حَدِيثُ الشَّيَاطِينِ المَسْجُونَةِ: قال: وروى مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص. صاحب الزاملتين (٢) قال: «إن في البحر شياطين [مسجونة] أوثقها سليمان، يوشك أن تخرج فتقرأ على الناس قرآنا». وهو موقوف عليه وليس بمرفوع إلى النبي فلا يضيرنا، على أن الحديث ليس فيه ما يستشكل لمن يؤمن بعالم الجن، وليس فيه ما يحيله العقل، وإن كنت أميل إلى أنه يجوز أن يكون مما حمله عن الكتب التي أصابها في موقعة «اليرموك» من كتب أهل الكتاب، ولا يقولن قائل: إن هذا مما له حكم الرفع، لأنا نقول: إن أئمة الحديث نصوا على أن كلام الصحابي فيما لا مجال للرأي فيه له حكم المرفوع إذا لم يكن الصحابي معروفا بالأخذ عن الإسرائيليات كعبد الله بن عمرو بن العاص مثلا، فهذا ليس له حكم المرفوع قطعا. حَدِيثُ العَجْوَةِ وَكَوْنِهَا دَوَاءٌ: قال: وروى " البخاري " في باب الدواء بالعجوة للسحر عن عامر بن سعد عن أبيه قال: قال النبي ﷺ : «مَنْ اصْطَبَحَ كُلَّ يَوْمٍ تَمَرَاتٍ عَجْوَةً لَمْ يَضُرَّهُ سُمٌّ وَلاَ

стр. 184

سِحْرٌ ذَلِكَ اليَوْمَ إِلَى اللَّيْلِ» وفي رواية «سَبْعَ تَمَرَاتٍ» وكذا لـ " مسلم " عن سعد بن أبي وقاص، وعند النسائي من حديث «العَجْوَة مِنْ الجَنَّة، وَهِيَ شِفَاء مِنْ السُّمِّ». ومعنى اصطبح: تناوله في الصباح على الريق. وأحب أنْ أُنَبِّهَ إلى أنَّ المؤلف تابع في هذا الأستاذ أحمد أمين في " ضحى الإسلام " وهو تابع المُسْتَشْرِقِينَ في هذا. وإليك الجواب عن هذا: ١ - إنَّ العلماء القدامى أثابهم الله قالوا: المراد نوع من التمر وهو تمر المدينة، وأن العدد قد يراد به التكثير ولا سيما أن لفظ السبعة يستعمل في هذا، كما قالوا: إن بعض الفواكه والثمار والنباتات قد يكون لها من الخصائص والآثار في تربة ما لا يكون لها في تربة أخرى، وهذا الذي سبقوا إليه هو ما أيده العلم اليوم، فما المانع عقلاً أن يكون لهذا النوع من تمر المدينة خصائص في إزالة السموم، وتقوية النفس والجسم ضد أثر السم والسحر؟ وليس لقائل أن يقول: فلنجرب بأن نعطي تَمْرًا لإنسان ثم نعطيه سُمًّا لنرى ماذا تكون النتيجة، لأنَّ الحديث الشريف لم يحدد أي أنواع السموم هو المراد؟ فلنبحث حتى نصل إلى المراد، كما أحب أَنْ أُنَبِّهَ إلى أثر الطب النبوي من الناحية الروحية والنفسية، فمن أكل تَمْرًا أو عجوة بهذه النية فسيحصل له من قوة الروح والبدن ما يزيل كل أثر لما يحتمل من سحر، ولا يخفى علينا أثر الإيحاء إلى النفس بالصحة أو المرض، وإن بعض الأشخاص ينجيهم من بعض أمراضهم قوة أرواحهم ويقينهم، وبعض الأصحاء قد يجني عليهم الوهم والخوف، والحديث من الأمور الغيبية التي يجب أن نذعن لها ما دمنا نعتقد أن الرسول حق وما جاء به حق، وما دام ثبت وصح بطرق الإثبات العلمي السليم، ومن أراد زيادة في هذا فليرجع إلى ما كتبه الإمام ابن القيم في " زاد المعاد " والحافظ ابن حجر في " فتح الباري " (١).

стр. 185

٢ - إن الحديث يعتبر من المعجزات النبوية فقد اطلعت على بحث قيم للدكتور الكيميائي محمود سلامة عن فائدة العجوة في مجلة " الدكتور " وأنها عامل قوي في دفع السموم من الجسم والتخلص منها كما كتب غيره في هذا مُؤَيِّدًا للحديث فقلت: يا سبحان الله، لقد قال الرسول الكريم هذا ولم يكن طبيبًا ولا مُتَطَبِّبًا، وفي وقت لم تكن تقدمت فيه المباحث الطبية إلى إدراك هذا، ألا فاعتبروا يا أولي الأبصار!! فما رأي المعترضين على هذا الحديث فيما قاله العلم اليوم في خواص العجوة؟! ولو أن بعض الأطباء المسلمين العباقرة اتجه إلى الطب النبوي كما ثبت في الصحاح، وبحث فيه بإيمان وصبر وَجَلَدٍ فأنا كفيل أنه سيخلص للبشرِيَّةَ من ذلك بخير كثير، وسيظهر لنا الكثير من أسرار الإعجاز في هذه الأحاديث، فهل من مستجيب؟ نعم إن بعض الأطباء المؤمنين اتجه إلى هذا ونشروا فيه مقالات، ولكني أريد بَحْثًا مُسْتَفِيضًا في سفر كبير يكون مرجعًا في هذا الموضوع الجليل. حَدِيثُ إِدْبَارِ الشَّيْطَانِ عِنْدَ سَمَاعِ الأَذَانِ: قال: وأخرج الشيخان عن أبي هريرة: «إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ، وَلَهُ ضُرَاطٌ، حَتَّى لاَ يَسْمَعَ التَّأْذِينَ، فَإِذَا قَضَى النِّدَاءَ أَقْبَلَ، حَتَّى إِذَا ثُوِّبَ - أقيم للصلاة - بِالصَّلاَةِ أَدْبَرَ، حَتَّى إِذَا قَضَى التَّثْوِيبَ أَقْبَلَ، حَتَّى يَخْطِرَ بَيْنَ المَرْءِ وَنَفْسِهِ» وقال العلماء المُحَقِّقُونَ في شرح هذا الحديث: لِئَلاَّ يسمع فيضطر أنْ يشهد له بذلك يوم القيامة، يقصد بذلك التهكم بهم. ولا أدري وجه استشكاله لهذا الحديث؟ وهو مرفوع إلى النَّبِيِّ ﷺ وهو من الغيبيات، وإنما ينكر هذا الحديث وأمثاله من لا يؤمن بعالم الجن، وحكم من لا يؤمن بهم معروف وهو الكفر، لإنكاره ما ثبت بالقرآن، والحديث سيق مساق التمثيل والمجاز فهو تصوير لشدة نفوره وإجفاله كراهة سماع الآذان، ومثل هذا التمثيل معهود في كلام العرب، ولو حمل الحديث على حقيقته فلا استحالة اَيْضًا، فطبائع الجن وأنهم يأكلون ويشربون لا تأبى ذلك، وإبليس وأعوانه يروننا ولا نراهم

стр. 186

كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ﴾ (١). وقد يطلع الله بعض أنبيائه على بعض أحوالهم وتصرفاتهم لحكم بالغة، وهذا من الأمور الغيبية التي إذا ثبتت عن معصوم وجب التصديق بها، ولا أدري كيف غاب عن أَبِي رَيَّةَ حكم من يتهكم بأحاديث رسول الله؟!. حَدِيثُ أَبِي سُفْيَانَ ﵁ -: قال: وروى " مسلم " عن أبي سفيان أنه قال لِلْنَّبِيِّ ﷺ : «يَا رَسُولَ اللهِ، أَعْطِنِي ثَلاَثًا: تَزَوَّجْ ابْنَتِي أُمَّ حَبِيبَةَ، وَابْنِي مُعَاوِيَةُ اجْعَلْهُ كَاتِبًا، وَأْمُرْنِي أَنْ أُقَاتِلَ الكُفَّارَ كَمَا قَاتَلْتُ المُسْلِمِينَ .... » وقد تصرف المؤلف في الحديث ولم يورده بلفظه كما في الصحيح. وهذا الحديث قد استشكله الأئمة المُحَدِّثُونَ من قديم وَعَدُّوهُ من أوهام عكرمة بن عمار لأنه كَانَ يَغْلِطُ وَيَهِمُ، لأن الثابت القطعي أن النَّبِي تزوجها سَنَةَ سِتٍّ أَوْ سَبْعٍ وذلك قطعًا قبل إسلام أبي سفيان سَنَةَ ثَمَانٍ، ومن العلماء من تكلف الإجابة عن هذا الحديث فقال: إن المقصود أقرك على زواج ابنتي، أو المراد تجديد عقد النكاح، والحق أن هذا تكلف وأن الحديث من قبيل الوهم والغلط، لا من قبيل الوضع لأنا لم نر أحدا من أئمة الجرح والتعديل نسب عكرمة بن عمار إلى الوضع، وقد وثقه وكيع ويحيى بن معين وكفى بهما إمامين (١) ومِمَّنْ قال بأن الحديث وقع فيه الوهم الإمام ابن تيمية في " منهاج السُنَّة "، فأبو رِيَّةَ لم يأت بجديد وكل ما هنالك أنه حاول تجسيم هذا الغلط اليسير ليغض من شأن " صحيح الإمام مسلم ". تَصْدِيقُ النَّبِيِّ ﷺ لأُمَيَّةَ بْنَ أَبِي الصَّلْتِ فِي بَعْضِ مَا قَالَ: قال: وفي " مسند أحمد " عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَدَّقَ أُمَيَّةَ بْنَ أَبِي الصَّلْتِ الشَّاعِرِ المَشْهُورِ فِي قَوْلِهِ:

стр. 187

وَالشَّمْسُ تَطْلُعُ كُلَّ آخِرِ لَيْلَةٍ * ... * ... * حَمْرَاءَ يُصْبِحُ لَوْنُهَا يَتَوَرَّدُ تَأْبَى فَمَا تَطْلُعُ لَنَا فِي رِسْلِهَا * ... * ... * إِلاَّ مُعَذِّبَةً وَإِلاَّ تُجْلَدُ والجواب: أنه لا مانع عقلاً ولا شرعًا في تصديق النَّبِيِّ لأُمَيَّةَ أو غيره في بعض ما يقول ما دام حَقًّا، وقد ثبت في الصحيح أن النَّبِيَّ قال: «أَصْدَقُ كَلِمَةٍ قَالَهَا الشَّاعِرُ، [كَلِمَةُ لَبِيدٍ]: أَلاَ كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلاَ اللَّهَ بَاطِلٌ» فإن كان كَذِبًا أو باطلاً نَبَّهَ إليه، ولذلك قال في قول هذا الشاعر وهو لبيد: وَكُلُّ نَعِيمٍ لاَ مَحَالَةَ زَائِلُ «كَذَبَ إِنَّ نَعِيمَ الْجَنَّةِ غَيْرُ زَائِلٍ» كما قال لما سمع شعر أمية هذا «آمَنَ لِسَانُهُ وَكَفَرَ قَلْبُهُ». اسْتِشْكَالُهُ حَدِيثَ: «مَتَى تَقُومَ السَّاعَةُ»: قَالَ: وَرَوَى " مسلم " عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ رَجُلاً سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ ، قَالَ: مَتَى تَقُومُ السَّاعَةُ؟ قَالَ: فَسَكَتَ رَسُولُ اللهِ ﷺ هُنَيْهَةً، ثُمَّ نَظَرَ إِلَى غُلاَمٍ بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ أَزْدِ شَنُوءَةَ، فَقَالَ: «إِنْ عُمِّرَ هَذَا، لَمْ يُدْرِكْهُ الْهَرَمُ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ» قَالَ: قَالَ أَنَسٌ: ذَاكَ الْغُلاَمُ مِنْ أَتْرَابِي يَوْمَئِذٍ ... ثم قال متهكما: فما قول عُبَّادِ الأسانيد؟ لعل بعضهم يقول: لعل هذا الغلام لم يدركه الهرم إلى الآن. والجواب: أن استشكال هذا الحديث إنما يكون مِمَّنْ قصر نظره، وضاق عقله عن إدراك المراد منه، وهذا الحديث - وأمثاله - ليس المراد به يوم القيامة، وإنما المراد الساعة الخاصة، وهي انتهاء الجيل وأهل القرن الواحد. والساعة كما تطلق على الساعة العامة للدنيا كلها وهي القيامة تطلق على الساعة الخاصة، وهذا الثاني هو المراد هنا، ويؤيد ذلك ما في " صحيح مسلم " أن النَّبِيَّ ﷺ قال في حديث آخر:

стр. 188

«أَرَأَيْتَكُمْ لَيْلَتَكُمْ هَذِهِ؟ فَإِنَّ عَلَى رَأْسِ مِائَةِ سَنَةٍ مِنْهَا لاَ يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ أَحَدٌ» قَالَ [ابْنُ عُمَرَ]: فَوَهَلَ النَّاسُ - أي غلط - فِي مَقَالَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وإنما أراد انخرام الجيل أي انتهاءه، وفي الحديث الصحيح اَيْضًا أن رجلا سأل النَّبِي: متى تقوم الساعة؟ وكان النَّبِي مشتغلا بحديثه، فلما فرغ منه قال: «أَيْنَ السَّائِلُ عَنِ السَّاعَةِ؟» قَالَ الرَّجُلُ: أَنَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «إِذَا ضُيِّعَتِ الأَمَانَةُ، فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ» فَقَالَ الرَّجُلُ: وَكَيْفَ إِضَاعَتُهَا؟ فَقَالَ: «إِذَا وُسَّدَ الأَمْرَ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ، فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ». فالمراد بالساعة هنا ساعة الأمم وهي ساعة هلاكها حينما لا تأخذ بأسباب القوة والعزة والبقاء، وقد عرض هذا الحديث لِنَظَرِيَّةٍَ من أهم نظريات علم الاجتماع وهكذا يَتَبَيَّن لنا أن من رماهم بأنهم عُبَّادُ الأَسَانِيدِ - يريد أئمة الحديث - هم أرحب عقلاً، وأوسع أُفُقًا منه ومن أمثاله عُبَّادُ الشَّيَاطِينِ، وأسراء الأهواء، والدرهم والدينار، وصنائع أعداء الله ورسوله. ثم قال: نكتفي بما أوردناه، وهناك أحاديث أكثر شناعة، تركناها خشية الإطالة، وللإمام الطحاوي كتاب كبير في أربعة مجلدات في مشكل الحديث فليرجع إليه من أراده. أقول: نعم ليرجع من يشاء إلى كتاب الطحاوي ليرى كيف يكون مسلك العلماء الراسخين في فهم الأحاديث التي ظاهرها مشكل، وكيفية فهمهم لها، وتوقيرهم للحديث وأهله، وتأدبهم مع السلف الصالح وليرى اَيْضًا فرق ما بين العلماء وأدعياء العلم، وطلاب الحقيقة، وطلاب الجاه الكاذب، والسراب الخادع. أَحَادِيثُ المَهْدِيِّ المُنْتَظَرِ: قال في [ص ٢٠٩]: ومن المشكلات تلك الأحاديث التي جاءت في المهدي وهو عند أَهْلِ السُنَّةِ محمد بن عبد الله، وفي رواية: أحمد بن عبد الله، والشيعة الإمامية متفقون على أنه محمد بن الحسن العسكري من الأئمة المعصومين ويلقبونه بِالحُجَّةِ، والقائم المنتظر.

стр. 189

والجواب: إن أحاديث المهدي المنتظر اختلفت فيها أنظار العلماء من قديم الزمان، فمنهم مَنْ ضَعَّفَهَا وَرَدَّهَا كابن خلدون في " مقدمته "، ومنهم من صَحَّحَهَا كالحافظ السيوطي، وابن حجر الهيثمي، بل ذهب بعض أئمة الحديث إلى تواترها ومن هؤلاء القاضي المجتهد المُحَدِّثُ الشوكاني، فَإِنَّ له في ذلك رسالة، ونحن نعلم أن الشوكاني كان حُرَّ الرَّأْيِ والتفكير ويقول ما يقتنع به عن دليل ولو جر ذلك عليه صنوف البلاء، وما دامت المسألة محل اختلاف وتتجاذبها الأدلة، فما كان ينبغي للمؤلف أن يهول من شأنها، وأن يتخذ منها وسيلة للطعن في السُنَّةِ، والإزراء برجالها، ولو أنه كان من أهل الاجتهاد والعلم بالرجال والنقد لقلنا: رأي له رآه، أما وهو متابع لغيره، وإمعة في رأيه، فما كان الأمر يستحق كل هذه الطنطنة وكل هذا التهويل. وَمِمَّا ينبغي أن يعلم أن الأحاديث التي تعرضت للمهدي منها الثابت ومنها غير الثابت، ومنها الضعيف ومنها الموضوع. أَحَادِيثُ الخُلَفَاءِ الاثْنَيْ عَشَرَ: في [ص ٢١٠] عرض لأحاديث الخلفاء الاثني عشر وذكر في ذلك ما رواه الشيخان وغيرهما من أهل الحديث وقد اعتمد في سرد الأحاديث التي ذكرها على " فتح الباري " للحافظ ابن حجر، وذكر فيما ذكر حديث " الطبراني " عن عبد الله بن عمرو بن العاص، وحديثًا موقوفًا على كعب، ثم قال: وعلى أن هذه الأحاديث قد جعلت الخلفاء اثني عشر فقد رَوَوْا حَدِيثًا يعارض هذه الأحاديث جميعًا، وهو حديث سَفِينَةَ الذي خرجه أصحاب السنن، وَصَحَّحَهُ ابن حبان وغيره «الخِلاَفَةُ بَعْدِي ثَلاَثُونَ سَنَةً ثُمَّ يَكُونُ مُلْكًا» ثم أراد أن يوهم القارئ أن العلماء الكبار على أن الحديثين متعارضان تعارضًا يذهب الثقة بهما وبرواتهما فذكر كلاما للإمام القاضي عياض، وللإمام أبي الفرج بن الجوزي. وللجواب عن ذلك نقول: ١ - إن المؤلف اعتمد فيما نقله على " فتح الباري " إِلاَّ أنه - كما هو شأنه

стр. 190

ينقل من غير تحقيق وَتَرَوٍّ فقد نقل رواية كعب مع أن الحافظ قال فيها: إنها واهية، والواهي لا يحتج به قطعًا. ٢ - إن المؤلف لما نقل استشكال القاضي عياض للحديثين ذكر السؤال ولم يذكر الجواب، وهي خيانة علمية تقذف بصاحبها في عداد المدلسين، وإليك ما قاله القاضي بتمامه، قال الحافظ في " الفتح " (١): «وَقَدْ لَخَصَّ القَاضِي عِيَاضٌ ذَلِكَ فَقَالَ: تَوَجَّهَ عَلَى هَذَا العَدَد سُؤَالاَنِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ يُعَارِض ظَاهِرِ قَوْله فِي حَدِيثِ سَفِينَةَ يَعْنِي الذِي أَخْرَجَهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ وَصَحَّحَهُ اِبْنِ حِبَّان وَغَيْره " الخِلاَفَة بَعْدِي ثَلاَثُونَ سَنَةً، ثُمَّ تَكُونُ مُلْكًا " لأَنَّ الثَّلاَثِينَ سَنَةً لَمْ يَكُنْ فِيهَا إِلاَّ الخُلَفَاءُ الأَرْبَعَةُ وَأَيَّامَ الحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ. وَالثَّانِي أَنَّهُ وَلِيَ الخِلاَفَة أَكْثَرُ مِنْ هَذَا الْعَدَد» وإلى هنا وقف المؤلف، وإليك التتمة «قَالَ: - أي القاضي عياض -: وَالجَوَابُ عَنْ الأَوَّلِ أَنَّهُ أَرَادَ فِي حَدِيث سَفِينَة " خِلاَفَة النُّبُوَّة " وَلَمْ يُقَيِّدْهُ فِي حَدِيث جَابِرَ بْن سَمُرَةَ بِذَلِكَ - يعني الذي رُوِيَ في " الصحيحين " - بذلك، وَعَنْ الثَّانِي: أَنَّهُ لَمْ يَقُلْ " لاَ يَلِي إِلاَّ اِثْنَا عَشَرَ " وَإِنَّمَا قَالَ: [يَكُونُ] " اِثْنَا عَشَرَ " وَقَدْ وَلِيَ هَذَا العَدَد وَلاَ يَمْنَع ذَلِكَ الزِّيَادَة عَلَيْهِمْ ... وَقَدْ مَضَى مِنْهُمْ الخُلَفَاءُ الأَرْبَعَةُ وَلاَ بُدَّ مِنْ تَمَامِ العِدَّةِ قَبْلَ قِيَامِ السَّاعَةِ ... » إلى آخر ما نقل الحافظ عن القاضي عياض. وكذلك صنع أَبُو رَيَّةَ مع ابن الجوزي فقد نقل بعضه، وترك جُلَّهُ، وقد استغرق نقل كلام الجوزي صحيفة بطولها من " فتح الباري " (٢)، وقد أطال الحافظ ابن حجر في تحقيق الروايات في هذا الموضوع واستغرق ذلك بضع صفحات من " الفتح " بحيث يخرج منه القارئ المُتَثَبِّتُ الطالب للحقيقة بزيادة اليقين بصحة ما روى في " الصحيحين " في هذا الباب والحافظ الكبير ابن حجر باتفاقنا جميعًا من أكابر أئمة هذا العلم، بل هو كما قال المؤلف: أمير المؤمنين في الحديث، فإذا كان كذلك فلم لم ينهج نهجه في فهم الأحاديث والتوفيق بينها؟!

стр. 191

ولا أدري إذا كان المؤلف خطف ما ذكره خَطْفًا من " الفتح " من غير تحقيق وتثبت، أم أنه تعمد ذلك لحاجة في نفسه قد أصبحت معلومة لكل من اطلع على رَدِّنَا على صاحب هذا الكتاب الظالم، فإن كانت الأولى فهي جهالة، وإن كانت الثانية فهي خيانة وتغرير وتدليس. أَحَادِيثُ الدَجَّالِ عِنْدَ أَبِي رَيَّةَ خُرَافَةٌ: في [ص ٢١٣] عرض لأحاديث الدَجَّالِ، وطعن فيها، واعتبر ظهور الدجال في آخر الزمان خرافة. والعجب أنه ذكر في هذه الصحيفة بعض الأحاديث الغير ثابتة كحديث كعب الأحبار، بينما أعرض عن الأحاديث الصحيحة الثابتة المروية من طرق عدة عن كثير من الصحابة في " الصحيحين " وغيرهما. ونحن لا ننكر أنه وضعت أحاديث في الدَجَّالِ، وَصِفَتِهِ، ومتى يخرج، ومن أي مكان يخرج، ولكنه مع هذا قد صحت فيه أحاديث كثيرة في " الصحيحين " وغيرهما. وقد روى أحاديث الدَجَّالِ " البخاري " و" مسلم " (١) وأفاضا في ذلك، كما روى أحاديثه غيرهما من أصحاب الأحاديث المعتمدة الموثوق بها، حتى حَدَا هذا ببعض العلماء إلى القول بتواتر أحاديث الدجال، ونزول عيسى ﵇، فإن كانت أحاديث خروج الدجال متواترة فهي قطعية الثبوت، ولا مجال لإنكارها، وإن كانت صحيحة مشهورة ولم تصل إلى حد التواتر فالأحاديث الصحيحة التي تلقتها الأُمَّةُ بالقبول كأحاديث " الصحيحين " تفيد القطع في ثبوتها عند كثير من أئمة علم الحديث كابن الصلاح وابن حجر، وابن تيمية وغيرهم من جماهير العلماء سَلَفًا وَخَلَفًا (٢).

стр. 192

بل ذهب بعض أجلة العلماء إلى أن الحديث الصحيح يفيد العلم اليقيني، وهو مذهب داود الظاهري والحسين بن علي الكرابيسي، والحارث ابن أسد المحاسبي، وحكاه ابن خويز منداد عن مالك وهو الذي اختاره الإمام ابن حزم قال في " الإحكام ": «إِنَّ خَبَرَ الوَاحِدِ العَدْلِ عَنْ مِثْلِهِ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ يُوجِبُ العِلْمَ وَالعَمَلَ [مَعًا]» وقد انتصر إلى هذا من المُتَأَخِّرِينَ العلامة المُحَدِّثُ الشيخ أحمد محمد شاكر ﵀ فقال: «وَالحَقَّ الذِي تُرَجِّحُهُ الأَدِلَّةُ الصَّحِيحَةُ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ ابْنُ حَزْمٍ، وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِ مِنْ أَنَّ الحَدِيثَ الصَّحِيحَ يُفِيدُ العِلْمَ القَطْعِيََّ سَوَاءٌ أَكَانَ فِي أَحَدِ " الصَّحِيحَيْنِ "، أَمْ فِي غَيْرِهِمَا، وَهَذَا العِلْمُ اليَقِينِيُّ عِلْمٌ نَظَرِيٌّ بُرْهَانِيٌّ، لاَ يَحْصُلُ إِلاَّ لِلْعَالِمِ المُتَبَحِّرِ فِي الحَدِيثِ العَارِفِ بِأَحْوَالِ الرُّوَاةِ وَالعِلَلِ ... وَهَذَا العِلْمُ اليَقِينِيُّ النَّظَرِيُّ يَبْدُو ظَاهِرًا لِكُلِّ مَنْ تَبَحَّرَ فِي عِلْمٍ مِنَ العُلُومِ، وَتَيَقَّنَتْ نَفْسُهُ بنَظَرِيَّاتِهِ وَاطْمَأَنَّ قَلْبُهُ إِلَيْهَا .... » (١). فأيا ما كانت أحاديث الدجال، فلا يجوز لمسلم أن ينكرها ولا مجال للتشكيك فيها، وكون النَّبِيِّ ﷺ كان يخبر أنه من المحتمل ظهوره في عصره، ثم إخباره بأن ظهوره في آخر الزمان لا يكفي في الطعن في الروايات وتكذيبها لجواز أن يكون أوحى إليه بخبره وشأنه من غير تعيين لزمانه ففهم النَّبِيُّ جواز أن يكون في عصره، ثم بعد ذلك أعلمه الله - سُبْحَانَهُ - أن ذلك سيكون في آخر الزمان قبيل الساعة. وإذا كانت أحاديث الدجال لا مطعن فيها من جهة الرواية، وأنها وردت من طرق عدة تبعد عنها الشك والريبة، فإنها كذلك لا مطعن فيها من جهة المعنى والدراية، فقد بين النَّبِيُّ في حديث آخر أنه سيكون هناك دجالون قريب من ثلاثين، وأن آخرهم الدجال الأكبر ففي " صحيح البخاري " «لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَقْتَتِلَ فِئَتَانِ عَظِيمَتَانِ ... ، دَعْوَتُهُمَا وَاحِدَةٌ، وَحَتَّى يُبْعَثَ دَجَّالُونَ [كَذَّابُونَ]، قَرِيبٌ مِنْ ثَلاَثِينَ، كُلُّهُمْ يَزْعُمُ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ... » ولأحمد والطبراني «لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَخْرُجَ ثَلاَثُونَ كَذَّابًا

стр. 193

آخِرُهُمُ الأَعْوَرُ الدَّجَّالُ». وقد جاء الواقع مُؤَيِّدًا لهذا الحديث كل التأييد فمن هؤلاء الدجالين من ظهر كَمُسَيْلِمَةَ وَالأَسْودَ العَنْسِيَّ في القديم، وغلام أحمد القادياني الذي ظهر ببلاد الهند في العصر الأخير، ومنهم من سيظهر حتى يكون آخرهم الدجال الأكبر وهو الذي سيقتله عيسى ﵇. وما دامت هذه الأمور الغيبية ممكنة وأخبر بها الصادق المصدوق ﷺ وجب الإيمان بها والتصديق، وليس لنا تحكيم العقل فيها لأنها من الغيوب التي هي فوق إدراك العقول. أَحَادِيثُ تَحْدِيدِ عُمُرِ الدُّنْيَا إِسْرَائِيلِيَّاتٌ بَاطِلَةٌ: في [ص ٢١٤] ذكر عُمْرَ الدنيا وقال: إن في " تفسير الآلوسي " أن السيوطي أخرج عدة أحاديث في أن عمر الدنيا سبعة آلاف سَنَةٍ وذكر أن مدة هذه الأُمَّة تزيد على الألف ولا تبلغ الزيادة خمسمائة سَنَةٍ. وتقريرًا للحقيقة أقول: إن الإخبار عن عمر الدنيا وتحديد ذلك بسبعة آلاف سَنَةٍ وأن النَّبِيَّ بعث في آخر السادسة وَرَدَ فيها حديث مرفوع، وقد حكم عليه جهابذة الحديث وصيارفته كابن الجوزي وغيره بالوضع، وما دامت كذلك فلا يقام لها وزن ولا نتخذ منه سبيلاً للطعن في الأحاديث وقد جاءت بعض الأخبار موقوفة على الصحابة والتابعين، وهي على تسليم ثبوتها عمن رويت عنهم فهي من الإسرائيليات الباطلة التي حملها هؤلاء عن مُسْلِمَةِ أَهْلِ الكِتَابِ بحسن نِيَّةٍ ومعاذ الله أن يكون لها حكم الرفع، وتحديد عمر الدنيا بسبعة آلاف سنة من جهالات اليهود الذين افتروا على الله وعلى الخلق وعلى العلم. وأحب أن أقول للمؤلف إن الإمام السيوطي، وإن كان أداه اجتهاده إلى اعتماد بعض تلك الأخبار الإسرائيلية فقد أخطأه الصواب لا محالة وأي إنسان غير معصوم من الخطأ؟ والعصمة إنما هي للهِ ولرسله، وإذا كان السيوطي اعتمدها فهناك غيره

стр. 194

من أئمة المُحَدِّثِينَ نقدوها وزيفوها وبينوا بطلانها، وقد ثبت بالأدلة القاطعة التي لا يرقى إليها الشك أن عمر الدنيا أضعاف أضعاف ذلك مِمَّا يؤكد زيف هذه الروايات وبطلانها. تَحْرِيفٌ فِي مَعْنَى حَدِيثٍ: قال في [ص ٢١٤]: وفي حديث لـ " مسلم " أن الساعة تقوم قبل انتهاء القرن الأول الهجري أقول: ولعل مراده بحديث " مسلم " هو أن النَّبِي قال قبل أن يموت بشهر «أَرَأَيْتَكُمْ لَيْلَتَكُمْ هذِهِ؟ فَإِنَّ عَلَى رَأْسَ مِائَةِ سَنَةٍ، لاَ يَبْقَى، مِمَّنْ هُوَ اليَوْمَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ، أَحَدٌ» فَوَهَلَ الناس في مقالة رسول الله ﷺ إلى ما يتحدثون من هذه الأحاديث عن مائة سَنَةٍ، وإنما قال النَّبِي لا يبقى مِمَّنْ هو اليوم على ظهر الأرض يريد بذلك أنها تخرم القرن. والحديث ظاهر في أن المراد انقراض أهل ذلك القرن، وأنه ليس المراد قيام الساعة الكبرى، وقد غلط المؤلف في فهمه كما غلط أناس من قبل ولو تأمل المؤلف في هذه الرواية لما وقع في هذا الزعم الكاذب. أَحَادِيثُ الفِتَنِ وَأَشْرَاطِ السَّاعَةِ: ثم قال: «وقد أعرضنا كذلك عن إيراد أخبار الفتن وأشراط الساعة ونزول عيسى التي ذخرت بها كتب السُنَّةِ المعتمدة بين المسلمين والمقدسة من الشيوخ الحشويين، وكذلك أهملنا ذكر الأحاديث الواردة في خروج النيل والفرات وسيحون وجيحون من أصل سدرة المنتهى فوق السماء السابعة وهي في " البخاري " وغيره». أقول: أما أخبار الفتن وأشراط الساعة ونزول عيسى فقد روي في ذلك أحاديث صحاح وحسان بل منها ما وصل إلى حد التواتر كأحاديث نزول عيسى في آخر الزمان كما قال الإمام الشوكاني، ومن الأحاديث المروية في هذا ما هو ضعيف أو موضوع، وقد نَقَدَ المُحَدِّثُونَ كل ذلك وَمَيَّزُوا بين الصحيح والمعلول والمقبول والمردود.

стр. 195

وأما الأحاديث الواردة في النيل والفرات ... فقد بينت فيما سبق المراد منها وأن لها مَحْمَلاً صَحِيحًا مَقْبُولاً، وأن المراد منها المجاز لا الحقيقة، وهو مجاز مستساغ لغة وشرعًا. اِسْتِشْهَادُ أَبِي رَيَّةَ بِكَلاَمِ السَيِّدْ مُحَمَّد رَشِيدْ رِضَا فِي " تَفْسِيرِهِ ": قال في [ص ٢١٦] انتهى العلامة السيد رشيد رضا في " تفسيره " بعد أن طعن في أحاديث أشراط الساعة وأمارتها مثل الفتن والدجال والجساسة وظهور المهدي وغير ذلك إلى هذه النتائج القيمة. ١ - أن النَّبِيَّ لم يكن يعلم الغيب وإنما أعلمه الله ببعض الغيوب بما أنزل عليه في كتابه وهو قسمان صريح ومستنبط. ٢ - لا شك أن أكثر الأحاديث قَدْ رُوِيَ بالمعنى ... فعلى هذا كان يروي كل أحد ما فهمه وربما وقع في فهمه الخطأ، لأن هذه أمور غيبية، وربما فسر بعض ما فهمه بألفاظ يزيدها ... إلخ ما قال. الرَدُّ عَلَى مَا وَرَدَ فِي كَلاَمِ السَيِّدِ مُحَمَّد رَشِيدْ وَأُسْتَاذِهِ الإِمَامِ: ١ - أما أن النَّبِيَّ ﷺ لم يكن يعلم الغيب وإنما أعلمه الله ببعض الغيوب .. فهذا ما لا نخالف فيه ولا ننكره ولكنا نقول: إن ما أخبر به من أشراط الساعة وأخبار الفتن هو مِمَّا أعلمه الله إياه وصدق الله حيث يقول: ﴿فَلاَ يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا، إِلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ (١). ٢ - ما يتعلق بالرواية بالمعنى فقد حَقَّقْتُ القول فيها فيما سبق وبينت أن احتمال الخطأ أو التغيير في الأحكام والدلالات هو احتمال عقلي وأن من اطلع على شروط الأئمة في تجويز الرواية بالمعنى وشدة تحري الرواة للحق والصواب وتحزرهم من الخطأ يقطع بأن احتمال الغلط أو التغيير يعيد غاية البعد. ٣ - وأما ما وضعه أصحاب العصبيات المذهبية والسياسية والمتظاهرين بالصلاح والتقوى فقد نقده العلماء نَقْدًا عِلْمِيًّا نزيها وبينوا زيفه، وما خفي عليهم شيء منه.

стр. 196

٤ - وأما أن بعض الأحاديث الموضوعة لم تعرف إِلاَّ باعتراف واضعها، فزعم غير صحيح من كل وجه فالاعتراف إنما هو أمارة وقرينه، وَالمُعَوَّلُ عَلَيْهِ عند الأئمة فقد السند والمتن، ولو لم يعترف هؤلاء لوصل العلماء بملكاتهم التي اكتسبوها من مزاولة النقد وبقواعدهم الدقيقة التي وضعوها إلى تمييز الحق من الباطل والخطأ من الصواب، وليس أدل على ذلك من أنهم لم يعتبروا الإقرار قَطْعِيًّا في الدلالة على الوضع لجواز أن يكذب في هذا الإقرار نفسه كما قرروا ذلك في كتبهم. ٥ - وأما ما نقله عن الأستاذ الإمام محمد عبده من أن بعض الصحابة والتابعين كانوا يروون عن كل مسلم وما كل مسلم مؤمن صادق وما كانوا يفرقون في الأداء بين ما سمعوه عن النَّبِي ﷺ أو من غيره، فعلى تسليم ثبوته عنه فهو - على إطلاقه - غير صحيح، والمؤلف حريص على أَنْ يُحَمِّلَ الكلام ما لا يتحمل. ومِمَّا نحب أن نسجله بهذه المناسبة أن الأستاذ الإمام لم يتضلع من السُنَّةِ وعلومها تضلعًا يجعله في عداد أئمتها فمن ثم وقع في بعض الأخطاء حينما يعرض لبعض الأحاديث، كما أحب أن أذكر المؤلف ومن على شاكلته بأن الحق لا يعرف بالرجال وإنما يعرف الرجال بالحق، وبكلمة إمام دار الهجرة مالك بن أنس: «كُلُّ أَحَدٍ يُؤْخَذُ مِنْهُ وَيُرَدُّ عَلَيْهِ إِلاَّ صَاحِبُ هَذَا المَقَامِ». يريد النَّبِيَّ ﷺ . وأنا مع إكباري للأستاذ الإمام وتلميذه السيد محمد رشيد رضا إِلاَّ أني أرى ويرى كل باحث منصف - أنه ليس كل ما يقولانه حَقٌّ وَحُجَّةٌ فَهُمَا بَشَرٌ، وكل بشر عرضة للصواب والخطأ والسيد رشيد مع كونه عَالِمًا بِالسُنَّةِ وبالأحاديث إِلاَّ أن له مواضع زلت قدمه فيها والعصمة لله ولرسله. ٦ - وأما ما عرض له من أن الصحابة كلهم عدول قاعدة أغلبية فقد قدمت ما فيه الكفاية في هذا فيما سبق وأما أن بعض المنافقين كان يتظاهر بالإسلام وأحكموا النفاق ومرنوا عليه حتى خفي أمرهم على النَّبِيِّ وأصحابه استدلالاً بقوله تعالى: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ﴾ (١) فليس في الآية استمرار عدم

стр. 197

العلم بحالهم بل فيها ما يشعر بأن الله سيفضحهم ويكشف أمرهم لنبيه والمؤمنين المرة بعد المرة فالمراد بالمرتين التكثير كقوله سبحانه: ﴿ارْجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾ (١). والآية تشعر باطلاع الله - سبحانه نَبِيَّهُ على أحوالهم ولا سيما وقد ورد في الرواية ما يؤيد ذلك أخرج ابن أبي حاتم والطبراني في " الأوسط " وغيرهما عن ابن عباس ﵄ قال: «قام فينا رسول الله ﷺ يوم الجمعة خطيبا، فقال: «قُمْ يَا فُلاَنُ فَاخْرُجْ، فَإِنَّكَ مُنَافِقٌ، اخْرُجْ يَا فُلاَنُ، فَإِنَّكَ مُنَافِقٌ»، فَأَخْرَجَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ، فَفَضَحَهُمْ، وَلَمْ يَكُنْ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ شَهِدَ تِلْكَ الجُمُعَةَ لِحَاجَةٍ كَانَتْ لَهُ، فَلَقِيَهُمْ عُمَرُ وَهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ المَسْجِدِ فاخْتَبَأَ مِنْهُمُ اسْتِحْيَاءً أَنَّهُ لَمْ يَشْهَدِ الجُمُعَةَ، وَظَنَّ أَنَّ النَّاسَ قَدِ انْصَرَفُوا، واخْتَبَئُوا هُمْ مِنْ عُمَرَ، وَظَنُّوا أَنَّهُ قَدْ عِلْمَ بِأَمْرِهِمْ، فَدَخَلَ عُمَرُ المَسْجِدَ، فَإِذَا النَّاسُ لَمْ يَنْصَرِفُوا. فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: أَبْشِرْ يَا عُمَرُ، فَقَدْ فَضَحَ اللَّهُ المُنَافِقِينَ اليَوْمَ، فَهَذَا العَذَابُ الأَوَّلُ، وَالعَذَابُ الثَّانِي عَذَابُ القَبْرِ» وفي رواية ابن مردويه عن أبي مسعود الأنصاري: «أَنَّهُ ﷺ أَقَامَ فِي ذَلِكَ اليَوْمِ وَهُوَ عَلَى المِنْبَرِ سِتَّةً وَثَلاَثِينَ رَجُلاً». ٧ - وأما قوله فيما نقل عنه: «فكل حديث مشكل المتن أو مضطرب الرواية أو مخالف لسنن الله تعالى في الخلق أو لأصول الدين أو نصوصه القطعية أو للحسيات وأمثالها من القضايا اليقينية فهو مظنة لما ذكرنا فمن صدق رواية مِمَّا ذكر ولم يجد فيها إشكالاً فالأصل فيها الصدق ومن ارتاب في شيء منها أو ورد عليه بعض المرتابين أو المُشَكِّكِينَ إشكالاً في متونها فليحمله على ما ذكرنا من عدم الثقة بالرواية لاحتمال كونها من دسائس الإسرائيليات أو خطأ الرواية بالمعنى أو غير ذلك مِمَّا أشرنا إليه. فهو كلام حق في ذاته وقد قاله المُحَقِّقُونَ في الأمارات التي تعرف بها الأحاديث الموضوعة ولكن الخطأ إنما يعرض في التطبيق فما يكون مشكلاً عنده لا يكون مشكلاً عند آخر، وما يتراءى لبعض الناس أنه مخالف للسنن الكونية قد لا يكون مخالفًا عند التحقيق والتدقيق، وما يعتبره البعض مخالفًا للقطعي أو للحس قد لا يعتبره الآخر كذلك، فَمِنْ ثَمَّ دخلت المغالط الكثيرة على المؤلف وغيره مِمَّنْ عرضوا لنقد الحديث، وذلك لأنهم جعلوا جل غايتهم التزييف والهدم، فمن ثم تلمسوا أَوْهَى الأسباب، وركبوا كل صعب في سبيل إظهار بعض الأحاديث بمظهر

стр. 198

المخالف لما ذكر، أما العلماء المُحَقِّقُونَ المُتَثَبِّتُونَ فقد احتاطوا غاية الاحتياط في التطبيق وَتَأَنَّوْا في الحُكْمِ بالمخالفة فمن ثم جاءت أحكامهم على الأحاديث ورواتها صائبة. وفيما قدمته في بيان عناية أئمة الحديث بنقد السند والمتن وتحكيمهم القواعد الصحيحة وعدم مسارعتهم لرد ما ظاهره مخالفة العقل أو الحس أو السنن الكونية وغيرهما ما فيه الكفاية فكن على ذكر منه. اِفْتِرَاؤُهُ عَلَى الصَّحَابَةِ بِعَدَمِ عِنَايَتِهِمْ بِجَمْعِ الأَحَادِيثِ: في [هامش ص ٢١٩] قال تحت عنوان «تدوين القرآن»: «مِمَّا يستلفت النظر البعيد ويسترعي العقل الرشيد أن عمر لما راعه تهاوي الصحابة في حرب اليمامة، وفزع إلى أبي بكر لكي يسارع إلى جمع القرآن وكتابته، لم يقل عنهم إنهم حَمَلَةُ الحديث بل قال: إنهم حَمَلَةُ القرآن ولم يطلب جمع الحديث وكتابته عندما فزع إلى أبي بكر بل جعل هَمَّهُ في جمع القرآن وحده وكتابته، بل إننا لم نجدهم وهم يجمعون القرآن ويدونونه - وكان ذلك على مشهد الصحابة جميعًا - قد اقترح واحد منهم أن يجمعوا الحديث ويكتبونه بل انحصرت عنايتهم في جمع القرآن فحسب، وفي ذلك أقوى الأدلة وأصدق البراهين على أنهم لم يكونوا يعنون بأمر جمع الحديث، ولا أن يكون لهم فيه كتاب محفوظ يبقى على وجه الدهر كالقرآن». أليس ذلك من أقوى الأدلة على سوء نِيَّةٍ المؤلف وأن قصده التهوين من شأن السُنَّةِ حتى في نفوس الرعيل الأول من المسلمين وأنه في سبيل ذلك يحمل الكلام والحوادث ما لا تتحمل؟!! إن الحكمة كانت تقتضي في ذلك الوقت المسارعة إلى جمع القرآن في مصحف واحد خشية أن يضيع شيء منه، أو من أصله المكتوب بموت جمهور القُرَّاءِ، أما الأحاديث فلم تكن الحاجة ماسة إلى جمعها حينئذ ولا سيما أَنَّ الأُمَّةَ لم تكلف بحفظ ألفاظها والتعبد بها كما كلفت بالقرآن، وأن المعول عليه فيها

стр. 199

المعنى، لا اللفظ، وأنهم نُهُوا عن كتابتها حتى لا تختلط بالقرآن، فالصحابة لم يفعلوا إِلاَّ أنهم قدموا الأهم على المهم والأصل على الفرع فلما دعت الحاجة إلى جمع الأحاديث والمحافظة عليها من الضياع والتباس الحق بالباطل أمر الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز بجمعها بصفة رسمية عامة فكان ذلك بدأ التدوين العام، أما التدوين الخاص فقد تحقق فعلاً من قبل فقد كان يكتب السُنَّةَ بعض الصحابة والتابعين، ولعل مِمَّا يلقم المؤلف حَجَرًا، ويجعله يفض بريقه، ويرد عليه فِرْيَتَهُ من أن الصحابة لم يهتموا بالأحاديث اهتمامهم بالقرآن، ولم يدونوها كما دونوا القرآن ما رواه البيهقي في " المدخل " عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ أَرَادَ أَنْ يَكْتُبَ السُّنَنَ فَاسْتَشَارَ فِي ذَلِكَ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَشَارُوا عَلَيْهِ أَنْ يَكْتُبَهَا فَطَفِقَ عُمَرُ يَسْتَخِيرُ اللَّهَ فِيهَا شَهْرًا ثُمَّ أَصْبَحَ يَوْمًا وَقَدْ عَزَمَ اللَّهُ لَهُ قَالَ: «إِنِّي كُنْتُ أَرَدْتُ أَنْ أَكْتُبَ السُّنَنَ، وَإِنِّي ذَكَرْتُ قَوْمًا كَانُوا قَبْلَكُمْ كَتَبُوا كُتُبًا فَأَكَبُّوا عَلَيْهَا وَتَرَكُوا كِتَابَ اللَّهِ وَإِنِّي وَاللَّهِ لاَ أَلْبَسُ كِتَابَ اللَّهِ بِشَيْءٍ أَبَدًا» (١). فهل بعد هذا النص الصريح يزعم زاعم أن الصحابة لم يكونوا يعنون بأمر جمع الحديث ولا أن يكون لهم فيه كتاب محفوظ؟!!! زَعْمُهُ أَنَّ التَدْوِينَ يَلْزَمُ مِنْهُ التَوَاتُرُ: مِمَّا لا يقضي منه العجب قوله في [ص ٢١٧]: «ولو أن النَّبِيَّ ﷺ وصحابته كانوا قد عنوا بتدوين الحديث كما عنوا بتدوين القرآن لجاءت أحاديث الرسول كلها متواترة في لفظها ومعناها ليس شيء فيها اسمه صحيح، ولا شيء اسمه حسن، ولا شيء اسمه ضعيف، مِمَّا لم يكن معروفًا زمن النَّبِيِّ ﷺ وصحابته، وبذلك كان يذهب الخلاف في حقيقته، وينحط عن كاهل العلماء عِبْءُ البحث عن صحته ووضع المؤلفات الكثيرة التي وضعت في علوم الحديث وبيان أحوال الرواة من حيث العدالة والضبط والجرح والتعديل وغير ذلك، وكان فقهاء الدين يسيرون على نهج واحد لا اختلاف بينهم فيه ولا تباين، إذ تكون كلها متواترة فلا يأخذون بما سموه

стр. 200

الظن الغالب الذي فتح أبواب الخلاف ومزق الصفوف وجعلها مذاهب وفرقًا بَلْهَ ما نجم من التفرق بين أهل الحديث وأهل الرأي مِمَّا لا يزال أمره بينهم إلى اليوم وما بعد اليوم قائمًا، ثم كانت الأحاديث تصبح من أهم المصادر لعلماء النحو ورجال اللغة والبلاغة الرَدِّ عليه في هذه المزاعم: --------------------------- وهو كلام خطابي لا يلبث أن ينماع أمام البحث العلمي الصحيح ولا ينم عن علم، وإليك الحق في هذا: ١ - إن هذا الكلام ينبئ عن جهل فاحش بالقرآن والتواتر فهو يفهم أن تواتر القرآن جاء من كتابته، لاَ يَا عَلاَّمَةَ آخِرَ الزَّمَانِ!! إن تواتر القرآن جاء من كونه كان - ولا يزال - يحفظه الألوف المُؤَلَّفَةِ من المسلمين في كل عصر ولم يزل ينقله الألوف عن الألوف حتى وصل إلينا متواترًا، لا تزيد فيه ولا نقص، ولا تغيير ولا تبديل، ولو أن المُعَوَّلَ عَلَيْهِ في التواتر التدوين والكتابة لتواترت آلاف الكتب التي دونت في القديم والحديث في أنواع العلوم والمعارف مع أن أي كتاب منها لم يحظ بالتواتر بمعناه العلمي الصحيح، إن المُعَوَّلَ عَلَيْهِ في التواتر الأخذ والتلقي شفاهًا عن جمع كثير يستحيل تواطأهم على الكذب وهؤلاء عن جمع كثير غيرهم وهكذا حتى نصل إلى المصدر الأصلي الذي نقل عنه الكتاب، ولو فرضنا أن السُنَّةَ دُوِّنَتْ في عهد النَّبِيِّ ومن جاء بعده من الصحابة من غير أن يحفظها بلفظها هذا الجمع الكثير عن مثله لما ثبت لها التواتر، وهذا من البدهيات التي نربأ بطالب مبتدئ أن يجهلها، ومع تأخر تدوين السُنَّةِ تَدْوِينًا عَامًّا عن جمع القرآن في مصحف واحد فقد وردت فيها أحاديث متواترة ولكنها قليلة. والخلاصة أن التدوين والتواتر غير متلازمين. ٢ - وكذا قوله: وكان فقهاء الدين ... جهل آخر بمسالك الاختلاف بين الأئمة، وليس أدل على بطلان زعمه من أن القرآن - وهو المتواتر قَطْعًا - لم يمنع تواتره الفُقَهَاءَ العلماء من عهد الصحابة إلى يومنا هذا من الاختلاف في فهمه واستنباط

стр. 201

الأحكام منه، فالتواتر لا يمنع من الاختلاف في المدلول، لأن كثيرًا من دلالات القرآن ظنية مع كونه قطعي الثبوت. وأما أن اتباع الظن الغالب هو الذي فتح أبواب الخلاف وفرق صفوف الأُمَّةِ وجعلها فِرَقًا فكلام خطابي، واتباع الظن في الأحكام الفرعية لم يفرق الأُمَّةِ كما زعم، وإنما الذي فرق الأُمَّةَ حَقًّا هم أمثال المؤلف الذين استرقتهم الأهواء والنزوات، وباعوا دينهم بدنياهم، واتخذ منهم أعداء الإسلام وسائل لتقويض دعائم الإسلام وإذهاب ريح الأُمَّة الإسلامية ولكن هيهات هيهات فالحق لا بد أن يظهر وينتصر والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون، وستستمر الأحاديث النبوية مصدر تشريع وهداية ومبعث إشعاع ونور وستبقى مَرْجِعًا مُهِمًّا لعلماء الفقه والتشريع والآداب والأخلاق وعلماء النحو واللغة والبلاغة. زَعْمُهُ أَنَّ ابْنَ أَبِي سَرَحٍ أَوَّلَ كُتَّاَبِ الوَحْيِ: في [ص ٢١٨] قال: وكان أول من كتب لِلْنَّبِيِّ بمكة من قريش عبد الله بن سعد بن أبي سرح الذي ارتد ثم عاد إلى الإسلام يوم الفتح. ولا أدري على أي مصدر اعتمد عليه في هذا اللَّهُمَّ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ كُتُبَ سادته المُسْتَشْرِقِينَ، وقد رجعت إلى " الاستيعاب " و " الإصابة " فما زادا عن أنه كان مِمَّنْ يكتب الوحي لرسول الله ثم ارتد ثم عاد مسلمًا يوم الفتح وحسن إسلامه، ولا أدري ما السر في أنه جعله أول من كتب مع وجود أبي بكر وعلي وهم أول من أسلم من الرجال والصبيان ومكانهما من النَّبِيِّ معروف، ومع وجود عثمان وهو من السابقين الأولين وذو النورين، ولكنه الخلط الذي مرن عليه المؤلف وصار له دَيْدَنًا. تَخَرُّصَاتٌ لأَبِي رَيَّةَ فِي مَسْأَلَةِ تَدْوِينِ الحَدِيثِ: في [ص ٢٢٣] تحت عنوان «تَدْوِينُ السُنَّةِ» ذكر أن تدوين الحديث - على ما قالوا - كان في آخر عهد التابعين، ثم يأتي في الهامش فيقول: آخر عصر التابعين هو حدود الخمسين ومائة ثم ساق في صلب الكتاب كلام الهروي نقلاً عن القسطلاني من أمر عمر بن عبد العزيز أبا بكر بن محمد بن حزم بتدوين الحديث

стр. 202

على رأس المائة الأولى قال: ويبدو أنه لما عاجلت المنية عمر بن عبد العزيز انصرف ابن حزم عن كتابة الحديث وبخاصة لما عزله يزيد بن عبد الملك عندما تولى بعد عمر بن عبد العزيز سَنَةَ ١٠١ هـ، وكذلك انصرف كل من كانوا يكتبون مع أبي بكر وفترت حركة التدوين إلى أن تولى هشام بن عبد الملك سَنَةَ ١٠٥ هـ، فجد في هذا الأمر وحث ابن شهاب الزُّهْرِي بل قالوا: إنه أكرهه على تدوين الحديث لأنهم كانوا يكرهون كتابته ... إلخ. رَدُّ هَذِهِ التَّخَرُّصَاتِ وَبَيَانِ مَنْشَئِهَا: --------------------------------- أقول إن الذي يبدو لي ولكل منصف أنه يحاول ما وسعه الجهد أن يبين أن التدوين العام تأخر عن رأس المائة كي يصل إلى غرضه من الطعن في الأحاديث بسبب تأخر التدوين، ولا أدري كيف يتفق ما ذكره في الهامش وما نقله عن العلماء من أن التدوين كان في عهد عمر بن عبد العزيز على رأس المائة الأولى فقد تولى سَنَةَ ٩٩ هـ ومات سَنَةَ ١٠١ هـ. ثم من أين بَدَا لأبي رَيَّةَ (١) أنَّ عمر بن عبد العزيز لما عاجلته المَنِيَّةُ انصرف ابن حزم عن كتابة الحديث وكذا انصرف كل من كانوا يكتبون معه؟ ولم لا يكون الأمر على خلاف هذا وأنهم سارعوا إلى جمع الأحاديث وتدوينها - وهذا هو الواقع - ولا سيما وهو يعلمون أَنَّ السُنَّةَ هي الأصل الثاني من أصول التشريع وأنهم حينما يقومون بجمعها وتدوينها وتنقيتها مِمَّا علق بها إنما يقومون بواجب ديني كريم

стр. 203

فهذا هو الظن الذي يليق بهؤلاء السادة الذين هم من خير القرون بشهادة الرسول ﵊. ومِمَّا ينبغي أن يعلم أن التدوين، وإن كان بدأ بصفة عامة على رأس المائة الأولى، إِلاَّ أنه بدأ بصفة خاصة من عهد الرسول وفي حياته فقد كان بعض الصحابة والتابعين يقيدون الأحاديث والسنن وفي الروايات الصحيحة الموثوق بها ما يدل على ما أقول. كِتَابَةُ بَعْضِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ لِلأَحَادِيثِ: ففي " صحيح البخاري " عن أبي هريرة ﵁ «لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَكْثَرُ مِنِّي حَدِيثًا إِلاَّ مَا كَانَ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو بْنِ العَاصِ، فَإِنَّهُ كَانَ يَكْتُبُ، وَ [كُنْتُ] لاَ أَكْتُبُ». وروى " البخاري " و" مسلم " أن أبا شاه اليمني التمس من النَّبِي ﷺ أنْ يكتب له شيئًا سمعه من خطبته عام الفتح فقال: «اكْتُبُوا لأَبِي شَاهٍ» (٣). وروى أبو داود والحاكم وغيرهما عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: «قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي أَسْمَعُ مِنْكَ الشَّيْءَ فَأَكْتُبُهُ؟ قَالَ: " نَعَمْ "، قُلْتُ: فِي الغَضَبِ وَالرِّضَا؟ قَالَ: " نَعَمْ، فَإِنِّي لاَ أَقُولُ فِيهِمَا إِلاَّ حَقًّا "». وروى الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: كَانَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ يَجْلِسُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَيَسْمَعُ مِنْهُ الحَدِيثَ فَيُعْجِبُهُ وَلاَ يَحْفَظُهُ فَشَكَا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ: «اسْتَعِنْ بِيَمِينِكَ» وَأَوْمَأَ بِيَدِهِ [لِلْخَطِّ]. وَفِي " صَحِيحِ البُخَارِيِّ " أَنَّ عَلِيًّا - كَرَّمَ اللهُ وَجْهَهُ - كَانَتْ عِنْدَهُ صَحِيفَةٌ فِيهَا بَعْضَ السُّنَنِ (العَقْلُ - أَيْ الدِّيَاتِ - وَفَكَاكُ الأَسِيرِ، وَأَنْ لاَ يُقْتَلَ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ) كَمَا صَحَّ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَتَبَ كِتَابَ الصَّدَقَاتِ وَالدِّيَاتِ وَالفَرَائِضَ وَالسُّنَنَ لِعَمْرُو بْنَ حَزْمٍ وَغَيْرِهِ إلى غير ذلك من النصوص الدالة على وجود التدوين للأحاديث في العهد النبوي. وأما حديث النهي عن الكتابة فقد كان ذلك في مبدأ الأمر حين خيف اشتغالهم بغير القرآن، أو اختلاط القرآن بغيره، ثم لما أمن ذلك نسخ النهي بالإذن في الكتابة. فلما جاور الرسول الرفيق الأعلى كثر من يكتب من الصحابة ومن التابعين،

стр. 204

عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: «أَنَّهُ كَانَ يَكُونُ مَعَ ابْنِ عَبَّاسٍ، فَيَسْمَعُ مِنْهُ الحَدِيثَ، فَيَكْتُبُهُ فِي وَاسِطَةِ الرَّحْلِ، فَإِذَا نَزَلَ نَسَخَهُ»، وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: «كُنَّا نَكْتُبُ الحَلاَلَ وَالحَرَامَ، وَكَانَ ابْنُ شِهَابٍ يَكْتُبُ كُلَّ مَا سَمِعَ، فَلَمَّا احْتِيجَ إِلَيْهِ عَلِمْتُ أَنَّهُ أَعْلَمُ النَّاسِ»، وَعَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، [عَنْ أَبِيهِ] أَنَّهُ أُحْرِقَتْ كُتُبُهُ يَوْمَ الْحَرَّةِ، وَكَانَ يَقُولُ: «وَدِدْتُ لَوْ أَنَّ عِنْدِي كُتُبِي بِأَهْلِي وَمَالِي». ومِمَّا ينبغي أن يعلم اَيْضًا أن الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز كتب إلى جميع أهل الآفاق بكتابة الأحاديث، فقد أخرج أبو نعيم في " تاريخ أصبهان " عن عمر بن عبد العزيز أنه كتب إلى أهل الآفاق: «انْظُرُوا إِلَى حَدِيثِ رَسُولِ اللهِ فَاجْمَعُوهُ». ومِمَّنْ كَتَبَ إِلَيْهِ اَيْضًا الإِمَامُ مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ بْنُ شِهَابٍ الزُّهْرِيُّ المُتَوَفَّى سَنَةَ ١٢٤ هـ. بل قال السيوطي: «إِنَّهُ أَوَّلُ مَنْ جَمَعَ الحَدِيثَ بِأَمْرِ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ العَزِيزِ، وَقَدْ قام هؤلاء جميعا بما أمرهم به الخليفة العادل خير قيام». اِسْتِنْتَاجَاتٌ لأَبِي رَيَّةَ بِغَيْرِ مُقَدِّمَاٍت: في [ص ٢٢٧] والذي يخلص من ذلك أن أول تدوين الحديث قد نشأ في أواخر عهد بني أمية، وكان على طريقة غير مرتبة من صحف متفرقة تلف وتدرج بغير أن تقسم على أبواب وفصول، ولعل هذا التدوين كان يجري على نمط ما كان يدرس في مجالس العلم في زمنهم، إذ كانت غير مخصصة لعلم من العلوم، وإنما كان المجلس الواحد يشتمل على علوم متعددة قال عطاء: ما رأيت مجلسا أكرم من مجلس ابن عباس أكثر فقها ولا أعظم هيبة، أصحاب القرآن يسألونه وأصحاب العربية يسألونه وأصحاب الشعر يسألونه فكلهم يصدر من واد فسيح ... إلخ. الرَدِّ على ذلك: أما ما ذكره عطاء عن مجلس ابن عباس فإنما هو مجالس العلم لا في مجالس التحديث، إذ لها منهج آخر وهو ذكر الأحاديث بأسانيدها وشرح ما يحتاج إلى شرح منها فما استظهره المؤلف في غير محله، وإليك ما قاله الحافظ الكبير ابن

стр. 205

حجر في مقدمة " الفتح " (١). اعلم - علمني الله وإياك - أن آثار النَّبِي ﷺ لم تكن في عصر أصحابه وكبار تابعيهم مدونه في الجوامع ولا مرتبة، لأمرين: أحدهما: أنهم كانوا في ابتداء الحال قد نهوا عن ذلك كما ثبت في " صحيح مسلم " خشية أن يختلط بعض ذلك بالقرآن العظيم. وثانيهما: لسعة حفظهم وسيلان أذهانهم، ولأن أكثرهم كانوا لا يعرفون الكتابة، ثم حدث في أواخر عصر التابعين تدوين الآثار وتبويب الأخبار لما انتشر العلماء في الأمصار وكثر الابتداع من الخوارج والروافض ومنكري الأقدار، فأول من جمع ذلك الربيع بن صبيح وسعيد بن أبي عروبة وغيرهما وكانوا يصنفون كل باب على حدة إلى أن قام كبار أهل الطبقة الثالثة فَدَوَّنُوا الأحكام ... ». اِفْتِرَاضُ لَمْ يَقُمْ عَلَيْهِ أَثَارَةٌ مِنْ دَلِيلٍ: في [ص ٢٣١] تحت عنوان «الأطوار التي تقلب فيها التدوين» قال: فكان في أول أمره جمعًا من رواية العلماء بما وعت الذاكرة من أحاديث رسول الله، وكان ذلك في صحف لا يضمها مصنف جامع مُبَوَّبٌ، وكانت هذه الصفحة تضم مع الحديث فِقْهًا وَنَحْوًا وَلُغَةً وَشِعْرًا وما إلى ذلك مِمَّا تقضي به طفولة التدوين. أقول: ولا أدري علام اعتمد المؤلف فيما قال، وإذا جاز أن تشمل فِقْهًا وَلُغَةً وَنَحْوًا فكيف جاز أن تشمل شِعْرًا، وأن ما نقله عن الأستاذ أحمد أمين لا يدل على ذلك وإليك ما نقله: «إن العلم في العهد الأموي كان رواية العلماء من حفظهم، أو من صحف جمعت حيثما اتفق، فالصحيفة قد يكون فيها حديث ومسألة فقهية ومسألة نحوية ومسألة لغوية ومجالس العلماء كذلك» وظاهر أن الأستاذ أحمد أمين يتكلم عن تدوين العلم بصفة عامة لا عن تدوين الحديث بخاصة، فقد ساق هذا في معرض

стр. 206

المقارنة بين العلم في العصر الأموي والعباسي ولذلك لما عرض لتدوين الحديث في " فجر الإسلام " (١) و " ضُحَاهُ " لم يذكر شيئًا من هذا وإنما ذكر ما ذكره العلماء الأثبات من قبل وقد نقلنا لك عن كتب كلام الحافظ في " الفتح " في صفة التدوين في أول الأمر، وليس فيه شيء مِمَّا زعم المؤلف. اِسْتِنْتَاجٌ آخَرَ وَبَيَانُ خَطَئِهِ: في [ص ٢٣٣] قال بعد أن ذكر الأطوار التي مَرَّ بها تدوين الحديث: «وبهذا يخلص لك أن التدوين الصحيح لم يكن إِلاَّ بعد منتصف القرن الثالث إلى القرن الرابع». وفي الحق أني وقفت طويلاً عند هذه العبارة كي أفهم المراد منها فإن أراد التدوين في الأحاديث الصحاح فكلامه غير صحيح فقد حمل لواء التأليف في الصحيح الإمامان الجليلان البخاري ومسلم وكلاهما عاش في النصف الأول من القرن الثالث، وإن أراد أن التدوين العام لم يبدأ إِلاَّ بعد منتصف القرن الثالث فهو أشد خطأ، إذ التأليف بدأ في أوائل القرن الثاني وَنَمَا وزاد في آخر هذا القرن ثم بلغ الازدهار في القرن الثالث من أوله لا من منتصفه، ثم ماذا يقول أَبُو رَيَّةَ في " موطأ الإمام مالك " وقد ألف في القرن الثاني قَطْعًا فقد توفي الإمام عام ١٧٩هـ. ماذا يقول في " مسند الإمام الجليل أحمد بن حنبل " وهو قَطْعًا أُلِّفَ قبل منتصف القرن الثالث إذ كانت وفاة الإمام عام ٢٤١ هـ. الصَّحَابَةُ بَشَرٌ وَلَكِنَّهُمْ فِي القِمَّةِ دِينًا وَخُلُقًا: في [ص ٢٣٣] قال تحت عنوان «أثر تأخير التدوين»: «وما كان الصحابة - رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِمْ - بِدَعًا من الناس ولا هم بالمعصومين». ونحن وإن كنا نعتبر الصحابة بَشَرًا كالبشر ولكنا نرى - بفضل تربية الرسول لهم - أنهم طراز خاص سَامٍ من البشر في دينهم وفي خلقهم وفي اكتمال شخصيتهم

стр. 207

وأنهم بهذا الإعداد النبوي استأهلوا حمل الرسالة المحمدية وتبليغها إلى الناس كافة. ونحن حينما نَصِفُ صحابة رسول الله ﷺ بما هم أهل له وأجدر به فإنما نريد صحابته المخلصين الذين أخلصوا لدينهم، وقبضوا على إيمانهم ولم يغمطوا في دين ولا خُلُقٍ، أما المنافقون والمرتدون فلا يدخلون في حسابنا، ولا ننحلهم هذه الصفات، وأيضًا فإننا حينما نسمو بصحابة رسول الله عن الكذب والاختلاق على الرسول فإننا لا ندعي لهم العصمة، وفيما ذكرته في الفصل الذي عقدته لعدالة الصحابة ما يغني عن الإعادة فكن على ذكر منه. مَا حَدَثَ مِنَ الخُلَفَاءِ فِي قَبُولِ المَرْوِيَّاتِ تَحَوُّطٌ وَتَثَبُّتٌ لاَ تَكْذِيبٌ: وأما ما ذكره في [ص ٢٣٤] من أن كبار الصحابة كأبي بكر وعمر وَعَلِيٍّ كانوا لا يُصَدِّقُونَ من يؤدي لهم من الصحابة - حتى من كبارهم - حديثا إِلاَّ إذا جاء بشهيد يشهد معه أنه قد سمعه من النَّبِيِّ أو يحلف أنه تلقاه عنه فقد قَدَّمْتُ الحَقَّ فِيهِ. وما حدث من هؤلاء السادة الخلفاء الراشدين إنما كان من قبيل الورع والمبالغة في التَّحَرِّي والتثبت ليضعوا الأساس لكل من جاء بعدهم في التثبت في الرواية كما أكدنا ذلك آنِفًا. زَعْمُ أَبِي رَيَّةَ أَنَّ تَأَخُّرَ التَّدْوِينِ كَانَ لَهُ ضَرَرٌ بَالِغٌ فِي الدِّينِ: في [ص ٢٣٦] قال بعد ما عرض للخلافات السياسية والمذهبية: «من أجل ذلك كان الوصول إلى معرفة الأحاديث الصحيحة شَاقًّا، والبحث عن معرفة حقيقة الرُواة أشق، وإذا علم ذلك بَدَا - ولا ريب - أن تأخر التدوين كان له ضرر بالغ إذ كان سببًا في اتساع آفاق الرواية واتصال الصحيح بالموضوع وتعذر التمييز على مَرِّ الدهور». وهو تهويل وَشَنْشَنَةٌ نَعْرِفُهَا مِنْ أَخْزَمَ، فقد علمنا أن العلماء قد شمروا عن ساعد الجد، وأوفوا على الغاية في البحث عن حال الرواة ونقد المرويات، وتحملوا

стр. 208

في سبيل ذلك ما تحملوا من الارتحال وقطع الفيافي والقفار حتى تم لهم ما أرادوا من التمييز بين الصحيح والمعلول، وكذا ما زعمه من أن تأخير التدوين كان له ضرر بالغ تهويل بلا مُبَرِّرٍ. إِيجَازُهُ المُخِلُّ بِمَبْحَثِ العَدَالَةِ وَالضَّبْطِ لِحَاجَةٍ فِي نَفْسِهِ: في [ص ٢٣٩] عرض لِمَبْحَثَيْ العدالة والضبط وأوجز في الكلام عليهما إِيجَازًا مُخِلاًّ، بل حاول أن يبين أن من الصعب الوقوف على رسم للعدالة فضلاً عن حد وذلك لحاجة في نفسه، لا تخفى عليك، ولو أنه نقل ما قاله العلماء في مبحث العدالة والضبط وشروطهما لعاد عليه بالنقص والإبطال لِجُلِّ ما ذكره. وإليك ما ذكره العلماء في هذا، كي تزداد علما بأصالة منهج المُحَدِّثِينَ في النقد، وأن قواعدهم فيه أدق القواعد وأرقاها. أما العدالة فقد عَرَّفُوهَا بِأَنَّهَا مَلَكَةٌ - أي حالة راسخة في النفس - تحمل صاحبها على ملازمة التقوى والمروءة. والتقوى هي امتثال المأمورات واجتناب المَنْهِيَّاتِ من كفر أو فسق أو بدعة. والمروءة آداب نفسانية تحمل المتحلي بها على الوقوف عند محاسن الأخلاق وجميل العادات وقالوا: إن ما يخل بالمروءة قسمان: ١ - الصغائر الدالة على الخِسَّةِ كسرقة رغيف أو شيء حقير مثلاً ٢ - المباحات التي تورث الاحتقار وتذهب الكرامة كالبول في الطريق وفرط المزاح الخارج عن حد الاعتدال. والمراد بالعدالة: العدالة التامة لا القاصرة فإنها لا يعتد بها عند المُحَدِّثِينَ. والعدالة بهذا الحد الذي ذكرته لا تتحقق إِلاَّ بالإسلام، والبلوغ، والعقل والسلامة من أسباب الفسق وخوارم المروءة، ومن ثم قال علماء الحديث إن عدل

стр. 209

الرواية هو: المسلم البالغ العاقل السالم من أسباب الفسق وخوارم المروءة، وإن كان عبدًا أو امرأة أو أعمى أو محدودًا في قذف ثم تاب أو انفرد برواية الحديث، وذلك بخلاف عدل الشهادة فلا يقبل فيها من حد في قذف، أو كان أعمى أو امرأة أو رقيقًا، وذلك لأن الشهادة من قبيل الولاية ولا كذلك الرواية، وهكذا يَتَبَيَّنُ لنا أن الكافر والصبي والمجنون والفاسق (فاعل الكبيرة أو المصر على الصغيرة) وفاقد المروءة بمعزل عن عدل الرواية، وإنه لتظهر لنا دقة علمائنا الفائقة - جزاهم الله عنا خَيْرًا - حينما لم يكتفوا بالإسلام والعقل عن البلوغ والسلامة من الفسق وما يخل بالمروءة، وذلك لأن الإسلام والعقل يمنعان من الكذب بحسب الظاهر لوجود ما يعارضهما وهو الهوى والشهوة فَلاَ بُدَّ إِذًا من رجحان جانب العقل والإسلام على دواعي الهوى والشهوة، وذلك لا يكون إِلاَّ بالسلامة من أسباب الفسق وما يخل بالمروءة (١). وأما الضبط فقد عَرَّفُوهُ بأنه التيقظ وعدم الغفلة، وذلك بأن يكثر صواب الراوي على خطئه مع قلة الخطأ في نفسه، وينقسم الضبط إلى قسمين: ١ - ضبط صدر وهو أن يحفظ ما يسمعه في صدره من وقت تحمله إلى حين أدائه مع المحافظة على اللفظ إن كان حافظًا له ومع علمه بما يحيل المعنى أو يخل به إن روي بالمعنى. ٢ - ضبط كتاب وهو أَنْ يَصُونَ الكِتَابَ الذِي تَحَمَّلَهُ من وقت التحمل إلى وقت الأداء بحيث يكون آمِنًا عليه من التغيير والتبديل والزيادة والنقصان. ومن ثم يظهر لنا أن المُحَدِّثِينَ لا يعتبرون الراوي ضابطًا إذا تساوى خطؤه وصوابه، أو غلب خطؤه على صوابه، وهو المسمى عندهم بالمغفل، أو فاحش الغلط، أو كثير الخطأ وكذا لا يعتبرون من كثر صوابه على خطئه ولكن كثر الخطأ في نفسه وهو المسمى (سَيِّئَ الحِفْظِ) (٢).

стр. 210

وإذا ثبتت عدالة الرواي، وضبطه ثبت أنه ثقة تجب الطمأنينة إليه ويترجح تَرَجُّحًا قَوِيًّا جانب الصواب على جانب الخطأ في مروياته وليس بعد ترجح جانب الإصابة وتحقق الطمأنينة إليه إِلاَّ قبول مروياته والثقة بها، وهكذا يَتَبَيَّنُ لنا أنه بعد تحقق هذه الشروط يصير احتمال الكذب أو الغلط احتمالاً بعيدًا جِدًّا إن لم يكن غير ممكن ولا يخالجنا شك أنه من أهل الصدق والأمانة. وبالعدالة والضبط يحوز الراوي درجة القبول ويتهيأ مرويه للنظر فيه هل توفرت فيه شروط القبول؟ ويتأهل إسناده للبحث عنه من جهة الاتصال والانقطاع. فإذا سلم المتن من الشذوذ والعلة بحيث لا يخالف الثقة من هو أوثق منه، وبحيث يسلم المَرْوِيُّ من قادح خفي تظهر السلامة منه فإنه ينظر في الإسناد فإن تحقق اتصال الإسناد، وسلامته من الخلل وانتفى عنه التعليق والإرسال والانقطاع والإعضال والتدليس والاضطراب ومخالفة الأرجح عَدَدًا أو صفة كان المتن أهلا للقبول وترجحت نسبته إلى من عزى إليه. ومن ثم يظهر لنا جَلِيًّا أن الشروط التي وضعها المُحَدِّثُونَ للراوي والمروي والرواية توجب الطمأنينة وترجح جانب الصدق على جانب الكذب، وجانب الصواب على جانب الغلط أو الخطأ، وتؤكد ثبوت المروي عمن روى عنه وهو أمر لا تكاد تجده في أمة من الأمم ولا في فن من الفنون. (١) مُحَاوَلَةُ أَبِي رَيَّةَ التَّشْكِيكَ فِي الرِّوَايَاتِ الآحَاِدَّيِة بَلْ وَالمُتَوَاتِرَةِ: في [ص ٢٤٠ - ٢٤٣] عرض لتقسيم الخبر إلى متواتر وآحاد وأكثر من النقل في هذا وصار يبدئ ويعيد في تعريفهما وما الذي يفيدانه؟ وهل يجب العمل بهما؟ وغرضه من ذلك التشكيك في رواية الآحاد وأنها لا تفيد إِلاَّ الظن، والظن لا يغني عن الحق شيئًا، بل حاول التشكيك في الخبر المتواتر وإفادته للعلم واليقين حيث قال في [ص ٢٤٠ هامش]: «ولم يسلم المتواتر من شبه على إفادته علم اليقين،

стр. 211

فمن هذه الشبه أنه يجوز أن تخبر جماعة لا يمكن تواطؤهم على الكذب بأمر حياة فلان وتخبر جماعة أخرى مثلهم بنقيض خبرهم» وإلى هنا والكلام محتمل ولكن انظر كيف انتهى التهور بالمؤلف إلى حد الكفر قال: «وقد أنكر المسلمون أعظم الأمور المتواترة فالنصارى واليهود هما أمتان عظيمتان يخبرون بصلب المسيح والإنجيل يصرح بذلك فإذا أنكروا هذا الخبر وقد وصل إلى أعلى درجات التواتر فأي خبر بعده يمكن الاعتماد عليه والركون إليه ... ». رَدُّ المُؤَلِّفِ عَلَى أَبِي رَيَّةَ فِي زَعْمِهِ تَوَاتُرَ صَلْبِ المَسِيحِ ﵇ -: لقد سقط أَبُو رَيَّةَ سقطات لا هروب له منها، ومن قال يَا عَلاَّمَةَ آخِرَ الزَّمَانِ إن صلب المسيح ﵇ من الأمور المتواترة، إن أسانيد المخبرين لحدوث الصلب منقطعة غير متصلة كما أن شرط التواتر وهو إخبار العدد الكثير في جميع الطبقات غير محقق فدعوى التواتر غير مُسَلَّمَةٍ. ثم ما رأى المؤلف في كتب اليهود - كما ذكر المُحَقِّقُونَ من المؤرخين - لم تشر إلى صلب المسيح بكلمة ولا له ذكر في تاريخهم الديني والذين قالوا منهم بالصلب إنما قالوه متابعة للنصارى. قال الأستاذ الشيخ عبد الوهاب النجار ﵀ في كتابه " قصص الأنبياء ": «لَمْ يُوجَدْ عِنْدَ اليَهُودِ أَثَارَةٌ مِنْ عِلْمٍ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ رَجُلاً جَاءَ بِاسْمِ المَسِيحِ فِي زَمَنِ كَذَا وَصُلِبَ وَقُتِلَ وَلاَ يُوجَدُ فِي تَارِيخِهِمْ الدِّينِي شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ أَصْلاً ... » إِلى أنْ قال: «فَإِذَا تَكَلَّمَ اليَهُودُ عَنْ المَسِيحِ وَقَتْلِهِ فَلَيْسَ ذَلِكَ لأَنَّهُ مُثْبَتٌ فِي تَوَارِيخِهِمْ المَأْثُورَةِ عَنْ الآبَاءِ وَالمَشَايِخِ وَلَكِنْ لأَنَّهُمْ يَسْمَعُونَ مَا يَقُولُهُ المَسِيحِيُّونَ مِنْ أَنَّ المَسِيحَ جَاءَ وَقَتَلَهُ اليَهُودُ وَإِلاَّ فَكُتُبُهُمْ خَالِيَةٌ مِنْ ذَلِكَ فَهَلْ بِمِثْلِ هَذَا يَثْبُتُ التَّوَاتُرُ حَتَّى زَعَمَتْ أَنَّ اليَهُودَ - وَهُمْ أُمَّةٌ عَظِيمَةٌ فِي زَعْمِكَ - يَقُولُونَ ذَلِكَ!!».

стр. 212

وأما الأناجيل فلم تختلف في مسألة من المسائل كاختلافها في تفصيل مسألة صلب المسيح وقتله مِمَّا يدل على اختلاقها وعدم ثبوتها، ثم إنَّ مسألة صلب المسيح ليست بإجماعية عند المسيحيين، فمن طوائفهم من ينفي الصلب والقتل، ومنهم «الساطرينوسيون» و «البارسكاليونيون» و «البولسيون». وهناك شهادات من علماء النصرانية تفيد المُطَّلِعَ بصيرة في هذا، قال الهر أرنست دي يونس الألماني في كتابه " الإسلام أي النصرانية الحقة " في ص ١٤٢ ما معناه: «إن جميع ما يختص بمسائل الصلب والفداء هو من مبتكرات ومخترعات بولس ومن شابهه من الذين لم يروا المسيح لا من أصول النصرانية» وقال «ملمهر» في الجزء الأول من كتابه المسمى " تاريخ الديانة النصرانية ": «إن تنفيذ الحُكْمِ كان في وقت الغلس وإسدال ثوب الظلام فيستنتج من ذلك إمكان استبدال المسيح بأحد المجرمين الذين كانوا في سجون القدس منتظرين تنفيذ حكم القتل عليهم كما اعتقد بعض الطوائف وصدقهم القرآن» (١). فما رأيك في هذا أيها المتملق المسيحيين بهذا الكفر الصراح؟!! ثم ما الذي يريده المؤلف بالتشكيك في بعض المقررات العلمية بإلقاء الشُّبَهِ وعدم ذكر الجواب أو الإشارة إليه كما فعل في مبحث إفادة المتواتر العلم؟!!. إن المؤلف لم يزد عن كونه مُرَدِّدًا لكلام المُبَشِّرِينَ والقساوسة، والمسلمون - يَا أَبَا رَيَّةَ - لم ينكروا أعظم الأمور المتواترة - بزعمك الكاذب - وهو الصلب، وإنما الله هو الذي أنكره ونفاه نفيًا قاطعًا لا يحتمل الشك، قال - عَزَّ شَأْنُهُ -: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ﴾ - أي اليهود - ﴿مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً، وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا﴾ (٢). ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ

стр. 213

مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا، بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ (١) وبعد ثبوت إعجاز القرآن وأنه من عند الله، فلا سبيل لمنكر ولا لمشكك أن ينكر أو يشكك فيما ورد فيه عن طريق النص المحكم الذي لا يحتمل التأويل. وأما من لا يؤمن بالقرآن فإنا نقول له: إنه من غير المعقول أن يكون محمد ﷺ هو الذي ابتدع مسألة نفي صلب المسيح وقتله من عند نفسه، ذلك أن نبينا مُحَمَّدًا لم تكن له غاية ولا مصلحة يريدها من نفي صلب المسيح وقتله، بل إثباته لذلك أدخل في الباب الذي ذكره كثيرًا في القرآن من أن اليهود كانوا يقتلون الأنبياء بغير حق، فحادثة صلب المسيح أدل على ما يريد إثباته في غير ما آية من عصيانهم ومخالفتهم وإفسادهم في الأرض وتقتيلهم الأنبياء، فلو كان قتل المسيح حقيقة لكانت جديرة بأن يستغلها النَّبِي في التنديد باليهود وبيان سوء طباعهم وشكاسة أخلاقهم، ولكن سيدنا مُحَمَّدًا ما كان لينفي شيئًا أو يثبته من عند نفسه وكما يشتهي ولكنه الوحي ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ (٢) تَشْكِيكُهُ فِي القَوَاعِدِ المُقَرَّرَةِ وَتَحْرِيفُهُ لِلآيَاتِ: في [ص ٢٤٣] علق ما نقله عن الجمهور من أن الأُمَّة مأمورة بالأخذ بكل خبر يغلب على الظن صدقه بقوله في الهامش: ترى هل هذه القاعدة التي قرروها قد أمر بها الله ورسوله؟ وترى هل هي تخرجنا من حكم اتباع الظن الذي جاء في آيات كثيرة من القرآن مثل ﴿وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئًا﴾ (٣) ﴿وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ (٤) ومثل قوله تعالى في قول النصارى بصلب المسيح ﴿وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ﴾ (٥). وهذا من عدم فهمه لكلام العلماء والمراد من الآيات، إما أن الأُمَّةَ مأمورة

стр. 214

بالأخذ بالخبر الذي يغلب على الظن صدقه فهذا أمر مأخوذ من القرآن وَالسُنَّةِ المُتَوَاتِرَةِ وأجمع عليه العلماء ودل عليه العقل والنقل، والأخذ بالظن الغالب إنما هي في الأحكام الفرعية، أما العقائد فلا تؤخذ إِلاَّ مِمَّا يفيد العلم واليقين ولا يكفي فيها الظن وعلى هذا تتنزل الآيات التي ذكرها فالظن لا يغني من الحق شيئًا في باب العقائد كالتوحيد وأصول الدين ثم كيف يتفق استشهاده بآية نفي صلب المسيح وأنه من الظنون وما ذكره آنفًا من أن مسألة صلب المسيح متواترة؟!!. الحق أني في حيرة من أمر هذا المؤلف المضطرب المتناقض مع نفسه!!!. في [ص ٢٤٦] قال: «أما المتكلمون فقد عرف من حالهم أنهم يَرُدُّونَ كل حديث يخالف ما ذهبوا إليه ولو كان من الأمور الظنية، فإذا ورد عليهم حديث صحيح عند المُحَدِّثِينَ أَوَّلُوهُ إن وجدوا تأويله قريب المأخذ أو ردوه مكتفين بقولهم هذا من أخبار الآحاد وهي لا تفيد إِلاَّ الظن» وهو كلام متهافت يبطل آخره أوله، ولا أدري كيف يتفق قوله إنهم يَرُدُّونَ كل حديث ... وقوله: فإذا أورد عليهم .... وكثير من المتكلمين يأخذون بالأحاديث الصحيحة الآحادية، ومن أراد أن يتأكد من هذا فليرجع إلى باب السمعيات وأحوال الآخرة في كتب التوحيد وسيرى أنهم أخذوا بكثير من الأحاديث الصحيحة في هذا، ثم إن المتكلمين ليسوا سواء، فمنهم المتثبت المتأني في بحثه، ومنهم المتسارع في رد الأحاديث المتهجم عليها. وأما حديث «تَحَاجَّتِ الجَنَّةُ وَالنَّارُ» فقد عرضنا له فيما سبق وأما ما عرض له في الحاشية من أن المتكلمين يسمون المُحَدِّثِينَ بِالحَشْوِيَّةِ ويصفونهم بأنهم أجهل الناس فهو سفاه لا يستحق الرَدِّ، ولعله يشفي به نفسه من دائها العضال، ولن يعدم الباحث أن يجد بين المتكلمين من هو سفيه متحامل على المُحَدِّثِينَ كما لا يعدم أن يجد بين الطوائف المنتسبة العلم - زُورًا - سفهاء ذَوِي أَلْسنِةٍَ حداد لا يرعوون، ولا يراعون العلماء إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً. رَمْيُهُ لِلْفُقَهَاءِ بِالتَعَصُّبِ لِمَذَاهِبِهِمْ، وَبَيَانُ الحَقِّ فِي هَذَا: في [ص ٢٤٧] وما بعدها عرض للفقهاء وأنهم يؤولون كل حديث يخالف

стр. 215

ما ذهب إليه علماء مذهبهم - ولو كان من المُتَأَخِّرِينَ - أو يعارضون الحديث بحديث آخر ولو كان غير معروف عند أئمة الحديث .... إلخ ما نقله على كتاب " توجيه النظر ". ومن الحق أَنْ نقول: إن هذا الكلام فيه جانب حق وجانب باطل، أما جانب الحق فهو أن بعض متأخري الفُقَهَاءِ قد يحملهم لمذاهبهم على هذا أو شيء منه ونحن لا ننكر أن في أي طائفة - مهما كانت - الحَسَنُ والرَدِيءُ والجامد والمرن. أما جانب الباطل فهو التعميم وإيهام القارئ أن الفُقَهَاءَ كلهم على هذا والحق أن فِي الفُقَهَاءِ كثيرين لم يخضعوا إِلاَّ للدليل وإني لأجد في بعض كتب المذاهب ترجيحًا لغير مذهبهم إذا كان دليله قَوِيًّا ثم إنه مِمَّا ينبغي أن يعلم أن الفُقَهَاءَ المُتَقَدِّمِينَ كأصحاب المذاهب وتلامذتهم لم يكونوا متعصبين ولا متعنتين وإنما يتبعون الدليل، وليس أدل على هذا من أنهم كانوا يأخذ بعضهم عن بعض، وأنه صح عن كل واحد من الأئمة الأربعة - كما ذكره الشاطبي في " موافقاته " - أنه كان يقول: «إذَا صَحَّ الْحَدِيثُ فَهُوَ مَذْهَبِي وَاضْرِبُوا بِقَوْلِي عَرْضَ الحَائِطِ» وكثيرًا ما نجد في مذهبي الصاحبين - أبي يوسف ومحمد - ما يخالف قول أستاذهما وإمامهما أبي حنيفة ﵀، وقد رجع أبو يوسف في مسائل عن مذهب إمامه لما ناظره الإمام وظهر له أن الحق معه، وكذلك فعل الإمام محمد لما تتلمذ على الإمام مالك في الحجاز واطلع على أحاديث وروايات لم يطلع عليها في العراق وهذا غاية التسامح ورحابة الصدر في الاجتهاد والبحث. والشأن في المؤلف الذي ينشد الحق أن يلتزم جادة الإنصاف لا أن يجعل من نفسه منتصرًا لطائفة ومعاديا للأخرى وأن يصدر أحكامه من غير مجازفة وإسراف وإلا فليدع التأليف لأهله. طَعْنُهُ فِي حَدِيثِ: «أَلاَ إِنَّنِي أُوتِيتُ الْكِتَابَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ»: في [ص ٢٥١] ذكر طعن رجال الأثر في حديث عرض السُنَّة على القرآن -
следующие страницы →