حتى لم ينته القرن الثالث الهجري إلا والأحاديث والسنن مدونة في الصحاح، والمسانيد، والسنن، والجوامع، والمعاجم وغيرها، لذلك لا يسعني إلا أن أقول إن الكثرة الكاثرة من الأحاديث ثابتة، والقليل منها مختلق موضوع وقد بين العلماء كل ذلك وكان هذا مصداقا لقول الله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (١).
...
стр. 317
نَظَرِيَّةُ المُسْتَشْرِقِينَ المُعَاصِرِينَ فِي الحَدِيثِ:
وقد أحسن مؤلف كتاب " نظرة عامة في تاريخ الفقه الإسلامي " فذكر لنا نظرية المستشرقين المعاصرين في الحديث، فقال في ص ١٣١ وما بعدها: «وقد سادت في العصر الحديث في أوساطهم نظرية أخرى تخالف النظرية الأولى، وتتفق في نتيجتها مع وجهات النظر الإسلامية:
يقول " فينك " في بحث له عند الدور الذي قام به أهل الحديث بعد أن ذكر جهود المحدثين في دراسة الحديث ونقده: " إذا لم يستطع النقاد المسلمون لأسباب داخلية، وخارجية أن يميزوا كل الأجزاء غير الصحيحة من الحديث فإنه ليس من الحق أن نسلبهم كل الثقة، وذلك أن الحديث الإسلامي يحتوي على أساس صحيح، والرأي القائل بأن الحديث ليس إلا من وضع أهل القرنين الأول، والثاني، وأنه لا يدل إلا على ما صورته الأجيال الإسلامية لعصر الرسول وأصحابه، هذا الرأي يجهل كل الجهل ما لشخصية الرسول من تأثير كبير في المسلمين، والجهود التي تحاول إبطال آثار الرسول التاريخية في السنة والحديث، إنما جاءت من فهم تاريخي مادي، وهذا الفهم اَيْضًا لا يريد أن يتبين ما في القرآن من أمور إلهية اعتقادية ويرى أن ذلك يستقصى من آلاف الصور والمثل، والتأثيرات المختلفة والاختلاط بالشعوب الأخرى وغير ذلك، مما يؤدي في آخر الأمر إلى أن يكون تراث الإسلام مختلف الأشكال والألوان لا بصور رابطة متماسكة.
وهذه الأبحاث التي تقوم على مثل هذا النظر، وتدور حول هذه الفكرة، والتي يؤخذ منها «أن كل حديث فقهي موضوع حتى تقوم البينة على خلاف هذا» تكون نتيجتها الأخيرة فتح باب للشك لا نهاية له على أساس الفرض، والظن، وحينئذ لا يمكن أن نعتبر نَقْدًا ما، لأمر صحيح عام معتبر.
ومع هذا فكيف اتفق هؤلاء اتفاقًا عَاًّما في الأمور التي لا تتفق مع الرسول ومكانته مثل ما نراهم يتفقون على هذه المسألة المتناقضة تناقضًا قَوِيًّا، وهي مسألة
стр. 318
الغرانيق (١) في الوقت الذي نراهم يشكون فيما عداها.
والراوون المسلمون لا يعدون متعصبين لجانب واحد، هؤلاء الذين يروون مثل أن الرسول قال: «أَهْدَيْتُ لِلْعُزَّى شَاةً عَفْرَاءَ وَأَنَا عَلَى دِينِ قَوْمِي» ويروون أن الرسول سمى أبناءه عبد العزى، وعبد مناف، والقاسم، ومثل كتابه لعبد الله بن جحش عند تل نخلة.
ثم هذه الأخبار التي تتناول بيت الرسول وأموره الشخصية مثل: قصة زينب بنت جحش، ومسألة الإفك، ومسألة حفصة، التي نجدها في كتب الحديث المعتمدة مما لا تقوم الحجج من أولئك ضد صحتها فإذا ما اعترف مَبْدَئِيًّا بأن الحديث فيه جزء صحيح فإنه يكون من قبيل الرأي الباطل أن يعترف هذه الأمور القليلة التي رواها المحدثون مما لا يتناسب مع الرسول - صحيحة، وأن ما عدا ذلك كله على عكس هذا حتى يقوم الدليل على صحته!!!
وفي الحق أن الاتفاق القويم في شكل حياة المسلمين في كل صغيرة وكبيرة، وفي كل قطر وبلد هو خير دليل على أن التحديث الذي دار حول التمسك بالسنة في كل وقت، وجعل ذلك غايته التي لا تتحول، ليس مَبْنِيًّا على الأفكار المتناقضة التي ساقتها الظروف وجمعتها الأجيال المتأخرة.
ثم ذكر " فينك " بعض الأخطاء المشهورة التي وقع فيها جولدتسيهر، وأتباعه المتعصبين ونقدها نَقْدًا صَحِيحًا وخطأهم فيما ذهبوا إليه (٢).
стр. 319
«التَّعْلِيقُ عَلَى كَلاَمِ فِينِكْ»:
وفي الحق أن كلام " فينك " ومن وافقه يعتبر تَحَوُّلاً مهما في تاريخ الاستشراق، فبعد أن سادت نظرية " جولدتسيهر " التي وافقه عليها الكثيرون من المستشرقين حقبا من الزمان وجدنا من المستشرقين أنفسهم كـ " فينك " من يرد عليهم ويبطل نظريتهم في الحديث والمحدثين ويصدع بما هو الحق في الحديث، وهو أنه قام على أسس ثابتة ودعائم قوية تضرب في القدم إلى عهد النبوة وأنه ليس نتيجة للتطور الديني والسياسي والاجتماعي كما زعم " جولدتسيهر " وفي الحق اَيْضًا أن ما قاله " فينك " وموافقوه يعتبر أقرب النظريات إلى الحقيقة التي صدع بها العلماء المسلمون ولا سيما المحدثون، وأنه يلتقي معها في النتيجة والغاية، أقول:
ومن الملاحظات الدقيقة التي لاحظها فينك على معظم المستشرقين أنهم اتفقوا على تصحيح قصة الغرانيق، وهي من أبطل الباطل، وأمحل المحال لأن فيها إِخْلاَلاً بعصمة النبي ﷺ ، وَطَعْنًا في نبوته ﷺ على حين نجدهم يحكمون بالوضع أو يشككون على الأقل في أخبار صحيحة بل هي من أصح الصحيح كما زعموا في الحديث المتفق عليه «لاَ تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلاَّ إِلَى ثَلاَثَةِ مَسَاجِدَ: مَسْجِدِي هَذَا، وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَالمَسْجِدِ الأَقْصَى» رواه البخاري ومسلم.
أقول: وهكذا الشأن في معظمهم أنهم يصححون الموضوع ويضعفون الصحيح ولا حامل لهم في هذا وذاك إلا الهوى والتعصب، والاستجابة للحقد الدفين في نفوسهم على الإسلام وعلى نبي الإسلام، وعلى القرآن الكريم، وعلى السُنَّةِ النَّبَوِيَّةِ.
ومن الملاحظات الدقيقة اَيْضًا في كلام " فينك ": أن الرواة المسلمين لا يعدون متعصبين لجانب، فهم كما يَرْوُونَ الأحاديث الدالة على عصمة الرسول عن كل ما يخل بالنبوة وبالتوحيد يَرْوُونَ كذلك الأحاديث التي قد يكون فيها خدش للعصمة ولمقام النبي ﷺ ولو أنهم اقتصروا على القسم الأول لما كان عليهم ضير، ولكنها الأمانة الفائقة في النقل وعدم إخفاء شيء من الروايات حتى لو كان فيه مساس
стр. 320
بالعقيدة الصحيحة أو فيه ما يخل بالعصمة.
ولكن ليس معنى هذا أنهم يَرْوُونَ وَلاَ يُبَيِّنُونَ درجة ما يرون من الصحة أو الحس أو الضعف، أو الوضع كَلاَّ وَحَاشَا، إنهم يَرْوُونَ وَيُبَيِّنُونَ، أو يبين ذلك غيرهم من العلماء المحدثين فقد أجمع العلماء المحدثون وغيرهم على أن الحديث الموضوع لا يروى إلا مقترنًا ببيان وضعه، وإلا كان راويه العارف آثِمًا غاية الإثم.
" حديث موضوع بإجماع أهل العلم ":
ومما ينبغي أن يعلم أن الحديث الذي ذكره في أثناء كلامه وهو:
«أَهْدَيْتُ لِلْعُزَّى شَاةً عَفْرَاءَ وَأَنَا عَلَى دِينِ قَوْمِي» وجعل مرجعه فيه كتاب " الأصنام " للكلبي: ص ١٩ " حديث مختلق موضوع بإجماع أهل العلم بالحديث.
وهو يحمل في ثناياه دليل وضعه، فقد كانت حياته ﷺ قبل البعثة فَضْلاً عما بعدها أمثل حياة عرفتها الدنيا: عقيدة وشريعة، وَعِلْمًا، وَعَمَلاً، وأخلاقًا وسلوكًا، هذا إلى قيام الأدلة العقلية والنقلية على استحالة ذلك، وقد ذكر هذا الحديث المزعوم المختلق " درمنغم " (*) في كتابه: " حياة محمد " (١) وهو تصديق لما ذكرت من أنهم يصححون الضعيف والموضوع ما دام ذلك يصادف هوى في نفوسهم ومثل ذلك ما روى زُورًا وَكَذِبًا أن النبي ﷺ قد تمسح بالصفراء (٢) وقد أخطأ محمد حسين هيكل خطأ بَيِّنًا حينما أورد ذلك في كتابه: " حياة محمد ".
ومثل ذلك ما روى كَذِبًا وَزُورًا " أنه ﷺ كان يشهد مع المشركين مشاهدهم فهذه وأمثالها من البلايا والطامات التي اشتملت عليها بعض الكتب التي لا يعتمد عليها في الرماية، وجاء بعض المستشرقين والذين تابعوهم من الكتاب المسلمين فنقلوها في كتبهم من غير تمحيص، وتحقيق.
وما بغض إلى النبي ﷺ شيء ما بغض إليه عبادة الأصنام حتى التمسح بها
стр. 321
كان يبغضه غاية البغض وينهى من يتمسح بها عن ذلك.
رَوَى البَيْهَقِي بِسَنَدِهِ عَنْ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ قَالَ: «كَانَ صَنَمٌ مِنَ النُّحَاسٍ يُقَالُ لَهُ إِسَافُ، وَصَنَمٌ يُقَالُ لَهُ نَائِلَةُ، تَمَسَّحُ بِهِمَا الْمُشْرِكُونَ إِذَا طَافُوا. فَطَافَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لاَ تَمْسُّهُ»، قَالَ زَيْدٌ فَطُفْنَا، فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: لأَمُسَنَّهُ حَتَّى أَنْظُرَ مَا يَكُونُ فَمَسَحْتُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أَلَمْ تُنْهَ» قَالَ زَيْدٌ: فَوَالَّذِي أَكْرَمَهُ، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ الْكِتَابَ مَا اسْتَلَمَ صَنَمًا قَطُّ حَتَّى اللهُ تَعَالَى بِالذِي أَكْرَمَهُ بِالَّذِي أَكْرَمَهُ، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ.
" حديث موضوع آخر بإجماع أهل العلم ":
وأما الحديث الآخر الذي ذكر المستشرق المنصف " فينك " للاستدلال به على أن الرواة المسلمين غير متعصبين لجانب واحد: أنهم يَرْوُونَ «أَنَّ الرَّسُولَ ﷺ (١) سَمَّى أَوْلاَدَهُ عَبْدَ العُزَّى، وَعَبْدَ مَنَافٍ، وَالقَاسِمَ» فهو حديث موضوع بإجماع أهل العلم بالحديث، وفي سنده الهيثم بن عدي الطائي أبو عبد الرحمن المَنْبِجِيِّ (٢) ثم الكوفي قال فيه البخاري: «لَيْسَ بِثِقَةٍ كَانَ يَكْذِبُ» وروى عباس عن يحيى «لَيْسَ بِثِقَةٍ كَانَ يَكْذِبُ» وقال أبو داود: «كَذَّابٌ» وقال ابن عدي: «مَا أَقَلَّ مَا لَهُ مِنَ المُسْنَدِ، إِنَّمَا هُوَ صَاحِبُ أَخْبَارٍ».
أقول: ومعظم [الإخباريين] يَرْوُونَ الغث والسمين، ولا يميزون بين الحسن والضعيف لأن همهم جمع الأخبار، فهم كحطاب ليل (٣) وعلماء الحديث إذا قالوا: فلان إخباري يعنون أنه ليس من أهل الحديث الذين يوثق بهم، ويعتمد عليهم.
وقال النسائي: «الهَيْثَمُ مُنْكَرُ الحَدِيثِ وَالذِي رَوَى فِي تَسْمِيَةِ أَوْلاَدِ رَسُولِ اللهِ ﵌ مُحَالٌ أَنْ يَصْدُرَ ذَلِكَ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﵌
стр. 322
وَسَلَّمَ -» ثم قال: «وَقَدْ رَوَاهُ الهَيْثَمُ عَنْ هِشَامِ بْنَ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ وَذَكَرَ الحَدِيثَ بِطُولِهِ وَهَذَا مِنْ افْتِرَاءِ الهَيْثَمِ عَلَى هِشَامٍ وَاللهُ أَعْلَمُ».
وقال أبو حاتم: «مَتْرُوكُ الْحَدِيثِ، مَحَلُّهُ الوَاقِدِي» يعني في الضعف وكونه متروك الحديث، وقال العجلي «كَذَّابٌ، وَقَدْ رَأَيْتُهُ» وقال يعقوب بن شيبة «كَانَتْ لَهُ مَعْرِفَةٌ بِأُمُورِ النَّاسِ وَأَخْبَارِهِمْ، وَلَمْ يَكُنْ فِي الحَدِيثِ بِالقَوِيِّ وَلاَ كَانَ لَهُ مَعْرِفَةٌ، وَبَعْضُ النَّاسِ يَحْمِلُ عَلَيْهِ فِي صِدْقِهِ»، وقال الساجي: «سَكَنَ مَكَّةَ. وَكَانَ يَكْذِبُ» وقال الإمام أحمد: «وَكَانَ صَاحِبَ أَخْبَارٍ وَتَدْلِيسٍ»، وقد ذكره ابن السكن، وابن شاهين، وابن الجارود، والدارقطني في الضعفاء.
وَكَذَّبَ الحديث لكون الهيثم تكلم فيه جماعة منهم الطحاوي في " مشكل الحديث " والبيهقي في " السنن " والنقاش، والجوزجاني، فيما صنفا من الموضوعات وغيرهم وكانت وفاة الهيثم سَنَةَ ست ومائتين كما ذكر المسعودي في " مروج الذهب " وقيل كانت وفاته سَنَةَ سبع ومائتين (١) فهل يشك أحد بعد كل ما قدمنا أن هذا الحديث مختلق موضوع مكذوب؟.
وأما قول " فينك " «وإذا لم [يَسْتَطِعْ] النُقَّادُ المسلمون لأسباب داخلية وخارجية أن يميزوا كل الأجزاء غير الصحيحة من الحديث فإنه ليس من الحق أن نسلبهم كل الثقة، ذلك أن الحديث الإسلامي يحتوي على أساس صحيح» فلست على وفاق معه في هذا، فما من رواية رويت إلا وَبَيَّنَ العلماء درجتها من الصحة أو الحسن أو الضعف، والوضع ولكن الوقوف على ذلك يحتاج إلى صبر وأناة وإلى طول بحث وقراءة، وليس أدل على هذا من أن الكتب المتكاثرة التي ألفت في بيان الحديث الصحيح، والكتب المتكاثرة في بيان الأحاديث الحسان، والكتب المتكاثرة في بيان الأحاديث الضعاف، والكتب الكثيرة التي ألفت في بيان الأحاديث الموضوعة ولكن استيعاب ذلك والوقوف عليه يحتاج إلى صبر وأناة طويلين.
стр. 323
وقد سبق أَنْ بَيَّنْتُ في الردود السابقة السبب في أن المحدثين لم يبالغوا في نقد المتن مثل ما بالغوا في نقد الأسانيد وأنهم لم يتوسعوا في الأول مثل ما توسعوا في الثاني، وأن العلماء النقاد المحدثين كانوا على حق في اتئادهم وحذرهم في نقد المتون لأن المتن قد يكون من الأحاديث المتشابهة، وقد يكون المتن من الأسرار التي أظهرها الله فيما بعد، وقد يكون المتن من قبيل المجاز لا من قبيل الحقيقة إلى غير ذلك من الوجوه التي ذكرتها.
ونرجو بفضل الله ثم جهود العلماء المسلمين في الحاضر، رد شبه المستشرقين والكتاب المعاصرين الذين نصبوا من أنفسهم أَبْوَاقًا لَهُمْ، ونشاط العلماء المحدثين في خدمة السنن والأحاديث أن يفيء الكثيرون من المستشرقين من تلاميذ " جولدتسيهر " إلى كلمة الحق في هذا الموضوع الهام والخطير الذي يتعلق بالأصل الثاني من أصول التشريع في الإسلام وهي السنن والأحاديث النبوية.
وأن يسلموا بالحق الظاهر الواضح، وأن يصدعوا به كما صدع " فينك " وموافقوه في هذا، وهو أن الأحاديث النبوية قامت على أصول ثابتة وأسس راسخة ترجع إلى عصر النبوة، وليست نتيجة للتطور الديني، والسياسي والاجتماعي.
والله الموفق والمعين.
***
стр. 324
نِهَايَةُ المَطَافِ:
وهذه الشبهات هي بعض ما وقفت عليه في " دائرة المعارف الإسلامية " التي ألفها المستشرقون ومعظمهم متعصبون وحاقدون على الإسلام والمسلمين، وفي " كتب المستشرقين " التي ترجمها العارفون باللغات التي ألفت بها، وفي " كتب الباحثين والمؤلفين المسلمين " الذين تابعوا المستشرقين في معظم ما قالوا، أو في بعض ما زعموا.
وهناك شُبَهٌ أخرى لم أقف عليها ولكني لن أكتفي بما قدمت، وسأجد وَأُغِذُّ السير (١) في البحث حتى أقف عليها وأرد على ما فيها مما فيه نيل من السٌنَّةِ وَالحَدِيثِ وأهله حتى يكون من هذا الكتاب، ومما سيجد ديوان حافل يستوعب كل ما قاله أعداء السنن والأحاديث من طعون فيها، مقرونة بالرد عليها رَدًّا عِلْمِيًّا صَحِيحًا فقد أخذت على نفسي من عهد الطلب أن أنصب من نفسي مدافعًا ومنافحًا عن الأصلين الشريفين: القرآن الكريم، وَالسُنَّةِ النَّبَوِيَّةِ.
وهذا النوع من الجهاد من أعظم أنواع الجهاد في الإسلام، وإذا كنا في حاجة إلى ذلك في القديم والإسلام هو المسيطر على معظم العالم، وله السيادة التامة في الأرض - فنحن اليوم أشد حاجة إلى هذا اللون من الجهاد الواجب وفي الحديث المروي عن النبي ﷺ : «جَاهِدُوا [الْمُشْرِكِينَ] بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَأَلْسِنَتِكُمْ» رواه أحمد، وأبو داود بإسناد صحيح، والنسائي، وابن حبان والحاكم.
فقد تكالبت قوى الشر اليوم على المسلمين من كل جانب، وكشروا عن أنيابهم الحادة الشرسة، وكثيرًا ما يختلف الكفار فيما بينهم، ويحاول كل منهم إهلاك الآخر بشتى الوسائل، وليس أدل على ذلك مما هو قائم اليوم من خلاف بين المعسكرين: المعسكر الغربي المسيحي اسمًا، والمعسكر الشرقي الشيوعي
стр. 325
اللاديني، وقد يهادن بعضهم بعضًا ريثما يوقع به الهزيمة والهلاك والدمار.
ولكن إذا كان الأمر متعلقًا بالإسلام والمسلمين فالكل سواء في عداوة الإسلام والمسلمين، وهذا ما يصدقه الواقع اليوم، وإذا كان بعضهم يتودد إلى المسلمين فلأجل مصالحهم، ومنافعهم الدنيوية.
وقد كنا نحفظ من كلام علمائنا الصادقين الأخيار الكبار: «إِنَّ الكُفْرَ مِلَّةٌ وَاحِدَةٌ» نعم - والله - إن الكفر ملة واحدة، وما أصدقها من كلمة ألقاها الله ﵎ على لسان أسلافنا العلماء الأبرار.
ويحاول بعض ضعفاء المسلمين اليوم ممن صنعهم الغرب أو الشرق على يديه أن يتملصوا من هذه الكلمة، ويعتبرونها من آثار التعصب، وما هي - عَلِمَ اللهُ - من التعصب في شيء، وإنما هي الحقيقة الصادقة والواقع الحق.
وليس أدل على ذلك مما وقع في فلسطين السليبة، فلولا الإنجليز وأعوانهم لما كان لليهود وجود في فلسطين وهم الذين مَكَّنُوا لهم من احتلالها، ولما قامت هذه الدويلة التي صنعها الإنجليز كان أول من اعترف بها روسيا الشيوعية فهل بعد ذلك يشك شاك في أن الكفر ملة واحدة؟!!.
وإذا كان الله أخذ الميثاق على العلماء من قديم الزمان أن يبينوا الحق ولا يكتموه وأن يجاهدوا في سبيل الحق وإزهاق الباطل فهذا البيان أوجب وأوجب على العلماء المسلمين الذين تكالبت على ديارهم، وعلى دينهم، وعلى كتابهم، وسنة نبيهم ﷺ دول الكفر والبغي، والعدوان.
فليشمر العلماء المسلمون فِي كُلِّ قُطْرٍ وَمِصْرٍ عن سواعدهم في سبيل إظهار محاسن دينهم، وشريعتهم، والدفاع عن كتاب ربهم وسنة نبيهم ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً، ولنقابل باطلهم بحقنا وسفسطاتهم بِحُجَجِنَا، وَبَرَاهِينِنَا.
إن هذا الدين الإسلامي العظيم لم يقم على الراحة والكسل، والتواكل والدعة وإنما قام على الجهاد والكفاح، وحب الاستشهاد، والتضحيات بالنفس والأهل
стр. 326
والولد، والمال، وقام على الجهاد بالكلمة قبل أن يقوم على الجهاد بالسيف.
وإني لأهيب بإخواني، وأبنائي العلماء أن يقوم كل في مجال علمه وتخصصه بالمنافحة عن الإسلام، وعن كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وعن علوم الإسلام وعن تراثه الذي لولاه لما وصلت البشرية إلى ما وصلت إليه من تقدم فكري فالعالم مدين إلى الإسلام في هذا.
وبحسب العلماء المنافحين عن الإسلام، والدعاة إليه، والمظهرين لفضائله ومحاسنه - وما أكثرها - هذا التاج الذي تَوَّجَهُمْ بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ حيث قال: «العُلَمَاءَ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ، وَإِنَّ الأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا، وَلاَ دِرْهَمًا وَرَّثُوا الْعِلْمَ، فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ».
وإذا كان لا رتبة فوق النبوة، فلا شرف فوق وراثة هذه الرتبة، إن هذه الوراثة للأنبياء - وَاللهِ - لدونها كل ما في الدنيا من ملك، وسلطان وجاه ومال وأهل وولد.
«وبعد» فإن كان ما قلته صَوَابًا فمن الله وبتوفيقه، وإن كان فيما قلته خطأ فمني ومن الشيطان، والخير أردت ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ (١).
стр. 327
أُمْنِيَاتٌ وَتَوْصِيَاتٌ:
كتاب " العقيدة والشريعة " لجولدتسيهر:
وكنت قد طلبت هذا الكتاب من مدة لأقف عليه وأرد على ما فيه، ولكن لم يرد الله ذلك وأغلب الظن عندي أن الكتاب فيه طامات، وبلايا، وتخمينات وتظنفات، وأنه يحتاج إلى الرد عليه في كتاب مثله
فمن وقف على هذا الكتاب واطلع على ما فيه من ترهات، وأباطيل فلينتدب نفسه للرد عليه، وبذلك يكون أدى واجب الإسلام عليه، وأدخل نفسه في زمرة الخالدين ﴿مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ (١) (*).
كتاب " مذاهب التفسير الإسلامي " لجولدتسيهر:
ومن الكتب الخطيرة حَقًّا على الثقافة الإسلامية الأصيلة هذا الكتاب الذي يعتبر من أخطر الكتب التي ألفها صنم المستشرقين الأكبر: جولدتسيهر.
وقد ترجمه إلى العربية الدكتور عبد الحليم النجار ﵀ (**) ولكنه لم يعلق عليه تعليقات مقنعة تدرأ ما اشتمل عليه من ترهات وأباطيل، وتجن على تفسير القرآن، وقد كنت قرأت هذا الكتاب في أول عهدي بالتدريس بكلية أصول الدين: إحدى كليات جامعة الأزهر العتيقة التي تعتبر أم الجامعات الإسلامية والعربية، بل والجامعات الأوروبية والغربية، وما من صحيفة فيه إلا وتحتاج إلى تعليق وتحقيق، ورد.
стр. 328
وقد كنت عزمت على أَنْ أَرُدَّ على ما فيه من تجنيات، وتشويهات، وتحريفات للثقافة الإسلامية، ولكن شغلني عن ذلك الاشتغال بتدريس السنة النبوية، ودراستها دراسة متعمقة، واتصل اشتغالي بالأحاديث والسنن باشتغالي بشرح " الجامع الصحيح " للإمام البخاري، فهل من أحد من أهل العلم، وطلبته المتخصصين في علوم الكتاب والسنة - يقوم بالرد على ما جاء في هذا الكتاب من آراء مبتسرة ومن أفكار خاطئة إن الرد على ما في هذا الكتاب الخطير يصلح أن يكون موضوع أطروحة - أي رسالة - لنيل درجة " الدكتوراه " فهل من طلاب " الدكتوراه " من يقوم بهذا الواجب هذا؟ ما أرجو، وما ذلك على إرادة الله بعزيز.
وقد رأيت أن يكون الفصل الأخير من هذا الكتاب الذي يعتبر عصارة ذهني وعقلي، وقلبي، وخلاصة عمر طويل في دراسة السنة النبوية المطهرة والردود على ما يثار حولها من شبه، وتجنيات، وأباطيل، ما يزيد عن ثلث قرن من الزمان - وللهِ الحَمْدُ وَالمِنَّةُ - ذكر جملة من الأحاديث التي كثرت إثارة الشُّبَهِ حولها، ولن أذكر شَيْئًا من الأحاديث التي بينت مفصل الحق فيها في هذا الكتاب فيما سبق، ولكني سأذكر أحاديث أخرى قد أثيرت حولها الشبه، واشتدت الخصومة فيها بين أنصار السنة المنصفين، وبين أعدائها الحاقدين على الإسلام والمسلمين، فإلى هذا الفصل الأخير مستمدًا من الله ﵎ العون والتوفيق والسداد.
***
стр. 329
أَحَادِيثَ ثَارَتْ حَوْلَهَا شُبَهٌ قَدِيمًا وَحَدِيثًا:
وقد رأيت أن أذكر بعض الأحاديث التي ثارت حولها الشبه قَدِيمًا وَحَدِيثًا وبعضها قد أثير حولها في وقت مبكر يرجع إلى القرن الثاني والثالث فقد ذكرها الإمام محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة (ت ٢٧٦ هـ) في كتابه " تأويل مختلف الحديث " وهي التي أثارها النَظَّامُ وغيره من أهل الاعتزال، وَالنَظَّامُ كانت وفاته سنة بضع وعشرين ومائتين للهجرة وذلك مثل «حَدِيثِ الذُّبَابِ» الذي لا تزال إلى اليوم تثار حوله الشُّبَهُ وقد أظهر التقدم العلمي الطبي أن الحديث يعتبر من معجزات النبي ﷺ فقد كشف التحليل الطبي عن بعض أسراره وسيأتي بيان ذلك قريبًا. ومثل «حَدِيثِ سِحْرِ النَّبِيِّ ﷺ » المروي في " الصحيحين "وغيرهما من كتب الحديث ودواوينه، ومثل «حَدِيثِ الجَسَّاسَةِ» الذي رواه الإمام مسلم في " صحيحه ".
ومثل «أَحَادِيثِ المَسِيحِ الدَجَّالِ الذِي سَيَجِيءُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ» الذي رواه " البخاري " و " مسلم " وغيرهما.
ومثل «أَحَادِيثِ نُزُولِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ فِي آخِرِ الزَّمَانِ»، وقد رواه " البخاري " و " مسلم " وغيرهما من أئمة الحديث.
ومثل «حَدِيثِ مَجِيءِ مَلَكُ المَوْتِ إِلَى مُوسَى ﵊ وَصَكَّهُ فِي عَيْنِهِ» الذي رواه " البخاري " و " مسلم " وغيرهما من أئمة الحديث وأصحاب الدواوين وبيان المحمل الصحيح.
ومثل «حَدِيثِ الإِسْرَاءِ وَالمِعْرَاجِ» الذي رواه الشيخان وغيرهما من أئمة الحديث وزعم بعض الزاعمين أنه من الإسرائيليات.
ومثل «أَحَادِيثِ شَقِّ صَدْرِ النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ صَغِيرٌ، وَشَقِّ صَدْرِهِ الشَّرِيفِ قُبَيْلَ الإِسْرَاءِ وَالمِعْرَاجِ».
ومثل الحديث الذي رواه الشيخان البخاري ومسلم (*) وهو «كُلُّ [بَنِي] آدَمَ يَطْعُنُ
стр. 330
الشَّيْطَانُ فِي جَنْبِهِ حِينَ يُولَدُ، إِلاَّ مَرْيَمَ وَابْنَهَا» واعتباره من المسيحيات التي دست في الأحاديث، إلى غير هذه من الأحاديث التي أثيرت حولها الشبه، والله المستعان، وعليه التكلان.
مَا أُثِيرَ مِنْ شُبُهَاتٍ حَوْلَ حَدِيثِ الذُّبَابِ:
هذا الحديث رواه الإمام الجليل البخاري من طريقين:
الطريق الأولى: قال البخاري: حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ (١)، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلاَلٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عُتْبَةُ بْنُ مُسْلِمٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ بْنُ حُنَيْنٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁، يَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «إِذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي شَرَابِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْمِسْهُ ثُمَّ لِيَنْزِعْهُ، فَإِنَّ فِي إِحْدَى جَنَاحَيْهِ دَاءً وَالأُخْرَى شِفَاءً» وفي رواية " «وَفِي الأُخْرَى شِفَاءً» بزيادة حرف الجر: «فِي» (٢).
الطريقة الثانية: قال البخاري: حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ - يعني ابن سيعد -، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ عُتْبَةَ بْنِ مُسْلِمٍ، مَوْلَى بَنِي تَمِيمٍ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ حُنَيْنٍ، مَوْلَى بَنِي
стр. 331
زُرَيْقٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْمِسْهُ كُلَّهُ، ثُمَّ لِيَطْرَحْهُ، فَإِنَّ فِي أَحَدِ جَنَاحَيْهِ شِفَاءً، وَفِي الآخَرِ دَاءً» وفي رواية أبي ذر الهروي «وَفِي الأُخْرَى» (١) والحديث رواه اَيْضًا الأئمة: أحمد وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وغيرهم.
رواية الإمام أحمد:
" الحديث رواه الإمام أحمد في " مسنده " عن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ " قال: حَدَّثَنَا يَحْيَى - وهو ابن سعيد القطان - حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ خَالِدٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي طَعَامِ أَحَدِكُمْ فَامْقُلُوهُ» (٢) وسنده صحيح.
وقال أحمد: حَدَّثَنَا يَزِيدُ - هو ابن أبي هارون - قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ خَالِدٍ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى أَبِي سَلَمَةَ فَأَتَانَا بِزُبْدٍ وَكُتْلَةٍ (٣)، [فَأُسْقِطَ] ذُبَابٌ فِي الطَّعَامِ، فَجَعَلَ أَبُو سَلَمَةَ يَمْقُلُهُ بِأُصْبُعِهِ فِيهِ، فَقُلْتُ: يَا خَالُ مَا تَصْنَعُ؟ فَقَالَ: إِنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ حَدَّثَنِي، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ أَحَدَ جَنَاحَيِ الذُّبَابِ سُمٌّ، وَالآخَرَ شِفَاءٌ، فَإِذَا وَقَعَ فِي الطَّعَامِ فَامْقُلُوهُ، فَإِنَّهُ يُقَدِّمُ السُّمَّ، وَيُؤَخِّرُ الشِّفَاءَ» (٤) وسنده صحيح.
رواية أبي داود:
والحديث رواه الإمام أبو داود في " سننه " اَيْضًا في: " كتاب الأطعمة - باب في الذباب يقع في الطعام " قال أبو داود: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنَا بِشْرٌ - يَعْنِي ابْنَ الْمُفَضَّلِ - عَنِ ابْنِ عَجْلاَنَ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللهُ
الحَدِيثُ صَحِيحٌ وَفِي أَعْلَى دَرَجَاتِ الصِحَّةِ:
ومن ثم نرى أن الحديث رواه سبعة من أئمة الحديث وسند كل منها صحيح فلا جرم أن أقول: إن حديث الذباب صحيح غاية الصحة، من ناحية السند، وأما من ناحية المتن فقد أثبت الطب الحديث بما لا يدع مجالاً للشك أن الحديث صحيح في معناه.
ولو أن الذين أجروا التجارب على الذباب حتى توصلوا إلى أن في الذباب مادة قاتلة للجراثيم التي تسبب الأمراض كانوا أطباء مسلمين لربما قال قائل: إنهم متحيزون للحديث ولكنهم جميعًا أطباء لا يمتون إلى الإسلام الحنيف بصلة، ولكن البحث وإثراء البحوث الطبية هو الذي حداهم إلى هذا، وكل ما فعله الأطباء المسلمون هو ترجمة ما أجراه الأطباء الأجانب من تجارب وما قاموا به من بحوث من المراجع العالمية فلهم من الله تعالى الجزاء الأوفى. (*).
وقوله: «فَإِنَّ فِي أَحَدِ جَنَاحَيْهِ دَاءً»: الفاء لتعليل الغمس ثم الطرح، وقد ورد في رواية " أبي داود " «فَإِنَّ فِي أَحَدِ جَنَاحَيْهِ» بالتذكير، وكذلك جاء في بعض روايات " الجامع الصحيح "، وذلك لأن الجناح يذكر ويؤنث فالروايتان صحيحتان، وحقيقة الجناح للطائر ويقال لغيره على سبيل المجاز كما في قوله تعالى: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ (١).
وقد وقع في رواية " أبي داود " - وصححه ابن حبان - من طريق سعيد المقبري عن أبي هريرة زيادة: «وَإِنَّهُ يَتَّقِي بِجَنَاحِهِ الَّذِي فِيهِ الدَّاءُ» أقول: لأنه بمنزلة السلاح له. قال الحافظ ابن حجر في " فتح الباري " (٢): «وَلَمْ يَقَع لِي فِي شَيْء مِنْ الطُّرُق [تَعْيِين] الْجَنَاح الَّذِي فِيهِ الشِّفَاء مِنْ غَيْره، لَكِنْ ذَكَرَ بَعْض الْعُلَمَاء أَنَّهُ تَأَمَّلَهُ فَوَجَدَهُ يَتَّقِي بِجَنَاحِهِ الأَيْسَر فَعُرِفَ أَنَّ الأَيْمَن هُوَ الَّذِي فِيهِ الشِّفَاء، وَالْمُنَاسَبَة فِي ذَلِكَ ظَاهِرَة». أقول: لأن جهة اليمين يكون فيها الخير، ولذلك كان النبي ﷺ
стр. 335
يحب التيامن في طهوره، وترجله، وفي شأنه كله، أما جهة الشمال ففيها الرمز إلى الشر، وقد جاء في حديث أبي سعيد الخدري الذي رواه ابن ماجه «أَنَّهُ يُقَدِّمُ السُّمَّ، وَيُؤَخِّرُ الشِّفَاءَ» والمراد بالسم ما يحمله من الجراثيم التي تسبب الداء والمرض.
وقوله ﷺ : «دَاءٌ» أي سبب داء، «شِفَاءٌ» أي سبب شفاء وهذا كما أيدته وبينته التحليلات الطبية الحديثة كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
قوله ﷺ : «وَفِي الآخَرِ شِفَاءٌ» في رواية أبي ذر الهروي أحد رواة " الجامع الصحيح «وَفِي الأُخْرَى» وهي صحيحة لأن الجناح - كما ذكرت آنِفًا يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ.
وقد جاءت بعض الروايات بدون ذكر حرف الجر: «وَالأُخْرَى شِفَاءً» وكذا جاء في رواية سليمان بن بلال بلفظ: «فَإِنَّ فِي إِحْدَى جَنَاحَيْهِ دَاءً وَالآخَرِ شِفَاءً» وقد استدل به لمن يجيز العطف على معمولي عاملين مختلفين كالأخفش، وعلى هذا فيقرأ لفظ «الآخَرِ» بالجر، و «شِفَاءً» بالنصب وذلك على عطف الآخر على الأحد، وعطف شفاء على داء والعامل في إحدى حرف الجر «فِي» والعامل في «دَاءً» إن، وهما عاملان في الآخر، وفي شفاء
стр. 336
شَرْحُ حَدِيثِ الذُّبَابِ بِرِوَايَاتِهِ:
قوله ﷺ : «إِذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ ... ».
الذُّبَابُ: بضم الذال المعجمة وباءين موحدتين مع التخفيف. قال أبو هلال العسكري: الذُّبَابُ واحد والجمع ذباب كغربان والعامة يقولون ذباب للجمع وللواحد ذبابة بوزن قرادة وهو خطأ، وكذا قال أبو حاتم السجستاني: إنه خطأ.
وقال الجوهري اللغوي: الذباب واحده ذبابة، ولا تقل ذُبَانَةٌ، ونقل في " الحكم " عن أبي عبيدة معمر بن المثنى عن خلف الأحمر تجويز ما زعم العسكري أنه خطأ. وعلى هذا تكون ذبابة للواحدة ويجمع على ذباب، وجمع الجمع ذبان في الكثرة وفي القلة أذبة، وحكى سيبويه في الجمع اَيْضًا ذُبٌّ - بضم الذال المعجمة، وتشديد الباء (١)، وللذباب خواص، وصفات عجيبة وسمي ذبابا لكثرة ذبه ودفعه، وقيل لكثرة حركته واضطرابه وقد جاء ذكر الذباب في الكتاب الكريم قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ (٢). ويحكى أن بعض الخلفاء سأل الإمام الشافعي: لأَي عِلَّةٍ خَلَقَ اللَّهُ الذُّبَابَ؟ فَقَالَ: «مَذَلَّةٌ لِلْمُلُوكِ»، وكان ألحت عليه ذبابة، وضايقته، فأخذ الجواب من الهيئة الحاصلة.
«إِنَاءِ أَحَدِكُمْ» هكذا جاءت هذه الرواية بلفظ «إِنَاءِ» وفي حديث " بدء الخلق " بدء الخلق المذكور آنفا جاء بلفظ «شَرَابِ» ووقع في حديث أبي سعيد الذي رواه ابن ماجه، وصححه ابن حبان: «إِذَا وَقَعَ فِي الطَّعَامِ» والتعبير بـ «الإِنَاءِ» أشمل لأنه يدخل تحته الطعام والشراب وسواء فيهما أن يكونا ساخنين أو باردين،
стр. 337
، وكذلك جاء بلفظ «الإِنَاءِ» في حديث أنس عند البزار.
«فَلْيَغْمِسْهُ كُلَّهُ» الأمر هنا أمر إرشاد لمقابلة الداء بالدواء، وفائدة قوله «كُلَّهُ» رفع توهم المجاز بغمس بعضه وفي رواية ابن ماجه «فَامْقُلُوهُ فِيهِ» من المقل وهو الغمس قال أبو عبيد: «أي اغمسوه في الطعام أو الشراب ليخرج الشفاء كما أخرج الداء وذلك بإلهام الله تعالى».
«ثُمَّ لِيَطْرَحْهُ» في رواية سليمان بن بلال التي في بدء الخلق «ثُمَّ لِيَنْزِعْهُ» وقد وقع في حديث عَبْدِ اللَّهِ بْنُ الْمُثَنَّى عَنْ عَمِّهِ ثُمَامَةُ أَنَّهُ حَدَّثَهُ قَالَ: «كُنَّا عِنْدَ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ فَوَقَعَ ذُبَابٌ فِي إِنَاءٍ فَقَالَ (١) أَنَسٌ بِإِصْبَعِهِ فَغَمَسَهُ فِي الْمَاءِ ثَلاثًا وَقَالَ: بسم الله، وَقَالَ: «إِن رَسُول الله ﷺ أَمَرَهُمْ أَنْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ».
وسيبويه لا يجيز ذلك ويقول: إن حرف الجر حذف وبقي العمل، وقد وقع ذكره صريحًا في الرواية الأخرى «وَفِي الأُخْرَى شِفَاءً» ويجوز أن يقرأ بالرفع فيهما يعني: «وَالآخَرِ شِفَاءٌ» على الاستئناف ويكون الآخر مبتدأ، وشفاء خبر.
الحَدِيثُ صَحِيحٌ سَنَدًا وَمَتْنًا:
ومما ذكرناه من الروايات في " صحيح البخاري " وفي كتب " سنن أبي داود السجستاني "، و" النسائي "، و " ابن ماجه "، و" ابن حبان " و " البزار " وغيرهم يتبين لكل منصف وباحث ينشد الحق ويطلبه أن حديث الذباب روي من طرق عدة وعن غير واحد من الصحابة.
ولم أجد لأحد من النقاد وأئمة الحديث طَعْنًا في سنده فهو في درجة عالية من الصحة، وكل ما وقع فيه من الطعن من بعض المتساهلين والجهلاء والمبتدعة إنما هو من جهة متنه ومدلوله وذلك بأن قالوا:
«كيف يكون الذباب الذي هو مباءة الجراثيم ويقع على القذارات فيه دواء؟
стр. 338
وكيف يجمع الله الداء والدواء في الشيء الواحد؟ وهل الذباب يعقل حتى يقدم أحد الجناحين على الآخر؟!»!!!.
وهذا الحديث من الأحاديث التي أثيرت حولها الشبه من قديم الزمان فقد ذكره الإمام أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة المتوفى سنة ٢٧٦ هـ ﵀ وَأَثَابَهُ -، ولم يزد في الرد من أنه قال إن الحديث صحيح وإنه قد روي بغير هذه الألفاظ وذكر بسنده رواية أنس بن مالك ﵁ وقد ذكرتها آنفا.
ثم ذكر أن الطعن في الأحاديث بغير وجه حق يعتبر إنسلاخًا من الإسلام وتعطيلاً للأحاديث، وأن دفع الأخبار والآثار مخالف لما جاء به الرسول ﷺ ولما درج عليه الخيار من صحابته والتابعين (١).
وبحسبه من الخير أنه أنكر على الطاعنين بلسانه، وبقلبه، ونسأل الله ﵎ أن يثيبه على غيرته على الأحاديث والسنن.
رَدُّ العُلَمَاءِ الأَوَائِلِ أَثَابَهُمْ اللهُ تَعَالَى:
وقد بذل بعض علمائنا الأوائل - أَثَابَهُمْ اللهُ - الجهد في رَدِّ هَذِهِ الشُّبَهِ فقال الإمام حَمَدُ بن محمد بن إبراهيم بن الخطاب البُسْتِيُّ أحد الأئمة الجماعين بين المعقول والمنقول المُتَوَفَّى سنة ٣٨٨هـ: «تَكَلَّمَ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ مَنْ لاَ خَلاَقَ لَهُ فَقَالَ: كَيْفَ يَجْتَمِعُ الشِّفَاءَ وَالدَّاءَ فِى جَنَاحَيْ الذُّبَابِ، وَكَيْفَ يَعْلَمُ ذَلِكَ مِنْ نَفْسِهِ حَتَّى يُقَدِّمَ جَنَاحَ الدَّاءِ (٢)، وَيُؤَخَّرَ جَنَاحُ الشِّفَاءِ؟ وَمَا أَلْجَأَهُ إِلَى ذَلِكَ؟.
قال: «وَهَذَا سُؤَالُ جَاهِلٍ أَوْ مُتَجَاهِلٍ، فَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الحَيَوَانِ قَدْ جَمَعَ الصِّفَاتِ الْمُتَضَادَّةِ. وَقَدْ أَلَّفَ اللَّهُ بَيْنهَا وَقَهَرَهَا عَلَى الاجْتِمَاعِ وَجَعَلَ مِنْهَا قُوَى
بِهِ بِأَنَّهُ أَكْمَلُ الْخَلْقِ عَلَى الإِطْلَاقِ، وَأَنَّهُ مُؤَيَّدٌ بِوَحْيٍ إِلَهِيٍّ خَارِجٍ عَنِ الْقُوَى الْبَشَرِيَّةِ.
وَقَدْ ذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الأَطِبَّاءِ أَنَّ لَسْعَ الزُّنْبُورِ وَالْعَقْرَبِ إِذَا دُلِكَ مَوْضِعُهُ بِالذُّبَابِ نَفَعَ مِنْهُ نَفْعًا بَيِّنًا، وَسَكَّنَهُ، وَمَا ذَاكَ إِلاَّ لِلْمَادَّةِ الَّتِي فِيهِ مِنَ الشِّفَاءِ، وَإِذَا دُلِكَ بِهِ الْوَرَمُ الَّذِي يَخْرُجُ فِي شَعْرِ الْعَيْنِ الْمُسَمَّى شَعْرَةً بَعْدَ قَطْعِ رُؤُوسِ الذُّبَابِ [أَبْرَأَهُ] (١).
الطِبُّ النَّبَوِيُّ مِمَّا أُوحِيَ بِهِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ :
وقبل أن أذكر رأي الطب الحديث في حديث الذباب أحب أن أقول: إنني لست مع النابتة التي نبتت - وبعضهم من أهل العلم - فزعمت أن الطب النبوي من قبيل الأمور الدنيوية التي يجوز على النبي ﷺ فيها الخطأ، ويجعلونه من قبيل قصة تأبير النخل التي رواها الإمام مسلم في " صحيحه " عن أنس «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَرَّ بِقَوْمٍ يُلَقِّحُونَ - يعني النخل بوضع طلع الذكر على طلع الأنثى - فَقَالَ: " لَوْ لَمْ تَفْعَلُوا لَصَلُحَ ". قَالَ: فَخَرَجَ شِيصًا (٢)، فَمَرَّ بِهِمْ، فَقَالَ: " مَا لِنَخْلِكُمْ؟ " قَالُوا: قُلْتَ كَذَا وَكَذَا. قَالَ: " أَنْتُمْ أَعْلَمُ [بِأَمْرِ] دُنْيَاكُمْ "».
وفي الرواية الأخرى عن رَافِعٍ بْنُ خَدِيجٍ قال: قَالَ: قَدِمَ [نَبِيُّ اللهِ] ﷺ الْمَدِينَةَ، وَهُمْ يَأْبُرُونَ (٣) النَّخْلَ، يَقُولُونَ يُلَقِّحُونَ النَّخْلَ، فَقَالَ: «مَا تَصْنَعُونَ؟» قَالُوا: كُنَّا نَصْنَعُهُ، قَالَ: «لَعَلَّكُمْ لَوْ لَمْ تَفْعَلُوا كَانَ خَيْرًا» فَتَرَكُوهُ، فَنَفَضَتْ أَوْ فَنَقَصَتْ (٤)، قَالَ فَذَكَرُوا ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ: «إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ
стр. 341
دِينِكُمْ فَخُذُوا بِهِ، وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ [رَأْيِي] (١)، فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ».
ولا أدري كيف يُقَالُ ذلك في حديث الذباب مع قوله ﷺ فيه: «فَإِنَّ فِي أَحَدِ جَنَاحَيْهِ دَاءً وَفِي الآخَرِ دَوَاءً»؟ وقد أتى رسول الله بـ «إِنَّ» التي هي للتأكيد!!!.
وكيف يكون هذا الأسلوب المؤكد من قبيل الظن والتخمين في أمر دنيوي؟!.
بل كيف يكون قوله ﷺ «مَنْ تَصَبَّحَ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعَ تَمَرَاتٍ عَجْوَةً، لَمْ يَضُرَّهُ فِي ذَلِكَ اليَوْمِ سُمٌّ وَلاَ سِحْرٌ» رواه الشيخان من قبل الظن والتخمين في أمر دنيوي؟!.
وفرق كبير في الأسلوب بين هذين الحديثين وأمثالهما من أحاديث الطب، وبين قصة تأبير النخل، لأن النبي ﷺ لم يسقها مساق القطع واليقين وإنما ساقها مساق الرجاء «لَعَلَّكُمْ لَوْ لَمْ تَفْعَلُوا كَانَ خَيْرًا».
ومعظم أحاديث الطب - إن لم تكن كلها - إنما ساقها النبي ﷺ مساق القطع واليقين مما يدل على أنها بوحي من الله .
والطب طبان: طب القلوب والأديان، وبه جاء الأنبياء والمرسلون - عَلَيْهِمْ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ -.
وطب الأبدان، وهذا نوعان: نوع روحاني كالرقى والدعوات، ونوع مادي جسماني كالاستشفاء بالعسل والتمر والقسط الهندي والحبة السوداء والكمأة ونحوها.
стр. 342
ووظيفة النبي ﷺ أولاً وبالذات هو طب القلوب والأديان، ولكن شريعته وَسُنَّتُهُ قد اشتملت على الكثير من طب الأبدان سواء أكان روحانيًا أم جسمانيًا، وليس أدل على ذلك مما اشتمل عليه الصحيحان: " صحيح البخاري " و " صحيح مسلم " وغيرهما من كتب الصحاح والسنن والمسانيد والجوامع من " كتاب الطب " ضمن كتبها، وقد جمع بعض العلماء المحدثين في ذلك كتبًا مستقلة، ككتاب " الطب النبوي " لأبي نعيم، وكتاب " الطب النبوي " للسيوطي، وكتاب " الطب النبوي " لابن القيم.
والذي يهمني من كل هذا أن أنزع من نفوس النابتة التي نبتت فزعمت أن الطب النبوي من قبيل الأمور الدنيوية التي تحتمل الخطأ والصواب - هذا الزعم الباطل الذي لم يقم عليه دليل، بل قامت ضده كثير من الأدلة.
ففي حديث أَبِي سَعِيدٍ: أَنَّ رَجُلاً أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: أَخِي يَشْتَكِي بَطْنَهُ، فَقَالَ: «اسْقِهِ عَسَلاً» ثُمَّ أَتَى الثَّانِيَةَ، فَقَالَ: «اسْقِهِ عَسَلاً» ثُمَّ أَتَاهُ الثَّالِثَةَ فَقَالَ: «اسْقِهِ عَسَلاً» ثُمَّ أَتَاهُ فَقَالَ: قَدْ فَعَلْتُ - يعني فلم يبرأ - فَقَالَ ﷺ : «صَدَقَ اللَّهُ، وَكَذَبَ بَطْنُ أَخِيكَ، اسْقِهِ عَسَلاً» فَسَقَاهُ - يعني في المرة الرابعة - فَبَرَأَ. أخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي
ويعجبني في هذا المقام ما قاله الإمام أبو عبد الله محمد بن أبي بكر الدمشقي المعروف بابن قيم الجوزية قال ﵀ وأثابه: «وَنَحْنُ نَقُولُ: إِنَّ هَاهُنَا أَمْرًا آخَرَ نِسْبَةُ طِبِّ الأَطِبَّاءِ إِلَيْهِ كَنِسْبَةِ طِبِّ الطَّرْقِيَّةِ (١) وَالْعَجَائِزِ إِلَى طِبِّهِمْ، وَقَدِ اعْتَرَفَ بِهِ حُذَّاقُهُمْ وَأَئِمَّتُهُمْ، فَإِنَّ مَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ [بِالطِّبِّ] مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: هُوَ قِيَاسٌ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: هُوَ تَجْرِبَةٌ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: هُوَ إِلْهَامَاتٌ، وَمَنَامَاتٌ، وَحَدْسٌ صَائِبٌ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: أُخِذَ كَثِيرٌ مِنْهُ مِنَ الْحَيَوَانَاتِ الْبَهِيمِيَّةِ» .... إلى أن قال:
نَسْتَوْهِبُ مَنْ بِيَدِهِ الْخَيْرُ كُلُّهُ، وَنَسْتَمِدُّ مِنْ فَضْلِهِ، فَإِنَّهُ الْعَزِيزُ الْوَهَّابُ» (١).
رَأْيُ الطِبِّ الحَدِيثِ فِي حَدِيثِ الذُّبَابِ:
وقد شاء ربك العالم بما كان وبما يكون أن يظهر سر هذا الحديث، وأن يتوصل بعض نطس (٢) (*) الأطباء إلى أن في الذباب مادة قاتلة للميكروبات فبغمسه في الإناء تكون هذه المادة سَبَبًا في إبادة ما يحمله الذباب من الجراثيم التي ربما تكون عالقة به، أو تكون في جوفه، وبذلك أصبح ما قاله العلماء الأقدمون - تَجْوِيزًا - حقيقة مقررة.
مُحَاضَرَةٌ قَيِّمَةٌ لأَحَدِ الأَطِبَّاءِ المُسْلِمِينَ فِي " جَمْعِيَّةِ الهِدَايَةِ الإِسْلاَمِيَّةِ ":
وإليكم ما ذكره أحد الأطباء المصريين العصريين في محاضرة بـ " جمعية الهداية الإسلامية " (٣) بالقاهرة قال ﵀ رَحْمَةً وَاسِعَةً -:
يقع الذباب على المواد القذرة المملوءة بالجراثيم التي تنشأ منها الأمراض المختلفة، فينقل بعضها بأطرافه، ويأكل بعضًا آخر، فتتكون في جسمه مادة سامة يسميها علماء الطب «مبعد البكتيريا» وهي تقتل كثيرًا من جراثيم الأمراض، ولا يمكن لتلك الجراثيم أن تبقى حية، أو يكون لها تأثير في جسم الإنسان في حال وجود مبعد البكتيريا هذا، وأن هناك خاصية في أحد الجناحين هي أنه يحول مبعد البكتيريا إلى ناحيته.
وعلى هذا إذا سقط الذباب في طعام أو شراب وألقى الجراثيم العالقة بأطرافه فإن أقرب مبعد لتلك الجراثيم وأول واق منها هو مبعد البكتيريا الذي يحمله الذُّبَابُ
стр. 345
في جوفه قريبًا من أحد جناحيه، فإذا كان هناك داء فدواؤه قريب منه وقد استشهد بما جاء في أحد المجلات الطبية المتخصصة فقال:
" مَجَلَّةُ التَّجَارِبِ الطِبِيَّةِ الإِنْجْلِيزِيَّةِ ":
«وقد جاء في مجلة التجارب الطبية الإنجليزية عدد ١٣٠٧ سَنَةَ ١٩٢٧ ما ترجمته: لقد أطعم الذباب من زرع ميكروبات بعض الأمراض، وبعد حين من الزمن ماتت تلك الجراثيم واختفى أثرها وَتَكَوَّنَ في الذباب مادة سَامَّةً تسمى " بكتريوفاج " ولو عملت خلاصة من الذباب لمحلول ملحي لاحتوت على " بكتريوفاج التي يمكنها إبادة أربعة أنواع من الجراثيم المولدة للأمراض.
وقد كتب بعض الأطباء الغربيين نحو ذلك، وبذلك ظهر أن هذا الحديث الذي انتقده بعض ضعفاء الدين وذوي الأهواء والملاحدة وَعَدُّوهُ حَدِيثًا مَوْضُوعًا من أظهر المعجزات العلمية على صدق الرسول - صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلاَمُهُ عَلَيْهِ -».
" كَلِمَةُ الطِبِّ المُعَاصِرِ وَالأَحْدَاثِ ":
ولما ثارت عجاجة الخلاف في مصر القاهرة بين علماء الحديث والدين المنتصرين للحديث والمدافعين عنه، وبين بعض الأطباء الذين علموا ظاهرًا من الحياة الدنيا المكذبين لأن يكون في الذباب دواء، وقد استمرت هذه المعركة الكلامية بضعة شهور، ما بين " مجلة الدكتور " وغيرها من المجلات الإسلامية كمجلة " الأزهر " ومجلة " لواء الإسلام " - قيض الله للحديث من ينافح عن صحة الحديث وصدق معناه من الأطباء أنفسهم وبذلك «قطعت جهيزة قول كل خطيب» وقد كتب طبيبان فاضلان (١) ونطاسيان بارعان من نطس الأطباء بَحْثًا قَيِّمًا جِدًّا حول حديث الذباب مُدَعَّمًا بالأدلة، وَذَكَرَا المراجع العلمية التي رَجَعَا إليها في إثبات صدق هذا الحديث بما لا يدع مجالاً للشك وإليكم هذا البحث المدعم بالتجارب بنصه.
стр. 346
" كَلِمَةُ الطِبِّ فِي حَدِيثِ الذُّبَابِ ": (١)
البحوث والمراجع العلمية تؤيد الحديث الشريف: «إِذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْمِسْهُ كُلَّهُ، [ثُمَّ لِيَطْرَحْهُ]، فَإِنَّ فِي أَحَدِ جَنَاحَيْهِ شِفَاءً، وَفِي الآخَرِ دَاءً».
" تحقيق علمي د. محمود كمال، ود: محمد عبد المنعم حسين ":
كثر التعرض لهذا الحديث، وخصوصًا من جانب أطباء مكذبين للحديث، لعلمهم بأن الذباب ينقل العدوى والجراثيم الحاملة للمرض، ونحن نعلم أن من الأحاديث التي رويت عن النبي ﷺ ما هو صحيح، وما هو مكذوب، وكان على فقهاء الحديث أَنْ يُبَيِّنُوا الصحيح، ويستبعدوا المكذوب (٢)، وتمسك رجال الحديث والفقهاء الأعلام بصحة الحديث لاستناده للثقات من الرواة وتمسك بعض الأطباء بالناحية الصحية وكذبوا الحديث، وكنا نود أن نفهم الحديث على أسس ثلاثة:
[١] عدم التعرض لصحة الحديث فهذا من اختصاص فقهاء الحديث، والعلماء الذين درسوا العلم والحديث، وهم أعلم كيف يستبعدون الأحاديث المكذوبة.
[٢] محاولة البحث العلمي بافتراض صحة الحديث للوصول إلى حقائق أنبأنا عنها النَّبِيُّ ﷺ : ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ (٣) قرآن كريم.
[٣] عدم الخوض في موضوع مادة الحديث قبل الرجوع إلى المراجع العلمية الكافية عن الحشرات، وعن طفيليات الحشرات، لهذا رأينا بعد قراءة الموضوع والمجادلات المتبادلة بين الفريقين في الصحف والمجلات منذ مدة طويلة أن نحاول
стр. 347
أن نرد الحق إلى نصابه، ذلك أن بعضنا بعد قراءة آراء فقهاء الحديث عن صحة الحديث، لم يتردد في تصديقه وحاول أن يرجع إلى المراجع العلمية التي تؤيد صحة الحديث.
مَا جَاءَ فِي المَرَاجِعِ العِلْمِيَّةِ:
وقد جاء في المراجع العلمية أن الأستاذ الألماني " بريفيلد " من جامعة " هال " بألمانيا وجد في عام ١٨٧١ م أن الذبابة المنزلية مصابة بطفيلي من جنس الطفيليات سماها: " أموزا موسكي " من عائلة " أنتر موفترالي " من تحت فصيلة " سيجومايسيس " من فصيلة " فيكو مايسيس "، ويقضي هذا الفطر حياته في الطبقة الدهنية داخل بطن الذبابة، على شكل خلايا خميرة مستديرة، ثم يستطيل ويخرج على نطاق البطن بواسطة الفتحات التنفسية، أو بين المفاصل البطنية وفي هذه الحالة يصبح خارج جسم الذبابة، وهذا الشكل يمثل الدور التناسلي لهذا الفطر، وتتجمع بذور الفطر في داخل الخلية إلى قوة معينة تمكن الخلية من الانفجار وإطلاق البذور خارجها، وهذا سيكون بقوة دفع شديدة لدرجة تطلق البذور إلى مسافة حوالي ٢سم من الخلية بواسطة انفجار الخلية، واندفاع السائل على هيئة رشاش ويوجد دائمًا حول الذبابة الميتة والمتروكة على الزجاج مجال من البذور لهذا الفطر ورؤوس الخلية المستطيلة التي يخرج منها البذور موجودة حول القسم الثالث والأخير من الذبابة على بطنها وظهرها، وهذا القسم الثالث، أو الأخير دائمًا يكون مرتفعًا عندما تقف الذبابة على أي مسند لتحفظ توازنها، واستعدادها للطيران، والانفجار كما ذكرنا يحدث بعد ارتفاع ضغط السائل داخل الخلية المستطيلة إلى قوة معينة، وهذا قد يكون مسببًا من وجود نقطة زائدة من السائل حول الخلية المستطيلة وفي وقت الانفجار يخرج من السائل والبذور جزء من السيتوبلازم من الفطر.
كما ذكر الأستاذ " لانجيرون " أكبر الأساتذة في علم الفطريات في عام ١٩٤٥ م أن هذه الفطريات كما ذكرنا تعيش في شكل خميرة مستديرة داخل أنسجة الذبابة وهي تفرز أنزيمات قوية تحلل، وتذيب أجزاء الحشرة الحاملة للمرض ومن
стр. 348
جهة أخرى تم في سَنَةِ ١٩٤٧ م عزل مادة مضادة للحيوية بواسطة " آدنشتين " و " كوك " من إنجلترا، و " رولبوس " من سويسرا في سَنَةِ ١٩٥٠ م تسمى: " جافاسين " من فطر من نفس الفصيلة التي ذكرناها، والتي تعيش في الذبابة، وهذه المادة المضادة للحيوية تقتل جراثيم مختلفة، من بينها الجراثيم السالبة والموجبة لصبغة جرام، وجراثيم الدوسنتاريا والتيفويد، وفي سنة ١٩٤٨ م عزل " بريان " و " كورنيس " و " هيمخ " و " حيفيريس " و " مايكون " من بريطانيا مادة مضادة للحيوية تسمى: " كلوتينيزين " من فطريات من نفس فصيلة الفطر الذي يعيش في الذبابة، وتؤثر على الجراثيم السالبة لصبغة جرام من بينها جراثيم الدوسنتاريا والتيفويد.
وفي سنة ١٩٤٩ م عزل " كوكس " و " فارمر " من انجلترا، و " حرمان " و " دوث ". و " أتلنجر " و " بلاتنر " من سويسرا مادة مضادة للحيوية، تسمى " أنياتين " من فطريات من صنف الفطر الذي يعيش في الذبابة، تؤثر بقوة شديدة على جراثيم جرام موجب، وجرام سالب، وعلى بعض فطريات أخرى ومن بينها جراثيم الدوسنتاريا، والتيفويد، والكوليرا.
ولم تدخل هذه المواد المضادة للحيوية بعد الاستعمال الطبي، ولكنها فقط من العجائب العلمية لسبب واحد، وهو أنها بدخولها بكميات كبيرة في الجسم قد تؤدي إلى حدوث بعض المضاعفات، بينما قوتها شديدة جِدًّا، وتفوق جميع مضادات الحيوية المستعملة في علاج الأمراض المختلفة، وتكفي كمية قليلة جِدًّا لمنع معيشة، أو نمو جراثيم التيفويد، والدوسنتاريا، والكوليرا، وما يشبهها.
وفي سَنةَ ِ١٩٤٧ م عزل " موفنيش " مواد مضادة للحيوية من مزرعة الفطريات الموجودة على جسم الذبابة، ووجد أنها ذات مفعول قوي في بعض الجراثيم السالبة لصبغة جرام مثل جراثيم التيفويد، والدوسنتاريا وما يشبهها وبالبحث عن فائدة الفطريات لمقاومة الجراثيم التي تسبب أمراض الحميات التي يلزمها وقت قصير للحضانة وجد أن واحد جرام من هذه المواد المضادة للحيوية يمكن أن يحفظ أكثر من ١٠٠ لتر لبن من التلوث من الجراثيم المرضية المزمنة، وهذا أكبر دليل على
стр. 349
القوة الشديدة لمفعول هذه المواد.
أما بخصوص تلوث الذباب بالجراثيم المرضية كجراثيم " الكوليرا " و " التفويد " و " الدوسنتاريا " وغيرها التي ينقلها الذباب بكثرة. فمكان هذه الجراثيم يكون فقط على أطراف أرجل الذبابة أو في بُرَازِهَا وهذا ثابت في جميع المراجع البكتريولوجية، وليس من الضروري ذكر أسماء المؤلفين أو المراجع لهذه الحقيقة المعلومة.
ويستدل من كل هذا على أنه إن وقعت الذبابة على الأكل فستلمس الغذاء بأرجلها الحاملة للميكروبات المرضية: التيفويد، أو الكوليرا، أو الدوسنتاريا، أو غيرها وإذا تبرزت على الغذاء سيلوث الغذاء اَيْضًا كما ذكرنا بأرجلها.
أما الفطريات التي تفرز المواد المضادة للحيوية والتي تقتل الجراثيم المرضية الموجودة في براز الذبابة وفي أرجلها - فتوجد على بطن الذبابة ولا تنطلق مع سائل الخلية المستطيلة من الفطريات، والمحتوي على المواد المضادة للحيوية إلا بعد أن يلمسها السائل الذي يزيد الضغط الداخلي لسائل الخلية، ويسبب انفجار الخلية المستطيلة، واندفاع البذور والسائل.
نَتِيجَةُ البَحْثِ المُوَفَّقَةِ:
وبذلك يحقق العلماء بأبحاثهم تفسير الحديث النبوي الذي يؤكد ضرورة غمس الذبابة كلها في السائل، أو الغذاء إذا وقعت عليه لإفساد أثر الجراثيم المرضية التي تنقلها بأرجلها أو ببرازها، وكذلك يؤكد الحقيقة التي أشار إليها الحديث، وهي: أن في أحد جناحيها داء أي (أحد أجزاء جسمها الأمراض المنقولة بالجراثيم المرضية التي حملتها) وفي الآخر شفاء وهو المواد المضادة للحيوية التي تفرزها الفطريات الموجودة على بطنها والتي تخرج وتنطلق بوجود سائل حول الخلايا المستطيلة للفطريات.
стр. 350
تَعْلِيقِي عَلَى هَذَا البَحْثِ المُدَعَّمِ بِالمَرَاجِعِ وَالتَّجَارِبِ:
وإنها - وَأَيْمُ الحَقِّ - لنتيجة موفقه حَقًّا، وقاطعة في الدلالة على صدق هذا الحديث الذي طَبَّلَ من أجله أعداء السنن والأحاديث وَزَمَّرُوا من أمثال النظام وأتباعه من المستشرقين، والقساوسة وبعض أرقاء الدين من المسلمين وما ذهب إليه الدكتوران الكبيران، والطبيبان النطاسيان، مِنْ حَمْلِ أَحَدِ الجَنَاحَيْنِ الذي فيه الداء على بعض أجزاء جسم الذبابة، وحمل الجناح الآخر الذي فيه الدواء على ما يوجد على بطنها من الفطريات وهي المواد المضادة للحيوية والقاتلة للجراثيم والتي تنطلق وتخرج بسبب وجود سائل حول الخلايا المستطيلة للفطريات. لتأويل قريب مستساغ وجار على سنن اللغة العربية وكم لهذا التأويل من أمثلة كثيرة في الأحاديث النبوية، فجازى الله هذين الطبيبين العالمين حَقًّا اللذين أظهرا شَيْئًا من أسرار اللهِ، في شيء من أضعف خلق الله وهو الذباب ومن يدري؟ فلعله لولا هذه المادة التي تتكون في جسم الذباب، والتي تقتل الجراثيم العالقة بالذباب، والتي تكون في بُرَازِهَا لكان الذباب أداة سحق وهلاك للناس، ولا سيما في البلاد الفقيرة والمتخلفة، وهذا من رحمة الله بالخلق وصدق الله ﵎ حيث يقول: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ (١).
الحَدِيثُ مِنْ مُعْجِزَاتِ النَّبِيِّ ﵊:
وبعد إجراء التجارب والبحوث العلمية الطبية من عام ١٩٢٧ م الذي نشر فيه أول بحث يتعلق بما في الذباب من دواء في " المجلة الطبية الإنجليزية " وتوالت التجارب والبحوث إلى وقتنا هذا يتبين بكل جلاء ووضوح.
أَنَّ حَدِيثَ الذُّبَابِ مِنْ مُعْجِزَاتِ النَّبِيِّ ﷺ :
وبعد: فلعلك أيها القارئ الفطن والباحث المتبصر قد ازددت يقينًا بصحة هذا الحديث رواية ودراية - يعني من جهة المعنى وصدقه - واطمأننت إلى أن
стр. 351
الإذعان والقبول لما صح عن الرسول ﷺ أحرى بالمؤمن المتثبت وأولى وفي كل يوم تتقدم فيه العلوم والمعارف البشرية يظهر الله ﵎ من الآيات الأنفسية والآفاقية والكونية ما يدل على صدق القرآن الكريم، وصدق نبينا محمد ﵊، وصدق الله حيث يقول: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ (١) الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ (٢) بلى، وأنا على ذلك من الشاهدين!!!
تَوْضِيحٌ وَتَنْبِيهٌ:
أحب أن أقول إن الأمر في قوله ﷺ «فَلْيَغْمِسْهُ كُلَّهُ» وفي قوله «ثُمَّ لِيَطْرَحْهُ» إنما هو للإرشاد والتعليم وليس على سبيل الوجوب.
وأيضًا فليس في الحديث أمر بالشرب من الشراب، ولا أمر بالأكل من الطعام بعد الغمس والإخراج بل هذا متروك لنفس كل إنسان فمن أراد أن يأكل منه أو يشرب بعد فله ذلك، ومن عافت نفسه ذلك فلا حرج عليه في ذلك، والشيء قد يكون حَلاَلاً ولكن تعافه النفس، وذلك كالضب فقد كان أكله حَلاَلاً، ومع ذلك عافته نفس رسول الله ﷺ ، ولم يأكل منه، لأنه لم يكن بديار قومه، ثم أليس فيما أرشد إليه المُشَرِّعُ الحَكِيمُ ﷺ ، والموحي إليه من رب العالمين ما يعتبر حِفْظًا للمال من الإضاعة؟! بلى، والله.
إن الكثيرين من الناس في البيئات الفقيرة لا يريقون الشراب ولا الطعام الذي سقط فيه الذباب، وإنما يخرجونه، ثم يشربون منه ويأكلون ولا يرون في ذلك حَرَجًا، وتعافه نفوسهم لأنهم لم يحصلوا على هذا الشراب أو الطعام إلا بعد الكد والتعب والعرق، وقد رأيت بعيني من يفعل ذلك، وهو راض بما صنع قرير العين
стр. 352
بطعامه وشرابه.
ومما ينبغي اَيْضًا أن أوضحه وأنبه إليه أننا معاشر العلماء المحدثين حينما ننتصر للحديث الشريف الصحيح رواية ومعنى، ليس معنى هذا أننا لا نحض الناس على مقاومة الذباب، وتطهير البيوت والمنازل، والشوارع والطرقات، وعلى حماية طعامهم وشرابهم منه، كَلاَّ وَحَاشَا، فالإسلام دين النظافة بكل ما تحتمله هذه الكلمة من معان ودين الوقاية من الأمراض والشرور، وقد جاء الإسلام بالطب الوقائي كما جاء بالطب العلاجي، وسبق إلى بعض ما لم يعرف ولم يتوصل إليه إلا في العصور الحديثه، ثم أليس في الحديث الصحيح الذي رواه " البخاري " و " مسلم " عن جابر بن عبد الله ﵁ أن النبي ﷺ قال: «خَمِّرُوا الآنِيَةَ - أي غطوها - وَأَوْكِئُوا الأَسْقِيَةَ - يعني اربطوا أفواهها حتى لا يتقذر الماء أو تدخل فيه بعض الحشرات الضارة -، [وَأَجِيفُوا الأَبْوَابَ]، وَاكْفِتُوا صِبْيَانَكُمْ عِنْدَ العِشَاءِ» الحديث، فها هو النبي ﷺ أرشدنا إلى صيانة أطعمتنا، وصيانة أوعية مياهنا والمحافظة على أولادنا الصغار من ظلمة الليل، وما عسى ينالهم في الظلمة من أذى أو شر وقد بلغ من سفاهة بعض الذين حكموا على الحديث بالكذب من الأطباء ومن الجهلاء أدعياء العلم أنهم رموا العلماء المنتصرين لصحة الحديث مبنى ومعنى " بِالذُّبَابِيِّينَ " ولا يضيرنا معاشر العلماء إِنْ نُرْمَى بِمَا يَسُوءُ وَيُؤْلِمُ فِي سَبِيلِ دَعْوَتِنَا إِلَى اللهِ ومنافحتنا عن كتاب الله تعالى، وسنة رسول الله ﷺ ، ثم أين ما ينال العلماء والدعاة اليوم مما نال رسول الله ﷺ من رميه بالكذب حِينًا والشعر حِينًا آخر، والكهانة حِينًا ثالثا، وما نال أصحاب رسول الله - رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِمْ - في سبيل نشر الإسلام وفي سبيل دعوتهم، إن ما نال من جاء بعدهم لا يبلغ عُشْرَ مِعْشَارِ ما نالهم من الأذى والسباب والسفاه ثم ما رأى هؤلاء الذين كانوا يريدون منا أن نسارع إلى تكذيب الأحاديث الصحاح أو توهينها لأية شبهة، ثم جاء العلم والطب الحديث فكشف عما تنطوي عليه هذه الأحاديث الصحاح مثل حديث الذباب، من أسرار اعتبرها المنصفون والعقلاء ومن معجزات النبي ﷺ ؟!.
стр. 353
أنرجع فنصححها بعد أن كذبناها وحكمنا بوضعها؟ أم ماذا نصنع؟.
إن هؤلاء الحاقدين على السنن والأحاديث يريدون أن نتخذ من الأحاديث ملعبة وملهاة، نكذب اليوم ما صححه العلماء بالأمس، ونصحح اليوم ما كنا كذبناه بالأمس!! هذا ما لا يكون ولن يكون - إِنْ شَاءَ اللهُ - ما دامت سنة الله في الكون أن لا يخلى أي عصر من دعاة إلى الحق ومنافحين عنه حتى يأتي أمر الله، وصدق المبلغ عن رب العالمين حينما قال: «لاَ تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ [لاَ يَضُرُّهُمْ] مَنْ خَالَفَهُمْ» ... «حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ، وَهُمْ ظَاهِرُونَ» " رواه البخاري ومسلم (١) وهذه الطائفة ستبقى ظاهرة على الحق بالإيمان واليقين، والحجج والبراهين، ولن يضيرهم من خالفهم بإذن الله وتأييده ونصره إلى يوم يقوم الناس لرب العالمين.
أَحَادِيثُ سِحْرِ النَّبِيِّ ﷺ -:
ومن الأحاديث التي ثار حولها الجدل، وأثيرت عليها الشبه من قديم الزمان إلى يومنا هذا أحاديث سحر النبي ﷺ وهي أحاديث صحيحة في غاية الصحة رواها الشيخان: " البخاري " و " مسلم " وغيرهما من أصحاب كتب الحديث ودواوينه وإليكم بيان ما أثير حولها، وبيان وجه الحق في هذا
رِوَايَاتُ الشَّيْخَيْنِ: البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٍ:
روى البخاري، ومسلم في " صحيحيهما " بسنديهما عن هشام بن عروة، عن أبيه، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ واللفظ للبخاري - قالت: قَالَتْ: سَحَرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَجُلٌ مِنْ بَنِي زُرَيْقٍ (٢)، يُقَالُ لَهُ لَبِيدُ (٣) بْنُ الأَعْصَمِ،