التعميم كما ذكرنا، ويتفرع عن هذا الأصل أن المرتدة تقتل عند الشافعى رضى الله عنه تمسكا بقوله ﷺ : «من بدل دينه فاقتلوه» (١) وعندهم- أى الحنفية- لا تقتل لقصور اللفظ عن تناولها» المسألة الثانية: الأصح فى الأصول أن الخطاب ب يا أَيُّهَا النَّاسُ يشمل الكافر والعبد وذلك لعموم اللفظ، وقيل: لا يعم الكافر بناء على عدم تكليفه بالفروع، ولا العبد لصرف منافعه إلى سيده شرعا (٢).
المسألة الثالثة: اختلف العلماء فى العام إذا سبق للمدح كقوله تعالى: إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ (٣) أو الذم كقوله تعالى: وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (٣) هل هو باق على عمومه؟ على مذاهب:
الأول: نعم حيث إنه لا تنافى ولا تضاد بين العموم وبين المدح أو الذم، ولم يوجد صارف يصرفه عن عمومه، وهو لأكثر الحنفية والمالكية والحنابلة (٤).
الثانى: لا يبقى على عمومه، لأنه لم يسق للتعميم وإنما سيق للمدح
стр. 177
أو الذم وهو للإمام الشافعى ﵀ (١). وبناء على عدم إفادته العموم منع بعض الشافعية الاستدلال بقوله تعالى:
وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ* يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها فِي نارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوى بِها جِباهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هذا ما كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ (٢) على وجوب الزكاة فى الحلى من الذهب والفضة، لا من اللؤلؤ وغيره بأن هذا العام وقع فى معرض الذم فلا عموم له فيجوز ألا يتناول الحكم الحلى.
والثالث: التفصيل فيعم إذا لم يعارضه عام آخر لم يسق لذلك، ولا يعم إن عارضه ذلك. وهذا المذهب عبر الشيخ جلال الدين السيوطى عنه بالأصح (٣).
مثال العام الذى يفيد العموم حيث لا معارض قوله تعالى:
إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ* وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ ومثاله مع المعارض قوله تعالى:
وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ* إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٤) فهذا النص سيق للمدح وظاهره يعم الأختين بملك اليمين جمعا، وعارضه فى ذلك قوله تعالى: وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ (٥)
стр. 178
فهو عام فى كل أختين ولم يسق للمدح، وإنما سيق بعد ذكر المحرمات إلحاقا لمحرمات تعم الحرائر والإماء. ومن هنا حمل العلماء النص الأول المسوق للمدح على غير
ذلك بأن لم يرد تناوله له.
ومثاله فى الذم قوله تعالى:
وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ ...
الآيتان فواضح أنه مسوق للذم، وظاهره يعم الحلى المباح لكن عارضه قوله ﷺ : «لا زكاة فى الحلى» (١) فحمل الأول على غير ذلك.
المسألة الرابعة: اختلفت العلماء فى الخطاب ب يا أَيُّهَا النَّاسُ هل يشمل الرسول ﷺ ؟ على ثلاثة مذاهب هى:
المذهب الأول: وهو أصحها (٢) وعليه الأكثرون نعم لعموم الصيغة له.
والثانى: لا يشمل الرسول ﷺ لأنه ورد على لسانه لتبليغ غيره ولماله من الخصائص.
والثالث: إن اقترن الخطاب بكلمة «قل» لم يشمله ﷺ لظهوره فى التبليغ وذلك قرينة عدم شموله والا فيشمله.
المسألة الخامسة: اختلف فى الخطاب الخاص به ﷺ كقوله تعالى:
стр. 179
يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ (١) وقوله: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ (٢) هل يشمل الأمة؟ فقيل نعم لأن أمر القدوة أمر لأتباعه معه عرفا. والأصح فى الأصول المنع لاختصاص الصيغة به (٣).
стр. 180
المبحث الثانى فى الجمع المنكر
هو لفظ يتناول كثيرا من الأفراد ولا يستغرق جميع ما يصلح له.
مثاله: قال تعالى: يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ* رِجالٌ (١) فلفظ رجال يتناول كثيرا من الأفراد إلا أنه لا يستغرق جميع ما يصلح له.
قال الشوكانى ﵀ (٢):
« ... ولا يخفاك ضعف ما استدل به هؤلاء القائلون بأنه «الجمع المنكر» للعموم فإن دعوى عموم رجال لكل رجل مكابرة لما هو معلوم من اللغة ومعاندة لما يعرفه كل عارف بها».
وكذلك لفظ مَقاعِدَ فى قوله تعالى: وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ (٣) وقد ذهب جمهور المحققين إلى أن الجمع المنكر ليس بعام وذلك لعدم استغراقه جميع ما يصلح له، فهو لا يتبادر منه عند إطلاقه الاستغراق لأفراد مفهومه، ولو كان للعموم لتبادر منه ذلك وعليه فليس الجمع المنكر عاما.
أضف إلى ذلك: أن لفظ رجال يمكن نعته بأىّ جمع شئنا فيقال:
رجال ثلاثة وأربعة وخمسة، فمفهوم قولك: رجال يمكن أن يجعل مورد التقسيم لهذه الأقسام، والمورد للتقسيم بالأقسام يكون مغايرا لكل واحد
стр. 181
من هذه الأقسام، فلا يكون دالا عليها، وأما الثلاثة فهى مما لا بدّ فيه فيثبت أنه يفيد الثلاث فقط.
وإذا كان الجمع المنكر ليس عامّا فهو كذلك ليس خاصا وذلك لتناوله كثيرا غير محصور من الأفراد، وعليه فيكون واسطة بين العام والخاص، ويكون حجة قطعية فى أقل الجمع دون ما فوقه، اللهم إلا إن وقع فى سياق النفى فيكون حينئذ عامّا كقوله تعالى:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلى أَهْلِها (١) فلفظ بيوت فى الآية مستغرق جميع ما يصلح له لوقوعه فى سياق النفى وعليه فيفيد العموم.
وقد ذهب بعض العلماء إلى القول بأن الجمع المنكر يفيد العموم مطلقا وذلك بناء على تفسير العام بما يتناول كثيرا من الأفراد، سواء كان مستغرقا أو غير مستغرق. والراجح ما ذهب إليه الجمهور لما ذكر.
стр. 182
المبحث الثالث فى الخاص
عرف العلماء الخاص بأنه: اللفظ الدال على مسمى واحد (١).
أنواع الخاص:
للخاص ثلاثة أنواع هى:
١ - خاص شخصى كأسماء الأعلام مثل: خالد وبكر.
٢ - خاص نوعى مثل: رجل وامرأة وفرس.
٣ - خاص جنسى مثل: إنسان.
وإنما كان النوعى والجنسى من الخاص، لأن المنظور إليه فى الخاص هو تناول اللفظ لمعنى واحد من حيث إنه واحد بغضّ النظر عن كونه له أفراد فى الخارج، أو ليس له أفراد، ولا شك أن الخاص النوعى مثل «رجل» موضوع لمعنى واحد وهو الذكر الذى تجاوز حد الصغر، وكون هذا المعنى له أفراد فى الخارج لا يهم.
وكذلك الخاص الجنسى مثل «إنسان» موضوع لمعنى واحد أى حقيقة واحدة وهى الحيوان الناطق، وكون هذه الحقيقة الواحدة لها أنواع فى الخارج لا يؤثر لأنها غير منظور إليها (٢).
حكم الخاص:
واضح أن الخاص بين فى نفسه فلا إجمال فيه، ومن ثم فهو يدل على معناه الموضوع له، دلالة قطعية أى بدون احتمال ناشئ عن
стр. 183
دليل، ويثبت الحكم لمدلوله على سبيل القطع لا الظن، وذلك كقوله تعالى: فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ (١).
فالحكم المستفاد من هذا النص هو وجوب صيام ثلاثة أيام، لأن لفظ الثلاثة (٢) من ألفاظ الخاص فيدل على معناه قطعا، ولا يحتمل زيادة ولا نقصا. ومثله أيضا أنصبة الورثة الواردة فى القرآن فكلها قطعية لأنها من الخاص.
стр. 184
المبحث الرابع فى الأمر والنهى
الأمر (١):
الأمر صورة من صور الخاص وقد عرفه العلماء بأنه: قول يستدعى به الفعل ممن هو دونه (٢).
وقال الشيخ شرف الدين العمريطي ﵀ (٣):
وحده استدعاء فعل واجب ... بالقول ممن كان دون الطالب
بصيغة أفعل فالوجوب حققا ... حيث القرينة انتفت وأطلقا
صيغة الأمر (٤): للأمر صيغة موضوعة فى اللغة تقتضى الفعل، وهى قوله: «افعل» أو «لتفعل» أو ما يجرى مجراهما، كالجمل الخبرية المستعملة فى الإنشاء كقوله تعالى:
وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ (٥) وقالت الأشعرية ليست للأمر صيغة، وهو خلاف الصواب، وذلك لأن أهل اللسان قسموا الكلام وذكروا من أقسامه الطلب، وقالوا إنه يتناول الأمر والنهى والدعاء (٦) فالأمر كقولك: «افعل» والنهى
стр. 185
كقولك: «لا تفعل» فجعلوا لفظ «افعل» بمجرده أمرا فدل على أن له صيغة.
ما وضعت له صيغة الأمر:
وردت هذه الصيغة مستعملة فى الطلب على وجوه عدة، أوصلها بعضهم إلى ستة عشر وجها (١) هى:
١ - الإيجاب: كقوله تعالى: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ (٢) ٢ - الندب: كقوله تعالى: فَكاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً (٣) ٣ - الإرشاد: كقوله تعالى: وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ (٤) ٤ - الإباحة: كقوله تعالى: وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا (٥) ٥ - التهديد: كقوله تعالى: اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ (٦) ٦ - التعجيز: كقوله تعالى: فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ (٧) ٧ - الإنذار: كقوله تعالى: قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ (٨) ٨ - الامتنان: كقوله تعالى: كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ (٩) ٩ - الإكرام: كقوله تعالى: ادْخُلُوها بِسَلامٍ آمِنِينَ (١٠)
стр. 186
١٠ - التسخير: كقوله تعالى: كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ (١) ١١ - الإهانة: كقوله تعالى: ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (٢) ١٢ - التسوية: كقوله تعالى: فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا (٣) ١٣ - الدعاء: كقوله تعالى: رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً (٤) ١٤ - التمنى: كقول امرئ القيس (٥):
ألا أيّها اللّيل الطّويل ألا انجلى ... بصبح وما الإصباح منك بأمثل
وإنما اعتبر الشاعر هنا متمنيا لا مترجيا، لأن الترجى يكون فى الممكنات، والتمنى فى المستحيلات، وليل المحب لطوله كأنه مستحيل الانجلاء.
١٥ - التكوين كقوله تعالى كُنْ فَيَكُونُ (٦) ١٦ - الخبر: كقوله ﷺ : «إذا لم تستح فاصنع ما شئت» (٧) أى صنعت ما شئت وقيل المعنى إذا لم تستح من شىء لكونه جائزا فاصنعه إذ الحرام يستحيا منه، بخلاف الجائز وعليه فيكون الأمر باقيا على معناه وقد يستعمل الخبر فى الأمر كقوله تعالى:
وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ (٨)
стр. 187
فالمعنى ليرضعن، وقد يستعمل فى النهى كقوله ﷺ :
«لا تنكح المرأة المرأة ولا المرأة نفسها» (١) فالحديث ورد بصيغة الخبر، لأن الحاء وردت مضمومة فاقتضى ذلك أن «لا» نافية وليست ناهية ونتيجة لاستعمال الصيغة فى الوجوه السابقة اختلف العلماء فيما وضعت له، وذلك بعد اتفاقهم على أنها ليست حقيقة فى جميع المعانى المذكورة:
فذهب جمهور العلماء إلى أنها للوجوب (٢) حقيقة ولا تدل على غيره إلا بقرينة لكن هل تدل على الوجوب بوضع اللغة أم بالشرع؟ فيه مذهبان: وهناك قول ثالث يفيد أنها تدل على الوجوب بالعقل (٣).
وقيل: إنها مشترك لفظى بين والندب فقط.
وقيل: إنها مشترك معنوى بينهما والمعنى المشترك طلب الفعل.
وقيل: إنها مشترك لفظى بين الإيجاب والندب والإباحة.
وقيل: إنها مشترك معنوى بين هذه الثلاثة، والمعنى المشترك بينها هو الإذن فى الفعل.
وقيل: إنها مشترك لفظى بين جميع المعانى التى استعملت فيها فيتوقف فهم المراد منها على القرائن.
وقيل: إنها حقيقة فى الإباحة فقط.
وقيل: إنها حقيقة فى الندب فقط.
وقيل: غير ذلك (٤).
والراجح ما ذهب إليه الجمهور لما يلى:
أولا: لما أمر الله الملائكة بالسجود لآدم فسجدوا إلا إبليس
стр. 188
لامه الله وذمه على عدم امتثال الأمر، وطرده من دار الكرامة والنعيم، وهذا يدل على أن الأمر بالسجود كان للوجوب قال تعالى:
إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ* فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ* فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ* إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ* قالَ يا إِبْلِيسُ ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعالِينَ* قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ* قالَ فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ* وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلى يَوْمِ الدِّينِ (١) ثانيا: أن الله توعد بالعذاب من يخالف أمره أو أمر رسوله ﷺ ، قال تعالى:
وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ ناراً خالِداً فِيها وَلَهُ عَذابٌ مُهِينٌ (٢) ثالثا: أنه تعالى حذّر من مخالفة رسوله ﷺ فقال:
فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٣) وهذا يدل على أن الأمر يفيد الوجوب، والمتأمل فى أوامر الوجوب فى القرآن يجدها مقترنة بالوعد على الفعل والوعيد على الترك.
النهى:
هو القول الطالب للترك على جهة الاستعلاء (٤).
стр. 189
وقال الشيخ العمريطي ﵀ (١):
تعريفه استدعاء ترك قد وجب ... بالقول ممن كان دون من طلب
صيغة النهى: صيغة النهى المشهورة «لا تفعل» كقوله تعالى:
وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى (٢) وكقوله جل شأنه:
وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ (٣) وكذا ما يجرى مجراها كالجمل الخبرية المستعملة فى النهى، كقوله تعالى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ وَبَناتُكُمْ (٤) الآية، وكقوله: وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (٥) وقد يأتى النهى باستعمال صيغة الأمر الدالة على النهى مثل قوله تعالى:
وَذَرُوا ظاهِرَ الْإِثْمِ وَباطِنَهُ (٦)
ما وضعت له صيغة النهى:
وردت صيغة النهى فى لسان العرب لسبعة (٧) معان هى:
١ - التحريم كقوله تعالى: لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا أَضْعافاً مُضاعَفَةً (٨) ٢ - الكراهة أو التنزيه: كقوله ﷺ : «لا يمسكن أحدكم ذكره بيمينه وهو يبول» (٩).
стр. 190
٣ - الدعاء: كقوله تعالى: رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا (١) ٤ - الإشارة: كقوله تعالى: لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ (٢) ٥ - بيان العاقبة: كقوله تعالى: وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً (٣) ٦ - التحقير: كقوله تعالى: لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ (٤) ٧ - اليأس: كقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ (٥) ولما كانت صيغة النهى مستعملة فى المعانى السبعة المتقدمة اختلف العلماء فيما تفيده الصيغة حقيقة من هذه المعانى على خمسة أقوال هى:
القول الأول: الصيغة حقيقة فى التحريم مجاز فيما عداه، وهذا قول الجمهور.
القول الثانى: أنها حقيقة فى الكراهة مجاز فيما عداها.
القول الثالث: أنها مشترك معنوى بين التحريم والكراهة فهى موضوعة للقدر المشترك بينهما وهو طلب الترك.
стр. 191
القول الرابع: أنها مشترك لفظى بين التحريم والكراهة، فهى موضوعة لكل منها بوضع مستقل.
القول الخامس: التوقف وعدم الجزم برأى معين.
والراجح من هذه الأقوال ما ذهب إليه الجمهور من أنها حقيقة فى التحريم فقط، ولا تستعمل فى غيره إلا بقرينة، ومن أكبر الأدلة على ذلك أن الله أمرنا بالانتهاء عما نهانا عنه الرسول ﷺ قال تعالى: وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا (١) ولا شك أن الأمر من الله لنا يفيد الوجوب فكان الانتهاء عما نهى عنه ﷺ واجبا، ومعلوم أن مخالفة الواجب توجب المعصية والإثم فيكون فعل المنهى عنه حراما وبذلك يكون النهى للتحريم.
стр. 192
المبحث الخامس فى المطلق والمقيد فى القرآن
يلاحظ أن مما يعرض للخاص الإطلاق والتقييد، وسأتكلم إن شاء الله عن مدلولها وحكمها فأقول:
أولا: مدلول المطلق والمقيد.
يلاحظ أن الأصوليين لم يتفقوا على مدلول واحد لكل من المطلق والمقيد، وذلك لسبب جلى هو: هو يعتبر المطلق فردا من أفراد النكرة أو لا؟
فالذين ذهبوا إلى أنه فرد من أفراد النكرة كالآمدى وابن الحاجب عرفوه بأنه: «ما دل على شائع فى أفراد جنسه» (١).
ومعنى هذا أن يكون حصة محتملة، لحصص كثيرة فيخرج من قيد الدلالة الألفاظ المهملة، ويخرج من قيد الشيوع المعارف كلها لما فيها من التعيين، إما شخصا نحو: زيد وهذا، أو حقيقة نحو: الرجل أو استغراقا نحو الرجال: وكذا كل عام ولو نكرة نحو: كل رجل ولا رجل، فالعلم وما مدلوله معين أو مستغرق يخرج عن التعريف.
وعلى هذا فالمقيد هو: ما دل لا على شائع فى جنسه، وعليه فتدخل فى هذا التعريف المعارف والعمومات كلها. والذين ذهبوا إلى أن المطلق يباين النكرة ويغايرها كالبيضاوى حيث إن النكرة عندهم:
ما دل على شائع فى جنسه، سواء كان الشائع واحدا كرجل، أو مثنى
стр. 193
كرجلين، أو جمعا كرجال عرفوا المطلق بأنه: «ما دل على الحقيقة من غير تقييد».
والمراد من الحقيقة ماهية الشيء التى بها يتحقق الشيء ويوجد، فالإنسان حقيقته الحيوان الناطق، والفرس حقيقة الحيوان الصاهل، لأن الإنسان يتحقق بالحيوانية والناطقية، والفرس يتحقق بالحيوانية والصاهلية، ومثال المطلق قولنا: «الرجل خير من المرأة» أى حقيقة الرجل خير من حقيقة المرأة. فالمراد من كل منهما الحقيقة دون الأفراد، لأن من أفراد النساء ما هو خير من بعض أفراد الرجال (١).
وعلى هذا فالمقيد عندهم هو ما دل على الماهية مع قيد زائد مثل:
رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ ولعل الراجح تعريف الآمدى ومن نهج نهجه حيث إن علماء الأصول مثلوا للمطلق بالنكرة، وهذا يدل على عدم الفرق بينهما عندهم.
ثانيا: حكم المطلق والمقيد:
إن ورد اللفظ مطلقا فى نص غير مقيد حمل على إطلاقه، وإن ورد مقيدا لا مطلق له حمل على تقييده، أما إن ورد مطلقا فى موضع مقيدا فى موضع آخر فذلك على أقسام:
القسم الأول: أن يكون كل من المطلق والمقيد مختلفا.
مثاله: قال تعالى:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ (٢) وقال سبحانه:
وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما (٢)
стр. 194
فكلمة (الأيدى) فى الآية الأولى وردت مقيدة إلى المرافق، فى حين وردت مطلقة فى الآية الثانية. والمتأمل فى الآيتين يجد أن الحكم فى كل منهما مختلف ومغاير للآخر، فهو فى الآية الأولى «وجوب غسل الأيدى» وفى الثانية «قطع يد السارق والسارقة».
كما يجد سبب الحكم فى كليهما مختلف أيضا، فهو فى الآية الأولى الحدث مع إدارة الصلاة، وفى الثانية السرقة وقد قال العلماء (١): إن المطلق فى هذه الحالة لا يحمل على المقيد، بل يعمل بالمطلق على إطلاقه كما يعمل بالمقيد على تقييده، سواء كانا مأمورين أو منهيين أو مختلفين، وسواء اتحد السبب أو اختلف كما ذكر الآمدى (٢). إذا لا صلة ولا ارتباط أصلا بين موضوعى النصين.
غير أن بعض الكاتبين كالقرافى ﵀ ذهب إلى القول بحمل المطلق على القيد فى حالة اختلاف الحكم ما دام السبب واحدا، ومثّل لما اتحد سببها بقوله تعالى فى آية الوضوء: فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ وقوله تعالى فى آية التيمم:
فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ (٣) فاليد فى الوضوء مقيدة بقوله: إِلَى الْمَرافِقِ ولكنها فى التيمم مطلقة، مع أن السبب واحد وهو الحدث والحكم مختلف فيها، لأن الحكم فى الوضوء وجوب الغسل وفى التيمم وجوب المسح، وبذلك تحمل اليد فى التيمم على اليد إلى المرافق حملا للمطلق على المقيد (٤).
стр. 195
القسم الثانى: أن يكون حكمها واحدا وسببها واحدا.
مثاله: قال تعالى: إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ (١) الآية وقال جل شأنه:
قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ (٢) الآية.
فلفظ (الدم) الوارد فى الآية الأولى مطلق، ومقتضى هذا الإطلاق أن الدم حرام كله سواء كان مسفوحا (٣) أو غير مسفوح. فى حين أن ورد لفظ (الدم) فى الآية الثانية مقيدا بكونه مسفوحا، ولا شك أن الحكم فى الآيتين واحد هو حرمة تناول الدم، كما أن سبب الحكم فى الآيتين واحد أيضا وهو الضرر الناتج والناشئ عن تناول الدم، وقد اتفق أهل الفقه والعلم على أن الدم حرام نجس، لا يؤكل ولا ينتفع به، وأن الدم الذى يسيل من الحيوان عند تذكيته حرام، وكذلك الدم الذى يسيل من الحيوان الحىّ قليله وكثيره حرام.
ولما كان الحكم واحدا فى الآيتين، وكذا السبب حمل العلماء المطلق على المقيد، ومن ثم يكون المراد من الدم المحرم تناوله هو الدم المسفوح فقط دون غيره. وإنما أجمع العلماء على حمل المطلق على المقيد هنا وقصروا التحريم على الدم المسفوح، لأن ما خلط اللحم غير محرم بإجماع وإلا لترتب على ذلك إصر ومشقة فى الدين، والله تعالى يقول:
وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ (٤)
стр. 196
وكذلك حلال بنص الحديث الكبد والطحال وكلاهما دم.
القسم الثالث: أن يكون حكم المطلق والمقيد واحدا، ولكن سبب الحكم فيهما مختلف.
مثاله: قال تعالى فى كفارة القتل الخطأ:
وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ (١) وقال فى كفارة الظهار:
وَالَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْ نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا (٢) فيلاحظ أن الحكم فى هاتين الآيتين واحد، وهو وجوب عتق رقبة، والسبب مختلف، لأن سبب المقيد القتل الخطأ وسبب المطلق هو الظهار، وقد اختلف العلماء فى هذه الحالة على مذاهب ثلاثة:
المذهب الأول: وهو لبعض الشافعية: يحمل المطلق على المقيد، ويكون اللفظ دالا على أن المطلق مراد به المقيد، لأن كلام الله تعالى متحد فى ذاته، فهو كالكلمة الواحدة، فإذا نص على اشتراط الإيمان فى كفارة القتل كان ذلك تنصيصا على اشتراطه فى كفارة الظهار (٣).
غير أن الآمدى ضعّف هذا المذهب بقوله:
وهذا مما لا اتجاه له، فإن كلام الله تعالى إما أن يراد به المعنى القائم بالنفس أو العبارات الدالة عليه، والأول وإن كان واحدا لا تعدد فيه غير أن تعلقه بالمتعلقات (٤) مختلف باختلاف المتعلق ولا يلزم من تعلقه بأحد
стр. 197
المختلفين بالإطلاق والتقييد، أو العموم والخصوص، أو غير ذلك أن يكون متعلقا بالآخر، وإلا كان أمره ونهيه ببعض المختلفات أمرا ونهيا بباقى المختلفات، وهو محال، بل كان يلزم من تعلقه بالصوم المقيد فى الحج بالتفريق حيث قال تعالى: فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ (١) وبالتتابع فى الظهار حيث قال سبحانه: فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ (٢) أن يتقيد المطلق فى اليمين، إما بالتتابع أو التفريق، وهو محال أو بأحدها دون الآخر، ولا أولوية. كيف وإنه يلزم من تقييده بأحدهما دون الآخر إبطال ما ذكروه من أن التنصيص على أحد المختلفين يكون تنصيصا على الآخر.
وإن أريد به العبارة الدالة فهى متعددة غير متحدة، ولا يلزم من دلالة بعضها على بعض الأشياء المختلفة دلالته على غيره وإلا لزم من ذلك المحال الذى قدمنا لزومه فى الكلام النفسانى (٣) أه.
المذهب الثانى: وهو لجمهور الحنفية: ولا يحمل المطلق على المقيد
стр. 198
لا باللفظ ولا بالقياس، حيث إن حمل المطلق على المقيد فيه رفع لحكم (١) المطلق، وذلك نسخ له، والنسخ لا يثبت بالقياس ويرون إيجاب العمل بكل من النصين، فيجوز عندهم إعتاق الرقبة الكافرة فى كفارة الظهار، لأن النص ورد مطلقا فيها ولا يصح عندهم إعتاق الرقبة الكافرة فى كفارة القتل، بل لا بدّ من كونها مؤمنة عملا بالنص المقيد الوارد فيها، ولا تعارض عندهم بين النصين.
أضف إلى ذلك: أن حمل المطلق على المقيد يقتضى اتحاد التاريخ فى النّزول، ليكون المقيد تفسيرا للمطلق، والآيات التى وردت مطلقة يختلف زمان نزولها عن الآيات التى وردت مقيدة، وقد تكون المطلقة أسبق نزولا فكيف تقيد بما يجيء بعد وجودها؟
المذهب الثالث: وهو الأظهر من مذهب الشافعى كما قاله الآمدى وصححه: أنه إن وجد جامع بين المطلق والمقيد حمل المطلق على المقيد بالقياس كالمثال المذكور، لأن بين المطلق والمقيد جامعا وهو أن كلا منهما فيه عتق للرقبة التى قصد الشارع حريتها وحثّ على ذلك. وهذا إنما تتحقق فائدته فى الرقبة المؤمنة دون الكافرة، فكان المقصود من المطلق المقيد لهذا السبب، ويكون ذلك تخصيصا والتخصيص بالقياس جائز.
وإن لم يوجد جامع بين المطلق والمقيد لم يحمل المطلق على المقيد وذلك لعدم وجود الدليل الذى يدل على الحمل فيبقى المطلق على إطلاقه عملا بظاهر اللفظ (٢).
قال الشوكانى ﵀ (٣): قال الرازى فى الحصول وهو القول المعتدل
стр. 199
وقال الشيرازى ﵀ (١): وهو الأصح.
وجاء فى تفسير الفخر الرازى (٢):
قال أبو حنيفة ﵀ هذه الرقبة تجزئ سواء كانت مؤمنة أو كافرة لقوله تعالى: فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فهذا اللفظ يفيد العموم فى جميع الرقاب.
وقال الشافعى ﵀: لا بدّ وأن تكون مؤمنة ودليله وجهان:
الأول: أن المشرك نجس لقوله تعالى: إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ (٣) وكل نجس خبيث بإجماع الأمة، وقال تعالى: وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ (٤) الثانى: أجمعنا على أن الرقبة فى كفارة القتل مقيدة بالإيمان، فكذا هاهنا والجامع أن الإعتاق إنعام فتقييده بالإيمان يقتضى صرف هذا الإنعام إلى أولياء الله، وحرمان أعداء الله، وعدم التقييد بالإيمان، قد يفضى إلى حرمان أولياء الله، فوجب أن يتقيد بالإيمان تحصيلا لهذه المصلحة أ. هـ.
وقال الشيخ شرف الدين (٥) العمريطي ﵀:
ويحمل المطلق مهما وجدا ... على الندى بالوصف منه قيدا
فمطلق التحرير فى الأيمان ... مقيّد فى القتل بالإيمان
فيحمل المطلق فى التحرير ... على الذى قيد فى التكفير
ومن هذا الباب قوله تعالى:
стр. 200
وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ (١) مع قوله جل شأنه: وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ (٢) والناظر فى هاتين الآيتين يجد أن الشهود فى الآية الأولى لم يقيدوا بالعدالة بخلافهم فى الآية الثانية فيحمل المطلق على المقيد، وتكون العدالة شرطا فى الشهادة فى الأموال والحدود والأنكحة، وكل الأقضية التى تبنى على الشهادة (٣).
ومن الأمثلة التى حمل فيها العلماء المطلق على المقيد أيضا: قول الله تعالى: لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ (٤) وقوله سبحانه:
وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌ فَأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٥) فالآية الأولى تفيد أنه بمجرد الاشتراك يحصل الإحباط، فيلقى المشرك ربه فى صحيفته شىء مما عمله قبل الردة. فى حين أن الآية الأخرى قيدت إحباط العمل على الوفاة على ردته، فمجرد الردة لا يحبط عملا وهذا ينافى ما صرحت به الآية الأولى.
ومن ثم ذهب الإمام الشافعى ﵀ إلى القول بوجوب حمل المطلق فى الآيتين على المقيد منها، وعليه فليس كل إشراك محبطا للأعمال إلا إذا استمر مع صاحبه إلى الوفاة.
стр. 201
وإذا كان الإمام الشافعى ﵀ قد ذهب هذا المذهب فإننا نجد الإمام مالكا ﵀ يقول: من ارتد حبط عمله بمجرد الردة فهو يتمسك بالإطلاق الوارد فى الآية الأولى، ويجيب عما ذهب إليه الشافعى ﵀ فيقول:
إن الآية الثانية ليست مقيدة للآية الأولى، لأنها رتب فيها مشروطان وهما الحبوط فى النار على شرطين: وهما الردة، والوفاة على الكفر، وإذا رتب مشروطان على شرطين أمكن التوزيع فيكون الحبوط لمطلق الردة، والخلود لأجل الوفاة على الكفر فيبقى المطلق على إطلاقه (١).
ولعل ما ذهب إليه الشافعية هو الأصح، وقول السادة المالكية إذا رتب مشروطان على شرطين أمكن التوزيع صحيح لكن بشرط أن يصح استقلال كل واحد من المشروطين عن الآخر، أما إذا لم يصح الاستقلال فلا، والمشروطان مما فيه الكلام من الضرب الثانى الذى لا يصح فيه استقلال أحد الشروطين عن الآخر لأنهما سبب ومسبب، والسبب لا يستغنى عن مسببه وبالعكس (٢). ويظهر أثر هذا الخلاف فى المسلم إذا حج ثم ارتد ثم أسلم. فقال مالك ﵀: يلزمه الحج لأن الحج الأول قد حبط بالردة (٣)، وقال الشافعى ﵀: لا إعادة عليه لأن عمله باق (٤). والله أعلم.
قاعدة:
نفى العام يدل على نفى الخاص، وثبوته لا يدل على ثبوته، وثبوت الخاص يدل على ثبوت العام، ونفيه لا يدل على نفيه، ولا شك أن
стр. 202
زيادة المفهوم من اللفظ توجب الالتذاذ به فلذلك كان نفى العام أحسن من نفى الخاص، وإثبات الخاص أحسن من إثبات العام (١).
فالأول: كقوله تعالى:
فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ (٢) لم يقل: ذهب الله بضوئهم. بعد قوله: (أضاءت) وذلك لأن النور أعم من الضوء إذ يقال على القليل والكثير والضوء إنما يقال على النور الكثير. قال تعالى: هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُوراً (٣) ففي الضوء دلالة على النور فهو أخص منه. فعدمه يوجب عدم الضوء بخلاف العكس، والقصد إنما هو إزالة النور عنهم أصلا بدليل قوله تعالى بعد ذلك: وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ ومنه أيضا قوله تعالى: لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ (٤) ولم يقل: ضلال- كما قالوا: إِنَّا لَنَراكَ فِي ضَلالٍ (٥) لأنها أعم منه، فكان أبلغ فى نفى الضلال، وعبّر عن هذا بأن نفى الواحد يلزم منه نفى الجنس البتة، وبأن نفى الأدنى يلزم منه نفى الأعلى.
والثانى: كقوله تعالى:
وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ (٦) لم يقل سبحانه: طولها- لأن العرض أخص إذ كل ما له عرض فله طول ولا ينعكس.
стр. 203
ونظير هذه القاعدة أن نفى المبالغة فى الفعل لا يستلزم نفى أصل الفعل وقد استشكل على هذا آيتان قوله تعالى: وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (١) وقوله: وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا (٢) وأجيب عن الآية الأولى بأجوبة:
أحدها: أن ظلّاما وإن كان للكثرة لكنه جىء به فى مقابلة العبيد الذى هو جمع كثرة ويرشحه أنه تعالى قال:
عَلَّامُ الْغُيُوبِ (٣) فقابل صيغة «فعال» بالجمع، وقال فى آية أخرى:
عالِمَ الْغَيْبِ (٤) فقابل صيغة «فاعل» الدالة على أصل الفعل الواحد.
الثانى: أنه نفى الظلم الكثير لينتفى القليل ضرورة، لأن الذى يظلم إنما يظلم لانتفاعه بالظلم، فإذا ترك الكثير مع زيادة نفعه فلأن يترك القليل أولى.
الثالث: أنه ورد جوابا لمن قال «ظلام» والتكرار إذا ورد جوابا لكلام خاص لم يكن له مفهوم.
الرابع: أن صيغة المبالغة وغيرها فى صفات الله تعالى سواء فى الإثبات. فجرى النفى على ذلك.
الخامس: أنه قصد التعريض بأن ثم ظلاما للعبيد من ولاة الجور.
ويجاب عن الآية الثانية بالأجوبة المتقدمة، وبجواب آخر هو مناسبة رءوس الآى، والله أعلم.
стр. 204
المبحث السادس فى المشترك
عرّف العلماء المشترك فقالوا إنه:
لفظ لمعنيين فأكثر بوضع مستقل (١).
ومن أمثلته: لفظ: «القرء» فهو موضوع للحيض وللطهر، ولفظ:
«العين» موضوع للباصرة ولعين الماء الجارية وللجاسوس، ولفظ:
«المولى» موضوع للسيد والعبد.
أسباب الاشتراك فى اللغة:
يلاحظ أن اللفظ المشترك موجود فى اللغة العربية، ومن ثم فلا وجه إلى إنكاره وجحوده، وقد ذكر العلماء لهذا الوجود فى اللغة أسبابا كثيرة:
١ - أن يكون اللفظ موضوعا فى اللغة لمعنى من المعانى، فى الاصطلاح لمعنى آخر كلفظ الصلاة، فهى فى اللغة الدعاء (٢) وفى الشرع (٣) أقوال وأفعال مفتتحة بالتكبير مختتمة بالتسليم، بشرائط مخصوصة.
فلفظ الصلاة إذا معناه فى اللغة الدعاء ووضع فى الشرع للعبادة المعروفة.
٢ - أن يكون اللفظ حقيقة فى معنى، ثم يشتهر استعماله فى معنى مجازى حتى ينسى أنه معنى مجازى للفظ فينقل إلينا على أنه موضوع للمعنيين الحقيقى والمجازى.
стр. 205
٣ - أن يوضع اللفظ فى قبيلة لمعنى ويوضع فى قبيلة أخرى لمعنى آخر، ثم ينقل إلينا مستعملا فى المعنيين من غير نص على اختلاف الواضع.
٤ - أن يكون اللفظ موضوعا لمعنى مشترك بين المعنيين، فيصح إطلاق اللفظ على كليهما، ثم يغفل الناس عن هذا المعنى المشترك الذى دعا إلى صحة إطلاق اللفظ على كلا المعنيين، فيظنون أن اللفظ من قبيل المشترك اللفظى كلفظ القرء، فإنه فى اللغة يطلق على كل زمان (١) اعتيد فيه- أمر معين ولهذا يقولون للحمى: قرء، أى لها وقت اعتيد ظهورها فيه، وللمرأة قرء، أى وقت اعتيد حيضها أو طهرها فيه (٢).
حكم المشترك:
قال الشيخ ابن عبد الشكور ﵀ (٣):
مسألة (٤): هل وقع المشترك فى القرآن؟ اختلف فيه فقيل: لا، وقيل نعم. قيل: وهل وقع فى الحديث؟ اختلف فيه أيضا والأصح الوقوع فى القرآن بل فى الحديث أيضا أ. هـ.
إذا عرف هذا فإن ورد لفظ مشترك فى القرآن أو السنة ننظر: فإن كان مشتركا بين معنى لغوى ومعنى شرعى، وجب حمله فى هذه الحالة على المعنى الشرعى، لأن الرسول ﷺ بعث لبيان الشرعيات لا اللغويات.
стр. 206
قال الشيخ الإسنوى ﵀ (١):
«إذا تردد اللفظ الصادر من الشارع بين أمور فيحمل أولا على المعنى الشرعى، لأنه ﵊ بعث لبيان الشرعيات، فإن تعذر حمل على الحقيقة العرفية الموجودة فى عهده ﷺ ، لأن التكلم بالمعتاد عرفا أغلب من المراد عند أهل اللغة، فإن تعذر حمل على الحقيقة اللغوية ليعينها بحسب الواقع».
وقد قال بعض العلماء: إن اللفظ عند تردده بين الحقيقة الشرعية والغوية يكون مجملا، أى غير متضح المراد منه، وقال أبو حامد الغزالى ﵀: إن ورد فى الإثبات حمل على المعنى الشرعى كقوله ﵊: «إنى إذن أصوم» (٢) حتى أنه يستدل به على صحة صوم النفل بنية من النهار، وإن ورد فى النهى كان مجملا كنهيه ﷺ عن صوم (٣) يوم النحر، فإنه لو حمل على الشرع دل على صحته لاستحالة النهى عما لا يتصور وقوعه بخلاف ما إذا حمل على اللغوى.
وإن كان مشتركا بين معنيين أو أكثر لغة وجب حمله على معنى واحد منها بدليل يدل على هذا الحمل.
الأمثلة:
١ - قال تعالى: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ (٤)
стр. 207
فلفظ (الصلاة) موضوع فى اللغة للدعاء وفى الشرع مراد به العبادة المعروفة، ومن هنا نحكم بأن المراد بلفظ (الصلاة) المعنى الشرعى لا اللغوى، وذلك لأن الشارع الحكيم لما نقل هذا اللفظ من معناه اللغوى إلى معناه الشرعى الذى استعمله فيه كان اللفظ فى عرف الشرع متعين الدلالة على ما وضعه الشارع له فيجب المصير إليه.
٢ - قال تعالى: الطَّلاقُ مَرَّتانِ (١) فلفظ الطلاق موضوع فى اللغة لحل القيد مطلقا، وموضوع فى الشرع لحل الرابطة الزوجية الصحيحة (٢)، ومن ثم فيجب حمله على المعنى الشرعى لا اللغوى لما سبق.
٣ - قال تعالى: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما (٣) فلفظ «اليد» مشترك بين النزاع، من رءوس الأصابع إلى المنكب، وبين الكف والساعد، من رءوس الأصابع إلى المرفق، وبين الكف، من رءوس الأصابع إلى الرّسغين (٤)، وبين اليمنى واليسرى، وقد استدل جمهور المجتهدين بالسنة العملية على تعيين المراد من اليد فى الآية، وهو المعنى الأخير أى من رءوس الأصابع إلى الرسغين فى اليمنى (٥).
٤ - قال تعالى: وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ (٦)
стр. 208
فالقروء جمع قرء، والقرء فى اللغة يطلق على الطهر وعلى الحيض، وما على المجتهد إلا أن يبذل جهده لمعرفة المراد منه، لأن الشارع ما أراد إلا أحد معنييه، والحق أن العلماء مختلفون فى تبين المراد من القرء على حسب اجتهادهم، ومدى ترجيحهم للقرائن الدالة على أحد المعنيين.
فالأئمة مالك والشافعى وابن عمر وزيد وعائشة رضى الله عنهم ذهبوا إلى القول بأن المراد من القرء هو الطهر لما يلى:
أولا: أن الله أثبت التاء فى العدد «ثلاثة» وهذا على أن المعدود مذكر وهو لا يكون مذكرا إلا إذا كان المراد الطهر.
ثانيا: قال تعالى: فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ (١) والمعنى فطلقوهن فى وقت عدتهن، ومعلوم أن الطلاق فى زمن الحيض منهى عنه، فوجب أن يكون زمان العدة غير زمان الحيض، وفى هذا دليل على أن القرء هو الطهر.
وقد ذهب الأئمة على وعمرو ابن مسعود وأبو حنيفة رضى الله عنهم إلى القول بأن المراد من القرء الحيض لما يلى:
أولا: أننا أجمعنا على أن الاستبراء (٢) فى شراء الجوارى يكون بالحيضة، فكذا العدة تكون بالحيضة، لأن الغرض منها واحد.
ثانيا: أن العدة شرعت لمعرفة براءة الرحم، والذى يدل على براءة الرحم، إنما هو الحيض لا الطهر.
ثالثا: قال ﷺ : «طلاق الأمة تطليقتان وعدتها
стр. 209
حيضتان» (١) ومن المعلوم أن عدة الأمة نصف عدة الحرة، فإذا اعتبرت عدة الأمة بالحيض كانت عدة الحرة كذلك (٢)، وإن كان الشافعية لا يعترفون بصحة نسبة (٣) هذا الخبر إلى النبى ﷺ .
فالمسألة محتملة كما ترى المهم لا يصح أن يراد باللفظ المشترك معنيان أو أكثر من معانيه معا، بحيث يكون الحكم الذى ورد فى النص متعلقا فى وقت واحد بأكثر من معنى، لأن اللفظ ما أراد به الشارع إلا معنى واحدا من معانيه، ووضعه لمعان متعددة، إنما هو على سبيل البدل أى أنه إما أن يدل على هذا أو ذاك، فأما دلالته على هذا وذاك فى وقت واحد فهو تحميل اللفظ ما لا يدل عليه لا بطريق الحقيقة ولا بطريق المجاز، فلا يصح أن يراد بالقرء فى الآية المتقدمة الطهر والحيض معا، بحيث إن المطلقة إن شاءت تربصت ثلاثة أطهار، وإن شاءت تربصت ثلاث حيضات، لأن اللفظ لا يدل على هذا بأى طريق من طرق الدلالة.
стр. 210
الفصل الثانى فى اللفظ باعتبار المعنى الذى استعمل فيه وفيه مبحثان
المبحث الأول: فى الحقيقة والمجاز المبحث الثانى: فى الصريح والكناية
стр. 211
المبحث الأول فى الحقيقة والمجاز
ينقسم اللفظ باعتبار استعماله فى المعنى إلى قسمين هما:
(أ) حقيقة. (ب) مجاز.
وينقسم كل منهما إلى قسمين:
(أ) صريح. (ب) كناية.
وإليك بيان ذلك بشيء من التفصيل:
الحقيقة والمجاز:
الحقيقة وزنها فعيلة، وهى مشتقة من الحق، والحق لغة الثبوت (١) قال تعالى: وَلكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذابِ عَلَى الْكافِرِينَ (٢) أى ثبتت، ومن أسمائه تعالى الحق لأنه الثابت. ثم إن فعيلا قد يكون بمعنى فاعل كسميع بمعنى سامع، وبمعنى مفعول كقتيل بمعنى مقتول (٣).
وفى الاصطلاح هى: اللفظ المستعمل فيما وضع له فى اصطلاح التخاطب (٤).
стр. 212
أنواع الحقيقة:
الحقيقة ثلاثة أنواع هى:
١ - الحقيقة اللغوية:
وهى اللفظ المستعمل فى المعنى اللغوى الموضوع له كالشمس والقمر والسماء والأرض.
قال الشيخ الإسنوى ﵀ (١):
« ... ولا شك فى وجودها لأنا نقطع باستعمال بعض اللغات فى موضوعاتها كالحر والبرد والسماء والأرض».
٢ - الحقيقة الشرعية:
وهى اللفظ المستعمل فى معناه الشرعى، وذلك كالصلاة للعبادة المعروفة والزكاة للقدر المخرج والزواج والطلاق والخلع للمعانى الشرعية الموضوعة لها.
٣ - الحقيقة العرفية:
وهى اللفظ المستعمل فى معناه العرفى، أى فى المعنى الذى جرى العرف فى استعمال اللفظ فيه سواء كان العرف عاما كاستعمال الدابة فى ذوات الأربع، أو خاصا كاستعمال النصب والجر والرفع فى معانيها المعروفة عند النحاة، واستعمال الجوهر والعرض ونحوهما فى معانيها المعروفة عند علماء المنطق.
حكم الحقيقة:
حكم الحقيقة بأنواعها الثلاثة ثبوت المعنى الذى وضع له اللفظ فى اصطلاح المخاطبين، وعدم انتفائه عنه، وتعلق الحكم به. فاللفظ المستعمل فى معناه الحقيقى يثبت له المعنى الموضوع له كاملا فيفيد العموم إن كان عاما، والخصوص إن كان خاصّا، ويفيد الطلب إن
стр. 213
كان أمرا والامتناع إن كان نهيا. فمثلا قوله تعالى:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا (١) أمر بحقيقة الركوع والسجود، وكل منهما خاص والموجه إليهم الأمر هم الذين آمنوا وهو عام، لأن اسم الموصول من ألفاظ العموم. وقوله تعالى:
وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ (٢) نهى عن حقيقة القتل، وهو خاص والموجه إليه النهى جميع المخاطبين وهو عام.
كذلك من أحكام الحقيقة رجحانها على المجاز، فلو تعارض لفظان أحدهما حقيقى والآخر مجازى ففي هذه الحالة يرجح الحقيقى على المجازى، وذلك لأن الحقيقى لا يحتاج إلى قرينة (٣) بخلاف المجاز، ولا شك أن ما لا يحتاج أولى مما يحتاج.
قال الآمدى ﵀ (٤):
فالأول أولى لعدم افتقاره (٥) إلى القرينة المخلة (٦) بالتفاهم.
стр. 214
وقال الشيخ تاج الدين السبكى ﵀ (١):
تترجح الحقيقة على المجاز لتبادرها إلى الذهن فتكون أظهر دلالة من المجاز. ويستثنى من تقديم الحقيقة على المجاز المجاز الراجح إذا كانت الحقيقة تراد فى بعض الأحيان، فإذا كان المجاز هو الغالب فقد اختلف العلماء فى الراجح منها.
فقال الإمام أبو حنيفة ﵀: الحقيقة أولى لأنها حقيقة.
وقال أبو يوسف ﵀: المجاز أولى لكونه غالبا.
وذهب جمهور الشافعية إلى القول بأنهما يتساويان وعليه فلا ينصرف لأحدهما إلا بالنية.
ومثاله: شربت من النهر.
فالحقيقة: هى الشرب منه بالفم مباشرة.
والمجاز: هو الشرب باليد أو بغيرها كالكوز.
والحقيقة تراد فى بعض الأحيان لأن كثيرا من رعاة الإبل ينبطحون (٢) على بطونهم ويشربون من النهر بأفواههم (٣). كما يرجح الخبر المشتمل على الحقيقة الشرعية على الخبر المشتمل على الحقيقة العرفية أو اللغوية، لأن الرسول ﷺ بعث لبيان الشرعيات.
ومن أمثلة ذلك: قوله ﷺ : «الاثنان فما فوقهما جماعة» (٤).
стр. 215
فهذا القول مراد به تحصيل ثواب الجماعة فى الصلاة للاثنين فما فوقهما، وليس المراد به بيان حقيقة لغوية، وهى أن أقل الجمع اثنان وذلك لأمر بسيط وهو أنه ﷺ بعثه ربه ليبين لنا الأمور الشرعية لا اللغوية.
المجاز:
هو اللفظ المستعمل فى غير ما وضع له لعلاقة مع قرينة تمنع من إرادة المعنى الحقيقى للفظ (١). وذلك كاستعمال لفظ أسد للرجل الشجاع حين أقول: رأيت أسدا يعظ الناس. شبهت الواعظ الشجاع بالأسد فالعلاقة بين المشبه والمشبه به هى الشجاعة والقرينة المانعة من إرادة المعنى الحقيقى هى كلمة: يعظ الناس.
حكم المجاز:
من أحكام المجاز ما يلى:
أولا: لا يصار إلى المجاز إلا عند تعذر المعنى الحقيقى فالكلام يحمل على الحقيقة أولا كلما أمكن هذا الحمل لأن الحقيقة أصل والمجاز فرع ولا يصار إلى الفرع إذا أمكن الأصل.
وعلى هذا لو قال رجل: أوصيت لولد بكر بألف دينار، فإن الكلام حينئذ يحمل على الحقيقة فلا تثبت الوصية إلا لولد بكر من صلبه، فإن لم يكن له ولد صلبى ننظر: فإن كان له ولد ولد حمل الكلام عليه، وثبتت له الوصية لأنه المعنى المجازى لكلمة الولد، وقد تعذرت الحقيقة فيصار إلى المجاز لأن إعمال الكلام خير من إهماله. وإن لم يكن له ولد ولد أهمل الكلام لتعذر حمله على واحد منها.
ثانيا: عند تعذر المعنى الحقيقى يثبت المعنى المجازى للفظ ويتعلق الحكم به.