وهذا القول وإنْ كان ذكره ابن خلدون حَاكِيًا عن غيره إِلاَّ أنه غير صحيح وما كان ينبغي لابن خلدون أنْ يسكت عنه إذ في السكوت نوع من الاعتراف به والتصديق، وهو الذي تكلم في غير موضع من " مقدمته " على القواعد التي يجب أنْ تُتَّبَعَ في نقد المرويات وتمحيصها وهل يعقل من إمام كبير كأبي حنيفة قال فيه الشافعي: «النَاسُ فِي الفِقْهِ عِيَالٌ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ» أنْ تبلغ مروياته ١٧ حَدِيثًا فحسب؟ ولقد وقع ابن خلدون في ذكره لهذا القول وسكوته عنه فيما وقع فيه غيره من الذين نَدَّدَ بهم في قبول المغالط في الروايات ولم يأخذ نفسه بما وضع من قواعد، والحق أن الإمام له سبعة عشر مُسْنَدًا، وقد طبعت كلها في الهند، وها هي ذي بين أيدينا، وهو أقوى حُجَّةً على تزييف هذا القول، وهل هذا القائل سمع أنَّ له سبعة عشر مُسْنَدًا (١) أي كِتَابًا ففهم منه أنَّ المراد حَدِيثًا.
ومهما قيل في تعليل الرواية عن الإمام أبي حنيفة فلن نصدق ولا العقلاء يصدقون أن مروياته كانت سبعة عشر حَدِيثًا.
أَبُو رَيَّةَ طَوَّلَ كِتَابَهُ فِي غَيْرِ طَائِلٍ:
في [ص ٣٤٧] قال: لما أنشأت أضع أصول هذا الكتاب لم أكن أظن أنه سيبلغ هذا المدى من الطول فاضطررت من أجل ذلك إلى أن احتجز عنه كثيرًا مِمَّا عثر البحث عنه وإن أمسك القلم عن أن يجري إلى أكثر من هذا المدى.
أقول:
وكيف لا يبلغ هذا المدى من الطول وأغلبه نقول وقد يصل النقل إلى بضع ورقات، وليس أدل على هذا من هذه الخاتمة التي أكثر فيها من النقول من غير أن يكون هناك داع إليها مقبول، وأيضًا فأغلب ما في الكتاب مُعَادٌ مَكْرُورٌ، وفي كل مقام يبدئ ويعيد فيما قال، ولو أحصيت ما نقله عن الأستاذ الإمام محمد عبده،
стр. 247
والسيد محمد رشيد رضا - غَفَرَ اللهُ لَهُمَا - لبلغ ثلث الكتاب أو يزيد، ولو أنصف لجعل عنوان الكتاب «نقول ونقول».
ولسنا نعيب عليه أن ينقل، ولكنا نعيب عليه الإكثار من النقل من غير حاجة إليه، وأنه يضع النقل في غير مواقعه، ويحرف الكلم عن مواضعه، ثم يأتي بعد ذلك فيزعم أنه من بنات أفكاره ونتاج بحثه ويستحسن بما ليس فيه حتى أصبح كلابس ثَوْبَيْ زُورٍ (١) ولو تعرى من كثير مِمَّا لبس وتسربل لكان خَيْرًا له وأجمل.
نِهَايَةُ المَطَافِ:
قد كانت نهاية المطاف للمؤلف أنْ ختم الكتاب بجملة من الآيات القرآنية، وغرضه من سوقها أنْ لا حاجة لنا إلى شيء بعد كتاب الله،
وتعمد ترك بعض الآيات القرآنية التي تبين منزلة السُنَّةِ من القرآن، وتحض على اتِّبَاعِ السُنَّةِ وأن لا غنى للأئمة عنها كما لا غنى لها عن القرآن الذي هو أصل الدين وذلك مثل قوله سبحانه: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (٢) ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ (٣) ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (٤).
ثم صار يتصيد بعض أحاديث وأقوال للأئمة يوهم ظاهرها أن لا حاجة لنا إلى السنن والأحاديث بعد كتاب الله، بلغ أمره أن قال: إن سنة الرسول هي المتواترة، وهي السنن العملية، أما إطلاقها على ما يشمل الأحاديث فاصطلاح حادث.
وهو جهل فاضح لا يجهله الطالب المبتدئ ولو قصرنا السُنَّةَ على المتواترة العملية لفرطنا في آلاف الأحاديث القولية التي نقلت عن الرسول - صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلاَمُهُ عَلَيْهِ - في الأحكام والأخلاق والمواعظ وإطلاق الأحاديث وإرادة السنن، وإطلاق السنن وإرادة الأحاديث ليس اصطلاحًا حادثًا كما زعم وإنما هو أمر معروف في الصدر الأول، فهذا هو عمر بن عبد العزيز يكتب إلى عامله على المدينة أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم «انْظُرْ مَا كَانَ مِنْ حَدِيثِ رَسُولِ اللهِ فَاجْمَعْهُ ... » فهل
стр. 248
كان خامس الراشدين عمر يريد بالأحاديث ما عدا السنن العملية؟ وماذا يقول المؤلف فيما رواه البيهقي في " المدخل " عَنْ عُرْوَةَ «أَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَرَادَ أَنْ يَكْتُبَ السُّنَنَ فَاسْتَشَارَ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَشَارُوا عَلَيْهِ أَنْ يَكْتُبَهَا» ... الحديث، فهل كان الفاروق عمر يريد بالسنن السنن العملية فحسب؟ الحق أن لا، لأن السنن العملية - كما قلت - ثابته بالتواتر الفعلي فهي إِذًا ليست في حاجة إلى الكتابة والتقييد.
وإنما أراد الفاروق بالسنن ما يعم القولية والعملية، وقد أكثر المؤلف في خاتمة كتابه من ذكر استنتاجات جعلها بمنزلة القواعد الكلية
أو الأصول المتفق عليها وهي نتائج فاسدة نتيجة لما قدم من مقدمات فاسدة وهل ينتج الفاسد إِلاَّ الفاسد؟ وقد لا تعثر فيما ذكره على قاعدة مُسَلَّمَةٍ أو أصل متفق عليه وإنما هي أمور خالها فزعمها قواعد وأصولاً.
وكنا نحب من المؤلف أن يتعقل في خاتمته ويثوب إلى رشده، ولكنه أَبَى إِلاَّ أن تكون خاتمة سيئة تكشف لنا عن خبث طويته، وإصراره على باطله وماذا نملك له ولغيره، وفتنة الحياة وزخارفها وغلبة الأهواء والشهوات، وبريق الدينار والدرهم تأبى إِلاَّ أن تجعل من بعض الأناسي أَبْوَاقًا تردد الهجر من القول، ولعبة في يد المستعمرين وأعداء الإسلام من المُبَشِّرِينَ والمُسْتَشْرِقِينَ وَأَذْنَابَهُمْ، وصدق اللهُ حيث يقول: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ﴾ (١) ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ (٢).
وَبَعْدُ:
فهنا يا أخي القارئ سألقي القلم فقد وفيت بما وعدت من إظهار حقيقة هذا الكتاب، ولعلك استبان لك - كما استبان لي - هذا الكتاب على حقيقته وأن مؤلفه لم يقصد من ورائه إِلاَّ الطعن في السُنَّةِ وَالأَحَادِيثِ والتقليل من شأنها، والغض من
стр. 249
قيمة كتب الأحاديث ودواوينه المشهورة، وأنه إذا كان فيه حق قليل، ففيه باطل وغث كثير.
ولعلك تحققت - اَيْضًا - أن المؤلف تابع لغيره، وبوق يردد ما قاله المُسْتَشْرِقُونَ وَالمُبَشِّرُونَ، وأنه عار عن التحقيق وصفة البحث العلمي الصحيح، وإنما هي دعاوى واتهامات ليس لها ما يسندها، ولا ما يدل عليها، فلا تلق بَالاً لما فيه من أباطيل، وعليك بما كتبه الأئمة المُحَقِّقُونَ من رجال الحديث ففيه الغناء والشفاء.
والحمد لله في النهاية كما حمدناه في البداية، والشكر له على ما أنعم ووفق، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، وما توفيقي إِلاَّ بالله عليه توكلت وإليه أنيب، وصلى الله على سيدنا محمد النَّبِي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.
وكان الفراغ من تأليف هذا الكتاب الذي نرجو من الله ثوابه في صبيحة يوم الخميس قُبيل الفجر ٢٥ من شوال سَنَةَ ١٣٧٩ هـ الموافق ٢٠ من أبريل سَنَةَ ١٩٦٠ م.
وكان الفراغ من تبييضه في يوم الجمعة المبارك التاسع من رمضان سَنَةَ ١٣٨٠ هـ الموافق اليوم الرابع والعشرين من فبراير سَنَةَ ١٩٦١ م.
أبو محمد محمد محمد أبو شبهة
- عَفَا اللهُ عَنْهُ وَغَفَرَ لَهُ -
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
[١] [هَلْ أَدْخَلَ مُسْلِمَةُ أَهْلِ الكِتَابِ أَقْوَالاً مِنَ الإِنْجِيلِ عَلَى أَنَّهَا أَحَادِيثَ ؟]:
قال صاحب " ضحى الإسلام " ج ١ ص ٣٤٠ ط أولى:
«كذلك أدخل مسلمة أهل الكتاب أقوالا من الإنجيل دست على أنها أحاديث لرسول الله ﷺ ، وقد مثل الأستاذ " جولدتسيهر " لما دخل على النصرانية في الحديث، بحديث «وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ، أَخْفَى حَتَّى لاَ تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ» وحديث، قال لنا رسول الله ﷺ «إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً وَأُمُورًا تُنْكِرُونَهَا» قَالُوا: فَمَا تَأْمُرُنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «أَدُّوا إِلَيْهِمْ حَقَّهُمْ، وَسَلُوا اللَّهَ حَقَّكُمْ» فقد أخذ مما ورد في إنجيل متى: «أُعْطُوا مَا لِقَيْصَرَ لِقَيْصَرَ، وَمَا للهِ للهِ»، وكذا الإمعان في تفضيل الفقراء على الأغنياء، فإذن هذا نظر نصراني، وقد ورد في الحديث «يَدْخُلُ فُقَرَاءُ أُمَّتِي الْجَنَّةَ قَبْلَ أَغْنِيَائِهَا بِخَمْسِمِائَةِ عَامٍ» إلى آخر ما قال.
ومع أن صاحب " الضحى " رَدَّ على أصل الفكرة لكنه سكت عن هذه الأحاديث التي مثل بها، ولم يبين أنها أحاديث صحيحة، فكان من اللازم عَلَيَّ - وأنا أَرُدُّ الشبهات عن السُنَّةِ - أن أَرُدَّ رَدًّا وافيًا مبينًا أن هذه الأحاديث ليست كما زعم " جولدتسيهر " ومتابعوه، فأقول مستعينًا بالله:
[١] إننا معاشر أهل الحديث - مع موافقتنا لجولدتسيهر في أن بعض الأفراد الإسرائيلية والمسيحية قد دس بعضها في الحديث، ولكنا نقول: إن علماء
стр. 252
الإسلام ونقاده بينوا ذلك قبل أن يوجد " جولدتسيهر " ومتابعوه ببضعة قرون، ومن قرأ ما كتبه العلماء المؤلفون في علوم الحديث ومصطلحه، والمؤلفون في «علم الرجال»، والمؤلفون في " شروح الأحاديث "، والمؤلفون في " تخاريج الكتب " وما ألفه بعض العلماء الذين لهم بصر بالنقد، كابن كثير، وابن القيم، والذهبي، وشيخهم ابن تيمية وما ألفه الحافظ العراقي، وما ألفه الحافظ ابن حجر يقف على كثير مِمَّا بَيَّنُوا أن أصله من الإسرائيليات أو من غير الإسرائيليات، وقد وزنوا الروايات بميزان دقيق لا يحيف ولا يجور.
قال في " تدريب الراوي شرح تقريب النواوي: «وربما أسند الواضع كلاما لنفسه كأكثر الموضوعات، أو لبعض الحكماء أو الزهاد، أو الإسرائيليات (١)، كحديث " المَعِدَةُ بَيْتُ الدَّاءِ وَالحمية رأس كل دواء " لا أصل له من كلام النبي ﷺ ، وإنما هو من كلام بعض الأطباء قيل: إنه الحارث بن كلدة طبيب العرب ومثله العراقي في " شرح الألفية " بحديث " حُبُّ الْدُّنْيَا رَأُسُ كُلِّ خَطِيْئَةٍ " قال: فإنه إما من كلام مالك بن دينار، كما رواه ابن أبي الدنيا في " مكايد الشيطان " بإسناده إليه، أومن كلام عيسى ﵇، كما رواه البيهقي في " الزهد "، ولا أصل له من حديث النبي ﷺ ... " (٢) وقد قال الإمام ابن تيمية في الحديث المزعوم «مَا وَسِعَنِي سَمَائِي وَلاَ أَرْضِي، وَلَكِنْ وَسِعَنِي قَلْبُ عَبْدِي الْمُؤْمِنِ» هو من الإسرائيليات، وليس له أصل معروف عن النبي ﷺ .
ولكن الذي ننكره عليه وعلى متابعيه أنهم استدلوا بأحاديث صحيحة، ولو أنهم مثلوا بما قبل به العلماء المحدثون النقاد لما كان لنا اعتراض عليهم، ولكن كيف؟! وهم يريدون الإفساد في السنة والتشكيك فيها جملة؟ وهذا هو غرضهم الأول من بحوثهم الاستشراقية.
[٢] ليس من الإنصاف في شيء أن نقول: إن ما وجد في الدين الإسلامي، ووجد في اليهودية أو النصرانية أن يكون مأخوذا منها، فقد توافق القرآن الكريم الذي
стр. 253
لا شك في تواتره، وصونه عن أي تحريف والتوراة والإنجيل في بعض التشريعات، والأخلاقيات والقصص، فهل معنى هذا أنه مأخوذ منها؟ أعتقد أن الجواب بالنفي ومما ينبغي أن يعلم أن الشرائع السماوية مردها إلى الله سبحانه، وأن العقائد، والفضائل الثابتة، والضروريات التي لا تختلف باختلاف الأزمان، ولا باختلاف الرسالات أمور مقررة في كل دين وصدق الله: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلاَ تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ (١) وقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ (٢) وقال عز من قائل: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ (٣) وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ .... ﴾ (٤) لكن هذه الأصول، والفضائل، والأخلاقيات، والضروريات جاءت في الدين الإسلامي أوفى ما تكون وأكمل ما تكون، وأصلح ما تكون لكل زمان ومكان ولما كان الأمر كذلك فليس في العقل، ولا في الشرع ما يمنع أن تتوافق في بعض التشريعات، وفي بعض الأخلاقيات، وما حرف من الكتب السماوية السابقة لم يحرف جميعه. وقد كان القرآن الكريم - بحكم أنه سلم من التحريف والتبديل وتوفرت الدواعي والأسباب لوصوله إلى الأمة الإسلامية كما أنزله الله ﵎ مهيمنا أي شاهدا على الكتب السماوية السابقة، فما وافقه منها فهو حق، وما خالفه فهو باطل.
فمثلاً، مسألة العفو والتسامح جاءت بها النصرانية، وأكثر سيدنا عيسى ﵇ من الدعوة إليها وذلك ليكون بمثابة التقليل من شأن الظلم، والتعدي على الدماء والأعراض، والأموال التي بلغ فيها اليهود الغاية.
стр. 254
ثم جاء الإسلام الدين العام الخالد فأباح الاقتصاص ومقابلة السيئة بالسيئة، ولكنه إلى جانب ذلك حَبَّبَ في العفو، وفي الترغيب في الصفح عن الإساءة في غير ما آية، فهل معنى هذا أن القرآن تأثر في هذا بالمسيحية في العفو والتسامح؟!
ومن ذلك تشريع إخفاء الصدقة، فهو أمر ليس خَاصًّا بالمسيحية، ولا بغيرها، وإنما هو من الأمور التي تتفق فيها الأديان، فهذا هو الله ﵎ يقول في القرآن الكريم: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ (١) فكيف بعد هذا يدعي " جولدتسيهر " ومتابعوه أن ذلك من أثر المسيحية في الإسلام.
ومن ذلك تشريع تبجيل الفقير، والتنويه بشأنه ليست مسيحية صرفة كما زعم فالإسلام، واليهودية والنصرانية تشترك في ذلك، وقاعدة المجازاة على الأعمال أمر مشترك بين الأديان جميعا وصدق الله حيث يقول: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى، أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى، وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى﴾ (٢). والفقير والغني في هذا سواء، وقد يبلغ الفقير بصدق إيمانه، وإخلاصه وجهاده بنفسه، وبما قل من ماله ما لا يبلغه الغني، وقد يبلغ الغني الشاكر القائم بحقوق الله وحقوق العباد ما لا يبلغه الفقير، وقد بلغ بعض أثرياء المسلمين من الفضائل، والفضيلة والسبق ما لا يبلغه غيرهم من الفقراء وذلك كالصديق أبي بكر وعثمان بن عفان، وعبد الرحمن بن عوف رضوان الله عليهم أجمعين، فالأمر إذا ليس أمر غنى وفقر.
وفي القرآن الكريم آيات ترفع من شأن الفقير ومنزلته عند ربه، قال تعالى في الأنصار رضوان الله عليهم: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٣) وقال تعالى في شأن المهاجرين: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ (٤).
стр. 255
وعلى غرار ما جاء في القرآن الكريم جاءت الأحاديث النبوية في " الصحيحين " وغيرهما من كتب الأحاديث والسنن.
وإذا كان الأمر كذلك فقد انهار الأساس الذي عليه بنى " جولدتسيهر " ومتابعوه رأيهم. فانهار كل ما مثلوا به، وإليكم بيان منزلة الأحاديث الذي ذكرها للتمثيل لفكرته.
[٣] أما حديث «وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ، فَأَخْفَى حَتَّى لاَ تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ» فهو جزء من الحديث الشريف «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ، يَوْمَ لاَ ظِلَّ إِلاَّ ظِلُّهُ ... » وقد رواه الإمامان الجليلان البخاري ومسلم بالأسانيد الصحيحة المتصلة المرفوعة إلى النبي ﷺ (١).
وقد أخرجه اَيْضًا الترمذي في " كتاب الزهد " وأخرجه النسائي في " القضاء " " وفي الرقاق ".
والحديث الثاني: حديث عبد الله بن مسعود عن النَّبِيِّ ﷺ قال «سَتَرَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً وَأُمُورًا تُنْكِرُونَهَا ... » وقد رواه البخاري ومسلم اَيْضًا (٢) وهو حديث صحيح لا مطعن فيه في سنده، ولا في متنه والمراد به تحذير المسلمين من القيام بالفتن والثورات إذا ما وجدوا من الحكام استئثارًا بشيء من أمور الدنيا ومنعهم بعض حقوقهم، أو وجدوا منهم أمورًا ينكرونها مما يتعلق بالدين ما لم يروا كفرا بَوَاحًا عندهم فيه من الله برهان كما في الحديث الآخر الذي رواه الشيخان (٣) في " صحيحيهما "، وَالأَثَرَةُ بفتح الهمزة والثاء الاستئثار عليهم بحقوقهم أو ببعضها وهي نظرة حكيمة، فلو أن الإسلام أباح القيام في وجوه الحكام والأمراء لأدنى جور لصار المجتمع الإسلامي سلسلة من الدماء، إذ ما من حاكم مهما بلغ
стр. 256
من العدل إلا وله هنات، ثم مَنْ مِنَ الحكام والأمراء من يكون مَرْضِيًّا عنه غاية الرضا من كل الرعية؟! والناس شأنهم كما قال الله: ﴿فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ﴾ (١).
والمراد بإعطائهم حقهم، أن يعطوهم ما ألزمهم به الشارع الحكيم نحوهم من حق خاص أو عام، كحق الزكاة والخروج في الجهاد، والإنفاق في سبيل الله، وتمكينهم من تنفيذ الأحكام، وإقامة الحدود، والسمع والطاعة لهم ما لم يروا كُفْرًا بَوَاحًا عندهم من الله فيه برهان، والمراد بقوله ﷺ : " وَالعَدْلَ وَتَسْأَلُونَ اللهَ الذِي لَكُمْ " أي تسألون الله أن يوفي الحق الذي لكم من الغنيمة والفيء، ونحوهما مما هو من حقوق الرعية على الراعي، ولا تقاتلوهم لاستيفاء حقكم، وكلوا أمرهم، إلى الله، وسينتصر الله تعالى لكم، ويقضي عليهم.
وهذا المعنى الذي أراده النبي ﷺ من الحديث غير المعني الذي أراد السيد المسيح ﷺ من قوله: «أُعْطُوا مَا لِقَيْصَرَ لِقَيْصَرَ، وَمَا للهِ للهِ» (٢). ولو سلمنا أنه هو فليس بلازم أن يكون مأخوذا منه، فكل من نبينا محمد ﵊ والسيد المسيح ﵊ نبي يوحى إليه من ربه، ويكون من الأمور التي توافقت فيها الشرائع وبحسبنا ما ذكرته آنفا في هدم الأساس الذي بنى عليه " جولدتسيهر " دعاواه، وادعاءاته وأما حديث «يَدْخُلُ فُقَرَاءُ أُمَّتِي الْجَنَّةَ قَبْلَ أَغْنِيَائِهَا بِخَمْسِمِائَةِ عَامٍ» فقد رواه الإمام أحمد والترمذي، وابن ماجه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ وقد قال فيه الترمذي: حديث حسن صحيح، وقد قلت: إنه من الجائز جِدًّا أن تتوافق بعض الشرائع في مثل هذا وهو تكريم الفقراء، وبيان فضلهم، وذلك بشرط إيمانهم وصلاحهم، وتقواهم، واستقامتهم وتحملهم الشدائد، وصبرهم على المكاره، وإلا فالأغنياء الشاكرون مقدمون عليهم.
стр. 257
[٢] [رَمْيُهُمْ لِلْمُحَدِّثَينَ وَالطَّعْنِ بِالجُبْنِ وَالخَوْفِ]:
في كتاب " ضحى الإسلام " ج ٢ ص ١٢٢:
وقد لاحظ بعض المستشرقين أن " مسند أحمد " تتجلى فيه الشجاعة وعدم الخوف من العباسيين بذكر أحاديث في مناقب بني أمية، مما كان منتشرًا بين الشاميين وكان على العكس من ذلك البخاري ومسلم فإنهما لم يذكراها مداراة للعباسيين، كما أن " مسند أحمد " لم يتحرج من ذكر أحاديث كثيرة في مناقب علي وشيعته.
وقد رد هذا الرأي صاحب " الضحى "، وقد رأيت أن أرد على هذا الافتراء رَدًّا مُفَصَّلاً فأقول:
الرَدُّ عَلَى هَذِهِ الشُبْهَةِ:
[١] إن الغرض الذي يهدف إليه هذا المستشرق من هذا الكلام هو الطعن في أئمة الحديث وجامعيه بالجبن والخوف، وأنهم كانوا يستميلون الحكام، ويطلبون رضاهم بوضع الأحاديث في فضائلهم ومثالب أعدائهم ليصل إلى ما يريد وهو الطعن في صحة هذه الكتب، والتشكيك فيها ليصلوا من ذلك إلى تقليل الثقة بكتب الأحاديث من صحاح، وسنن ومسانيد، ومعاجم وغيرها وإذا تم لهم ذلك فقد انهدم الركن الثاني من أركان التشريع في الإسلام، وإذا ما انهدم هذا الركن فقد يستعجم فهم القرآن الكريم على المسلمين وإذا ما انهدم الركن الثاني، واستعجم فهم القرآن فقل على الإسلام العفاء، ولن يكون ذلك أبدًا إن شاء الله تعالى ما دام هناك في المسلمين علماء عاملون محبون للسنن والأحاديث قادرون على رد الشبه عنها.
[٢] إن الأمر ليس أمر خوف وشجاعة ولا أمر مداراة ومداهنة ولكن الأمر أمر شروط والذين ألفوا في جمع الحديث والسنن قد شرطوا لتخريج الأحاديث في دواوينهم شروطا التزموا بها ولم يحيدوا عنها وهؤلاء ليسوا سواء فمنهم المبالغ المتشدد الذي لا يخرج إلا ما ثبتت صحته كأصحاب الصحاح وعلى رأسهم البخاري ومسلم
стр. 258
ومنهم المتساهل بعض الشيء ولا سيما في الفضائل كأصحاب السنن والمسانيد وذلك مثل الإمام أحمد في " مسنده " والترمذي في " جامعه " وابن ماجه " في سننه " وهذا هو السر في أن الإمام أحمد خرج في فضائل بني أمية أكثر مما خرجه البخاري ومسلم في " صحيحيهما ".
[٣] مما ينقض هذا الزعم الباطل المبني على الحدس والتخمين لا على التحقيق العلمي الصحيح أن البخاري ومسلمًا أخرجا في " صحيحيهما " أحاديث في فضائل بني أمية، فقد ذكر في فضائل الخليفة الراشد عثمان ﵁ أحاديث كثيرة، وهو يعتبر من شجرة بني أمية (١) وبالانتصار له انحاز إليهم كثيرون.
وذكر البخاري في كتاب فضائل الصحابة باب ذكر معاوية بن أبي سفيان، وما ذكره في فضائل معاوية ﵁ أكثر مما ذكره في فضائل كل من العباس وابنه ﵄، وكما قال في معاوية: باب ذكر معاوية، قال في فضل العباس: باب ذكر العباس بن عبد المطلب، وكذلك قال في ابنه عبد الله: باب ذكر عبد الله بن العباس ﵄، وما ذكره في فضائل معاوية أكثر مما ذكره في فضائل العباس وكذلك فعل مسلم فذكر فضائل أبي سفيان بن حرب والد معاوية، حيث ذكر حديث أبي سفيان بن حرب لما قال للنبي ﷺ بعد أن أسلم ليلة الفتح: «ثَلاَثٌ أَعْطِنِيهِنَّ ... » الحديث. فلو كان الأمر أمر خوف ومداهنة لأكثرا من فضائل العباس وابنه، لأنهما جَدَّا العباسيين، ولكن الأمر جاء على خلاف ذلك، ومن هذا العرض الوجيز يتبين لنا جَلِيًّا أن الأمر ليس أمر جبن وخوف ولا أمر شجاعة وصراحة، وإنما الأمر أن شروط الشيخين شديدة فمن ثم لم يصح عندهما في فضائل معاوية ولا أبيه: إلا أحاديث قليلة بخلاف الإمام الجليل أحمد فإن شروطه دون ذلك، وقد روى عنه ﵁ أنه كان يقول: «نَحْنُ إِذَا رَوِينَا فِي الحَلاَلِ وَالْحَرَامِ شَدَّدْنَا،
стр. 259
وَإِذَا رَوِينَا فِي الفَضَائِلِ تَسَاهَلْنَا» فمن ثم كانت أحاديثه في بني أمية أكثر من أحاديث الشيخين، البخاري ومسلم.
[٤] ومما ينقض هذا الزعم الباطل اَيْضًا أن البخاري ومسلما أخرجا في فضائل عَلِيٍّ ﵁ وآل بيته أحاديث كثيرة تعتبر أكثر مما ذكراه في فضائل العباس وابنه عبد الله ﵄، ومن يرجع إلى فضل عَلِيٍّ وآل بيته في " الصحيحين " يتحقق ذلك غاية التحقق، فقد ذكر كل من البخاري ومسلم في " صحيحيهما " بابا لفضائل عَلِيٍّ، وبابا لفضائل الحسن والحسين (١)، وخلفاء بني العباس كانوا يعتبرون العلويين مناوئين لهم، فلو كان الأمر أمر خوف ومداهنة للعباسيين لما ذكرا في " صحيحيهما " شيئا من ذلك.
وذلك مثل ما روياه في " صحيحيهما " من قول النبي لعلي: «أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى، إِلاَّ أَنَّهُ لاَ نَبِيَّ بَعْدِي» ومثل قوله ﷺ في حصار خيبر «لأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ غَدًا رَجُلا يُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ - أَوْ [قَالَ]: يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ -» ثم بعد ذلك أعطاها لِعَلِيٍّ ففتح الله عليه ومثل ما رواه البخاري في قصة بنت حمزة واختصام علي، وجعفر، وزيد بن حارثة فيها فقد قال رسول الله ﷺ لِعَلِيٍّ: «أَنْتَ مِنِّي وَأَنَا مِنْكَ».
ومثل ما رواه مسلم في " صحيحه " من حديث عَلِيٍّ نفسه قال: وَالَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ، وَبَرَأَ النَّسَمَةَ، إِنَّهُ لَعَهْدُ النَّبِيِّ [الأُمِّيِّ] ﷺ إِلَيَّ: «أَنْ لاَ يُحِبَّنِي إِلاَّ مُؤْمِنٌ، وَلاَ يُبْغِضَنِي إِلاَّ مُنَافِقٌ» (*) وله شاهد من حديث أم سلمة ﵁ عند الإمام أحمد (٢).
стр. 260
[٣] [قَوْلُهُمْ إِنَّ المُحَدِّثِينَ لَمْ يَتَوَسَّعُوا فِي نَقْدِ المَتْنِ]:
قال صاحب " ضحى الإسلام " ج ٢ ص ١٣٠، ١٣١ في أثناء التكلم على نقد المحدثين للحديث: «لكنهم لم يتوسعوا كثيرا في النقد الداخلي - يعني نقد المتن - فلم يعرضوا لمتن الحديث: هل (كذا) ينطبق على الواقع أم لا؟.
مثال ذلك: ما رواه الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «الكَمْأَةُ (١) مِنَ المَنِّ، وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ، وَالعَجْوَةُ مِنَ الجَنَّةِ وَهِيَ شِفَاءٌ مِنَ السُّمِّ» فهل اتجهوا في نقد الحديث إلى امتحان الكمأة، وهل فيها ترياق؟ نعم: إنهم رووا أن أبا هريرة قال: «أَخَذْتُ ثَلاَثَةَ أَكْمُؤٍ أَوْ خَمْسًا، أَوْ سَبْعًا فَعَصَرْتُهُنَّ فِي قَارُورَةٍ وَكَحَلْتُ بِهِ جَارِيَةً لِي عَشْمَاءُ فَبَرَأَتْ» (٢) ولكن هذا لا يكفي لصحة الحديث، فتجربة جزئية لا تكفي منطقيا لإثبات الشيء في ثبت الأدوية، وإنما الطريق أن تجرب مِرَارًا، وخير من هذا أن تحلل لتعرف عناصرها، فإذا لم يكن التحليل في ذلك العصر ممكنا فلتكن التجربة مع الاستقراء، فكان هذا طريقا لمعرفة صحة الحديث أو وضعه».
والجواب:
[١] إن هذا الحديث صحيح روي في أصح كتب الحديث وأوثقها، وهما
стр. 261
" الصحيحان " ورواه غيرهما كالترمذي في " جامعه " وابن ماجه في " سننه " وليس في سنده ما يدعو إلى الحكم بالوضع ولا في متنه ما يخالف عقلاً، ولا نقلاً، ولا واقعًا حتى يتشكك فيه العلماء والحديث إذا صح وثبت عن النبي ﷺ لا ينبغي التشكك فيه لأنه إن كان بوحي من الله فلا خلاف في قبوله واعتقاد الشفاء فيها، وإن كان باجتهاد وسكت عنه الوحي يعتبر إقرارا من الله تعالى لنبيه ﷺ ، ويعتبر في منزلة الموحى إليه به من الله - جَلَّ وَعَلاَ -، لأنه يستحيل شرعًا وعقلاً أن يقر الله ﵎ نبيه محمدا - صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلاَمُهُ عَلَيْهِ - على أمر غير حق وغير صواب، وأيا كان الأمر فليس هناك ما يدعو إلى الشك أو التشكيك فيما دل عليه الحديث من كون الكمأة شفاء للعين والذي يتبادر من الحديث أن المراد أن ماءها شفاء للعين وهذا هو ما فهمه الصحابي أبو هريرة حيث عصر أكمؤًا وأقطر ماءها في عين جارية له عمشاء فبرأت بإذن الله تعالى.
[٢] إن المسلمين من عهد الصحابة إلى وقتنا هذا لم يقصروا في التجربة، فهذا هو سيدنا أبو هريرة قد فعل ذلك وقد ذكر ابن القيم في " زاد المعاد في هدي خير العباد " اعتراف فضلاء الأطباء أن ماء الكمأة يجلو البصر منهم المسيحي، وابن سينا، وغيرهما، وأن فيها جوهرًا لطيفًا يدل على حفتها، والاكتحال به نافع لظلمة البصر، والرمد الحار (١) وكذلك جاء في " تذكرة " داود الأنطاكي أن ماءها يجلو البياض اكتحالا، وقد حكى الإمام النووي في " شرح صحيح مسلم " (٢) أن بعض علماء عصره كان قد عمي وذهب بصره فاكتحل بماء الكمأة مجردًا فشفي، قال: وهو شيخ له صلاح ورواية للحديث، وبعضهم يرى أنها تستعمل مضمومة إلى غيرها وأيدوا قولهم ببعض التجارب، وهي أنهم أخذوا كمأة وعصروها، واكتحل منها فهاجت العين، وقد قال الغافقي في " المفردات " أن ماء الكمأة
стр. 262
أصلح الأدوية للعين إذا عجن بالإثمد - أي الكحل - واكتحل به، فإنه يقوي الجفن، ويزيد الروح الباصرة حدة وقوة.
فها نحن نرى أن بعض المسلمين ولا سيما العلماء لم يقصروا في إجراء التجربة على حسب ما كان يتيسر لهم في هذه العصور المتوالية، فإن الأطباء: القدامى منهم من يرى أنها دواء وحدها، ومنهم من يرى أنها دواء إذا انضمت إلى غيرها.
[٣] في هذا العصر الذي تقدمت فيه العلوم، وجرى فيه علم الطب أشواطا بعيدة، حتى نجح الأطباء في علاج بعض الأمراض المستعصية، وتمكنوا من زرع بعض أجزاء الجسم المهمة من إنسان إلى إنسان آخر، لو قام جماعة من الأطباء المتخصصين في فروع من الطب شتى يعاونهم بعض العلماء المشتغلين بالحديث النبوي رواية، ودراية - وبحثوا في الطب النبوي لكان من وراء ذلك خير كثير، ولتبين لهم أن الكثير من الأحاديث التي شكك فيها بعض المستشرقين، ومن تابعهم من المسلمين - هو صحيح معنى ودراية، كما هو صحيح سندًا ورواية بل لتبين لهم أن هذه الأحاديث تعتبر من معجزات النبي ﷺ ، إذ لم يكن النبي ﷺ طبيبًا، ولا متطببًا، ولم يكن هناك من المشتغلين بالطب من يعلم هذه الحقائق في زمن النبوة، ولا فيما بعدها، حتى يكون النبي ﷺ قد تأثر بأقوالهم فلم يبق إلا أن تكون هذه الأحاديث وَحْيًا أوحي به إليه من ربه، وصدق الله ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ (١).
[٤] أن التجربة في هذا الحديث وأمثاله غير مفيدة للحكم على صحة الحديث أو عدم صحته، لعدم معرفة المراد من الحديث يقينًا، إذ ليس فيه نص على أن كل كمأة دواء لأنه يجوز أن يكون النبي ﷺ قال ذلك في كمأة خاصة أو في نوع من الكمأ ولا أنها دواء من كل داء للعين، ولا أنها دواء في جميع الأزمان، ولا لجميع الأشخاص.
والمسألة ليست من شرائع الدين التي لها صفة الثبوت والبقاء إلى يوم القيامة فيجوز أن يكون الدواء من كمأة خاصة كانت في زمنه ﷺ ، من بقعة خاصة،
стр. 263
لمرض خاص، فلو أن التجربة فشلت لا يدل ذلك على عدم صحة الحديث، وعدم مطابقته للواقع لجواز أن لا يكون المرض الذي أجريت فيه التجربة من الأمراض العينية الذي لا تفيد فيه الكمأة أو أن الكمأة التي استخدمت في التجربة ليست هي المرادة من الحديث، ولجواز أن يكون فشل التجربة لأمر خارج عن طبيعة الكمأة.
وها نحن في عصر التقدم الطبي العجيب نجد أن العملية الطبية التي أصبحت في حكم المقررات العلمية الثابتة تنجح في بعض الأحيان ولا تنجح في البعض الآخر لظروف خارجة عن طبيعة الدواء أو لوجود بعض تلوثات في الجو، أو في الآلة، أو لخطأ الطبيب في تشخيص الداء، أو لعدم مصادفة الدواء مكان الداء، وإخواننا الأطباء النطاسيون يعرفون في هذا أكثر مما أعرف فكيف يقول قائل: إن التجربة هي كل شيء في تصحيح الحديث أو عدم تصحيحه.
أضف إلى ذلك أن النباتات الطبية قد تسلب خصائصها، فالكمأة وغيرها من المخلوقات خلقت في الأصل سليمة عن المضار، ثم عرضت الآفات بسبب أمور أخرى من مجاورة لغيرها أو امتزاج بغيرها أو غير ذلك من الأسباب، فلو أننا أجرينا التجربة على كمأة موجودة اليوم لا يكفي فشلها في الحكم على كذب الحديث لجواز أن تكون منافعها قد زالت، وكثير من النباتات تفقد خواصها بمرور الزمن أو بتغير البيئة المحيطة بها.
ويصدق ما أقول ما جاء في صحيفة " الأهرام " القاهرية الصادرة في يوم الجمعة الموافق ٦/ ٩ / ١٩٦١ تحت عنوان " حديقة النباتات الطبية " ما نصه: «والنظريات الطبية تعترف بأن النباتات الطبية حساسة جدا، وتفقد خصائصها مع اختلاف التربة أو الحرارة، أو الرطوبة، أو الارتفاع عن سطح البحر، ويحدث في بعض الأحيان أن ينتج النبات عناصر أخرى، لها صفات جديدة لسبب انتقالها من منطقة إلى أخرى، فقد حاولت بعض المناطق الزراعية في إيطاليا زراعة القنب لتحضير المادة المخدرة منه، ولكن النبات لم يعط أية مادة مخدرة وأعطى أليافا قوية تستعمل في صناعة، قلاع المراكب الشراعية فقط في حين أن هذه الألياف غير موجودة إطلاقا في النبات في منبته الأصلي».
стр. 264
[٤] دَعْوَاهُمْ أَنَّ المُحَدِّثِينَ لَمْ يَتَعَرَّضُوا كَثِيرًا لِبَحْثِ الأَسْبَابِ السِّيَاسِيَّةِ التِي قَدْ تَحْمِلُ عَلَى الوَضْعِ فِي الحَدِيثِ النَّبَوِي الشَّريفِ:
قال صاحب ضحى الإسلام ج ٢ ص ١٣١، ١٣٢ في أثناء الكلام على النقد الداخلي، والخارجي:
«كذلك لم يتعرضوا كثيرًا لبحث الأسباب السياسية التي قد تحمل على الوضع فلم أرهم شكوا كثيرًا في أحاديث لأنها تدعم الدولة الأموية أو العباسية، ولا درسوا دراسة وافية البيئة الاجتماعية للشخص في عهد النبي ﷺ ، والخلفاء الراشدين والأمويين والعباسيين، وما طرأ عليها من خلاف ليعرفوا: هل (كذا) الحديث متمشي مع البيئة التي حكي فيها أو لا؟ ولم يدرسوا كثيرًا بيئة الراوي الشخصية، وما قد يحمله منها على الوضع وهكذا».
نعم، رويت أشياء من هذا القبيل، فابن خلدون - مثلا - يقول: أسباب قلة رواية أبي حنيفة للحديث: «إنه ضعف رواية الحديث اليقيني إذا عارضها الفعل النفسي» (١). وهي عبارة وإن كانت موجزة وغامضة بعض الغموض إلا أنها تدل على هذا الاتجاه وهو عدم الاكتفاء بالرواة، بل عرضها على الطبائع البشرية.
ومن هذا القبيل ما يروى عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: «مَنِ اقْتَنَى كَلْبًا، إِلاَّ كَلْبَ صَيْدٍ، أَوْ مَاشِيَةٍ، [نَقَصَ] مِنْ أَجْرِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطَانِ» قالوا كان أبو هريرة يروي الحديث هكذا «إِلاَّ كَلْبَ صَيْدٍ، أَوْ مَاشِيَةٍ أَوْ كَلْبَ زَرْعً» ويزيد كلب الزرع " فقيل " لابن عمر: إن أبا هريرة يقول: «أَوْ كَلْبَ زَرْعً» فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: «إنَّ لأَبِي هُرَيْرَةَ زَرْعًا». وهو نقد من ابن عمر لطيف في الباعث النفسي، وهناك أشياء منثورة من هذا القبيل، ولكنها لم تبلغ من الكثرة والعناية مبلغ النقد الخارجي يعني نقد السند ولو اتجهوا هذا الاتجاه كثيرًا، وأوغلوا فيه إيغالهم في النوع الأول لانكشفت أحاديث كثيرة وتبين وضعها، مثل كثير من أحاديث الفضائل، وهي
стр. 265
أحاديث رويت في مدح الأشخاص والقبائل والأمم والأماكن ... » إلخ ما قال.
وإليكم الجواب:
(١) إن أئمة الحديث نقدوا الروايات نقدًا صحيحًا، وبينوا الصحيح من غير الصحيح، والموضوع من غير الموضوع بحسب القواعد والأصول التي وضعوها لنقد السند - النقد الخارجي أو المتن - النقد الداخلي وفيما قدمت في هذا الكتاب ما يغني عن إعادته، والمحدثون في نقدهم متئدون ومتريثون، وهكذا شأن كل ناقد نزيه يخشى أن يطغى في الحكم أو يحيف عن طريق الحق والصواب، ولكن المستشرقين وأبواقهم ومتابعيهم يريدون من أئمة النقد والتعديل والتجريح أن يكونوا متسرعين وهذا مين، ولن يكون هذا منهم ولا أدري كيف يقول صاحب " الضحى " أنهم لم يتعرضوا كثيرًا لبحث الأسباب السياسية، وقد جعلوا من قواعدهم: عدم قبول رواية أهل الأهواء والمبتدعة من الطوائف المنتسبة إلى الإسلام ومنهم من فصل بين الداعية وغيره، فقبلوا رواية غير الداعية وردوا رواية الداعية وما ذلك إلا لأن احتمال تزيده احتمال قريب، بل أنظر إلى دقتهم في التعويل على البواعث في الجرح ويتمثل ذلك واضحًا جَلِيًّا في تفصيلهم في الراوي الداعية وهو: إن روى ما يؤيد بدعته أو يروي ما يخالفها، فردوا رواية الأول، وقبلوا الثاني، لأن الباعث على التزيد والاختلاق في الأول قريب محتمل، وفي الثاني بعيد جدًا، وكذلك تفصيلهم في الراوي غير الداعية، بين أن يروي ما يؤيد بدعته، أو يردها ويخالفها، فردوا رواية الأول دون الثاني.
كما جعلوا من قواعدهم التي تدل على الوضع: أن يكون الحديث في فضائل عَلِيٍّ، راويه شيعي، أو في ذمه وراويه نَاصِبِيٌّ (١)، أو في ذم أعدائهم وراويه رافضي إلى غير ذلك ولو رجع صاحب " الضحى " إلى الكتب المؤلفة في الموضوعات مثل " كتاب الموضوعات " لابن الجوزي و " اللآلئ المصنوعة في الأحاديث الموضوعة " للسيوطي، و " تنزيه الشريعة المرفوعة عن الأحاديث الموضوعة " لابن
стр. 266
عراق - لوجد أن العلماء انتبهوا غاية الانتباه إلى أحاديث الفضائل في الأشخاص، والأمكنة، والأجناس، والأمم، وَبَوَّبُوا لذلك الأبواب في كتبهم، وقد استغرق ذكر الفضائل في " كتاب اللآلئ " ما يزيد عن مائة صحيفة فكيف بعد ما ذكرناه يستجيز لنفسه أن يقول: إن العلماء لو اتجهوا هذا الاتجاه لانكشفت أحاديث كثيرة، وتبين وضعها مثل كثير من أحاديث الفضائل ... إلخ!؟.
أما إذا كان يقصد أنهم لم يحكموا على كل ما ورد في الفضائل بالوضع فهذا ما لا نوافقه عليه وما لا نرتضيه لباحث.
واستمع أيها القارئ الحصيف إلى بعض الأمثلة غير ما قدمت ليزداد الأمر وضوحًا، حديث أنس «دَخَلْتُ الحَمَّامَ فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ جَالِسًا وَعَلَيْهِ مِئْزَرٌ» حكم بوضعه ابن الجوزي وقال: في سنده مجهولون، ولم يدخل رسول الله ﷺ حمامًا قط، ولا كان عنده حمام. أقول: ولا كانت الحمامات العامة موجودة عند العرب آنذاك، بل استمع إلى قوله في الحديث المكذوب: «لا يُولَدُ بَعْدَ الْمِائَةِ مَوْلُودٌ لِلَّهِ فِيهِ حَاجَةٌ» فإن قيل: فإسناده صحيح فالجواب أن العنعنة تحتمل أن يكون أحدهم سمعه من ضعيف أو كذاب فأسقط اسمه، وذكر من رواه عنه بلفظ عن، وكيف يكون صحيحًا وكثير من الأئمة السادة قد ولدوا بعد المائة!!
بل استمع إلى العلماء لما نقدوا حديث الهريسة وأنها تشد الظهر وتقوي على الباه، فقد قالوا: إن محمد بن الحجاج اللخمي هو الذي رواه لأنه كان صاحب هريسة وغير ذلك كثير ولكن صاحب " الضحى " لم يكلف نفسه أن يقرأ ويطلع على كتب القوم وكلامهم، وتابع المستشرقين فيما قال.
(٢) وأما حديث ابن عمر مرفوعا «مَنِ اقْتَنَى كَلْبًا، إِلاَّ كَلْبَ صَيْدٍ، أَوْ مَاشِيَةٍ، [نَقَصَ] مِنْ أَجْرِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطَانِ» وأن أبا هريرة كان يروي الحديث هكذا «إِلاَّ كَلْبَ صَيْدٍ، أَوْ مَاشِيَةٍ أَوْ كَلْبَ زَرْعً» فيزيد «كَلْبَ الزَّرْعِ»، فقيل لابن عمر: وإن أبا هريرة يقول: «أَوْ كَلْبَ زَرْعً» فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: «إنَّ لأَبِي هُرَيْرَةَ زَرْعًا» ثم يعلق صاحب " الضحى " فيقول: «وهو نقد من ابن عمر لطيف في الباعث [النفسي]» فالجوابِِ
стр. 267
عنه من وجوه.
[أ] الزيادة ثابتة عن أبي هريرة ﵁ بالأسانيد الصحيحة القوية التي لا مطعن فيها عند البخاري ومسلم في " صحيحيهما " (١) وغيرهما ولم يتفرد بها أبو هريرة ﵁ بل جاءت من طرق قوية صحيحة عن غيره من الصحابة فقد رواها البخاري ومسلم في " صحيحيهما " عن غير أبي هريرة وهو الصحابي الجليل سُفْيَانَ بْنَ أَبِي زُهَيْرٍ (٢)، - وهو رجل من شنوءة من أصحاب رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: سَمِعَتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، يَقُولُ «مَنِ اقْتَنَى كَلْبًا، لاَ يُغْنِي عَنْهُ زَرْعًا، وَلاَ ضَرْعًا (٣)، نَقَصَ مِنْ عَمَلِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطٌ» قَالَ: أَنْتَ (٤) سَمِعْتَ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَ: إِي وَرَبِّ هَذَا المَسْجِدِ».
كما روى هذه الزيادة الإمام مسلم اَيْضًا بسنده عن عبد الله بن المغفل عن النبي ﷺ من طريق يحيى بن سعيد القطان، وهو من هو في نقد المرويات ولفظها: وقال ابن أبي حاتم في حديث عند يحيى: «وَرَخَّصَ فِي كَلْبِ الغَنَمِ، وَالصَّيْدِ وَالزَّرْعِ» (٥) وكذلك رواها الترمذي في " جامعه " عن عبد الله بن مغفل، والنسائي في " سننه " وابن ماجه في " سننه " ومن ذلك ترى أن الزيادة محفوظة عن غير أبي هريرة، وكل رواية من هذه الروايات وردت عن الصحابي الذي رواها عن النبي ﷺ من طرق عدة، مما يبعد كل البعد - إن لم يُحِلْ - أن يكون الصحابي الراوية الحافظ تزيد في الحديث بل قد وردت هذه الزيادة عن ابن عمر نفسه، روى مسلم في صحيحه من طريق شعبة عن أبي الحكم قال سمعت ابن عمر
стр. 268
يُحَدِّثُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنِ اتَّخَذَ كَلْبًا، إِلاَّ كَلْبَ زَرْعٍ، أَوْ غَنَمٍ، أَوْ صَيْدٍ، يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطٌ» (١) وكذلك روى هذه الزيادة عن ابن عمر النسائي قال الإمام النووي: " فَيُحَتَمَلُ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ لَمَّا سَمِعَهَا مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَتَحَقَّقَهَا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ رَوَاهَا عَنْهُ بَعْدَ ذَلِكَ وَزَادَهَا فِي حَدِيثِهِ الَّذِي كَانَ يَرْوِيهِ بِدُونِهَا وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ تَذَكَّرَ فِي وَقْتٍ [أَنَّهُ سَمِعَهَا مِنَ النَّبِيِّ ﷺ ] فَرَوَاهَا وَنَسِيَهَا فِي وَقْتٍ فَتَرَكَهَا، وَالحَاصِلُ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ لَيْسَ مُنْفَرِدًا بِهَذِهِ الزِّيَادَةِ بَلْ وَافَقَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ فِي رِوَايَتِهَا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَلَوِ انْفَرَدَ بِهَ لَكَانَتْ مَقْبُولَةً مَرْضِيَّةً» (٢).
[ب] قول ابن عمر ليس فيه ما يدل على الشك فيما رواه أبو هريرة، ولا التشكيك فيه وليس فيه الطعن في صدق أبي هريرة وأمانته، وإنما فيه إشارة للباعث لأبي هريرة على حفظ هذه الرواية وهو أنه كان صاحب زرع، والعادة أن الشخص يحفظ ما يكون له مساس به، ويرحم الله الإمام النووي حيث قال: «[قَالَ الْعُلَمَاءُ]: لَيْسَ هَذَا تَوْهِينًا لِرِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَلاَ شَكًّا فِيهَا بَلْ مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ صَاحِبَ زَرْعٍ وَحَرْثٍ اعْتَنَى بِذَلِكَ وَحَفِظَهُ وَأَتْقَنَه، وَالْعَادَةُ أَنَّ المُبْتَلَى بِشَيْءٍ يُتْقِنُهُ مَا لاَ يُتْقِنُهُ غَيْرُهُ وَيَتَعَرَّفُ مِنْ أَحْكَامِهَ مَا لاَ يَعْرِفُهُ غَيْرُهُ».
[ج] مما يؤكد هذا الفهم ويقويه ما كان يكنه ابن عمر لأبي هريرة ﵄ من التقدير والإجلال له والاعتراف بالحفظ، وقد ثبت أنه كان يترحم عليه في جنازته، ويقول: «كَانَ يَحْفَظُ عَلَيْنَا حَدِيثَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ». وذكر البغوي في كتابه " الصحابة " بسند جيد عن ابن عمر أنه كان يقول: «إِنْ كُنْتَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ لأَلْزَمَنَا لِرَسُولِ اللهِ ﷺ وَأَحْفَظَنَا لِحَدِيثِهِ»، وهل غاب عن ذهن صاحب " الضحى " أن صحابة رسول الله ﷺ ما كانوا يعرفون المداهنة، ولا المراوغة، ولا يخافون في الحق لومة لائم، فلو أن ابن عمر قصد تكذيب أبي هريرة في زيادته لصرح بذلك ولعنفه ابن عمر ما كان ليخشى أبا هريرة، وهو لا حول له ولا قوة!!!
стр. 269
ثم إني أقول: أليس المعنى الذي لأجله أباح الشارع الحكيم اقتناء كلب الماشية موجودًا اَيْضًا في كلب الزرع؟ فالزيادة ليست منكورة دراية، كما هي ثابتة رواية، ثم إذا كان هناك في الكلام احتمالان: أحدهما احتمال خير، والآخر احتمال شر، أليس الأولى والأليق بالمسلم فضلاً عن الصحابي أن يحمل الكلام على ما هو خير؟ بلى والله، ورضي الله عن الفاروق الملهم المحدث عمر بن الخطاب ﵁ حين قال: «لاَ تَظُنَّنَّ بِكَلِمَةٍ خَرَجَتْ مِنْ فِي أَخِيكَ المُؤْمِنِ شَرًّا، وَأَنْتَ تَجِدُ لَهَا فِي الخَيْرِ مَحْمَلاً»!!! الحق أن صاحب " الضحى " جافاه الحق والصواب فيما زعم.
(٣) قول صاحب " الضحى ": نعم رويت أشياء من هذا القبيل: فابن خلدون - مثلاً - يقول: قلة رواية أبي حنيفة للحديث: «إنه ضعف رواية الحديث اليقيني إذا عارضها الفعل النفسي» وهي عبارة وإن كانت موجزة وغامضة بعض الغموض إلا أنها تدلنا على هذا الاتجاه، وهو عدم الاكتفاء بالرواة، بل عرضها على الطبائع النفسية والبيئة الاجتماعية "
والجواب:
الحق أن صاحب " الضحى " حرف النص الذي ذكره ابن خلدون في " مقدمته "، عن معناه المراد وحمله على غير محمله، وابن خلدون لم يرد ما أراده صاحب " الضحى " وهو عدم الاكتفاء بالرواة بل عرضها على الطبائع النفسية والبيئة الاجتماعية.
وإنما أراد مسألة أخرى وهي مسألة العمل بخبر الواحد (١) إذا كان الراوي قد عمل بخلاف مقتضى الحديث أو أفتى بخلاف ما يدل عليه، فأبو حنيفة وأصحابه في مثل هذا يحكمون بضعف الحديث ولو كان صحيحًا.
قال أحد علماء الأصول: «اشترط علماء الحنفية للعمل بخبر الواحد شروطا ثلاثة: أولها: ألا يعمل الراوي بخلاف ما رواه عن رسول الله ﷺ فإن خالف الراوي ما رواه بعمله أو فتواه فلا اعتبار لروايته، بل المعول عليه ما نقل عنه من عمل أو فتوى،
стр. 270
ووجهوا هذا الاشتراط بأن المفروض أن الراوي من الصحابة عدل ولا يعقل أن يترك لعدل ما رواه رسول الله ﷺ إلا وقد صح عنده حديث آخر ناسخ له، وإلا كان ذلك طعنًا في عدالته (١) ومن هذا النص يتبين مراد ابن خلدون بمقالته ثم ذكر مذهب المالكية فقال: اشترط المالكية للعمل بخبر الواحد ألا يكون مخالفًا لعمل أهل المدينة (٢).
ثم قال: تحت عنوان «مذهب الشافعية» لم يشترط الإمام الشافعي في العمل بخير الواحد ما شرط المالكية، ولا ما شرطه الحنفية، بل شرط فيه صحة السند والاتصال، فإن صح السند واتصل الحديث عمل به خالف عمل أهل المدينة أو لا، اشتهر أو لا.
فإذا عارض الحديث غيره من الأحاديث بحث عن الناسخ فإن وجد عمل به، وترك المنسوخ وإذا لم نجده فإن أمكن الجمع جمع بينهما أو أُوِّلَ بعضها حتى يزول التعارض بينهما وبشرط الاتصال لم يعمل بالحديث المرسل، وهو الذي سقط من سنده الصحابي إلا إذا أنضم إليه دليل آخر يقويه، ومن ثم عمل بمراسيل سعيد بن المسيب لأنه وجدها كلها مروية من طرق أخرى متصلة (٣).
ثم ذكر مذهب الحنابلة فقال: إنهم يوافقون الشافعية في عدم اشتراط شيء مما شرطه الحنفية والمالكية وزادوا عليهم أنهم لم يشترطوا الاتصال، بل متى صح السند عملوا به سواء كان متصلاً أو غير متصل، ومن ثم عملوا بالمراسيل، وقدموها على القياس فمذهبهم أوسع المذاهب في العمل بالسنة (٤).
والحق في هذه المسألة هو ما ذهب إليه الإمام الجليل الشافعي وهو العمل بالحديث ما دام اتصل سنده، وكان رواته عدولاَ ضابطين سواء وافقه الراوي (٥) بعمله
стр. 271
وفتياه أم لا.
رأي علماء الحديث وعلومه:
قالوا: وعمل العالم وفتياه على وفق حديث رواه ليس حكمًا منه بصحته ولا بتعديل رواته لإمكان أن يكون ذلك منه احتياطا، أو لدليل آخر وافق ذلك الخبر، وصحح الآمدي وغيره من الأصوليين أنه حكم بذلك وقال إمام الحرمين: إن لم يكن في مسالك الاحتياط، وفرق ابن تيمية بين أن يعمل به في الترغيب وغيره.
ولا مخالفته له قدح منه في صحته، ولا في رواته، لإمكان أن يكون ذلك لمانع من معارض أو غيره، وقد روى الإمام مالك حديث الخيار - يعني في البيع - ولم يعمل به لعمل أهل المدينة بخلافه، ولم يكن ذلك قدحًا في نافع راويه.
وقال ابن كثير: في القسم الأول نظر إذا لم يكن في الباب غير ذلك الحديث وتعرض للاحتجاج به في فتياه، أو حكمه، أو استشهد به عند العمل بمقتضاه.
وأجاب عن هذا العراقي فقال: إنه لا يلزم من كون ذلك الباب ليس فيه غير هذا الحديث أن لا يكون ثم دليل آخر من إجماع أو قياس، ولا يلزم الحاكم أو المفتي أن يذكر جميع أدلته ولا بعضها، ولعل له دليلا آخر، واستأنس بالحديث الوارد بالباب وربما كان يرى العمل بالضعيف وتقديمه على القياس.
***
стр. 272
[٥] تَشْكِيكُ المُسْتَشْرِقِينَ بِأَنَّ الأَحَادِيثَ الدَالَّةَ عَلَى الزَّكَاةِ وَأَنْصِبَتِهَا تُنَاقِضُ الحَقَائِقَ التَّارِيخِيَّةَ:
هذه الشبهة من كتاب " نظرة عامة في تاريخ الفقة الإسلامي " (١).
قال في صفحة ١٦ في الطبعة الأولى، وفي ص ١٨ في الطبعة الثالثة، ما نصه:
وقد أمر الله بالزكاة في كتابه الكريم، وجعلها فريضة على كل مسلم، وعندما أخذ الفقهاء يبحثون عمن تجب عليه الزكاة، وهل (كذا) هي واجبة على كل مسلم، أو على من ملك نصابًا خاصًا؟ وما المقدارالذي يجب أن يؤدى. استدلوا على هذا بالروايات التي تفيد أن الرسول ﷺ قد وضع القواعد المفصلة للزكاة وحددها تحديدًا كاملاً ...
قال: وقد شكك في هذه الروايات بعض الباحثين (٢) قائلاً: إنها تناقض الحقائق التاريخية، ذلك أن المعروف تاريخيًا أن الصحابة كانوا يزكون كل على حسب طاقته ولم يكن هناك أمر مضبوط، أو مطالب مخصوصة، وقد فرضها القرآن من غير تحديد، وفعل المسلمون ذلك قديمًا، وأعطوا ما عندهم نَقْدًا وَحُلِيًّا وَمَالاً وَمَلْبَسًا وأشياء مختلفة كل بحسب ما عنده، وهذه الأحاديث تفيد أن الرسول وضع حدودًا مضبوطة لذلك على الجميع مثل أن من يملك كذا فعليه كذا، ومن ملك أقل من ٢٠ دينار فلا زكاة عليه، ومن ملك ٢٠ دينارا فعليه نصف دينار.
ومن الوثائق التي فصلت فيها أنواع الزكاة ما كتب به أبو بكر إلى عماله وفي بعض الروايات أن الرسول ﷺ قد كتب ذلك ولم يخرجه إلى عماله حتى توفي، فأخرجه أبو بكر من بعده فعمل به حتى توفي،
стр. 273
فأخرجه أبو بكر من بعده فعمل به حتى توفي، ثم أخرجه عمر من بعده فعمل به، وفيها تفصيلات محددة لزكاة الإبل والبقر والغنم، وهكذا أصبح مطلق التصدق لوجه الله محدودًا بشكل خاص هو الزكاة بقيودها، وتفصيلاتها، وجرى الناس عند أداء الزكاة المفروضة في القرآن على قواعد فقهية خاصة محدودة بالنسبة للنصاب، وما يؤخذ منه ومن يستحق ذلك من الناس أقول: وقد مر مؤلف هذا الكتاب - عَفَا اللهُ عَنَّا وَعَنْهُ - بهذا الكلام المتهافت، ولم يفند منه كلمة، وسكوته في مثل هذا يعتبر رضا بما ذكر هذا المستشرق المشكك، ووجود مثل هذا في كتاب رجل مسلم، بل وعالم أزهري أدعى إلى قبوله من الناشئة وطلاب العلم المبتدئين وإلى زيادة التشكيك في الأحاديث التي حددت أنصبة الزكاة ومقدار المخرج منها تحديدًا دقيقًا يدل على أنه بوحي من الله، إذ لم يكن النبي ﷺ من أهل الحساب، وقد نشأ في أمة أمية لا تكتب ولا تحسب - كما في الحديث الصحيح - فتبين أن يكون هذا بوحي من الله ﵎.
والجواب:
[١] من أين لهذا الباحث المستشرق المشكك أن الأحاديث الدالة على قيم الزكاة وأنصبتها تناقض الحقائق التاريخية، وكنا نحب من الباحث أو صاحب الكتاب الناقل لكلامه أن يرشدنا إلى المرجع في ذلك، وإذا لم نعتمد على الروايات الحديثية في الحقائق التاريخية فعلى أي الروايات نعتمد والمؤرخون؟ القدماء من أمثال الطبري مع مجاراتهم للمحدثين في ذكر الأسانيد للروايات التاريخية فإنهم لم يدققوا في المرويات تدقيق المحدثين ولم يدانوهم في هذا، وهذا أمر يشهد له الواقع وأعجب من ذلك أن هذا الباحث جعل كون الصحابة يزكون كل على حسب طاقته، ولم يكن هناك أمر مضبوط من المُسَلَّمَاتِ، وهو تهجم من غير علم، ومجازفة في القول من غير دليل، ولئن صح أن كلاً كان يزكي على حسب طاقته فقد كان ذلك في أول الأمر ثم لم يلبث الأمر إلا قليلا ثم فصل في القرآن مصارف الزكاة، وفصل كل ما يتعلق بالزكاة في السنن والأحاديث الصحيحة والحسنة المتكاثرة التي لا يحصيها العد، فَالسُنَّةُ هي الأصل الثاني من أصول التشريع، وهي التي فسرت القرآن
стр. 274
ووضحته، وبينت مجمله، وخصصت عامه، وقيدت مطلقه، وهي التي تستقل بالتشريع أحيانًا، ولو أننا اعتمدنا على القرآن الكريم فحسب لما توصل الفقهاء والمجتهدون إلى هذه الثروة الطائلة من الأحكام، والآداب في أمور الدين والدنيا، ولكن الكثرة الكاثرة من المستشرقين المشككين في السنن والأحاديث يزعمون أنها من آثار التطور الديني والدنيوي والسياسي، والاجتماعي إلى آخر ما يزعمون، و " جولدتسيهر " المستشرق اليهودي المتعصب تدور أفكاره في السنة حول هذا وعن هذا المستشرق أخذ الكثيرون من المستشرقين هذا الكذب الصُّرَاحِ.
[٢] إن الروايات الموثوق بها والتي يعتمد عليها في التحقيق العلمي، والتاريخي دلت على أنه كان هناك نظام دقيق للزكاة يؤدي كل واحد بمقتضاه زكاته، شرعه الرسول ﷺ عن ربه، وكتب به إلى عماله، زود به كل من كان يرسلهم من المصدقين (١) وها هي كتب الحديث المعتمدة على قيد الذراع والباع تعرضت لبيان ذلك غاية البيان، ولو كلف هذا الباحث المشكك نفسه الرجوع إلى الصحيحين، أو إلى كتب السنن، والمسانيد لوجد من الروايات المتكاثرة ما يزيل تشككه.
روى البخاري ومسلم في " صحيحيهما " بسنديهما - واللفظ للبخاري - قال قال رسول الله ﷺ «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ (٢) مِنَ الإِبِلِ صَدَقَةٌ، وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ (٣) صَدَقَةٌ ... » الحديث وروى البخاري في " صحيحه " بسنده عن أنس ﵁: «أَنَّ أَبَا بَكْرٍ ﵁، كَتَبَ لَهُ هَذَا الكِتَابَ لَمَّا وَجَّهَهُ إِلَى البَحْرَيْنِ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ هَذِهِ فَرِيضَةُ الصَّدَقَةِ الَّتِي فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى المُسْلِمِينَ، وَالَّتِي أَمَرَ اللَّهُ بِهَا رَسُولَهُ، «فَمَنْ سُئِلَهَا مِنَ المُسْلِمِينَ عَلَى وَجْهِهَا، فَلْيُعْطِهَا ... » الحديث (٤) وفيه ذكر نصاب الإبل والغنم إلى غير ذلك من الأحاديث
стр. 275
الكثيرة الثابتة، ومن أراد أن يرجع إلى كتاب في هذا، فليرجع إلى كتاب " جامع الأصول إلى أحاديث الرسول " لمجد الدين ابن الأثير الجزري (١).
وما روي من أن رسول الله ﷺ كان قد كتب ذلك ولم يخرجه إلى عماله حتى توفي فأخرجه أبو بكر فعمل به حتى توفي، ثم أخرجه عمر من بعده فعمل به حتى توفي لا ينافي أن تكون أنصبة الزكاة كانت معلومة مقدرة معروفة في عهد النبي ﷺ وكانوا يحفظونها كما كانوا يحفظون الأحاديث التي نهوا عن كتابتها كما في " صحيح مسلم " مرفوعا «لاَ تَكْتُبُوا عَنِّي، وَمَنْ كَتَبَ عَنِّي غَيْرَ الْقُرْآنِ فَلْيَمْحُهُ، وَحَدِّثُوا عَنِّي وَلاَ حَرَجَ، وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ».
لأنه يجوز أن يكون الرسول ألقى ذلك إلى عماله وعلمهم إياه مشافهة، وبقيت هذه الصحف المدون فيها الزكاة وأنصبتها لتكون ثبتًا أصليًا موثوقًا به، يرجع إليه، ولا سيما بعد وفاة الرسول، أو أنه ﷺ كتب لهم نُسَخًا أخرى من هذه النسخة وأرسل بها إلى العمال، وزود بها المُصَدِّقِينَ.
[٣] استناده في التشكيك، وإنكار الروايات إلى أن القرآن فرضها من غير تحديد أمر من الغرابة بمكان!! ومن قال إن القرآن قد تكفل بذكر كل شيء في أحكام الدين وفروعه؟ إن القرآن هو أصل الدين وهو منبع الصراط المستقيم، وقد كلف الله الأمة بحفظ القرآن الكريم فكان من رحمة الله بالأمة أن جاء القرآن على هذا الإيجاز البالغ حد الإعجاز وقد وكل الله تعالى إلى رسوله محمد ﷺ بيانه قال - عَزَّ شَأْنُهُ - ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (٢) وقد بينه النبي ﷺ غاية البيان بأقواله أحيانًا، وبأفعاله وأخلاقه وسلوكه في الحياة أحيانًا أخرى فكان من ذلك البيان هذه الثروة الضخمة، وهذه الذخائر الموجودة في الأحاديث والسنن وهل جاء القرآن بأعداد الصلوات،
стр. 276
والركعات، والسجدات، وأن صلاة كذا يجهر فيها، وصلاة كذا يسر بها؟ وماذا يقول في ركوعه؟ وماذا يقول في سجوده؟ وماذا يقول في الجلسة الأولى والثانية؟
والخلاصة: أن تحديد قيم الزكاة وأنصبتها أمر جاء به الشرع واستفاضت به الأحاديث والسنن عن رسول الله ﷺ وهو الذي بين ذلك وحدده عن الله ﵎، وليس للخلفاء والصحابة إلا تطبيق ما جاء به الشرع وبينه رسول الله ﷺ .
***
стр. 277
[٦] دَعْوَاهُمْ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ اتَّجَهَ إِلَى تَقْلِيلِ رِوَايَةَ الحَدِيثِ وَالرُّجُوعِ إِلَى القُرْآنِ وَحْدَهُ:
قال صاحب " نظرة عامة في الفقه الإسلامي ": ص ٧١ ط الأولى، ص ٧٦ ط الثالثة: «ومن الحقائق ذات البال ما عهد عن عمر من الاتجاه إلى تقليل رواية الحديث والرجوع إلى القرآن وحده، روى عبد الله بن العلاء قال: سألت القاسم بن محمد أن يملي عليَّ أحاديث فقال: إن الأحاديث كثرت على عهد عمر بن الخطاب، فأنشد الناس أن يأتوه بها، فلما أتوه بها أمر بتحريقها، ثم قال: مثناة كمثناة أهل الكتاب، قال: فمنعني القاسم يومئذ أن أكتب حديثا (الطبقات الكبرى لابن سعد) ج ٥ ص ١٤٠» (١).
كما روي عنه أنه حبس ثلاثة من الصحابة لأنهم أكثروا من الحديث عن رسول الله ﷺ (" الحفاظ للذهبي: ج ١ ص ٧ ") (٢).
ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل كثيرًا ما رد أحاديث لم تتفق ورأيه - روى أن فاطمة بنت قيس شهدت عند عمر بن الخطاب أنها كانت مطلقة الثلاث، فلم يجعل لها رسول الله ﷺ نفقة ولا سكنى، وقال: «لاَ نَتْرُكُ كِتَابَ اللهِ لِقَوْلِ امْرَأَةٍ لاَ نَدْرْي أَصَدَقَتْ أَمْ كَذَبَتْ»، لها النفقة والسكنى.
ومثله ما روي من مذهب عمر أن التيمم لا يجزئ الجنب الذي لا يجد الماء فروى عنده عمار بن ياسر أنه كان مع رسول الله ﷺ في سفر، فأصابته جنابة، ولم يجد ماء، فتمعك في التراب، فذكر ذلك لرسول الله ﷺ فقال: «إِنَّمَا يَكْفِيكَ أَنْ تَفْعَلَ هَكَذَا» وضرب بيديه الأرض فمسح بهما وجهه ويديه، فلم يقبل ذلك عمر ولم ينهض عنده حجة ولم يكن يقبل حديثا إلا ببينة " (" حجة الله البالغة ": ج ١ ص ١٤١) (٣).
стр. 278
وإليكم الجواب:
[١] قول المؤلف: «ما عهد عن عمر من الاتجاه إلى تقليل رواية الحديث والرجوع إلى القرآن وحده» غير مُسَلَّمٍ، وما كان عمر ﵁ يمنع الناس من رواية الحديث ولكنه كان يدعو إلى التثبت في الرواية، وقد أخذ الخلفاء الراشدون أنفسهم بهذا التثبت ودعوا الناس إليه، وليس أدل على أن الفاروق عمر ما أراد هذا، وإنما أراد زيادة الاطمئنان ما روي أنه قال لأبي موسى الأشعري بعد أن طلب منه أن يأتيه بمن يشهد معه أنه يسمع الحديث الذي رواه في الاستئذان، فجاء بمن شهد معه وهو الصحابي الجليل أبي بن كعب «سُبْحَانَ اللهِ إِنَّمَا سَمِعْتُ شَيْئًا، فَأَحْبَبْتُ أَنْ أَتَثَبَّتَ» وفي رواية أخرى أنه قال «خَفِيَ عَلَيَّ هَذَا مِنْ أَمْرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، أَلْهَانِي عَنْهُ الصَّفْقُ بِالْأَسْوَاقِ» (١) يعني الاشتغال بالتجارة والمعاملة في الأسواق عن التفرغ لسماع الحديث، وكذلك جاء في بعض الروايات في غير " الصحيحين " أنه قال لأبي موسى الأشعري «أَمَا إِنِّي لَمْ أَتَّهِمك، وَلَكِنِّي خَشِيتُ أَنْ يَتَقَوَّلَ النَّاسُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ » رواه مالك في " الموطأ "، وفي رواية عبيد بن حنين عند البخاري في كتابه " الأدب المفرد " فقال عمر لأبي موسى: «وَاَللَّه إِنْ كُنْت لأَمِينًا عَلَى حَدِيث رَسُول اللَّه ﷺ ، وَلَكِنْ أَحْبَبْت أَنْ أَسْتَثْبِ» (٢).
فكل هذه الأحاديث تدل على أن الفاروق عمر ﵁ ما كان يدعو إلى تقليل. رواية الحديث والرجوع إلى القرآن وحده، ومعاذ الله أن يريد الاكتفاء بالقرآن عن السنن والأحاديث، وكيف يدعو عمر إلى الاكتفاء بالقرآن وحده وقد ثبت عنه في أقضيته أنه كان يلجأ إلى السنن والأحاديث إذا لم يجد في القرآن كما فعل في إملاص المرأة، وفي الوباء لما وقع ببلاد الشام، وقد وصل إلى سرغ، ورجوعه عن الإقدام عليه لما أخبره عبد الرحمن بن عوف بخبر رسول الله ﷺ : «[إِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ] بِأَرْضٍ فَلاَ تَقْدَمُوا عَلَيْهِ، وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلاَ تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ» رواه البخاري في " صحيحه "
стр. 279
وروى مسلم في " صحيحه " عن المسور بن مخرمة قال: «اسْتَشَارَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ النَّاسَ فِي ملاص الْمَرْأَةِ (١)، فَقَالَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ: شَهِدْتُ النَّبِيَّ ﷺ قَضَى فِيهِ بِغُرَّةٍ عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ»، قَالَ: فَقَالَ عُمَرُ: ائْتِنِي بِمَنْ يَشْهَدُ مَعَكَ، قَالَ: فَشَهِدَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلمَةَ» (٢). بل ثبت عنه أنه كان يسأل عن سُنَّةِ أبي بكر ﵁ إذا لم يجد الحكم في القرآن ولا في السنة النبوية.
[٢] أما رواية حبس الفاروق عمر لثلاثة من الصحابة فهي مكذوبة، وكان على المؤلف الفاضل أن لا يأخذ الروايات من غير تمحيص ولا تدقيق، والكتب فيها الغث وفيها السمين، وفيها المقبول، وفيها المردود، وهي رواية مكذوبة على أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁.
وإليكم ما قاله إمام من أئمة الحديث والسنن، والحفظ للأحاديث والفقه فيها وهو أبو محمد بن حزم الظاهري مؤسس المذهب بعد المؤسس الأول له وهو الإمام داود: قال - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى وَأَثَابَهُ - في أثناء ذكره لفضل الإكثار من الرواية للسنن: «وروي عن عمر أنه ﵁ حبس ابن مسعود، من أجل الحديث عن النبي ﷺ وأبا الدرداء، وأبا ذر» وطعن في الرواية [بالانقطاع] لأن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف راويه عن عمر لم يسمع منه، وقد وافقه على هذا البيهقي، وأثبت سماعه من عمر يعقوب بن شيبة، والطبري وغيرهما، والذي يظهر أنه لم يسمع منه، فقد ذكر الحافظ ابن حجر في " تهذيب التهذيب " أنه مات سنة ٩٥ أو ٩٦ وعمره ٧٥ سَنَةً (٣) فتكون ولادته سنة عشرين للهجرة، وعلى هذا يكون له حين توفي الفاروق ثلاث سنوات، وهي سن دون سن التحمل وعلى هذا فلا تكون الرواية حُجَّةً للانقطاع، ولعل البلاء جاء من هذا الراوي المحذوف.
стр. 280
بل قال ابن حزم: «إنه - أي الخبر - في نفسه ظاهر الكذب والتوليد، لأنه لا يخلو عمر من أن يكون اتهم الصحابة، وفي هذا ما فيه، أو يكون نهى عن نفس الحديث وعن تبليغ السنن، وألزمهم كتمانها وجحدها، وهذا خروج من الإسلام وقد أعاذ الله أمير المؤمنين من كل ذلك، وهذا قول لا يقوله مسلم أصلاً.
ولئن كان حبسهم وهم غير متهمين لقد ظلمهم فليختر المحتج لمذهبه الفاسد بمثل هذه الروايات المطعونة أي الطريقتين الخبيثتين شاء» (١).
ومن دواعي الشك في هذه الرواية وعدم الثقة بها أن ابن مسعود كان يتبع مذهب عمر، وطريقته، وكان يقول: «لَوْ سَلَكَ النَّاسُ وَادِيًا وَشِعْبًا، وَسَلَكَ عُمَرُ وَادِيًا وَشِعْبًا لَسَلَكْتُ وَادِيَ عُمَرَ وَشِعْبَهُ " وقد أرسله عمر إلى الكوفة ليعلم أهلها وقال لهم: «لَقَدْ آثَرْتُكُمْ بِعَبْدِ اللهِ عَلَى نَفْسِي» وقال فيه وفي عمار بن ياسر «هُمَا مِنَ النُّجَبَاءِ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ﷺ ».
فكيف يعقل أن يخالف عمر في منهجه في الرواية؟ وكيف يعقل من عمر أن يحبسه؟ وما ذكر في رواية فاطمة من الزيادة الباطلة وهي: «لاَ نَدَعُ كِتَابَ رَبِّنَا وَسُنَّةَ نَبِيِّنَا ﷺ لِقَوْلِ امْرَأَةٍ لاَ نَدْرْي أَصَدَقَتْ أَمْ كَذَبَتْ» (*) والحديث كما في " صحيح مسلم " (٢) قال عمر: «لاَ نَتْرُكُ كِتَابَ [اللهِ] وَسُنَّةَ نَبِيِّنَا ﷺ لِقَوْلِ امْرَأَةٍ، لاَ نَدْرِي لَعَلَّهَا حَفِظَتْ، أَوْ نَسِيَتْ، لَهَا السُّكْنَى وَالنَّفَقَةُ». الحديث وإنما جاء الغلط من اعتماده وسلفه صاحب " الضحى " على ما قاله المستشرقون وأخذ كلامهم قضية مُسَلَّمَةً، وقد اعتمد هؤلاء وأولئك على ما جاء في كتاب " مسلم الثبوت " وهو كتاب في أصول الفقه، لا كتاب حديث وهذه الكتب لا يعول عليها في معرفة الصحيح من الحسن من الضعيف، قال صاحب كتاب " نظرة عامة في تاريخ الفقه الإسلامي ": ص ١٢٦ ط ثالثة ما نصه: «وضع الحديث، وأقوال المستشرقين في ذلك»:
«وهنا مسألة جد خطيرة نرى من الخير أن نعرض لها ببعض التفصيل، وهي
стр. 281
وضع الحديث في هذا العصر، ولقد ساد إلى وقت قريب في أوساط المستشرقين الرأي القائل: بأن القسم الأكبر من الحديث ليس إلا نتيجة للتطور الديني، والسياسي، والاجتماعي للإسلام في القرنين الأول والثاني، وأنه ليس صحيحًا ما يقال: من أنه وثيقة للإسلام في عهده الأول: عهد الطفولة، ولكنه أثر من أثار جهود الإسلام في عصر النضوج» (١).
وقد شرحوا هذا الرأي (٢):
أولاً: بأنه في هذا العصر الأول الذي اشتدت فيه الخصومة بين الأمويين والعلماء الأتقياء وأخذ هؤلاء يستغلون جمع الحديث والسنة، ونظرًا لأن ما وقع في أيديهم من ذلك لم يكن ليسعفهم في تحقيق أغراضهم أخذوا يخترعون من عندهم أحاديث رأوها مرغوبًا فيها، ولا تنافي الروح الإسلامية، وَبَرَّرُوا ذلك أمام ضمائرهم، بأنهم إنما يفعلون هذا في سبيل محاربة الطغيان والإلحاد، والبعد عن سنن الدين، ونظرًا لأنهم كانوا يؤملون في أعداء البيت الأموي، وهم العلويون، فقد كان محط اختراعهم من أول الأمر مُوَجَّهًا إلى مدح أهل البيت، فيكون هذا سبيلاً غير مباشر في ثلب الأمويين ومهاجمتهم، وهكذا سار الحديث في القرن الأول سيرة المعارضة الساكتة بشكل مؤلم ضد هؤلاء المخالفين للسنن الفقهية والقانونية.
ثانيًا: ولم يقتصر الأمر على هؤلاء فإن الحكومة نفسها لم تقف ساكتة إزاء ذلك، فإذا ما أرادت أن تعمم رأيًا، أو تسكت هؤلاء الأتقياء - تذرعت اَيْضًا بالحديث أو تدعو إلى وضعه، وإذا ما أردنا أن نتعرف ذلك كله فإنه لا توجد مسألة خلافية سياسية، أو اعتقادية إلا ولها اعتماد على جملة من الأحاديث ذات الإسناد القوي فالوضع في الحديث، ونشر بعضه أو اضطهاد بعضه نشأ في وقت مبكر.
стр. 282
فالأمويون كانت طريقتهم، كما قال معاوية للمغيرة بن شعبة: «لاَ تُهْمِلْ فِي أَنْ تَسُبَّ عَلِيًّا، وَأنْ تَطْلُبَ الرَّحْمَةَ لِعُثْمَانَ، وَأَنْ تَسُبَّ أَصْحَابَ عَلِيٍّ، وَتَضْطَهِدَ مِنْ حَدِيثِهِمْ، وَعَلَى الضِدِّ مِنْ ذَلِكَ، أَنْ تَمْدَحَ عُثْمَانَ، وَأَهْلَهُ، وَأَنْ تُقَرِّبَهُمْ، وَتَسْمَعَ إِلَيْهِمْ»، على هذا الأساس قامت أحاديث الأمويين ضد عَلِيٍّ، ولم يكن الأمويون وأتباعهم ليهمهم الكذب في الحديث الموافق لوجهات نظرهم فالمسألة كانت في إيجاد هؤلاء الذين تنسب إليهم.
ثالثًا: وقد استغل هؤلاء الأمويون أمثال الإمام الزهري بدهائهم في سبيل وضع أحاديث فمن ذلك حديث: «لاَ تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلاَّ إِلَى ثَلاَثَةِ مَسَاجِدَ: مَسْجِدِي هَذَا، وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَالْمَسْجِدِ الأَقْصَى» الذي يمثل ميولهم السياسية في تقديس بيت المقدس، وجعله مثل البيت الحرام، ومسجد المدينة حتى يكون مَحَجًّا للناس، وذلك في الوقت الذي حرم فيه ابن الزبير أهل الشام من الحج إلى الكعبة، ويتصل بهذا الأحاديث التي جاءت في بيان فضل بيت المقدس، ثم أحاديث فضل الشام والمدينة، ولقد سمى الأمويون المدينة بالخبيثة، وسماها بعضهم المنتنة على خلاف تسميتها بالطيبة.
رابعًا: قال: ولم يقتصر الأمر على وضع أحاديث سياسية أو لصالح البيت الأموي بل تعدى ذلك إلى الناحية الدينية في أمور العبادات التي لا تتفق مع ما يراه أهل المدينة مثل ما هو معروف من أن خطبة الجمعة كانت خطبتين، وكان يخطب الخلفاء وقوفًا وأن خطبة العيد كانت تتبع الصلاة، فَغَيَّرَ الأمويون من ذلك، فكان يخطب الخليفة خطبة الجمعة جالسًا، وجعلوا خطبة العيد قبل الصلاة، واستدلوا لذلك بما رواه رجاء بن حيوة من أن الرسول والخلفاء كانوا يخطبون جلوسا، في حين قال جَابِرُ بْنَ سَمُرَة: «مَنْ حَدَّثَكُمْ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ خَطَبَ جَالِساً فَقَدْ كَذَبَ» ومثل ذلك ما حصل من زيادة معاوية في درجات المنبر، وما كان من جعله المقصورة التي أزالها العباسيون بعد ذلك، كما لم يقتصر الأمر على نشر أحاديث ذات ميول بل تعداه إلى اضطهاد أحاديث لا تمثل وجهات النظر والعمل
стр. 283
على إخفائها وتوهيتها، فمما لا شك فيه أنه كانت هناك أحاديث في مصلحة الأمويين اختفت عند مجيء العباسيين.
خَامِسًا: وقد استدل في سبيل تأييد قوله بأدلة قدح بعض العلماء في بعض مما يخرجونه مخرج الجرح والتعديل، مما ورد كثير منه عن السلف القدماء (١)، يقول: فمن ذلك قول المحدث عاصم بن نبيل (٢) توفي (سَنَةَ ٢١٢ وَعُمُرُهُ تسعون سَنَةً): «مَا رَأَيْتُ الصَّالِحَ يَكْذِبُ فِي شَيْءٍ أَكْثَرَ مِنَ الْحَدِيثِ»، ويقول مثل ذلك يحيى بن سعيد القطان توفي (سَنَةَ ١٩٢) ويقول وكيع عن زياد بن عبد الله: «إِنَّهُ مَعَ شَرَفِهِ فِي الحَدِيثِ كَانِ كَذُوباً» ويقول يزيد بن هارون: «إِنَّ أَهْلَ الحَدِيثِ بِالكُوفَةِ فِي عَصْرِهِ، مَا عَدَا وَاحِدًا، كَانُوا مُدَلِّسِينَ، حَتَّى السُّفْيَانَانِ ذُكِرَا بَيْنَ المُدَلِّسِينَ».
سَادِسًا: قال: وقد شعر المسلمون في القرن الثاني بأن الاعتراف بصحة الأحاديث يجب أن يرجع إلى «الشكل» فقط، وأنه يوجد بين الأحاديث الجيدة الإسناد كثير من الأحاديث الموضوعة، وساعدهم على هذا ما ورد من الحديث: «سَيَكْثُرُ الحَدِيثُ عَنِّي، فَمَنْ حَدَّثَكُمْ بِحَدِيثٍ فَطَبِّقُوهُ عَلَى كِتَابِ اللهِ، فَمَا وَافَقَهُ فَهُوَ ِمنِّي، قُلْتُهُ أَوْ لَمْ أَقُلْهُ». وحديث ابن ماجه: «مَا [قِيلَ] (*) مِنْ قَوْلٍ حَسَنٍ فَأَنَا قُلْتُهُ» (٣) ويمكن أن نتبين شيئا من ذلك في الأحاديث الموثوق بها، فمن ذلك ما رواه مسلم «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِقَتْلِ الكِلاَبِ، إِلاَّ كَلْبَ صَيْدٍ أَوْ كَلْبَ مَاشِيَةٍ»، فأخبر ابن عمر أن أبا هريرة يزيد: " «أَوْ كَلْبَ زَرْعٍ» " فقال ابن عمر: «إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ يَزْرَعٌهَا» (٤) فملاحظة ابن عمر تشير إلى أن ما يفعله المحدث لغرض نفسه.
стр. 284
سَابِعًا: قال: «وفي سبيل إثبات بعض القواعد الفقهية طرقوا بابًا آخر غير الروايات الشفوية، وذلك بإظهار صحف مكتوبة تبين إرادة الرسول، وقد وجد هذا النوع تصديقًا في هذا العصر، وإذا ما دار الأمر حول نسخة من هذه الصحف فإنهم لا يسألون عن أصلها المنسوخة عنه، ولا يبحثون عن صحتها، ونستطيع أن نتبين جرأة الواضعين من هذا الخبر، ذلك أنه في عصر الأمويين حاول بعض الناس التوفيق بين عرب الشمال، وعرب الجنوب، وأظهروا حِلْفًا كان في عصر تُبَّعٍ بْنِ مَعْدِ يكَربْ بين اليمنية وربيعة، وقد وجدوا هذا محفوظا عند بعض أحفاد هذا الأمير الحميري، فهؤلاء الذين يقبلون مثل هذا لا يكون من الصعب عليهم أن يعترفوا بمثله، مما هو أقرب عهدًا، ونعني به مسألة " تعريف الصدقة " عن صغار البقر، وكبارها، فقد وردت في ذلك أحاديث مختلفة، ولكن لم يصح منها شيء ليأخذ منه جامعوا الحديث نصوصًا تحتوي على نظام للدفع مفصل، فرجع الناس إلى وصايا مكتوبة عن الزكاة، مما وصى به الرسول رسله إلى البلاد العربية، مثل وصيته إلى معاذ بن جبل، وكتابه إلى عمرو بن حزم (١) وغيرهما مما روى لنا محتوياتها رواة الحديث».
ولم يكتف الناس بهذه النسخ المنقولة عن أصول، بل أظهروا اَيْضًا بعض هذه الأصول القديمة، فهناك وثيقة كانت عند آل عمر، أمر عمر بن عبد العزيز بنقل نسخة منها، وقد روى أبو داود تصحيح الزهري لها، وهناك وثيقة أخرى بختم الرسول ذكرها أبو داود اَيْضًا، وقد أظهرها حماد بن أسامة عن ثمامة بن عبد الله بن أنس، وكان أبو بكر قد وجهها لأنس بن مالك عندما ذهب ليجمع الصدقات " قال المؤلف: «هذا هو الرأي الذي ساد أوساط المستشرقين في القرن الماضي، وفيه ما يرى من بناء نظرية مفروضة متخيلة على أخبار تصيدوها من أشتات الكتب، وجعلوا مما خرج مخرج الجرح والتعديل الذي استعمله السلف مبالغة في تعريف الحديث - حقائق ثابتة وصورًا صحيحة».
стр. 285
أقول: هذه هي الأسطر القليلة التي رد بها المؤلف الفاضل: الأستاذ الدكتور علي حسن عبد القادر بعد بضع صحائف سودها بذكر نظرية هذا المستشرق اليهودي جولدتسيهر وهو عالم أزهري جمع بين الثقافتين الإسلامية والغربية، وكان عليه أن يفيض في الرد حتى تزول آثار هذا الرأي الغائل الباطل في نفس القارئ لكتابه، ويا ليته فعل ولو أنه فعل لكان له من الله ﵎ الجزاء الأوفى ولكان له منا معاشر المسلمين العارفين بمنزلة السنن والأحاديث من الإسلام ومن القرآن الشكر والثناء لذلك رأيت خدمة للسنن والأحاديث، وَدَرْءًا للشبه عنها أن أفيض في الرد وقد رأيت أن أقدم بين يدي الرد التفصيلي عن كل شبهة من الشبه التي اشتملت عليها نظرية المستشرق اليهودي الحاقد على الإسلام والقرآن والسنة، هذه النظرية التي سادت أوساط المستشرقين، والتزمها الأكثرون منهم، ولم يتحرر منها إلا القليلون فأقول وبالله التوفيق.
***