مشروعيته المشتركة بين الوجوب والندب، وكل فعل طلب الشرع تركه، أو ذم فاعله، أو نفى محبته إياه، أو محبة فاعله، أو نفى الرضا به أو الرضا عن فاعله، أو شبه فاعله بالبهائم، أو بالشياطين، أو جعله مانعا من الهدى أو من القبول ونحو ذلك فهو دليل على المنع من الفعل ودلالته على التحريم أظهر من دلالته على مجرد الكراهة.
وأما لفظ: «يكرهه الله ورسوله» وقوله تعالى:
كُلُّ ذلِكَ كانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً (١) فأكثر ما يستعمل فى المحرم، وقد يستعمل فى كراهة التنزيه. وأما لفظ «أما أنا فلا أفعل» فالمحقق فيه الكراهة، كقوله ﷺ :
«أما أنا فلا آكل متكئا» (٢) وأما لفظ «ما يكون لك»، و «ما يكون لنا» فاطرد استعمالها فى المحرم نحو قوله تعالى:
فَما يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيها (٣) وقوله تعالى: وَما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها (٤) وقوله جل شأنه: ما يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ (٥) وتستفاد الإباحة من لفظ الإحلال ورفع الجناح والإذن والعفو ونحو ذلك.
إذا علم هذا، فمن البدهى على كل من يريد استنباط واستنتاج الأحكام من القرآن أن يعرف هذه الأساليب القرآنية.
فالفعل يكون واجبا أو مندوبا إذا جاء بصيغة دالة على الوجوب
стр. 142
أو الندب، أو إذا ذكر فى القرآن مصحوبا بمدح أو ثناء لفاعله أو اقترن به الجزاء الحسن (١).
ويكون حراما أو مكروها إذا جاء ذكره بصيغة دالة على التحريم أو الكراهة، أو إذا ذكر على وجه الذم والتوبيخ، أو لعن فاعله، أو وصف الفعل بأنه رجس أو أنه سبب للعذاب مثلا.
كما يكون الفعل مباحا إذا جاء بلفظ يدل على ذلك كالإذن ونفى الحرج، أو نفى الجناح كما فى قوله تعالى:
فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ (٢). وقوله:
لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ (٣).
دلالة القرآن على الأحكام:
لا خلاف بين العلماء فى أن نصوص القرآن كلها قطعية الثبوت والورود والنقل عن الرسول ﷺ إلينا، ويترتب على هذا أن أحكامه أيضا قطعية الثبوت، إلا أن دلالته على الأحكام قد تكون قطعية، وقد تكون ظنية، فالنص قطعى الدلالة هو ما دل على معنى متعين فهمه منه، ولا يحتمل تأويلا ولا مجال لفهم غيره منه. ومن أمثلته الآيات التى احتوت على تقادير أو أعداد كقوله تعالى:
وَلَكُمْ نِصْفُ ما تَرَكَ أَزْواجُكُمْ الآية (٤).
فهذا النص يفيد أن نصيب الزوج من ميراث زوجته هو النصف، وذلك عند عدم الولد، وهذه الإفادة قطعية لا تحتمل تأويلا ولا يفهم منها معنى غيره. كما يفيد إفادة قطعية أيضا أن له الربع عند وجود ولد، وأن للزوجة من ميراث زوجها الربع عند عدم الولد والثمن عند وجوده ...
стр. 143
وكذلك الأمر فى قوله تعالى:
الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ (١).
وأما النص ظنى الدلالة فهو الذى يكون محتملا لأكثر من معنى كقوله تعالى: وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ (٢).
فلفظ القرء مشترك فى اللغة بين معنيين هما: الطهر والحيض، ومن هنا اختلف الفقهاء فى عدة المطلقة هل هى ثلاثة أطهار؟ أو ثلاث حيضات؟ وممن ذهب إلى الأول من الصحابة ابن عمر، وزيد بن ثابت، وعائشة رضى الله عنهم، وقد نهج نهجهم من الفقهاء مالك والشافعى وجمهور أهل المدينة. وممن ذهب إلى الثانى من الصحابة على، وعمر، وابن مسعود رضى الله عنهم، ومن الفقهاء أبو حنيفة وسفيان الثورى وغيرهما (٣).
وكذلك الحال فى قوله تعالى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ (٤).
فلفظ الميتة عام، والنص يحتمل الدلالة على تحريم كل ميتة، ويحتمل أن يخصص التحريم بما عدا ميتة البحر. فالنص الذى فيه نص مشترك، أو لفظ عام، أو لفظ مطلق، أو نحو هذا يكون ظنى الدلالة لأنه يدل على معنى ويحتمل الدلالة على غيره.
هذا وقبل أن أنهى الكلام عن الأحكام التى تضمنها القرآن الكريم أقول:
стр. 144
ما هو سبب اختلاف الصحابة تجاه الأحكام المستنبطة من القرآن الكريم؟
والجواب: أن اختلاف الصحابة رضوان الله عليهم فيما استنبط من القرآن الكريم يرجع سببه إلى تفاوتهم فى قوة الذهن والإحاطة بألفاظ اللغة والإلمام بأسباب النزول، وما يتصل بالقصص منه من أخبار السابقين، ومعرفة أشعار العرب وعاداتهم مما يقرب المعانى إلى العقول، ويساعد فى الوصول إلى المقصود (١)، وها أنا ذا أسوق بعون الله وحده عددا من آى الذكر الحكيم المتضمنة أحكاما فقهية وموقف الصحابة منها:
الآية الأولى:
قال تعالى:
وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً (٢).
فهذه الآية الكريمة تفيد بعمومها أن المتوفى عنها زوجها تتربص أربعة أشهر وعشرا سواء كانت حاملا أو غير حامل.
وقوله تعالى: وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ (٣).
عام فى المطلقة والمتوفى عنها زوجها، فأفتى عمر بن الخطاب، وعبد الله ابن مسعود رضى الله عنهما إلى القول بأن النص الثانى مخصص لعموم النص الأول، وهو يفيد أن عدة المتوفى عنها زوجها تكون أربعة أشهر وعشرا، إذا لم تكن حاملا، فإن كانت حاملا تكون عدتها بوضع الحمل عملا بآية سورة الطلاق. وأفتى على بن أبى طالب، وابن عباس رضى الله عنهم بأن عدتها أبعد الأجلين وهما: وضع الحمل وتربص أربعة أشهر
стр. 145
وعشرا، وعليه فإن وضعت حملها قبل أربعة أشهر وعشرة أيام تربصت بقيتها، وإن انقضت الأربعة أشهر والعشرة أيام ولم تضع حملها تربصت حتى تضع حملها (١).
الآية الثانية:
قال تعالى:
وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ (٢).
فالخطاب فى هذه الآية للمسلمين من غير خلاف، وقد ذهب بعض الصحابة كعبد الرحمن بن عوف، ومن نهج نهجه رضى الله عنهم، إلى القول بأن هذه الآية الكريمة يستفاد منها أن الأرض المغنومة كالمنقولات المغنومة فى التقسيم بين الفاتحين.
وذهب عثمان وعلى وطلحة وابن عمر إلى رأى عمر رضى الله عنهم، وهو أن الأرض المغنومة لا تقسم كما تقسم المنقولات المغنومة، وإنما تكون ملكا للدولة ينتفع بها جميع المسلمين. وربما يقول قائل هل ترك عمر برأيه المذكور العمل بآية الغنيمة؟
والجواب: لا، لأنه فهم رضى الله عنه أن الأمر بالغنائم فى سورة الأنفال لإمام المسلمين أن يضعها حسب ما تقتضيه المصلحة العامة للمسلمين، فالإمام مخير فى الغنيمة بين أن يقسمها أو يتركها، إن قسمها فأمامه فى ذلك قوله تعالى: وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ ... الآية.
وإن تركها فحجته فى الترك قوله تعالى:
стр. 146
وَما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكابٍ وَلكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١).
فهذه الآية عامة فى القرى كلها، ثم قال تعالى بعد هذه الآية:
ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِياءِ مِنْكُمْ وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ* لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ* وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ* وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا إِنَّكَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (١).
فقد شرح الله صدر سيدنا عمر رضى الله عنه إلى أن يفهم أن الآية الأخيرة: وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ عامة لمن جاء من بعدهم.
قال أبو يوسف ﵀ (٢):
« ... والذى رأى عمر رضى الله عنه من الامتناع من قسمة الأرضين بين من افتتحها عند ما عرفه الله ما كان فى كتابه من بيان ذلك توفيقا من الله، كان له فيما صنع وفيه كانت الخيرة لجميع المسلمين».
стр. 147
الآية الثالثة:
قال تعالى:
وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبائِي إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ (١) فالصديق رضى الله عنه أخذ من هذه الآية أن الجد مثل الأب فى الميراث، حيث إنه أطلق عليه أب فى الآية فأنزل فى الميراث منزلته.
وذهب غيره إلى خلاف ذلك حيث إن إطلاق الأب على الجد ليس إطلاقا حقيقيّا وإنّما هو إطلاق مجازى، وعلى فرض التسليم بأنه حقيقة لا يلزم من الإطلاق اللغوى استحقاق الإرث (٢).
الآية الرابعة:
قال تعالى:
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ فسيدنا عمر رضى الله عنه (٣)، ومن نهج نهجه كعمر بن عبد العزيز، وسفيان الثورى والحنفية رضى الله عن الجميع، ذهبوا إلى القول بأن المطلقة ثلاثا تجب لها النفقة والسكنى، مستدلين على الأول بقوله تعالى: فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ (٤) وهذا فى الحامل وبالإجماع فى الرجعية على أنها تجب لها النفقة، وعلى الثانى بقوله تعالى: أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ (٤) وحين وجد عمر رضى الله عنه تعارضا بين قوله تعالى:
стр. 148
لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وبين ما روته فاطمة بنت قيس رضى الله عنها، عن النبى ﷺ فى المطلقة ثلاثا: «ليس لها سكنى ولا نفقة» (١) قال رضى الله عنه: لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا ﷺ بقول امرأة لا ندرى أصدقت أم كذبت حفظت أم نسيت.
وذهب ابن عباس والحسن وعطاء والشعبى وأحمد فى إحدى الروايات والقاسم والإمامية وإسحاق وأصحابه، وداود وكافة أهل الحديث إلى القول بأن المطلقة ثلاثا ليس لها نفقة ولا سكنى مستدلين بهذا الحديث.
وذهب بعض العلماء إلى القول بأن لها النفقة دون السكنى، لقوله تعالى: وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (٢) ولأنها حبست بسببه كالرجعية، ولا يجب لها السكنى لأن قوله تعالى:
أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ يدلّ على أن ذلك حيث يكون الزوج وهو يقتضى الاختلاط، ولا يكون ذلك إلا فى حق الرجعية والله أعلم.
стр. 149
الفصل الرابع فى طرق استخراج الأحكام من القرآن الطرق المعنوية: الطرق اللفظية:
من المعلوم أن الدلالة قسمان:
١ - نصوص القرآن والسنة التى يقوم عليها كل استنباط فى الشريعة الإسلامية.
٢ - غير نصوص.
والأدلة التى لا تعتبر نصوصا كالقياس- مثلا- هى فى الحقيقة مستنبطة ومستنتجة من النصوص. والواجب على الفقيه أن يعرف جيدا طرق الاستنباط والاستنتاج من النصوص.
وطرق الاستنباط هذه نوعان:
(أ) طرق معنوية.
(ب) وطرق لفظية.
فالطرق المعنوية عبارة عن الاستدلال من غير النصوص مثل القياس والاستحسان والمصالح ونحوها.
أما الطرق اللفظية فتقوم أساسا على تعرف معانى ألفاظ النصوص وما تدل عليه من حيث العموم أو الخصوص وطريق الدلالة أهي بالمنطوق
стр. 150
أم بالمفهوم، والقيود التى اشتملت عليها العبارات ثم ما يفهم من الألفاظ أهو بالعبارة أم هو بالإشارة ونحو ذلك.
وقد وضع الأصوليون المناهج لذلك كاملة حين تحدثوا عن المباحث اللفظية حيث إن النصوص الإسلامية نصوص عربية، ومن ثم كان لزاما لفهمها واستنباط الأحكام منها أن يكون المستنبط على علم باللسان العربى مدركا لدقائق مرامى العبارات فيه، وطرق الأداء من تعبير بالحقيقة أحيانا وبالمجاز أحيانا أخرى، ومدى الدلالة فى كل طريق من طرق الأداء لأن هذه المعرفة لها مداها فى فهم النصوص وتبين الأحكام منها.
ومن هنا اتجه الأصوليون إلى وضع قواعد لفهم النصوص واستنباط الأحكام التكليفية فيها واعتمدوا فى ذلك على أمرين:
أحدهما: المدلولات اللغوية والفهم العربى لهذه النصوص بالنسبة للقرآن والسنة.
والثانى: ما نهجه الرسول ﷺ فى بيان أحكام القرآن الكريم. على العموم قسم علماء الأصول اللفظ بالنسبة للمعنى وعلاقته به إلى أربعة أقسام سأذكرها بعون الله بالتفصيل بعد أنّ أذكر مسألة مهمة يحتاج إليها كل باحث فى النصوص. هذه المسألة خاصة باللفظ وواضعه وما وضع له إلى غير ذلك.
قال إمام الحرمين الجوينى ﵀ (١):
«اعلم أن معظم الكلام فى الأصول يتعلق بالألفاظ والمعانى. أما المعانى فستأتى فى كتاب القياس إن شاء الله تعالى، وأما الألفاظ فلا بد من الاعتناء بها فإن الشريعة عربية ولن يستكمل المرء خلال
стр. 151
الاستقلال بالنظر فى الشرع ما لم يكن ريانا من النحو واللغة، ولكن لما كان هذا النوع فنّا مجموعا ينتحى (١) ويقصد لم يكثر منه الأصوليون مع مسيس الحاجة إليه،
وأحالوا مظان الحاجة على ذلك الفن واعتنوا فى فنهم بما أغفله أئمة العربية، واشتد اعتناؤهم بذكر ما اجتمع فيه إغفال أئمة اللسان وظهور مقصد الشرع، وهذا كالكلام على الأوامر والنواهى والعموم والخصوص وقضايا الاستثناء وما يتصل بهذه الأبواب ولا يذكرون ما ينصه أهل اللسان إلا على قدر الحاجة الماسة التى لا عدول عنها».
وجدير بالذكر التنبيه على أننى طرقت باب الكلام عن الوضع وما يتصل به نظرا لأن الاستدلال بالقرآن والذى هو الكعبة المقصودة فى هذا الكتاب يتوقف على معرفة اللغة وما يتصل بها فأقول وبالله التوفيق:
اللغة: عبارة عن اللفظ (٢) الموضوع بإزاء المعنى ليعبر الناس به عن أغراضهم.
وأما الوضع: فهو تخصيص (٣) شىء بشيء بحيث إذا علم الأول علم الثانى وقد قال العلماء إن الوضع يتعلق به ستة أشياء هى:
الأول: سبب الوضع:
يلاحظ أن الله خلق الإنسان غير مستقل بمصالح معاشه، محتاجا إلى مشاركة غيره من أبناء جنسه، وذلك لاحتياجه إلى الغذاء واللباس والمسكن وغير ذلك. وظاهر أن الواحد لا يتمكن من تعلم هذه الأشياء فضلا من استعمالها، لأن كل واحد منها موقوف على صنائع شتى، ومن ثم كان لا بدّ من جمع عظيم ليتعاون معهم.
الناس للناس من بدو وحاضرة ... بعض لبعض وإن لم يشعروا خدم
стр. 152
وذلك لا يتم إلا بأن يعرفه ما فى نفسه فاحتيج إلى وضع شىء يحصل به التعريف.
الثانى: الموضوع:
تقدم أن الشخص محتاج إلى أن يعرف الغير ما فى نفسه، وجدير بالذكر التنبيه على أن هذا التعريف يكون بواحد من ثلاثة هى:
(أ) اللفظ.
(ب) الإشارة.
(ج) المثال.
ولما كان اللفظ أعم الثلاثة وأنفعها كانت الحاجة ماسة إلى وضعه للتعريف به.
قال الشيخ تاج الدين السبكى ﵀ (١):
«ومن لطف الله تعالى إحداث الموضوعات، لأنها أفيد هذه الثلاثة وأيسرها. أما كونها أفيد فلأنها تعم كل شىء معلوم موجود ومعدوم إلى غير ذلك لإمكان وضع اللفظ بإزاء ما أريد من تلك المعانى، بخلاف الإشارة فإنها مخصوصة بالموجودات المحسوسة وبخلاف المثال، وهو أن نجعل لما فى الضمير شكلا فإنه أيضا كذلك لا يعسر بل يتعذر أن يجعل لكل شىء مثال يطابقه، وأما كونها أيسر فلأنها موافقة للأمر الطبيعى لأن الحروف كيفيات تعرض للنفس الضرورى، ولا شك فى أن الموافق للأمر الطبيعى أسهل من غيره».
ومعنى هذا الكلام أن تعريف الشخص الآخرين ما يجول بخاطره لا يكون إلا بطريق من أصوات مقطعة أو حركات مخصوصة- مثلا- فجعلت الأصوات المقطعة هى الطريق إلى التعريف لأنها أسهل من غيرها، وأقل مؤنة، ولكون إخراج النفس أمرا ضروريا صرف هذا الأمر
стр. 153
الضرورى إلى هذا التعريف، ولم يتكلف له طريق آخر غير ضرورية.
أضف إلى ذلك أن الحركات والإشارات قاصرة عن إفادة جميع ما يراد، فإن ما يراد تعريفه إذ لا تمكن الإشارة الحسية إليه كالمعدومات حيث إن الإشارة تكون فى الموجود المحسوس، ولا تكون فى الغائب ولا فى المعدوم.
كذلك الأمر بالنسبة للمثال الذى هو الجرم (١) الموضوع على شكل الشيء ليكون دالا عليه. فإنه يتأتى فى الأمور المحسوسة دون المعقولة.
الثالث: الموضوع له:
معلوم أن الوضع للشيء فرع عن تصوره، ومن هنا كان لا بدّ من استحضار صورة الإنسان- مثلا- فى الذهن عند إرادة الوضع له، وهذه الصورة الذهنية هى التى وضع لها لفظ الإنسان لا الماهية الخارجية، والدليل على ذلك أنا وجدنا إطلاق اللفظ دائرا مع المعانى الذهنية دون الخارجية.
وبيان ذلك أننا لو شاهدنا شيئا فظنناه حجرا، فإننا نطلق عليه لفظ الحجر، فإذا دنونا منه وظنناه شجرا أطلقنا عليه حينئذ لفظ الشجر ثم إذا ظنناه إنسانا أطلقنا عليه بالتالى لفظ إنسان. وعلى هذا فالمعنى الخارجى لم يتغير مع تغيير اللفظ فدل على أن الوضع ليس له بل للذهنى (٢).
والظاهر- والله أعلم- أن الموضوع له هو المعنى بقطع النظر عن كونه ذهنيّا أو خارجيّا وذلك لأن حصول المعنى فى الخارج والذهن مع الأوصاف الزائدة على المعنى واللفظ، إنما وضع للمعنى من غير تقييده بوصف زائد، ثم إن الموضوع له قد لا يوجد إلا فى الذهن فقط كالعلم (٣) ونحوه.
стр. 154
الرابع: فائدة الوضع:
الغرض من وضع اللفظ بإزاء المعنى هو إفادة النسب الإسنادية أو التقييدية، أو الإضافية بين المفردات بعضها إلى بعض، وإفادة المعانى المركبة بالنسبة للمركبات، فمثلا لفظ «زيد» وضع ليستفاد به الإخبار عن مدلوله بالقيام أو غيره ولم يوضع لإفادة الذات. ولو قلنا: إن الغرض من وضع الألفاظ المفردة تصوّر هذه المعانى المفردة للزم الدور، حيث إن إفادة اللفظ لمعناه يتوقف على العلم بأن هذا اللفظ موضوع لهذا المعنى، والعلم بأن هذا اللفظ موضوع لهذا المعنى يتوقف على تصور هذا المعنى، لأنه لا يتصور الوضع لشىء مجهول، ومن هنا يعلم أن تصور المعنى متقدم على العلم بالوضع، فلو قلنا: إن تصور المعنى مستفاد من الوضع لزم من ذلك أن يكون تصور المعنى متأخرا عن العلم بالوضع، وقد فرضناه متقدما عليه، وبذلك تكون النتيجة أن تصور المعنى متقدم على العلم بالوضع متأخر عنه وهو دور.
فإن قيل: هذا بعينه قائم فى المركبات، لأن المركب لا يفيد مدلوله إلا عند العلم لكونه موضوعا لذلك المدلول والعلم به يستدعى سبق العلم بذلك المدلول، فلو استفدنا العلم بذلك المدلول من ذلك المركب لزم الدور، لأن تصور المعنى المركب متقدم عن الوضع متأخر عنه.
والجواب: لا نسلم أن إفادة المركب لمدلوله متوقفة على العلم بكونه موضوعا له، بل على العلم بكون الألفاظ المفردة موضوعة للمعانى المفردة، وعلى كون الحركات المخصوصة كالرفع والنصب دالة على المعانى المخصوصة وحينئذ فلا دور (١).
стр. 155
الخامس: الواضع للغات:
اختلف (١) العلماء فى الواضع للألفاظ واللغات على أقوال أهمها ما يلى:
القول الأول: أن الواضع للغات هو الله ، وقد علمها جل شأنه لآدم ﵇، ثم علمها ﵇ للبشر.
وهذا القول منسوب للإمام أبى الحسن الأشعرى واختاره ابن الحاجب والإمام فى المحصول فى الكلام على القياس فى اللغات، وقال الآمدى: (٢) إن كان المطلوب هو اليقين فالحق ما قاله القاضى- كما سيأتى- وإن كان المطلوب هو الظن وهو الحق فالحق ما قاله الأشعرى لظهور أدلته.
قال الشيخ الجلال المحلى ﵀ وهو يبين كيفية تعليم الله عباده اللغة (٣):
« ... علمها الله عباده بالوحى إلى بعض أنبيائه أو خلق الأصوات فى بعض الأجسام، بأن تدل من يسمعها من بعض العباد عليها، أو خلق العلم الضرورى فى بعض العباد بها والظاهر من هذه الاحتمالات أولها لأنه المعتاد فى تعليم الله تعالى»
стр. 156
فأصحاب هذا القول يرون أن اللغات توقيفية (١). وقد استدلوا على ما ذهبوا إليه بما يلى:
أولا: قال تعالى:
وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ* قالُوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا (٢)
وجه الاستدلال:
إن الله أخبر بأنه علم آدم الأسماء كلها، وأن آدم ﵇ علم الملائكة تلك الأسماء، ومقتضى هذا أن كلا من آدم والملائكة لم يكن واضعا لها، وإلا لما احتاج
إلى أن يتعلمها من غيره، فدل ذلك على أن الواضع هو الله الذى علمها- كما أخبر- لآدم ﵇ وهو المطلوب.
وقد قال بعض العلماء (٣): إن «علّم» معناه أوجد فيه العلم لأن التعليم تفعيل وهو لإثبات الأثر بالنقل عن أئمة اللغة، فيكون لإثبات العلم فى آدم ويلزم من ذلك التوقيف وذلك لأن الأسماء بأسرها توقيفية وذلك لعدم القائل بالفصل، ولأنه يتعذر الإعراب عن جميع المعانى التى فى النفس بالأسماء وحدها.
أضف إلى ذلك أن الاسم مشتق من السمة، وهى العلامة والأفعال والحروف علامة على مسمياتها فلزم من ذلك دخولهما تحت قوله تعالى:
стр. 157
وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها
وقد نوقش هذا الدليل بما يلى:
١ - لا نسلم أن الأسماء فى الآية هى اللغات، بل يجوز أن يكون المراد بها سمات الأشياء وخصائصها، كتعليم أن الخيل- مثلا- تصلح للكرّ (١) والفرّ، والجمال للحمل، والثيران للزراعة وهكذا. فأما تعليم الخواص فواضح، وأما تعليم السمات أى العلامات فتقريره من وجهين:
الوجه الأول: أن هذه الأشياء علامات دالة على تلك الحيوانات، فإنه يعرف بمشاهدة الحرث- مثلا كونه من البقر، فإذا علمه هذه الأشياء فقد علمه سمة على الذوات أى علامة عليها.
الوجه الثانى: أن الله تعالى علّم آدم علامات ما يصلح للكر والفر، وعلامات ما يصلح للحمل وغير ذلك، حتى إذا شاهد صفة ما يصلح للحمل فى ذات استعملها فى الحمل.
٢ - يحتمل أن يكون المراد بالتعليم فى الآية هو الإلهام كما فى قوله تعالى: وَعَلَّمْناهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ (٢).
أو تعليم ما سبق وضعه من خلق آخر.
٣ - سلمنا أن الله وضع اللغات وعلمها آدم ﵇، ولكن يجوز أن يكون آدم ﵇ قد نسى ما علمه من الله فاصطلح أولاده على لغة يتعارفون بها، وبذلك تكون اللغات
стр. 158
التى تتكلم بها الآن من وضع البشر لا من وضع الله، والخلاف بما هو فى اللغات التى نتكلم بها الآن لا فى أصل اللغة (١) ثانيا: قال تعالى:
إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ (٢).
وجه الاستدلال:
أن الله ذم قوما على تسميتهم بعض الأشياء من دون توقيف بقوله:
إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ فلو لم تكن اللغة توقيفية لما صح هذا الذم. وقد نوقش هذا الدليل بأن الذم فى الآية ليس على التسمية، وإنما الذم على وضعهم هذه الأشياء بأنها آلهة، فالذم على ما اخترعوه من الأسماء للأصنام فوجه الذم مخالفة ذلك لما شرعه الله .
ثالثا: قال تعالى:
وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوانِكُمْ (٣)
وجه الاستدلال:
أن الله امتن علينا فى هذه الآية باختلاف الألسنة، وجعله آية على عظمته وقدرته، وظاهر أنه ليس المراد باللسان هو الجارحة
стр. 159
اتفاقا، لأن الاختلاف فيها قليل، ثم إنه غير ظاهر بخلاف الوجه ونحوه، فتعين أن يكون المراد باللسان هو اللغة مجازا كما فى قوله تعالى:
وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ (١).
وعلى هذا فلو لم تكن اللغة توقيفية لما امتن الله علينا بها.
ونوقش هذا الدليل: بأن الألسنة ما دام قد أريد بها اللغات مجازا، فلا شك أن الآية كما تحتمل الامتنان بالخلق والوضع، تحتمل كذلك أن يكون الامتنان بخلق القدرة على وضعها من البشر، وكلا الأمرين علامة وآية على قدرة الله ، وما دام لا قرينة ترجح أحد الاحتمالين على الآخر، يكون حملها على الخلق والوضع دون الإقدار على الخلق والوضع تحكما وترجيحا بلا مرجح (٢).
رابعا: أن الاصطلاح إنما يكون بأن يعرف كل واحد منهم صاحبه ما فى ضميره، وذلك لا يعرف إلا بطريق كالألفاظ والكتابة، وكيفما كان فإن ذلك الطريق إما الاصطلاح ويلزم التسلسل أو التوقف وهو المطلوب.
ونوقش هذا الدليل: يمنع لزوم التسلسل لأن المراد وضع الواضع هذا الاسم لهذا المسمى، ثم تعريف غيره بأنه وضعه كذلك، وليس المراد أن الاصطلاح لا يكفى فى التعريف باعتبار ذاته، بل لا بدّ فى تعريفه للغير من اصطلاح آخر حتى يلزم التسلسل.
خامسا: لو كانت اللغات من وضع البشر لجور العقل اختلافها، وأنها على غير ما كانت عليه، لأن اللغات قد تبدّلت وتغيّرت وحينئذ لا يوثق بها.
стр. 160
وقد نوقش هذا الدليل: بأن تجويز الاختلاف خلاف الظاهر فالأصل عدمه.
القول الثانى: أن الواضع للغات هو البشر.
وهذا القول للمعتزلة (١).
قال الشيخ جلال الدين المحلى ﵀ (٢):
«وقال أكثر المعتزلة هى اصطلاحية أى وضعها البشر واحدا فأكثر حصل عرفانها لغيره منه بالإشارة والقرينة كالطفل، إذ يعرف لغة أبويه بهما».
وقد استدلوا على ما ذهبوا إليه بما يلى:
قال تعالى: وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ
وجه الدلالة:
أن معنى قوله: بِلِسانِ قَوْمِهِ أى بلغة قومه، وهذا يقتضى تقدم اللغة على بعثة الرسل. فلو كانت اللغة توقيفية لم يتصور ذلك إلا بالإرسال فيلزم الدور، لأن الآية تدل على سبق اللغات للإرسال والتوقيف يدل على سبق الإرسال لها (٣).
وأجيب عن هذا: بأن كون التوقيف لا يكون إلا بالإرسال، إنما يوجب سبق الإرسال على التوقيف لا سبق الإرسال على اللغات حتى يلزم الدور، لأن الإرسال لتعليمها إنما يكون بعد وجودها معلومة للرسول عادة لترتب فائدة الإرسال عليه.
стр. 161
القول الثالث: أن ابتداء اللغة رفع بالاصطلاح والباقى توقيف.
وهذا القول (١) منسوب إلى أبى إسحاق الأسفرائيني ﵀.
وتتلخص وجهة أصحاب هذا القول فى أن فهم ما جاء توقيفا لا يكون إلا بعد تقدم الاصطلاح والمواضعة.
ويجاب عن ذلك: بأن التعليم بواسطة رسول أو بإلهام يغنى عن ذلك.
القول الرابع: الوقف وعدم الجزم برأى معين لأنه يحتمل أن تكون الجميع توقيفية، وأن تكون اصطلاحية، وأن يكون البعض هكذا والبعض هكذا، فإن جميع ذلك ممكن والأدلة متعارضة فوجب التوقف، وهذا هو مذهب القاضى أبى بكر وجمهور المحققين وهو المختار (٢).
السادس: طريق معرفة اللغة:
الحق أنه يمكن معرفة أن اللفظ المعين موضوع للمعنى بواحد من أمور ثلاثة:
١ - النقل المتواتر كلفظ السماء والأرض، والحر والبرد، ونحو ذلك مما لا يقبل التشكيك وهذا الطريق يفيد القطع (٣).
٢ - النقل بطريق الآحاد كلفظ «القرء» ونحوه من الألفاظ العربية وهذا الطريق يفيد الظن وهو كاف فى إثبات اللغة.
٣ - النقل مع العقل كما إذا نقل إلينا أن الجمع المعرف يدخله الاستثناء، ونقل إلينا أن الاستثناء إخراج ما يتناوله اللفظ فيحكم العقل بواسطة هاتين المتقدمتين أن الجمع المعرف للعموم.
стр. 162
وأما العقل الصّرف (١) - بكسر الصاد- فلا ينفع فى معرفة اللغات، لأن العقل إنما يستقل بوجوب الواجبات وجواز الجائزات واستحالة المستحيلات، وأما وقوع أحد الجائزين فلا يهتدى إليه واللغات من هذا القبيل لأنها متوقفة على الوضع.
هذا: وبعد أن انتهيت من الكلام عن الوضع وما يتصل به فإن المقام يقتضى منى أن أسبح فى موائد الكرم التى وضعها علماء الأصول للحديث عن اللفظ، وما يتعلق به على حسب ما تقتضيه طبيعة الكتابة فى موضوع القرآن الكريم فأقول وبالله التوفيق:
стр. 163
الباب الثالث فى مباحث الألفاظ
وفيه فصول الفصل الأول: فى أقسام اللفظ باعتبار المعنى الذى وضع له.
الفصل الثانى: فى اللفظ باعتبار المعنى الذى استعمل فيه.
الفصل الثالث: فى اللفظ باعتبار ظهور معناه وخفائه.
الفصل الرابع: فى كيفية دلالة اللفظ على المعنى.
стр. 164
الفصل الأول فى أقسام اللفظ باعتبار المعنى الذى وضع له وفيه مباحث
المبحث الأول: فى العام.
المبحث الثانى: فى الجمع المنكر.
المبحث الثالث: فى الخاص.
المبحث الرابع: فى الأمر والنهى.
المبحث الخامس: فى المطلق والمقيد.
المبحث السادس: فى المشترك.
стр. 165
المبحث الأول فى العام
عرف العلماء العام بتعاريف كثيرة ليس من الحكمة بحثها ولا الموازنة بينها لأن ذلك مخالف لطبيعة البحث والذى أختاره من هذه التعاريف ما ذكره الإمام البيضاوى رحم الله حيث قال (١):
«العام: لفظ يستغرق جميع ما يصلح له بوضع واحد» (٢). وذلك كقوله تعالى: إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ (٣) فالإنسان عام أى يدل على استغراق أفراد مفهوم فإذا حلل (٤) اللفظ آل (٥) إلى جميع أفراد ذلك المفهوم الذى وضع له لفظ إنسان، ولما كان هذا اللفظ مفردا معرفا بأل الجنسية أفاد العموم (٦). فاللفظ ما تركب من
стр. 166
بعض الحروف الهجائية وهو جنس فى التعريف يشمل كل لفظ مفردا كان أو مركبا مهملا أو مستعملا مستغرقا أو غيره مستغرق.
وقوله: «يستغرق» الاستغراق معناه: التناول لما وضع له اللفظ (١)، وهو قيد فى التعريف، خرج به اللفظ المهمل (٢)، لأن الاستغراق فرع الوضع والمهمل غير موضوع، وخرج به أيضا المطلق والنكرة فى سياق الإثبات، أما المطلق فلأنه لم يوضع للأفراد، وإنما وضع للماهية فلا يكون مستغرقا لها (٣).
стр. 167
وأما النكرة فلأنها، وإن وضعت للفرد الشائع سواء كان واحدا كما فى النكرة المفردة «رجل» أو متعددا كما فى النكرة المثناة أو المجموعة «رجلين ورجال» إلا أن النكرة لم تستغرق ما وضعت له بمعنى أنها لم تتناوله دفعة واحدة وإنما تناولته على سبيل البدل فإذا قيل: أكرم رجلا كان معناه حقق الإكرام فى أى رجل شئت: فى خالد أو فى بكر، مثلا ولا يقتضى ذلك تحقيق الإكرام فى خالد وبكر فى وقت واحد، لأن اللفظ لم يدل على ذلك وهكذا.
وقوله: «جميع ما يصلح له» الذى يصلح له اللفظ هو ما وضع له اللفظ لغة، وعلى ذلك فالمعنى الذى لم يوضع له اللفظ لا يكون صالحا له.
فكلمة «من» لفظ وضع للعاقل وكلمة «ما» وضعت لغير العاقل فيلزم من ذلك أن يكون لفظ «من» صالحا للعاقل غير صالح لغيره ويكون لفظ «ما» صالحا لغير العاقل فقط. فإذا استعمل لفظ «من» فى العاقل ولفظ «ما» فى غير العاقل صدق على كل منهما أنه عام لأنه استغرق الصالح له، وعدم صلاحية كل منها لغير ما وضع له لا يخرجه عن كونه عامّا فيما وضع له، وبهذا ظهر أن هذا القيد قصد به تحقيق معنى العموم كما قصد به الاحتراز عن اللفظ الذى استعمل فى بعض ما يصلح له كقوله تعالى: الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ (١) فإن الناس الأولى مراد بها نعيم بن مسعود الأشجعى (٢) فقط. فمثل هذا لا يكون عامّا لأنه لم يستغرق جميع ما يصلح له بل استعمل فى بعض ما يصلح له.
стр. 168
قال الفارسى (١): ومما يقوى أن المراد به واحد فقط قوله تعالى:
إِنَّما ذلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ (٢) فوقعت الإشارة بقوله: ذلِكُمُ إلى واحد بعينه ولو كان المعنى جمعا لقال: إنما أولئكم الشيطان. فهذه دلالة ظاهرة فى اللفظ (٣).
وقوله: «بوضع واحد» إما أن يكون متعلقا بقوله: «يصلح له» ويكون المعنى أن استغراق اللفظ لما يصلح له إنما يكون بواسطة وضع واحد لا بواسطة أوضاع متعددة، وأما أن يكون حالا من «ما» ويكون المعنى أن العام هو اللفظ المستغرق لجميع ما يصلح له حال كون المعنى الذى يصلح له اللفظ قد ثبت بوضع واحد.
وخرج بهذا القيد المشترك (٤) اللفظى إذا استعمل فى معاينة المتعددة، وذلك كاستعمال العين- مثلا- فى الباصرة والجارية والذهب، فإنه لا يكون عامّا لأن استغراقه لهذه المعانى دفعة واحدة ليس بوضع واحد، وإنما هو بأوضاع متعددة (٥).
أنواع العام:
للعام ثلاثة أنواع هى:
١ - عام يراد به العموم وهو العام الذى صحبته قرينة تنفى احتمال تخصيصه كالعام فى قوله تعالى:
وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها (٦)
стр. 169
وقوله تعالى: وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ (١) فيلاحظ أن فى كل آية من هاتين الآيتين تقرير سنة إلهية عامة لا تتخصص ولا تتبدل ولا تتغير، فالعام فيهما قطعى الدلالة على عمومه، ولا يتصور أن يراد به الخصوص.
٢ - عام يراد به قطعا الخصوص وهو العام الذى صحبته قرينة تنفى بقاءه على عمومه وتبين لنا أن المراد منه بعض أفراده. ومن أمثلة هذا النوع قوله تعالى:
أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ (٢) فالمراد من الناس فى الآية هو رسول الله ﷺ لجمعه ما فى الناس من الخصال الحميدة (٣).
وقوله تعالى:
فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى (٤) فالمراد من الملائكة هنا جبريل ﵇ كما فى قراءة ابن مسعود رضى الله عنه (٥).
٣ - عام مخصوص وهو العام المطلق الذى لم تصحبه قرينة تنفى احتمال تخصيصه، ولا قرينة تنفى دلالته على العموم كقوله تعالى:
وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ (٦)
стр. 170
فهذا النص عام فى كل مطلقة سواء كانت حاملا أو غير حامل، وسواء كان الطلاق قبل الدخول أو بعده، ولكن هذا العموم خص بقوله تعالى:
وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ (١) وبقوله جل شأنه:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَما لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها (٢) وبتخصيص الآية الأولى بهاتين الآيتين يستفاد أن المطلقة تعتد بثلاثة قروء إذا لم تكن حاملا، وبشرط أن تكون مدخولا بها.
على العموم المخصص للعام نوعان:
(أ) متصل.
(ب) منفصل.
فالمتصل خمسة وقعت فى القرآن الكريم هى:
١ - الاستثناء: وذلك نحو قوله تعالى:
وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ* إِلَّا الَّذِينَ تابُوا (٣) وقد اتفق العلماء على أن الاستثناء هنا راجع إلى قوله:
وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ ولم يرجع إلى الجلد لأنه لا بدّ من إقامة الحد على القاذف،
стр. 171
والخلاف كله بين العلماء مداره على رجوع الاستثناء على الجملة الأخيرة فقط، أو على ما قبلها كذلك. عند أصحاب الشافعى رضى الله عنهم الاستثناء يرجع إلى جميع الجمل المتعاقبة بالواو، وعند أصحاب أبى حنيفة رضى الله عنهم، الاستثناء يرجع إلى الجملة الأخيرة فقط، وعليه فلا تقبل له شهادة أبدا لاختصاص الاستثناء بالجملة (١) الأخيرة.
٢ - الشرط: كقوله تعالى:
وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ فَكاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً (٢) وقوله: لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا إِذا مَا اتَّقَوْا (٣) أى إذا ما تركوا ما نهى الله عنه (٤).
٣ - الصفة: كقوله تعالى:
وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ الْمُؤْمِناتِ فَمِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ (٥)
стр. 172
٤ - الغاية: كقوله تعالى:
وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ (١) وقوله: وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (٢) ٥ - بدل البعض من الكل كقوله جل شأنه:
وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا (٣) وأما المنفصل فقد يكون آية أخرى فى موضع آخر، وقد يكون حديثا أو إجماعا أو قياسا.
مثال الأول: قوله تعالى:
وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ وقد تقدم قريبا الكلام حول هذه الآية.
ومثال الثانى: قوله تعالى:
وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما (٤) فإن النص عام فى كل سارق، سواء كان المسروق نصابا أولا، ولكن هذا العموم خص بقوله ﷺ : «لا تقطع يد سارق إلا فى ربع دينار فصاعدا» (٥) ومن أمثلة ما خص بالإجماع: آية المواريث خص منها الرقيق فلا يرث بالإجماع (٦).
ومن أمثلة ما خص بالقياس: قوله تعالى:
стр. 173
الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ (١) فالنص عام فى كل زان سواء كان حرّا أو عبدا، ولكن خص منه العبد بالقياس على الأمة المنصوص عليها فى قوله جل شأنه:
فَإِذا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ مِنَ الْعَذابِ (٢) هذا وجدير بالذكر التنبيه على أن هناك فارقا بين العام المراد به الخصوص، والعام المخصوص ويظهر هذا الفارق جليّا كما يلى:
أولا: أن الأول لم يرد شموله لجميع الأفراد، لا من جهة تناول اللفظ، ولا من جهة الحكم، بل هو ذو أفراد استعمل فى فرد منها والثانى: أريد عمومه وشموله لجميع الأفراد من جهة تناول اللفظ لها لا من جهة الحكم.
ثانيا: أن الأول مجاز قطعا لنقل اللفظ عن موضوعه الأصلى، بخلاف الثانى فإن فيه مذاهب: أصحها أنه حقيقة وعليه أكثر الشافعية وكثير من الحنفية وجميع الحنابلة.
ثالثا: أن الأول يصح أن يراد به واحد اتفاقا وفى الثانى خلاف (٣).
دلالة العام:
ذهب جمهور الأصوليين إلى أن دلالة العام على جميع أفراده ظنية لأن أكثر ما ورد من ألفاظ العموم أريد به بعض الأفراد لا جميعها.
стр. 174
وذهب جمهور الحنفية إلى أن دلالة العام على كل أفراده قطعية ما لم يدل دليل على خروج بعضها منه لأنه موضوع للدلالة على أفراده على سبيل الشمول والاستغراق، واحتمال خروج بعض أفراده منه من غير دليل لا يؤبه (١) له وإلا ضاعت الثقة باللغة.
قال الشيخ علاء الدين البخارى ﵀ (٢):
«العام عندنا يوجب الحكم فيما تناوله أى فى جميع الأفراد الداخلة تحته قطعا ويقينا»، وإذا دل دليل على خروج بعضها منه فإنه يكون ظنيّا فى الباقى كذلك عند جمهور الأصوليين، لأن دلالته على جميع أفراده ما دامت ظنية لا يؤثر فيها خروج شىء من أفراده معينا كان الخارج أو غير معين، أما عند الحنفية ففي المسألة تفصيل يقتضى بيان ما يكون به قصر العام على بعض أفراده، فإن من أنواع القاصر ما لا يؤثر فى حجية العام فتبقى دلالته على الباقى قطعية، ومنها ما يؤثر فيها فيجعل دلالته على الباقى ظنية (٣).
على العموم ليس بين الجمهور والحنفية اختلاف جوهرى من الناحية العملية وذلك لأنه لا خلاف بينهم فى أن العام يجب العمل بعمومه حتى يقوم دليل على تخصيصه، ولا فى أن العام يحتمل أن يخصص بدليل، وأن تخصيصه بغير دليل تأويل غير مقبول. والقائلون بأن العام الذى لم يقم دليل على تخصيصه قطعى الدلالة على العموم ما أرادوا بكونه قطعى الدلالة، أنه لا يحتمل التخصيص مطلقا، وإنما أرادوا أنه لا يخصص إلا بدليل، والقائلون بأنه ظنى الدلالة على العموم ما أرادوا أنه يخصص مطلقا، وإنما أرادوا أنه يخصص بدليل (٤).
стр. 175
هذا وقبل أن أنهى الكلام عن العام أذكر بإيجاز من باب الفائدة مسائل متعلقة به ذكرها العلماء قديما وتناولوها بالشرح والبيان:
المسألة الأولى: اختلف العلماء فى لفظ «من» وهو من صيغ العموم هل يتناول الأنثى؟ أو هو خاص بالذكر؟
ذهب الإمام الشافعى رضى الله عنه ومن نهج نهجه إلى القول بأن «من» إذا وقعت شرطا عمت الذكور والإناث وذلك لإشعارها بالعموم عند الإبهام فى باب الشرط، واتفاق الشرع والوضع على القضاء بذلك، قال تعالى: وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى (١) فالتفسير بها دال على تناول «من» لهما، وقال سبحانه:
وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صالِحاً (٢).
ومن قال: «من أتانى أكرمته» لم يختص وجوب إكرامه بالذكور دون الإناث، وكذلك من قال: «من دخل دارى من أرقائى فهو حر» اندرج فى حكم التعليق الذكور والإناث (٣).
وذهب السادة الحنفية إلى أنها تخص الذكور دون الإناث، وقالوا:
بأن من ذهب إلى القول بأنها تشمل الذكور والإناث فقد أبطل تقسيم العرب فيهما، فإنهم قالوا فى الذكور: من ومنان ومنون وفى الإناث:
منه ومنتان ومنان.
قال الشيخ الزنجانى ﵀ تعقيبا على كلام الحنفية (٤):
«غير أن هذا ضعيف فإنه من شواذ اللغة والقانون الأصلى فى بابها
стр. 176
التعميم كما ذكرنا، ويتفرع عن هذا الأصل أن المرتدة تقتل عند الشافعى رضى الله عنه تمسكا بقوله ﷺ : «من بدل دينه فاقتلوه» (١) وعندهم- أى الحنفية- لا تقتل لقصور اللفظ عن تناولها» المسألة الثانية: الأصح فى الأصول أن الخطاب ب يا أَيُّهَا النَّاسُ يشمل الكافر والعبد وذلك لعموم اللفظ، وقيل: لا يعم الكافر بناء على عدم تكليفه بالفروع، ولا العبد لصرف منافعه إلى سيده شرعا (٢).
المسألة الثالثة: اختلف العلماء فى العام إذا سبق للمدح كقوله تعالى: إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ (٣) أو الذم كقوله تعالى: وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (٣) هل هو باق على عمومه؟ على مذاهب:
الأول: نعم حيث إنه لا تنافى ولا تضاد بين العموم وبين المدح أو الذم، ولم يوجد صارف يصرفه عن عمومه، وهو لأكثر الحنفية والمالكية والحنابلة (٤).
الثانى: لا يبقى على عمومه، لأنه لم يسق للتعميم وإنما سيق للمدح
стр. 177
أو الذم وهو للإمام الشافعى ﵀ (١). وبناء على عدم إفادته العموم منع بعض الشافعية الاستدلال بقوله تعالى:
وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ* يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها فِي نارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوى بِها جِباهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هذا ما كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ (٢) على وجوب الزكاة فى الحلى من الذهب والفضة، لا من اللؤلؤ وغيره بأن هذا العام وقع فى معرض الذم فلا عموم له فيجوز ألا يتناول الحكم الحلى.
والثالث: التفصيل فيعم إذا لم يعارضه عام آخر لم يسق لذلك، ولا يعم إن عارضه ذلك. وهذا المذهب عبر الشيخ جلال الدين السيوطى عنه بالأصح (٣).
مثال العام الذى يفيد العموم حيث لا معارض قوله تعالى:
إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ* وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ ومثاله مع المعارض قوله تعالى:
وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ* إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٤) فهذا النص سيق للمدح وظاهره يعم الأختين بملك اليمين جمعا، وعارضه فى ذلك قوله تعالى: وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ (٥)
стр. 178
فهو عام فى كل أختين ولم يسق للمدح، وإنما سيق بعد ذكر المحرمات إلحاقا لمحرمات تعم الحرائر والإماء. ومن هنا حمل العلماء النص الأول المسوق للمدح على غير
ذلك بأن لم يرد تناوله له.
ومثاله فى الذم قوله تعالى:
وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ ...
الآيتان فواضح أنه مسوق للذم، وظاهره يعم الحلى المباح لكن عارضه قوله ﷺ : «لا زكاة فى الحلى» (١) فحمل الأول على غير ذلك.
المسألة الرابعة: اختلفت العلماء فى الخطاب ب يا أَيُّهَا النَّاسُ هل يشمل الرسول ﷺ ؟ على ثلاثة مذاهب هى:
المذهب الأول: وهو أصحها (٢) وعليه الأكثرون نعم لعموم الصيغة له.
والثانى: لا يشمل الرسول ﷺ لأنه ورد على لسانه لتبليغ غيره ولماله من الخصائص.
والثالث: إن اقترن الخطاب بكلمة «قل» لم يشمله ﷺ لظهوره فى التبليغ وذلك قرينة عدم شموله والا فيشمله.
المسألة الخامسة: اختلف فى الخطاب الخاص به ﷺ كقوله تعالى:
стр. 179
يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ (١) وقوله: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ (٢) هل يشمل الأمة؟ فقيل نعم لأن أمر القدوة أمر لأتباعه معه عرفا. والأصح فى الأصول المنع لاختصاص الصيغة به (٣).
стр. 180
المبحث الثانى فى الجمع المنكر
هو لفظ يتناول كثيرا من الأفراد ولا يستغرق جميع ما يصلح له.
مثاله: قال تعالى: يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ* رِجالٌ (١) فلفظ رجال يتناول كثيرا من الأفراد إلا أنه لا يستغرق جميع ما يصلح له.
قال الشوكانى ﵀ (٢):
« ... ولا يخفاك ضعف ما استدل به هؤلاء القائلون بأنه «الجمع المنكر» للعموم فإن دعوى عموم رجال لكل رجل مكابرة لما هو معلوم من اللغة ومعاندة لما يعرفه كل عارف بها».
وكذلك لفظ مَقاعِدَ فى قوله تعالى: وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ (٣) وقد ذهب جمهور المحققين إلى أن الجمع المنكر ليس بعام وذلك لعدم استغراقه جميع ما يصلح له، فهو لا يتبادر منه عند إطلاقه الاستغراق لأفراد مفهومه، ولو كان للعموم لتبادر منه ذلك وعليه فليس الجمع المنكر عاما.
أضف إلى ذلك: أن لفظ رجال يمكن نعته بأىّ جمع شئنا فيقال:
رجال ثلاثة وأربعة وخمسة، فمفهوم قولك: رجال يمكن أن يجعل مورد التقسيم لهذه الأقسام، والمورد للتقسيم بالأقسام يكون مغايرا لكل واحد