← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 37972

دفاع عن السنة ورد شبه المستشرقين ط مكتبة السنة

محمد أبو شهبة

Полный текст (402 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

وضع الحديث في هذا العصر، ولقد ساد إلى وقت قريب في أوساط المستشرقين الرأي القائل: بأن القسم الأكبر من الحديث ليس إلا نتيجة للتطور الديني، والسياسي، والاجتماعي للإسلام في القرنين الأول والثاني، وأنه ليس صحيحًا ما يقال: من أنه وثيقة للإسلام في عهده الأول: عهد الطفولة، ولكنه أثر من أثار جهود الإسلام في عصر النضوج» (١). وقد شرحوا هذا الرأي (٢): أولاً: بأنه في هذا العصر الأول الذي اشتدت فيه الخصومة بين الأمويين والعلماء الأتقياء وأخذ هؤلاء يستغلون جمع الحديث والسنة، ونظرًا لأن ما وقع في أيديهم من ذلك لم يكن ليسعفهم في تحقيق أغراضهم أخذوا يخترعون من عندهم أحاديث رأوها مرغوبًا فيها، ولا تنافي الروح الإسلامية، وَبَرَّرُوا ذلك أمام ضمائرهم، بأنهم إنما يفعلون هذا في سبيل محاربة الطغيان والإلحاد، والبعد عن سنن الدين، ونظرًا لأنهم كانوا يؤملون في أعداء البيت الأموي، وهم العلويون، فقد كان محط اختراعهم من أول الأمر مُوَجَّهًا إلى مدح أهل البيت، فيكون هذا سبيلاً غير مباشر في ثلب الأمويين ومهاجمتهم، وهكذا سار الحديث في القرن الأول سيرة المعارضة الساكتة بشكل مؤلم ضد هؤلاء المخالفين للسنن الفقهية والقانونية. ثانيًا: ولم يقتصر الأمر على هؤلاء فإن الحكومة نفسها لم تقف ساكتة إزاء ذلك، فإذا ما أرادت أن تعمم رأيًا، أو تسكت هؤلاء الأتقياء - تذرعت اَيْضًا بالحديث أو تدعو إلى وضعه، وإذا ما أردنا أن نتعرف ذلك كله فإنه لا توجد مسألة خلافية سياسية، أو اعتقادية إلا ولها اعتماد على جملة من الأحاديث ذات الإسناد القوي فالوضع في الحديث، ونشر بعضه أو اضطهاد بعضه نشأ في وقت مبكر.

стр. 282

فالأمويون كانت طريقتهم، كما قال معاوية للمغيرة بن شعبة: «لاَ تُهْمِلْ فِي أَنْ تَسُبَّ عَلِيًّا، وَأنْ تَطْلُبَ الرَّحْمَةَ لِعُثْمَانَ، وَأَنْ تَسُبَّ أَصْحَابَ عَلِيٍّ، وَتَضْطَهِدَ مِنْ حَدِيثِهِمْ، وَعَلَى الضِدِّ مِنْ ذَلِكَ، أَنْ تَمْدَحَ عُثْمَانَ، وَأَهْلَهُ، وَأَنْ تُقَرِّبَهُمْ، وَتَسْمَعَ إِلَيْهِمْ»، على هذا الأساس قامت أحاديث الأمويين ضد عَلِيٍّ، ولم يكن الأمويون وأتباعهم ليهمهم الكذب في الحديث الموافق لوجهات نظرهم فالمسألة كانت في إيجاد هؤلاء الذين تنسب إليهم. ثالثًا: وقد استغل هؤلاء الأمويون أمثال الإمام الزهري بدهائهم في سبيل وضع أحاديث فمن ذلك حديث: «لاَ تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلاَّ إِلَى ثَلاَثَةِ مَسَاجِدَ: مَسْجِدِي هَذَا، وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَالْمَسْجِدِ الأَقْصَى» الذي يمثل ميولهم السياسية في تقديس بيت المقدس، وجعله مثل البيت الحرام، ومسجد المدينة حتى يكون مَحَجًّا للناس، وذلك في الوقت الذي حرم فيه ابن الزبير أهل الشام من الحج إلى الكعبة، ويتصل بهذا الأحاديث التي جاءت في بيان فضل بيت المقدس، ثم أحاديث فضل الشام والمدينة، ولقد سمى الأمويون المدينة بالخبيثة، وسماها بعضهم المنتنة على خلاف تسميتها بالطيبة. رابعًا: قال: ولم يقتصر الأمر على وضع أحاديث سياسية أو لصالح البيت الأموي بل تعدى ذلك إلى الناحية الدينية في أمور العبادات التي لا تتفق مع ما يراه أهل المدينة مثل ما هو معروف من أن خطبة الجمعة كانت خطبتين، وكان يخطب الخلفاء وقوفًا وأن خطبة العيد كانت تتبع الصلاة، فَغَيَّرَ الأمويون من ذلك، فكان يخطب الخليفة خطبة الجمعة جالسًا، وجعلوا خطبة العيد قبل الصلاة، واستدلوا لذلك بما رواه رجاء بن حيوة من أن الرسول والخلفاء كانوا يخطبون جلوسا، في حين قال جَابِرُ بْنَ سَمُرَة: «مَنْ حَدَّثَكُمْ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ خَطَبَ جَالِساً فَقَدْ كَذَبَ» ومثل ذلك ما حصل من زيادة معاوية في درجات المنبر، وما كان من جعله المقصورة التي أزالها العباسيون بعد ذلك، كما لم يقتصر الأمر على نشر أحاديث ذات ميول بل تعداه إلى اضطهاد أحاديث لا تمثل وجهات النظر والعمل

стр. 283

على إخفائها وتوهيتها، فمما لا شك فيه أنه كانت هناك أحاديث في مصلحة الأمويين اختفت عند مجيء العباسيين. خَامِسًا: وقد استدل في سبيل تأييد قوله بأدلة قدح بعض العلماء في بعض مما يخرجونه مخرج الجرح والتعديل، مما ورد كثير منه عن السلف القدماء (١)، يقول: فمن ذلك قول المحدث عاصم بن نبيل (٢) توفي (سَنَةَ ٢١٢ وَعُمُرُهُ تسعون سَنَةً): «مَا رَأَيْتُ الصَّالِحَ يَكْذِبُ فِي شَيْءٍ أَكْثَرَ مِنَ الْحَدِيثِ»، ويقول مثل ذلك يحيى بن سعيد القطان توفي (سَنَةَ ١٩٢) ويقول وكيع عن زياد بن عبد الله: «إِنَّهُ مَعَ شَرَفِهِ فِي الحَدِيثِ كَانِ كَذُوباً» ويقول يزيد بن هارون: «إِنَّ أَهْلَ الحَدِيثِ بِالكُوفَةِ فِي عَصْرِهِ، مَا عَدَا وَاحِدًا، كَانُوا مُدَلِّسِينَ، حَتَّى السُّفْيَانَانِ ذُكِرَا بَيْنَ المُدَلِّسِينَ». سَادِسًا: قال: وقد شعر المسلمون في القرن الثاني بأن الاعتراف بصحة الأحاديث يجب أن يرجع إلى «الشكل» فقط، وأنه يوجد بين الأحاديث الجيدة الإسناد كثير من الأحاديث الموضوعة، وساعدهم على هذا ما ورد من الحديث: «سَيَكْثُرُ الحَدِيثُ عَنِّي، فَمَنْ حَدَّثَكُمْ بِحَدِيثٍ فَطَبِّقُوهُ عَلَى كِتَابِ اللهِ، فَمَا وَافَقَهُ فَهُوَ ِمنِّي، قُلْتُهُ أَوْ لَمْ أَقُلْهُ». وحديث ابن ماجه: «مَا [قِيلَ] (*) مِنْ قَوْلٍ حَسَنٍ فَأَنَا قُلْتُهُ» (٣) ويمكن أن نتبين شيئا من ذلك في الأحاديث الموثوق بها، فمن ذلك ما رواه مسلم «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِقَتْلِ الكِلاَبِ، إِلاَّ كَلْبَ صَيْدٍ أَوْ كَلْبَ مَاشِيَةٍ»، فأخبر ابن عمر أن أبا هريرة يزيد: " «أَوْ كَلْبَ زَرْعٍ» " فقال ابن عمر: «إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ يَزْرَعٌهَا» (٤) فملاحظة ابن عمر تشير إلى أن ما يفعله المحدث لغرض نفسه.

стр. 284

سَابِعًا: قال: «وفي سبيل إثبات بعض القواعد الفقهية طرقوا بابًا آخر غير الروايات الشفوية، وذلك بإظهار صحف مكتوبة تبين إرادة الرسول، وقد وجد هذا النوع تصديقًا في هذا العصر، وإذا ما دار الأمر حول نسخة من هذه الصحف فإنهم لا يسألون عن أصلها المنسوخة عنه، ولا يبحثون عن صحتها، ونستطيع أن نتبين جرأة الواضعين من هذا الخبر، ذلك أنه في عصر الأمويين حاول بعض الناس التوفيق بين عرب الشمال، وعرب الجنوب، وأظهروا حِلْفًا كان في عصر تُبَّعٍ بْنِ مَعْدِ يكَربْ بين اليمنية وربيعة، وقد وجدوا هذا محفوظا عند بعض أحفاد هذا الأمير الحميري، فهؤلاء الذين يقبلون مثل هذا لا يكون من الصعب عليهم أن يعترفوا بمثله، مما هو أقرب عهدًا، ونعني به مسألة " تعريف الصدقة " عن صغار البقر، وكبارها، فقد وردت في ذلك أحاديث مختلفة، ولكن لم يصح منها شيء ليأخذ منه جامعوا الحديث نصوصًا تحتوي على نظام للدفع مفصل، فرجع الناس إلى وصايا مكتوبة عن الزكاة، مما وصى به الرسول رسله إلى البلاد العربية، مثل وصيته إلى معاذ بن جبل، وكتابه إلى عمرو بن حزم (١) وغيرهما مما روى لنا محتوياتها رواة الحديث». ولم يكتف الناس بهذه النسخ المنقولة عن أصول، بل أظهروا اَيْضًا بعض هذه الأصول القديمة، فهناك وثيقة كانت عند آل عمر، أمر عمر بن عبد العزيز بنقل نسخة منها، وقد روى أبو داود تصحيح الزهري لها، وهناك وثيقة أخرى بختم الرسول ذكرها أبو داود اَيْضًا، وقد أظهرها حماد بن أسامة عن ثمامة بن عبد الله بن أنس، وكان أبو بكر قد وجهها لأنس بن مالك عندما ذهب ليجمع الصدقات " قال المؤلف: «هذا هو الرأي الذي ساد أوساط المستشرقين في القرن الماضي، وفيه ما يرى من بناء نظرية مفروضة متخيلة على أخبار تصيدوها من أشتات الكتب، وجعلوا مما خرج مخرج الجرح والتعديل الذي استعمله السلف مبالغة في تعريف الحديث - حقائق ثابتة وصورًا صحيحة».

стр. 285

أقول: هذه هي الأسطر القليلة التي رد بها المؤلف الفاضل: الأستاذ الدكتور علي حسن عبد القادر بعد بضع صحائف سودها بذكر نظرية هذا المستشرق اليهودي جولدتسيهر وهو عالم أزهري جمع بين الثقافتين الإسلامية والغربية، وكان عليه أن يفيض في الرد حتى تزول آثار هذا الرأي الغائل الباطل في نفس القارئ لكتابه، ويا ليته فعل ولو أنه فعل لكان له من الله ﵎ الجزاء الأوفى ولكان له منا معاشر المسلمين العارفين بمنزلة السنن والأحاديث من الإسلام ومن القرآن الشكر والثناء لذلك رأيت خدمة للسنن والأحاديث، وَدَرْءًا للشبه عنها أن أفيض في الرد وقد رأيت أن أقدم بين يدي الرد التفصيلي عن كل شبهة من الشبه التي اشتملت عليها نظرية المستشرق اليهودي الحاقد على الإسلام والقرآن والسنة، هذه النظرية التي سادت أوساط المستشرقين، والتزمها الأكثرون منهم، ولم يتحرر منها إلا القليلون فأقول وبالله التوفيق. ***

стр. 286

الجَوَابُ الإِجْمَالِيُّ عَلَى هَذِهِ الاِفْتِرَاءَاتِ وَالشُّبُهَاتِ: «حقائق مستمدة من خصائص الرسول والصحابة ومن بعدهم تهدم آراء جولدتسيهر». الحقيقة الأولى: نزل القرآن الكريم على رسول الله ﷺ وبلغه كما أوحي إليه من غير أن يزيد فيه حرفًا أو ينقص حرفًا، وتلقاه عنه الصحابة، وتفانوا في حفظه وفهمه، والعلم به ومع أنهم عرب خلص إلا أنهم لم يحيطوا علمًا بكل ما في القرآن فهناك المجمل الذي يحتاج إلى تفصيل، والمبهم الذي يحتاج إلى بيان وتفسير، والمشكل الذي يحتاج إلى إزالة ما فيه من إشكال، وهناك العام الذي يراد به الخصوص، والعام الذي يحتاج إلى تخصيص، والمطلق الذي يحتاج إلى تقييد، وهذه أمور لا يكفي فيها معرفة اللغة، ولا الإلمام ببعض قواعد الشريعة فكان لا بد لهم من الرجوع في تفسير هذه الآيات المشتملة على ذلك من المُشَرِّعِ وَالمُبَلِّغِ عن الله وهو النبي المعصوم ﷺ ، وصدق الله ﵎ في قوله: ﴿بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (١) وقوله: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (٢) هذه واحدة. وثانية: وهي أن المسلمين كانت تعرض لهم مشكلات دينية ودنيوية شأن كل جماعة [مُتَمَدِّنَةٍ] لها مطالب وحاجات، وانتقلت من حياة ساذجة بدوية إلى حياة أخرى تقوم على تشريعات إلهية في العقائد، والعبادات والمعاملات، والأخلاق، ونحوها، وعلى وحدة إسلامية، وجدت لهم آفاقًا في فهم العقائد والشرائع ولم يكن القرآن الكريم الذي هو أصل الدين ومنبع الصراط المستقيم بالتفصيل الذي يسعفهم بكل ما يحتاجون إليه في حياتهم الدينية والدنيوية، وما يجد لهم من أمور لم تكن معروفة لهم من قبل، لأن الله ﵎ كلف الأمة الإسلامية بحفظه فضلا عن فهمه

стр. 287

والعمل به، فلو أن القرآن جاء مشتملاً على كل شيء على التفصيل لشق على الأمة حفظه بل ولما استطاعوا. إِذًا كان لا بد لهم، لكي يعرفوا حكم الله فيما يعرض لهم من أمور دينية ودنيوية، ولكي يشبعوا رغبتهم في العلم بالقرآن وأسراره، والعلم بكل ما اشتمل عليه من عقائد وعبادات ومعاملات وأخلاقيات، وسياسات وغيرها، من الرجوع إلى الرسول ﷺ الذي بعث مبشرًا ونذيرًا، ومعلما، وهاديا إلى الصراط المستقيم ولقد استفاض وتواتر أن الرسول ﷺ كان المرجع للمسلمين في كل شيء سواء في ذلك رجالهم ونساؤهم حتى لقد كانوا يسألون الرسول ﷺ عن أمورهم الخاصة التي تتعلق بالغسل، والحيض، والنفاس، وكيفية التطهر بل والاحتلام وكان النبي ﷺ يبين لهم كل ذلك بصراحة عن غير خدش للحياء، ولا انتهاك لحرمات، وكانت النساء كثيرًا ما يستعن بأمهات المؤمنين في معرفة ما يمنعهن الحياء من المصارحة به، والنبي ﷺ يجيب في كل ذلك بما يوحى إليه به وهو الغالب والكثير أو بما يؤديه إليه اجتهاده، وهو ﷺ كان يجتهد على ما عليه المحققون من العلماء، ولكن ما كان يقر على الخطأ في الاجتهاد وسكوت الوحي على ما اجتهد فيه يقوم مقام تقرير الله تعالى له على اجتهاده. وعلى هذا الأساس كان ينظر الصحابة إلى ما يصدر عن الرسول ﷺ مِمَّا مَرَدُّهُ إلى التشريع بل وكانوا يجوزون في أمور دنياهم كأمور الحرب والسياسة أن تكون بوحي من الله، وليس أدل على هذا من قول الحُبَابِ بْنِ المُنْذِرِ للنبي ﷺ في غزوة بدر: «أَهَذَا مَنْزِلٌ أَنْزَلَكَهُ اللَّهُ لَيْسَ لَنَا أَنْ نَتَقَدَمَ أوْ نَتَأَخَّرَ عَنْهُ، أَمْ هُوَ الرَّأْيُ وَالْحَرْبُ وَالْمَكِيدَةُ؟» فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «بَلِ الرَّأْيُ وَالْحَرْبُ وَالْمَكِيدَةُ» فأشار عليه الْحُبَابُ (١) بمنزل آخر فنزل النبي على مشورته إذا لا بد بعد التسليم بهذا - ولا بد من التسليم - من أن نعتقد أنه كانت هناك ثروة طائلة تتعلق بتفسير القرآن الكريم وبيانه بشتى وجوه البيان، وبغير تفسير القرآن وبيانه من الأحكام التي استقلت السنة

стр. 288

والأحاديث ببيان أحكامها مما لم يجر له في القرآن الكريم ذكر، هذه الثروة الطائلة النافعة المفيدة هي ما تعرف بالأحاديث والسنن سواء أكانت قولية، أم فعلية، أم تقريرية. الحقيقة الثانية: حرص الصحابة - رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِمْ - حرصًا بالغًا عما يصدر عن الرسول المشرع ﷺ ، وإحلاله محل النفس والروح، وقد كان من دواعي حفظ الصحابة ما يرد عن الرسول وَفَهْمِهِ وَالعِلْمِ بِهِ، وحرصهم على أمور: [١] أ، التقوى ما كانت تنال إلا بالعمل بما جاء به والشرف ما كان ينال في الإسلام إلا بالتقوى وصدق الله: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (١) والتقوى لا تنال إلا بالعمل بكتاب الله، وبسنة رسوله ﷺ فمن ثم كانت عنايتهم بحفظ سنن رسول الله مثل عنايتهم بحفظ كتاب الله ﵎، ولما قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب لأمير مكة في عصره: مَنْ اِسْتَخْلَفْتَ؟ قَالَ: ابْنَ أَبْزَى، قَالَ: وَمَنِ ابْنُ أَبْزَى؟ قَالَ: مَوْلًى مِنْ مَوَالِينَا، قَالَ: [فَاسْتَخْلَفْتَ] عَلَيْهِمْ مَوْلًى؟ قَالَ: إِنَّهُ قَارِئٌ لِكِتَابِ اللهِ ، وَإِنَّهُ عَالِمٌ بِالْفَرَائِضِ!!، قَالَ عُمَرُ: [أَمَا إِنَّ نَبِيَّكُمْ ﷺ قَدْ قَالَ]: «إِنَّ اللهَ يَرْفَعُ بِهَذَا الْكِتَابِ أَقْوَامًا، وَيَضَعُ بِهِ آخَرِينَ». رواه مسلم، وكان الواحد منهم يقول لصاحبه وهو ذاهب إلى مجلس الرسول ﷺ «تَعَالَ نُؤْمِنْ سَاعَةً». [٢] إن كثيرًا من شرائع الدين، وما جاء عن سيد المرسلين قد ارتبط بحوادث مشهورة أو بحوادث خاصة ببعضهم أو بأسئلة من جهتهم إلى غير ذلك مما له أكبر الأثر في حفظ ما يتعلق به، وإذا كان هذا أمرًا معروفًا مُسَلَّمًا فلماذا يستبعد جولدتسيهر ومن على شاكلته من المستشرقين أن يحفظ الصحابة قدرًا كبيرًا من سنن رسول الله ﷺ وأحاديثه ويبلغوها لمن جاء بعدهم، ومن بعدهم يبلغونها لمن بعدهم حتى وصلت إلينا كما تلقوها عن الرسول الكريم ﷺ . [٣] حُبُّهُمْ للرسول ﷺ حُبًّا صادقًا صار مضرب الأمثال، وَأَقَرَّ بِهِ الموافق والمخالف، حتى قال بعض [أَعْدَاءِ] الرسول ﷺ في صلح الحديبية لقومه المشركين

стр. 289

«وَاللهِ لَقَدْ أَتَيْتُ كِسْرَى وَقَيْصَرَ فِي مُلْكِهِمَا، فَمَا رَأَيْتُ أَحَدًا يُحِبُّهُ أَصْحَابُهُ كَحُبِّ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ مُحَمَّدًا» وإذا كان بلغ حبهم للرسول ﷺ أنهم كانوا يتزاحمون على فضل وضوئه، وما يسيل منه وأنه ما كان يتنخم نخامة، ولا يبصق بصاقًا إلا ابتدروه ووقع في يد رجل منهم فإلى أي حد نتصور أثر هذا الحب في حفظ حديثه وسننه، إن بعض الزعماء اليوم، ورجال السياسة يحفظ الناس من مأثور كلامهم الشيء الكثير، فكيف يستبعد مستبعد أن يحفظ أصحاب رسول الله ﷺ عنه الكثير والكثير ويبلغوه إلى من بعدهم على الفرق الشاسع ما بين النبوة والزعامة، وما بين الصحابة أتباع النبي ﷺ وبين أتباع الزعماء الحقيقة الثالثة: نشاط الصحابة ومن بعدهم على العناية الفائقة بالسنة وجمعها وحفظها بعد وفاة الرسول ﷺ وأوفوا في ذلك على الغاية. فهذا هو جابر بن عبد الله ﵄ يرحل في سماع حديث من راويه عن النبي ﷺ شهرًا كاملاً، ويشتري بعيرًا لذلك، رواه البخاري تعليقًا، وهذا ابن عباس ﵄ يبلغه الحديث عن أحد الصحابة فيذهب إليه ليسمعه منه فوجده نائمًا فيتوسد رداءه على بابه تسفي الريح عليه التراب فخرج الصحابي فوجده: فقال: «مَا جَاءَ بِكَ يَا ابْنَ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟، هَلاَّ أَرْسَلْتَ إِلَيَّ فَآتِيكَ؟»، فيقول: «أَنَا أَحَقُّ أَنْ [آتِيَكَ]»، فيسمع منه الحديث وينصرف وأمثال جابر بن عبد الله وأمثال ابن عباس ﵄ كثيرون وكثيرون من الصحابة. وكذلك حافظ على العناية بالسنن والأحاديث من جاء بعدهم من التابعين روي عن سعيد بن جبير أنه يكون مسافرًا مع ابن عباس فيسمع منه الحديث فيكتبه في مقدمة الرحل حتى إذا نزل قيده في كتابه. الحقيقة الرابعة: ما امتاز به علماء الإسلام من لدن الصحابة إلى أن تم جمع السنة وتدوينها تدوينا عاما من حفظ لألفاظها، وفهم لمعانيها، وتفقه لأحكامها، ومناهضتهم لحركة

стр. 290

الوضع في الحديث، وتعقبهم للكذابين والوضاعين، والكشف عن عوارهم وعارهم حتى أظهروهم على حقيقة أمرهم، فتجنبهم الناس، ولم ينخدعوا بظواهرهم. قال العلامة أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي المتوفى سنة سبع وتسعين وخمسمائة: «لما لم يمكن أحدا أن يزيد في القرآن أخذ أقوام يزيدون في أحاديث رسول الله ﷺ ، ويضعون عليه ما لم يقل، فأنشأ الله قومًا يذبون عن النقل ويوضحون الصحيح ويفضحون القبيح، وما يخلي الله منهم عصرا من الأعصار». وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيَّ المتوفى (سنة ١٦١ هـ): «الْمَلاَئِكَةُ حُرَّاسُ السَّمَاءِ، وَأَصْحَابُ الْحَدِيثِ حُرَّاسُ الأَرْضِ»، وروي عن عبد الله بن المبارك المتوفى (سنة ١٨١) أَنَّهُ قِيلَ لَهُ: هَذِهِ الأَحَادِيثُ المَوْضُوعَةُ!! فقال: «تَعِيشُ لَهَا الجَهَابِذَةُ» (١). وذكر الإمام الذهبي في " تذكرة الحفاظ " أَنَّ الخَلِيفَةَ الرَّشِيْدُ أَخَذَ زِنْدِيقاً لِيَقْتُلَهُ، فَقَالَ: «أَيْنَ أَنْتَ مِنْ أَلْفِ حَدِيْثٍ وَضَعْتُهَا؟» فَقَالَ الرَّشِيْدُ: «فَأَيْنَ أَنْتَ يَا عَدُوَّ اللهِ مِنْ أَبِي إِسْحَاقَ الفَزَارِيِّ (٢)، وَابْنِ المُبَارَكِ يَنْخُلاَنِهَا، فَيُخْرِجَانِهَا حَرْفاً حَرْفاً». وروي عن ابن المبارك: «لو هم رجل في الصحراء أن يكذب في الحديث لأصبح والناس يقولون: كذاب». فهذه النقول تدل على يقظة أهل الحديث ورجاله للكذابين والوضاعين وقعودهم لهم بالمرصاد، وعلى تزييفهم لما وضعوه والإبانة عنه، وبذلك ردوا كيدهم في نحرهم كل هذه الحقائق وغيرها مما لا يتسع المقام لذكرها تؤدي إلى العلم، بل والاعتقاد أن الأحاديث النبوية والسنن قامت على عمد ثابتة، ودعائم قوية، وأنها ليست كما يزعم جولدتسيهر من آثار التطور الديني، والاجتماعي والسياسي للمسلمين، ولا أدري كيف تكون جل الأحاديث من آثار التطور مع اتفاق الأمصار الإسلامية في مشارق الأرض ومغاربها في معظم العبادات والتشريعات في المعاملات

стр. 291

وغيرها فلو أن الأمر أمر تطور، كما زعموا - وبئس ما زعموا - لما اتفقوا هذا الاتفاق، ومعظم الخلافات في الفروع الفقهية إنما ترجع لاعتبارات أخرى معظمها يرجع إلى طريقة الاجتهاد، واختلاف أنظارهم في الدليل الواحد، وإلى أن بعض الأحاديث قد تكون في مصر ولا تكون في مصر آخر، وذلك لأن بعض الصحابة كان معهم من الأحاديث ما ليس عند الآخرين، ثم إننا لا نعتبر العصر الأول عصر طفولة في الفقه كَلاَّ وَحَاشَا، وإنما نعتبره عصر الاكتمال الديني والتشريعي، ومهما اختلف العلماء في الفروع فمرجعهم في الأحكام إلى الكتاب الكريم، والسنة النبوية، أو القياس عليهما، أو الإجماع. وليس أدل على أن عصر النبي ﷺ هو عصر الاكتمال الديني والفقهي من قول الله ﵎ في حَجَّةِ الوَدَاعِ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا﴾ (١) وقوله ﷺ : «تَرَكْتُ فِيكُمْ [أَمْرَيْنِ] لَنْ تَضِلُّوا مَا تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ» رواه مالك في " الموطأ " بلاغًا، ورواه الحاكم في " المستدرك "، وقوله ﷺ : «قَدْ تَرَكْتُكُمْ عَلَى الْبَيْضَاءِ لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا لاَ يَزِيغُ عَنْهَا بَعْدِي إِلاَّ هَالِكٌ» (*). فما من حكم يطلبه المسلمون في دينهم ودنياهم مهما تقدمت العصور والأزمان. إلا ويجدونه في القرآن فإن لم يجدوه في القرآن ففي السُنَّةِ. فإن لم يجدوه في السُنَّةِ قاسوا على ما في القرآن، أو على ما في السُنَّةِ، وإلا اجتهدوا في معرفة الحكم في حدود القواعد الأصولية المستنبطة من القرآن والسُنَّةِ، والاجتهاد في الإسلام باق إلى يوم القيامة، ولكن له شروط لا بد من توافرها فيمن يجتهد حتى يكون أهلا للاجتهاد، وليس الاجتهاد في الإسلام بَابًا يدخله أي أحد، ومن لوازم كون الإسلام دينًا عامًا للناس جميعا، وباقيًا خالدًا إلى يوم القيامة أن يكون باب الاجتهاد مفتوحًا، باقيًا إلى يوم القيامة حتى يكون فيه كفاء حاجات البشر في دينهم ودنياهم، وصدق من قال: «تَحْدُثُ لِلْنَّاسِ أَقْضِيَةٌ بِقَدْرِ مَا أَحْدَثُوا مِنَ الفُجُورِ» (**).

стр. 292

وتقسيم الأطوار التي مر بها التشريع الإسلامي إلى عصر الطفولة وعصر الشباب وعصر الكهولة فالاكتمال لا ينطبق على الشرع الإسلامي لأن أصوله هي الكتاب والسنة، والإجماع والقياس، وإنما ينطبق على المذاهب الإنسانية، والقوانين الوضعية. والمستشرقون أو معظمهم لا ينظرون إلى التشريعات الإسلامية على أنها تشريعات إلاهية من لدن عليم حكيم وإنما ينظرون إليها على أنها كغيرها من المذاهب البشرية والقوانين الوضعية، فمن ثم وقعوا في مثل هذه الأخطاء. نعم قد يكون حصل التطور في تدوين كتب الفقه والأحكام وهذه سنة الله في العلوم تبدأ قليلة ثم تكثر، وصغيرة ثم تكبر، فالفقه مبناه على التشريع الإلهي من كتاب وسنة وإجماع وقياس، ولكن فيه جهود كبيرة للفقهاء على توالي العصور في الفهم، والترجيح، واستنباط الأحكام والآداب. وإذا رجعت إلى أي كتاب من كتب الفقه على كثرتها، وتعدد مذاهب أصحابها في الاجتهاد والاستنباط تجدها ممتلئة بالآيات القرآنية، والأحاديث والسنن النبوية، والله أعلم. ***

стр. 293

[(٧)] الجَوَابُ التَّفْصِيلِي عَلَى الشُبَهِ التِي أَثَارَهَا المُسْتَشْرِقُونَ: الشُّبْهَةُ الأُولَى: «وهي الشبهة السابعة في تسلسل الشبه». والجواب: [١] إننا لا نوافق المستشرقين على أن العلماء الأتقياء قاموا بحركة وضع قط ضد الأمويين، وإرغام أنوفهم بمدح أعدائهم، ثم كيف تجامع التقوى الوضع في الحديث؟ إن التقوى كما يعرفها الخاصة والعامة هي الاستقامة على الدين ظاهرًا وباطنًا، أجيبونا يا أصحاب العقول!!. إن كلمة الأتقياء دَسَّهَا المستشرق المتعصب " جولدتسيهر " لِيُهَوِّنَ على القارئ، ويسهل عليه الغرض الدنيء، والاتهام الجريء الذي يرمي إليه فإنه إذا حكم أن هذا حال العلماء الأتقياء فكيف يكون حال غير الأتقياء!؟ لا شك أنهم يفوقونهم ويزيدون عليهم في الوضع في الحديث. وقد كنا نود من المستشرق المتعصب أن يذكر لنا بعضًا من هؤلاء العلماء الأتقياء لنرى مبلغ صدقه فيما زعم، ولنبين له أقوال أئمة الجرح والتعديل فيهم ولنعلم أهم حَقًّا علماء أم أشباه علماء، أم ليسوا من العلم في شيء؟! لكن الكاتب اليهودي الحاقد على الإسلام والمسلمين أبهم، وهول لحاجة في نفسه. ونحن معاشر العلماء المسلمين لا ننكر أنه وضعت أحاديث في مدح الأمويين،

стр. 294

وَذَمِّهِمْ، وَمَدْحِ أَعْدَائِهِمْ، وَذَمِّهِمْ، وكيف؟ وهذه كتب الأحاديث الموضوعة قد بينت الكثير من ذلك، ولكن الذي ننكره أشد الإنكار أن يكون من فعل هذا تَقِيًّا!! أو تكون هذه الموضوعات قد جازت عليهم من غير أن يدركوها ويبينوا عوارها وعارها على واضعيها، فهذا ابن سيرين (١) يقول: «لَمْ يَكُونُوا يَسْأَلُونَ عَنِ الإِسْنَادِ، فَلَمَّا وَقَعَتِ الفِتْنَةُ قَالُوا: سَمُّوا لَنَا رِجَالَكُمْ. فَيُنْظَرُ إِلَى أَهْلِ السُنّةِ فَيُؤْخَذُ حَدِيثُهُمْ، وَيُنظَرُ إِلَى أَهْلِ البِدَعِ فَلاَ يُؤْخَذُ حَدِيثُهُمْ». وأهل السنة كانوا مثال الاستقامة في العقيدة والسلوك، بينما أهل البدع كانوا على الضد من ذلك، ويقول اَيْضًا: «إِنَّ هَذَا الْعِلْمَ دِينٌ، فَانْظُرُوا عَمَّنْ تَأْخُذُونَ دِينَكُمْ» " رواها مسلم في مقدمة " صحيحه "، وروى مسلم بسنده عن عبد الله - بن المبارك أنه قال: «الإِسْنَادُ مِنَ الْدِّينِ، وَلَوْلاَ الإِسْنَادُ لَقَالَ مَنْ شَاءَ مَا شَاءَ» وروي عنه اَيْضًا أنه قال: «بَيْنَنَا وَبَيْنَ القَوْمِ الْقَوَائِمُ» يَعْنِي الإِسْنَادَ (٢). وروى اَيْضًا بسنده عن عبد الله بن ذكوان المكنى بأبي الزناد قال: «أَدْرَكْتُ بِالْمَدِينَةِ مِائَةً، كُلُّهُمْ مَأْمُونٌ، مَا يُؤْخَذُ عَنْهُمُ الْحَدِيثُ، يُقَالُ: لَيْسَ مِنْ أَهْلِهِ» (٣) وهذا يدل على اليقظة التامة من العلماء الذين تَصَدَّوْا لِلْرِّوَايَةِ، وتعقبوا الوضاعين والكذابين حتى كشفوا عن خبيئة أمرهم، ودخيلة نفوسهم وقد بينت آنِفًا في الرد الإجمالي على مقالة المستشرقين كيف كان جهاد العلماء الأتقياء في مقاومة حركة الوضع لا في الاشتراك فيها. [٢] وأمر آخر أحب أن أنبه إليه وهو أن العصر الأول كان الوازع الديني فيه قويًا على الرغم مما حدث من فتن وخلافات، وهذا الوازع الديني نلمحه قويًا ظاهرًا في العلماء الأتقياء، ومن على شاكلتهم ممن لا يخافون في الحق لومة لائم، فما كان ليخيفهم زجر ولا وعيد، وأمرهم بالمعروف، ونهيهم عن المنكر ثابت معروف وكثيرًا ما كان ينصح العالم الخليفة والأمير، ويبين له مخالفته للحق والدين.

стр. 295

وإذا كان الأمر كما ترى فلماذا ينافق العلماء الأتقياء ويتوصلون إلى أغراضهم عن طريق الدس والكذب، وهم أتقياء كما يعترف بذلك " جولدتسيهر " والتقوى عند جماهير المسلمين تنافي الكذب على رسول الله ﷺ ، ولا تجامعه، وهذا الوضع لأجل إرضاء الخلفاء والأمراء إنما يفعله ضعاف الدين والأخلاق، وضعاف النفوس الذين يبيعون دينهم بدنياهم. وأيضًا فقد كان الخلفاء والأمراء على دين، وعلى خلق فما كانوا يرضون الكذب لأجلهم قط في الحديث النبوي، ومن أمثلة ذلك ما روي عن غياث بن إبراهيم أنه دخل على المهدي وهو يلعب بالحمام فروى له «لاَ سَبَقَ إِلاَّ فِي نَصْلٍ، أَوْ خُفٍّ أَوْ حَافِرٍ، أَوْ جَنَاحٍ» فزاد في الحديث «أَوْ جَنَاحٍ»، والموضوع هو اللفظ الأخير فقط، وأما الحديث فثابت رواه الإمام أحمد وأصحاب السنن الأربعة بدون لفظ «أَوْ جَنَاحٍ» فلما قام غياث ليخرج وأدبر أدرك أنه كذب لأجله، فقال: «أَشْهَدُ أَنَّ قَفَاكَ قَفَا كَذَّابٍ»، وأمر بذبح الحمام حتى لا يكون سَبَبًا لاختلاق أمثال غياث من المنافقين وأرقاء الدين. ومن ذلك ما ذكره الخطيب في ترجمة أبي البختري الكذاب أنه دخل وهو قاص على الرشيد وهو إذ ذاك يطير الحمام، فاختلق حديثا مكذوبا وهو «أن النَّبِيَّ كَانَ يُطَيِّرُ الحَمَامَ» وقد أدرك الرشيد كذبه وزجره وقال: «أُخْرُجْ عَنِّي، لَوْلاَ أَنَّكَ مِنْ قُرَيْشٍ لَعَزَلْتُكَ»، أقول، ويا ليته عزله، بل وَعَزَّرَهُ. فانظروا إلى المهدي والرشيد كيف أنكرا على من اختلق بعض الأحاديث إرضاء لهما مما يدل على أن ضمير الخلفاء ووجدانهم الديني كان لا يزال متيقظًا قويًّا. ***

стр. 296

[(٨)] الشُّبْهَةُ الثَّانِيَةُ: «وهي الشبهة الثانية في تسلسل الشبه». والجواب: أَوَّلاً: إن هذه الشبهة لا تخرج عن سالفتها في التخمين والتظنن والافتراض في المسائل العلمية الخطيرة، وكنا نحب من هذا المشكك في الأحاديث والسنن أن يضع نصب أعيننا جملة من النصوص الصحيحة تدل على أن خلفاء بني أمية وحكوماتهم كانوا يُرَغِّبُونَ الناس في الوضع وأنهم كانوا يؤيدون كل ما يريدون بوضع الأحاديث ومن العجيب من " جولدتسيهر " العالم المحقق عند المخدوعين به من المستشرقين وأبواقهم من المسلمين، الأمين في النقل عندهم، أنه وقد أراد أن يؤيد دعواه، من أن الوضع بدأ في وقت مبكر يذكر ما قاله الصحابي معاوية، للمغيرة بن شعبة «لاَ تُهْمِلْ فِي أَنْ تَسُبَّ عَلِيًّا، وَأنْ تَطْلُبَ الرَّحْمَةَ لِعُثْمَانَ، وَأَنْ تَسُبَّ أَصْحَابَ عَلِيٍّ، وَتَضْطَهِدَ مِنْ حَدِيثِهِمْ ... » فيزيد كلمة أحاديثهم ليصل إلى غرضه، وهاكم النص كما في تاريخ الطبري (١): «لاَ تَتَرَحَّمْ عَمَّنْ شَتَمَ عَلِيًّا وَذَمَّهُ، وَالتَّرَحُّمَ عَلَى عُثْمَانَ، وَالاِسْتِغْفَارِ لَهُ وَالعَيْبَ عَلَى أَصْحَابِ عَلِيٍّ وَالإِقْصَاءَ لَهُمْ وَتَرْكِ الاِسْتِمَاعِ مِنْهُمْ، وَإِطْرَاءَ شِيعَةِ عُثْمَانَ، وَالإِدْنَاءَ لَهُمْ وَالاِسْتِمَاعِ مِنْهُمْ». فنحن لا نرى في النص ما يشهد له في دعواه، وهكذا تكون أمانة المستشرقين في النقل!! والذي يقرأ هذا الكلام يخيل إليه أن الأمة الإسلامية كانت هُمَّجًا رُعَاعًا في العصر الأول وأن الضمير الإسلامي كان متلاشيًا أو مضمحلاًّ، وإلا فبماذا نفسر أن

стр. 297

العلماء الأتقياء كانوا يضعون أحاديث ضد الأمويين، وأن الأمويين كانوا يقابلونهم بالمثل، ولو أنه في مزاعمه اقتصر على «باب الفضائل والمثالب» لهان الأمر بعض الشيء ولكنه صور للقارئ هذه الصورة الخيالية في جميع شؤون الدين. ثَانِيًا: ما استند إليه من أنه لا توجد مسألة خلافية دينية أو اعتقادية إلا ولها اعتماد على جملة من الأحاديث ذات الإسناد القوي فردنا عليه: أننا نمنع أن تكون كل مسائل الخلاف اعتمد فيها أصحابها على أحاديث قوية من الجهتين فكثير من المسائل الخلافية اعتمد فيها أصحابها على أحاديث لا تنهض للاحتجاج بها. كما أن مجرد الاختلاف والاستناد إلى أحاديث قوية لا ينبغي أن يفسر بالوضع والاختلاف، فللاختلاف في المسائل الفقهية أسباب معقولة، ومحامل صحيحة أفاض في ذكرها العلماء (١). ١ - فمنها أن يكون الاختلاف من قبيل حكاية الفعل فيما هو من قبيل التوسعة على العباد، فحكى صحابي أنه فعل فعلاً، وحكى آخر أنه فعل غيره، فمثل هذا ليس في الحقيقة تناقضًا لأن الفعلين قد يكونان مباحين جائزين، أو أحدهما مُبَاحًا والآخر مُسْتَحَبًّا، أو مستحبين، أو واجبين يكون في أحدهما كفاية عن الآخر، ومثل ذلك الوتر بإحدى عشرة ركعة، أو بتسع، أو بسبع، أو بخمس، أو بثلاث، أو بواحدة، والثلاث أهي بجلوس واحد وتشهد واحد، أم هي بجلوسين وَتَشَهُّدَيْنِ، ونحو ذلك، فكل ذلك فعله النبي ﷺ على سبيل الاختيار والتوسعة على الأمة، وبكل منها وردت الأحاديث الصحيحة فمن روى أنه أوتر بواحدة فهو صادق، ومن روى أنه أوتر بثلاث فهو صادق وهكذا. ٢ - ومنها أن يكون صحابي سمع حُكْمًا من النبي ﷺ في قصة، ولم يسمعه

стр. 298

الآخر واجتهد برأيه في حدود القواعد الشرعية والالتزام بالأصول الاجتهادية، وقد يوافق اجتهاده الحديث، وقد يخالفه، والصحابة لم يكونوا في الملازمة سواء ولما جاور النبي ﷺ الرفيق الأعلى تفرق الصحابة في الأمصار الإسلامية وقد كان عند بعضهم من الأحاديث ما ليس عند الآخر، وَقَدْ تُعْرَضُ القضية في المدينة أو غيرها من الأمصار فيجدون فيها حَدِيثًا فيحكمون بمقتضاه، ثم تُعْرَضُ فِي مِصْرٍ آخر فلا يجدون فيها عند أحد من الصحابة الموجودين في هذا المصر حَدِيثًا، فيحكم بالاجتهاد ثم يظهر أن في المسألة حَدِيثًا عن النبي ﷺ موجودًا عند صحابي آخر فإذا ما نقل عن الصحابة أنهم حكموا في هذه المسألة بما يخالف الحديث الذي لم يطلعوا عليه ونقل إلينا الحديث فلا يكون ذلك قادحًا في الحديث لأنه لم يبلغهم. ٣ - وقد يكون منشأ الخلاف في الرواية اختلاف وجهة النظر في حكاية حال شاهدوها من رسول الله، وإلى هذا السبب يرجع كثير من الخلاف في الرواية وذلك مثل اختلافهم في حجة رسول الله ﷺ ، وهي حَجَّةُ الوَدَاعِ: أكان النبي ﷺ قَارِنًا، أَمْ كَانَ مُفْرِدًا، أَمْ كَانَ مُتَمَتِّعًا، فقد رآه بعضهم وقد أحرم بالحج فروى أنه كان مُفْرِدًا، ورآه بعضهم بعد ما أدخل العمرة على الحج فروى أنه كان قَارِنًا، ومن روى أنه كان مُتَمَتِّعًا فإنما أراد به التمتع اللغوي لا الشرعي. ٤ - وقد يكون منشأ اختلاف الرواية عن الصحابة الاختلاف في فهم المروي عن رسول الله ﷺ أو في طريقة الجمع بين الأحاديث التي ظاهرها التعارض أو في علة الحكم أو في ترجيح نص على نص. ٥ - وقد يكون الاختلاف لأن في الحديث عَامًّا، وَخَاصًّا، وَمُطْلَقَا، وَمُقَيَّدًا، وَمُجْمَلاً، وَمُبَيِّنًا فمنهم من يرى أنه على عمومه، ومنهم من يرى أنه عام مخصوص، ومنهم من يرى أنه على إطلاقه، ومنهم من يرى أنه مقيد إلى غير ذلك، فمن لم يتعمق في الدراسات الإسلامية الأصيلة يظن بادئ الرأي أنه تناقض، وأنه أثر من آثار الوضع والاختلاق، ولو تعمق وَبُحِثَ بَحْثًا مُجَرَّدًا عن الهوى والتعصب لظهر له الحق.

стр. 299

الشُّبْهَةُ الثَّالِثَةِ: أما الجواب عن الشبهة الثالثة: وهي ما زعمه " جولدتسيهر " من أن الأمويين استغلوا أمثال الزهري، فوضعوا لهم أحاديث مثل حديث «لاَ تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلاَّ إِلَى ثَلاَثَةِ مَسَاجِدَ: مَسْجِدِي هَذَا، وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَالمَسْجِدِ الأَقْصَى» فغرضه تقويض الدعامة الأساسية التي قام عليها علم الرواية في الإسلام، وهم الرواة وأنهم قوم كانوا يتبعون هوى الخلفاء والأمراء، وإذا كان هذا حال الزهري وهو علم الحفاظ، ومن كبار العلماء الذين نشروا الحديث، على هذه الحال، فما بالك بغيره من الرواة الذين هم دون الزهري عِلْمًا وَجَلاَلَةً، ويستهويهم رضا الخلفاء، والأمراء؟ فهم قصدوا بالطعن في الزهري وأمثاله الطعن فيه بخاصة وفي الرواة بعامة وقد أكثرت القول في الرد على هذه الشبهة فيما سبق، وافترائه على هذا الحديث بأنه موضوع، وكذلك ما زعموا أنه وضع في بيت المقدس، والصخرة وبلاد الشام ولعل القارئ على ذكر منه. ***

стр. 300

[(٩)] الشُّبْهَةُ الرَّابِعَةُ: وهي «الشبهة التاسعة». الجواب عن هذه الشبهة: (أولاً) أما ما زعمه جولدتسيهر، المستشرق اليهودي الحاقد على السُنَّةِ ورجالها وحملتها من الوضع في الأحكام التي لا تتفق هي وما يراه أهل المدينة في أحكام العبادات فهو كلام كسابقه مبني على الحدس والتخمين والتهجم والتجني، وهو كلام من لم يعرف شيئًا عن المجتمع الإسلامي في هذا العصر، أو عرف ولكنه يتجنى. لقد كان هناك كثيرون من صغار الصحابة، وكثيرون من التابعين الذين يضحون بأنفسهم وبأعز عزيز لديهم في سبيل دينهم، والذين ما كانوا يخشون في الحق لومة لائم، ولا يخشون إلا الله ﵎، وما كان يمكن لخليفة أو غيره أن يتزيد في أمور الدين، أو يُغَيِّرَ منه، وهو في مأمن من غضب الناس ونقمتهم عليه، لقد كان المسلمون لهم بالمرصاد، وكانوا ينكرون عليهم بعض التغييرات التي أحدثوها في بعض العبادات مع أنهم كانوا متأولين فيما يفعلون كما ستعلم قريبا وهاك بعض الأمثلة التي تدل على شدة مراقبة العلماء للخلفاء والأمراء ومعارضتهم أشد المعارضة إذا حاولوا شيئًا مما أحدثوا. روى الذهبي في " تذكرة الحفاظ " في ترجمة الصحابي الجليل ابن عمر ﵄ أَنَّهُ قَامَ، وَالحَجَّاجُ يَخْطُبُ، فَقَالَ: «عَدُوُّ اللهِ اسْتَحَلَّ حَرَمَ اللهِ وَخَرَّبَ بَيْتَ اللهَ، وَقَتَلَ أَوْلِيَاءَ اللهِ»!! فَقَالَ: «مَنْ هَذَا؟» فَقِيلَ: عَبْدُ اللهِ بْنِ عُمَرَ، فَقَالَ:

стр. 301

«اسْكُتْ يَا شَيْخًا قَدْ خَرِفَ» (١) وروي عنه اَيْضًا أَنَّ الحَجَّاجَ خَطَبَ فَقَالَ: «إِنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ بَدَّلَ كَلاَمَ اللهِ»، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: «كَذَبَ (٢) لَمْ يَكُنِ ابْنُ الزُّبَيْر يَسْتَطِيعُ أَنْ يُبَدِّلَ كَلاَمَ اللهِ وَلاَ أَنْتَ».!!! فَقَالَ الحَجَّاجُ: «أَنْتَ شَيْخٌ خَرِفٌ»، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: «أَمَا إِنَّكَ لَوْ عُدْتَ لَعُدْتُ» (٣). والحجاج هُوَ مَنْ هُوَ قَسْوَةً عَلَى الأَمَّةِ الإِسْلاَمِيَّةِ ومحاولة إذلالها، وإسكات أَلْسِنَةَ الحَقِّ فيها وقد سمعت ما قاله له الصحابي ابن عمر. فكيف يعقل أن يصبغ بنو أمية حكمهم بالوضع في الأحكام، ولا ينكر عليهم، أشد الإنكار أن الوضع في الأحكام لم يكن في هذا الوقت المبكر، إنما حدث بعد لما وجدت العصبية المذهبية، واشتدت الخلافات الفقهية ولئن كانت أحاديث الفضائل يتساهل فيها بعض العلماء، فأحاديث الأحكام أجمع العلماء على التشدد فيها وعدم التساهل فيها، لأن عليها يتوقف معرفة الحلال والحرام. (ثانيًا) من العجيب حَقًّا أنه وقد أراد أن يؤيد افتراءه ذكر بعض مخالفات أحصيت على بني أمية، وليست في واحدة منها ما يشهد لدعواه. أما مسألة أن رسول الله ﷺ كان يخطب خطبة الجمعة واقفًا، حتى جاء معاوية فخطب قاعدًا - فهذا أمر لا ينكر، ومعاوية لم يفعله إلا لعذر: روى ابن أبي شيبة «أَنَّ مُعَاوِيَةُ ﵁ خَطَبَ قَاعِدًا لَمَّا كَثُرَ شَحْمُ بَطْنِهِ وَلَحْمُهُ»، وروى البيهقي في " سُنَنِهِ " «أَنَّ ضَعْفَهُ كَانَ لِكِبَرٍ أَوْ مَرَضٍ» وكنا نحب من هذا المتجني على الأحاديث أن يضع يدنا على حديث واحد فيه ما يبرر ذلك. وروى البيهقي بسنده عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ أَنَّهُ دَخَلَ الْمَسْجِدَ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ ابْنُ أُمِّ الْحَكَمِ يَخْطُبُ قَاعِدًا، فَقَالَ: «انْظُرُوا إِلَى هَذَا الْخَبِيثِ يَخْطُبُ قَاعِدًا، وَقَالَ

стр. 302

اللهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾» الآية (١). ولم نسمع أن ابن الحكم احتج على جلوسه بحديث قط. وأما حديث رجاء بن حيوة فلم أطلع عليه وكان عليه أن يدلنا على مرجعه في هذا، ورجاء بن حيوة من الحفاظ النبلاء ولم يتهم بوضع ولا اختلاق في الأحاديث. وحديث جابر بن سمرة لا يدل على أنه وُضِعَ حديث بالفعل في هذا الأمر، بل هو رَدٌّ لما يحتمل أن يظنه بعض الناس من أن هذا التغيير كان له أصل في الأحاديث النبوية، أو لما يحتمل أن يفعله بعض ضعفاء الإيمان المتزلفين إلى الخلفاء والأمراء وقد يلجأ الشخص إلى مثل هذا الإسلوب لتقوية كلامه وليقطع على الخصم أن يكون لما فعلوه سندا من السنة الثابتة. وأما خطبة العيد فقد قدمها على الصلاة معاوية وعماله، لأن الناس ما كانوا يجلسون إليهم بعد الصلاة لاستماع الخطبة، ولم يسلموا من إنكار الأمة والتشنيع عليهم بسببه ولم نسمع أن معاوية وعماله احتجوا لما فعلوه بحديث: روى البخاري في " صحيحه " أن أبا سعيد الخدري أنكر على مروان بن الحكم وإلى المدينة من قبل معاوية تقديم الخطبة على صلاة العيد، وجذبه من ثوبه، فجذبه مروان، فارتفع فخطب قبل الصلاة، فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ: «فَقُلْتُ لَهُ غَيَّرْتُمْ وَاللَّهِ!!»، فَقَالَ: «أَبَا سَعِيدٍ قَدْ ذَهَبَ مَا تَعْلَمُ»، فَقُلْتُ: «مَا أَعْلَمُ وَاللَّهِ خَيْرٌ مِمَّا لاَ أَعْلَمُ»، فَقَالَ مَرْوَانُ: «نَّ النَّاسَ لَمْ يَكُونُوا يَجْلِسُونَ لَنَا بَعْدَ الصَّلاَةِ». فها هو مروان قد اعتذر بما يراه مُبَرِّرًا لعمله، ولم يختلق حَدِيثًا أو أوعز إلى من يختلق حَدِيثًا كما زعم " جولدتسيهر " مع أن هذا كان أنسب الأوقات للاختلاق.

стр. 303

وكذا زيادة درجات المنبر النبوي بالمدينة صيرها مروان ست درجات، وقال: إنه فعل ذلك لما كثر الناس. وهي وجهة نظر لا غبار عليها من جهة الشرع، ولم نر مروان وضع في ذلك حَدِيثًا، الحق أني في عجب بالغ من هذا المستشرق!! يأتي بالدعوى العريضة ويستدل عليها، فيأتي بما ينقضها من أساسها. ألا فليسمع المخدوعون بجولدتسيهر وأبحاثه ليروا كيف يكون المنطق الأعرج وكيف يكون الإدلاء بالحجة، حتى إذا عركها الباحث المنصف فإذا هي سراب في سراب. ***

стр. 304

[(١٠)] الشُّبْهَةُ الخَامِسَةُ: وهي «الشبهة العاشرة». والجواب عن هذه الشبهة: [١] ما استند إليه مما ذكره أهل الجرح والتعديل في بعض الضعفاء، والكذابين، والمغفلين فهو يشهد لنا، ويرجع بالنقض على كلامه، أليس فيه أكبر حجة على يقظة العلماء المعدلين، والمجرحين، وجهادهم في نفي الدخيل على الحديث، ورد الموضوعات، وعلى دقة أنظارهم، وَبُعْدِ غورهم في النقد، حتى إنهم ليعرفون دخيلة الشخص، وطويته مهما كان ظاهره صالحًا، ومهما حاول إخفاء ما في باطنه. ومن شروطهم التي اشترطوها في الراوي العدل أن يكون عدل الظاهر، والباطن وهؤلاء الذين ورد فيهم قول أبي عاصم النبيل - لا عاصم بن نبيل - كما زعم الطاعن وقول يحيى بن سعيد الأنصاري هم فئة متزهدة، متصوفة، لا تميز بين الحلال والحرام، وبين ما يجوز وما لا يجوز، فأجازوا! الوضع في الترغيب والترهيب، أو هم فئة غلب عليهم الزهد والتصوف عن الحفظ، والتلقي والسماع من الشيوخ، فهم يَرْوُونَ كل ما يسمعون، فيقعون في الكذب وهم لا يشعرون، ومثل هؤلاء ما كان يؤخذ عنهم الحديث وهذا الكلام إنما يسوقه العلماء للتحذير من ضرر هؤلاء المغفلين (١) والأخذ منهم، وقد ساق هذا الكلام الإمام مسلم في " صحيحه " للتثبت في رواية الأخبار، والإعراض عن روايات المتهمين، والضعفاء، فيأتي المستشرقون فيحرفون الكلم عن مواضعه، ويجعلون من الفضيلة رذيلة، ومن المنقبة مذمة!!!

стр. 305

[٢] ما ذكره عن زياد بن عبد الله البكائي قد خانه فيه التحقيق، أو علم الحق ولكنه دلس وكذب على العلماء، وزياد ليس بكذاب، ولا متهم بالكذب. قال فيه الإمام أحمد بن حنبل: «لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ، حَدِيثُهُ حَدِيثَ أَهْلِ الصِّدْقِ». وقال فيه الإمام أبو داود صاحب " السنن " نقلا عن ابن معين: «زيَادٌ البَكَّائِيُّ فِي ابْنِ إِسْحَاقَ، ثِقَةٌ، وَكَانَ يُضََعِّفُ فِي غَيْرِهِ، وَهُوَ أَثْبَتُ مَنْ رَوَى المَغَازِي عَنْ ابْنِ إِسْحَاقَ» وعبارة وكيع التي نقلها الطاعن رواها الترمذي في " كتاب النكاح " عن البخاري بسنده عن وكيع قال: «زِيَادُ مَعَ شَرَفِهِ يَكْذِبُ فِي الحَدِيثِ» ولكن الذي في " تاريخ البخاري " يخالف هذا، فقد روى بسنده عن وكيع قال: «زِيَادُ مَعَ شَرَفِهِ لاَ يَكْذِبُ فِي الحَدِيثِ» وإذا اختلف كلام الناقل والمنقول عنه فالعبرة بالمنقول عنه، ودقة البخاري في النقل مستغنية عن التنبيه، ولا سيما إذا كان هناك ما يرجح كما هنا، فزياد لم يتهم بكذب قط، كما أن الحاكم أبا أحمد ساقه في " الكنى " بإسناده إلى وكيع كما نقله البخاري، والظاهر أن رواية الترمذي سقطت منها «لاَ» (١). وأيضا فقد روى له البخاري في - كتاب الجهاد - متابعة، وليس له في " صحيح البخاري "غيره وأخرج له الإمام مسلم في مواضع من كتابه " الصحيح " فلو كان كذابا أو متهما بالكذب لما أخرج له البخاري في المتابعات، ولما أخرج له مسلم في الأصول، وبحسب زياد توثيقًا له تخريج الشيخين له، وكفى بهما مزكيين وموثقين، على أنه إن وجد في الرواة كذابون فقد وجد أضعاف أضعافهم من الرواة الثقات العدول الضابطين. [٣] ما حكاه عن يزيد بن هارون أن أهل الحديث بالكوفة في عصره ما عدا واحدا كانوا مدلسين حتى السفيانان ذكرا بين المدلسين فكلام يسوقه أهل الجرح

стр. 306

لِيُنْتَبَهَ إِلَى المُدَلِّسِ فلا يؤخذ عنه ما رواه بالعنعنة إلا إذا أثبت أنه سمعه من المروي عنه، على أن التدليس لَيْسَ كَذِبًا، وإنما هو الرواية بعبارة موهمة تحتمل اللقاء، وعدم اللقاء والسفيانان: سفيان بن سعيد الثوري، وسفيان بن عيينة تدليسهما من النوع المحتمل، الذي يزول بمجيئه من طريق آخر تفيد اللقاء والسماع وعلى هذا جرى أصحاب الصحاح وغيرهم في تخريج أحاديثهم وأحاديث من هم مثلهم على أن الكوفة ما هي إلا مصر من الأمصار الإسلامية أما غيرها من الأمصار فقد كان فيها الكثيرون من الرواة الذين لم يعرفوا بتدليس قط قال الحاكم أبو عبد الله في كتابه "علوم الحديث " (*) «غَيْرَ أَنِّي أَدُلُّ عَلَى جُمْلَةٍ يَهْتَدِي إِلَيْهَا الْبَاحِثُ، عَنِ الأَئِمَّةِ الَّذِينَ دَلَّسُوا، وَالَّذِينَ تَوَرَّعُوا عَنِ التَّدْلِيسِ: وَهُوَ أَنَّ أَهْلَ الْحِجَازِ وَالْحَرَمَيْنِ، وَمِصْرَ وَالْعَوَالِي، لَيْسَ التَّدْلِيسُ مِنْ مَذْهَبِهِمْ، وَكَذَلِكَ أَهْلُ خُرَاسَانَ، وَالْجِبَالِ وَأَصْبَهَانَ، وَبِلادُ فَارِسَ، وَخَوْزِسْتَانَ، وَمَا وَرَاءَ النَّهَرِ لا يُعْلَمُ أَحَدٌ مِنْ أَئِمَّتِهِمْ دَلَّسَ، وَأَكْثَرُ الْمُحَدِّثِينَ تَدْلِيسًا أَهْلُ الْكُوفَةِ، وَنَفَرٌ يَسِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ». وأما السفيانان فهما من كبار الأئمة وما أخذ عليهما ليس من النوع المرذول، فسفيان بن عيينة كان يدلس عن الثقات، وقد حكى ابن عبد البر عن أئمة الحديث أنهم قالوا: يقبل التدليس ابن عيينة لأنه إذا دلس أحال على ابن جريج ومعمر ونظرائهما، وهذا ما رجحه ابن حبان وقال: «هَذَا شَيْءٌ لَيْسَ فِي الدُّنْيَا إِلاَّ لِسُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ» (١). وأما سفيان الثوري فكان تدليسه من قبيل إبدال الاسم بالكنية أو العكس، رَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي " الْمَدْخَلِ "، «عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ رَافِعٍ، قَالَ: قُلْتُ لأَبِي عَامِرٍ: كَانَ الثَّوْرِيُّ يُدَلِّسُ؟ قَالَ: لاَ، قُلْتُ: أَلَيْسَ إِذَا دَخَلَ كُورَةً يَعْلَمُ أَنَّ أَهْلَهَا لاَ يَكْتُبُونَ حَدِيثَ رَجُلٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي رَجُلٌ، وَإِذَا عُرِفَ الرَّجُلُ بِالاسْمِ كَنَّاهُ، وَإِذَا عُرِفَ بِالْكُنْيَةِ سَمَّاهُ؟، قَالَ: هَذَا تَزْيِينٌ لَيْسَ بِتَدْلِيسٍ».

стр. 307

ومهما يكن من شيء فقد احتاط أئمة الحديث في قبول رواية المدلس، وجعلوا من التدليس ما يجرح به راويه كتدليس التسوية بأن يحذف الراوي الضعيف ويبقى الثقة (١) ومنه ما لم يجرح به راويه (٢) كالذي أثر عن السفيانين وبذلك ظهر أن ما تمسك به " جولدتسيهر " أوهام لا تغني عن الحق شيئًا. ...

стр. 308

[(١١)] الشُّبْهَةُ السَّادِسَةُ: وهي «الشبهة الحادية عشر». والجواب عن هذه الشبهة: وأما قول " جولدتسيهر ": «وقد شعر المسلمون في القرن الثاني بأن الاعتراف بصحة الحديث يجب أن يرجع إلى الشكل فقط، وأنه يوجد بين الأحاديث الجيدة الإسناد كثير من الأحاديث الموضوعة .... ». إلخ. فَرَدُّنَا عليه أن هذا الكلام من افتراءات المستشرقين، ولم نقف عليه في كلام إمام من الأئمة، ولا في كتاب من الكتب الموثوق بها، وكيف يبذلون الجهد، ويقضون العمر في معرفة الأحاديث الصحيحة، والتمييز بينها وبين الأحاديث المردودة وعلى رأسها الموضوعات، ثم يوجبون أن يكون فيما صَحَّحُوهُ ما هو موضوع مختلق مكذوب، هذا ما لا يقبله عقل!!! وغاية ما قالوه أن الحكم على الحديث بالصحة، أو الحسن، أو الضعف إنما هو بحسب الظن الغالب وبحسب الظاهر الذي أمرنا بالحكم به، لا بحسب الواقع ونفس الأمر لجواز أن يصدق الكذوب، ويكذب الصدوق وهو تجويز عقلي، دعاهم إليه المبالغة في الإنصاف والمبالغة في التواضع، وهضم النفس، لأنه لا يعلم ما في الواقع ونفس الأمر إلا الله ﵎ ومع هذا فقد قطعوا بصدق أحاديث كثيرة، كما قطعوا بكذب أحاديث كثيرة، ومن اطلع على قواعد المحدثين، وشروطهم، وشرب من معينهم عللاً بعد نهل، وغاص في بحار العلم كما غاصوا يكاد يتيقن ويجزم بما حكموا بصحته أو ضعفه ومن ذاق عرف، ومن عرف اعترف. ومن العجيب حقا أن يؤيد تجنيه على الحديث وأهله بأنهم ساعدهم على ذلك

стр. 309

ما روي من الحديث المزعوم «سَيَكْثُرُ الحَدِيثُ عَنِّي فَمَا وَافَقَ القُرْآنَ فَهُوَ ِمنِّي، قُلْتُهُ أَوْ لَمْ أَقُلْهُ» وهو موضوع لا محالة، [أَدْرَكَ] وَضْعَهُ وَنَبَّهَ إِلَيْهِ جهابذة المحدثين والعلماء والنقاد كيحيى بن معين المُتَوَفَّى سَنَةَ ثلاث وثلاثين ومائتين، وقال: «إِنَّهُ مِنْ وَضْعِ الزَّنَادِقَةِ»، وكذا حكم بوضعه عبد الرحمن بن مهدي المُتَوَفَّى سَنَةَ ثمان وتسعين ومائة وهو ابن ثلاث وسبعين سنة قال فيه الحافظ ابن حجر في " التقريب ": «ثِقَةٌ ثَبْتٌ، حَافِظٌ عَارِفٌ بِالرِّجَالِ وَالْحَدِيثِ» ومثل هذا الحديث في الضعف والنكارة، والاختلاق الحديث [المزعوم]: «إِذَا حَدِّثْتُمْ عَنِّي بِحَدِيثٍ يُوَافِقُ الْحَقَّ فَصَدِّقُوهُ، وَخُذُوا بِهِ، حَدَّثْتُ بِهِ أَوْ لَمْ أُحَدِّثْ» قال السخاوي: رواه الدارقطني في " الأفراد " والعقيلي في " الضعفاء " وأبو جعفر بن البحتري في " فوائده " عن أبي هريرة مرفوعًا، قال: وَالحَدِيثُ مُنْكَرٌ جِدًّا، وقال العقيلي: ليس له إسناد يصح، ومن طرقه ما عند الطبراني عن ابن عمر مرفوعا: «سُئِلَتِ الْيَهُودُ عَنْ مُوسَى فَأَكْثَرُوا فِيهِ، وَزَادُوا، وَنَقَصُوا حَتَّى كَفَرُوا، وَسُئِلَتِ النَّصَارَى عَنْ عِيسَى فَأَكْثَرُوا فِيهِ، وَزَادُوا وَنَقَصُوا حَتَّى كَفَرُوا، وَإِنَّهُ سَتَفْشُو عَنِّي أَحَادِيثُ، فَمَا أَتَاكُمْ مِنْ حَدِيثِي فَاقْرَءُوا كِتَابَ اللَّهِ، وَاعْتَبِرُوا، فَمَا وَافَقَ كِتَابَ اللَّهِ فَأَنَا قُلْتُهُ، وَمَا لَمْ يُوَافِقْ كِتَابَ اللَّهِ فَلَمْ أَقُلْهُ» قال: وقد سئل شيخنا يعني الحافظ ابن حجر عن هذا الحديث فقال: «إِنَّهُ جَاءَ مِنْ طُرُقٍ لاَ تَخْلُو مِنْ مَقَالٍ»، وقد جمع طرقه البيهقي في كتابه " المدخل " وقال الصغاني: «إِذَا رَوَيْتُمْ - وَيُرْوَى (إِذَا حَدَّثْتُمْ) عَنِّي حَدِيثًا فَاعْرِضُوهُ عَلَى كِتَابِ اللهِ فَإِنْ وَافَقَ فَاقْبَلُوهُ وَإِنْ خَالَفَ فَرُدُّوهُ» قَالَ: «هُوَ مَوْضُوعٌ» (١). وكذلك قال غيره في حديث «عَرْضِ السُنَّةِ عَلَى القُرْآنِ» إنه موضوع، ويكاد يجمع على ذلك العلماء العارفون بالحديث وَعِلَلِهِ والتمييز بين مقبوله ومردوده، وصحيحه وضعيفه ونحن لا نشك - ولا أي عاقل - في أن هذا الحديث الذي ذكره " جولدتسيهر " (٢) وحديث ابن ماجه «مَا قِيلَ مِنْ قَوْلٍ حَسَنٍ فَأَنَا قُلْتُهُ» موضوعان

стр. 310

مختلقان ومتونهما متناقضة متهافتة، وإن نظرة فاحصة في متن الحديثين لتدلنا أن هذا لا يصدر من معصوم فضلاً عن عاقل وكيف يتأتى من أعقل العقلاء بشهادة الموافق والمخالف والصديق والعدو أن ما لم يقله ما دام حسنًا فقد قاله؟ بل كيف يأمر بالأخذ بحديث حَدَّثَ به أو لم يحدث!؟ إن هذا للعجب العجاب. وأما قوله: «ويمكن أن نتبين شيئًا من ذلك في الأحاديث الموثوق بها فمن ذلك ما رواه مسلم من «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِقَتْلِ الكِلاَبِ، إِلاَّ كَلْبَ صَيْدٍ أَوْ كَلْبَ مَاشِيَةٍ» فأخبر ابن عمر أن أبا هريرة يزيد «أَوْ كَلْبَ زَرْعٍ» فقال ابن عمر: «إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ يَزْرَعٌهَا»، فملاحظة ابن عمر تشير إلى ما يفعله المُحَدِّثُ لغرض في نفسه». فقد قدمت ما فيه الكفاية في الرد على أحمد أمين في هذا، وأحب من القارئ الحصيف أن يتأمل في قول جولدتسيهر فملاحظة ابن عمر ... الخ، وقول المتابع له أحمد أمين في قوله: " فهذا نقد من ابن عمر لطيف " (*) لترى مقدار متابعة بعض الكُتَّابِ والباحثين المسلمين للمستشرقين وحذوهم لهم حذو الفعل بالفعل، ومن دهاء أحمد أمين في البحث أنه لا يستعلن، ويغلف السم بالدسم.

стр. 311

[(١٢)] الشُّبْهَةُ السَّابِعَةُ: وهي «الشبهة الثانية عشر». والجواب عن هذه الشبهة: [١] يظهر لي أن هذا المستشرق الذي تابعه على أفكاره وآرائه الخاطئة معظم المستشرقين - قرأ في كتب المحدثين ولكن لم يجد القراءة، وقذف بنفسه في بحر السُنَّةِ الواسع حتى كاد أن يبتلعه اليم، فصار يسبح على غير هُدًى، ويضرب ذات اليمين، وذات الشمال يحاول أن يصل إلى بر السلامة، وما هو بمستطيع. ولئن أصاب المستشرقون في بعض المباحث الأدبية فما أكثر خطأهم حين يبحثون في السُنَّةِ، وإذا كان علماء الإسلام المشتغلين بالحديث اليوم ممن وضعوا العلوم الإسلامية من لدن نشأتهم لا يصلون إلى بعض الحقائق المتعلقة بالحديث إلا بعد طول الدرس والبحث واستفراغ الوسع فما بالك بهؤلاء الغرباء عن الإسلام وعلومه حينما يتعرضون للبحث في الحديث، فإذا اجتمع إلى ذلك خُبْثُ الطَّوِيَّةِ، وسوء الغرض من دراساتهم الإستشراقية وحرصهم على النيل من القرآن ومن السُنَّةِ تكون النتيجة كثرة الأغلاط والأخطاء في بحوثهم منها ما هو عن عمد وتحريف للكلام عن مواضعه، ومنها ما هو عن جهل، وقصور في العلم والمعرفة. إن هذه الصحف المنسوخة التي وجدت محتوية على جملة من الأحاديث قد أعارها العلماء المحدثون اهتمامهم، وَبَيَّنُوا الصحيح من الضعيف، والموضوع منها من غير الموضوع، وقد نَبَّهَ العلماء إلى النسخ الموضوعة المكذوبة، وذلك مثل نسخ أبي هدبة، ودينار، والأشج، ونسطورا، ويسر، ونعيم وغيرها. ومن النسخ التي اكتسبت عناية المحدثين صحف تحديد أنصبة الزكاة وبيان المخرج منها التي وجدت مكتوبة عن رسول الله ﷺ أو اكتتبها خلفاؤه من بعده،

стр. 312

فقد قالوا في كتاب الخليفة الأول أبي بكر الصديق - رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ - الذي وجه به أنس بن مالك إلى البحرين والذي اعتمد فيه على ما فرضه رسول الله ﷺ : إنه أصح الكتب وفيه أنصبة الإبل والغنم. قال الإمام أبو محمد بن حزم الأندلسي في هذا الكتاب: «هَذَا الكِتَابُ فِي غَايَةِ الصِحَّةِ عَمِلَ بِهِ الصِدِّيقُ بِحَضْرَةِ العُلَمَاءِ وَلَمْ يُخَالِفْهُ أَحَدٌ» وقد أخرج حديث هذا الكتاب أحمد، والبخاري، والنسائي، وأبو داود، والدارقطني وقال: هذا إسناد صحيح رواته كلهم ثقات وكذا رواه الشافعي والبيهقي والحاكم، واختلفوا في صحة رواية الزهري عن سالم عن أبيه قال: كان رسول الله ﷺ قد كتب الصدقة ولم يخرجها إلى عماله حتى توفاه الله، فأخرجها أبو بكر من بعده، فعمل به حتى توفي رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي، وقال: حسن. وقد ورد مُرْسَلاً، قال الزهري: «هَذِهِ نُسْخَةُ كِتَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الَّذِي كَتَبَهُ فِي الصَّدَقَةِ، وَهِيَ عِنْدَ آلِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ»، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: «أَقْرَأَنِيهَا سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، فَوَعَيْتُهَا عَلَى وَجْهِهَا، وَهِيَ الَّتِي انْتَسَخَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ وَسَالِمِ ابْنَيْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ»، وقد سئل عنه البخاري فقال: «أَرْجُو أَنْ يَكُونَ مَحْفُوظًا» ونقل عن ابن معين تضعيفه للحديث. فكيف يقال: إنهم لم يبحثوا عن صحة الصحف، ولا عن مصدرها؟! [٢] أحاديث زكاة البقر: وأما أحاديث زكاة البقر التي حاول أن يشكك فيها، وأنه لم يكن للعلماء أن يستخلصوا منها نِصَابًا للدفع - كما زعم - فهي مروية في الكتب المعتمدة ففي " منتقى الأخبار " عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: «بَعَثَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى الْيَمَنِ، وَأَمَرَنِي أَنْ آخُذَ مِنْ كُلِّ ثَلاَثِينَ مِنَ الْبَقَرِ تَبِيعًا أَوْ تَبِيعَةُ». الحديث رواه الخمسة، وَعَنْ يَحْيَى بْنِ الْحَكَمِ، أَنَّ مُعَاذًا قَالَ: «بَعَثَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ أُصَدِّقُ (١) أَهْلَ

стр. 313

اليَمَنِ فَأَمَرَنِي أَنْ آخُذَ مِنَ الْبَقَرِ مِنْ كُلِّ ثَلاَثِينَ تَبِيعًا، وَمِنْ كُلِّ أَرْبَعِينَ مُسِنَّةً». الحديث رواه أحمد وكذا أخرجه ابن حبان وصححه، والدارقطني وصححه اَيْضًا من رواية أبي وائل عن مسروق عن معاذ، وأكثر العلماء على تصحيح هذه الروايات، وتصحيح هذه النسخ. وخالف بعضهم كابن حزم، فحكم بالانقطاع وقال: «إِنَّ مَسْرُوقًا لَمْ يَسْمَعْ مِنْ مُعَاذٍ»، وقد بالغ في تقرير ذلك. وحكى الحافظ ابن حجر عن عبد الحق أنه قال: " في زكاة البقر حديث متفق على صحته " يعني في النصب وقال ابن عبد البر في " التمهيد " في حديث معاذ: «إسْنَادُهُ صَحِيحٌ مُتَّصِلٌ ثَابِتٌ» وقال في " الاستذكار ": وَلاَ خِلَافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّ السُّنَّةَ فِي زَكَاةِ الْبَقَرِ [عَلَى] مَا فِي حَدِيثِ مُعَاذٍ [هَذَا] وَأَنَّهُ النِّصَابُ [الْمُجْتَمَعُ] عَلَيْهِ [فِيهَا]» (١). فلماذا نغلب قول ابن حزم بالانقطاع على أقوال هؤلاء الحاكمين على حديث معاذ بالصحة والاتصال؟! ولو سلمنا الانقطاع، فانقطاع السند شيء، وكون الحديث موضوعًا شيء آخر، فكيف يبني هذا المستشرق الحكم بالوضع على الاختلاف في رواية بالصحة وعدمها؟ على أن هذه الرواية إن كان قد وقع فيها الاختلاف في الحكم بالصحة أو الضعف فهناك غيرها من الروايات التي صحت في أنصبة زكاة البقر، وكان القول بصحتها موضع اتفاق. وروى البيهقي في " سننه " بِسَنَدِهِ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَتَبَ إِلَى أَهْلِ الْيَمَنِ بِكِتَابٍ فِيهِ الْفَرَائِضُ، وَالسُّنَنُ، وَالدِّيَاتُ، وَبَعَثَ بِهِ مَعَ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ وَقُرِئَتْ عَلَى أَهْلِ الْيَمَنِ، وَهَذِهِ نُسْخَتُهَا ... الحديث.

стр. 314

وفيها زكاة الإبل، والبقر، والغنم. وقد سئل الإمام أحمد بن حنبل عن حديث الصدقات هذا، فقال: «أَرْجُو أَنْ يَكُونَ صَحِيحًا» وعدم الجزم بالصحة في هذا نوع من ورع الإمام أحمد ومن بعد ذلك كله فهل يليق بباحث أن يأخذ من اختلاف العلماء في صحة جملة من الأحاديث أو عدم صحتها أو اختلافهم في الاعتماد على نسخة أو عدم الاعتماد - هذا الحكم الجائر، وهو أن العصر الأول كان مطبوعًا بطابع الوضع ومما ينبغي أن يعلم اَيْضًا أن هناك فرقا بين الحكم على الحديث بعدم الصحة وبين كونه موضوعًا فقد يكون الحديث غير صحيح، ولكنه حسن أو ضعيف، ولكنه لا يصل إلى حد الوضع. [٣] يظهر لي أن " جولدتسيهر " ظن أن الاعتماد في هذه الكتب والنسخ على الكتاب فقط وهو زعم غير صحيح فقد ثبتت هذه الكتب بالروايات الصحيحة المتصلة كما بينت آنِفًا وكتاب أبي بكر ﵁ في الصدقات رواه البخاري بسنده عن ثمامة بن عبد الله بن أنس، أن أنسا حدثه «أَنَّ أَبَا بَكْرٍ ﵁ كَتَبَ لِي هَذَا الكِتَابَ لَمَّا وَجَّهَهُ إِلَى البَحْرَيْنِ ... » الحديث، وفي رواية الزهري السابق «أَقْرَأَنِيهَا سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ فَوَعَيْتُهَا عَلَى وَجْهِهَا» فالعمدة على التلقي، والرواية لا على وجدانها مكتوبة. ولست أدري أي ضير في الرجوع إلى وصايا مكتوبة ما دام شرط الوثوق بها متوافرًا، وما دامت تلقيت بالرواية عن الثقات، ولكي يؤثر جولدتسيهر في القارئ الذي لا ضلع له في العلم بالسنة ينظر بحلف عرب الشمال والجنوب وسرعة تصديق الناس له، وما درى أن الحلف بين عرب الشمال والجنوب ليست له من الأهمية في الدين والعلم بالحلال والحرام مثل ما للعلم بالزكاة وأنصبتها، فالسنة هي الأصل الثاني من أصول التشريع وبالعلم بها يعلم الحلال والحرام، فلا عجب إذا حلت من نفوس المسلمين المحل الممتاز اللائق، فقياس صحف الحديث على الصحيفة التي اشتملت على هذا الحلف قياس مع الفارق الكبير. ***

стр. 315

«وَبَعْدُ»: فما رأي القارئ الحصيف المنصف بعد هذه الردود الطويلة بعد ما ظهر له أن هذا الثوب الذي حاكه «جولدتسيهر» حول السُنَّةِ ثوب مهلهل، لا يقوى أمام البحث الصحيح الذي لا يتحيف على أحد، ولا يتجنى على أحد وإذا كان شُبَهُهُ كما ترى من الضعف والهلهلة، ولا تزيد عن كونها افتراضات وتخيلات، وتخمينات فقد بطل ما ذهب إليه من أن الحديث إنما هو نتيجة للتطور الديني والسياسي، والاجتماعي عند المسلمين. وثبت ما ذهبنا إليه من أن الحديث النبوي الشريف قام على أسس ثابتة ودعائم قوية، وأنه صورة صادقة للإسلام في عهده الأول: عهد النبوة، لأنه إما أقوال وإما أفعال، وإما تقريرات للنبي ﷺ ، أَوْ وَصْفٌ خَلْقِيٌّ، أَوْ خُلُقِيٍّ، أو إن شئت فقل هو صورة صادقة أمينة لسيرة النبي ﷺ بمعناها الشامل للعقيدة، والشريعة والآداب والأخلاق الإسلامية والمغازي والسرايا التي قام عليها نشر الإسلام، ودعوة الملوك والأمراء في العالم المعروف حينئذ إلى الدخول في الإسلام، ولسير أصحابه الغر الميامين فالقرآن الكريم والسنة النبوية بمعناها العام الشامل هما الوثيقتان الصادقتان الدالتان على الإسلام في عهده الأول: عهد النبي ﷺ ، أما الوثيقة الأولى: فقد ثبتت في جملتها وتفصيلها بالتواتر المفيد للقطع واليقين، وأما الوثيقة الثانية: فقد نقلت إلينا بأدق وأوثق طرق النقل الصحيح كما تبين ذلك وَاضِحًا جَلِيًّا مما ذكرناه في هذه الدراسات الأصيلة والتي سيكون منها هذا الكتاب الذي أرجو أن يكون ذُخْرًا لي عند الله ﵎. فقد نقل الحديث بأنواعه عن النبي ﷺ الصحابة العدول الثقات البالغون الغاية في الضبط، وعن الصحابة حمله التابعون، وعن التابعين حمله تابعو التابعين وهكذا

стр. 316

حتى لم ينته القرن الثالث الهجري إلا والأحاديث والسنن مدونة في الصحاح، والمسانيد، والسنن، والجوامع، والمعاجم وغيرها، لذلك لا يسعني إلا أن أقول إن الكثرة الكاثرة من الأحاديث ثابتة، والقليل منها مختلق موضوع وقد بين العلماء كل ذلك وكان هذا مصداقا لقول الله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (١). ...

стр. 317

نَظَرِيَّةُ المُسْتَشْرِقِينَ المُعَاصِرِينَ فِي الحَدِيثِ: وقد أحسن مؤلف كتاب " نظرة عامة في تاريخ الفقه الإسلامي " فذكر لنا نظرية المستشرقين المعاصرين في الحديث، فقال في ص ١٣١ وما بعدها: «وقد سادت في العصر الحديث في أوساطهم نظرية أخرى تخالف النظرية الأولى، وتتفق في نتيجتها مع وجهات النظر الإسلامية: يقول " فينك " في بحث له عند الدور الذي قام به أهل الحديث بعد أن ذكر جهود المحدثين في دراسة الحديث ونقده: " إذا لم يستطع النقاد المسلمون لأسباب داخلية، وخارجية أن يميزوا كل الأجزاء غير الصحيحة من الحديث فإنه ليس من الحق أن نسلبهم كل الثقة، وذلك أن الحديث الإسلامي يحتوي على أساس صحيح، والرأي القائل بأن الحديث ليس إلا من وضع أهل القرنين الأول، والثاني، وأنه لا يدل إلا على ما صورته الأجيال الإسلامية لعصر الرسول وأصحابه، هذا الرأي يجهل كل الجهل ما لشخصية الرسول من تأثير كبير في المسلمين، والجهود التي تحاول إبطال آثار الرسول التاريخية في السنة والحديث، إنما جاءت من فهم تاريخي مادي، وهذا الفهم اَيْضًا لا يريد أن يتبين ما في القرآن من أمور إلهية اعتقادية ويرى أن ذلك يستقصى من آلاف الصور والمثل، والتأثيرات المختلفة والاختلاط بالشعوب الأخرى وغير ذلك، مما يؤدي في آخر الأمر إلى أن يكون تراث الإسلام مختلف الأشكال والألوان لا بصور رابطة متماسكة. وهذه الأبحاث التي تقوم على مثل هذا النظر، وتدور حول هذه الفكرة، والتي يؤخذ منها «أن كل حديث فقهي موضوع حتى تقوم البينة على خلاف هذا» تكون نتيجتها الأخيرة فتح باب للشك لا نهاية له على أساس الفرض، والظن، وحينئذ لا يمكن أن نعتبر نَقْدًا ما، لأمر صحيح عام معتبر. ومع هذا فكيف اتفق هؤلاء اتفاقًا عَاًّما في الأمور التي لا تتفق مع الرسول ومكانته مثل ما نراهم يتفقون على هذه المسألة المتناقضة تناقضًا قَوِيًّا، وهي مسألة

стр. 318

الغرانيق (١) في الوقت الذي نراهم يشكون فيما عداها. والراوون المسلمون لا يعدون متعصبين لجانب واحد، هؤلاء الذين يروون مثل أن الرسول قال: «أَهْدَيْتُ لِلْعُزَّى شَاةً عَفْرَاءَ وَأَنَا عَلَى دِينِ قَوْمِي» ويروون أن الرسول سمى أبناءه عبد العزى، وعبد مناف، والقاسم، ومثل كتابه لعبد الله بن جحش عند تل نخلة. ثم هذه الأخبار التي تتناول بيت الرسول وأموره الشخصية مثل: قصة زينب بنت جحش، ومسألة الإفك، ومسألة حفصة، التي نجدها في كتب الحديث المعتمدة مما لا تقوم الحجج من أولئك ضد صحتها فإذا ما اعترف مَبْدَئِيًّا بأن الحديث فيه جزء صحيح فإنه يكون من قبيل الرأي الباطل أن يعترف هذه الأمور القليلة التي رواها المحدثون مما لا يتناسب مع الرسول - صحيحة، وأن ما عدا ذلك كله على عكس هذا حتى يقوم الدليل على صحته!!! وفي الحق أن الاتفاق القويم في شكل حياة المسلمين في كل صغيرة وكبيرة، وفي كل قطر وبلد هو خير دليل على أن التحديث الذي دار حول التمسك بالسنة في كل وقت، وجعل ذلك غايته التي لا تتحول، ليس مَبْنِيًّا على الأفكار المتناقضة التي ساقتها الظروف وجمعتها الأجيال المتأخرة. ثم ذكر " فينك " بعض الأخطاء المشهورة التي وقع فيها جولدتسيهر، وأتباعه المتعصبين ونقدها نَقْدًا صَحِيحًا وخطأهم فيما ذهبوا إليه (٢).

стр. 319

«التَّعْلِيقُ عَلَى كَلاَمِ فِينِكْ»: وفي الحق أن كلام " فينك " ومن وافقه يعتبر تَحَوُّلاً مهما في تاريخ الاستشراق، فبعد أن سادت نظرية " جولدتسيهر " التي وافقه عليها الكثيرون من المستشرقين حقبا من الزمان وجدنا من المستشرقين أنفسهم كـ " فينك " من يرد عليهم ويبطل نظريتهم في الحديث والمحدثين ويصدع بما هو الحق في الحديث، وهو أنه قام على أسس ثابتة ودعائم قوية تضرب في القدم إلى عهد النبوة وأنه ليس نتيجة للتطور الديني والسياسي والاجتماعي كما زعم " جولدتسيهر " وفي الحق اَيْضًا أن ما قاله " فينك " وموافقوه يعتبر أقرب النظريات إلى الحقيقة التي صدع بها العلماء المسلمون ولا سيما المحدثون، وأنه يلتقي معها في النتيجة والغاية، أقول: ومن الملاحظات الدقيقة التي لاحظها فينك على معظم المستشرقين أنهم اتفقوا على تصحيح قصة الغرانيق، وهي من أبطل الباطل، وأمحل المحال لأن فيها إِخْلاَلاً بعصمة النبي ﷺ ، وَطَعْنًا في نبوته ﷺ على حين نجدهم يحكمون بالوضع أو يشككون على الأقل في أخبار صحيحة بل هي من أصح الصحيح كما زعموا في الحديث المتفق عليه «لاَ تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلاَّ إِلَى ثَلاَثَةِ مَسَاجِدَ: مَسْجِدِي هَذَا، وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَالمَسْجِدِ الأَقْصَى» رواه البخاري ومسلم. أقول: وهكذا الشأن في معظمهم أنهم يصححون الموضوع ويضعفون الصحيح ولا حامل لهم في هذا وذاك إلا الهوى والتعصب، والاستجابة للحقد الدفين في نفوسهم على الإسلام وعلى نبي الإسلام، وعلى القرآن الكريم، وعلى السُنَّةِ النَّبَوِيَّةِ. ومن الملاحظات الدقيقة اَيْضًا في كلام " فينك ": أن الرواة المسلمين لا يعدون متعصبين لجانب، فهم كما يَرْوُونَ الأحاديث الدالة على عصمة الرسول عن كل ما يخل بالنبوة وبالتوحيد يَرْوُونَ كذلك الأحاديث التي قد يكون فيها خدش للعصمة ولمقام النبي ﷺ ولو أنهم اقتصروا على القسم الأول لما كان عليهم ضير، ولكنها الأمانة الفائقة في النقل وعدم إخفاء شيء من الروايات حتى لو كان فيه مساس

стр. 320

بالعقيدة الصحيحة أو فيه ما يخل بالعصمة. ولكن ليس معنى هذا أنهم يَرْوُونَ وَلاَ يُبَيِّنُونَ درجة ما يرون من الصحة أو الحس أو الضعف، أو الوضع كَلاَّ وَحَاشَا، إنهم يَرْوُونَ وَيُبَيِّنُونَ، أو يبين ذلك غيرهم من العلماء المحدثين فقد أجمع العلماء المحدثون وغيرهم على أن الحديث الموضوع لا يروى إلا مقترنًا ببيان وضعه، وإلا كان راويه العارف آثِمًا غاية الإثم. " حديث موضوع بإجماع أهل العلم ": ومما ينبغي أن يعلم أن الحديث الذي ذكره في أثناء كلامه وهو: «أَهْدَيْتُ لِلْعُزَّى شَاةً عَفْرَاءَ وَأَنَا عَلَى دِينِ قَوْمِي» وجعل مرجعه فيه كتاب " الأصنام " للكلبي: ص ١٩ " حديث مختلق موضوع بإجماع أهل العلم بالحديث. وهو يحمل في ثناياه دليل وضعه، فقد كانت حياته ﷺ قبل البعثة فَضْلاً عما بعدها أمثل حياة عرفتها الدنيا: عقيدة وشريعة، وَعِلْمًا، وَعَمَلاً، وأخلاقًا وسلوكًا، هذا إلى قيام الأدلة العقلية والنقلية على استحالة ذلك، وقد ذكر هذا الحديث المزعوم المختلق " درمنغم " (*) في كتابه: " حياة محمد " (١) وهو تصديق لما ذكرت من أنهم يصححون الضعيف والموضوع ما دام ذلك يصادف هوى في نفوسهم ومثل ذلك ما روى زُورًا وَكَذِبًا أن النبي ﷺ قد تمسح بالصفراء (٢) وقد أخطأ محمد حسين هيكل خطأ بَيِّنًا حينما أورد ذلك في كتابه: " حياة محمد ". ومثل ذلك ما روى كَذِبًا وَزُورًا " أنه ﷺ كان يشهد مع المشركين مشاهدهم فهذه وأمثالها من البلايا والطامات التي اشتملت عليها بعض الكتب التي لا يعتمد عليها في الرماية، وجاء بعض المستشرقين والذين تابعوهم من الكتاب المسلمين فنقلوها في كتبهم من غير تمحيص، وتحقيق. وما بغض إلى النبي ﷺ شيء ما بغض إليه عبادة الأصنام حتى التمسح بها
следующие страницы →