← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 37972

دفاع عن السنة ورد شبه المستشرقين ط مكتبة السنة

محمد أبو شهبة

Полный текст (402 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

الإذعان والقبول لما صح عن الرسول ﷺ أحرى بالمؤمن المتثبت وأولى وفي كل يوم تتقدم فيه العلوم والمعارف البشرية يظهر الله ﵎ من الآيات الأنفسية والآفاقية والكونية ما يدل على صدق القرآن الكريم، وصدق نبينا محمد ﵊، وصدق الله حيث يقول: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ (١) الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ (٢) بلى، وأنا على ذلك من الشاهدين!!! تَوْضِيحٌ وَتَنْبِيهٌ: أحب أن أقول إن الأمر في قوله ﷺ «فَلْيَغْمِسْهُ كُلَّهُ» وفي قوله «ثُمَّ لِيَطْرَحْهُ» إنما هو للإرشاد والتعليم وليس على سبيل الوجوب. وأيضًا فليس في الحديث أمر بالشرب من الشراب، ولا أمر بالأكل من الطعام بعد الغمس والإخراج بل هذا متروك لنفس كل إنسان فمن أراد أن يأكل منه أو يشرب بعد فله ذلك، ومن عافت نفسه ذلك فلا حرج عليه في ذلك، والشيء قد يكون حَلاَلاً ولكن تعافه النفس، وذلك كالضب فقد كان أكله حَلاَلاً، ومع ذلك عافته نفس رسول الله ﷺ ، ولم يأكل منه، لأنه لم يكن بديار قومه، ثم أليس فيما أرشد إليه المُشَرِّعُ الحَكِيمُ ﷺ ، والموحي إليه من رب العالمين ما يعتبر حِفْظًا للمال من الإضاعة؟! بلى، والله. إن الكثيرين من الناس في البيئات الفقيرة لا يريقون الشراب ولا الطعام الذي سقط فيه الذباب، وإنما يخرجونه، ثم يشربون منه ويأكلون ولا يرون في ذلك حَرَجًا، وتعافه نفوسهم لأنهم لم يحصلوا على هذا الشراب أو الطعام إلا بعد الكد والتعب والعرق، وقد رأيت بعيني من يفعل ذلك، وهو راض بما صنع قرير العين

стр. 352

بطعامه وشرابه. ومما ينبغي اَيْضًا أن أوضحه وأنبه إليه أننا معاشر العلماء المحدثين حينما ننتصر للحديث الشريف الصحيح رواية ومعنى، ليس معنى هذا أننا لا نحض الناس على مقاومة الذباب، وتطهير البيوت والمنازل، والشوارع والطرقات، وعلى حماية طعامهم وشرابهم منه، كَلاَّ وَحَاشَا، فالإسلام دين النظافة بكل ما تحتمله هذه الكلمة من معان ودين الوقاية من الأمراض والشرور، وقد جاء الإسلام بالطب الوقائي كما جاء بالطب العلاجي، وسبق إلى بعض ما لم يعرف ولم يتوصل إليه إلا في العصور الحديثه، ثم أليس في الحديث الصحيح الذي رواه " البخاري " و " مسلم " عن جابر بن عبد الله ﵁ أن النبي ﷺ قال: «خَمِّرُوا الآنِيَةَ - أي غطوها - وَأَوْكِئُوا الأَسْقِيَةَ - يعني اربطوا أفواهها حتى لا يتقذر الماء أو تدخل فيه بعض الحشرات الضارة -، [وَأَجِيفُوا الأَبْوَابَ]، وَاكْفِتُوا صِبْيَانَكُمْ عِنْدَ العِشَاءِ» الحديث، فها هو النبي ﷺ أرشدنا إلى صيانة أطعمتنا، وصيانة أوعية مياهنا والمحافظة على أولادنا الصغار من ظلمة الليل، وما عسى ينالهم في الظلمة من أذى أو شر وقد بلغ من سفاهة بعض الذين حكموا على الحديث بالكذب من الأطباء ومن الجهلاء أدعياء العلم أنهم رموا العلماء المنتصرين لصحة الحديث مبنى ومعنى " بِالذُّبَابِيِّينَ " ولا يضيرنا معاشر العلماء إِنْ نُرْمَى بِمَا يَسُوءُ وَيُؤْلِمُ فِي سَبِيلِ دَعْوَتِنَا إِلَى اللهِ ومنافحتنا عن كتاب الله تعالى، وسنة رسول الله ﷺ ، ثم أين ما ينال العلماء والدعاة اليوم مما نال رسول الله ﷺ من رميه بالكذب حِينًا والشعر حِينًا آخر، والكهانة حِينًا ثالثا، وما نال أصحاب رسول الله - رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِمْ - في سبيل نشر الإسلام وفي سبيل دعوتهم، إن ما نال من جاء بعدهم لا يبلغ عُشْرَ مِعْشَارِ ما نالهم من الأذى والسباب والسفاه ثم ما رأى هؤلاء الذين كانوا يريدون منا أن نسارع إلى تكذيب الأحاديث الصحاح أو توهينها لأية شبهة، ثم جاء العلم والطب الحديث فكشف عما تنطوي عليه هذه الأحاديث الصحاح مثل حديث الذباب، من أسرار اعتبرها المنصفون والعقلاء ومن معجزات النبي ﷺ ؟!.

стр. 353

أنرجع فنصححها بعد أن كذبناها وحكمنا بوضعها؟ أم ماذا نصنع؟. إن هؤلاء الحاقدين على السنن والأحاديث يريدون أن نتخذ من الأحاديث ملعبة وملهاة، نكذب اليوم ما صححه العلماء بالأمس، ونصحح اليوم ما كنا كذبناه بالأمس!! هذا ما لا يكون ولن يكون - إِنْ شَاءَ اللهُ - ما دامت سنة الله في الكون أن لا يخلى أي عصر من دعاة إلى الحق ومنافحين عنه حتى يأتي أمر الله، وصدق المبلغ عن رب العالمين حينما قال: «لاَ تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ [لاَ يَضُرُّهُمْ] مَنْ خَالَفَهُمْ» ... «حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ، وَهُمْ ظَاهِرُونَ» " رواه البخاري ومسلم (١) وهذه الطائفة ستبقى ظاهرة على الحق بالإيمان واليقين، والحجج والبراهين، ولن يضيرهم من خالفهم بإذن الله وتأييده ونصره إلى يوم يقوم الناس لرب العالمين. أَحَادِيثُ سِحْرِ النَّبِيِّ ﷺ -: ومن الأحاديث التي ثار حولها الجدل، وأثيرت عليها الشبه من قديم الزمان إلى يومنا هذا أحاديث سحر النبي ﷺ وهي أحاديث صحيحة في غاية الصحة رواها الشيخان: " البخاري " و " مسلم " وغيرهما من أصحاب كتب الحديث ودواوينه وإليكم بيان ما أثير حولها، وبيان وجه الحق في هذا رِوَايَاتُ الشَّيْخَيْنِ: البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٍ: روى البخاري، ومسلم في " صحيحيهما " بسنديهما عن هشام بن عروة، عن أبيه، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ واللفظ للبخاري - قالت: قَالَتْ: سَحَرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَجُلٌ مِنْ بَنِي زُرَيْقٍ (٢)، يُقَالُ لَهُ لَبِيدُ (٣) بْنُ الأَعْصَمِ،

стр. 354

حَتَّى كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ كَانَ يَفْعَلُ الشَّيْءَ، وَمَا فَعَلَهُ، حَتَّى إِذَا كَانَ ذَاتَ يَوْمٍ - أَوْ ذَاتَ لَيْلَةٍ (١) - وَهُوَ عِنْدِي، لَكِنَّهُ دَعَا، وَدَعَا، ثُمَّ قَالَ: " يَا عَائِشَةُ، أَشَعَرْتِ (٢) أَنَّ اللَّهَ أَفْتَانِي فِيمَا اسْتَفْتَيْتُهُ (٣) [فِيهِ]؟، أَتَانِي رَجُلاَنِ، فَقَعَدَ أَحَدُهُمَا (٤) عِنْدَ رَأْسِي، وَالآخَرُ (٥) عِنْدَ رِجْلَيَّ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: مَا وَجَعُ الرَّجُلِ؟ (٦) [فَقَالَ]: مَطْبُوبٌ (٧)، قَالَ: مَنْ طَبَّهُ؟ (٨) قَالَ: لَبِيدُ بْنُ الأَعْصَمِ، قَالَ: فِي أَيِّ شَيْءٍ؟ قَالَ: فِي مُشْطٍ وَمُشَاطَةٍ (٩)، وَجُفِّ طَلْعِ نَخْلَةٍ ذَكَرٍ (١٠). قَالَ: وَأَيْنَ هُوَ؟ قَالَ: فِي بِئْرِ ذَرْوَانَ (١١) " فَأَتَاهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي نَاسٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَجَاءَ فَقَالَ: «يَا عَائِشَةُ، كَأَنَّ مَاءَهَا نُقَاعَةُ الحِنَّاءِ (١٢)، أَوْ كَأَنَّ رُؤُوسَ نَخْلِهَا رُؤُوسُ الشَّيَاطِينِ» (١٣) قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَفَلاَ اسْتَخْرَجْتَهُ؟ قَالَ: «قَدْ عَافَانِي اللَّهُ، فَكَرِهْتُ أَنْ أُثَوِّرَ عَلَى النَّاسِ فِيهِ شَرًّا» (١٤) فَأَمَرَ بِهَا (١٥) [فَدُفِنَتْ] (١٦).

стр. 355

وروى الشيخان بسنديهما في " صحيحيهما " عن أبي أسامة، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة ﵂ قالت: واللفظ للبخاري: سُحِرَ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى إِنَّهُ لَيُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ يَفْعَلُ الشَّيْءَ، وَمَا فَعَلَهُ، حَتَّى إِذَا كَانَ ذَاتَ يَوْمٍ وَهُوَ عِنْدِي، دَعَا اللَّهَ وَدَعَاهُ، ثُمَّ قَالَ: «أَشَعَرْتِ يَا عَائِشَةُ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَفْتَانِي فِيمَا اسْتَفْتَيْتُهُ فِيهِ؟» قُلْتُ: وَمَا ذَاكَ [يَا رَسُولَ اللَّهِ؟] قَالَ: " جَاءَنِي رَجُلاَنِ، فَجَلَسَ أَحَدُهُمَا عِنْدَ رَأْسِي، وَالآخَرُ عِنْدَ رِجْلَيَّ ... » الحديث، إلا أنه قال في هذه الرواية: «فَأَيْنَ هُوَ؟ قَالَ: فِي بِئْرِ ذِي أَرْوَانَ» (١) وفيها قول عائشة ﵂ قلت: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَأَخْرَجْتَهُ؟ قَالَ: «لاَ، أَمَّا أَنَا فَقَدْ عَافَانِيَ اللَّهُ وَشَفَانِي، وَخَشِيتُ أَنْ أُثَوِّرَ (٢) عَلَى النَّاسِ مِنْهُ شَرًّا» وَأَمَرَ بِهَا فَدُفِنَتْ. وروى البخاري قال: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُيَيْنَةَ، يَقُولُ: أَوَّلُ مَنْ حَدَّثَنَا بِهِ ابْنُ جُرَيْجٍ (٣)، يَقُولُ: حَدَّثَنِي آلُ عُرْوَةَ (٤)، عَنْ عُرْوَةَ، فَسَأَلْتُ هِشَامًا، عَنْهُ، فَحَدَّثَنَا عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، ﵂ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سُحِرَ، حَتَّى كَانَ يَرَى أَنَّهُ يَأْتِي النِّسَاءَ وَلاَ يَأْتِيهِنَّ (٥)، قَالَ سُفْيَانُ (٦): وَهَذَا أَشَدُّ مَا يَكُونُ مِنَ السِّحْرِ، إِذَا كَانَ كَذَا، فَقَالَ: " يَا عَائِشَةُ، أَعَلِمْتِ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَفْتَانِي فِيمَا اسْتَفْتَيْتُهُ فِيهِ؟، أَتَانِي رَجُلاَنِ، فَقَعَدَ أَحَدُهُمَا عِنْدَ رَأْسِي، وَالآخَرُ عِنْدَ رِجْلَيَّ، فَقَالَ الَّذِي عِنْدَ رَأْسِي لِلآخَرِ: مَا بَالُ الرَّجُلِ؟ قَالَ: مَطْبُوبٌ، قَالَ: وَمَنْ طَبَّهُ؟ قَالَ: لَبِيدُ بْنُ أَعْصَمَ - رَجُلٌ مِنْ بَنِي زُرَيْقٍ حَلِيفٌ لِيَهُودَ كَانَ

стр. 356

مُنَافِقًا (١) - قَالَ: وَفِيمَ؟ قَالَ: فِي مُشْطٍ وَمُشَاطَةٍ، قَالَ: وَأَيْنَ؟ قَالَ: فِي جُفِّ طَلْعَةٍ ذَكَرٍ (٢)، تَحْتَ رَعُوفَةٍ (٣) فِي بِئْرِ ذَرْوَانَ " قَالَتْ: فَأَتَى النَّبِيُّ ﷺ البِئْرَ حَتَّى اسْتَخْرَجَهُ، فَقَالَ: «هَذِهِ البِئْرُ الَّتِي أُرِيتُهَا (٤)، وَكَأَنَّ مَاءَهَا نُقَاعَةُ الحِنَّاءِ، وَكَأَنَّ نَخْلَهَا (٥) رُؤُوسُ الشَّيَاطِينِ» قَالَ: فَاسْتُخْرِجَ (٦)، قَالَتْ: فَقُلْتُ: أَفَلاَ - أَيْ تَنَشَّرْتَ؟ (٧) - فَقَالَ: «أَمَّا اللَّهُ فَقَدْ شَفَانِي، وَأَكْرَهُ أَنْ أُثِيرَ عَلَى أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ شَرًّا». وقد روى الإمام البخاري حديث السحر في كتب وأبواب أخرى من " صحيحه " (*): وراه في كتاب (بدء الخلق) باب ١٧. وفي (كتاب الأدب) باب ٥٦. وفي (كتاب الدعوات) باب ٥٧، تكرير الدعاء. ورواه البخاري في (كتاب الأدب) عن شيخه الحميدي، عن سفيان بن عيينة تخريج الحديث. وقد روى حديث سحر

стр. 357

لبيد بن الأعصم للنبي، غير الشيخين: البخاري ومسلم - الإمام أحمد في " مسنده " (١) وابن سعد في " الطبقات " (٢) وابن ماجه (٣). ذِكْرُ الشُّبَهِ التِي أُثِيرَتْ حَوْلَ الحَدِيثِ وَرَدِّهَا: وإثارة الشبه حول حديث السحر تضرب في القدم إلى العصور الأولى، فقد ذكره الإمام أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة في كتابه " تأويل مختلف الحديث " (٤) ضمن الأحاديث التي طعن فيها النَظَّامُ وأمثاله من أرقاء الدين في السنن والأحاديث. وكذلك رَدَّ بعض أهل العلم في العصر الأخير، وهم الذين يحكمون العقل الجامح في كل شيء، وليس عندهم من العلم بالسنن والأحاديث وروايتها عدالة، وضبط رواتها ما يعصمهم من الوقوع في الزلل. وجاء بعض أدعياء العلم في هذا العصر (٥) اَيْضًا فألف كتابًا في السُنَّةِ جمع فيه كل شاردة وورادة في الطعن في السُنَّةِ والأحاديث واعتمد في رده لهذا الحديث على أن الأستاذ الشيخ محمد عبده قد أنكر حديث السحر ورده بالحجج والبراهين (٦). وقد اعتمد هو ومن سبقه من أئمة الاعتزال إلى الأمور الآتية قالوا: [١] إن الحديث وإن رواه البخاري ومسلم فهو حديث آحادي فلا يؤخذ به في العقائد وعصمة النبي ﷺ من تأثير السحر في عقله عقيدة من العقائد فلا يؤخذ في إثبات

стр. 358

ما يخالفها إلا باليقين كالحديث المتواتر، ولا يكتفي في ذلك بالظن. [٢] إن الحديث يخالف القرآن الكريم الذي هو متواتر ويقيني في نفي السحر عن النبي ﷺ ، حيث نسب القول بإثبات السحر له إلى المشركين وَوَبَّخَهُمْ على زعمهم هذا، قال تعالى: ﴿وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ (١) تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَسْحُورًا، انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً﴾ (٢). وقال: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ، إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ، وَإِذْ هُمْ نَجْوَى، إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَسْحُورًا، انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً﴾ (٣). [٣] إنه لو جاز على النبي ﷺ أن يتخيل أنه يفعل الشيء، وما فعله لجاز عليه أن يظن أنه بلغ شَيْئًا وهو لم يبلغه أو أن شَيْئًا ينزل عليه، ولم ينزل عليه، واستحالة ذلك أمر ظاهر لا يحتاج إلى بيان. الرَدُّ عَلَى شُبُهَاتِهِمْ: إن الحق لا يُعْرَفُ بالرجال ولكن الرجال هو الذين يعرفون بالحق، وفي كلام أبي الحسن على: «اعْرِفْ الحَقَّ تَعْرِفْ أَهْلَهُ». والأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده ليس أبا عذرتها (٤) في هذا إنما هو متابع لمن سبقه من رؤساءا الاعتزال وأمثالهم ومن نهج نهجهم، وإذا كان هذا الذي يتمسح بأقوال العلماء لا يعرف الحق إلا بالرجال فلنجاره في هذا ولنبين له ولأمثاله أن الأخذ بالحديث الصحيح وعدم رده وتأويله بما يوافق العقل، والنقل المتواتر مذهب جماهير العلماء سَلَفًا وَخَلَفًا، ورد الأحاديث الصحيحة لأدنى شبهة، ولتوهم مخالفتها للعقل،

стр. 359

أو القرآن أو العلم ليس من التحقيق العلمي في شيء، والأحاديث الصحيحة الموثوق بها، وإن كانت لا تفيد يقينًا في العقائد الثانوية (١) لكنها تفيد غلبة الظن فيها، ونحن لا نخالف في أن العقائد الأساسية في الإسلام كإثبات الصانع ﷻ ، والتوحيد، وإثبات البعث وإثبات رسالة الرسل لا يكتفى فيها إلا بما يفيد القطع واليقين. ولئن كان الإمام الشيخ محمد عبده قد أنكر حديث السحر فقد أثبته واعترف بصحته رواية ودراية أئمة كِبَارٌ، هم أرسخ قَدَمًا في العلم، والجمع بين المعقول، والمنقول منه، كالأئمة المازري، والخطابي، والقاضي عياض، وابن تيمية: تقي الدين أحمد الحافظ الناقد المُحَدِّثُ، وابن القيم، وابن كثير، والنووي، والحافظ الناقد ابن حجر، والقرطبي والآلوسي وغيرهم ممن لا يحصيهم العد. [٢] إن الذين صححوا حديث السحر كالبخاري ومسلم وغيرهما من أهل الحديث وكل من جاء بعدهم من أهل العلم قالوا: إن ما حدث للنبي ﷺ نوع من الأمراض الجسمانية والعوارض البشرية التي تجوز على الأنبياء - عَلَيْهِمْ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ -، وقد روى الحديث من طرق عدة في " الصحيحين " وغيرهما، وعن غير واحد من الصحابة منهم: عائشة، وابن عباس، وزيد بن أرقم وغيرهم مما يبعد عنه احتمال الغلط أو السهو أو الكذب ن وقد رُوِيَ [الحديث] من طرق بلفظ: «حَتَّى [إِنَّهُ] لَيُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ يَفْعَلُ الشَّيْءَ وَمَا فَعَلَهُُُُُُُُُُ» ولكن قد وردت بعض الروايات في " الصحيح " بما يزيل ما في هذه الرواية من إيهام، وهي رواية الإمام العادل الثقة سفيان بن عيينة أحد جبال الحديث والعلم في هذه الأمة الإسلامية وقد رواها إمامان كبيران من شيوخ الإمام البخاري: أحدهما شيخه عبد الله بن محمد بن عبد الله بن جعفر الجعفي أبو جعفر البخاري المعروف بِالمُسْنَدِيِّ - بفتح النون - قال فيه ابن حجر: «ثِقَةٌ حَافِظٌ جَمَعَ المُسْنَدَ مِنَ العَاشِرَةِ مَاتَ سَنَةَ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَتَيْنِ» (٢) وذلك في كتاب الطب

стр. 360

باب هل يستخرج السحر. وثانيهما هو الإمام الحُميدي عبد الله بن الزبير بن عيسى الحميدي القرشي المكي أبو بكر ثقة حافظ، يعتبر من أجل أصحاب ابن عيينة من العاشرة، مات سَنَةَ تسع وعشرة ومائتين (١) وقيل بعدها، قال الحاكم: «كَانَ البُخَارِيُّ إِذَا وَجَدَ الحَدِيثَ عَنْ الحُمَيْدِيِّ لاَ يَعْدُوهُ إِلَى غَيْرِهِ» ولفظ رواية سفيان: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سُحِرَ، حَتَّى كَانَ يُرَى (٢) أَنَّهُ يَأْتِي النِّسَاءَ وَلاَ يَأْتِيهِنَّ» قَالَ سُفْيَانُ: «وَهَذَا أَشَدُّ مَا يَكُونُ مِنَ السِّحْرِ إِذَا كَانَ كَذَلِكَ» (٣). وهذه الرواية هي التي بنبغي أن يُعَوَّلَ عليها، ولذلك قال الإمام القاضي عياض: «يُحْتَمَل أَنْ يَكُون الْمُرَاد [بِالتَّخْيِيلِ] الْمَذْكُور أَنَّهُ يَظْهَر لَهُ مِنْ نَشَاطه مَا أَلِفَهُ مِنْ سَابِق عَادَته مِنْ الاِقْتِدَار عَلَى الوَطْء، فَإِذَا دَنَا مِنَ المَرْأَة فَتَرَ عَنْ ذَلِكَ كَمَا هُوَ شَأْن المَعْقُود» (٤) وقواعد البحث العلمي الصحيح فيما إذا كانت هناك روايتان: إحداهما موهمة خلاف المراد والثانية: ليست موهمة أن نحكم ف المراد الرواية الغير الموهمة. وعلى هذا لا يكون هناك إخلال بعصمة النبي ﷺ ، وينهار الأساس الذي بنوا عليه إنكار الحديث. [٣] وأما أن الحديث مخالف للقرآن فغير مُسَلَّمٌ، لأن المشركين لم يريدوا بقولهم: ﴿إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَسْحُورًا﴾ (٥). أن النبي ﷺ سحر حتى أدركه بعض التغير مدة، ثم شفاه الله، وإنما أرادوا أنه يصدر عن خيال وجنون في كل ما يقول وما يفعل، وآن ما جاء به ليس من الوحي فغرضهم إنكار رسالته ﷺ ، وأنه ليس بنبي، ومعروف من شأن الكفار أنهم ما كانوا يثبتون على قول ولا على حال فمرة كانوا يقولون شاعر، ومرة يقولون كاهن، وثالثة كانوا يقولون ساحر، وأخرى أنه مسحور،

стр. 361

وهكذا الباطل لجلج لا يثبت أهله على قول ولا حال. [٤] وأما قولهم: إذا جاز أن يتخيل ما ليس بواقع واقعًا في غير أمور الدين لجاز ذلك في أمور الدين فهو مردود بما قدمناه في بيان المراد من الحديث وأن السحر أَثَّرَ في جسمه لا في عقله، ولو سلمنا لهم ما تدل عليه الرواية بحسب ظاهرها لما تم لهم ما أرادوا، لأن قياس أمور الوحي والرسالة على أمور الدنيا قياس مع الفارق فإنه بالنسبة لأمور الدين معصوم من الخطأ والتغيير والتبدل، ولا عصمة له في أمور الدنيا، فللرسول ﷺ اعتباران: اعتبار كونه بشرًا، واعتبار كونه رسولاً، فبالاعتبار الأول يجوز على سائر البشر، ومنه أن يسحر وبالاعتبار الثاني لا يجوز ما يخل بالرسالة لقيام الدليل العقلي، والنقلي على العصمة منه. ثم ما رأى المنكرين للحديث فيما ثبت في القرآن منسوبًا إلى نبي الله موسى ﵇ من أنه تخيل في حبال السحرة وعصيهم أنها حيات تسعى، فهل ينكرون القرآن القطعي المتواتر؟! وهل أخل تخيله هذا بمنصب الرسالة والتبليغ؟!. وإذا كان لا مناص لهم من التسليم بما جاء به القرآن، فلم اعتبروا التخيل في حديث السحر مُنَافِيًا للعصمة ولم يعتبروه في قصة سيدنا موسى ﵊ منافيًا للعصمة؟! أفيدونا يا قوم!!!. لقد شاء اللهُ سُبْحَانَهُ - ولله الحكمة البالغة - أن يبتلي أنبياءه بشتى أنواع الابتلاء ليعلم الناس أنهم بشر مثلهم فلا يرفعوهم إلى درجة الألوهية، وليزداد ثواب الأنبياء، وتعظم منازلهم عند الله تعالى بما يقاسونه وما يتحملونه في سبيل تبليغ الدين والرسالات. ولا أحب أن أطيل بذكر بعض أقوال الأئمة الجامعين بين علمي المعقول والمنقول ولكني سأجتزئ بنقلين اثنين:

стр. 362

كَلاَمٌ قَوِيمٌ لِلإِمَامِ المَازَرِي (١) ﵀: قَالَ الإِمَامُ المَازِرِيُّ: «أَنْكَرَ [المُبْتَدِعَةُ] هَذَا الحَدِيثِ - يريد حديث السحر - وَزَعَمُوا أَنَّهُ يَحُطُّ مَنْصِبَ النُّبُوَّةِ، وَيُشَكِّكُ فِيهَا، قَالُوا وَكُلُّ مَا أَدَّى إِلَى ذَلِكَ [فَهُوَ] بَاطِلٌ، وَزَعَمُوا أَنَّ تَجْوِيز هَذَا يَعْدَمُ الثِّقَةَ بِمَا [شَرَعَهُ] مِنْ الشَّرَائِعِ إِذْ يُحْتَمَل عَلَى هَذَا أَنْ يُخَيَّلَ إِلَيْهِ أَنَّهُ يَرَى جِبْرِيلَ وَلَيْسَ هُوَ ثَمَّ (٢)، وَأَنَّهُ يُوحِي إِلَيْهِ بِشَيْءٍ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ بِشَيْءٍ»، قَالَ: «وَهَذَا كُلُّهُ مَرْدُودٌ، لأَنَّ الدَّلِيل قَدْ قَامَ عَلَى صِدْقِ النَّبِيِّ ﷺ فِيمَا يُبَلِّغُهُ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى وَعَلَى عِصْمَتِهِ فِي التَّبْلِيغِ، وَالْمُعْجِزَاتُ شَاهِدَاتٌ بِتَصْدِيقِهِ، فَتَجْوِيزُ مَا قَامَ الدَّلِيل [عَلَى خِلاَفه] بَاطِل. وَأَمَّا مَا يَتَعَلَّق بِبَعْضِ الأُمُور الدُّنْيَا الَّتِي لَمْ يُبْعَثْ لأَجْلِهَا، وَلاَ كَانَتْ الرِّسَالَةُ مِنْ أَجْلهَا فَهُوَ فِي ذَلِكَ عُرْضَةٌ لِمَا [يَعْتَرِضُ] البَشَر كَالأَمْرَاضِ، فَغَيْرَ بَعِيدٍ أَنْ يُخَيَّلَ إِلَيْهِ فِي أَمْرٍ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا مَا لاَ حَقِيقَةَ لَهُ مَعَ عِصْمَتهِ عَنْ مِثْل ذَلِكَ فِي أُمُورِ الدِّينِ»، قَالَ: «وَقَدْ قَالَ بَعْضُ النَّاسِ إِنَّ المُرَادَ بِالْحَدِيثِ أَنَّهُ كَانَ ﷺ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ وَطِئَ زَوْجَاتَهُ وَلَمْ يَكُنْ وَطِأَهُنَّ، وَهَذَا كَثِيرًا مَا يَقَعُ تَخَيُّلُهُ لِلإِنْسَانِ فِي المَنَام فَلاَ يَبْعُدُ أَنْ يُخَيَّلَ إِلَيْهِ فِي اليَقِظَةِ» (٣). كَلاَمٌ فِي المَوْضُوعِ قَيِّمٌ لابْنِ القَيِّمِ (٤): قال الإمام ابن القيم بعد أن ذكر الأحاديث الدالة على سحر النَّبِيِّ ﷺ : «وهذا الحديث

стр. 363

الحديث ثابت عند أهل العلم بالحديث، متلقى بالقبول بينهم لا يختلفون في صحته، وقد اعتاص على كثير من أهل الكلام وغيرهم وأنكروه أشد الإنكار وقابلوه بالتكذيب، وصنف بعضهم فيه مُصَنَّفًا مُنْفَرِدًا حمل فيه على هشام - يعني ابن عروة بن الزبير - وكان غاية ما أحسن القول فيه أن قال: غلط واشتبه عليه الأمر ولم يكن من هذا شيء قال: لأن النَّبِي ﷺ لا يجوز أن يسحر فإنه تصديق لقول الكفار ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَى إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَسْحُورًا﴾. قالوا: فالأنبياء لا يجوز عليهم أن يسحروا فإن ذلك ينافي حماية الله لهم وعصمتهم من الشياطين. قال: وهذا الذي قاله هؤلاء مردود عند أهل العلم فإن هشامًا من أوثق الناس وأعلمهم، ولم يقدح فيه أحد من الأئمة بما يوجب رَدَّ حديثه فما للمتكلمين وما لهذا الشأن؟ (١). وقد رواه غير هشام عن عائشة (٢)، وقد اتفق أصحاب " الصحيحين " على تصحيح هذا الحديث، ولم يتكلم فيه أحد من أهل الحديث بكلمة، والقصة مشهورة عن أهل التفسير والسنن، والحديث، والتاريخ، والفقهاء، وهؤلاء أعلم بأحوال رسول الله ﷺ وأيامه من المتكلمين إلى أن قال: والسحر الذي أصابه كان مَرَضًا من الأمراض عارضًا شفاه الله منه، ولا نقص في ذلك، ولا عيب بوجه، فإن المرض يجوز على الأنبياء، وكذلك الإغماء، فقد أغمي عليه ﷺ في مرضه، ووقع حين انفكت قدمه، وجحش شقه، وهذا من البلاء الذي يزيد الله به رفعة في درجاته وقيل كرامته، وأشد الناس بلاء الأنبياء، فابتلوا من أممهم بما ابتلوا من القتل والضرب والشتم، والحبس، فليس ببدع أن يبتلى النبي ﷺ من بعض أعدائه بنوع من السحر كما ابتلي بالذي رماه فشجه، وابتلي بالذي ألقى على ظهره السلا (٣) وهو ساجد

стр. 364

، فلا نقص عليهم ولا عار في ذلك، بل هذا من كمالهم، وعلو درجاتهم عند الله، ثم أخذ في الإجابة عما أورده المنكرون للحديث من شبه بما لا يخرج عما ذكرناه (١). نَتَائِجُ البَحْثِ: والآن وبعد هذا المطاف الطويل حول الشبه التي أوردها أعداء الإسلام على السنن النبوية والأحاديث من لدن النظام المعتزلى وأضرابه إلى يومنا هذا أرى لِزَامًا عَلَيَّ أن أجمل النتائج التي توصلت إليها بعد هذا البحث المستفيض فأقول وبالله التوفيق: [١] الإسلام - وهو الدين العام الخالد الذي ارتضاه الله للبشرية جميعًا حسبما صدع الحق ﵎ في قوله: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلاَمُ﴾ (٢)، وقوله: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (٣) قد تعرض لعداوات ظاهرة باطلة من المشركين والوثنيين وأضرابهم من اليهود والنصارى وغيرهم في العهد النبوي، وإلقاء الشبه التي وسوس إليهم بها شياطين الإنس، والجن، ولكن هذه العداوات لم تلبث بعد جهاد وكفاح مريرين أن خبت جذوتها وانطفأت ذبالتها، فذهب الشرك والمشركون، وذهب الباطل والمبطلون، وبقي الحق الظاهر المبين وصدق الله ﵎ حيث قال: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا، وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلاَّ خَسَارًا﴾ (٤) وقال: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾ (٥).

стр. 365

وبعد أن جاور الرسول ﷺ الرفيق الأعلى وانتشر الإسلام على يد الصحابة الأبرار الأطهار - رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ - حتى بلغ الإسلام ما بلغ الليل والنهار ظهرت عداوات أخرى من بعض المنافقين واليهود والنصارى، وزنادقة اليهود والفرس، والرومان وأضرابهم الذين تظاهروا بالإسلام وتبطنوا الكفر كي يكونوا في مأمن من حكم الله فيهم لمحاربتهم دين الله الذي أصبح سائدًا في الأرض، وشريعته التي أصبح الحكم بها في كل بلد دخله الإسلام. ولم يلجأوا إلى القوة فهم أضعف من أن يناوئوا سلطان الله العادل الرحيم في الأرض، وإنما لجأوا إلى الدس، والاختلاق، والكذب على الله ورسوله، وقد بالغ بعضهم في التخفي والتستر تحت الشعارات الزائفة، فمنهم من تظاهر بحب آل بيت النبي ﷺ ولا سيما فتى الإسلام عَلِيٌّ، وقد كان على رأس هذه الفئة الضالة المضلة عبد الله بن سبأ اليهودي الخبيث الماكر الداهية الذي تظاهر بحب عَلِيٍّ ﵁ ووضع حديث «لِكُلِّ نَبِيٍّ وَصِيٌّ، وَوَصِيِّي عَلِيٌّ» وهو حديث مختلق مكذوب بإجماع أهل العلم. ولم تقف به ضلالته هو وأتباعه عند هذا الحد بل ادعى ما هو أشد وأنكى، وأضر بالعقيدة، فزعم هو وأتباعه أن الله ﵎ عما يصفه به الكافرون والملحدون، قد حل في سيدنا عَلِيٍّ ﵁. وقد تعقبهم الخليفة الراشد ذو النورين عثمان ﵁ وكذا الخليفة الراشد من بعده عَلِيٌّ ﵁، فقضى على من قضى عليه منهم، وَفَرَّ منهم واختفى عن الأنظار من فَرَّ، وعبد الله بن سبا اليهودي هذا هو سبب من الأسباب التي أدت إلى هذا الشرخ الكبير في تاريخ الإسلام وأدى إلى الفتنة الكبرى التي انتهت بقتل ذي النورين عثمان ﵁، وأدت إلى هذه الحروب الدامية بين عَلِيٍّ ﵁ وأنصار سيدنا عثمان، وبينه وبين معاوية بن أبي سفيان - رَضِيَ اللهُ عَنْ الجَمِيعِ - فما كان خلافهم إلا عن اجتهاد فللمصيب منهم أجران وللمخطئ منهم أجر.

стр. 366

ومن ثم نجد الضرر العظيم الذي لحق بالوحدة الإسلامية بسبب هذا اليهودي الخبيث الماكر الداعر الفاجر، وبسبب الزنادقة من كل لون وجنس. ومما ينبغي أن يعلم أن الكثرة الكاثرة جِدًّا من الذين دخلوا في الإسلام دخلوا فيه عن طواعية واختيار وقد صهرهم الإسلام وصير منهم أناسًا مخلصين للإسلام ولعقيدة الإسلام، ولسلطان الإسلام، ولعلوم الإسلام، ولثقافة الإسلام. وليس أدل على هذا من أن خدمة الإسلام والجهاد في سبيله، ونشره في أرض الله الواسعة وخدمة العلوم الإسلامية والثقافة الإسلامية قام بها من المسلمين غير العرب من هم أكثر من المسلمين العرب. وهؤلاء الذين حملوا الحقد على الإسلام والمسلمين ولم يمكنهم التخلص من رواسب العقائد الباطلة الموروثة والعادات الجاهلية الممقوتة، والتقاليد البالية الفاسدة وتسلطت عليهم العصبية للجنس، والدين، واللغة كانوا قلة بالنسبة إلى الأولين، وهذه القلة كان لهم الخلفاء والأمراء والعلماء بالمرصاد أما الخلفاء والأمراء فقتلوهم وصلبوهم، وأما العلماء فقد زيفوا مزاعمهم وكشفوا عن وجه الباطل فيها. [٢] الطَّعْنُ فِي القُرْآنِ الكَرِيمِ: لما كان الإسلام بأصوله وفروعه يتمثل في الأصلين الشريفين: أ - القرآن الكريم: الذي هو أصل الدين، ومنبع الصراط المستقيم. ب - السنن والأحاديث النبوية التي هي شارحة للقرآن، ومفسرة له: توضح مجمله، وتخصص عامه، وتقيد مطلقه، وتستقل بالتشريع في بعض الأحيان اتجهت حملات أعداء الإسلام والمسلمين إلى الطعن وإثارة الشبه حول هذين الأصلين الشريفين ولما كان القرآن الكريم كان يحفظه الألوف تلو الألوف، بل يحفظه ألوف الألوف من الرجال، والنساء، والصبيان في الكتاتيب وطلاب العلم في المعاهد والمدارس، والجامعات، والجوامع كان من المتعذر جِدًّا إن لم يكن مستحيلاً التزيد فيه أو النقص، فمن ثم لجأ أعداء الإسلام إلى الاختلاق في تفسيره، والتحريف في

стр. 367

معانيه فمن ثم كان هذا الركام المتكاثر من الموضوعات المكذوبة والإسرائيليات الباطلة، والخرافات والأباطيل التي اشتملت عليها بعض كتب التفسير سواء في ذلك كتب التفسير بالمأثور: الذي هو أسبق في الوجود من التفسير بالرأي والاجتهاد، وكتب التفسير بالرأي والاجتهاد (١). ولغلاة الشيعة، والقرامطة، والباطنية، وجهال المتصوفة وأشباههم من الزنادقة والمبتدعة وذوي الأهواء المضلة والأغراض السيئة والعداوات الباطنة للإسلام في كل عصر ومصر في هذا الباب، تأويلات باطلة تشتمل على العجب العجاب في تفسير آيات القرآن الكريم لا تتفق هي ولغة القرآن، ودعوة القرآن وجمال القرآن وبلاغة القرآن، وليس هناك ما يشهد لها من شرع أو عقل ومما يؤسف أن هذه التأويلات الجاهلة الباطلة لقيت آذانا صاغية من بعض ذوي القلوب المريضة، والدين الرقيق، والعقول السخيفة وعملوا على ترويجها وإشاعتها بين الناس. ولكن أصحاب القلوب المؤمنة والعقول السليمة، والأفكار النيرة من علماء هذه الأمة سَلَفًا وَخَلَفًا كانوا لهذه الأباطيل والتحريفات بالمرصاد فكشفوا عن عارها وعوارها، وَبَيَّنُوا وجه بطلانها وبذلك ردوا كيد هؤلاء في نحرهم وبقي القرآن كما قال رسول الله ﷺ : «لاَ تَزِيغُ بِهِ الأَهْوَاءُ، وَلاَ تَلْتَبِسُ بِهِ الأَلْسِنَةُ، وَلاَ يَشْبَعُ مِنْهُ العُلَمَاءُ، وَلاَ يَخْلَقُ عَلَى كَثْرَةِ الرَّدِّ، وَلاَ تَنْقَضِي عَجَائِبُهُ» (٢) الحديث، وقد روى قوله «لاَ تَزِيغُ» بفتح التاء أي لا تميل عن الحق باتباعه الأهواء وَرُوِيَ بضمها، أي لا تميله الأهواء المضلة عن نهج الاستقامة إلى الاعوجاج، من الإزاغة يعني الإملة،

стр. 368

والباء لتأكيد التعدية. ومعنى «وَلاَ تَلْتَبِسُ بِهِ الأَلْسِنَةُ» أي لا تتعسر عليه ألسنة المؤمنين، ولو كانوا من غير العرب، وصدق الله: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ (١) وقال: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾ (٢) ولقد تعرض القرآن الكريم في القديم والحديث للطعون وإلقاء الشبه والأباطيل وقد تحطمت كل هذه السهام الخائبة على صخرة القرآن الصلبة العاتية فكان هؤلاء الطاعنون كما قيل: كَنَاطِحٍ صَخْرَةً يَوْمًا لِيُوهِنَهَا * ... * ... * فَلَمْ [يُضِرْها] وأوْهَى قَرْنَهُ الوَعِلُ. وقد بقي القرآن أربعة عشر قرنًا أو تزيد مصدر هداية وتبشير وإنذار وإشعاع نور، والمعجزة العظمى للنبي ﷺ على توالي العصور والدهور وسيستمر كذلك إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين. فليرح الطاعنون أنفسهم وليكفوا عن هذياناتهم وأباطيلهم فإن هذا القرآن هو الكتاب الإلهي الذي سلم من التحريف والتبديل وهو الكتاب الوحيد الذي تكفل الله بحفظه حيث قال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (٣) [الحجر: ٩] إن هذا الكتاب الإلهي الكريم قد بقي مشغلة الفكر الإنساني أربعة عشر قرنا للمسلمين وغير المسلمين. أما المسلمون فلأنه مصدر هدايتهم، والمصدر الأول لعقيدتهم ولتشريعاتهم وأخلاقهم، وآدابهم ولسياساتهم واقتصادياتهم وو ... الخ. وأما غير المسلمين فلما يستفيدون من دراسته من الوقوف على الأصول الدينية والخلقية والاجتماعية، والسياسية، والعلمية، والنفسية التي كانت السبب في تكوين

стр. 369

أمة هي خير أمة أخرجت للناس قديمًا وحديثًا، والأمة الوسط في عقيدتها، وفي تشريعاتها وفي أخلاقها، وفي مناهجها في الحياة، وصدق الله ﵎ حيث قال: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ (١) وقال: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (٢) وما من شبهة أوردت على القرآن إلا وقيض الله لها من علماء الأمة من ردها وكشف عن بطلانها (٣). [٣] الطَّعْنُ فِي السُّنَنِ وَالأَحَادِيثِ النَّبَوِيَّةِ: وكما طعنوا في القرآن الكريم طعنوا كذلك في الأحاديث والسنن النبوية وقد ظنوا أن الطعن فيها أيسر عليهم من الطعن في القرآن الكريم لأن القرآن الكريم ثابت في جملته وتفصيله بالتواتر (٤) المفيد للقطع واليقين، وله القداسة الأولى في نفوس المسلمين بخلاف الأحاديث والسنن فإن معظمها ثابت بالأسانيد الآحادية (٥)، وقداستها في النفوس دون قداسة القرآن الكريم!!. وقد اتخذ هذا الطعن في السنن والأحاديث سُبُلًا متعددة وإليكم بيانها: [أ] الطعن في حَمَلَةِ الأحاديث والسنن من الصحابة فمن بعدهم لأنه إذا قَلَّتْ الثِّقَةُ

стр. 370

بنقلة الأحاديث والسنن النبوية قلت الثقة بالمنقول، وهذا هو ما يريدون وذلك كما فعلوا في الطعن في بعض الصحابة من أمثال الصحابي الجليل أبي هريرة ﵁، أكثر الصحابة رواية للأحاديث، وكما فعلوا في الطعن في إمام الحجاز والشام الإمام محمد بن شهاب الزهري، وإذا قَلَّتْ الثقة بهذين الإمامين قَلَّتْ الثقة بغيرهم من باب أولى. ... [ب] الطعن في الأسانيد والتقليل من شأنها وزعمهم أن نقد الأسانيد عند المسلمين وإن كان بلغ الغاية في البحث في تاريخ الرجال إلا أنهم قد خفيت عليهم في نقد الأسانيد أمور لم يلتفتوا إليها، ولم يعيروها العناية الكافية. قالوا هذا مع أن علم الأسانيد في الإسلام يعتبر بِدَعًا في بابه، ولم يكن معروفًا عند أمة من الأمم قبل الإسلام مثل ما هو معروف في الإسلام حتى أجمع الباحثون والعلماء المحققون على أن الإسناد الصحيح المتصل من خصائص هذه الأمة الإسلامية. [ج] إن العلماء والنقاد المسلمين كانت جُلُّ عنايتهم بنقد الأسانيد وتاريخ الرجال، أما نقدهم للمتون فكان دون ذلك بقليل. ... وأيدوا ما زعموه من أن بعض الأحاديث يخالف بعضها بعضًا ويناقض بعضها بعضًا، وأن بعض الأحاديث تردها المشاهدة، وأن بعضها يرده ما وصل إليه العلم ولا سيما الطبي والفلكي وأن بعضها كان يحتاج إلى استعمال الكثير من الملاحظات والتجارب وقد عرضت في هذا البحث المستفيض لكل ما قالوه، وَرَدَدْتُهُ رَدًّا عِلْمِيًّا صَحِيحًا.

стр. 371

[٤] المستشرقين وأضرابهم من قساوسة النصارى وأحبار اليهود قد وقعوا على هذه الشبه والطعون التي افتجرها أعداء الإسلام من اليهود، وزنادقة الفرس والرومان، وأفراخ الفلاسفة اليونانيين، وصاروا يزيدون فيها، ويعيدون ما شاء لهم هواهم أن يزيدوا ويعيدوا حتى صيروا من الحبة قُبَّةً. وقد حمل إثم هذا الإفك المستشرق اليهودي الأصل " جولدتسيهر " وتابعه على ذلك كثيرون، واعتبروا أقواله في الحديث قضايا مُسَلَّمَةً لا تحتاج إلى مناقشة، وأذاعوا هذا الإفك في الأوساط الأوربية وغيرها. واغتر بأقوالهم بعض الذين ذهبوا لأجل الحصول على الدرجات العلمية: الماجستير، والدكتوراه من الجامعات الغربية فلما عادوا نقلوا عنهم هذا الزور والبهتان، ولقنوه لطلبة الجامعات في البلاد الإسلامية والعربية حتى انتشرت هذه الأفكار الاستشراقية على مدى واسع في بلادنا الإسلامية والعربية ولم يقف الأمر عند حد الطلاب بل قد وجدنا بعض الباحثين الذين أصبحت لهم مراكز مرموقة، وتربعوا على كراسي الجامعات، يتابعون هؤلاء المستشرقين، وينشرون سمومهم في كتب لهم انتشرت في بلادنا الإسلامية والعربية انتشارًا واسعًا. ... [٥] إن بعض المستشرقين من اليهود والقساوسة كانت أخطاؤهم في دراسة الحديث النبوي الشريف متعمدة بقصد الإفساد في الإسلام، وخلع المسلمين من عروتهم الوثقى: عروة الإسلام، وتقليل الثقة بهذا الدين الإلهي العظيم وذلك عن طريق الطعن في الأصلين الشريفين اللذين يرجع إليهما الإسلام: القرآن الكريم، والسنة والأحاديث النبوية، وقد ضربنا لذلك أمثلة كثيرة مما سبق في أثناء الكتاب. وفكرة الاستشراق في أصلها لم تكن متمحصة لخدمة العلم والثقافة الإسلامية وإنما هي في أصلها سياسية يقصد بها الطعن في الإسلام وصرف المسلمين عنه ولا

стр. 372

سيما عن الأصلين الشريفين: القرآن الكريم، والأحاديث النبوية لأنهم يعتقدون أنهم لا يتم لهم ما يريدون من تملك البلاد الإسلامية والعربية والانتفاع بخيراتها ومواردها إلا عن طريق إضعاف فريضة الجهاد في نفوسهم، وفي القرآن الكريم، والأحاديث النبوية من النصوص المتكاثرة ما يزكي روح الجهاد والمقاومة في نفوسهم، وإذا ما قَلَّتْ الثقة بهذين الأصلين الشريفين فقد فترت فيهم فريضة الجهاد وسهل على الأعداء تملك البلاد والعباد، وهذا ما كان فإن الغرب لم يتمكن من «الاستخراب» في البلاد الإسلامية والعربية إلا لما ضعف فيهم فريضة الجهاد، وانصرفوا عنها إلى الحرث والزرع. والاشتغال عنه بأمور الدنيا، روى الإمام البخاري في " صحيحه " بسنده عَنْ أَبِي أُمَامَةَ البَاهِلِيِّ، قَالَ: - وَرَأَى سِكَّةً (١) وَشَيْئًا مِنْ آلَةِ الحَرْثِ -، فَقَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «لاَ يَدْخُلُ هَذَا بَيْتَ قَوْمٍ إِلاَّ أَدْخَلَهُ اللَّهُ الذُّلَّ» (٢) والحديث لا ينهى المسلمين عن الاشتغال بالحرث والزراعة، وكيف؟ وفي الأحاديث الصحيحة ما يرد هذا الفهم؟ وفي " الصحيحين " وغيرهما - واللفظ للبخاري - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَغْرِسُ غَرْسًا، أَوْ يَزْرَعُ زَرْعًا، فَيَأْكُلُ مِنْهُ طَيْرٌ أَوْ إِنْسَانٌ أَوْ بَهِيمَةٌ، إِلاَّ كَانَ لَهُ بِهِ صَدَقَةٌ». وإنما يريد النبي ﷺ بهذا الحديث الذين ينصرفون عن الجهاد إلى الاشتغال بالحرث والزرع وغيرها من أمور الدنيا، وصدق رسول الله ﷺ فإن المسلمين ما تمكن منهم أعداؤهم إلا لما ضعفت فيهم روح الجهاد وحب الاستشهاد في سبيل الله، وانصرفوا عنه إلى الاشتغال بغيره، وقد كان أصحاب رسول الله ﷺ من المهاجرين والأنصار يشتغلون بالعمل في تجاراتهم، أو زراعاتهم وبساتينهم، لكن قلوبهم كانت دائما مشدودة إلى الجهاد فإذا دعا داعي الجهاد لَبُّوا سِرَاعًا ولا يلوون على شيء من أهل أو ولد أو دار، أو مال. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مِنْ خَيْرِ مَعَاشِ النَّاسِ

стр. 373

لَهُمْ، رَجُلٌ مُمْسِكٌ عِنَانَ فَرَسِهِ فِي سَبِيلِ اللهِ، يَطِيرُ عَلَى مَتْنِهِ (١)، كُلَّمَا سَمِعَ هَيْعَةً (٢)، أَوْ فَزْعَةً (٣) طَارَ عَلَيْهِ، يَبْتَغِي الْقَتْلَ وَالْمَوْتَ مَظَانَّهُ» رواه مسلم. وتأملوا معي في قوله: «[يَطِيرُ] عَلَى مَتْنِهِ يَبْتَغِي الْقَتْلَ وَالْمَوْتَ مَظَانَّهُ» فإذا أراد المسلمون أن تعود لهم عزتهم، وأن يعود لهم سلطانهم في الأرض فعليهم بالاستعداد للجهاد، وحب الاستشهاد، وإعداد العدة للأعداء. [٦] إن بعض المستشرقين والدارسين لِلْسُنَّةِ من غير المسلمين، بله بعض الدارسين من المسلمين كانت أخطاؤهم عن جهل بعلوم السنة، وعدم التعمق في فهمها وعدم فهم كلام العلماء المحققين الذين أفنوا أعمارهم في دراسة الأحاديث والسنن وذلك لأن العلم بالسنة بحر واسع عميق يحتاج إلى صبر وأناة، وطول سهر وبحث ومواصلة لهذا البحث، ويحتاج السبح فيه إلى سباح ماهر يعرف كيف يسبح وعلى أي شاطئ يستقر ويحتاج الغوص والبحث عن لآلئه ويواقيته ومرجانه إلى غَوَّاصٍ مَاهِرٍ لا يكتفي بما هو على السطح عن القاع، ولا بالحجر عن الأصداف والدرر، ولو أنهم نفذوا إلى الأعماق، وعلموا المغازي والمرامي لما وقعوا فيما وقعوا فيه من الأخطاء وإذا كان بعض المشتغلين بالأحاديث والسنن من المسلمين لم يصلوا إلى هذا الحد فكيف لغيرهم ممن ليسوا بمسلمين؟!. [٧] لقد مكث سلطان المستشرق اليهودي جولدتسيهر وسلطان مدرسته متسلطًا على كثير من المستشرقين، واعتبروه صنمهم الأكبر فيما قال، واعتبروا كتبه المرجع الأساسي في دراساتهم للأحاديث والسنن، ولم يخرج عن متابعته في كل ما قاله إلا فئة قليلة جِدًّا من المستشرقين المتأخرين عنه فقد تحرروا من متابعته وناقشوه في بعض ما قال، ورأوا في أحكامه على السُنَّةِ جَوْرًا وظلمًا ولعل السبب في ذلك استقلالهم في التفكير، وتأبيهم عن المتابعة ولو كانت فيما هو خطأ صراح، وما

стр. 374

قام به بعض علماء المسلمين الغيارى على السنن والأحاديث من ردود على هذا المستشرق الذي يحمل الحقد والضغن على الإسلام والمسلمين، وذلك بما كتبه حول القرآن وتفسيره، وما كتبه حول السنن والأحاديث. إن " جولدتسيهر " ما هو إلا امتداد لعبد الله بن سبإ اليهودي الخبيث، وأشياعه الذين أخذوا على أنفسهم الإفساد في الإسلام، وتقويض دعائمه وإذهاب سلطانه. قلبكن المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها، ولا سيما مثقفوهم وشبابهم في الجامعات الإسلامية والعربية على بينة من هذا وليحذروا السموم، والأباطيل التي يدسها هذا المستشرق ومدرسته في بحوثهم حول القرآن الكريم والسنة النبوية، وقد أعذر من أنذر. [٨] إن بعض المستشرقين كانت لهم في دراساتهم للسنة والأحاديث أعمال مذكورة غير منكورة ومشكورة غير مجحودة، وذلك بإحيائهم بعض الكتب الحديثية، وتأليفهم بعض الكتب التي قربت إلى الباحثين، والدارسين الوقوف على الأحاديث في مظانها، ومواضعها وذلك مثل ما صنع " فنسنك " في " مفتاح كنوز السنة " وكما فعل جماعة من المستشرقين بتأليفهم كتاب " المعجم المفهرس لألفاظ الحديث النبوي " وهذا يدل على تقديرنا للأعمال العلمية النافعة، وإنا لا نكره المستشرقين كافة، ولا نمدحهم بعامة، وإنما نقول للمحسن: أحسنت، وللمسيء: أسأت، ولمن أحسن في مكان، وأساء في آخر: لقد خلطت عملاً صالحًا وآخر سَيِّئًا وفي الحق أن هؤلاء الذين قاموا بهذه الأعمال المذكورة المشكورة أتيحت لهم من التيسرات والمساعدات المادية والأدبية ما جعلهم يتفرغون تفرغًا كاملاً لأعمالهم تلك ولو أن هذه التيسيرات والمساعدات أتيحت لكثير من العلماء المسلمين بالسنة لكان من وراء ذلك خير كثير للإسلام والمسلمين، ولخدمة الثقافة الإسلامية الأصيلة. ويؤسفني أن أقول: إن العلماء المسلمين هم الذين كانوا الأولى بتأليف أمثال هذين الكتابين النافعين، وأن أقول اَيْضًا: إن جامعاتنا الإسلامية والعربية لا تقوم بما تقوم به الجامعات الغربية في مضمار تشجيع العلم والعلماء وهي حقيقة ما كنت أريد

стр. 375

أن أقولها، ولكن الاعتراف بالحق فضيلة. [٩] إن بعض الباحثين في السنة والأحاديث من المسلمين كَدَعِيِّ العلم محمود أبي رية قد تابعوا المستشرقين في كل ما قالوا حذو النعل بالنعل بل وحاولوا أن يزخرفوا كلامهم ويقربوه إلى القراء، وأسرفوا في إلباس كلامهم ثوب الحق، وبذلك كانوا كلابس ثوبي زور (١). وقد أسف هذا الدَّعِيُّ إسفافًا بلغ حد السباب والفحش في القول في تناوله للصحابي الجليل أبي هريرة - رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ -. وفي الحق أن المستشرق اليهودي جولدتسيهر، في نقده لهذا الصحابي الجليل كان أعف منه في النقد، وآدب منه في القول، ولم يسف إسفاف أبي رية وقد عرضت لبيان ذلك في أثناء هذا الكتاب، وفي كتابي " دفاع عن السنة " (٢). [١٠] إن بعض الباحثين المسلمين الذي كتبوا في الحياة العقلية عند المسلمين وفي تاريخ العلوم الإسلامية ونشأتها وتطورها قد تابعوا المستشرقين في كثير مما كتبوا، وخالفوهم في بعض ما قالوا وناقشوهم مناقشة جادة نافعة وذلك كما فعل الأستاذ أحمد أمين في كتبه: " فجر الإسلام " و " ضحاه " وبذلك خلطوا في كتاباتهم عملاً صالحًا، وآخر سيئًا، وقد وصل إلى مرتبة العمادة في كلية الآداب إحدى كليات الجامعة المصرية، أو إن شئت فقل جامعة القاهرة، وقد أخذ شهرة واسعة في البلاد الإسلامية والعربية وكنا نحب من أحمد أمين وأمثاله أن يربأوا بأنفسهم عن الأخذ عن المستشرقين وأن يدرسوا كتب الأحاديث والسنن كما درسنا، ولو أنهم فعلوا لوصلوا إلى ما وصلنا إليه من أن السنة قد قامت على أساس ثابت مستقر وأن الكثرة الكاثرة من الأحاديث تضرب في القدم إلى عهد النبي ﷺ ، وأن الله قيض لهذه السنن والأحاديث من الأئمة العدول الضابطين من حملها عن النبي ﷺ ، وهم

стр. 376

أصحاب النبي ﷺ ، وعن هؤلاء الصحابة حملها الأئمة العدول الضابطون من التابعين وعن التابعين حملها الأئمة العدول الضابطون من أتباع التابعين حتى تم جمعها في الصحاح، والسنن، والمسانيد، والمعاجم، والجوامع. وإن النقد للأحاديث وتمييز صحيحها من حسنها من ضعيفها لم ينفك عن الرواية من لَدُنْ الصحابة ومن جاء بعدهم، وإن الجمع للأحاديث ونقدها سَارَا جَنْبًا إلى جنب، ورضي الله عن الصحابي الجليل ابن مسعود حينما قال: «بِحَسْبِ الْمَرْءِ مِنَ الْكَذِبِ أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ» رواه مسلم (١). ورضي الله ﵎ عن الصحابي الجليل ابن عباس حينما قال: «إِنَّا كُنَّا مَرَّةً إِذَا سَمِعْنَا رَجُلاً يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، ابْتَدَرَتْهُ أَبْصَارُنَا، وَأَصْغَيْنَا إِلَيْهِ بِآذَانِنَا، فَلَمَّا رَكِبَ النَّاسُ الصَّعْبَ وَالذَّلُولَ (٢)، لَمْ نَأْخُذْ مِنْ النَّاسِ إلاَّ مَا نَعْرِفُ» رواه مسلم في مقدمة " صحيحه ". وقال الإمام الجليل مالك ﵁: «اعْلَمْ أَنَّهُ لَيْسَ يَسْلَمُ رَجُلٌ حَدَّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ، وَلاَ يَكُونُ إِمَامًا أَبَدًا وَهُوَ يُحَدِّثُ بِكُلِّ مَا سَمِعَ» رواه مسلم. وعن أبي الزناد قال: «أَدْرَكْتُ بِالْمَدِينَةِ مِائَةً، كُلُّهُمْ مَأْمُونٌ، مَا يُؤْخَذُ عَنْهُمُ الْحَدِيثُ، يُقَالُ: لَيْسَ مِنْ أَهْلِهِ» رواه مسلم. وعن ابن سيرين قال: " لَمْ يَكُونُوا يَسْأَلُونَ عَنِ الإِسْنَادِ، فَلَمَّا وَقَعَتِ الْفِتْنَةُ، قَالُوا: سَمُّوا لَنَا رِجَالَكُمْ، فَيُنْظَرُ إِلَى أَهْلِ السُّنَّةِ فَيُؤْخَذُ حَدِيثُهُمْ، وَيُنْظَرُ إِلَى أَهْلِ الْبِدَعِ فَلاَ يُؤْخَذُ حَدِيثُهُمْ" رواه مسلم. وعن عبد الله بن المبارك قال: «الْإِسْنَادُ مِنَ الدِّينِ، وَلَوْلَا الْإِسْنَادُ لَقَالَ مَنْ شَاءَ مَا شَاءَ» وعنه قال: " «بَيْنَنَا [وَبَيْنَ الْقَوْمِ] الْقَوَائِمُ» يَعْنِي الإِسْنَادَ (٣). رواه مسلم.

стр. 377

وقال سفيان الثوري: «الإِسْنَادُ سِلاَحُ الْمُؤْمِنِ» رواه مسلم (*)، وقال عبد الرحمن بن مهدي: «لاَ يَكُونُ الرَّجُلُ إِمَامًا يُقْتَدَى بِهِ حَتَّى يُمْسِكَ عَنْ بَعْضِ مَا سَمِعَ» (١) وقال الإمام الشافعي: «مَثَلُ الذِي يَطْلُبُ الحَدِيثَ بِلاَ إِسْنَادٍ كَحَاطِبش لَيْلٍ». إلى غير ذلك من النصوص الدالة على العناية بالأسانيد ونقد الرواة، وتشريحهم تشريحًا علميًا دقيقًا، ولولا هذا لوجد الزنادقة وأعداء الإسلام الفرصة سانحة للإفساد في الدين والاختلاق في الأحاديث من غير أن يجدوا من يكشف عن زيفهم وكذبهم ويرد عليهم كيدهم. فكيف غابت هذه النصوص الكثيرة وغيرها على الباحثين المسلمين؟!. وما كنا نحب لأحمد أمين وأمثاله أن يكونوا ذيولاً للمستشرقين، وكنا نحب منهم أن تكون لهم شخصيتهم المستقلة في البحث. [١١] إن بعض من يتسمون بأسماء المسلمين اليوم قد أحيا البدعة القديمة بدعة الاكتفاء بالقرآن عن السنن والأحاديث، وقالوا: حسبنا كتاب الله وقد خالفوا كتاب الله بمقالتهم تلك فهذا كتاب الله ﵎ يصدع بالحق في قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (٢)، وقال: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (٣)، وقال: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ (٤)، إلى غير ذلك من الآيات القرآنية المتكاثرة التي لا يحصيها العَدُّ

стр. 378

ولهذه البدعة المنكرة أنصار في بعض البلاد الإسلامية، وهي بدعة من الحمق بمكان، ومن النكارة بمكان، وأقل ما يترتب على هذه البدعة المنكرة أن يستعجم فهم القرآن الكريم على الأمة الإسلامية، وإذا تركت السنن والأحاديث واستعجم فهم القرآن فقل على الإسلام العفاء!! ولن يكون هذا إن شاء الله تعالى وإذا كانت هذه الدعوة النكراء مستنكرة من الأفراد فهي أشد استنكارًا وأكثر حمقًا إذا وقعت من بعض أولياء الأمور في بعض البلاد الإسلامية المغلوبة على أمرها فصاروا يهرفون بما لا يعرفون، ويتكلمون بما لاَ يَعُونَ. إن هذه الدعوة المستهجنة ستقبر - إن شاء الله - في العصر الحديث كما قبرت مثيلتها في العهد القديم، ولن تقوم لها قائمة بإذن الله تعالى اليوم، ما دامت الكثرة الساحقة من المسلمين، ومن علماء المسلمين يدعون إلى الحق الظاهر المبين وإلى الصراط المستقيم. إن في العالم الإسلامي اليوم صحوة مشكورة، وصرخة مخلصة في الدعوة إلى العمل بكتاب الله وبسنة رسول الله ﷺ ، وأنه لا نجاة للمسلمين فيما يحيط بهم من أخطار، إلا بالتمسك بهذين الأصلين الشريفين، وقد ظهرت آثار هذه الصحوة وهذه الصرخة المؤمنة المدوية في كثير من بلاد الإسلام، وتجاوبت الأصداء بالعمل بكتاب الله ﵎، وسنة رسول الله ﷺ . إن الشعوب الإسلامية إذا احتكمت إلى كتاب الله وسنة رسول الله فقد نصرت دين الله، ومن نصر دين الله نصره الله وصدق الله ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (١). إن الشعوب الإسلامية إذا احتكمت إلى كتاب الله تعالى، وإلى سنة رسوله ﷺ فقد عرفت ذاتها، وعادت إلى شخصيتها الإسلامية المتميزة عن غيرها من الشخصيات بالعقيدة، والشريعة، والأخلاق، وَالسَّمْتِ الحَسَنِ، والدل الجميل، والهدي الأصيل.

стр. 379

فيا قومي المسلمين والعرب عَضُّوا بِالنَّوَاجِذِ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَعَلَى سُنَّةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وبحسبكم قول المبلغ عن رب العالمين: «تَرَكْتُ فِيكُمْ [أَمْرَيْنِ] لَنْ تَضِلُّوا مَا تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ» رواه الإمام مالك بَلاَغًا، ورواه الحاكم في " مستدركه " موصولاً عن ابن عباس ﵄. ... [١٢] لقد أقام الله ﵎ للدفاع عن دينه وإظهار محاسنه وفضائله والدفاع عن كتابه، وسنة رسوله ﷺ ، من علماء هذه الأمة الإسلامية في كل عصر ومصر من دحض هذه الشبه التي أوردها أعداء الإسلام على كتاب الله ﵎ وسنة رسوله ﷺ ، وهذه الطائفة القائمة على الحق والمنافحة عنه لن يخلو منها عصر من العصور كما هي سنة الله في الأكوان: أن الحق لا بد له من أنصار وأعوان حتى ولو ظهر الباطل على الحق، وكثر ناصروه، وهذه الطائفة القائمة على الحق والناصرة له. وذلك حسبما صدع به الصادق المصدوق ﷺ . روى البخاري (١) ومسلم (٢) وغيرهما بسنديهما عن المغيرة بن شعبة، عن النبي ﷺ قال: «لاَ تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ ظَاهِرُونَ» وفي رواية لمسلم بلفظ: «لَنْ يَزَالَ قَوْمٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى النَّاسِ ... » ورويا في " صحيحيهما " بسنديهما عن معاوية بن أبي سفيان أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لاَ يَزَالُ مِنْ أُمَّتِي أُمَّةٌ قَائِمَةٌ بِأَمْرِ اللَّهِ، لاَ يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ، وَلاَ مَنْ خَالَفَهُمْ، حَتَّى [يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ عَلَى ذَلِكَ]». والمراد بالظهور: الظهور بالحجة والبرهان وهذا الظهور في كل عصر وزمان،

стр. 380

ومكان وقد ينضم إلى الظهور بالحجة الظهور بالقوة والسلطان كما كان الشأن في العصور الأولى، وقد مكثت دولة الإسلام وهي صاحبة السلطان في العالم اثني عشر قَرْنًا أو تزيد حتى دب إلى الأمة الإسلامية ما دب إلى الأمم قبلها من الفرقة والانقسام، وعدم الاعتصام بحبل الله فكان ما كان من انحلال هذه الأمة وضعفها حتى صارت نَهْبًا مُقَسَّمًا بين الأعداء. وها هي الأمة قد صحت من نومتها واستيقظت من غفلتها، وتخلصت من قيود الأسر والاستعباد، ومن سلطان الغاصب المستبد، وما من دولة من دول الإسلام إلا وقد أصبحت مستقلة وأصبح أمرها بيدها وكنا [نرجو] أن تتوحد الصفوف، وتجتمع الكلمة وتعتصم هذه الدول بحبل الله، ولكن لا زالت بينها الفرقة، والانقسام، بل وصل الأمر أن بعض المسلمين صار يقاتل البعض الآخر، ويشهر في وجهه السلاح ولا حول ولا قوة إلا بالله فهو القادر على أن يرأب الصدع، ويجمع الكلمة ويوحد الصفوف وحينئذ ستعود للأمة الإسلامية عزتها وقوتها، ويعود لها سلطانها المرهوب في الأرض. وروى الشيخان عن معاوية ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ، وَلاَ تَزَالُ عِصَابَةٌ (١) مِنَ الْمُسْلِمِينَ يُقَاتِلُونَ عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ عَلَى مَنْ نَاوَأَهُمْ (٢)، إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ». وروى مسلم في " صحيحه بسنده عَنْ ثَوْبَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لاَ تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ، لاَ يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ، حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللهِ [وَهُمْ كَذَلِكَ]». وقد حرصت على ذكر هذه الأحاديث المُبَشِّرَةُ كلها حتى لا يتسرب اليأس إلى قلوب بعض المسلمين لما وصلت إليه حال الأمة الإسلامية من الضعف والتفرق والانقسام

стр. 381

واليأس من رحمة الله ومن تداركه هذه الأمة ليس من خُلُقِ المسلم، ولا من خُلُقِ المؤمن، وصدق الله في حكايته لمقالة نبيه يعقوب ﵊ لبنيه: ﴿يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلاَ تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ (١) ولتكون مُثَبِّتَةً لقلوب المؤمنين المجاهدين والمضحين بأنفسهم في سبيل الدين الحق: دين الإسلام والدعوة الحقة: الدعوة إلى الله، وحاثة لهم على الاستمرار في هذا الطريق الواضح المبين مهما نزل بهم من بلاء، ومهما صادفوا من عقبات. وقد اختلف في المراد بهذه الفئة الثابتة على الحق فقال الإمام الجليل البخاري: «هُمْ أَهْلُ العِلْمِ»، وقال الإمام الجليل أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: «إِنْ لَمْ يَكُونُوا أَهْلَ الْحَدِيثِ فَلاَ أَدْرِي مَنْ هُمْ؟» قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: «إِنَّمَا أَرَادَ أَحْمَدُ أَهْلَ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ وَمَنْ يَعْتَقِدُ مَذْهَبَ أَهْلِ الْحَدِيثِ» , وقال غيرهم غير ذلك، فمن ثم نرى أن كل طائفة من طوائف أهل العلم حاولت أن تبين أنها هي المعنية بالأحاديث. والحق هو ما قاله الإمام الجليل النووي في " شرحه لصحيح مسلم " قال الحافظ نقلاً عنه مع بعض الزيادة: «يَجُوز أَنْ تَكُون الطَّائِفَة جَمَاعَة مُتَعَدِّدَة مِنْ أَنْوَاع الْمُؤْمِنِينَ: مَا بَيْن شُجَاعٍ وَبَصِيرٍ بِالْحَرْبِ وَفَقِيهٍ وَمُحَدِّثٍ وَمُفَسِّرٍ وَقَائِمٍ بِالأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ وَزَاهِدٍ وَعَابِدٍ، وَلاَ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونُوا مُجْتَمَعِينَ فِي بَلَدٍ وَاحِدٍ، بَلْ يَجُوزُ اِجْتِمَاعُهُمْ فِي قُطْرٍ وَاحِدٍ وَافْتِرَاقُهُمْ فِي أَقْطَارِ الأَرْضِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَجْتَمِعُوا فِي البَلَدِ الوَاحِدِ وَأَنْ يَكُونُوا فِي بَعْضٍ مِنْهُ دُونَ بَعْضٍ، وَيَجُوزُ إِخْلاَءُ الأَرْضِ كُلِّهَا مِنْ بَعْضِهِمْ أَوَّلاً فَأَوَّلاً إِلَى أَنْ لاَ يَبْقَى إِلاَّ فِرْقَةٌ وَاحِدَةٌ بِبَلَدٍ وَاحِدٍ فَإِذَا اِنْقَرَضُوا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ» (٢). ...

стр. 382

إن شرف الدفاع عن كتاب الله، وعن سنة رسول الله ﷺ لا يدانيه أي [شَرَفٍ]، والشيء يشرف بشرف موضوعه، وكلام الله ﵎ هو أشرف الكلام، وكلام رسول الله ﷺ هو أشرف الكلام بعد كلام الله. إن هذا الشرف لا يدانيه شرف من نسب، أو جاه، أو مال، ولو كان مال قارون، أو منصب إمارة، أو وزارة. إن هذه كلها ما هي إلا أعراض زائلة، وفانية، أما المنافحة عن كتاب الله وعن سنة رسول الله ﷺ فهو أمر باق دائم، ومن أعظم السبل الموصلة إلى الجنة وأرجو أن تعوا ذلك يا أهل العلم بعامة ويا أهل الحديث بخاصة، إن المنافحة عن كتاب الله ﵎ وعن سنة رسوله ﷺ هي نوع من أنواع الجهاد، كما صدع بذلك الصادق المصدوق ﷺ حينما قال: «جَاهِدُوا الْمُشْرِكِينَ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَأَلْسِنَتِكُمْ». رواه أبو داود بإسناد صحيح. ويدخل في جهاد الكفار بالألسنة الجهاد بالقلم: بالكتاب أو بالمقال، أَلاَ أَشَدَّ حَاجَتِنَا [مَعَاشِرَ] المسلمين في هذا العصر الذي تقوم فيه المجاهدة بالكتاب وبالمقال مقام القتال بالنفس، وبذل المال، والذي تكالبت فيه على المسلمين عوامل الشر والإفناء، والذي أصبح التصارع فيه بالكلمة حتى أصبح لها شأن وأي شأن عن طريق الصحافة حِينًا، وعن طريق المذياع حِينًا آخر، وعن طريق التلفاز حِينًا ثَالِثًا. [١٣] إن من أعجب العجب أن كتاب الله تعالى، وسنة رسوله ﷺ لا يزالان من القوة والثبوت وَالحَقِّيَّةِ وَالصَّلاَبَةِ التي تكسرت عليها شبه المبلسين وأباطيل المبطلين وتأويلات الجاهلين، كما كانا من منذ أربعة عشر قرنًا، لم يعترهما شيء من الضعف أو الوهن، أو الرخاوة، وذلك لأن القرآن حق نزل من عند الحق، والسنة النبوية حق أَوْحَى بِهَا اللهُ الحق، والرسول الذي جاء بهما من عند الله حق ومحال في منطق العقل والشرع أن يتخلى الله الحق عن رسوله الحق، وعن كتابه الحق، وعن سنة نبيه ﷺ الحقة وقد لاحظ ذلك أحد المستشرقين الإيطاليين وهو الأستاذ " كارادي

стр. 383

فو " فقال: «لَقَدْ مَرَّ عَلَى القُرْآنِ بِضْعَةَ عَشَرَ قَرْنًا، وَلاَ يَزَالُ غَضًّا طَرِيًّا كَأَنَّ عَهْدَهُ بِالحَيَاةِ أَمْسَ» وهي كلمة حق، وشهادة صدق ألقاها الله على لسان رجل باحث غير مسلم. وقد يسألني سائل فيقول: ومن أين جاء ذلك؟ وهو سؤال حسن ويحتاج إلى جواب. والجواب: أن في الإسلام - وهو الدين العام الخالد الذي ارتضاه الله للبشرية جمعاء - قوى روحية خارقة كامنة فيه تحمل من اعتنقه عن إيمان واختيار أن يتحمل كل أصناف البلاء وأنواع الأذى في سبيله، والتضحية بالنفس والأهل والولد، والمال، وكل عزيز في هذه الدنيا في سبيله، وهذه القوى الروحية الكامنة الخارقة تتمثل في كتاب الله ﵎ وسنة رسوله ﷺ ، والتاريخ الحق شاهد صدق على هذا، ولو تتبعنا تاريخ الإسلام، وما تعرض له منذ أربعة عشر قرنًا من هجمات وحشية، وحروب شرسة، وتحديات بقصد النيل منه، والقضاء عليه - لوجدنا لذلك مثلاً متكاثرة لا يحصيها العد. هذه القوى الروحية الخفية الكامنة في الإسلام أو إن شئت فقل في كتاب الله ﵎، وسنة رسوله ﷺ هي التي جعلت الإسلام وقد قام في أول أمره على نبي، وامرأة، وحر، وعبد، وصبي أن ينتشر حتى أصبح منتشرًا في قارات الدنيا الخمس اليوم. هذه القوى الروحية الخفية الخارقة هي التي جعلت بلال بن رباح وأمثاله من المُعَذَّبِينَ فِي اللهِ أن يتحملوا العذاب الذي يخرج عن طاقات التحمل وهم أبطال صامدون، لا يرجعون عن دينهم. لقد كان أمية بن خلف الطاغية المتجبر يأخذ بلال بن رباح كما ولدته أمه في اليوم الصائف القائظ، وَحَرُّ مكة كان ينضج اللحم الطري، أو يذيب دماغ الضب

стр. 384

كما يقال فيضعه على الرمال المحرقة ويضع على صدره الصخرة العظيمة، ويقول له: «لاَ أَدَعَكَ حَتَّى تَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ، وَإِلَهِ مُحَمَّدٍ»، فما يزيده ذلك إلا استمساكًا بدينه وثباتًا على عقيدته فلا ينفك أن يقول: «أَحَدٌ أَحَدٌ» فتمتزج مرارة العذاب بحلاوة الإيمان، فتغلب حلاوة الإيمان مرارة العذاب، فكأنما العذاب يصير عليه بَرْدًا وَسَلاَمًا. والأسرة الياسرية: عمار بن ياسر، وأبوه، وأمه قد تحملوا من العذاب والآلام ما لم تتحمله أسرة، أما أبوه، وأمه فقد مَاتَا تحت وطأة العذاب، وقد طعن أبو جهل - عَلَيْهِ لَعَائِنُ اللهِ - أُمَّهُ بحربة في ملمس العفة منها فماتت فكانت أول شهيدة في الإسلام، ثم لم يلبث أبوه أن لحق بها شهيدًا في سبيل عقيدته. وكان النبي ﷺ يمر عليهم وهم يعذبون في الله فما يملك لهم إلا أن يقول: «صَبْرًا آلَ ياسر، فإن مَوْعِدُكُمْ الْجَنَّةُ» فتكون هذه الكلمات المؤمنة بَرْدًا وَسَلاَمًا على قلوبهم. وكان مما عُذِّبُوا به أنه كانت تحمى لهم الدروع من الحديد في النار فيلبسونهم إياها ويطول العذاب بعمار بن ياسر حتى كان لا يدري ما يقول، فيظهر كلمة الكفر على لسانه وقلبه مطمئن بالإيمان، وَيَجِيءُ عَمَّارُ - وَهُوَ يَبْكِي - إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فقال له: «مَا وَرَاءَكَ؟» قَالَ: «شَرٌّ يَا رَسُولَ اللهِ، نِلْتُ مِنْكَ وَذَكَرْتُ آلِهَتَهُمْ بِخَيْرٍ، قَالَ: «كَيْفَ كَانَ قَلْبُكَ؟» قَالَ: «مُطْمَئِنًّا بِالإِيمَانِ»!! فَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ يَمْسَحُ عَيْنَيْهِ بِيَدِهِ، وَيَقُولُ لَهُ: «إِنْ عَادُوا لَكَ فَعُدْ لَهُمْ بِمَا قُلْتَ»!!. ولهج بعض الناس بأن عمارًا قد كفر، ولكن رسول الله ﷺ الذي لا ينطق عن الهوى قال: «كَلاَّ إِنَّ عَمَّارًا مُلِئَ إِيمَانًا مِنْ مَفْرَقِ رَأْسِهِ إِلَى أَخْمُصِ قَدَمِهِ، وَاخْتَلَطَ الإِيمَانُ بِلَحْمِهِ وَدَمِهِ»!!!. ثم ينزل الوحي بشهادة السماء على صدق عمار، قال تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا

стр. 385

فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (١). فكانت الآية الكريمة إعدادًا لهؤلاء المعذبين في الله بأنه لا حرج عليهم إن جاروا الكفار بطرف اللسان، ما دام القلب عامرا بالإيمان، ورخصة يترخص بها من خاف على نفسه الهلاك. وغير هؤلاء من المعذبين في الله كثيرون!!! ولم تكن هذه البطولات في تحمل العذاب في سبيل العقيدة خَاصًّا بالرجال فقد أوذي في الله كثيرات من المعذبات في الله وأظهرن صَبْرًا وتجلدًا وبطولة، وتحملاً وذلك مثل زنيرة جارية عمر بن الخطاب كان يضربها حتى تكل يده وتتعب من الضرب ويشاركه في الضرب أبو جهل فما يزيدها ذلك إلا تمسكًا وثباتًا على دينها. ومثل أم عُنَيْسٍ (٢) أمة لبني زهرة، وحمامة أم بلال بن رباح، وجارية بني المؤمل من بني عدي بن كعب، والنهدية وابنتها وكانتا لامرأة من بني عبد الدار وكان أبو جهل يقول: «أَلاَ تَعْجَبُونَ إِلَى هَؤُلاَءِ وَأَتْبَاعِهِمْ، لَوْ كَانَ مَا أَتَى مُحَمَّدٌ خَيْرًا وَحَقًّا مَا سَبِقُونَا إِلَيْهِ!! أَفَتَسْبِقُنَا زِنِّيرَةُ (٣) إِلَى رَشَدٍ». نعم يا أبا جهل - ولا كرامة لك - لقد سبقتك زنيرة إلى الرشد، وبقي لها الذكر والترضي عليها ما بقي مسلم على وجه الأرض، وبقي لك اللعن على كل لسان إلى ما شاء الله، لقد ذهبت يا أبا جهل - الأحساب والأنساب، وبقيت التقوى، وصدق الله ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (٤).

стр. 386

وهذه القوى الروحية الخارقة الخفية التي أودعها الله في الإسلام، وفي قلب المسلم المؤمن الصادق، هي التي جعلت المسلمين يصمدون أمام جحافل أوروبا وجيوشها في الحروب الصليبية التي أثارها التعصب المسيحي على الإسلام والمسلمين ممثلا في " بُطْرُسْ " الفاسق ولا أقول: " الناسك " ومن على شاكلته من المسيحيين، والتي حاول فيها الصليبيون الاستيلاء على بلاد الشام وعلى بيت المقدس، وقد تم لهم الاستيلاء عليه تسعين عَامًا أو تزيد ولكن الجيوش الإسلامية المظفرة بقيادة البطل الإسلامي الشهير الناصر لدين الله صلاح الدين الأيوبي تمكنت من استرجاع بيت المقدس وبلاد الشام، وردهم على أعقابهم خاسرين، خاسئين، وقد أسر أحد ملوكهم وقائدهم الأكبر في " المنصورة " إحدى بلاد مصر، ثم لم تلبث الجيوش الإسلامية في مصر وفي الشام أن قهرتهم وأذلتهم، وقذفت بهم في البحر، ولقنتهم الجيوش الإسلامية درسا لن ينسوه. وهذه القوى الخفية الكامنة في الإسلام هي التي جعلت المسلمين يستردون قوتهم بعد غزو التتار لبلاد الإسلام، وتخريبهم البلاد، وتقتيلهم العباد وقضائهم على مظاهر الحضارة الزاهية في بلاد الإسلام. وهذه القوى الخفية الكامنة في الإسلام هي التي حملت ملك التتار على الدخول في الإسلام!! ولم يكن للمسلمين حينئذ حول ولا طول، وإنما كان الحول والقوة، والغلبة للتتار، وبدخوله في دين الإسلام دخل الكثيرون من التتار، وأصبحوا دعاة للإسلام وحماة له بعد أن كانوا حَرْبًا على الإسلام، والمسلمين وصدق الله: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ .... ﴾ (١). وصدق الله حيث يقول اَيْضًا: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ (٢).

стр. 387

وهذه القوى الروحية الخارقة الكامنة في الإسلام وفي قلوب المسلمين هي التي جعلت الإسلام والمسلمين يصمدون أمام تكالب قوى الشر والبغي والعدوان عليهم في القرنين الأخيرين، وعادت الصليبية المسيحية كما كانت، بل وأكثر مما كانت، وظهرت قوى شر أخرى غير الصليبية، وهي الصهيونية المخربة المدمرة، التي فاق تخريبها للبلاد، وتقتيلها للعباد كل تخريب وتقتيل وتدمير في القديم والحديث. إن هذه القوى الروحانية الخارقة الكامنة في الإسلام، وفي قلوب المسلمين هي التي ستجعل الإسلام يستعصى على كل نائل منه، ويستعظم على كل من يريدون به شَرًّا، وهي التي ستجعل المسلمين يصمدون أمام الأعداء، وسيستمر هذا الدين الحق والفئة المعتنقة له المنافحة عنه حتى تقوم الساعة، وها أنا ذا قد بلغت، فاللهم فاشهد. تَوْصِيَاتٌ وَتَمَنِّيَاتٌ: [١] على المشتغلين بالسنن والأحاديث في كل قُطْرٍ، وَمِصْرٍ وما أكثرهم أن تكون بينهم رابطة تجمعهم، ووشيجة توحد بين صفوفهم، ومقاصدهم، والعالم الإسلامي من المحيط الهادي شَرْقًا إلى المحيط الأطلسي غَرْبًا فيه جماعات كثيرة قائمة على خدمة السنة النبوية الشريفة، ولو أن هذه الجماعات تعارفت وتآلفت، وتعاونت على خدمة السنة النبوية لكان من وراء ذلك خير كثير. إن خدمة السنة النبوية من هذه الجماعات المنتشرة في كل قطر ومصر يحتاج إلى التخطيط، ووضع المناهج التي تتبعها في خدمة الأصل الثاني من أصول التشريع، وكلما كان التخطيط مُحْكَمًا، وكلما كانت المناهج واضحة، والسبل إلى ذلك محددة، أثمرت هذه الجماعات المتعددة ثمرتها وآتت أكلها كل حين بإذن ربها. فلو أن هذه الجماعات التي قامت لخدمة سنة رسول الله ﷺ جعلت لها لقاءات واجتماعات سنوية في كل قطر من أقطار الإسلام لكان من وراء ذلك التعارف

стр. 388

وعدم التناكر، والتعاون على هذا العمل الجليل والله ﵎ يقول: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (١) وأي بر أبر من خدمة كتاب الله، ومن خدمة سنة رسوله ﷺ ؟ إن علماء الحديث في العصور الأولى حققوا هذا التعاون وهذا التعارف عن طريق الرحلات المتعددة والشاقة في سبيل لقاء الشيوخ، وتلقي الحديث، وجمعه، إن علماء الحديث وأمثالهم قد ضربوا في باب الارتحال في هذا المضمار الشريف مِنْ لَدُنْ عصر الصحابة إلى أن تم جمع الأحاديث والسنن - مثلا عليا لا تزال تعرفها لهم الأجيال المتعاقبة بالإعظام والإكبار، وهو أمر تنفرد به الأمة الإسلامية عن غيرها من الأمم. وقد رحل سيدنا جابر بن عبد الله الأنصاري شَهْرًا في سبيل سماع حديث ممن سمعه من رسول الله ﷺ مباشرة وهو الصحابي الجليل عبد الله بن أُنَيْسٍ (٢) رواه البخاري في " الصحيح " تَعْلِيقًا. وَرُوِيَ عَنْ جَابِرِ اَيْضًا أَنَّهُ قَالَ: «كَانَ يَبْلُغْنِي عَنِ النَّبِيِّ ﷺ حَدِيثٌ فِي الْقِصَاصِ (٣) , وَكَانَ صَاحِبُ الْحَدِيثِ بِمِصْرَ , فَاشْتَرَيْتُ بَعِيرًا فَشَدَدْتُ عَلَيْهِ رَحْلاً فَسِرْتُ حَتَّى وَرَدْتُ مِصْرَ، فَقَصَدْتُ إِلَى بَابِ الرَّجُلِ [الَّذِي بَلَغَنِي عَنْهُ الْحَدِيثُ]»، فذكر القصة. وأخرج الطبراني من حديث مسلمة بن مخلد (٤) قال: «أَتَانِي جَابِرٌ، فَقَالَ: حَدِيثٌ بَلَغَنِي أَنَّكَ تَرْوِيهِ فِي السَّتْرِ عَلَى المُسْلِمِ»، فذكره. ورحل السيد الجليل أبو أيوب الأنصاري إلى عقبة بن عامر الجهني بسبب حديث واحد اَيْضًا، رواه أحمد بسند منقطع.

стр. 389

وروى أبو داود في " سننه " مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، أَنَّ رَجُلاً مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ رَحَلَ إِلَى فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ وَهُوَ بِمِصْرَ فِي حَدِيثٍ. وعلى هذا الدرب الواضح، وعلى هذه السنة الحميدة سار التابعون ومن جاء بعدهم من أئمة العلم في الحديث. روى الخطيب البغدادي عن عبيد الله بن عدي قال: «بَلَغَنِي حَدِيثٌ عِنْدَ عَلِيٍّ فَخِفْتُ إِنْ مَاتَ أَنْ لاَ أَجِدهُ عِنْدَ غَيْرهِ، فَرَحَلْتُ حَتَّى قَدِمْتُ عَلَيْهِ الْعِرَاقَ». وروى الإمام مالك عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب قال: «إِنْ كُنْت لأَرْحَلُ الأَيَّام وَاللَّيَالِي فِي طَلَبِ الْحَدِيثِ الْوَاحِدِ». وأخرج الخطيب عن أبي العالية قال: «كُنَّا نَسْمَع عَنْ أَصْحَاب رَسُول اللَّه ﷺ فَلَا نَرْضَى حَتَّى خَرَجْنَا إِلَيْهِمْ فَسَمِعْنَا مِنْهُمْ». قال الشعبي في مسألة أفتى فيها: «أَعْطَيْنَاكَهَا بِغَيْرِ شَيْءٍ، قَدْ كَانَ يُرْكَبُ فِيمَا دُونَهَا إِلَى المَدِينَةِ». وقد روى " الدارمي " بسند صحيح عن بُسْرَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ، يَقُولُ: «إِنْ كُنْتُ لأَرْكَبُ إِلَى المِصْرٍ مِنَ الأَمْصَارِ فِي الْحَدِيثِ الْوَاحِدِ، [لأَسْمَعَهُ]» (١). وقال أبو قلابة: «لَقَدْ أَقَمْتُ بِالْمَدِينَةِ ثَلاَثًا مَالِي حَاجَةً إِلاَّ رَجُلٌ عِنْدَهُ حَدِيثٌ يَقْدَمُ فَأَسْمَعُهُ مِنْهُ». فإذا كان هذا حدث في العصور الأولى على قلة الظهر، وقلة المال، وبعد الشقة، وعذاب السفر فما بالنا لا يحدث بيننا التعارف والتعاون في هذا العصر الذي توفرت فيه وسائل الراحة في الأسفار، وقربت فيه وسائل الأسفار البعيد، ويسرت العسير، وأذهبت الكثير من عذاب الأسفار.

стр. 390

[٢] على هذه الجماعات التي تقوم بخدمة السنن والأحاديث النبوية أن تكون فيما بينها جماعات، كل جماعة تقوم بخدمة السنن والأحاديث في ناحية من النواحي فجماعة تقوم على إحياء كتب التراث الإسلامي في الحديث وعلومه وجماعة تقوم على شرح كتب الحديث التي لم تشرح إلى الآن، أو شرحت ولكن الشروح جاءت موجزة وغير وافية ويأتي في المقدمة من هذه الكتب " صحيح مسلم "، و" مسند أحمد "، و " سنن النسائي " و " سنن ابن ماجه " ونحوها. وجماعة تقوم على دراسة الأحاديث المشكلة سواء أكان إشكالها من حيث تعارض ظواهرها، أو من حيث ما يبدو ظاهرًا من مخالفتها للعقول أو مخالفتها للمشاهدة، أو مخالفتها لما وجد ويجد من علوم فلكية وكونية وتكوين رأي فيها موحد بعد الدراسة والبحث والتمحيص، والموازنة وذلك حتى لا يتعرض الشباب الإسلامي اليوم لبلبلات فكرية بسبب ما يقع بين الكاتبين في هذه الأحاديث المشكلة من اختلاف في الجواب بناء على الاختلاف في الثقافة والاختلاف في التفكير. إن أعداء الإسلام أو إن شئت فقل: أعداء الأحاديث والسنن إنما يدخلون إلى الطعن فيها من هذه الأحاديث المشكلة، وذلك كما رأيتم فيما ذكرنا من شبه. والشباب المسلم اليوم ليس عنده من الثقافة والعلم بالأحاديث ومن الحصانة الدينية ما يدرأ عن قلبه، وعقله، وتفكيره هذه الشبه. وهؤلاء الشباب أمانة في أعناقنا نحن الشيوخ، وإذا تركناهم تتناوشهم هذه الشبهات وتلك التشكيكات فقد عرضناهم للفتنة، وهؤلاء الشباب هم ذخيرة الإسلام وعدته في المستقبل فعلينا المحافظة على عقائدهم ما استطعنا، والحيلولة بينهم وبين أسباب الفتنة. وجماعة تقوم على تيسير دراسة الحديث وعلومه على الشباب اليوم وإذا كان الطلبة المتخصصون في الحديث يصعب عليهم الرجوع إلى مصادر الحديث الأولى، وإلى قراءة كتب الشروح لاستعصاء فهمها عليهم فما بالكم بغيرهم ممن ليسوا من طلبة الحديث؟!.
следующие страницы →