← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 37972

دفاع عن السنة ورد شبه المستشرقين ط مكتبة السنة

محمد أبو شهبة

Полный текст (402 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

فمن هذه الشبه أنه يجوز أن تخبر جماعة لا يمكن تواطؤهم على الكذب بأمر حياة فلان وتخبر جماعة أخرى مثلهم بنقيض خبرهم» وإلى هنا والكلام محتمل ولكن انظر كيف انتهى التهور بالمؤلف إلى حد الكفر قال: «وقد أنكر المسلمون أعظم الأمور المتواترة فالنصارى واليهود هما أمتان عظيمتان يخبرون بصلب المسيح والإنجيل يصرح بذلك فإذا أنكروا هذا الخبر وقد وصل إلى أعلى درجات التواتر فأي خبر بعده يمكن الاعتماد عليه والركون إليه ... ». رَدُّ المُؤَلِّفِ عَلَى أَبِي رَيَّةَ فِي زَعْمِهِ تَوَاتُرَ صَلْبِ المَسِيحِ ﵇ -: لقد سقط أَبُو رَيَّةَ سقطات لا هروب له منها، ومن قال يَا عَلاَّمَةَ آخِرَ الزَّمَانِ إن صلب المسيح ﵇ من الأمور المتواترة، إن أسانيد المخبرين لحدوث الصلب منقطعة غير متصلة كما أن شرط التواتر وهو إخبار العدد الكثير في جميع الطبقات غير محقق فدعوى التواتر غير مُسَلَّمَةٍ. ثم ما رأى المؤلف في كتب اليهود - كما ذكر المُحَقِّقُونَ من المؤرخين - لم تشر إلى صلب المسيح بكلمة ولا له ذكر في تاريخهم الديني والذين قالوا منهم بالصلب إنما قالوه متابعة للنصارى. قال الأستاذ الشيخ عبد الوهاب النجار ﵀ في كتابه " قصص الأنبياء ": «لَمْ يُوجَدْ عِنْدَ اليَهُودِ أَثَارَةٌ مِنْ عِلْمٍ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ رَجُلاً جَاءَ بِاسْمِ المَسِيحِ فِي زَمَنِ كَذَا وَصُلِبَ وَقُتِلَ وَلاَ يُوجَدُ فِي تَارِيخِهِمْ الدِّينِي شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ أَصْلاً ... » إِلى أنْ قال: «فَإِذَا تَكَلَّمَ اليَهُودُ عَنْ المَسِيحِ وَقَتْلِهِ فَلَيْسَ ذَلِكَ لأَنَّهُ مُثْبَتٌ فِي تَوَارِيخِهِمْ المَأْثُورَةِ عَنْ الآبَاءِ وَالمَشَايِخِ وَلَكِنْ لأَنَّهُمْ يَسْمَعُونَ مَا يَقُولُهُ المَسِيحِيُّونَ مِنْ أَنَّ المَسِيحَ جَاءَ وَقَتَلَهُ اليَهُودُ وَإِلاَّ فَكُتُبُهُمْ خَالِيَةٌ مِنْ ذَلِكَ فَهَلْ بِمِثْلِ هَذَا يَثْبُتُ التَّوَاتُرُ حَتَّى زَعَمَتْ أَنَّ اليَهُودَ - وَهُمْ أُمَّةٌ عَظِيمَةٌ فِي زَعْمِكَ - يَقُولُونَ ذَلِكَ!!».

стр. 212

وأما الأناجيل فلم تختلف في مسألة من المسائل كاختلافها في تفصيل مسألة صلب المسيح وقتله مِمَّا يدل على اختلاقها وعدم ثبوتها، ثم إنَّ مسألة صلب المسيح ليست بإجماعية عند المسيحيين، فمن طوائفهم من ينفي الصلب والقتل، ومنهم «الساطرينوسيون» و «البارسكاليونيون» و «البولسيون». وهناك شهادات من علماء النصرانية تفيد المُطَّلِعَ بصيرة في هذا، قال الهر أرنست دي يونس الألماني في كتابه " الإسلام أي النصرانية الحقة " في ص ١٤٢ ما معناه: «إن جميع ما يختص بمسائل الصلب والفداء هو من مبتكرات ومخترعات بولس ومن شابهه من الذين لم يروا المسيح لا من أصول النصرانية» وقال «ملمهر» في الجزء الأول من كتابه المسمى " تاريخ الديانة النصرانية ": «إن تنفيذ الحُكْمِ كان في وقت الغلس وإسدال ثوب الظلام فيستنتج من ذلك إمكان استبدال المسيح بأحد المجرمين الذين كانوا في سجون القدس منتظرين تنفيذ حكم القتل عليهم كما اعتقد بعض الطوائف وصدقهم القرآن» (١). فما رأيك في هذا أيها المتملق المسيحيين بهذا الكفر الصراح؟!! ثم ما الذي يريده المؤلف بالتشكيك في بعض المقررات العلمية بإلقاء الشُّبَهِ وعدم ذكر الجواب أو الإشارة إليه كما فعل في مبحث إفادة المتواتر العلم؟!!. إن المؤلف لم يزد عن كونه مُرَدِّدًا لكلام المُبَشِّرِينَ والقساوسة، والمسلمون - يَا أَبَا رَيَّةَ - لم ينكروا أعظم الأمور المتواترة - بزعمك الكاذب - وهو الصلب، وإنما الله هو الذي أنكره ونفاه نفيًا قاطعًا لا يحتمل الشك، قال - عَزَّ شَأْنُهُ -: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ﴾ - أي اليهود - ﴿مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً، وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا﴾ (٢). ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ

стр. 213

مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا، بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ (١) وبعد ثبوت إعجاز القرآن وأنه من عند الله، فلا سبيل لمنكر ولا لمشكك أن ينكر أو يشكك فيما ورد فيه عن طريق النص المحكم الذي لا يحتمل التأويل. وأما من لا يؤمن بالقرآن فإنا نقول له: إنه من غير المعقول أن يكون محمد ﷺ هو الذي ابتدع مسألة نفي صلب المسيح وقتله من عند نفسه، ذلك أن نبينا مُحَمَّدًا لم تكن له غاية ولا مصلحة يريدها من نفي صلب المسيح وقتله، بل إثباته لذلك أدخل في الباب الذي ذكره كثيرًا في القرآن من أن اليهود كانوا يقتلون الأنبياء بغير حق، فحادثة صلب المسيح أدل على ما يريد إثباته في غير ما آية من عصيانهم ومخالفتهم وإفسادهم في الأرض وتقتيلهم الأنبياء، فلو كان قتل المسيح حقيقة لكانت جديرة بأن يستغلها النَّبِي في التنديد باليهود وبيان سوء طباعهم وشكاسة أخلاقهم، ولكن سيدنا مُحَمَّدًا ما كان لينفي شيئًا أو يثبته من عند نفسه وكما يشتهي ولكنه الوحي ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ (٢) تَشْكِيكُهُ فِي القَوَاعِدِ المُقَرَّرَةِ وَتَحْرِيفُهُ لِلآيَاتِ: في [ص ٢٤٣] علق ما نقله عن الجمهور من أن الأُمَّة مأمورة بالأخذ بكل خبر يغلب على الظن صدقه بقوله في الهامش: ترى هل هذه القاعدة التي قرروها قد أمر بها الله ورسوله؟ وترى هل هي تخرجنا من حكم اتباع الظن الذي جاء في آيات كثيرة من القرآن مثل ﴿وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئًا﴾ (٣) ﴿وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ (٤) ومثل قوله تعالى في قول النصارى بصلب المسيح ﴿وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ﴾ (٥). وهذا من عدم فهمه لكلام العلماء والمراد من الآيات، إما أن الأُمَّةَ مأمورة

стр. 214

بالأخذ بالخبر الذي يغلب على الظن صدقه فهذا أمر مأخوذ من القرآن وَالسُنَّةِ المُتَوَاتِرَةِ وأجمع عليه العلماء ودل عليه العقل والنقل، والأخذ بالظن الغالب إنما هي في الأحكام الفرعية، أما العقائد فلا تؤخذ إِلاَّ مِمَّا يفيد العلم واليقين ولا يكفي فيها الظن وعلى هذا تتنزل الآيات التي ذكرها فالظن لا يغني من الحق شيئًا في باب العقائد كالتوحيد وأصول الدين ثم كيف يتفق استشهاده بآية نفي صلب المسيح وأنه من الظنون وما ذكره آنفًا من أن مسألة صلب المسيح متواترة؟!!. الحق أني في حيرة من أمر هذا المؤلف المضطرب المتناقض مع نفسه!!!. في [ص ٢٤٦] قال: «أما المتكلمون فقد عرف من حالهم أنهم يَرُدُّونَ كل حديث يخالف ما ذهبوا إليه ولو كان من الأمور الظنية، فإذا ورد عليهم حديث صحيح عند المُحَدِّثِينَ أَوَّلُوهُ إن وجدوا تأويله قريب المأخذ أو ردوه مكتفين بقولهم هذا من أخبار الآحاد وهي لا تفيد إِلاَّ الظن» وهو كلام متهافت يبطل آخره أوله، ولا أدري كيف يتفق قوله إنهم يَرُدُّونَ كل حديث ... وقوله: فإذا أورد عليهم .... وكثير من المتكلمين يأخذون بالأحاديث الصحيحة الآحادية، ومن أراد أن يتأكد من هذا فليرجع إلى باب السمعيات وأحوال الآخرة في كتب التوحيد وسيرى أنهم أخذوا بكثير من الأحاديث الصحيحة في هذا، ثم إن المتكلمين ليسوا سواء، فمنهم المتثبت المتأني في بحثه، ومنهم المتسارع في رد الأحاديث المتهجم عليها. وأما حديث «تَحَاجَّتِ الجَنَّةُ وَالنَّارُ» فقد عرضنا له فيما سبق وأما ما عرض له في الحاشية من أن المتكلمين يسمون المُحَدِّثِينَ بِالحَشْوِيَّةِ ويصفونهم بأنهم أجهل الناس فهو سفاه لا يستحق الرَدِّ، ولعله يشفي به نفسه من دائها العضال، ولن يعدم الباحث أن يجد بين المتكلمين من هو سفيه متحامل على المُحَدِّثِينَ كما لا يعدم أن يجد بين الطوائف المنتسبة العلم - زُورًا - سفهاء ذَوِي أَلْسنِةٍَ حداد لا يرعوون، ولا يراعون العلماء إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً. رَمْيُهُ لِلْفُقَهَاءِ بِالتَعَصُّبِ لِمَذَاهِبِهِمْ، وَبَيَانُ الحَقِّ فِي هَذَا: في [ص ٢٤٧] وما بعدها عرض للفقهاء وأنهم يؤولون كل حديث يخالف

стр. 215

ما ذهب إليه علماء مذهبهم - ولو كان من المُتَأَخِّرِينَ - أو يعارضون الحديث بحديث آخر ولو كان غير معروف عند أئمة الحديث .... إلخ ما نقله على كتاب " توجيه النظر ". ومن الحق أَنْ نقول: إن هذا الكلام فيه جانب حق وجانب باطل، أما جانب الحق فهو أن بعض متأخري الفُقَهَاءِ قد يحملهم لمذاهبهم على هذا أو شيء منه ونحن لا ننكر أن في أي طائفة - مهما كانت - الحَسَنُ والرَدِيءُ والجامد والمرن. أما جانب الباطل فهو التعميم وإيهام القارئ أن الفُقَهَاءَ كلهم على هذا والحق أن فِي الفُقَهَاءِ كثيرين لم يخضعوا إِلاَّ للدليل وإني لأجد في بعض كتب المذاهب ترجيحًا لغير مذهبهم إذا كان دليله قَوِيًّا ثم إنه مِمَّا ينبغي أن يعلم أن الفُقَهَاءَ المُتَقَدِّمِينَ كأصحاب المذاهب وتلامذتهم لم يكونوا متعصبين ولا متعنتين وإنما يتبعون الدليل، وليس أدل على هذا من أنهم كانوا يأخذ بعضهم عن بعض، وأنه صح عن كل واحد من الأئمة الأربعة - كما ذكره الشاطبي في " موافقاته " - أنه كان يقول: «إذَا صَحَّ الْحَدِيثُ فَهُوَ مَذْهَبِي وَاضْرِبُوا بِقَوْلِي عَرْضَ الحَائِطِ» وكثيرًا ما نجد في مذهبي الصاحبين - أبي يوسف ومحمد - ما يخالف قول أستاذهما وإمامهما أبي حنيفة ﵀، وقد رجع أبو يوسف في مسائل عن مذهب إمامه لما ناظره الإمام وظهر له أن الحق معه، وكذلك فعل الإمام محمد لما تتلمذ على الإمام مالك في الحجاز واطلع على أحاديث وروايات لم يطلع عليها في العراق وهذا غاية التسامح ورحابة الصدر في الاجتهاد والبحث. والشأن في المؤلف الذي ينشد الحق أن يلتزم جادة الإنصاف لا أن يجعل من نفسه منتصرًا لطائفة ومعاديا للأخرى وأن يصدر أحكامه من غير مجازفة وإسراف وإلا فليدع التأليف لأهله. طَعْنُهُ فِي حَدِيثِ: «أَلاَ إِنَّنِي أُوتِيتُ الْكِتَابَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ»: في [ص ٢٥١] ذكر طعن رجال الأثر في حديث عرض السُنَّة على القرآن -

стр. 216

وهو موضوع كما نبهنا إليه - ثم قال ورووا حديثا هذا نصه: «ألا وإني أوتيت الكتاب ومثله معه ... » وهذا من أعجب العجب لأنه إذا كان النَّبِيِّ أوتي مثل الكتاب أي مثل القرآن ليكون تمامًا على القرآن لبيان دينه وشريعته فلم لم يعن - صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلاَمُهُ عَلَيْهِ - بتدوينه وكتابته قبل أن ينتقل إلى الرفيق الأعلى كما عني بتدوين القرآن؟ ولم ينه عن كتابته بقوله: «لاَ تَكْتُبُوا عَنِّي غَيْرَ القُرْآنِ» وهل يصح أن يدع الرسول نصف ما أوحي إليه يعدو بين الأذهان بغير قيد: يمسكه هذا وينساه ذاك وهل يكون الرسول - بعمله هذا - قد بَلَّغَ الرسالة على وجهها وأدى الأمانة إلى أهلها؟ الرَدُّ عَلَيْهِ فِي هَذَا الطَّعْنِ: أقول: إن محاولته إثبات أن حديث «أَلاَ وَإِنِّي ... » موضوع لهي من أعجب العجب، والحديث ثابت رواه أبو داود في " سننه " عن المقدام بن معد يكرب عن رسول الله ﷺ أنه قال: «أَلاَ وَإِنِّي قد أُوتِيتُ الكِتَابَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ، أَلاَ يُوشِكُ رَجُلٌ شَبْعَانٌ عَلَى أَرِيكَتِهِ يَقُولُ: عَلَيْكُمْ بِالْقُرْآنِ، فَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَلاَلٍ فَأَحِلُّوهُ، وَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَرَامٍ فَحَرِّمُوهُ، أَلاَ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ الحِمَارُ الأَهْلِيُّ، وَلاَ كُلُّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ، وَلاَ لُقَطَةُ مُعَاهَدٍ إِلاَّ أَنْ يَسْتَغْنِيَ عَنْهَا صَاحِبُهَا» (١). فالحديث ثابت من جهة النقل والرواية، ومعناه ثابت من جهة العقل والدراية، والكتاب الكريم يُؤَيِّدُهُ، قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (٢) وقال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (٣). أما قوله: «فلم يعن ... إلخ» فمنطق عجيب حَقًّا، فقد بينت آنفا السر في نهي النَّبِيِّ عن كتابة الأحاديث في عهده وهو خشية التباس بعضه بالقرآن، ولما كانوا عليه من الأمية وَعَدَمِ تَيَسُّرِ الكتابة والقرآن معجز، فالمحافظة على لفظه واجب ولا كذلك السُنَّة فالمعول عليه فيها المعنى لا اللفظ، وهل يلزم من عدم الأمر بتدوين الأحاديث أن لا تكون معتنى بها، وأن لا تكون هي الأصل الثاني للتشريع؟

стр. 217

والرسول حينما نهاهم عن كتابة السُنَّةِ لم يضع نصف ما أوحاه الله إليه - كما زعم المؤلف - لأنه يعلم أن أصحابه الحاملين لِسُنَّتِهِ ذَوُو حوافظ قوية وأذهان سيالة وقلوب واعية فاهمة وهذه - لعمر الحق - بعض خصائص العرب ولا يماري في هذا إِلاَّ جاهل، أو متحامل وليس من شك في أنه بعمله هذا قد بلغ الرسالة وأدى الأمانة وكيف لا؟ ومعظم ما جاءت به السُنَّةُ إما شرح لما في القرآن أو توضيح لمشكله أو تقييد لمطلقه أو تخصيص لعامه ونحو ذلك، وما دام الأصل الأصيل وهو القرآن الكريم - قد اجتمع له الوجدان - التقييد في الأذهان والصدور، والتقييد في الكتابة والسطور- فلا خوف بعد ذلك على السُنَّة لأنها قام على حفظها والحفاظ عليها أفهام واعية وأذهان حافظة وكثيرًا ما كان يحث الرسول - صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ - على حفظها والمحافظة عليها من حين سماعها إلى حين أدائها بمثل قوله ﷺ : «نَضَّرَ اللَّهُ امْرُءًا سَمِعَ مِنِّي مَقَالَةً فَحَفِظَهَا فَأَدَّاهَا كَمَا سَمِعَهَا فَرُبَّ مُبَلِّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ»، وفي رواية «فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ» وقد شاء الله رحمة بعباده وتخفيفًا عليهم أن يكون الوحي بعضه مَتْلُوًّا محفوظًا يتعبد بتلاوته وهو القرآن، وبعضه غير مَتْلَوٍّ ولا يتعبد بلفظه وهي السُنَّةُ، وقد بَلَّغَ النَّبِيُّ هذا وذاك وأمر المسلمين بحفظ الأول البتة ورغبهم في حفظ الثاني وتأديته كما سمع فإن تعذر اللفظ فبالمعنى، وقد وَفَتْ الأُمَّةُ بما عهد إليها واستحفظت عليه وأدته وبلغته غاية البلاغ. تَحْرِيفُهُ لِكَلاَمِ الأَئِمَّةِ بِقَصْدِ التَّقْلِيلِ مِنْ شَأْنِ الأَحَادِيثِ: من ديدن أَبِي رَيَّةَ تحميل الكلام ما لم يحتمل، وتحريفه لمعاني الكلام كي يخلص إلى ما يوافق هواه فمن ذلك ما ذكره في [ص ٢٥٢] حديث نقل كلام الإمام مالك في عدم أخذه ببعض الأحاديث واستشكاله لها لمخالفتها للقرآن أو لقواعد الشريعة ولا حامل له على هذا التشكيك في الأحاديث وإيهام من لا يعلم أن الأئمة الكبار يردونها، ولا يأخذون بها، وحاشا الإمام مالك أن يرد حديثًا صح عنده إِلاَّ بوجهة صحيحة أَوْ يُهَوِّنَ من شأن الأحاديث كما قصد المؤلف، وبعض الأئمة قد

стр. 218

لا يعمل بالحديث لأنه لم يبلغه أو بلغه ولكن لم يصح عنده أو صح عنده ولكنه يرى فيه أنه منسوخ أو مقيد أو مخصص بدليل آخر أو لمعارضته لغيره من الأدلة مع رجحانها في نظره فيترك العمل به أو مع عدم الرجحان فيتوقف فيه، وأيا كان الأمر فلا يصلح ما ذكره أن يتخذ منه سَبَبًا للتشكيك في الأحاديث والتقليل من شأنها. وفي [ص ٢٥٣] ذكر مناظرة كانت بين الأوزاعي وأبي حنيفة في رفع الأيدي عند الركوع والرفع منه، وأن الأوزاعي استدل بحديث على الرفع وأبا حنيفة استدل بحديث آخر على عدمه وقد فتشت كثيرًا عن مناسبة هذه القصة للموضوع الذي كان يتكلم فيه فلم تظهر لي المناسبة، ولو أن أبا حنيفة رَدَّ حديث الأوزاعي المرفوع بكلام صحابي أو تابعي أو بالرأي لتم له ما يريد أن يثبته من رد الأحاديث المرفوعة بالنقل عن غير النَّبِيِّ أو بالعقل، أما والإمام أبو حنيفة قد عارض حديث الأوزاعي بحديث مرفوع آخر فقد ثبت أنه ليس في القصة ما يشهد له قَطْعًا، وغاية ما تدل عليه هذه القصة أن كُلاًّ منهما استدل بحديث يرى أنه الصالح للاحتجاج لرجحانه في نظره من ناحية سنده أو متنه غير ذلك من وجوه الترجيح وهو ما ذكرته آنِفًا، واختلاف الأنظار المستند إلى الاجتهاد من طبيعة التفكير الحر النزيه وما أكثر هذا الاختلاف في تاريخ التفكير الإسلامي وهو حسنة من محاسن حرِيَّةَ الرأي في الإسلام. وفي [ص ٢٥٤] ذكر نُقُولاً يريد من ذكرها إيهام القارئ أن الإمام أبا حنيفة كان يرد بعض الأحاديث، وأنه كان مَنْقُومًا عليه بسبب ذلك، ولم تضره هذه النقمة فما زال هو الإمام الأعظم عند المسلمين. وأحب أن أقول للمؤلف ومن على شاكلته: [١] إنه ينبغي للباحث أن لا يكون كحاطب ليل ينقل كل ما تقع يده عليه، ولو كان فيه مصرعه، وينبغي أن يكون كالصيرفي الناقد البصير، والإمام أبو حنيفة كثر شانئوه وحاسدوه لفضله وفقهه ومنزلته، وهؤلاء افتروا عليه ما شاء لهم هواهم أن يفتروا، ونسبوا إلى كبار الأئمة في الطعن فيه ما هم براء منه وما هو بريء منه، وقد أشار الإمام ابن عبد البر في " الانتقاء " إلى شيء من هذا فقال [ص ١٤٩]: «وَنَذْكُرُ

стр. 219

فِي هَذَا الكِتَابِ مِنْ ذَمِّهِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ مَا يَقِفُ بِهِ النَّاظِرُ فِيهِ عَلَى حَالِهِ، عَصَمَنَا اللَّهُ وَكَفَانَا شَرَّ الحَاسِدِينَ، آمِينَ رَبَّ الْعَالَمِينَ» وكان هذا من ابن عبد البر بمثابة الاعتذار عما أورده عن بعضهم في ذمه وتنبيه القارئ أن لا يغتر بهذه الأقوال لأن الظاهر أنها مختلقة مكذوبة. [٢] ما ذكره عن الإمام أبي حنيفة من رَدِّهِ لبعض الأحاديث الآحادية وعدم اهتمامه بها قد قدمت تحقيق القول فيه، وأن الإمام كغيره من الأئمة يأخذ بما ثبت وصح عنده وللأئمة في هذا معايير وموازين دقيقة قد لا تصل إليها بعض الأفهام القاصرة. ثم إن ما ذكروه معارض بما رُوِيَ عن الإمام أبي حنيفة من وقوفه عندما دلت عليه الأحاديث إذا صحت عنده، ذكر ابن عبد البر في " الانتقاء " (١) «أنه قيل لأبي حنيفة: المحرم لا يجد الإزراء يلبس السراويل؟ قال: لا ولكن يلبس الإزراء قيل له: ليس له إزار قال يبيع السراويل ويشتري بها إزار، قيل له: فَإِنَّ النَّبِي ﷺ خَطَبَ وَقَالَ: " المُحْرِمُ يَلْبَسُ السَّرَاوِيلَ إِذَا لَمْ يَجِدِ الإِزَارَ " فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَمْ يَصِحَّ فِي هَذَا عِنْدِي عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ شَيْءٌ فَأُفْتِي بِهِ، وَيَنْتَهِي كُلُّ اِمْرِئٍ إِلَى مَا سَمِعَ، وَقَدْ صَحَّ عِنْدَنَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " لاَ يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ السَّرَاوِيلَ ". فَنَنْتَهِي إِلَى مَا سَمِعْنَا، قِيلَ لَهُ أَتُخَالِفُ [النَّبِيَّ] ﷺ فَقَالَ: لَعَنَ اللَّهُ مَنْ يُخَالِفُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، بِهِ أَكْرَمَنَا اللهُ، وَبِهِ اِسْتَنْقَذَنَا». فهذا هو الذي يليق بحال هذا الإمام الكبير لا ما ذكروه من ترهات وأباطيل. وكثيرًا ما كان الإمام يرى رَأْيًا ثم يثبت عنده حديث ويقتنع به فيرجع عن رأيه الأول، ذكر ابن عبد البر في " الانتقاء " بسنده «عَنْ زُهَيْرُ بْنُ مُعَاوِيَةَ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا حَنِيفَةَ عَنْ أَمَانِ الْعَبْدِ فَقَالَ: " إِنْ كَانَ لاَ يُقَاتِلُ فَأَمَانُهُ بَاطِلٌ ".فَقُلْتُ لَهُ: " إِنَّهُ حَدَّثَنِي عَاصِمٌ الأَحْوَلُ عَنْ الفُضَيْلِ بْنِ يَزِِيدٍ الرَّقَاشِيِّ قَالَ: كُنَّا نُحَاصِرُ الْعَدُوَّ فَرُمِيَ إِلَيْهِمْ بِسَهْمٍ فِيهِ أَمَانٌ فَقَالُوا قَدْ أَمَّنْتُمُونَا، فَقُلْنَا: إِنَّمَا هُوَ عَبْدٌ. فَقَالُوا: وَاللَّهِ مَا نَعْرِفُ مِنْكُمُ العَبْدَ مِنَ الحُرِّ،

стр. 220

فَكَتَبْنَا بِذَلِكَ إِلَى عُمَرَ، فَكَتَبَ عُمَرُ أَنْ أَجِيزُوا أَمَانَ الْعَبْدِ. فَسَكَتَ أَبُو حَنِيفَةَ ثُمَّ غِبْتُ عَنِ الْكُوفَةِ عَشْرَ سِنِينَ ثُمَّ قَدِمْتُهَا فَأَتَيْتُ أَبَا حَنِيفَةَ فَسَأَلْتُهُ عَنْ أَمَانِ الْعَبْدِ، فَأَجَابَنِي بِحَدِيثِ عَاصِمٍ وَرَجَعَ عَنْ قَوْلِهِ. فَعَلِمْتُ أَنَّهُ مُتَّبِعٌ لِمَا سَمِعَ». وما من شيء يرمى به الإمام إِلاَّ وتجد في الصحيح من الرواية ما يرده ويدفعه. ولنأخذ في ذكر ما سرده المؤلف ومناقشته: قال: قال حافظ المغرب في " الانتقاء ": «كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ اسْتَجَازُوا الطَّعْنَ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ لِرَدِّهِ كَثِيرًا مِنْ أَخْبَارِ الآحَادِ الْعُدُولِ لأَنَّهُ كَانَ يَذْهَبُ فِي ذَلِكَ إِلَى عَرْضِهَا عَلَى مَا اجْتَمَعَ عَلَيْهِ مِنَ الأَحَادِيثِ وَمَعَانِي الْقُرْآنِ فَمَا شَذَّ عَنْ ذَلِكَ رَدَّهُ وَسَمَّاهُ شَاذًّا». ولا أدري كيف يؤاخذ على هذا؟ وعلماء أصول الرواية جعلوا من أصولهم أن الحديث قد يكون صحيح السند، ولكنه غير صحيح في ذاته لمخالفته رواته مَنْ هُمْ أوثق منهم وهو ما يعرف بالشاذ، ولعل ذلك إن صح يكون من بعض المُحَدِّثِينَ المُتَزَمِّتِينَ الذِينَ يُحَجِّرُونَ وَاسِعًا. قَالَ: وَقَالَ الثَّوْرِيَّ: «كَانَ أَبُو حَنِيفَةَ شَدِيدَ الأَخْذِ لِلْعِلْمِ ذَابًّا عَنْ حَرَمِ اللَّهِ أَنْ تُسْتَحَلَّ يَأْخُذُ بِمَا صَحَّ عِنْدَهُ مِنَ الأَحَادِيثِ الَّتِي [كَانَ] يَحْمِلُهَا الثِّقَاتُ [وَبِالآخَرِ] مِنْ فِعْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَبِمَا أَدْرَكَ عَلَيْهِ عُلَمَاءَ الْكُوفَةِ» وتتمة كلام الثوري - وقد أغفلها المؤلف -: «ثُمَّ شَنَّعَ عَلَيْهِ قَوْمٌ يَغْفِرُ اللهُ لَنَا وَلَهُمْ». وليس في هذا ما يعود على الإمام بالنقص ولا ما يعود على الأحاديث بالتنقيص، وقد بَيَّنَ الثوري أن ما روي في ذمه لا يعدو أن يكون تشنيعًا وتجنيًا عليه. قال: وقال وكيع بن الجراح: «وَجَدْتُ أَبَا حَنِيفَةَ خَالَفَ مِائَتَيْ حَدِيثٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ »، وكان الأوزاعي يقول: وَكَانَ الأَوْزَاعِيُّ يَقُولُ: «إِنَّا لاَ نَنْقِمُ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ رَأَى؛ كُلُّنَا [يَرَى]؛ وَلَكِنَّنَا نَنْقِمُ عَلَيْهِ أَنَّهُ يَجِيئُهُ الحَدِيثُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَيُخَالِفُهُ إِلَى غَيْرِهِ» (*).

стр. 221

أقول: أما كلمة الأوزاعي فمعارضته بما قدمته من لعن الإمام من خالف حديث رسول الله ﷺ ، وبما ثبت من رجوعه عن رأيه إذ ثبت حديث يخالف ما رأى، أما المخالفة فمعناها اختلاف الأنظار في صلاحية الحديث للاحتجاج أو لاعتبارات أخرى كما قدمت آنِفًا، ومهما يكن من شيء فليس فيما حشده من نقول بتراء محرفة ما يشهد لما قصده من الطعن في الأحاديث الآحادية وأنها لا تفيد إِلاَّ الظن، ولا لما أراد أن يصل إليه من أنه لا على أحد أن يأخذ منها ما يشاء ويدع ما يشاء - بالهوى والتشهي طبعًا -!!!. إِفَاضَتُهُ فِي بَيَانِ مَوْقِفِ عُلَمَاءِ النَّحْوِ وَاللُّغَةِ مِنَ الأَحَادِيثِ وَعَدَمِ اِحْتِجَاجِهِمْ بِهَا: في [ص ٢٥٤] قال: «مر بك أن علماء الأُمَّة قد انقسموا في تلقي الحديث إلى ثلاثة أقسام المتكلمون والأصوليون - والفقهاء - والمُحَدِّثُونَ ولكي نستوفي هذا البحث نذكر كذلك موقف علماء النحو واللغة فإنهم لم يجعلوا الحديث من شواهدهم في إثبات اللغة وقواعد النحو إلخ ... ». رَدُّ المُؤَلِّفِ عَلَيْهِ وَبَيَانِ آرَاءِ المُحْتَجِّينَ بِالأَحَادِيثِ مِنَ النُحَّاةِ وَاللُّغَوِيِّينَ: وَالرَدُّ يَتَطَلَّبُ الكَلاَمَ فِي مَقَامَيْنِ: [١] لقد عرض أَبُو رَيَّةَ لكلام المتكلمين والفقهاء ولكنه لم يتعرض لكلام المُحَدِّثِينَ ولا أدري إذا كان نسي ذلك أم تناساه لحاجة في نفسه؟ ولو أنه ذكر موقف المُحَدِّثِينَ من الحديث بأمانة وإنصاف لانتقض عليه معظم ما قاله، ولعل فيما ذكرته في ثنايا ردودي ما يكشف عن موقف المُحَدِّثِينَ من الحديث، ومجهودهم المشكور الذي بذلوه في جمع الأحاديث والعناية بها، والتمييز بين صحيحها وضعيفها، حتى كانت هذه الثروة الطائلة المشرفة من كتب الحديث، وأصوله، ونقد الرجال، وكتب الشروح التِي لَمْ تَدَعْ حَدِيثًا إِلاَّ عرضت له بالشرح والتحليل فجزاهم الله عن الإسلام وأهله خَيْرًا.

стр. 222

[٢] أنه أفاض في بيان وجهة نظر الذين لا يَحْتَجُّونَ بالأحاديث على إثبات القواعد النحوية واللغوية، وغرضه من هذا بيان ضرر الرواية بالمعنى وأنها التي حَدَتْ بعلماء اللغة والنحو إلى عدم الاستشهاد بالأحاديث. وكانت الأمانة العلمية تُحَتِّمُ عليه أن يعرض لبيان وجهة نظر القائلين بالاحتجاج بالأحاديث على القواعد النحوية والصرفية ولا سيما ومنهم إمام جليل هو ابن مالك صاحب " الألفية " المشهورة ثم ذلك بعد ما يرجح ما يراه ولكنه التزم رَأْيًا وتعصب وأكثر من النقول عن أصحابه، وليس هذا من شيمة الباحث المُنْصِفِ النَّزِيهِ. القَائِلُونَ بِالاِحْتِجَاجِ بِالأَحَادِيثِ عَلَى القَوَاعِدِ النَّحْوِيَّةِ وَاللُّغَوِيَّةِ: وأحب أن يعلم القارئ أن المسألة لم يقطع فيها برأي واحد، ولئن كان هناك من منع الاحتجاج بألفاظ الأحاديث في تحقيق الألفاظ وتقرير القواعد فهناك غيرهم أئمة كبار يرون الاحتجاج بالأحاديث النحوية واللغوية وَمِمَّنْ عرف بهذا المذهب العَلاَّمَةُ ابن مالك المُتَوَفَّى سَنَةَ ٦٧٢ هـ، وَالعَلاَّمَةُ ابن هشام المُتَوَفَّى سَنَةَ ٧٦١ هـ والذي قال فيه حكيم العرب ابن خلدون قولته المشهورة «مَازِلْنَا وَنَحْنُ بِالمَغْرِبِ نَسْمَعُ أَنَّهُ ظَهَرَ بِمِصْرَ عَالِمٌ بِالعَرَبِيَّةِ يُقَالُ لَهُ: ابْنُ هِشَامٍ أَنْحَى مِنْ سِيبَوَيْهْ» وَمِمَّنْ انتصر لهذا المذهب البدر الدماميني في " شرحه للتسهيل "، والعلامة ابن الطيب في شرحه لكتاب " الاقتراح " ولشرحه لـ " كفاية المتحفظ " وعد من أصحاب هذا المذهب الجوهري، وابن سيده، وابن فارس، وابن خروف، وابن جِنِّى والسهيلي حتى قال: «لاَ نَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ عُلَمَاءِ العَرَبِيَّةِ خَالَفَ فِي هَذِهِ المَسْأَلَةِ إِلاَّ مَا أَبْدَاهُ الشَّيْخُ أَبُو حَيَّانَ فِي شَرْحِهِ لِ " التَّسْهِيلِ " وَأَبُو الحَسَنِ الصَّانِعِ فِي شَرْحِهِ " الجُمَلَ». وإليك ما قاله البدر الدماميني وما حكاه عن شيخه ابن خلدون في الرَدِّ على من يمنعون الاستشهاد بالحديث، قال في " حواشيه على المغني ": «أسقط أبو حيان الاستدلال على الأحكام النحوية بالأحاديث النبوية باحتمال رواية من لا يوثق بعربيته إياها بالمعنى، وكثيرًا ما يعترض على ابن مالك في استدلاله بها ورده شيخنا ابن خلدون بأنها على تسليم أنها لا تفيد القطع بالأحكام النحوية تفيد غلبة الظن بها،

стр. 223

لأن الأصل عدم التبديل لا سيما والتشديد في ضبط الألفاظ والتحري في نقلها بأعيانها مِمَّا شاع بين الرواة، والقائلون منهم بجواز الرواية بالمعنى معترفون بأنها خلاف الأولى، وغلبة الظن كافية في مثل تلك الأحكام بل في الأحكام الشرعية، فلا يؤثر فيها الاحتمال المخالف للظاهر، وبأن الخلاف في جواز النقل بالمعنى في غير ما دُوِّنَ في الكتب، أما ما دُوِّنَ فلا كما قال ابن الصلاح، وتدوين الأحاديث وقع في الصدر الأول قبل فساد اللغة العربية، وحين كان كلام أولئك على تقدير تبديلهم يسوغ الاحتجاج به، وغايته يومئذ تبديل لفظ يحتج به بآخر كذلك، ثم دون ذلك البدل، ومنع من تغييره ونقله بالمعنى فبقي حُجَّةً في بابه صحيحة» ومثل ذلك ذكره في " شرح التسهيل ". ومن ثم يَتَبَيَّنُ لنا دقة نظر المحتجين بالأحاديث على القواعد وأنهم كثرة لا قلة كما سمعت، وليس بعد ما ذكره البدر الدماميني وما حكاه عن شيخه ابن خلدون كلام لقائل أو حُجَّة لمحتج ولعلك - أيها القارئ - قد آمنت معي أن المؤلف لم يكن أمينًا في البحث، وأنه أوهم القارئ أنه ليس هناك من يحتج بالأحاديث غير ابن خروف وابن مالك ولبس عليه ودلس، وها أنت قد ظهرت لك الحقيقة سافرة، وزال الشك، وبرح الخفاء، وكن على ذكر مِمَّا قدمته لك في مبحث الرواية بالمعنى تَزْدَدْ يَقِينًا بأن الرواية بالمعنى كانت رُخْْصَةً عند الضرورة، وأن الأصل في الرواية إنما هو باللفظ، وأنها لم تكن لها أضرار دينية ولغوية كما زعم المؤلف وهول فيه. نَقْلُهُ عَنْ الإِمَامِ مُحَمَّد عَبْدُهُ إِنْكَارَ حَدِيثِ سِحْرِ النَّبِيِّ ﷺ -: في [ص ٢٥٩] عرض لرأي الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده في أنه لا يأخذ بحديث الآحاد مهما بلغت درجته من الصحة في نظر المُحَدِّثِينَ إذا خالف العقل أو القرآن أو العلم، وأنه أنكر لذلك حديث سحر لبيد بن الأعصم لِلْنَّبِيِّ ﷺ واعتمد في هذا على: [١] أن الحديث آحادي فلا يؤخذ به في العقائد وعصمة النَّبِيِّ من تأثير السحر

стр. 224

في عقله عقيدة من العقائد لا يؤخذ في نفيها عنه إِلاَّ باليقين ولا يكتفي بالظن. [٢] وأن الحديث يخالف القرآن الكريم في نفي السحر عن النَّبِيِّ ﷺ حيث نسب القول بإثبات السحر له إلى المشركين وَوَبَّخَهُمْ على زعمهم هذا قال تعالى: ﴿وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَسْحُورًا، انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً﴾ (١). وقال: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَى إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَسْحُورًا، انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأَمْثَالَ فَضَلُّوا﴾ (٢) الآية. [٣] أنه لو جاز على النَّبِيِّ أن يتخيل أنه يفعل الشيء وما فعله لجاز عليه أن يظن أنه بلغ شيئًا وهو لم يبلغه، أو أن شيئا ينزل عليه ولم ينزل عليه واستحالة ذلك أمر ظاهر لا يحتاج إلى بيان. إَفَاضَةُ المُؤَلِّفِ فِي الرَدِّ عَلَى مَا أَثِيرَ حَوْلَ حَدِيثِ الشِّعْرِ: ----------------------------------------------------- وإليك تحرير الكلام في هذا المقام: [١] إنَّ الحق لا يعرف بالرجال، وإنما يعرف الرجال بالحق، والأستاذ الإمام محمد عبده ليس أبا عذرتها في هذا، وإنما هو متابع لمن سبقه من شيوخ الاعتزال وأمثالهم، وإذا كان المؤلف لا يعرف الحق إِلاَّ بالرجال فلنجاره في هذا، ولنبين له أن الأخذ بالحديث الصحيح وعدم رده وتأويله بما يوافق العقل والنقل المتواتر مذهب جماهير العلماء سَلَفًا وَخَلَفًا، وَرَدِّ الأحاديث لأدنى شُبْهَةٍ وَتَوَهُّمِ مخالفتها للعقل أو القرآن أو العلم ليس من التحقيق العلمي في شيء، والأحاديث الصحيحة الموثوق بها، وإن كانت لا تفيد يقينًا في العقائد الثانوية تفيد غلبة ظن فيها ونحن لا نخالف في أن العقائد الأساسية أو الأولية كإثبات الصانع والتوحيد لا يكتفي فيها إِلاَّ بما يفيد القطع واليقين.

стр. 225

ولئن كان الإمام محمد عبده قد أنكر حديث السحر فقد أثبته واعترف بصحته رواية ودراية أئمة هم أرسخ قَدَمًا في العلم، والجمع بين المعقول والمنقول منه كالأئمة المازري والقاضي عياض، وابن تيمية وابن القيم وابن كثير والحافظ ابن حجر والألوسي المفسر وغيرهم كثير، والذين صَحَّحُوا حديث السحر قالوا: إن ما حدث لِلْنَّبِيِّ ﷺ نوع من الأمراض والعوارض البشرِيَّةَ التي تجوز على الأنبياء، وأن الأمر لم يخرج عن كونه مَرَضًا جِسْمَانِيًّا وقد رُوِيَ الحديث من طرق بلفظ «حَتَّى كَانَ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ يَفْعَلُ الشَّيْءَ وَمَا يَفْعَلُهُ وما فعله» ولكن قد ورد في بعض الروايات في الصحيح وهي رواية سفيان بن عيينة ما يعين المراد من هذا التخييل، وأنه لم يكن في أمر عقلي ففي هذه الرواية عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سُحِرَ، حَتَّى كَانَ يَرَى أَنَّهُ يَأْتِي النِّسَاءَ وَلاَ يَأْتِيهِنَّ». قَالَ سُفْيَانُ: «وَهَذَا أَشَدُّ مَا يَكُونُ مِنَ السِّحْرِ»، ولذلك قال القاضي عياض: «وَقَالَ عِيَاض: يُحْتَمَل أَنْ يَكُون الْمُرَاد [بِالتَّخْيِيلِ] الْمَذْكُور أَنَّهُ يَظْهَر لَهُ مِنْ نَشَاطه مَا أَلِفَهُ مِنْ سَابِق عَادَته مِنْ الاِقْتِدَار عَلَى الوَطْء، فَإِذَا دَنَا مِنَ المَرْأَة فَتَرَ عَنْ ذَلِكَ كَمَا هُوَ شَأْن المَعْقُود» (١). وهذا الذي دلت عليه رواية سفيان بن عيينة وشرحه القاضي عياض هو الذي ينبغي أن يصار إليه في فهم هذا الحديث وعلى هذا فلا يكون هناك إخلال بعصمة النَّبِي ﷺ وينهار ما استشكله المنكرون للحديث. [٢] وأما أن الحديث يخالف القرآن فغير مُسَلَّمٌ لأن المشركين لم يريدوا بقولهم: ﴿إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَسْحُورًا﴾ (٢) أنه ﵊ سُحِرَ حتى أدركه بعض التغيير أيامًا ثم شفاه الله وإنما أرادوا أنه يصدر عن خيال وجنون في كل ما يقول ويفعل وأن ما جاء به ليس من الوحي فغرضهم إنكار رسالته، ورميه بالجنون وهذا أمر واضح جَلِيٌّ لكل من تتبع النصوص القرآنية التي تعرضت لهذا، فالغرضان مختلفان والموضوعان متباينان. [٣] وأما قولهم: إذا جاز أن يتخيل ما ليس بواقع واقعًا في غير أمور الدين

стр. 226

لجاز ذلك في أمور الدين فهذا مردود بما قدمناه في بيان المراد من الحديث وأن السحر أثر في جسمه لا في عقله ولو سلمنا لهم ما تدل عليه الرواية بحسب ظاهرها لما تم لهم ما قالوا، لأن قياس أمور الوحي والرسالة على أمور الدنيا قياس مع الفارق، فإنه بالنسبة لأمور الدين معصوم من الخطأ والتغيير والتبديل ولا عصمة له في أمور الدنيا فللرسول اعتباران: اعتبار كونه بَشَرًا، واعتبار كونه رسولاً، فبالاعتبار الأول يجوز عليه ما يجوز على سائر البشر ومنه أن يسحر، وبالاعتبار الثاني لا يجوز عليه ما يخل بالرسالة لقيام الدليل على العصمة منه، ثم ما رأى المنكرين للحديث فيما ثبت في القرآن الكريم منسوبًا إلى موسى ﵇ من أنه تخيل في حبال السحرة وعصيهم أنها حيات تسعى، فهل ينكرون القرآن المتواتر؟ وإذا كان لا مناص لهم من التسليم بما جاء به القرآن فلم اعتبروا التخيل في حديث السحر منافيًا للعصمة ولم يعتبروه في قصة موسى ﵊ منافيًا للعصمة؟ لقد شاء الله - سُبْحَانَهُ - أن يبتلي أنبياءه بشتى أنواع الابتلاء ليعلم الناس أنهم بشر مثلهم فلا يرفعوهم إلى مقام الألوهية، وليزداد ثواب الأنبياء وتعظم منازلهم عند الله بما يقاسون في سبيل تبليغ الدين والرسالات. ولا أحب أن أطيل بذكر بعض أقوال أئمة العلم الجامعين بين المعقول والمنقول ولكني سأجتزئ بنقلين: [١] قَالَ الإِمَامُ المَازِرِيُّ: «أَنْكَرَ [المُبْتَدِعَةُ] هَذَا الحَدِيثِ وَزَعَمُوا أَنَّهُ يَحُطُّ مَنْصِبَ النُّبُوَّةِ وَيُشَكِّكُ فِيهَا، قَالُوا وَكُلُّ مَا أَدَّى إِلَى ذَلِكَ فَهُوَ بَاطِلٌ، وَزَعَمُوا أَنَّ تَجْوِيز هَذَا يَعْدَمُ الثِّقَةَ بِمَا شَرَعَهُ مِنْ الشَّرَائِعِ إِذْ يُحْتَمَل عَلَى هَذَا أَنْ يُخَيَّلَ إِلَيْهِ أَنَّهُ يَرَى جِبْرِيلَ وَلَيْسَ هُوَ ثَمَّ، وَأَنَّهُ يُوحِي إِلَيْهِ بِشَيْءٍ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ بِشَيْءٍ»، قَالَ: «وَهَذَا كُلُّهُ مَرْدُودٌ، لأَنَّ الدَّلِيل قَدْ قَامَ عَلَى صِدْقِ النَّبِيِّ ﷺ فِيمَا يُبَلِّغُهُ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى وَعَلَى عِصْمَتِهِ فِي التَّبْلِيغ، وَالْمُعْجِزَات شَاهِدَاتٌ بِتَصْدِيقِهِ، فَتَجْوِيزُ مَا قَامَ الدَّلِيل عَلَى خِلاَفه بَاطِل. وَأَمَّا مَا يَتَعَلَّق بِبَعْضِ الأُمُور الدُّنْيَا الَّتِي لَمْ يُبْعَثْ لأَجْلِهَا وَلاَ كَانَتْ الرِّسَالَةُ مِنْ أَجْلهَا فَهُوَ فِي ذَلِكَ عُرْضَةٌ لِمَا يَعْتَرِضُ البَشَر كَالأَمْرَاضِ، فَغَيْرَ بَعِيدٍ أَنْ يُخَيَّلَ إِلَيْهِ فِي أَمْرٍ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا مَا لاَ حَقِيقَةَ لَهُ مَعَ عِصْمَتهِ عَنْ مِثْل ذَلِكَ فِي أُمُورِ الدِّينِ»، قَالَ: «وَقَدْ قَالَ

стр. 227

بَعْضُ النَّاسِ إِنَّ المُرَادَ بِالْحَدِيثِ أَنَّهُ كَانَ ﷺ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ وَطِئَ زَوْجَاتَهُ وَلَمْ يَكُنْ وَطِأَهُنَّ، وَهَذَا كَثِيرًا مَا يَقَعُ تَخَيُّلُهُ لِلإِنْسَانِ فِي المَنَام فَلاَ يَبْعُدُ أَنْ يُخَيَّلَ إِلَيْهِ فِي اليَقِظَةِ» (١). [٢] قال الإمام ابن القيم بعد أن ذكر الأحاديث الدالة على سحر النَّبِيِّ ﷺ : «وهذا الحديث ثابت عند أهل العلم بالحديث، متلقى بالقبول بينهم لا يختلفون في صحته، وقد اعتاص على كثير من أهل الكلام وغيرهم وأنكروه أشد الإنكار وقابلوه بالتكذيب، وصنف بعضهم فيه مُصَنَّفًا مُنْفَرِدًا حمل فيه على هشام - يعني ابن عروة بن الزبير - وكان غاية ما أحسن القول فيه أن قال: غلط واشتبه عليه الأمر ولم يكن من هذا شيء قال: لأن النَّبِي ﷺ لا يجوز أن يسحر فإنه تصديق لقول الكفار ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَى إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَسْحُورًا﴾ (٢) ... قالوا: فالأنبياء لا يجوز عليهم أن يسحروا فإن ذلك ينافي حماية الله لهم وعصمتهم من الشياطين. وهذا الذي قاله هؤلاء عند أهل العلم فإن هشامًا من أوثق الناس وأعلمهم، ولم يقدح فيه أحد من الأئمة بما يوجب رَدَّ حديثه فما للمتكلمين وما لهذا الشأن؟. وقد رواه غير هشام عن عائشة وقد اتفق أصحاب " الصحيحين " على تصحيح هذا الحديث ولم يتكلم فيه أحد من أهل الحديث بكلمة والقصة مشهورة عن أهل التفسير والسنن والحديث والتاريخ والفقهاء، وهؤلاء أعلم بأحوال رسول الله وأيامه من المتكلمين، إلى أن قال: والسحر الذي أصابه كان مرضًا من الأمراض عارضًا شفاه الله منه، ولا نقص في ذلك ولا عيب بوجه فإن المرض على الأنبياء، وكذلك الإغماء فقد أغمي عليه ﷺ في مرضه ووقع حين انفكت قدمه وجحش شقه (٣) وهذا من البلاء الذي يزيده به الله رفعة في درجاته ونيل كرامته، وأشد الناس بلاء الأنبياء فابتلوا من أُمَمِهِمْ بما ابتلوا به من القتل والضرب والشتم والحبس فليس ببدع أن يُبْتَلَى النَّبِيُّ ﷺ من بعض أعدائه بنوع من السحر كما ابتلى بالذي رماه فشجه

стр. 228

وابتلى بالذي ألقى على ظهره السلا (١) وهو ساجد فلا نقص عليهم ولا عار في ذلك، بل هذا من كمالهم وعلو درجاتهم عند الله». ثم أخذ في الإجابة عما أورد المنكرون للحديث من شبه بما لا يخرج عما ذكرناه (٢). مِثَالٌ - مِنْ مَثَلٍ - يَدُلُّ عَلَى ضُحُولَةِ أَبِي رَيَّةَ فِي البَحْثِ: في [ص ٢٦١] قال: وقد رد الأستاذ الإمام كذلك أحاديث كثيرة في أمور اعتقادية، وغير اعتقادية كحديث الغرانيق، وحديث زينب بنت جحش وغيرهما مِمَّا لا نستطيع إيراد أقواله فيها هنا. وهذا الكلام يدل على ضحولة المؤلف في البحث، وضيق عطنه في العلم، وحديث الغرانيق حديث باطل موضوع كما نص على ذلك الثقات من أهل الحديث، فهو مردود قبل أن يولد الإمام بعدة قرون، وكل ما صنعه الشيخ محمد عبده أنه نقل ما سبقه القاضي عياض وغيره من أئمة العلم الذين زيفوها ووضح ذلك وجلاه بأسلوبه في الخطاب، وأضاف إلى الرَدِّ ما من شأن المتأخر أن يزيده على كلام المتقدم، وكذلك حديث قصة زينب بنت جحش موضوع عند أهل العلم بالحديث وقد بسط الكلام عليها الحافظ ابن حجر في " الفتح " وبين أنها لا أصل لها، فالأستاذ الإمام لم يزد أكثر من أنه جلى كلام الأقدمين وهكذا يَتَبَيَّنُ لنا أن المؤلف طعن في غير مطعن وجافاه الصواب. الحَقُّ عِنْدَ أَبِي رَيَّةَ يُعْرَفُ بِالرِّجَالِ: في [ص ٢٦١، ٢٦٢] نقل كلامًا للسيد محمد رشيد رضا، وفيه هنات ومؤاخذات وفيما قدمنا من الرُدُودِ ما يجد فيه القارئ الفطن ما يرد هذه الهنات، ولسنا مِمَّنْ يعرفون الحق بالرجال وإنما يعرفون الرجال بالحق ولا سيما وقد درسنا

стр. 229

الحديث كما درسوا، ولنا عقول كما لهم عقول، ومنهجنا في البحث أننا لا نأخذ بكلام فلان إِلاَّ بِبَيِّنَةٍ، ولا نرد كلام فلان إِلاَّ بِبَيِّنَةٍ. نَفْيُهُ لِلأَحَادِيثِ المُتَوَاتِرَةِ وَافْتِرَاؤُهُ عَلَى الحَافِظِ ابْنِ حَجَرَ: في [ص ٢٦٣] قال تحت عنوان «ليس في الحديث متواتر»: إن المتواتر قليل ... ونفى بعضهم المتواتر اللفظي في السُنَّةِ إِلاَّ حديث «مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ ... » وحديث الحوض وبضعة أحاديث أخرى ... ثم يأتي في الهامش فيقول: نقلنا في [ص ٤١] من هذا الكتاب أن ابن حجر نفى أنه رأى حديث «مَنْ كَذَبَ ... » متواتر، وَيُعَلِّقُ اَيْضًا على حديث الحوض بذكر متنه ثم يقول متهكما: هذا مثل من المتواتر عندهم وإليك الحق في هذا: [١] إن المتواتر قسمان: لفظي، ومعنوي، فالأول قليل، والثاني كثير. [٢] ما نسبه إلى الحافظ من أن الحديث غير متواتر كذب على الحافظ وقد ذكرت - فيما سبق - أنَّ الحافظ نقل هذا عن بعض العلماء ثم رده وذكر جملة أحاديث أخرى ولكن المؤلف دلس على الحافظ وخان الأمانة وما أكثر هذه الخيانات في كتاب المؤلف. [٣] ساق المؤلف لفظا لحديث الحوض لم أقف عليه وإليك نص الحديث كما رواه البخاري (١) في " صحيحه " من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال النَّبِيُّ ﷺ : «حَوْضِي مَسِيرَةُ شَهْرٍ، مَاؤُهُ أَبْيَضُ مِنَ اللَّبَنِ، وَرِيحُهُ أَطْيَبُ مِنَ المِسْكِ، وَكِيزَانُهُ كَنُجُومِ السَّمَاءِ، مَنْ شَرِبَ مِنْهَا فَلاَ يَظْمَأُ أَبَدًا» ورواه مسلم بنحو هذا اللفظ (٢)، وقد رُوِيَ الحديث من طرق عدة عن كثير من الصحابة، وأحاديث الحوض متواترة كما نص على ذلك القاضي والقرطبي والحافظ ابن حجر

стр. 230

وغيرهم، قال الحافظ ابن حجر في " الفتح " (٣) قَالَ الْقُرْطُبِيّ فِي " الْمُفْهِم " تَبَعًا لِلْقَاضِي عِيَاضٍ فِي غَالِبهِ: مِمَّا يَجِبُ عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ أَنْ يَعْلَمًهُ وَيُصَدِّقَ بِهِ أَنَّ اللَّه قَدْ خَصَّ نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ بِالحَوْضِ المُصَرَّحِ بِاسْمِهِ وَصِفَتِهِ وَشَرَابِهِ فِي الأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الشَّهِيرَةِ التِي يَحْصُلُ بِمَجْمُوعِهَا العِلْمُ القَطْعِيُّ، إِذْ رَوَى ذَلِكَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ مِنَ الصَّحَابَة نَيِّفٌ عَلَى الثَّلاَثِينَ، مِنْهُمْ فِي " الصَّحِيحَيْنِ " مَا يُنِيفُ عَلَى العِشْرِينَ وَفِي غَيْرهِمَا بَقِيَّةُ ذَلِكَ مِمَّا صَحَّ نَقْلُهُ وَاشْتُهِرَتْ رُوَاتُهُ، ثُمَّ رَوَاهُ عَنْ الصَّحَابَةِ المَذْكُورِينَ مِنْ التَّابِعِينَ أَمْثَالهمْ وَمَنْ بَعْدَهُمْ أَضْعَاف أَضْعَافهمْ وَهَلُمَّ جَرًّا، وَأَجْمَعَ عَلَى إِثْبَاته السَّلَفُ وَأَهْل السُّنَّة مِنْ الْخَلَف، وَأَنْكَرَتْ ذَلِكَ طَائِفَةٌ مِنْ الْمُبْتَدِعَةِ وَأَحَالُوهُ عَلَى ظَاهِرهِ وَغَلَوْا فِي تَأْوِيلِهِ مِنْ غَيْرِ اِسْتِحَالَةٍ عَقْلِيَّةٍ وَلاَ عَادِيَّةٍ تَلْزَمُ مِنْ حَمْلِهِ عَلَى ظَاهِرهِ وَحَقِيقَتِهِ، وَلاَ حَاجَةَ تَدْعُو إِلَى تَأْوِيلِهِ، فَخَرَقَ مَنْ حَرَّفَهُ إِجْمَاعَ السَّلَفِ وَفَارَقَ مَذْهَبَ أَئِمَّةِ الخَلَفِ. قُلْت: أَنْكَرَهُ الْخَوَارِج وَبَعْض الْمُعْتَزِلَة». وقد تتبع الحافظ طرق حديث الحوض ومن رواه من الصحابة فوصل بهم إلى ما يزيد عن خمسين من الصحابة قال الحافظ: «وَلِكَثِيرٍ مِنْ هَؤُلاَءِ الصَّحَابَةِ فِي ذَلِكَ زِيَادَةً عَلَى الحَدِيثِ الوَاحِدِ كَأَبِي هُرَيْرَةَ وَأَنْسَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي سَعِيدٍ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرُو وَأَحَادِيثَهُمْ بَعْضهَا فِي مُطْلَق ذِكْرِ الحَوْض وَفِي صِفَتِهِ بَعْضَهَا وَفِيمَنْ يَرِدُ عَلَيْهِ بَعْضَهَا وَفِيمَنْ يُدْفَع عَنْهُ بَعْضِهَا، وَكَذَلِكَ فِي الأَحَادِيث الَّتِي أَوْرَدَهَا المُصَنِّفُ فِي هَذَا البَابِ، وَجُمْلَةِ طُرُقِهَا تِسْعَةَ عَشَر طَوْقًا، وَبَلَغَنِي أَنَّ بَعْض الْمُتَأَخِّرِينَ وَصَلَهَا إِلَى رِوَايَة ثَمَانِينَ صَحَابِيًّا». والمتواتر بإجماع أهل العلم يفيد القطع واليقين في نسبته إلى قائله، فَمَا رَأْيُ أَبِي رَيَّةَ ومن على شاكلته من المنكرين لأحاديث الحوض في حكم من أنكر المتواتر عَنْ النَّبِيِّ ﷺ ؟ وحكم من تهكم بحديث النَّبِيِّ الثابت بالتواتر؟ ليرى منزلته من الإيمان أو الكفر.

стр. 231

عِنَايَةُ أَبِي رَيَّةَ بِذِكْرِ المَآخِذِ وَإِخْفَاءِ المَحَاسِنِ: في ص (٢٦٩) وما بعدها عرض لكتب الحديث المشهورة، وذكر ترجمة موجزة لكل صاحب كتاب منها، وبيان منزلة هذا الكتاب بين كتب الحديث، وقد لاحظت أنه يُعْنَى بذكر المعايب أو المآخذ أكثر مِمَّا يُعْنَى بذكر المحاسن والخصائص، وفي سبيل ذلك صار يتصيد الروايات من هنا وهناك من غير تمحيص وتحقيق ما دامت هذه النصوص تسعفه فيما قصد إليه من تأليف كتابه هذا وهو الغض من شأن الحديث وَالمُحَدِّثِينَ والإزراء بهم وجعلهم زَوَامِلَ أَسْفَارٍ لاَ يَعْقِلُونَ وَلاَ يَعُونَ مَا يَحْمِلُونَ وَيَرْوُونَ، والشأن في الباحث المحقق الذي ينشد الحق ويقصد إليه أن يستقرئ الروايات ويمحصها ويوازن بينها وَيُرَجِّحَ ما يستحق الرجحان من جهة السند أو المتن أو النقل أو العقل أما يفتح عينيه على المساوئ ويغمضها عن المحاسن فذلك شأن الباحث المتحامل، ومثل هذا قلما يصل إلى حق. وستجد فيما أنقله لك عن كتابه مصداق هذا، وليس الخبر كالعيان. ففي [ص ٢٧٣] قال تحت عنوان «نقد ابن معين لمالك» قال ابن معين: «إن مالكا لم يكن صاحب حديث بل كان صاحب رأي»، وقال الليث ابن سعد: «أحصيت على مالك سبعين مسألة وكلها مخالفة لِسُنَّةِ الرسول»، وقد اعترف مالك بهذا. وليس أدل على ما ذكرته لك آنِفًا من نقله مثل هذا، ولم نجد إمامًا يكاد يجمع العلماء على جلالته مثل ما عرفنا ذلك لمالك، ولكن المؤلف يغفل كل ما قاله الأئمة في إنصاف مالك والثناء عليه، ولا يجد في جعبته إِلاَّ هذين النقلين، وقد رجعت إلى كتاب " الانتقاء في فضائل الثلاثة الأئمة الفُقَهَاء " للإمام ابن عبد البر حافظ المغرب فوجدته قد خصص منه بضع عشرة صحيفة (١) في ثناء الأئمة على مالك من أمثال سفيان بن عُيينة وشعبة بن الحجاج والشافعي وأحمد بن حنبل، وعبد الرحمن بن مهدي، ومحمد بن الحسن.

стр. 232

وما ذكره عن يحيى بن معين معارض بما رواه الثقات الأثبات كابن عبد البر من ثناء يحيى بن معين على مالك، روى ابن عبد البر بسنده عن ابن معين أنه كان يقول: «مَالِكٌ أَثْبَتُ فِي نَافِعٍ مِنْ أَيُّوبَ وَعَبْدَ اللهِ بْنِ عُمَرَ». وقال ابن أبي مريم قلت ليحيى: «الليث أرفع عندك أم مالك قال: " مالك "». وقال يحيى بن معين: «كان مالك من حجج الله على خلقه». فهذا هو ما يليق أن ينسب إلى ابن معين، وَهَبْ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ المُؤَلِّفُ مروي عن ابن معين أفما كان الأليق بالمؤلف كباحث أن يذكر الروايتين ويوازن بينهما أو على الأقل يقف المحايد حتى يكون القارئ على بَيِّنَةٍ من الأمر، ثم كيف نصدق أن يقول ابن معين في مالك: أنه ليس صاحب حديث وهذا كتابه " الموطأ " بين أيدينا وأحاديثه الموصولة المرفوعة عند كثير من أهل الحديث في درجة أحاديث " الصحيحين "، وهذا الإمام الشافعي يقول فيه: «إذا جاءك الحديث عن مالك فشد به يديك» وفي لفظ آخر: «إذا جاءك الخبر فمالك النجم» (١). وأما قول الليث بن سعد: «أحصيت على مالك سبعين مسألة وكلها مخالفة لسنن الرسول».فليس فيها طعن على مالك، والمخالفة إنما تكون مجالاً للطعن إن كانت عن عناد ومكابرة أما إن كانت عن اجتهاد وَحُجَّةٍ فلا، وليس بلازم كما ذكرت أن تبلغ كل الأحاديث أي إمام من الأئمة وليس بلازم إذا بلغته أن يعمل بها لجواز أن تكون منسوخة أو مخصصة أو مقيدة أو مرجوحة إلى غير ذلك من الوجوه. اِفْتِرَاؤُهُ عَلَى الإِمَامَيْنِ: البُخَارِيِّ وَابْنِ حَجَرَ: في [ص ٢٧٤] تحت عنوان «كان البخاري يروي بالمعنى» ثم ذكر ما رواه الخطيب في " تاريخ بغداد " عن البخاري أنه قال: رب حديث سمعته بالبصرة كتبته بالشام ورب حديث سمعته بالشام كتبته بمصر قيل له: يا أبا عبد الله بكماله فسكت. وقال ابن جحر: «[وَهَذَا] مِنْ نَوَادِر مَا وَقَعَ فِي الْبُخَارِيّ أَنْ يَخْرُج الْحَدِيث تَامًّا بِإِسْنَادٍ وَاحِد بِلَفْظَيْنِ» كما في حديث سحر النَّبِيِّ ﷺ .

стр. 233

والبخاري مِمَّنْ يرى جواز الرواية بالمعنى ولكن ليس فيه دلالة قط على الرواية بالمعنى وكل ما فيه أنه كان يسمع الشيء ولا يكتبه حتى إذا وجد له مناسبة أو ترجمة لائقة كتبه، وسكوته لا يدل على أنه رواه بالمعنى وغاية ما يدل عليه جواز الاختصار في الحديث بذكر بعضه كما هو شأنه في كتابه يقطع الحديث الواحد في عدة أبواب مقتصرًا في كل باب بما لا يليق به وأما ما نقله عن الحافظ فهو أبعد ما يكون عن الرواية بالمعنى، ولم يسقه الحافظ لهذا وإنما ساقه في معرض الكلام عن حديث سحر النَّبِيِّ وأن البخاري رواه مرة عن شيخه إبراهيم بن موسى بلفظ: «حَتَّى إِذَا كَانَ ذَاتَ يَوْمٍ أَوْ ذَاتَ لَيْلَةٍ» بالشك، وفي موضع آخر عن هذا الشيخ نفسه بلفظ «حَتَّى إِذَا كَانَ ذَاتَ يَوْمٍ» من غير شك، وقد ظن الحافظ أَوَّلاً أن الشك من البخاري ثم ظهر له أنَّ الشك من شيخ شيخه عيسى بن يونس، وإليك كلام الحافظ ابن حجر قال بعد أن ذكر الروايتين وتحقيق أن الشك ليس من البخاري: «فَيُحْمَلُ الجَزْمُ الْمَاضِي عَلَى أَنَّ إِبْرَاهِيم بْن مُوسَى شَيْخَ الْبُخَارِيِّ حَدَّثَهُ بِهِ تَارَةً بِالجَزْمِ وَتَارَة بِالشَّكِّ، وَيُؤَيِّدهُ مَا سَأَذْكُرُهُ مِنْ الاِخْتِلاَف عَنْهُ، وَهَذَا مِنْ نَوَادِرِ مَا وَقَعَ فِي " البُخَارِيِّ " أَنْ يُخْرِجَ الحَدِيثَ تَامًّا بِإِسْنَادٍ وَاحِد بِلَفْظَيْنِ» (١). وهكذا يَتَبَيَّن لنا أن المؤلف افترى على البخارى وعلى الحافظ وأنه يخطف الكلام خَطْفًا من غير تثبت وَتَحَرٍّ. في [ص ٢٧٤] ذكر عنوان «موت البخاري قبل أن يبيض كتابه» ثم ذكر في ذلك كلامًا نقله الحافظ ابن حجر في مقدمة " الفتح " وليس في الكلام ما يشهد لِمَا عَنْوَنَ له وغرضه من هذا العنوان إيهام من لا يعرف أن الإمام البخاري ترك كتابه مسودة ومن شأن المسودات أنها لم تنقح، ومن شأن عدم التنقيح أن يأتي الكتاب على غير ما يرام وكل ذلك ليخلص إلى ما يريد من التشكيك في منزلة كتب الحديث المعتمدة.

стр. 234

والحق أن البخاري لم يمت إِلاَّ بعد أن نقح كتابه وهذبه غاية التهذيب والنقل الذي ذكره الحافظ إنما هو في شأن التراجم التي بيضها البخاري أي ذكرها ولم يذكر فيها حَدِيثًا أو الأحاديث التي ذكرها ولم يذكر لها بَابًا، والنقل الذي ذكره يدل على أن " صحيح البخاري " كان مُدَوَّنًا في أصل محرر قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ المُسْتَمْلِي: «انْتَسَخْتُ كِتَابَ البُخَارِيَّ مِنْ أَصْلِهِ الذِي كَانَ عِنْدَ صَاحِبِهِ مُحَمَّدُ بْنَ يُوسُفَ الفَرْبَرِيِّ فَرَأَيْتُ فِيهِ أَشْيَاءَ لَمْ تَتِمَّ وَأَشْيَاءَ مُبَيَّضَةً مِنْهَا تَرَاجِمُ لَمْ يُثْبِتْ بَعْدَهَا شَيْئًا وَمِنْهَا أَحَادِيثَ لَمْ يُتَرْجِمْ لَهَا فَأَضَفْنَا بَعْضَ ذَلِكَ إِلَى بَعْضٍ». وليس أدل على أن البخاري لم يمت إِلاَّ بعد أن حرر كتابه وعرضه على أئمة الحديث مِمَّا قاله أبو جعفر محمود بن عمر العقيلي قال: «لَمَّا أَلَّفَ البُخَارِيُّ كِتَابَ الصَّحِيحِ عَرَضَهُ عَلَى أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ وَيَحْيَى بْنَ مَعِينٍ وَعَلِيٍّ بْنَ المَدِينِيِّ وَغَيْرِهِمْ فَاسْتَحْسَنُوهُ وَشَهِدُوا لَهُ بِالصِحَّةِ إِلاَّ فِي أَرْبَعَةِ أَحَادِيثَ». قال العقيلي: «وَالقَوْلُ فِيهَا قَوْلُ البُخَارِيُّ وَهِيَ صَحِيحَةٌ». وروي عن الفَرْبَرِيِّ أنه قال: قال البخاري: «مَا كَتَبْتُ فِي كِتَابِ الصَّحِيحِ حَدِيثًا إِلاَّ اِغْتَسَلْتُ قَبْلَ ذَلِكَ وَصَلَّيْتُ رَكْعَتَيْنِ» وذلك كي يجتمع له الاطمئنان القلبي والاستلهام الروحي إلى الاجتهاد العلمي والبحث العقلي، وليس أدل على ما بذله من جهد وتنقيح وغربلة للأحاديث حتى جاء كتابه في غاية الصحة من قوله: «جَمَعْتُ كِتَابِي هَذَا مِنْ سِتِّمِائَةِ أَلْفَ حَدِيثٍ» وقد استفاض واشتهر أن البخاري لم يمت إِلاَّ بعد أن حَدَّثَ بصحيحه الكثيرين من تلاميذه وأنهم تسابقوا في كتابة أصله الذي بالغ في التحري في جمع أحاديثه حتى وصل إلينا كما تركه. ذِكْرُهُ لاِخْتِلاَفِ أَئِمَّةِ الجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ: في [ص ٢٧٦] ذكر كَلاَمًا عن الأستاذ أحمد أمين وخلاصته اختلاف علماء الجرح والتعديل اختلافًا بَيِّنًا في قواعد الجرح والتعديل وأسبابهما وأن بعضهم تشدد فلم يرو أحاديث من اتصل بالولاة وأن بعضهم تزمت فرد أحاديث الرجل لمزحة مزحها وأنهم اختلفوا تَبَعًا لذلك في الحُكْمِ على الأشخاص اختلافًا كثيرًا وَمَثَّلَ لذلك بعكرمة مولى ابن عباس فقد ملأ الدنيا حديثًا وتفسيرًا ومع هذا رماه بعضهم بالكذب وبأنه يرى رأي الخوارج وبأنه يقبل جوائز الأمراء وَرَوَوْا عن كذبه شيئًا كثيرًا ... إلى

стр. 235

أن قال: فالبخاري ترجح عنده صدقه فهو يروي له في " صحيحه " كثيرًا ومسلم ترجح عنده كذبه فلم يرو له إِلاَّ حديثًا واحدًا في الحج ولم يعتمد عليه وحده وإنما ذكره تقوية لحديث سعيد بن جبير في الموضوع نفسه. وهذا الكلام فيه حق وفيه باطل، أما أنهم اختلفوا في أسباب الجرح والتعديل فهذا مِمَّا لا ننكره ولكن لا ينبغي أن تتخذ من هذا الاختلاف وسيلة لتعذر الحُكْمِ على الرجال، وهم وإن اختلفوا في بعض الأسباب فقد اتفقوا في كثير منها لماذا ينقم على المتشددين في الجرح والمتزمتين فيه؟ وهما لا يؤديان إِلاَّ إلى التحوط البالغ في الرواية وهو أمر لا يضر ولو أنهم تساهلوا لكان أول من يأخذ على المُحَدِّثِينَ ذلك، ومن أراد أن يعرف الحق في هذا فليرجع إلى مقدمة " فتح الباري " (١) لابن حجر وقد عرض الحافظ ابن حجر في المقدمة لما قيل في عكرمة - له أو عليه - بما لا مزيد عليه مُبَيِّنًا أن من رماه بالكذب إنما أراد الخطأ، والكذب يطلق في لغة أهل الحجاز ويراد به الخطأ، وليس أدل على ذلك من أنه لو كان المراد بالكذب حقيقة لَمَا خَرَّجَ لَهُ مسلم هذا الحديث الواحد إذ الكذاب تحرم الرواية عنه وهذا موضع اتفاق بين المُحَدِّثِينَ، وبعد أن ذكر الحافظ شُبَهَ الطاعنين في عكرمة والإجابة عنها خلص من ذلك إلى أنه ثقة وكفى توثيق البخاري له ومن أراد الاستزادة فليرجع إلى مقدمة " الفتح " (٢) ليرى كيف يكون البحث المتئد البصير في نقد الرجال. تَحْمِيلُهُ لِكَلاَمِ السَيِّدِ مُحَمَّد رَشِيد رِضَا مَا لَمْ يَتَحَمَّلْ: في [ص ٢٧٧ - ٢٧٩] نقل كلامًا للسيد محمد رشيد رضا ﵀ وفي هذا الكلام الحق والباطل، والجيد والرَدِّيء ولسنا نعبد أشخاصًا وإنما نخضع للحق أينما كان، وإني لأُذَكِّرُ المؤلف بكلمة الإمام الجليل مالك بن أنس: «كُلُّ أَحَدٍ يُؤْخَذُ مِنْهُ وَيُرَدُّ عَلَيْهِ إِلاَّ صَاحِبُ هَذَا القَبْرِ» يريد النَّبِيَّ ﷺ .

стр. 236

وكلام السيد رشيد رضا على ما فيه لا يشهد لما قصد إليه المؤلف من الطعن في الأحاديث وغمزه لأحاديث " صحيح البخاري"، فقد منع وجود أحاديث موضوعة فيه بالمعنى الذي عرف به العلماء الموضوع وإليك عبارته: «وَدَعْوَى وُجُودِ أَحَادِيثَ مَوْضُوعَةٍ فِي أَحَادِيثِ " البُخَارِي " المُسْنَدَةَ بِالمَعْنَى الذِي عَرَفُوا بِهِ المَوْضُوعَ فِي عِلْمِ الرِّوَايَةِ مَمْنُوعَةٌ لاَ يَسْهُلُ عَلَى أَحَدٍ إِثْبَاتَهَا وَلَكِنَّهُ لاَ يَخْلُو مِنْ أَحَادِيثَ قَلِيلَةٍ فِي مُتُونِهَا نَظَرٌ قََدْ يَصْدُقُ عَلَيْهِ بَعْضَ مَا عَدُوُّهُ مِنْ عَلاَمَةِ الوَضْعِ» أقول: وهذه الأحاديث القليلة عند إمعان النظر والتحقيق وبذل الجهد في الوقوف على أسرارها قد لا يصدق عليها ذلك وما مَثَّلَ به السيد رشيد في أثناء كلامه كحديث السحر والذباب قد قدمت بيان الحق فيهما. تَهَكُّمُ أَبِي رَيَّةَ بِذِكْرِ حَدِيثٍ اِتَّفَقَ عَلَيْهِ البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ: في [ص ٢٨٤] ذكر مثالاً لما اتفق البخاري ومسلم على روايته وهو الحديث الذي قاله النَّبِيُّ ﷺ يوم الأحزاب: «لاَ يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ العَصْرَ إِلاَّ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ» وفي رواية «الظُّهْرَ». وقد قدمت بيان الحق فيه وأن المؤلف حرَّفَ كلام الحافظ ابن حجر ولم يفهمه على وجهه. تَهْوِينُ أَبِي رَيَّةَ مِنْ شَأْنِ " الصَّحِيحَيْنِ " بَلْهَ غَيْرِهِمَا: في [ص ٢٩٠ - ٢٩١] قال: «وقد مر بك أنهم أعلوا أحاديث كثيرة مِمَّا رواه " البخاري " و " مسلم "، وكذلك نجد في " شرح ابن حجر للبخاري " و" النووي لمسلم " استشكالات كثيرة، وألف عليها مستخرجات متعددة، فإذا كان البخاري ومسلم - وهما " الصحيحان " كما يسمونهما - يحملان كل هذه العلل والانتقادات، وقيل فيهما كل هذا الكلام - دع ما وراء ذلك من تسرب بعض الإسرائيليات إليهما وخطأ النقل بالمعنى وغير ذلك في روايتهما - فترى ماذا يكون الأمر في غير " البخاري " و " مسلم " من كتب الأحاديث ولا نقول المسانيد لأنها في نفسها لا ثقة بها ولا اعتماد عليها لأن ما فيها كغثاء السيل».

стр. 237

الرَدُّ عَلَيْهِ فِي هَذِهِ المَزَاعِمِ: وهكذا نجد المؤلف يلجأ إلى التهويل والتزييف كي يوهم القارئ أن " الصحيحين " فضلاً عن غيرهما من كتب السنن والمسانيد فيها ضعيف كثير وموضوعات وَهَذِهِ شَنْشَنَةٌ نَعْرِفُهَا مِنْ أَخْزَمَ، ونحن لا ننكر أن الدارقطني وغيره انتقد على " الصحيحين " أحاديث، ولكن ليس معنى هذا أن هذه الأحاديث ضعيفة أو موضوعة، كَلاَّ بل انتقدهما لأنهما نزلا فيها عن الدرجة العالية في الصحة التي التزماها في كتابيهما، وقد أجاب عن هذه الأحاديث المنتقدة على البخاري الإمام الحافظ ابن حجر في مقدمة " الفتح " والإمام النووي في " شرحه على مسلم " وأغلب هذه الأحاديث المنتقدة الجواب عنها سهل، وبعضها في الجواب عنه تكلف وهذا البعض لا يزيد عن بضعة أحاديث في " الصحيحين "، فهل من العدل والإنصاف أن يهول المؤلف هذا التهويل من أجل بضعة أحاديث في الجواب عنها شيء من التكلف؟!! وإليك ما ذكره الحافظ ابن حجر في مقدمة " الفتح " (١) بعد أن ذكر الأحاديث المنتقدة وأجاب عنها حَدِيثًا حَدِيثًا قال: «هَذَا جَمِيعُ مَا تَعَقَّبَهُ الحُفَّاظُ النُقَّادُ العَارِفُونَ بِعِلَلِ الأَسَانِيدِ المُطَّلِعُونَ عَلَى خَفَايَا الطُّرُقِ، وَلَيْسَتْ كُلُّهَا مِنْ أَفْرَادِ البُخَارِيِّ بَلْ شَارَكَهُ مُسْلِمٌ فِي كَثِيرٍ مِنْهَا .. وَعِدَّةَ ذَلِكَ اثْنَتَانِ وَثَلاَثُونَ حَدِيثًا، فَأَفْرَادُهُ - أَيْ البُخَارِيُّ - مِنْهَا ثَمَانِيَةٌ وَسَبْعُونَ فَقَطْ، وَلَيْسَتْ عِلَلُهَا كُلُّهَا قَادِحَةٌ، بَلْ أَكْثَرُهَا الجَوَابُ عَنْهُ ظَاهِرٌ، وَالقَدْحُ فِيهِ مُنْدَفِعٌ، وَبَعْضُهَا الجَوَابُ عَنْهُ مُحْتَمَلٌ وَاليَسِيرُ مِنْهُ فِي الجَوَابِ عَنْهُ تَعَسُّفٌ، كَمَا شَرَحْتُهُ مُجْمَلاً فِي أَوَّلِ الفَصْلِ، وَأَوْضَحْتُهُ مُبَيِّنًا مَآثِرَ كُلِّ حَدِيثٍ مِنْهَا، فَإِذَا تَأَمَّلَ المُصَنِّفُ مَا حَرَّرْتُهُ مِنْ ذَلِكَ عَظَّمَ مِقْدَارَ هَذَا المُصَنَّفِ - صَحِيحُ البُخَارِيِّ - فِي نَفْسِهِ، وَجَلَّ تَصْنِيفُهُ فِي عَيْنِهِ، وَتَابَعَ الأَئِمَّةَ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ فِي تَلَقِّيهِ بِالقَبُولِ وَالتَّسْلِيمِ وَتَقْدِيمِهِمْ لَهُ عَلَى كُلِّ مُصَنَّفٍ فِي الحَدِيثِ وَالقَدِيمِ، وَلَيْسَا سَوَاءٌ: مَنْ يَدْفَعُ بِالصَّدْرِ لاَ يَأْمَنُ دَعْوَى العَصَبِيَّةِ، وَمَنْ يَدْفَعُ بِيَدِ الإِنْصَافِ عَلَى القَوَاعِدِ المَرْضِيَّةِ وَالضَّوَابِطِ المَرْعِيَّةِ» فَلِلَّهِ الحَمْدُ الذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلاَ أَنْ هَدَانَا اللهُ وَاللهُ المُسْتَعَانُ

стр. 238

وَعَلَيْهِ التُّكْلاَنُ» وقال الإمام النووي في " مقدمة شرح مسلم " (٢): «قَدْ اِسْتَدْرَكَ جَمَاعَةٌ عَلَى البُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ أَحَادِيثَ أَخَلاَّ بِشَرْطِهِمَا فِيهَا وَنَزَلَتْ عَنْ دَرَجَةِ مَا الْتَزَمَاهُ ... وَقَدْ أُجِيبَ عَنْ كُلِّ ذَلِكَ أَوْ أَكْثَرِهِ وَسَتَرَاهُ فِي مَوْضِعِهِ إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى». فهل ندع هذين الإمامين الكبيرين ونأخذ بتهويلات وتحريفات أَبِي رَيَّةَ؟!!. طَعْنُهُ فِي " مُسْنَدِ الإِمَامِ أَحْمَدَ " وَغَيْرِهِ مِنْ كُتُبِ المَسَانِيدِ: في [ص ٢٩١] قال في تعليل عدم ذكره " مسند الإمام أحمد " بين كتب الحديث: وأننا لم نعرض لهذا الكتاب ولا إلى غيره من كتب المسانيد بالتفصيل وهي كثيرة، إِلاَّ لأن العلماء قد تكلموا فيها وقضوا بأنه لا يسوغ الاحتجاج بها ولا التعول عليها، على أننا قد رأينا أن نتكلم عن " مسند أحمد " الذي هو أشهرها، لنبين للمسلمين حقيقته، ونكشف عن درجته». ثم أراد أن يدلل على دعواه فنقل كلام العَلاَّمَةِ الشيخ طاهر الجزائري في كتابه " توجيه النظر " حيث قال: «وأما كتب المسانيد فهي دون كتب السنن في الرتبة، وكتب المسانيد ما أفرد فيه حديث كل صحابي على حدة من غير نظر للأبواب، وقد جرت عادة مصنفيها أن يجمعوا في مسند كل صحابي ما يقع لهم من حديثه صحيحًا كان أو غيره ولذلك لا يسوغ الاحتجاج بما يورد فيها مطلقًا» وهذا الذي قاله الشيخ طاهر هو الذي سبقه إليه الإمام ابن الصلاح وغيره وقد نقل المؤلف كلام ابن الصلاح اَيْضًا. ونحن لا ننكر أن كتب المسانيد دون كتب الصحاح والسنن، ولكن الذي ننكره أشد الإنكار أن الأئمة لاَ يَحْتَجُّونَ بما فيها ولا يعولون عليه، وفرق كبير بين قولهم لا يحتج بما يورد فيها مطلقًا وبين مقالة المؤلف: إنه لا يسوغ الاحتجاج بها ولا التعويل عليها، وهذا الفرق يدركه المبتدئ من الطلاب، ولكن المؤلف يفهم بعقل منكوس وقلب مغيظ محنق، ومراد الأئمة بقولهم مطلقًا أنه لا يحتج بكل حديث فيها، وذلك لأنها تجمع بين الصحيح والحسن والضعيف، وإنما يحتج بالصحيح والحسن دون الضعيف بأنواعه، فمن ثم أوجب العلماء البحث عن درجة

стр. 239

أحاديث المسانيد والتحقق من صلاحيتها للاحتجاج، والشيء الذي لا ينبغي أن يشك فيه أن معظم أحاديث " مسند الإمام أحمد " مِمَّا يصح الاحتجاج بها فهي إما صحيحة أو حسنة، وفيه أحاديث كثيرة في " الصحيحين " وغيرهما من كتب السنن المعروفة، ونحن لا ننكر أن في " المسند " أحاديث ضعيفة بل وموضوعة على ندرة ولكن معظمها مِمَّا زاد ابنه عبد الله في " المسند " وأبو بكر القطيعي، ويقلل من خطرها أنها في الفضائل لا في الأحكام، وإذا أردت اليقين فارجع إلى طلائع " المسند " بتحقيق الأستاذ الشيخ أحمد شاكر ﵀ وَأَثَابَهُ - وستتحقق مِمَّا أقول. والعجب من المؤلف أنه شرع بعد ذلك ينقل كلام الأئمة في " مسند الإمام أحمد "، وقد ابتدأ بكلام الإمام تقي الدين أحمد بن تيمية، وكل ما نقله عن هذا الإمام يَرُدُّ عليه دعواه وخلاصة كلام ابن تيمية أنه ليس كل ما في " المسند " صحيح يحتج به، بل فيه الصحيح وغير الصحيح، وأن الإمام وغيره لا يعتمد الرواية عمن عرف بالكذب وإن كان في بعض الرواة من هم معروفون بالضعف .... » ومعاذ الله أن يريد ابن تيمية أن كل ما في " المسند " ضعيف لا يصح الاحتجاج به، ولا التعويل عليه كما فهم المؤلف، وقد استدل في كتبه بالأحاديث المتكاثرة التي رواها الإمام في " مسنده "، وغير معقول من مثله أن يحتج بما لا يرى أنه صحيح أو حسن. ومِمَّا لا يقضي منه العجب أن المؤلف قد أفاض في ذكر ما أخذه العلماء على " المسند " من أحاديث ضعيفة ولم يشر إلى كلمة واحدة مِمَّا ذكره الأئمة الثقات في بيان منزلة " المسند " واعتباره من دواوين الحديث المعتمدة، وهذا يدل على خبث الدخلة وسوء القصد. ولست الآن [بصدد] تحقيق القول في " المسند "، ولكني سأجتزئ ببعض مِمَّا ذكره العلماء في منزلته، روي عن عبد الله بن الإمام أحمد قال: قلت لأبي: لم كرهت وضع الكتب وقد عملت " المسند "؟ فقال: «عَمِلْتُ هَذَا الكِتَابَ إِمَامًا إِذَا اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي سُنَّةٍ عَنْ رَسُولِ ﷺ رَجَعُوا إِلَيْهِ» وقد روي أنه قال لابنه عبد الله لما ألفه: «اِحْتَفِظْ بِهَذَا " المُسْنَدِ " فَإِنَّهُ يَكُونُ لِلْنَّاسِ إِمَامًا» ومِمَّا لا يختلف فيه

стр. 240

اثنان أن الإمام أبعد الناس عن المجازفة في القول وإطراء كتابه بغير حق، ولو أراد الدنيا بجاهها وسلطانها لحازها بكلمة تخرج من شفتيه في (فتنه خلق القرآن) ولكنه وقف الموقف المشرف الخالد في تاريخ الإنسانية. وقال الإمام الحافظ الكبير أبو موسى المديني: «وَهَذَا الكِتَابُ - أَيْ " المُسْنَدُ " - أَصْلٌ كَبِيرٌ وَمَرْجِعٌ وَثِيقٌ لأَصْحَابِ الحَدِيثِ، اِنْتَقَى مِنْ حَدِيثٍ كَثِيرٍ وَمَسْمُوعَاتٍ وَافِرَةٍ، فَجَعَلَهُ إِمَامًا وَمُعْتَمَدًا، وَعِنْدَ التَّنَازُعِ مَلْجَأً وَمُسْتَنَدًا» وروى أنه سئل الشيخ الإمام الحافظ أبو الحسين علي ابن الشيخ الإمام الحافظ الفقيه محمد اليُونِينِي - رَحِمَهُمَا اللهُ تَعَالَى - أنت تحفظ " الكتب الستة "، فقال: «أَحْفَظُهُمَا وَمَا أَحْفَظُهُمَا» فَقِيلَ لَهُ: كَيْفَ هَذَا؟ فَقَالَ: «أَنَا أَحْفَظُ " مُسْنَدَ أَحْمَدَ "وَمَا يَفُوتُ " المُسْنَدَ مِنَ الكُتُبِ إِلاَّ قَلِيلٌ»، وقال الحافظ الكبير ابن حجر في كتابه " تعجيل المنفعة برجال الأربعة ": «لَيْسَ فِي " المُسْنَدِ " حَدِيثٌ لاَ أَصْلَ لَهُ إِلاَّ ثَلاَثَةَ أَحَادِيثَ أَوْ أَرْبَعَةَ، مِنْهَا حَدِيثُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، «أَنَّهُ يَدْخُلُ الجَنَّةَ زَحْفًا»، قَالَ: [وَالاعْتِذَارُ] عَنْهُ أَنَّهُ مِمَّا أَمَرَ أَحْمَدُ بِالضَّرْبِ عَلَيْهِ فَتُرِكَ سَهْوًا، أَوْ ضُرِبَ وَكُتِبَ مِنْ تَحْتِ الضَّرْبِ. فهل يتفق كل هذا، وما ذكره المؤلف في خاتمة كلامه عن " المسند " ص ٢٩٨ حيث قال: «هذا ما رأينا نقله مِمَّا قاله الأئمة الكبار (١) في " مسند أحمد " وهو كاف في التعريف به وبيان قيمته في نفسه، لا فيما هو مشهور عنه وأنه من المصادر التي لا يعول عليها أو يحتج بها شأنه شأن سائر المسانيد». طَعْنُهُ فِي المُحَدِّثِينَ بِأَنَّهُمْ لاَ يَعْنُونَ بِغَلَطِ المُتُونِ: في [ص ٣٠٠] ذكر أَنَّ المُحَدِّثِينَ لا يعنون بغلط المتون ونقل كَلاَمًا للشيخ طاهر الجزائري والسيد محمد رشيد رضا ولسنا مِمَّنْ يَتَعَبَّدُ بالأشخاص، ولكنا مِمَّنْ يخضعون للحق وحده».

стр. 241

رَدُّ المُؤَلِّفِ عَلَى أَبِي رَيَّةَ فِي زَعْمِهِ: هذه الدعوى قد سبق إليها المُسْتَشْرِقُونَ، وَرَدَّدَهَا مَنْ لَفَّ لَفَّهُمْ مِنَ البَاحِثِينَ المُحْدَثِينَ وهي دعوى مردودة فالعلماء المُحَدِّثُونَ قد عنوا بنقد المتون كما عنوا بنقد السَّنَدِ، ومن أقسام الحديث عندهم الموضوع والمتروك والمنكر والشاذ والمقلوب والمضطرب وَالمُعَلَّلُ، ومعظم هذه الأنواع يرجع إلى المتن كما يرجع إلى السند، وقد نقل المؤلف نفسه أَنَّ المُحَدِّثِينَ يُقَسِّمُونَ المضطرب إلى مضطرب الإسناد ومضطرب المتن وكذلك فعلوا في الموضوع وَالمُعَلَّلُ وغيرهما من الأنواع. نعم إِنَّ المُحَدِّثِينَ لم يبالغوا في نقد المتون كما بالغوا في نقد الأسانيد وذلك لنظر دقيق وَسِرٍّ يخفى على بعض البَاحِثِينَ، وقد فصلت ذلك غاية التفصيل فيما سبق. وضربت الأمثلة لعنايتهم بنقد المتون وبينت وجهة نظرهم في أنهم لم يبالغوا في نقد المتون كما بالغوا في نقد الأسانيد. وقد عرضت فيما سبق اَيْضًا لحديث سجود الشمس الذي أكثر السيد محمد رشيد رضا من استشكاله والاستشهاد به وبينت أنه صحيح رواية وصحيح معنى وأنه جاء على أسلوب في غاية الروعة والبيان فلا داعي للإعادة. وأما تعليل عدم عنايتهم بنقد المتون كالأسانيد بقصور المُحَدِّثِينَ في باب الدراية وأن ذلك ليس من صناعتهم وأنه من صناعة علماء الأصول والفقه - كما نقل المؤلف ذلك عن السيد محمد رشيد رضا - (١) فكلام مردود فكثير من أئمة الحديث قَدِيمًا وحَدِيثًا جمعوا بين الرواية والدراية،، وكثير منهم كان يحذق الأصولين - أصول الدين وأصول الفقه - وإذا كان بعض علماء الفقه والأصول تهجموا على بعض الأحاديث وَرَدُّوهَا فليس ذلك لأنهم أعلم بالمتون ولكن ذلك يرجع إلى قصورهم في باب العلم بالرواية وشروطها وعدم تمرسهم فيها كما تمرس علماء الحديث، وإذا كان بعض الرواة كانت مهمتهم الجمع والحفظ دون البصر بالمروي والفقه فيه

стр. 242

فهؤلاء قلة لا يقام لهم وزن، وَالمُحَدِّثُونَ المُحَقِّقُونَ أنفسهم قَدْ نَدَّدُوا بهم وجعلوا فقه الحديث وفهمه من آداب طالب الحديث قال ابن الصلاح في " مقدمته ": [ص ٢١٢] «لاَ يَنْبَغِي لِطَالِبِ الحَدِيثِ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى سَمَاعِ الحَدِيثِ، وَكَتْبِهِ دُونَ مَعْرِفَتِهِ، وَفَهْمِهِ، فَيَكُونُ قَدْ أَتْعَبَ نَفْسَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَظْفَرَ بِطَائِلٍ، وَبِغَيْرِ أَنْ يَحْصُلَ فِي عِدَادِ أَهْلِ الْحَدِيثِ، بَلْ لَمْ يَزِدْ عَلَى أَنْ صَارَ مِنَ المُتَشَبِّهِينَ المَنْقُوصِينَ، المُتَحَلِّينَ بِمَا هُمْ مِنْهُ عَاطِلُونَ». فهل هنالك أصرح من هذا في لزوم عناية أهل الحديث بمعنى الحديث وفقهه ومما قيل في هذا: يَا طَالِبَ الْعِلْمِ الَّذِي * ... * ... * ذَهَبَتْ بِمُدَّتِهِ الرِّوَايَهْ كُنْ فِي الرِّوَايَةِ ذَا العِنَا * ... * ... * يَةِ بِالرِّوَايَةِ وَالدِّرَايَهْ وَارْوِ القَلِيلَ وَرَاعِهِ * ... * ... * فَالْعِلْمُ لَيْسَ لَهُ نِهَايَهْ بل قالوا: يلزم العلم بعلوم العربية اَيْضًا قال ابن الصلاح: (١) «حَقٌّ عَلَى طَاِلبِ الحَدِيثِ أَنْ يَتَعلَّمَ مِنَ النَّحْوِ وَاللُّغةِ مَا يَتَخَلَّصُ بِهِ مِنْ شَيْنِ اللَّحْنِ وَالتَّحْرِيفِ وَمَعَرَّتِهِمَا، رُوِّيْنَا عَنْ شُعْبَةَ قَالَ: " مَنْ طَلَبَ الحَدِيثَ وَلَمْ يُبْصِرِ العَرَبِيَّةَ فَمَثَلُهُ مَثَلُ رَجُلٍ عَلَيْهِ بُرْنُسٌ لَيْسَ لَهُ رَأْسٌ " أَوْ كَمَا قَالَ، وَعنْ حمَّادِ بنِ سَلَمَةَ، قالَ: " مَثَلُ الذِي يَطْلُبُ الحَدِيثَ وَلاَ يَعْرِفُ النَّحْوَ، مَثَلُ الحِمَارِ عَلَيْهِ مِخْلاَةٌ لاَ شَعِيرَ فِيهَا "». مُحَاوَلَتُهُ الغَضَّ مِنْ شَأْنِ " صَحِيحِ البُخَارِي ": في [ص ٣٠٨] ذكر حديث البخاري عن شيخه خالد بن مخلد القطواني الكوفي وهو حديث «مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا .... » ثم قال في الهامش: «لما أورد الذهبي في ترجمته خالد بن مخلد القطواني من " الميزان " هذا الحديث قال: " هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ جِدًّا وَلَوْلاَ هَيْبَةَ " الجَامِعِ الصَّحِيحِ " لَعَدَدْتُهُ مِنْ مُنْكَرَاتِ ابْنِ مَخْلَدْ "». أقول: كان على المؤلف أن يعي مقدار هذه الكلمة من إمام كبير كالذهبي يعتبر من

стр. 243

أئمة الحديث ومن أهل الاستقراء التام في نقد الرجال وأن لا يسلك في مؤلفه هذا المسلك الشائن من التهجم على " صحيح البخاري " وغيره من الصحاح والسنن والمسانيد. غَمْزُهُ العُلَمَاءَ فِي قَوْلِهِمْ: «إِنَّ الصَّحَابَةَ عُدُولٌ» وَاِسْتِخْفَافُهُ بِهِمْ: في [ص ٣١٠] نقل كلام الأئمة في عدالة الصحابة وأن الجمهور على أنهم عدول وأن بساطهم قد طوى كما قال الإمام الذهبي وغيره - وقد حاول غمز الجمهور في رأيهم وأنهم ليسوا على حق. وفيما قدمته في بحث عدالة الصحابة ما يكفي ويشفي. خِيَانَةُ أََبِِي رَيَّةَ لِلأَمَانَةِ العِلْمِيَّةِ وَافْتِرَاؤُهُ عَلَى ابْنِ قُتَيْبَةَ: في هامش [ص ٣١٢] قال: وقال ابن قتيبة في " تأويل مختلف الحديث ": «قَالُوا: وَمِنْ عَجِيبِ شَأْنِهِمْ أَنَّهُمْ يَنْسُبُونَ الشَّيْخَ إِلَى الكَذِبِ وَلاَ يَكْتُبُونَ عَنْهُ مَا يُوَافِقُهُ عَلَيْهِ المُحَدِّثُونَ بِقَدْحِ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ وَعَلِيِّ بن المَدِينِيِّ وَأَشْبَاهَهُمَا. وَيَحْتَجُّونَ بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِيمَا لاَ يُوَافِقُهُ عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَقَدْ أَكْذَبَهُ عُمَرُ، وَعُثْمَانُ، وَعَائِشَةُ». أقول: وهو تدليس وخيانة للأمانة العلمية وإيهام للقارئ أنه رأى الإمام ابن قتيبة وليس الأمر كما حاول أن يلبس ويدلس وإنما هو حكاية ابن قتيبة لكلام الطاعنين في الأحاديث ورواتها من أمثال النظام وأضرابه، وقد رَدَّ ابن قتيبة - جَازَاهُ اللهُ خَيْرًا - على الطاعنين وانتصر للحديث وأهله ودافع عنهم دفاع العالم الضليع المُتَثَبِّتِ، وقد أكثر المؤلف من هذا التلبيس في كتابه وَقَدْ نَبَّهْتُ عليه في غير موضع. تَشْكِيكُهُ فِي عَدَالَةِ الصَّحَابَةِ: في [ص ٣١٢ - ٣٢٨] أخذ يبدئ ويعيد في معنى الصحبة، وعدالة الصحابة، وأخذ يوهن رأي الجمهور، وصار يتصيد كلامًا من هنا وهناك، ويحمله على غير محامله، فصار ينقل عن الشيخ المقبلي وغيره.

стр. 244

وفيما قدمته في عدالة الصحابة ما بين الحق من الباطل في هذا، وقد بينت غير مرة أن المنافقين الذين كشف الله ورسوله سترهم، ووقف المسلمون على حقيقة أمرهم، والمرتدين الذين ارتدوا في حياة النَّبِيِّ وبعد وفاته، ولم يتوبوا ويرجعوا إلى الإسلام وماتوا على ردتهم هم بمعزل من شرف هذه الصحبة وبالتالي بمعزل عن أن يكونوا من المرادين بقول جمهور العلماء والأئمة إنهم عدول، وفي تعريف العلماء للصحبة ما ينفي عنها هؤلاء وأولئك وكذلك بينت غير مرة أن العدالة شيء، والعصمة شيء آخر والذين قالوا إن الصحابة عدول لم يقولوا قط أنهم معصومون من المعاصي ولا من الخطأ والسهو والنسيان، وإنما أرادوا أنهم لا يتعمدون كَذِبًا على رسول الله ﷺ حتى الذين حُدُّوا فِي حَدٍّ أو اقترفوا إِثْمًا تابوا أو لابسوا الفتن والحروب ما كانوا ليتعمدوا الكذب على رسول الله ﷺ ، ومِمَّا ينبغي أن يعلم أن الذين قارفوا إِثْمًا ثم حُدُّوا هُمْ قلة نادرة جِدًّا لا ينبغي أن يغلب شأنهم وحالهم على حال الألوف المُؤَلَّفَةِ من الصحابة الذين ثبتوا على الجادة والصراط المستقيم، وجانبوا المآثم والمعاصي ما كبر منها وما صغر، وما ظهر وما بطن، والتاريخ الصادق أكبر شاهد على هذا. وهؤلاء الذين اتخذهم الطاعنون في عدالة الصحابة ذريعة لطعنهم بعضهم لا تعرف له رواية وبعضهم لم يعرف له إِلاَّ الحديث والحديثان والثلاثة، ومروياتهم معروفة وثابته من رواية غيرهم، فلا يتوقف على رواياتهم شيء من أصول الدين وفروعه، مِمَّا يجعل الباحث المُتَثَبِّتَ مُطْمَئِنًّا إلى ما ذهب إليه جمهور العلماء في عدالة الصحابة، وليس أدل على هذا من أنَّ بُسْرَ بْنَ أَرْطَاةَ - وهو مختلف في صحبته - الذي عرض له الشيخ المقبلي والسيد محمد رشيد رضا في كلاميهما ليس له إِلاَّ حديث في " سنن أبي داود " في عدم قطع الأيدي في السفر، وحديث آخر في الدعاء، ففي " صحيح ابن حبان " أنه سمع النَّبِيَّ ﷺ يقول: «اللَّهُمَّ أَحْسِنْ عَاقِبَتَنَا فِي الأُمُورِ كُلِّهَا وَأَجِرْنَا مِنْ خِزْيِ الدُّنْيَا، وَعَذَابِ الآخِرَةِ» (١).

стр. 245

ونحن الذين نقول بعدالته إنما أردنا في الرواية، وأما ملابسته للحروب والفتن، وانحيازه لمعاوية فهو أمور اجتهادية، وهي لا تخل بهذه العدالة، والله يغفر لنا ولهم، ويرحم الله القائل: «إِنَّ هَذِهِ دِمَاءٌ طَهَّرَ اللهُ مِنْهَا سُيُوفَنَا، فَلْنُطَهِّرْ مِنْهَا أَلْسِنَتَنَا». فلا تلق - يا أخي القارئ - بَالاً لِتَهْوِيلِ المُهَوِّلِينَ، وإرجاف المُرْجِفِينَ من المؤلفين، فإنهم - علم الله - ما أرادوا إِلاَّ تفويض بُنْيَانَ السُنَّةِ والتشكيك فيها، وذلك بالتشكيك في حَمَلَتِهَا الأُوَلِ وَمُبَلِّغِيهَا عن الرسول وَهُمْ الصحابة. سَبْقُ بَعْضِ المُحَدِّثِينَ النُقَّادِ لابِْنِ خَلْدُونَ فِي تَزْيِيفِ بَعْضَ المَرْوِيَّاتِ: في [ص ٣٣١] عرض في الخاتمة لكلام الإمام ابن خلدون في نقد المرويات وتمحيصها وبيان صحيحها من زائفها وهو كلام حسن وقويم ولا يجادل فيه أحد. ولكن أقول للمؤلف: إنَّ ما قاله ابن خلدون قد سبق إليه بعض أئمة الحديث وطبقوه بالفعل (١)، كما أحب أن أقول له: إنه كان أشد الناس مخالفة لهذه القواعد، وإنه في سبيل الوصول إلى ما يهوى ويشتهي من رأي كان يقع فيما هو معلوم بطلانه ببدائه العقول، وليس أدل على هذا من أنه صدق الرواية القائلة: إن أبا هريرة كان يأكل على مائدة معاوية، ويصلي وراء عَلِيٍّ فأي عقل يصدق هذا؟ ومعاوية كان بالشام وَعَلِيٌّ بالكوفة؟ وغير هذه كثير في كتاب المؤلف. رَدُّ مَا قِيلَ مِنْ أَنَّ الإِمَامَ أَبَا حَنِيفَةَ قَلِيلَ الرِّوَايَةِ: وقال في [ص ٣٣٤] نقلاً عن ابن خلدون قال: «إنَّ الأئمة المجتهدين تفاوتوا في الإكثار من هذه الصناعة والإقلال فأبو حنيفة ﵁ يقال بلغت روايته إلى ١٧ حَدِيثًا أو نحوها».

стр. 246

وهذا القول وإنْ كان ذكره ابن خلدون حَاكِيًا عن غيره إِلاَّ أنه غير صحيح وما كان ينبغي لابن خلدون أنْ يسكت عنه إذ في السكوت نوع من الاعتراف به والتصديق، وهو الذي تكلم في غير موضع من " مقدمته " على القواعد التي يجب أنْ تُتَّبَعَ في نقد المرويات وتمحيصها وهل يعقل من إمام كبير كأبي حنيفة قال فيه الشافعي: «النَاسُ فِي الفِقْهِ عِيَالٌ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ» أنْ تبلغ مروياته ١٧ حَدِيثًا فحسب؟ ولقد وقع ابن خلدون في ذكره لهذا القول وسكوته عنه فيما وقع فيه غيره من الذين نَدَّدَ بهم في قبول المغالط في الروايات ولم يأخذ نفسه بما وضع من قواعد، والحق أن الإمام له سبعة عشر مُسْنَدًا، وقد طبعت كلها في الهند، وها هي ذي بين أيدينا، وهو أقوى حُجَّةً على تزييف هذا القول، وهل هذا القائل سمع أنَّ له سبعة عشر مُسْنَدًا (١) أي كِتَابًا ففهم منه أنَّ المراد حَدِيثًا. ومهما قيل في تعليل الرواية عن الإمام أبي حنيفة فلن نصدق ولا العقلاء يصدقون أن مروياته كانت سبعة عشر حَدِيثًا. أَبُو رَيَّةَ طَوَّلَ كِتَابَهُ فِي غَيْرِ طَائِلٍ: في [ص ٣٤٧] قال: لما أنشأت أضع أصول هذا الكتاب لم أكن أظن أنه سيبلغ هذا المدى من الطول فاضطررت من أجل ذلك إلى أن احتجز عنه كثيرًا مِمَّا عثر البحث عنه وإن أمسك القلم عن أن يجري إلى أكثر من هذا المدى. أقول: وكيف لا يبلغ هذا المدى من الطول وأغلبه نقول وقد يصل النقل إلى بضع ورقات، وليس أدل على هذا من هذه الخاتمة التي أكثر فيها من النقول من غير أن يكون هناك داع إليها مقبول، وأيضًا فأغلب ما في الكتاب مُعَادٌ مَكْرُورٌ، وفي كل مقام يبدئ ويعيد فيما قال، ولو أحصيت ما نقله عن الأستاذ الإمام محمد عبده،

стр. 247

والسيد محمد رشيد رضا - غَفَرَ اللهُ لَهُمَا - لبلغ ثلث الكتاب أو يزيد، ولو أنصف لجعل عنوان الكتاب «نقول ونقول». ولسنا نعيب عليه أن ينقل، ولكنا نعيب عليه الإكثار من النقل من غير حاجة إليه، وأنه يضع النقل في غير مواقعه، ويحرف الكلم عن مواضعه، ثم يأتي بعد ذلك فيزعم أنه من بنات أفكاره ونتاج بحثه ويستحسن بما ليس فيه حتى أصبح كلابس ثَوْبَيْ زُورٍ (١) ولو تعرى من كثير مِمَّا لبس وتسربل لكان خَيْرًا له وأجمل. نِهَايَةُ المَطَافِ: قد كانت نهاية المطاف للمؤلف أنْ ختم الكتاب بجملة من الآيات القرآنية، وغرضه من سوقها أنْ لا حاجة لنا إلى شيء بعد كتاب الله، وتعمد ترك بعض الآيات القرآنية التي تبين منزلة السُنَّةِ من القرآن، وتحض على اتِّبَاعِ السُنَّةِ وأن لا غنى للأئمة عنها كما لا غنى لها عن القرآن الذي هو أصل الدين وذلك مثل قوله سبحانه: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (٢) ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ (٣) ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (٤). ثم صار يتصيد بعض أحاديث وأقوال للأئمة يوهم ظاهرها أن لا حاجة لنا إلى السنن والأحاديث بعد كتاب الله، بلغ أمره أن قال: إن سنة الرسول هي المتواترة، وهي السنن العملية، أما إطلاقها على ما يشمل الأحاديث فاصطلاح حادث. وهو جهل فاضح لا يجهله الطالب المبتدئ ولو قصرنا السُنَّةَ على المتواترة العملية لفرطنا في آلاف الأحاديث القولية التي نقلت عن الرسول - صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلاَمُهُ عَلَيْهِ - في الأحكام والأخلاق والمواعظ وإطلاق الأحاديث وإرادة السنن، وإطلاق السنن وإرادة الأحاديث ليس اصطلاحًا حادثًا كما زعم وإنما هو أمر معروف في الصدر الأول، فهذا هو عمر بن عبد العزيز يكتب إلى عامله على المدينة أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم «انْظُرْ مَا كَانَ مِنْ حَدِيثِ رَسُولِ اللهِ فَاجْمَعْهُ ... » فهل

стр. 248

كان خامس الراشدين عمر يريد بالأحاديث ما عدا السنن العملية؟ وماذا يقول المؤلف فيما رواه البيهقي في " المدخل " عَنْ عُرْوَةَ «أَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَرَادَ أَنْ يَكْتُبَ السُّنَنَ فَاسْتَشَارَ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَشَارُوا عَلَيْهِ أَنْ يَكْتُبَهَا» ... الحديث، فهل كان الفاروق عمر يريد بالسنن السنن العملية فحسب؟ الحق أن لا، لأن السنن العملية - كما قلت - ثابته بالتواتر الفعلي فهي إِذًا ليست في حاجة إلى الكتابة والتقييد. وإنما أراد الفاروق بالسنن ما يعم القولية والعملية، وقد أكثر المؤلف في خاتمة كتابه من ذكر استنتاجات جعلها بمنزلة القواعد الكلية أو الأصول المتفق عليها وهي نتائج فاسدة نتيجة لما قدم من مقدمات فاسدة وهل ينتج الفاسد إِلاَّ الفاسد؟ وقد لا تعثر فيما ذكره على قاعدة مُسَلَّمَةٍ أو أصل متفق عليه وإنما هي أمور خالها فزعمها قواعد وأصولاً. وكنا نحب من المؤلف أن يتعقل في خاتمته ويثوب إلى رشده، ولكنه أَبَى إِلاَّ أن تكون خاتمة سيئة تكشف لنا عن خبث طويته، وإصراره على باطله وماذا نملك له ولغيره، وفتنة الحياة وزخارفها وغلبة الأهواء والشهوات، وبريق الدينار والدرهم تأبى إِلاَّ أن تجعل من بعض الأناسي أَبْوَاقًا تردد الهجر من القول، ولعبة في يد المستعمرين وأعداء الإسلام من المُبَشِّرِينَ والمُسْتَشْرِقِينَ وَأَذْنَابَهُمْ، وصدق اللهُ حيث يقول: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ﴾ (١) ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ (٢). وَبَعْدُ: فهنا يا أخي القارئ سألقي القلم فقد وفيت بما وعدت من إظهار حقيقة هذا الكتاب، ولعلك استبان لك - كما استبان لي - هذا الكتاب على حقيقته وأن مؤلفه لم يقصد من ورائه إِلاَّ الطعن في السُنَّةِ وَالأَحَادِيثِ والتقليل من شأنها، والغض من

стр. 249

قيمة كتب الأحاديث ودواوينه المشهورة، وأنه إذا كان فيه حق قليل، ففيه باطل وغث كثير. ولعلك تحققت - اَيْضًا - أن المؤلف تابع لغيره، وبوق يردد ما قاله المُسْتَشْرِقُونَ وَالمُبَشِّرُونَ، وأنه عار عن التحقيق وصفة البحث العلمي الصحيح، وإنما هي دعاوى واتهامات ليس لها ما يسندها، ولا ما يدل عليها، فلا تلق بَالاً لما فيه من أباطيل، وعليك بما كتبه الأئمة المُحَقِّقُونَ من رجال الحديث ففيه الغناء والشفاء. والحمد لله في النهاية كما حمدناه في البداية، والشكر له على ما أنعم ووفق، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، وما توفيقي إِلاَّ بالله عليه توكلت وإليه أنيب، وصلى الله على سيدنا محمد النَّبِي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. وكان الفراغ من تأليف هذا الكتاب الذي نرجو من الله ثوابه في صبيحة يوم الخميس قُبيل الفجر ٢٥ من شوال سَنَةَ ١٣٧٩ هـ الموافق ٢٠ من أبريل سَنَةَ ١٩٦٠ م. وكان الفراغ من تبييضه في يوم الجمعة المبارك التاسع من رمضان سَنَةَ ١٣٨٠ هـ الموافق اليوم الرابع والعشرين من فبراير سَنَةَ ١٩٦١ م. أبو محمد محمد محمد أبو شبهة - عَفَا اللهُ عَنْهُ وَغَفَرَ لَهُ -

стр. 250

[القِسْمُ الثَّانِي]: بَعْضُ الشُّبَهِ الوَارِدَةِ عَلَى السُنَّةِ قَدِيمًا وَحَدِيثًا وَرَدِّهَا رَدًّا عِلْمِيًّا صَحِيحًا: (*)
следующие страницы →