← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 37973

دراسات أصولية في القرآن الكريم

محمد إبراهيم الحفناوى

Полный текст (462 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ (١) وقوله: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ (٢) الثالث: خطاب العام والمراد به الخصوص. وقد اختلف العلماء فى وقوع ذلك فى القرآن، فأنكره بعضهم لأن الدلالة الموجبة للخصوص بمنزلة الاستثناء المتصل بالجملة، كقوله تعالى: فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عاماً (٣) والصحيح (٤) أنه واقع كقوله تعالى: الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ (٥) وعمومه يقتضى دخول جميع الناس فى اللفظين جميعا، والمراد بعضهم لأن القائلين غير المقول لهم، والمراد بالأول نعيم بن مسعود الثقفى، والثانى أبو سفيان وأصحابه (٦). ومنه قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ (٧) فالخطاب عام أريد به الخصوص، لأن الأطفال والمجانين لم يدخلوا فيه. الرابع: خطاب الخاص والمراد به العموم ومنه قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ (٨) فالخطاب مفتتح بالنبى ﷺ ، والمراد سائر من يملك الطلاق، فالخطاب خاص أريد به العموم. ومنه قوله تعالى:

стр. 107

يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنا لَكَ أَزْواجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَما مَلَكَتْ يَمِينُكَ .... (١) الآية. قال الإمام الصيرفى (٢): كان ابتداء الخطاب له ﷺ ، فلما قال فى الموهوبة (خالصة لك) علم أن ما قبلها له ﷺ ولغيره. الخامس: خطاب الجنس كقوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً (٣) السادس: خطاب النوع نحو قوله تعالى: يا بَنِي إِسْرائِيلَ (٤) السابع: خطاب العين. نحو قوله تعالى: يا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ (٥) وقوله: يا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ (٦) وقوله: يا إِبْراهِيمُ* قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا (٧) الثامن: خطاب المدح. نحو قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا (٨)

стр. 108

وهذا وقع خطابا لأهل المدينة الذين آمنوا وهاجروا تمييزا لهم عن أهل مكة. التاسع: خطاب الذم. كقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ (١) وقوله: قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ (٢) ولتضمنه الإهانة لم يقع فى القرآن غير هذين الموضعين وأكثر الخطاب ب: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا على المواجهة وفى جانب الكفار جىء بلفظ الغيبة إعراضا عنهم كقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا (٣) وقوله: قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا (٣) العاشر: خطاب الكرامة كقوله تعالى: يا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ (٥) وقوله: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ (٦) و: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ (٧) ويلاحظ أن الخطاب بالنبى نجده فى محل لا يليق به الخطاب بالرسول، وكذا عكسه كقوله تعالى فى الأمر بالتشريع العام: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وفى مقام الخاص: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ وقد يعبر بالنبى فى مقام التشريع العام لكن

стр. 109

مع قرينة إرادة العموم كقوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ (١) ولم يقل طلقت. الحادى عشر: خطاب الإهانة نحو قوله تعالى لإبليس: فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ* وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلى يَوْمِ الدِّينِ (٢) وقوله: اخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ (٣) الثانى عشر: خطاب التهكم نحو قوله تعالى: ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (٤) والخطاب هنا لأبى جهل لأنه قال: ما بين جبليها- يعنى مكة- أعز ولا أكرم منى (٥). الثالث عشر: خطاب الجمع بلفظ الواحد كقوله تعالى: يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ (٦) الرابع عشر: خطاب الواحد بلفظ الجمع كقوله تعالى: يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وَاعْمَلُوا صالِحاً إلى قوله: فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ (٧) فهو خطاب له ﷺ وحده إذ لا نبى معه ولا بعده. ونحو قوله تعالى:

стр. 110

وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ (١) فالخطاب هنا للنبى ﷺ وحده بدليل قوله تعالى بعد ذلك: وَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ (٢) الخامس عشر: خطاب الواحد بلفظ الاثنين، نحو قوله تعالى: أَلْقِيا فِي جَهَنَّمَ (٣) والمراد مالك خازن النار. فالخطاب لمالك وحده، وجاء بلفظ الاثنين. وقيل: الخطاب لخزنة النار والزبانية، فيكون من خطاب الجمع بلفظ الاثنين. وقيل: للملكين الموكلين فى قوله تعالى: وَجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وَشَهِيدٌ (٤) فيكون على الأصل. السادس عشر: خطاب الاثنين بلفظ الواحد. ومنه قوله تعالى: فَمَنْ رَبُّكُما يا مُوسى (٥) أى ويا هارون. وفيه وجهان: الأول: أنه أفرده بالنداء لإدلاله عليه بالتربية. الثانى: لأنه صاحب الرسالة والآيات وهارون تبع له (٦). ومن قوله تعالى: فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقى (٧) قال الإمام البيضاوى ﵀ (٨): أفرده بإسناد الشقاء إليه بعد اشتراكهما فى الخروج اكتفاء باستلزام

стр. 111

شقائه شقائها من حيث إنه قيّم عليها، أو محافظة على الفواصل أو لأن المراد بالشقاء التعب فى طلب المعاش، وذلك وظيفة الرجال اه. وقيل: إغضاء عن ذكر المرأة كما قيل: من الكرم ستر الحرم (١). السابع عشر: خطاب الاثنين بلفظ الجمع كقوله تعالى: أَنْ تَبَوَّءا لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتاً وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ (٢) الثامن عشر: خطاب الجمع بلفظ الاثنين نحو قوله تعالى: أَلْقِيا فِي جَهَنَّمَ على القول القائل إن الخطاب هنا لخزنة النار والزبانية. التاسع عشر: خطاب الجمع بعد الواحد. كقوله تعالى: وَما تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَما تَتْلُوا مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ (٣) فجمع ثالثها والخطاب للنبى ﷺ ، وإنما جمع الفعل الثالث ليدل على أن الأمة داخلون مع النبى ﷺ ، وهذا الجمع للتفخيم له ﷺ والتعظيم (٤). ومثله قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ (٥) العشرون: خطاب الواحد بعد الجمع كقوله تعالى: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ (٦) الحادى والعشرون: خطاب الاثنين بعد الواحد، نحو قوله تعالى: أَجِئْتَنا لِتَلْفِتَنا عَمَّا وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِياءُ فِي الْأَرْضِ (٧)

стр. 112

الثانى والعشرون: خطاب الواحد بعد الاثنين نحو قوله تعالى: فَمَنْ رَبُّكُما يا مُوسى (١) الثالث والعشرون: خطاب العين والمراد به الغير كقوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ (٢) فالخطاب له ﷺ ، والمراد أمته لأنه ﷺ كان تقيّا وحاشاه من طاعة الكفار والمنافقين. والدليل على ذلك قوله تعالى فى سياق الآية: وَاتَّبِعْ ما يُوحى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً (٢) ومنه قوله تعالى: فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ (٤) فالخطاب له والمراد غيره. ومنهم من أجراه على حقيقته وأوّله والمعنى: قل يا محمد: إن كنت فى شك من القرآن فاسأل من أسلم من اليهود. إنهم أعلم به من أجل أنهم أصحاب كتاب (٥). الرابع والعشرون: خطاب الغير والمراد به العين نحو قوله تعالى: لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ كِتاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ (٦) الخامس والعشرون: الخطاب العام الذى لم يقصد به مخاطب معين. ومنه قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ (٧)

стр. 113

وقوله تعالى وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ (١) وقوله وَلَوْ تَرى إِذِ الْمُجْرِمُونَ ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ (٢) قال الإمام جلال الدين السيوطى ﵀ (٣): لم يقصد بذلك خطاب معين، بل كل أحد وأخرج فى صورة الخطاب لقصد العموم يريد أن حالهم تناهت فى الظهور بحيث لا يختص بها راء دون راء. بل كل من أمكن منه الرؤية داخل فى ذلك الخطاب اه. السادس والعشرون: خطاب الشخص ثم العدول إلى غيره. ومنه قوله تعالى: فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ (٤) خوطب به النبى ﷺ ثم قال للكفار: (فاعلموا انّما أنزل بعلم الله) بدليل قوله تعالى بعد ذلك فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ. السابع والعشرون: خطاب التلوين وهو الالتفات نحو قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ الثامن والعشرون: خطاب الجمادات خطاب من يعقل نحو قوله تعالى: فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ (٥) وقد اختلف العلماء فى هذه المقالة هل هى حقيقة بأن جعل لها حياة وإدراكا يقتضى نطاقها أو مجاز بمعنى أنه ظهر فيها من اختيار الطاعة والخضوع بمنزلة هذا القول؟

стр. 114

فقيل بالأول لأنه لا شىء يدفعه والعبرة فيه أتم والقدرة فيه أظهر وقيل بالثانى (١). التاسع والعشرون: خطاب التهييج. كقوله تعالى: وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢) وقوله: وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٣) الثلاثون: خطاب التحنّن والاستعطاف نحو قوله تعالى: يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ (٤) الحادى والثلاثون: خطاب التحبب أو التحبيب كقوله تعالى: يا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ (٥) وقوله: يَا بْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي (٦) الثانى والثلاثون: خطاب التعجيز كقوله تعالى: فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ (٧) الثالث والثلاثون: خطاب التشريف. وهو كل ما فى القرآن مخاطبة بقل كالقلاقل (٨). وكقوله تعالى: قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ ... (٩) الآية وهو تشريف منه سبحانه لهذه الأمة، بأن يخاطبها بغير واسطة لتفوز بشرف المخاطبة. إذ ليس من الفصيح أن يقول الرسول للمرسل إليه قال لى المرسل- قل كذا وكذا- ولأنه لا يمكن إسقاطها فدل على أن المراد

стр. 115

بقاؤها ولا بدّ لها من فائدة فتكون أمرا من المتكلّم للمتكلّم بما يتكلم به أمره شفاها بلا واسطة كقولك لمن تخاطبه: افعل كذا. الرابع والثلاثون: خطاب المعدوم، ويصح ذلك تبعا لموجود نحو قوله تعالى: يا بَنِي آدَمَ (١) فإنه خطاب لأهل ذلك الزمان، ولكل من بعدهم على نحو ما يجرى من الوصايا فى خطاب الإنسان لولده وولد ولده ما تناسلوا بتقوى الله وإتيان طاعته.

стр. 116

الباب الثانى فى الأحكام التى تضمنها القرآن الكريم وما يتعلق بها وفيه فصول الفصل الأول: فى الأحكام الواردة فى القرآن الفصل الثانى: فى تعليل القرآن للأحكام الفصل الثالث: فى أسلوب القرآن فى بيان الأحكام. الفصل الرابع: فى طرق استخراج الأحكام من القرآن

стр. 117

الفصل الأول فى الأحكام الواردة فى القرآن تقدم الكلام عن جية القرآن وعلم أنه عمدة الأحكام والمصدر الأول للتشريع قال تعالى: ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ (١) وقال سبحانه: وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ (٢) والذى يجب التنبيه عليه أن تعريف القرآن للأحكام الشرعية أكثر كلى لا جزئى يعنى لا يختص بشخص دون شخص، ولا بحال دون حال، ولا زمان دون زمان، وأيضا مفصلا مستوعبا لشروط وأركان وموانع ما يطلب أو ما ينهى عنه، والدليل على ذلك الاستقراء (٣)، فهو محتاج إلى كثير من البيان والسنة على كثرتها وكثرة مسائلها، إنما هى بيان له

стр. 118

قال تعالى: وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ (١) فالقرآن على اختصاره جامع، ولا يكون جامعا إلا والمجموع فيه أمور كليات، لأن الشريعة تمت بتمام نزوله لقوله تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً (٢) ولوّ نظرنا إلى حيث القرآن عن الصلاة والزكاة والجهاد مثلا لوجدناه غير مبين لجميع أحكامه، والذى قام بهذا السنة المطهرة (٣). والمتأمل فى الأحكام التى تضمنها القرآن يجدها كثيرة متنوعة يمكن تقسيمها إلى ثلاثة أقسام هى: القسم الأول: الأحكام المتعلقة بالعقيدة كالإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر. فهذه الأحكام الاعتقادية تتعلق بما يجب على المكلف اعتقاده فى الله وملائكته ... إلخ. على العموم محل دراسة هذه الأحكام علم التوحيد. القسم الثانى: الأحكام المتعلقة بتهذيب النفس وتسمى بالأحكام الأخلاقية المرتبطة بما يجب على المكلف أن يتزيّن ويتحلّى به من

стр. 119

الفضائل، وأن يتخلّى عنه من الرذائل. ومحل دراسة هذه النوع من الأحكام علم التصوف. القسم الثالث: الأحكام العملية المتعلقة بما يصدر عن المكلف من أقوال وأفعال وعقود وتصرفات. وهذه الأحكام تسمى بالأحكام الفقهية، والتى يقصد الوصول إليها عن طريق علم أصول الفقه. وهذه الأحكام نوعان: النوع الأول: أحكام العبادات من صلاة وصوم، وحج وزكاة، ونذر ويمين ونحوها. وفائدة هذا النوع من الأحكام تنظيم العلاقة بين العبد وربه. النوع الثانى: أحكام المعاملات من عقود وتصرفات وعقوبات وجنايات وغيرها. وفائدة هذا النوع من الأحكام تنظيم علاقة المكلفين بعضهم ببعض، سواء أكانوا أفرادا أم أمما أم جماعات. وهذه الأحكام تسمى فى الاصطلاح الشرعى أحكام العلاقات، وأما فى اصطلاح، العصر الحديث (١)، فقد تنوعت أحكام المعاملات بحسب ما تتعلق به وما يقصد بها إلى الأنواع الآتية: ١ - أحكام الأسرة: وهى التى تتعلق بالأسرة من بدء تكوينها، وقد فصّلها القرآن بما لم يفصل به الأحكام فى أىّ موضوع من موضوعات الأحكام الشرعية، فقد فصل أحكام الزواج وبين المحرمات وفصل أحكام الطلاق، وبين أنواع العدة ومواضعها كما بين أيضا الفرائض بيانا شافيا. والقصد من وراء هذه الأحكام هو تنظيم العلاقة بين الزوجين والأقارب بعضهم ببعض، ويلاحظ أن آياتها فى القرآن نحو سبعين آية. ٢ - الأحكام المدنية: وهى التى تتعلق بمعاملات الأفراد المالية

стр. 120

كالبيع والرهن والإجارة. والغرض من تشريعها تنظيم علاقات الأفراد المالية وحفظ حق كل ذى حق وآياتها فى القرآن نحو سبعين آية (١). ٣ - الأحكام المتعلقة بالجرائم والعقوبات: وهى التى يطلق عليها بالأحكام الجنائية وآياتها نحو ثلاثين آية. وقد لاحظ القرآن فى العقوبات التى قررها أمورا أربعة هى (٢): (أ) المحافظة على النفوس والعقول والأديان والأموال والنسل، ولذلك بيّن أن القصاص فيه حياة قال تعالى: وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ (٣) ولا يكون ذلك إلا بتحقيق المحافظة على ما ذكر. (ب) شفاء غيظ المجنى عليه، فإنه مكلوم (٤) ومن الواجب مداواة جروحه، ولذلك جعل لولى المقتول الحق فى القصاص قال تعالى: وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ (٥) (ج) تعويض المجنى عليه وأسرته وذلك إذا تعذر القصاص الكامل لأىّ سبب من الأسباب. (د) جعل العقوبة تابعة للشخص، فتكبر بكبره، وتصغر بصغره، لأن الجريمة تكبر بكبر المجرم، وتصغر بصغره، والدليل على ذلك أن القرآن

стр. 121

الكريم جعل عقوبة العبد على النصف من عقوبة الحر قال تعالى: فَإِذا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ مِنَ الْعَذابِ (١) ٤ - الأحكام المتعلقة بنظام الحكم وأصوله: ويقصد بها تحديد العلاقة بين الحاكم والمحكوم. وخلاصة ما تذكره الآيات القرآنية فى هذا المقام خمسة أسس هى: (أ) العدل، قال تعالى: وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ (٢) والعدل الذى يقصده القرآن هو عدل الحاكم مع المحكومين، وعدل الرعية مع الراعى، وعدل الناس فيما بينهم، وهو يقتضى المساواة المطلقة فى تطبيق أحكام القرآن على الجميع، وقد وجاء فى الحديث الشريف: «وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها» (٣). (ب) الشورى- قال تعالى: وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ (٤) قال المرحوم الشيخ محمد أبو زهرة (٥): إن القرآن لم يبين وسائل الشورى كما لم يبين وسائل تحقيق العدالة، بل ترك ذلك لتقدير الناس لينتهجوا أحسن الوسائل التى توصلهم إلى المطلوب على الوجه الأكمل، ولأن وسائل الشورى تختلف باختلاف الجماعات، وباختلاف أحوال الناس، وباختلاف العصور.

стр. 122

(ج) التعاون بين الحاكم والمحكوم قال تعالى: وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى (١) (د) حماية المجتمع من الرذائل وحماية الأموال والأنفس والأعراض والدين كما تقدم. (هـ) اتجاه الحاكم إلى الإصلاح والعمل على كل ما فيه مصلحة للمسلمين. ٥ - الأحكام الاقتصادية وهى المتعلقة بموارد الدولة ومصارفها، وبحقوق الأفراد فى أموال الأغنياء، والغاية من وراء تشريع هذه الأحكام تنظيم العلاقات المالية بين الأغنياء والفقراء، وبين الدولة والأفراد وآياتها فى القرآن عشر آيات. ٦ - الأحكام المتعلقة بمعاملة الدولة الإسلامية للدول الأخرى، ومدى علاقتها بها، ونوع هذه العلاقة فى السلم والحرب وما يترتب على ذلك من أحكام. ويقصد بها تحديد علاقة الدولة الإسلامية بغيرها من الدول وتحديد علاقة المسلمين بغيرهم فى بلاد الدول الإسلامية وآياتها فى القرآن خمس وعشرون آية. ٧ - الأحكام المتعلقة بالقضاء والشهادة واليمين. ويقصد بها تنظيم إجراءات التقاضى لتحقيق العدالة بين الناس، وهى تدخل فيما يسمى اليوم بقانون المرافعات، وتبلغ آياتها فى القرآن ثلاث عشرة آية (٢). هذا وقد قال الإمام الغزالى ﵀ (٣): إن آيات الأحكام فى القرآن خمسمائة آية. وقال بعض العلماء: مائة وخمسون، على أساس أن آيات القصص والأمثال فى القرآن يستنبط منها كثير من الأحكام.

стр. 123

وقد قال الشيخ عز الدين بن عبد السلام ﵀ (١): معظم آى القرآن لا يخلو عن أحكام مشتملة على آداب حسنة وأخلاق جميلة، ثم من الآيات ما صرح فيه بالأحكام وهو كثير، وسورة البقرة والنساء والمائدة والأنعام مشتملة على كثير من ذلك. ومنها ما يؤخذ بطريق الاستنباط، إما بلا ضمّ إلى آية أخرى كاستنباط صحة أنكحة الكفار من قوله تعالى: وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ (٢) وصحة صوم الجنب من قوله تعالى: فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ (٣) فلو لم يكن صوم الجنب صحيحا لما أباح الله له الوقاع حتى الفجر. وأما مع ضميمة آية أخرى كاستنباط على وابن عباس رضى الله عنهم أن أقلّ الحمل ستة أشهر من قوله تعالى: وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً (٤) مع قوله تعالى: وَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ (٥) وعليه جرى الإمام الشافعى رضى الله عنه (٦). واحتج بها الإمام أبو حنيفة رضى الله عنه (٧) على أن أكثر الرضاع سنتان ونصف- ثلاثون شهرا- حيث إن الله تعالى قدّر لشيئين مدة واحدة، فانصرفت

стр. 124

المدة بكمالها إلى كل واحد منهما، فلما قام النص الأول فى أحدهما بقى الثانى على أصله، ومثّل ذلك بالأجل الواحد للدينين، فإنه مضروب بكماله لكل واحد منهما، وأيضا فإنه لا بدّ من اعتبار مدة يبقى فيها الإنسان بحيث يتغير الغذاء، فاعتبرت مدة يعتاد الصبى فيها غذاء طبيعيّا غير اللبن، ومدة الحمل قصيرة فقدمت الزيادة على الحولين. فإن قيل: العادة الغالبة فى مدة الحمل تسعة أشهر، وكان المناسب فى مقام الامتنان ذكر الأكثر المعتاد لا الأقل النادر كما فى جانب الفصال. فالجواب: أن هذه المدة أقل مدة الحمل، ولما كان الولد لا يعيش غالبا إذا وضع لستة أشهر كانت مشقة الحمل فى هذه المدة موجودة لا محالة فى حق كل مخاطب، فكان ذكره أدخل فى باب المناسبة، بخلاف الفصال لأنه لأحد لجانب القلة فيه، بل يجوز أن يعيش الولد بدون ارتضاع من الأم، ولهذا اعتبر فيه الأكثر لأنه الغالب، ولأنه اختيارى كأنه قيل: حملته ستة أشهر لا محالة إن لم تحمله أكثر (١). ومثله استنباط الأصوليين أن تارك الأمر يستحق العقاب من قوله تعالى: أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي (٢) مع قوله جل شأنه: وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ (٣) وكذلك استنباط بعض المتكلمين أن الله خالق لأفعال العباد من قوله تعالى: وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ (٤)

стр. 125

مع قوله تعالى: وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ (١) فإذا ثبت أنه يخلق ما يشاء، وأن مشيئة العبد لا تحصل إلا إذا شاء الله أنتج أنه تعالى خالق لمشيئة العبد. وجدير بالذكر التنبيه على أن هذه الأحكام يستدل عليها تارة بالصيغة، وتارة بالإخبار كقوله تعالى: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ (٢) وقوله: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ (٣) وتارة بما رتب عليها فى العاجل أو الآجل من خير أو شر، أو نفع أو ضر، وقد نوع الشارع ذلك أنواعا كثيرة ترغيبا لعباده وترهيبا وتقريبا إلى أفهامهم. على العموم كانت آيات الأحكام تنزل على سيدنا رسول الله ﷺ فى الغالب جوابا لحوادث فى المجتمع الإسلامى، وهذه الحوادث تعرف بأسباب النزول، وأحيانا كانت تنزل آيات الأحكام جوابا عن أسئلة يسألها بعض المؤمنين، وقليلا ما كانت الأحكام تنزل مبتدأة (٤) ومن أمثلة هذين القسمين ما يلى: أولا: القسم الأول: ١ - قال تعالى: وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ (٥)

стр. 126

يقول القرطبى ﵀ فى تفسيره (١): نزلت هذه الآية فى أبى مرثد الغنوىّ، وقيل: فى مرثد بن أبى مرثد واسمه كنّاز بن حصين الغنوى. بعثه رسول الله ﷺ مكة سرّا ليخرج رجلا من أصحابه، وكانت له بمكة امرأة يحبها فى الجاهلية يقال لها: عناق، فجاءته فقال لها: إن الإسلام حرم ما كان فى الجاهلية. قالت: فتزوجنى. قال: حتى أستأذن رسول الله ﷺ . فأتى النبى ﷺ فاستأذنه فنهاه عن التزوج بها لأنه كان مسلما وهى مشركة وقد اختلف (٢) العلماء فى تأويل هذه الآية على ثلاثة أقوال هى: الأول: لا يجوز العقد بنكاح على مشركة سواء كانت. كتابية أو غير كتابية. قال عمر فى إحدى روايتيه وهو اختيار مالك والشافعى إذا كانت أمة (٣). الثانى: أن المراد وطء من لا كتاب له من المجوس والعرب. قاله قتادة. الثالث: أنه منسوخ بقوله تعالى: وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ (٤) ٢ - قال تعالى: قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ* الَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسائِهِمْ ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ إِنْ أُمَّهاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَراً مِنَ الْقَوْلِ وَزُوراً وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ*

стр. 127

وَالَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْ نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ... إلخ (١) يقول علماء التفسير (٢) إن صدر سورة المجادلة نزل فى حق أوس بن الصامت رضى الله عنه حين قال لزوجته خولة بنت ثعلبة رضى الله عنها: أنت علىّ كظهر أمى، وكان الرجل فى الجاهلية إذا قال لزوجته ذلك حرمت عليه، فندم من ساعته فدعاها فأبت وقالت: والذى نفس خولة بيده لا تصل إلىّ وقد قلت ما قلت حتى يحكم الله ورسوله ﷺ . فأتت رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله إن أوسا تزوجنى وأنا شابة مرغوب فىّ فلما خلا سنى (٣) ونثرت بطنى جعلنى عليه كأمه وتركنى إلى غير أحد، فإن كنت تجد لى رخصة يا رسول الله تنعشنى (٤) بها وإياه فحدثنى بها، فقال رسول الله ﷺ : ما أمرت فى شأنك بشيء حتى الآن. وفى رواية: ما أراك إلا قد حرمت عليه. قالت: ما ذكر طلاقا وجادلت رسول الله ﷺ مرارا ثم قالت: اللهم إنى أشكو إليك فاقتى (٥) وشدة حالى. وروى أنها قالت: إن لى صبية صغارا إن ضممتهم إليه ضاعوا، وإن ضممتهم إلىّ جاعوا وجعلت ترفع رأسها إلى السماء وتقول: اللهم

стр. 128

إنى أشكو إليك اللهم فأنزل على لسان نبيك، وما برحت حتى نزل القرآن فيها. فقال رسول الله ﷺ : يا خولة أبشرى. قالت: خيرا. فقرأ ﵊ عليها: قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ ... الآيات. ثانيا: القسم الثانى: ورد فى القرآن الكريم أحكام كثيرة عقب أسئلة صدرت من المؤمنين أو من غيرهم. مثال ذلك: ١ - قال تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَإِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ (١) الآية. يقول ابن كثير ﵀ (٢): عن ابن مسعود رضى الله عنه أن رسول الله ﷺ بعث سرية (٣) وكانوا سبعة نفر (٤) عليهم عبد الله بن جحش الأسدي، وفيهم عمار بن ياسر وأبو حذيفة عتبة بن ربيعة، وسعد بن أبى

стр. 129

وقاص ... وكتب لابن جحش كتابا وأمره أن لا يقرأه حتى ينزل بطن ملل (١)، فلما نزل بطن ملل فتح الكتاب فإذا فيه: أن سر حتى تنزل بطن نخلة (٢)، فقال لأصحابه: من كان يريد الموت فليمض وليوص، فإنى موص وماض لأمر رسول الله ﷺ . فسار فتخلف عنه سعد بن أبى وقاص وعتبة أضلا راحلة لهما فأتيا بحران (٣) يطلبانها، وسار ابن جحش إلى بطن نخلة فإذا هو بالحكم بن كيسان والمغيرة بن عثمان، وعمرو بن الحضرمى، وعبد الله بن المغيرة، وانفلت المغيرة وقتل عمرو. قتله واقد بن عبد الله اليربوعى فكانت أول غنيمة غنمها أصحاب رسول الله ﷺ . فلما رجعوا إلى المدينة بالأسيرين وما أصابوا من المال أراد أهل مكة أن يفادوا الأسيرين فقال النبى ﷺ : حتى تنظر ما فعل صاحبانا، فلما رجع سعد وصاحبه فادى بالأسيرين ففجر (٤) عليه المشركون وقالوا: إن محمدا يزعم أنه يتبع طاعة الله وهو أول من استحل الشهر الحرام وقتل صاحبنا فى رجب. فقال المسلمون: إنما قتلناه فى جمادى، وقيل: فى أول رجب وآخر ليلة من جمادى وغمد (٥) المسلمون سيوفهم حين دخل شهر رجب. فأنزل الله يعيّر (٦) أهل مكة:

стр. 130

يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ ... الآية. ٢ - قال تعالى: يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَها نِصْفُ ما تَرَكَ (١) وقد روى جابر بن عبد الله رضى الله عنه قال: مرضت وعندى تسع أخوات لى، فدخل علىّ رسول الله ﷺ فنضح (٢) فى وجهى من الماء فأفقت فقلت: يا رسول الله ألا أوصى لأخواتى بالثلثين؟ قال: أحسن. قلت: بالشطر (٣)؟ قال: أحسن. ثم خرج وتركنى ثم رجع فقال: لا أراك ميتا من وجعك هذا فإن الله أنزل الذى لأخواتك فجعل لهن الثلثين. وكان جابر يقول (٤): نزلت فى هذه الآية: يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ هذا: والقرآن الكريم فيه من آيات الأحكام المندرجة تحت هذين القسمين الكثير والكثير، أما الأحكام التى أنزلت بدون حادث أو سؤال فقليلة، وقلما نرى حكما لم يذكر له المفسرون حادثا أنزل الحكم مرتبا عليه.

стр. 131

* فوائد: الأولى: لا طريق لمعرفة سبب النزول إلا النقل الصحيح. قال رسول الله ﷺ : «اتقوا الحديث إلا ما علمتم فإنه من كذب على متعمدا فليتبوأ مقعده من النار ومن كذب على القرآن من غير علم فليتبوأ مقعده من النار» (١) فسبب النزول إن روى عن صحابى كان مقبولا، لأن قوله فيما لا مجال للرأى فيه حكمه حكم المرفوع إلى النبى ﷺ . أما إذا روى سبب النزول بحديث سقط من إسناده الصحابى وهو المسمى بالمرسل فلا يقبل إلا إذا صح واعتضد بمرسل آخر، وكان الراوى له من أئمة التفسير الآخذين عن الصحابة كمجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير. الثانية: زعم بعض الناس أنه لا فائدة من وراء البحث عن معرفة سبب النزول لجريانه مجرى التاريخ، وهذا الزعم باطل لأن هناك الكثير من الفوائد المترتبة على معرفة سبب النزول والتى منها ما يلى: ١ - معرفة وجه الحكمة الباعثة على تشريع الحكم. ٢ - تخصيص الحكم به عند من يرى أن العبرة بخصوص السبب. ٣ - قد يكون اللفظ عامّا ويقوم الدليل على تخصصه، فإذا عرف السبب قصر التخصيص على ما عدا صورته، فإذا دخل صورة السبب قطعى وإخراجها بالاجتهاد ممنوع. ٤ - الوقوف على المعنى وإزالة الإشكال. قال ابن دقيق العيد ﵀: بيان النزول طريق قوى فى فهم معانى القرآن.

стр. 132

وقال ابن تيمية ﵀: معرفة سبب النزول يعين على فهم الآية فإن العلم بالسبب يورث العلم بالمسبب. ومن الأمثلة على فوائد معرفة النزول: ١ - أشكل على مروان بن الحكم معنى قوله تعالى: لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا (١) الآية. وقال: لئن كان كل امرئ فرح بما أوتى وأحب أن يحمد بما لم يفعل معذبا لنعذبن أجمعون. حتى بين له ابن عباس رضى الله عنهما أن الآية نزلت فى أهل الكتاب حين سألهم النبى ﷺ عن شىء فكتموه إياه، وأخبروه بغيره، وأروه أنهم أخبروه بما سألهم عنه واستحمدوا بذلك إليه. ٢ - حكى عن عثمان بن مظعون، وعمرو بن معدي كرب أنهما كانا يقولان: الخمر مباحة ويحتجان بقوله تعالى: لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا إِذا مَا اتَّقَوْا (٢) الآية ولو علما سبب نزولها لم يقولا ذلك، وهو أن ناسا قالوا لما حرمت الخمر. كيف بمن قتلوا فى سبيل الله، وماتوا وكانوا يشربون الخمر وهى رجس؟ فنزلت هذه الآية. الثالثة: اختلف علماء الأصول: هل العبرة بعموم اللفظ أو بخصوص السبب؟ والراجح ما ذهب إليه (٣) الجمهور من أن العبرة بعموم اللفظ، فقد

стр. 133

نزلت آيات كثيرة فى القرآن الكريم على أسباب مخصوصة، واتفق العلماء على تعديتها إلى غير أسبابها كنزول آيات الظهار واللعان وحد القذف. لكن لو نزلت آية فى شخص معين ولا عموم للفظها فإنها تقصر عليه قطعا كقوله تعالى: وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى* الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكَّى (١). فهذا القول الكريم قد نزل فى حق الصديق رضى الله عنه بالإجماع، وقد استدل بها الإمام فخر الدين الرازى (٢) ﵀ مع قوله تعالى: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ (٣) على أنه أفضل الأمة بعد رسول الله ﷺ . ومن ظن بأن الآية عامة فى كل من عمل عمله فهو واهم (٤)، لأن الآية ليس فيها صيغة عموم إذ الألف واللام إنما تفيد العموم إذا كانت موصولة أو معرفة فى جمع. زاد قوم: أو مفرد بشرط ألا يكون هناك عهد، واللام فى الأتقى ليست موصولة لأنها لا توصل بأفعل التفضيل إجماعا، والأتقى ليس جمعا بل هو مفرد، والعهد موجود خصوصا مع ما يفيده صيغة- أفعل- من التمييز وقطع المشاركة، فبطل القول بالعموم وتعين القطع بالخصوص والقصر على من نزلت فيه وهو الصديق رضى الله عنه (٥). الرابعة: قد يتعدد النازل والسبب واحد، وقد يتعدد السبب والنازل واحد.

стр. 134

مثال الأول: عن أم سلمة رضى الله عنها قالت (١): يا رسول الله لا أسمع الله ذكر النساء فى الهجرة بشيء. فأنزل الله: فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ (٢) الآية. وروى عن أم عمارة (٣) الأنصارية أنها قالت: يا رسول الله تذكر الرجال ولا تذكر النساء فأنزلت: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ (٤) الآية وأنزلت: أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ ومثال الآخر: عن أبى هريرة أن النبى ﷺ وقف على حمزة حين استشهد وقد مثل به فقال: «لأمثلن بسبعين منهم مكانك». فنزل جبريل- والنبى ﷺ واقف- بخواتيم سورة النحل: وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ (٥) الآيات إلى آخر السورة. وعن أبى كعب قال (٦): لما كان يوم أحد أصيب من الأنصار أربعة وستون، ومن المهاجرين ستة منهم حمزة فمثلوا به. فقالت الأنصار: لئن أصبنا منهم يوما مثل هذا لنربينّ- أى لنزيدن- عليهم- فلما كان يوم فتح مكة أنزل الله: وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ

стр. 135

فالرواية الأولى تفيد أن الآيات نزلت فى غزوة أحد، بينما تفيد الثانية نزولها يوم فتح مكة، ومعلوم أن بين غزوة أحد وفتح مكة بضع سنين، ومن ثم لا مفر من القول بتعدد نزولها مرة فى غزوة أحد ومرة فى فتح مكة، والله أعلم.

стр. 136

الفصل الثانى فى تعليل القرآن للأحكام القرآن الكريم يعلل الأحكام: الناظر فى القرآن الكريم يجد مولانا جل شأنه يذكر فيه العلة والأوصاف المؤثرة، والمعانى المعتبرة فى الأحكام ليدل بذلك على تعلق الحكم بها أين وجدت، واقتضائها لأحكامها وعدم تخلفها عنها إلا لمانع يعارض اقتضائها ويوجب تخلف أثرها عنها (١). وقد جاء التعليل فى القرآن الكريم بالباء تارة كقوله تعالى: ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ (٢) وقوله: ذلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا (٣) وباللام تارة كقوله تعالى: ذلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ (٤) وبأن تارة كقوله تعالى: أَنْ تَقُولُوا إِنَّما أُنْزِلَ الْكِتابُ عَلى طائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنا (٥)

стр. 137

وبأن واللام كقوله تعالى: لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ (١) وكى تارة كقوله تعالى: كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِياءِ مِنْكُمْ (٢) والشرط والجزاء كقوله تعالى: وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً (٣) والفاء كقوله تعالى: فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْناهُمْ (٤) وقوله: فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رابِيَةً (٥) وترتيب الحكم على الوصف كقوله تعالى: يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ (٦) وقوله: إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ (٧) ولما كقوله تعالى: فَلَمَّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنْهُمْ (٨) وقوله: فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ قُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ (٩) وإنّ المشددة كقوله تعالى: إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْناهُمْ أَجْمَعِينَ (١٠)

стр. 138

ولعل كقوله تعالى: لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى (١) وقوله: لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٢) والمفعول له كقوله تعالى: وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى * إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى * وَلَسَوْفَ يَرْضى (٣) أى لم يفعل ذلك جزاء نعمة أحد من الناس، وإنما فعله ابتغاء وجه الله. ومن أجل كقوله تعالى: مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَتَبْنا عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ (٤)

стр. 139

الفصل الثالث فى أسلوب القرآن فى بيان الأحكام أسلوب القرآن فى بيان الأحكام: إن القرآن الكريم استخدم أساليب عديدة مختلفة فى بيانه الأحكام، اقتضتها بلاغته وفصاحته وكونه معجزا وهاديا ومرشدا. وهو حينما يعرض الأحكام يعرضها عرضا فيه تشويق لامتثال الأمر، وتنفير من مخالفته، ومن ثم نجده حينما يتحدث عما هو واجب على الناس مثلا ينص عليه بصيغة الأمر، كما فى قوله تعالى: وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ (١) وقوله: فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ (٢) أو بأن الفعل مكتوب من الله على المخاطبين، ويظهر ذلك جليّا فى قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ (٣) وقد يكون بيان الواجب بذكر الجزاء الحسن الذى أعده الله لفاعله قال تعالى: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ (٤)

стр. 140

كما نجده يتحدث عن المحرم يستخدم تارة أسلوب النهى كما فى قوله تعالى: وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ (١) وقوله: وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ (١) كما يستخدم تارة أخرى أسلوب التوعد على الفعل أو ذكر العقوبة المترتبة عليه، كما فى قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً (٢) وقوله: وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ ناراً خالِداً فِيها وَلَهُ عَذابٌ مُهِينٌ (٢) يقول الإمام الزركشى ﵀ (٣): كل فعل عظمه الله ورسوله ﷺ ، أو مدح فاعله لأجله أو أحبه، أو أحب فاعله، أو رضى به، أو رضى عن فاعله، أو وصفه بالطيب أو البركة أو الحسن أو نصبه سببا لمحبته، أو لثواب عاجل أو آجل أو نصبه سببا لذكره لعبده أو لشكره له أو لهدايته إياه، أو لإرضائه فاعله، أو لمغفرة ذنبه وتكفير سيئاته، أو لقبوله أو لنصرة فاعله، أو بشارة فاعله، أو وصف فاعله بالطيب، أو وصف الفعل بكونه معروفا، أو نفى الحزن والخوف عن فاعله، أو وعده بالأمن أو نصبه سببا لولايته، أو أخبر عن دعاء الرسول ﷺ بحصوله، أو وصفه بكونه قربة، أو أقسم به وبفاعل كالقسم بخيل المجاهدين وإغارتها، فهو دليل على

стр. 141

مشروعيته المشتركة بين الوجوب والندب، وكل فعل طلب الشرع تركه، أو ذم فاعله، أو نفى محبته إياه، أو محبة فاعله، أو نفى الرضا به أو الرضا عن فاعله، أو شبه فاعله بالبهائم، أو بالشياطين، أو جعله مانعا من الهدى أو من القبول ونحو ذلك فهو دليل على المنع من الفعل ودلالته على التحريم أظهر من دلالته على مجرد الكراهة. وأما لفظ: «يكرهه الله ورسوله» وقوله تعالى: كُلُّ ذلِكَ كانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً (١) فأكثر ما يستعمل فى المحرم، وقد يستعمل فى كراهة التنزيه. وأما لفظ «أما أنا فلا أفعل» فالمحقق فيه الكراهة، كقوله ﷺ : «أما أنا فلا آكل متكئا» (٢) وأما لفظ «ما يكون لك»، و «ما يكون لنا» فاطرد استعمالها فى المحرم نحو قوله تعالى: فَما يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيها (٣) وقوله تعالى: وَما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها (٤) وقوله جل شأنه: ما يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ (٥) وتستفاد الإباحة من لفظ الإحلال ورفع الجناح والإذن والعفو ونحو ذلك. إذا علم هذا، فمن البدهى على كل من يريد استنباط واستنتاج الأحكام من القرآن أن يعرف هذه الأساليب القرآنية. فالفعل يكون واجبا أو مندوبا إذا جاء بصيغة دالة على الوجوب

стр. 142

أو الندب، أو إذا ذكر فى القرآن مصحوبا بمدح أو ثناء لفاعله أو اقترن به الجزاء الحسن (١). ويكون حراما أو مكروها إذا جاء ذكره بصيغة دالة على التحريم أو الكراهة، أو إذا ذكر على وجه الذم والتوبيخ، أو لعن فاعله، أو وصف الفعل بأنه رجس أو أنه سبب للعذاب مثلا. كما يكون الفعل مباحا إذا جاء بلفظ يدل على ذلك كالإذن ونفى الحرج، أو نفى الجناح كما فى قوله تعالى: فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ (٢). وقوله: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ (٣). دلالة القرآن على الأحكام: لا خلاف بين العلماء فى أن نصوص القرآن كلها قطعية الثبوت والورود والنقل عن الرسول ﷺ إلينا، ويترتب على هذا أن أحكامه أيضا قطعية الثبوت، إلا أن دلالته على الأحكام قد تكون قطعية، وقد تكون ظنية، فالنص قطعى الدلالة هو ما دل على معنى متعين فهمه منه، ولا يحتمل تأويلا ولا مجال لفهم غيره منه. ومن أمثلته الآيات التى احتوت على تقادير أو أعداد كقوله تعالى: وَلَكُمْ نِصْفُ ما تَرَكَ أَزْواجُكُمْ الآية (٤). فهذا النص يفيد أن نصيب الزوج من ميراث زوجته هو النصف، وذلك عند عدم الولد، وهذه الإفادة قطعية لا تحتمل تأويلا ولا يفهم منها معنى غيره. كما يفيد إفادة قطعية أيضا أن له الربع عند وجود ولد، وأن للزوجة من ميراث زوجها الربع عند عدم الولد والثمن عند وجوده ...

стр. 143

وكذلك الأمر فى قوله تعالى: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ (١). وأما النص ظنى الدلالة فهو الذى يكون محتملا لأكثر من معنى كقوله تعالى: وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ (٢). فلفظ القرء مشترك فى اللغة بين معنيين هما: الطهر والحيض، ومن هنا اختلف الفقهاء فى عدة المطلقة هل هى ثلاثة أطهار؟ أو ثلاث حيضات؟ وممن ذهب إلى الأول من الصحابة ابن عمر، وزيد بن ثابت، وعائشة رضى الله عنهم، وقد نهج نهجهم من الفقهاء مالك والشافعى وجمهور أهل المدينة. وممن ذهب إلى الثانى من الصحابة على، وعمر، وابن مسعود رضى الله عنهم، ومن الفقهاء أبو حنيفة وسفيان الثورى وغيرهما (٣). وكذلك الحال فى قوله تعالى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ (٤). فلفظ الميتة عام، والنص يحتمل الدلالة على تحريم كل ميتة، ويحتمل أن يخصص التحريم بما عدا ميتة البحر. فالنص الذى فيه نص مشترك، أو لفظ عام، أو لفظ مطلق، أو نحو هذا يكون ظنى الدلالة لأنه يدل على معنى ويحتمل الدلالة على غيره. هذا وقبل أن أنهى الكلام عن الأحكام التى تضمنها القرآن الكريم أقول:

стр. 144

ما هو سبب اختلاف الصحابة تجاه الأحكام المستنبطة من القرآن الكريم؟ والجواب: أن اختلاف الصحابة رضوان الله عليهم فيما استنبط من القرآن الكريم يرجع سببه إلى تفاوتهم فى قوة الذهن والإحاطة بألفاظ اللغة والإلمام بأسباب النزول، وما يتصل بالقصص منه من أخبار السابقين، ومعرفة أشعار العرب وعاداتهم مما يقرب المعانى إلى العقول، ويساعد فى الوصول إلى المقصود (١)، وها أنا ذا أسوق بعون الله وحده عددا من آى الذكر الحكيم المتضمنة أحكاما فقهية وموقف الصحابة منها: الآية الأولى: قال تعالى: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً (٢). فهذه الآية الكريمة تفيد بعمومها أن المتوفى عنها زوجها تتربص أربعة أشهر وعشرا سواء كانت حاملا أو غير حامل. وقوله تعالى: وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ (٣). عام فى المطلقة والمتوفى عنها زوجها، فأفتى عمر بن الخطاب، وعبد الله ابن مسعود رضى الله عنهما إلى القول بأن النص الثانى مخصص لعموم النص الأول، وهو يفيد أن عدة المتوفى عنها زوجها تكون أربعة أشهر وعشرا، إذا لم تكن حاملا، فإن كانت حاملا تكون عدتها بوضع الحمل عملا بآية سورة الطلاق. وأفتى على بن أبى طالب، وابن عباس رضى الله عنهم بأن عدتها أبعد الأجلين وهما: وضع الحمل وتربص أربعة أشهر

стр. 145

وعشرا، وعليه فإن وضعت حملها قبل أربعة أشهر وعشرة أيام تربصت بقيتها، وإن انقضت الأربعة أشهر والعشرة أيام ولم تضع حملها تربصت حتى تضع حملها (١). الآية الثانية: قال تعالى: وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ (٢). فالخطاب فى هذه الآية للمسلمين من غير خلاف، وقد ذهب بعض الصحابة كعبد الرحمن بن عوف، ومن نهج نهجه رضى الله عنهم، إلى القول بأن هذه الآية الكريمة يستفاد منها أن الأرض المغنومة كالمنقولات المغنومة فى التقسيم بين الفاتحين. وذهب عثمان وعلى وطلحة وابن عمر إلى رأى عمر رضى الله عنهم، وهو أن الأرض المغنومة لا تقسم كما تقسم المنقولات المغنومة، وإنما تكون ملكا للدولة ينتفع بها جميع المسلمين. وربما يقول قائل هل ترك عمر برأيه المذكور العمل بآية الغنيمة؟ والجواب: لا، لأنه فهم رضى الله عنه أن الأمر بالغنائم فى سورة الأنفال لإمام المسلمين أن يضعها حسب ما تقتضيه المصلحة العامة للمسلمين، فالإمام مخير فى الغنيمة بين أن يقسمها أو يتركها، إن قسمها فأمامه فى ذلك قوله تعالى: وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ ... الآية. وإن تركها فحجته فى الترك قوله تعالى:
следующие страницы →