المبحث الأول فى الحقيقة والمجاز
ينقسم اللفظ باعتبار استعماله فى المعنى إلى قسمين هما:
(أ) حقيقة. (ب) مجاز.
وينقسم كل منهما إلى قسمين:
(أ) صريح. (ب) كناية.
وإليك بيان ذلك بشيء من التفصيل:
الحقيقة والمجاز:
الحقيقة وزنها فعيلة، وهى مشتقة من الحق، والحق لغة الثبوت (١) قال تعالى: وَلكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذابِ عَلَى الْكافِرِينَ (٢) أى ثبتت، ومن أسمائه تعالى الحق لأنه الثابت. ثم إن فعيلا قد يكون بمعنى فاعل كسميع بمعنى سامع، وبمعنى مفعول كقتيل بمعنى مقتول (٣).
وفى الاصطلاح هى: اللفظ المستعمل فيما وضع له فى اصطلاح التخاطب (٤).
стр. 212
أنواع الحقيقة:
الحقيقة ثلاثة أنواع هى:
١ - الحقيقة اللغوية:
وهى اللفظ المستعمل فى المعنى اللغوى الموضوع له كالشمس والقمر والسماء والأرض.
قال الشيخ الإسنوى ﵀ (١):
« ... ولا شك فى وجودها لأنا نقطع باستعمال بعض اللغات فى موضوعاتها كالحر والبرد والسماء والأرض».
٢ - الحقيقة الشرعية:
وهى اللفظ المستعمل فى معناه الشرعى، وذلك كالصلاة للعبادة المعروفة والزكاة للقدر المخرج والزواج والطلاق والخلع للمعانى الشرعية الموضوعة لها.
٣ - الحقيقة العرفية:
وهى اللفظ المستعمل فى معناه العرفى، أى فى المعنى الذى جرى العرف فى استعمال اللفظ فيه سواء كان العرف عاما كاستعمال الدابة فى ذوات الأربع، أو خاصا كاستعمال النصب والجر والرفع فى معانيها المعروفة عند النحاة، واستعمال الجوهر والعرض ونحوهما فى معانيها المعروفة عند علماء المنطق.
حكم الحقيقة:
حكم الحقيقة بأنواعها الثلاثة ثبوت المعنى الذى وضع له اللفظ فى اصطلاح المخاطبين، وعدم انتفائه عنه، وتعلق الحكم به. فاللفظ المستعمل فى معناه الحقيقى يثبت له المعنى الموضوع له كاملا فيفيد العموم إن كان عاما، والخصوص إن كان خاصّا، ويفيد الطلب إن
стр. 213
كان أمرا والامتناع إن كان نهيا. فمثلا قوله تعالى:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا (١) أمر بحقيقة الركوع والسجود، وكل منهما خاص والموجه إليهم الأمر هم الذين آمنوا وهو عام، لأن اسم الموصول من ألفاظ العموم. وقوله تعالى:
وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ (٢) نهى عن حقيقة القتل، وهو خاص والموجه إليه النهى جميع المخاطبين وهو عام.
كذلك من أحكام الحقيقة رجحانها على المجاز، فلو تعارض لفظان أحدهما حقيقى والآخر مجازى ففي هذه الحالة يرجح الحقيقى على المجازى، وذلك لأن الحقيقى لا يحتاج إلى قرينة (٣) بخلاف المجاز، ولا شك أن ما لا يحتاج أولى مما يحتاج.
قال الآمدى ﵀ (٤):
فالأول أولى لعدم افتقاره (٥) إلى القرينة المخلة (٦) بالتفاهم.
стр. 214
وقال الشيخ تاج الدين السبكى ﵀ (١):
تترجح الحقيقة على المجاز لتبادرها إلى الذهن فتكون أظهر دلالة من المجاز. ويستثنى من تقديم الحقيقة على المجاز المجاز الراجح إذا كانت الحقيقة تراد فى بعض الأحيان، فإذا كان المجاز هو الغالب فقد اختلف العلماء فى الراجح منها.
فقال الإمام أبو حنيفة ﵀: الحقيقة أولى لأنها حقيقة.
وقال أبو يوسف ﵀: المجاز أولى لكونه غالبا.
وذهب جمهور الشافعية إلى القول بأنهما يتساويان وعليه فلا ينصرف لأحدهما إلا بالنية.
ومثاله: شربت من النهر.
فالحقيقة: هى الشرب منه بالفم مباشرة.
والمجاز: هو الشرب باليد أو بغيرها كالكوز.
والحقيقة تراد فى بعض الأحيان لأن كثيرا من رعاة الإبل ينبطحون (٢) على بطونهم ويشربون من النهر بأفواههم (٣). كما يرجح الخبر المشتمل على الحقيقة الشرعية على الخبر المشتمل على الحقيقة العرفية أو اللغوية، لأن الرسول ﷺ بعث لبيان الشرعيات.
ومن أمثلة ذلك: قوله ﷺ : «الاثنان فما فوقهما جماعة» (٤).
стр. 215
فهذا القول مراد به تحصيل ثواب الجماعة فى الصلاة للاثنين فما فوقهما، وليس المراد به بيان حقيقة لغوية، وهى أن أقل الجمع اثنان وذلك لأمر بسيط وهو أنه ﷺ بعثه ربه ليبين لنا الأمور الشرعية لا اللغوية.
المجاز:
هو اللفظ المستعمل فى غير ما وضع له لعلاقة مع قرينة تمنع من إرادة المعنى الحقيقى للفظ (١). وذلك كاستعمال لفظ أسد للرجل الشجاع حين أقول: رأيت أسدا يعظ الناس. شبهت الواعظ الشجاع بالأسد فالعلاقة بين المشبه والمشبه به هى الشجاعة والقرينة المانعة من إرادة المعنى الحقيقى هى كلمة: يعظ الناس.
حكم المجاز:
من أحكام المجاز ما يلى:
أولا: لا يصار إلى المجاز إلا عند تعذر المعنى الحقيقى فالكلام يحمل على الحقيقة أولا كلما أمكن هذا الحمل لأن الحقيقة أصل والمجاز فرع ولا يصار إلى الفرع إذا أمكن الأصل.
وعلى هذا لو قال رجل: أوصيت لولد بكر بألف دينار، فإن الكلام حينئذ يحمل على الحقيقة فلا تثبت الوصية إلا لولد بكر من صلبه، فإن لم يكن له ولد صلبى ننظر: فإن كان له ولد ولد حمل الكلام عليه، وثبتت له الوصية لأنه المعنى المجازى لكلمة الولد، وقد تعذرت الحقيقة فيصار إلى المجاز لأن إعمال الكلام خير من إهماله. وإن لم يكن له ولد ولد أهمل الكلام لتعذر حمله على واحد منها.
ثانيا: عند تعذر المعنى الحقيقى يثبت المعنى المجازى للفظ ويتعلق الحكم به.
стр. 216
مثال ذلك: قال تعالى: أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ (١) فالمراد بالغائط هنا الحدث الأصغر ولا يراد به المعنى الحقيقى وهو المحل المنخفض المعروف ويتعلق الحكم به، وهو التيمم عند إرادة الصلاة إذا لم يتيسر الماء.
وقد قال الشافعية إن دلالة اللفظ على معناه المجازى دلالة ضرورة وهى تقدر بقدرها فيتناول لفظ المجاز أقل ما يصح به الكلام، ولا يكون له عموم، ومن هذا قوله ﷺ : «لا تبيعوا الصاع بالصاعين» (٢). فإن لفظ الصاع فيه مجاز فى المكيلات إذ معنى الحديث: لا تبيعوا ملء صاع بملء صاعين، فيتناول منها أقل ما يصح به الكلام وهو المطعومات فقط للاتفاق على أنها منهى عنها بقوله ﷺ : «لا تبيعوا الطعام بالطعام إلا سواء بسواء» (٣).
وذهب الحنفية وغيرهم إلى أن المجاز ليس من باب الضرورات، بل هو طريق من طرق أداء المعنى كالحقيقة، وقد يكون أبلغ منها، ولهذا شاع فى الكلام البليغ، وامتلأ به القرآن كقوله تعالى:
وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي (٤) وقوله: جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ (٥) والصاع فى الحديث المتقدم- مع كونه مجازا- مفرد معرف بأل الجنسية فيكون عامّا متناولا لكل مكيل من المطعومات وغيرها (٦).
стр. 217
هذا: ومما تكلم فيه العلماء مسألة استعمال اللفظ فى معنييه الحقيقى والمجازى معا فقالوا: هل يمكن استعمال اللفظ فى معنييه الحقيقى والمجازى معا فى إطلاق واحد، واعتبار كل منهما متعلقا للحكم من غير أن يكون هناك معنى عام يشملها كأن تقول: اقتل الأسد وتريد السبع باعتباره موضوعا له، والرجل الشجاع باعتباره شبيها له؟
فذهب محققو الشافعية والحنفية وجمع من المعتزلة وجمهور اللغويين إلى أن اللفظ لا يستعمل فى المعنى الحقيقى والمجازى معا، فى إطلاق واحد، واعتبار كل واحد منهما متعلقا للحكم من غير أن يكون هناك معنى عام يشملها، وأجاز ذلك بعض العلماء، فمثلا فى قوله تعالى:
أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ (١) المعنى المجمع عليه هنا هو المعنى المجازى فلا يراد به المعنى الحقيقى الذى هو مجرد اللمس إلا بدليل آخر. هذا على المذهب الأول.
وعلى الثانى لا مانع يمنع من إرادة المعنى الحقيقى والمجازى معا، بدليل صحة الاستثناء فتقول: أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ إلا إذا كان اللمس باليد، والله أعلم.
إثبات المجاز فى اللغة:
يلاحظ أن أكثر العلماء ذهبوا إلى القول بإثبات المجاز فى اللغة.
وحكى عن قوم المنع. والمانعون لا يخلو خلافهم فى ذلك إما أن يكون خلافا فى معنى أو فى عبارة.
والخلاف فى المعنى نوعان:
أحدهما: أن يقولوا إن أهل اللغة لم يستعملوا الأسماء فيما نقول إنها مجاز فيه نحو اسم «الحمار» فى «البليد».
стр. 218
قال الشيخ أبو الحسن البصرى تعليقا على هذا (١): وهذا مكابرة لا يرتكبها أحد.
والآخر: أن يقولوا إن أهل اللغة وضعوا فى الأصل اسم الحمار للرجل البليد كما وضعوه للبهيمة.
وهذا باطل لأنا كما نعلم أن العلماء يستعملون ذلك فى البليد، وإطلاق الحمار على البليد إنما هو على طريق التبع والتشبيه للبهيمة، ومن ثم فإن استحقاق البليد لذلك ليس كاستحقاق البهيمة، ولذلك يسبق إلى الفهم من قول القائل: رأيت الحمار- البهيمة دون البليد، ولو كان لفظ الحمار موضوعا له وللبليد على السواء لم يسبق إلى الأفهام أحدهما.
فإن قيل: إذا كانت الحقائق تعم المسميات فلماذا تجوز بالأسماء عما وضعت له؟
فالجواب: أن فى المجاز من المبالغة والحذف ما ليس فى الحقيقة، لهذا كان وصف البليد بأنه حمار أبلغ فى الإبانة عن بلادته من قولهم:
«بليد».
وأما الخلاف فى الاسم فبأن يسلم المخالف أن استعمال اسم «الحمار» فى البليد ليس بموضوع له فى الأصل، وأنه بالبهيمة أخص لكنه يقول: لا أسميه مجازا إذا عنى به البليد، لأن أهل اللغة لم يسموه بذلك بل أسميه مع قرينته حقيقة.
فيقال له: إن أردت أن العرب لم تسمه بذلك فصحيح، وإن أردت أن الناقلين عنهم لم يسموه بذلك فباطل بتلقيبهم كتبهم بالمجاز، وبأنهم
стр. 219
يقولون فى كتبهم «هذا الاسم مجاز، وهذا الاسم حقيقة» وليس إذا لم تسمه العرب بذلك يمتنع أن يصنع الناقلون عنهم له هذا الاسم ليكون آلة وأداة فى صنائعهم، لأن أهل الصنائع يفعلون ذلك ولهذا سمى النحاة الضمة المخصوصة «رفعا» والفتحة «نصبا» ولم يلحقهم بذلك عيب.
وأما تسمية المانعين مجموع الاسم والقرينة حقيقة فإنه لو صح ذلك لم يقدح (١) فى تسمية أهل اللغة الاسم بانفراده مجازا. على أن الوصف بالمجاز وبالحقيقة يرجع إلى الألفاظ، لأنها هى المستعملة فى المعانى دون القرائن، لأن القرائن قد تكون شاهد حال وغير ذلك مما ليس من فعل المتكلم.
دخول المجاز فى خطاب الله تعالى:
اختلف العلماء فى وجود المجاز فى القرآن الكريم على مذهبين:
المذهب الأول:
أن الله قد خاطبنا فى القرآن بالمجاز، وهذا مذهب الجمهور الذى يرى أن دخول المجاز فى القرآن أمر حسن، لأن الله أنزل القرآن بلغة العرب وإنزاله جل شأنه القرآن بلغتهم يقتضى حسن خطابه إياها فيه بلغتها ما لم يكن فيه تنفير كالكلام السخيف (٢) المنسوب قائله إلى الغىّ (٣)، ولا شك أن أكثر الفصاحة تظهر بالمجاز والاستعارة.
وقد استدل الجمهور على الوقوع بما يلى:
стр. 220
١ - قال تعالى: فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَما أَهْلَها فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُما فَوَجَدا فِيها جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقامَهُ (١) قال البيضاوى (٢) ﵀ تفسيرا لقوله تعالى: يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ.
يريد أن يسقط فاستعيرت الإرادة للمشارفة كما استعير لها الهم والعزم.
وقال القرطبى (٣) ﵀: قوله تعالى: يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ.
أى قرب أن يسقط وهذا مجاز وتوسع ... وجميع الأفعال التى حقها أن تكون للحيّ الناطق متى أسندت إلى جماد أو بهيمة فإنما هى استعارة أى لو كان مكانهما إنسان لكان ممتثلا لذلك الفعل.
٢ - قال تعالى: وَجاءَ رَبُّكَ (٤) أى أمره وقضاؤه وهو من باب حذف المضاف، وقيل: جاءهم الرب بالآيات العظيمة، وقيل: جعل مجىء الآيات مجيئا له تفخيما لشأن تلك الآيات.
وقال أهل الإشارة (٥): ظهرت قدرته واستولت والله جل شأنه لا يوصف بالتحول من مكان إلى مكان، وأنّى له التحوّل والانتقال ولا مكان له ولا أوان، ولا يجرى عليه وقت ولا زمان لأن فى جريان الوقت على الشيء فوت الأوقات ومن فاته شىء فهو عاجز.
المذهب الثانى:
لا يجوز أن يخاطبنا الله بالمجاز فى القرآن. وهذا المذهب منسوب إلى بعض (٦) أهل الظاهر، وإلى أبى إسحاق الإسفرايينى وأبى بكر محمد بن داود الأصبهانى.
стр. 221
وقد استدلوا على ما ذهبوا إليه بما يلى:
أولا: لو خاطبنا الله بالمجاز والاستعارة للزم وصفه بأنه متجوز فى خطابه، وبأنه مستعير.
وقد أجيب عن هذا (١): بأن إطلاق وصفه تعالى بالتجوّز يوهم التسمح بالقبيح، ولهذا إذا قيل فلان متجوز فى أفعاله أفاد أنه متسمح بالقبيح فيها، وأما قولنا: مستعير، فإنه يفهم من إطلاقه أنه استأذن غيره فى التصرف فى ملكه لينتفع به، وكل ذلك يستحيل على الله . أضف إلى ذلك أن أسماءه سبحانه توقيفية، ومن ثم لا يصح إطلاق لفظ متجوز أو مستعير عليه سبحانه.
ثانيا: إن العدول عن الحقيقة إلى المجاز يقتضى العجز عن الحقيقة، وهو مستحيل عليه تعالى.
وقد أجيب عن هذا: بأن العدول عن الحقيقة إلى المجاز يقتضى العجز لو لم يحسن العدول إلى المجاز مع التمكن من الحقيقة، ومعلوم أن العدول إلى المجاز يحسن لما فيه من زيادة فصاحة واختصار، ومبالغة فى التشبيه، ولو لم تكن فى المجاز هذه الوجوه لجاز أن تكون فيه مصلحة لا نعلمها، ولجاز أن يكون المجاز مع قرينته يساوى فى الطول كثرة ألفاظ الحقيقة، فيجرى العدول إليه مجرى العدول من حقيقة إلى حقيقة.
ثالثا: إن المجاز لا ينبئ (٢) عن معناه بنفسه، وعليه فورود القرآن به يقتضى الإلباس (٣).
стр. 222
والجواب: أنه لا إلباس مع وجود القرينة الدالة على المعنى المراد.
الفرق بين الحقيقة والمجاز:
المتأمل فى الحقيقة والمجاز يجد أنهما يتفقان فى أمور ويختلفان فى أمور.
أولا: ما يتفقان فيه ما يلى:
١ - أنهما لا يدخلان أسماء الألقاب لأن الحقيقة لفظ استعمل فيما وضع له، والمجاز لفظ استعمل فى غير ما وضع له، والمراد من قولهم «وضع له» وضع أهل اللغة. فاللفظ إن استعمل فيما وضع له كان حقيقة، وإن استعمل فى غير ما وضع له كان مجازا، وأسماء الألقاب لم تقع على مسمياتها المعينة بوضع من أهل اللغة ولا من الشرع حتى يكون من اتبعهم فيها فى أصل موضوعهم كان قد استعملها على الحقيقة، ومن استعملها فيه على طريق التبع كان متجوزا بها.
٢ - أنه لا يخلو منها كلام وضعه أهل اللغة لشىء.
٣ - الحقيقة يجوز أن تصير بالشرع أو بالعرف مجازا فيما كانت حقيقة فيه، ويجوز أن يصير بها المجاز حقيقة فيما كان مجازا فيه.
ثانيا: ما يختلفان فيه:
قال العلماء: الفرق بين الحقيقة والمجاز إما أن يقع بالنص من قبل أهل اللغة أو بالاستدلال بعاداتهم.
أما الأول فمن وجهين:
الأول: أن يقول الواضع هذا حقيقة وذاك مجاز.
الثانى: أن يذكر الواضع حد كل واحد منهما بأن يقول: هذا مستعمل فيما وضع له، وذاك مستعمل فى غير ما وضع له.
стр. 223
أما الآخر فمن وجوه ثلاثة:
الأول: أن يسبق المعنى إلى أفهام أهل اللغة عند سماع اللفظ بدون قرينة، فيعلم بذلك أنه حقيقة فيه. فإن كان لا يفهم منه المعنى المراد إلا بالقرينة فهو المجاز.
وقد اعترض على هذا الوجه باللفظ المشترك المستعمل فى معنييه أو معانيه، فإنه لا يتبادر أحدهما أو أحدها لولا القرينة المعينة للمراد مع أنه حقيقة.
وأجيب عن هذا: بأنه يتبادر جميعها عند من قال بجواز حمل المشترك على جميع معانيه، ويتبادر أحدها لا بعينه عند من منع من حمله على جميع معانيه.
الثانى: صحة النفى للمعنى المجازى عدم صحته للمعنى الحقيقى فى نفس الأمر.
وقد اعترض على هذا بأن العلم بعدم صحة النفى موقوف على العلم بأن ذلك المعنى ليس من المعانى الحقيقية، وذلك موقوف على العلم بكونه مجازا، فإثبات كونه مجازا به دور (١).
стр. 224
وأجيب عن هذا: بأن سلب بعض المعانى الحقيقية كاف فيعلم أنه مجاز فيه، وإلا لزم الاشتراك، وأيضا إذا علم معنى اللفظ الحقيقى والمجازى ولم يعلم أيهما المراد أمكن أن يعلم بصحته نفى المعنى الحقيقى أن المراد هو المعنى المجازى وبعدم صحته أن المراد هو المعنى الحقيقى.
الثالث: عدم اطراد (١) المجاز وهو أن لا يجوز استعماله فى محل مع وجوب سبب الاستعمال المسوغ (٢) لاستعماله فى محل آخر، كالتجوز بالنخلة للإنسان الطويل دون غيره مما فيه طول، وليس الاطراد دليل الحقيقة، فإن المجاز قد يطرد كالأسد للرجل الشجاع.
وقد اعترض على هذا الوجه: بأن عدم الاطراد قد يوجد فى الحقيقة كالسخىّ والفاضل، فإنهما لا يطلقان على الله مع وجودهما على وجه الكمال فيه جل شأنه.
وكذا القارورة لا تطلق على غير الزجاجة مما يوجد معنى الاستقرار فيه كالدّن (٣).
وأجيب عن هذا الاعتراض: بأن الأمارة عدم الاطراد لا لمانع لغة أو شرعا ولم يتحقق فيما ذكرتم، وذلك لأن الشرع منع من إطلاق السخى والفاضل على الله ، واللغة منعت من إطلاق القارورة على غير الزجاجة.
هذا: ومن الفروق بين الحقيقة والمجاز امتناع الاشتقاق فإنه دليل على كون اللفظ مجازا، وكذلك المعنى الحقيقى إذا كان متعلقا بالغير، فإنه إن استعمل فيما لا يتعلق به شىء كان مجازا وذلك كالقدرة إذا
стр. 225
أريد بها الصفة كانت متعلقة بالمقدور وإذا أطلقت على النبات الحسن لم يكن لها متعلق فيعلم كونها مجازا فيه.
فائدتان:
الأولى: يجوز أن يريد الله بكلامه خلاف ظاهره إذا كانت هناك قرينة تدل على المراد، وذلك لأن القرينة تبين لنا أن الظاهر غير مراد.
قال الشيخ تاج الدين السبكى ﵀ (١):
قد يريد الله بكلامه خلاف ظاهره، إذا كانت هناك قرينة يحصل بها البيان ولا يمكن أن يعنى بكلامه خلاف ظاهره من غير بيان. اه.
وقال الشيخ جلال الدين المحلى ﵀ (٢):
ولا يجوز أن يرد فى الكتاب والسنة ما يعنى به غير ظاهره إلا بدليل يبين المراد كما فى العام المخصوص بمتأخر. اه.
مثال ذلك: آيات التشبيه كقوله تعالى: يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ (٣) وقوله: كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ* وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ (٤) فالظاهر هنا غير مراد حيث أقام الله تعالى قرينة قاطعة على عدم التشبيه والمثيل له، فقال جل شأنه: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (٥) وإنما قال الجمهور: لا بدّ من وجود قرينة، لأن اللفظ بالنسبة إلى خلاف الظاهر الذى لا تدل عليه قرينة مهمل لا يفهم منه معنى، والخطاب بما لا يفهم المراد منه ممتنع لعدم الفائدة.
стр. 226
وذهب المرجئة (١) إلى القول بجواز أن يعنى خلاف الظاهر بدون قرينة، وغالوا فى ضلالهم حيث قالوا: إن المراد بظواهر الآيات والأخبار الدالة على عقاب الفاسقين، ووعيد العصاة والمذنبين هو الترهيب فقط لحمل الناس على الكف عن ارتكاب المعاصى، وذلك حتى لا يختل نظام العالم بناء على معتقدهم أن المعصية لا تضر مع الإيمان، كما أن الطاعة لا تنفع مع الكفر.
ويترتب على هذا الكلام الخطير الكذب فى أخباره تعالى وهو كفر والعياذ بالله، ويرد عليهم بأن كلامهم هذا يؤدى إلى ارتفاع الوثوق عن النصوص الشرعية لاحتمال أن يراد بها خلاف الظاهر وهو باطل قطعا.
أضف إلى ذلك أنه يفتح بابا للفساد وافتراء المفترين على الدين حتى يصرفوا كل النصوص الشرعية عن ظاهرها، بحجة أنها غير مرادة، وينهدم بذلك- لا قدر الله- صرح الدين. هذا وما يقال بالنسبة للقرآن الكريم، يقال أيضا بالنسبة للسنة المطهرة فلا يتأتى فيها ألفاظ مراد بها غير الظاهر بدون قرينة.
وبهذا يتضح لنا أن الألفاظ لا بدّ أن تستعمل فى معانيها الموضوعة لها، حيث لا قرينة وإذا وجدت القرينة حملت الألفاظ عليها ويكون ذلك من باب المجاز. كما لا يجوز حيث لا قرينة أن تستعمل الألفاظ فى غير
стр. 227
معانيها الظاهرة، لأن هذا يؤدى إلى الكذب فى خبر الله تعالى، وخبر رسوله ﷺ ، ويستهان بالشريعة ويخلع المرء بذلك ربقة الإسلام من عنقه وهو لا يدرى.
الثانية: لا يجوز ورود ما لا معنى له فى القرآن والسنة، لأنه نقص والنقص على الله تعالى محال. وجوّز الحشوية (١) على الله تعالى أن يخاطبنا ويتعبدنا بالمهمل، واستندوا إلى ثلاث شبه تفيد فى نظرهم أن الله خاطبنا بالمهمل وهذه الشبه هى:
الشبهة الأولى: قالوا: إن المهمل قد ورد كثيرا فى القرآن الكريم، كأوائل السور نحو: الم- الر- ص- ق- ن. إلى غير ذلك مما لا معنى له، وإذا كان هذا قد ورد وقد تعبدنا الله تعالى به.
إذن فالخطاب بالمهمل متعبد به وهو المطلوب.
وأجيب عن هذا من قبل الجمهور: بأننا لا نسلم أن أوائل السور لا معنى لها، بل لها معانى ذكرها العلماء، ونصوا عليها، والقارئ فى كتب التفسير وعلوم القرآن يجد أن من العلماء من فوض علمها إلى الله تعالى وقال: هى مما استأثر الله تعالى بعلمه، فهى لها معان ولكن معانيها مما استأثر الله به، ومن ثم فعدم معرفتنا معانيها لا يكون دليلا على أنها مهملة. ومن العلماء من فسرها وإن كانوا قد اختلفوا فى معناها:
١ - فقال بعضهم: هى أسماء السور.
٢ - وقال بعضهم: هى أسماء الله تعالى. قال الشعبى ﵀: فواتح السور من أسماء الله تعالى.
стр. 228
٣ - وقال ابن كثير (١) ﵀: مجموع هذه الحروف المذكورة فى أوائل السور بحذف المكرر منها أربعة عشر حرفا وهى: أل م ص ر ك ى ع ط س ح ق ن هـ يجمعها قولك: نص حكيم قاطع له سر، وهى نصف الحروف عددا والمذكور منها أشرف من المتروك.
خلاصة الكلام أن لأوائل السور معانى وإن اختلف فيها، لأن الله لم ينزلها عبثا ولا سدى ومن قال من الجهلة: إن فى القرآن ما هو تعبد لا معنى له بالكلية فقد أخطأ خطأ كبيرا.
جاء فى تفسير ابن كثير (٢): فإن صح لنا فيها من المعصوم شىء قلنا به، وإلا وقفنا حيث وقفنا وقلنا: آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا.
الثانية: قال تعالى:
هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا (٣)
وجه الاحتجاج:
أنه يجب الوقف على قوله إِلَّا اللَّهُ وحينئذ فالراسخون مبتدأ ويقولون خبر. وعليه فيكون هناك فى القرآن أشياء لا يعلم تأويلها إلا الله، وقد تعبدنا الله بها، والدليل على أنه يجب الوقف على لفظ الجلالة أنه لو لم يجب لكان الراسخون معطوفا عليه، وحينئذ يتعين أن يكون قوله تعالى: يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ جملة حالية، والمعنى قائلين وإذا كانت حالية فإما أن تكون حالا من المعطوف والمعطوف عليه، أو من المعطوف فقط.
стр. 229
الأول باطل لامتناع أن يقول الله تعالى: آمَنَّا بِهِ، والثانى خلاف الأصل لأن الأصل اشتراك المعطوف والمعطوف عليه فى المتعلقات، وإذا انتفى هذا تعيّن ما ادعيناه من وجوب الوقف على قوله: إِلَّا اللَّهُ وإذا وجب الوقف على ذلك لزم أنه تكلم بما لا يعلم تأويله وهو المدعى.
وقد دفع الجمهور هذه الشبهة بما يلى:
أولا: لا نسلم وجوب الوقف على لفظ الجلالة، والواو فى قوله تعالى: وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يصح أن تكون عاطفة عطفت الرَّاسِخُونَ على لفظ الجلالة، فيكون هؤلاء يعلمون تأويله أيضا، والتعبير بقوله وَالرَّاسِخُونَ قرينة على ذلك.
قال ابن كثير ﵀ (١):
« .... ومنهم من يقف على قوله: وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ وتبعهم كثير من المفسرين وأهل الأصول وقالوا: الخطاب بما لا يفهم بعيد.
وقد روى ابن أبى نجيح عن مجاهد عن ابن عباس أنه قال: «أنا من الراسخين الذين يعلمون تأويله. وقال ابن أبى نجيح عن مجاهد:
والراسخون فى العلم يعلمون تأويله ويقولون آمنا به، وكذا قال الربيع ابن أنس».
ثانيا: إن تخصيص المعطوف بالحال يمتنع إذا لم تقم قرينة تدل عليه. أما إذا قامت قرينة تدفع اللبس فلا بأس كقوله تعالى:
وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ نافِلَةً (٢) فإن: نافِلَةً حال من يعقوب خاصة لأن النافلة ولد الولد، وما نحن فيه كذلك لأن الله تعالى لا يقول: آمَنَّا بِهِ
стр. 230
هذا ويمكن القول بأن هذا الدليل الذى أقمتموه ليس فى محل النزاع، حيث إن الدليل فى خطاب له معنى غاية الأمر أن الله تعالى استأثر بعلمه، أو أن العلماء اختلفوا فى
المعنى المراد، ومحل النزاع فى مهمل ليس له معنى فأين هذا من ذلك؟
الثالثة: قال تعالى:
طَلْعُها كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ (١) وجه الدلالة: أن الله تعالى قال قبل هذه الآية:
أَذلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ* إِنَّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ* إِنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ (١) ثم قال: طَلْعُها كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ وهذا التشبيه يفيد بيان علمنا برءوس الشياطين ونحن لا نعلمها فيكون الله تعالى قد تعبدنا بالمهمل وهو المطلوب.
وتدفع هذه الشبهة بأننا لا نسلم عدم علمنا بالمشبه به، بل هو معلوم حيث إن العرب تضرب ذلك مثلا فى الاستقباح فهو معلوم متداول بينهم، فدعواكم عدم المعرفة باطل لأن العرب تتخيله قبيحا.
على أن هذا أيضا ليس فى محل النزاع، وبهذا يكون كلام الحشوية قد سقط، ولم تقم له قائمة وثبت أن الله تعالى لا يتعبدنا بالمهمل لأنه نقص وهو على الله تعالى محال.
стр. 231
المبحث الثانى فى الصريح والكناية
الصريح ما ظهر المراد منه لكثرة استعماله فيه سواء كان هذا اللفظ مستعملا استعمالا حقيقيّا مثل قول الرجل مثلا: تزوجت وبعت واشتريت وصمت وصليت عند استعمالها فى حقيقتها الموضوعة لها، أم كان مستعملا استعمالا مجازيّا كقوله تعالى:
وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيها (١) فهو صريح وإن كان مجازا، لأنه صريح فى أن المراد به: واسأل أهل القرية حيث إنه لا يتصور أن يكون المراد سؤال نفس الأرض والبناء.
حكم الصريح:
الصريح يثبت مقتضاه بمجرد التلفظ به ودون نظر إلى إرادة المتكلم وقصده، وذلك لأن الصريح هو الأصل فى الكلام والكلام ما كان إلا للتعبير عن ما فى الجنان.
قال الشيخ عبد العزيز البخارى ﵀ (٢):
حكم الصريح تعلق الحكم الشرعى، وتعين الكلام أى بنفسه وقيامه أى قيام الكلام الذى هو الصريح مقام معناه الذى دل عليه، سواء كان حقيقة أو مجازا، من غير نظر إلى أن المتكلم أراد ذلك المعنى أو لم يرد. اه.
стр. 232
وقد رتب الفقهاء على هذا وقوع الطلاق باللفظ الصريح حتى ولو ادعى المطلق عدم قصده الطلاق (١). كما رتبوا عليه أيضا عدم وجوب الحد (٢) إلا باللفظ الصريح، فمن قال لغيره: أنا لست زانيا تعريضا به لا يحد بهذا التعريض لاحتمال إرادة المعنى الظاهر دون ما وراءه.
وأما الكناية:
فهو اللفظ الذى استتر المعنى المراد به بحسب الاستعمال، ولا يفهم إلا بقرينة سواء كان هذا اللفظ استعمل استعمالا حقيقيا كما فى قولك لآخر، أمام الناس عن أمر لا تريد إظهاره لهم: لقيت صاحبك وكلمته فى المسألة. أم كان استعمالا مجازيا كقول الرجل لزوجته: أنت حرة أو اعتدى قاصدا بذلك الطلاق.
حكم الكناية:
قال العلماء: إن الكناية لا يثبت موجبها إلا بالنية أو بدلالة الحال، فمن قال لزوجته أنت حرة وقصد بذلك الطلاق طلقت وإلا فلا.
كذلك لا يثبت بها ما يندرئ (٣) بالشبهات كحد القذف، فمن قال لغيره: أما أنا فلست بزان فهذا لا يعتبر قذفا موجبا لحد القذف، لأنه كناية فكان خفاء المراد منه شبهة تدرأ حد القذف عن القائل (٤).
стр. 233
الفصل الثالث فى اللفظ باعتبار ظهور معناه وخفائه
وفيه مبحثان المبحث الأول: واضح الدلالة المبحث الثانى: غير واضح الدلالة
стр. 234
المبحث الأول فى واضح الدلالة
ينقسم اللفظ الواضح الدلالة على معناه إلى أربعة أقسام هى:
١ - المحكم:
وهو فى اللغة (١): المتقن.
وفى الاصطلاح: هو المكشوف المعنى الذى لا يتطرق إليه احتمال ولا إشكال (٢).
فالمحكم ليس فيه احتمال النسخ والتبديل وهو أقوى الأقسام الأربعة من حيث دلالته على معناه. وقد جاء فى القرآن الكريم ما يدل على أنه محكم كله قال تعالى: كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (٣) وجاء فيه ما يدل على أنه كله متشابه حيث قال جل شأنه:
اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً (٤) وجاء فيه ما يدل على أن بعضه محكم وبعضه متشابه قال تعالى:
هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ (٥) والحق أنه لا يوجد تعارض بين هذه الإطلاقات الثلاثة، لأن معنى
стр. 235
إحكامه كله أنه منظم رصين متقن متين لا يتطرق إليه خلل لفظى ولا معنوى، كأنه بناء مشيد محكم يتحدى الزمن، ولا يصيبه وهن ولا تصدع.
ومعنى كونه متشابها أنه يشبه بعضه بعضا فى إحكامه وحسنه وبلوغه حد الإعجاز فى ألفاظه ومعانيه. وأما أن بعضه محكم وبعضه متشابه فمعناه أن من القرآن ما اتضحت دلالته على مراد الله تعالى منه، ومنه ما خفيت دلالته على هذا المراد الكريم فالأول هو المحكم والثانى هو المتشابه (١).
وقد قال العلماء إن المحكم نوعان:
(أ) محكم لذاته:
وهو ما لا يقبل النسخ لمعناه، أو هو ما انقطع احتمال نسخه بما يدل على الدوام والتأبيد كقوله تعالى بالنسبة لحرمة التزوج بأمهات المؤمنين من بعده ﷺ : وَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً (٢) وقوله جل شأنه: وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً (٣) أو انقطع احتمال نسخه بحسب محل الكلام بأن يكون معنى الكلام فى نفسه مما لا يحتمل التبديل عقلا وذلك كالآيات الدالة على صفات البارى سبحانه، ومن ذلك الأخبار المحضة الصادرة من الشارع كقوله تعالى:
إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٤) وقوله: إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (٥)
стр. 236
محكم لغيره:
وهو ما انقطع احتمال نسخه بمضى زمان الوحى، وعلى هذا فالأقسام الثلاثة الآتية بعد زمان الوحى تكون من قبيل المحكم لعدم قبولها النسخ، وإن كانت محتملة للبيان والتأويل فمثلا قوله تعالى:
وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ (١) مجمل يحتاج إلى ما يبينه، وقد بينته السنة العملية والقولية، ومن ثم صار مفسرا، وبعد انقضاء زمن الوحى صار محكما، وعلى هذا فالأحكام الشرعية المستفادة من النصوص كلها الآن من ناحية عدم قبولها النسخ تكون محكمه (٢).
حكم المحكم:
يجب العمل بالمحكم على سبيل القطع، لأنه لا يحتمل غير معناه ولا يقبل النسخ لا فى عهد الرسالة لاقترانه بما يمنع ذلك من معنى أو لفظ، ولا بعد عهد الرسالة لأنه ليس
لأحد حينئذ سلطة نسخ الأحكام الشرعية.
٢ - المفسر:
فى اللغة (٣): مأخوذ من الفسر وهو الكشف فهو المكشوف معناه.
وفى الاصطلاح: هو الخطاب المبتدأ المستغنى عن تفسير لوضوحه فى نفسه (٤).
فالمفسر لا يحتمل التفسير والتأويل، ولكنه مما يقبل النسخ فى عهد الرسالة.
стр. 237
مثاله: قوله تعالى: وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً (١) فإن كلمة (المشركين) اسم ظاهر عام ولكنه يحتمل التخصيص فلما ذكر بعده كلمة (كافة) ارتفع احتمال التخصيص فصار مفسرا (٢).
أنواع المفسر:
المفسر نوعان:
(أ) مفسر بذاته. (ب) مفسر بغيره.
فالمفسر بذاته:
هو ما استقل بإفادة معناه من غير أن ينضم إليه قول أو فعل.
مثاله: قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣) فإن هذا اللفظ واضح فى معناه وهو إحاطة علمه سبحانه بكل شىء، ومن ثم فهو غير محتاج إلى بيان من قول أو فعل، وإنما يحتاج إلى وضع اللغة فقط. وكذلك قوله تعالى: وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيها (٤) فبيان المراد من هذا القول الكريم، وهو سؤال أهل القرية لا يتوقف على قول أو فعل، وإنما يتوقف على العقل فقط حيث إن حقيقة هذا اللفظ طلب سؤال الجدران والبيوت، لكن العقل صرفنا عن ذلك وقضى بأن المراد به الأهل (٥).
المفسر بغيره:
هو ما افتقر فى إفادة معناه إلى غيره من قول أو فعل وهذا الغير يسمى مبينا.
أقسام البيان:
قال العلماء إن بيان المجمل يقع بستة أوجه هى:
стр. 238
الأول:
القول، وقد قال العلماء إن البيان به يحصل بدون خلاف، سواء كان هذا القول من الله تعالى أو من رسوله ﷺ .
فالأول نحو قوله تعالى: إِنَّها بَقَرَةٌ صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها تَسُرُّ النَّاظِرِينَ (١) فإنه مبين لقوله جل شأنه: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً (٢) والآخر نحو قوله ﷺ : «فيما سقت السماء العشر» (٣) فإنه مبين لقوله تعالى: وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ (٤)
وللإمام الزركشى ﵀ هنا كلام طيب لا بأس بإيراده: يقول ﵀ (٥):
اعلم أن الكتاب هو القرآن المتلو، وهو إمّا نصّ: وهو ما لا يحتمل كقوله تعالى: فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ (٦) وإمّا ظاهر: وهو ما دل على معنى مع تجويزه غيره. والرافع لذلك الاحتمال قرائن لفظية ومعنوية.
واللفظية تنقسم إلى متصلة ومنفصلة.
أما المتصلة فنوعان:
نوع يصرف اللفظ إلى غير الاحتمال الذى لولا القرينة لحمل عليه، ويسمى تخصيصا وتأويلا. ونوع يظهر به المراد من اللفظ ويسمى بيانا، فالأول كقوله تعالى: وَحَرَّمَ الرِّبا (٦)
стр. 239
فإنه دل على أن المراد من قوله تعالى: وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ البعض دون الكل الذى هو ظاهر بأصل الوضع، وبين أنه ظاهر فى الاحتمال الذى دلت عليه القرينة فى سياق الكلام.
وللإمام الشافعى ﵀ قول بإجمال البيع، لأن الربا مجمل وهو فى حكم المستثنى من البيع واستثناء المجهول من المعلوم يعود بالإجمال على أصل الكلام. والصحيح الأول، فإن الربا عام فى الزيادات كلها وكون البعض غير مراد نوع تخصيص فلا تتغير به دلالة الأوضاع.
ومثال النوع الثانى قوله تعالى: مِنَ الْفَجْرِ فإنه فسّر مجمل قوله تعالى: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ (١) إذ لولا مِنَ الْفَجْرِ لبقى الكلام الأول على تردده وإجماله.
وقد ورد أن بعض الصحابة كان يربط فى رجله الخيط الأبيض والأسود، ولا يزال يأكل ويشرب حتى يتبين له لونهما، فأنزل الله تعالى بعد ذلك مِنَ الْفَجْرِ فعلموا أنه أراد الليل والنهار.
وأما اللفظية المنفصلة فنوعان أيضا:
١ - تأويل.
٢ - وبيان.
فمثال الأول: قوله تعالى: فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ (١) فإنه دل على أن المراد بقوله تعالى: الطَّلاقُ مَرَّتانِ (٣) الطلاق الرجعى. إذ لولا القرينة لكان الكل منحصرا فى الطلقتين.
وهذه القرينة وإن كانت مذكورة فى سياق ذكر الطلقتين إلا أنها جاءت فى آية أخرى، فلهذا جعلت من قسم المنفصلة.
стр. 240
ومثال الثانى: قوله تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ* إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ (١) فإنه دل على جواز الرؤية ويفسر به قوله تعالى:
لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ (٢). حيث كان مترددا بين نفى الرؤية أصلا، وبين نفى الإحاطة والحصر دون أصل الرؤية. وأيضا قوله تعالى:
كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (٣) فإنه لما حجب الكفار عن رؤيته خزيا لهم دل على إثباتها للأبرار، وارتفع به الإجمال فى قوله تعالى: لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وأما القرائن المعنوية فلا تنحصر كقوله تعالى:
وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ (٤) فإن صيغته صيغته الخبر، ولكن لا يمكن حمله على حقيقته، فإنهن قد لا يتربصن فيقع خبر الله تعالى، بخلاف مخبره وهو محال، فوجب اعتبار هذه للقرينة حمل الصيغة على معنى الأمر صيانة لكلام الله تعالى عن احتمال المحال.
ونظائره كثيرة فيما ورد من صيغة الخبر والمراد بها الأمر.
الثانى:
الفعل أى فعله ﷺ مثل صلاته ﷺ ، فإنه- فعل الصلاة منه- مبين لقوله تعالى:
وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ (٥)
стр. 241
ومثل حجه ﷺ فإنه مبين لقوله تعالى:
وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ (١) وأما قوله ﷺ : «صلوا كما رأيتمونى أصلى» (٢) وقوله:
«خذوا عنى مناسككم» (٣) فهو دليل على أن فعله ﷺ مبين للآيتين (٤).
هذا وقد قال العلماء إن البيان بالقول لا خلاف فيه، وأما البيان بالفعل فقد ذهب بعضهم إلى القول بمنعه بحجة أن الفعل قد يطول فيكون البيان به فيه تأخيرا للبيان مع إمكان تعجيله وتأخير البيان مع إمكان تعجيله كتأخير البيان رأسا وهو لا يجوز (٥). وردّ ذلك بأن البيان بالقول قد يطول أيضا، فإننا لو ذهبنا نبين ما اشتملت عليه الركعتان مثلا
стр. 242
من الأقوال والأفعال، فإننا نأخذ وقتا أكثر مما لو فعلناهما، ومع ذلك فالبيان بالقول جائز اتفاقا فيكون البيان بالفعل كذلك.
أضف إلى ذلك أن البيان بالفعل أدل من القول على المقصود لأن فيه مشاهدة.
لكن بم يعلم كون الفعل بيانا للمجمل ؟
الجواب: يعلم ذلك بأحد أمور ثلاثة هى:
١ - أن يقول هذا الفعل بيان للمجمل.
٢ - أن يعلم ذلك بالضرورة من قصده.
٣ - الدليل العقلى وهو أن يذكر المجمل وقت الحاجة إلى العمل به ثم يفعل فعلا يصلح أن يكون بيانا له، ولا يفعل شيئا آخر فيعلم أن ذلك الفعل بيان له وإلا لزم تأخير البيان عن وقت الحاجة (١).
هذا: وربما يقول قائل: لو اجتمع القول والفعل معا بعد المجمل وكان كل منهما صالحا لأن يكون هو المبيّن- بالكسر- فبأيّها يكون البيان؟
والحق أنه عند اجتماع القول والفعل ففي هذه الحالة يجب علينا أن ننظر فيهما:
فإما أن يتفقا فى الحكم أو يختلفا فيه:
فإن كان الأول ننظر: فإما أن يعلم أن أحدهما بعينه متقدم والآخر بعينه متأخر، أو يعلم أن أحدهما لا بعينه متقدم وآخر لا بعينه متأخر، أو لا يعلم شىء من ذلك.
فإن علم أن أحدهما بعينه متقدم والآخر بعينه متأخر كان المتقدم هو المبين للمجمل سواء كان المتقدم قولا أو فعلا ويكون المتأخر مؤكدا له.
стр. 243
وكذلك إذا علم أن أحدهما لا بعينه متقدم والآخر لا بعينه متأخر فيكون المتقدم فى الواقع ونفس الأمر هو المبين ويكون المتأخر مؤكدا له.
وقد ذهب الجمهور إلى هذا بقطع النظر عن كونهما متساويين فى الرجحان أو أن يكون أحدهما راجحا والآخر مرجوحا، بخلاف الآمدى الذى ذهب إلى القول بأنه عند اختلافهما فى الرجحان يجعل المرجوح مبينا للفعل والراجح مؤكدا له دون العكس لئلا يلزم تأكيد الراجح بالمرجوح وهو غير معقول (١).
وقد رد الجمهور عليه بأن امتناع تأكيد المرجوح للراجح إنما يكون فى المؤكد غير المستقل كالمفردات، أما المؤكد المستقل فإنه لا يمتنع فيه ذلك لأن الجمل تقوى بعضها بعضا (٢).
وأما إذا لم يعلم تقدم أحدهما وتأخر الآخر فإن القول حينئذ يكون هو المبين دون الفعل، وذلك لأن القول مستقل فى إفادته البيان، بخلاف الفعل فإنه لا يعرف كونه مبينا إلا بواحد من الأمور الثلاثة السابق ذكرها.
وإن كان الآخر بمعنى أن القول والفعل لم يتفقا فى الحكم فللعلماء فى المبين أقوال ثلاثة هى:
القول الأول:
أن القول هو المبيّن سواء علم تقدمه وتأخر الفعل أو العكس أو لم يعلم شىء من ذلك. وذلك لأن القول أرجح من الفعل من جهة أنه لا يؤدى إلى النسخ بخلاف الفعل فإنه يؤدى إليه، والنسخ مرجوح وعليه فما يوصل إليه يكون مرجوحا كذلك. وهذا القول للجمهور.
مثال ذلك: بعد نزول قوله تعالى:
стр. 244
وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ (١) قال رسول الله ﷺ : «من أحرم بالحج والعمرة أجزأه طواف واحد وسعى واحد» (٢) وروى أنه ﷺ «قرن» (٣) فطاف بالبيت طوافين وسعى سعيين (٤).
فلو فرضنا أن الفعل هنا متقدم على القول، وجعل الفعل مبينا للزم من ذلك أن القارن يجب عليه طوافان وسعيان، فإذا ورد القول بعد ذلك لزم أن يكون ناسخا لوجوب أحد الطوافين وأحد السعيين، وعلى هذا فجعل الفعل هو المبين يلزمه النسخ، ولو جعلنا القول هو المبيّن- لكان الواجب على القارن طوافا واحدا وسعيا واحدا، ويكون الفعل دليلا على أن الطواف الثانى مستحب وكذلك السعى الثانى، أو أنه خاص به صلى به ﷺ ، وبذلك يعمل بكل من القول والفعل، ولم يلزم النسخ فكان جعل الفعل مبينا هو الراجح.
القول الثانى:
وهو لأبى الحسين البصرى (٥) - وهو أنه عند علم التقدم والتأخر، فإن المتقدم يكون هو المبين سواء كان قولا أو فعلا، وعند عدم العلم يجعل القول هو المبين لرجحانه، حيث إنه لا يحتاج فى إفادته البيان إلى غيره بخلاف الفعل.
стр. 245
القول الثالث:
وهو للآمدى (١) - أنه عند العلم بتقدم أحدهما على الآخر ننظر:
فإن كان القول هو المتقدم كان هو المبين، وكان الفعل دالا على استحباب الطواف الثانى، وكذا السعى الثانى. وإن كان الفعل هو المتقدم كان هو المبين للمجمل فى حقه ﷺ دون الأمة، وكان القول مبينا له فى حق الأمة، وبذلك يجب على القارن من الأمة طواف واحد وسعى واحد، ويجب على النبى ﷺ
طوافان وسعيان.
والذى دعاه إلى ذلك إنما هو العمل بالقول والفعل معا، وذلك لأنه لو جعل الفعل عند تقدمه مبينا للمجمل فى حقه ﷺ وأمته لكان القول بعد ذلك إما مهملا وإمّا ناسخا، لوجوب الطواف الثانى والسعى الثانى، ولا شك أن الإهمال والنسخ خلاف الأصل، فلم يبق إلا أن يكون الفعل مبينا للمجمل فى حقه ﷺ ، والقول مبينا له فى حق الأمة عملا بالدليلين. أما إذا لم يعلم تقدم أحدهما وتأخر الآخر، فإن القول حينئذ يكون هو المبين دون الفعل.
الثالث:
الكتابة. فقد بين الله لملائكته ما كتبه فى اللوح المحفوظ، وبين ﷺ بكتابته إلى عماله فى الصدقات (٢).
وقد اختلف العلماء الأصوليون (٣) فى الكتابة هل هى فعل أو قول أو قسيم لهما؟
فذهب القرافى ومن نهج نهجه إلى القول بالأول، وكأنهم نظروا إلى فعل الكتابة نفسه.
стр. 246
وذهب القاضى أبو يعلى الحنبلى إلى الثانى، ولعله نظر إلى الكتابة على أنها علامة على الكلام.
وذهب أبو الحسين البصرى إلى أنها قسيم لكل من القول والفعل.
الرابع:
البيان بالإشارة (١) وقد بين النبى ﷺ بها حين قال: «الشهر هكذا وهكذا» (٢) وأشار بأصابعه العشرة وقبض الإبهام فى الثالثة يعنى تسعة وعشرين، فإن رفع الأصابع يقصد به أن عدد الأيام فى الشهر كعدد الأصابع المرفوعة.
الخامس:
البيان بالتنبيه (٣) على العلة كقوله ﷺ فى بيع الرطب بالتمر أينقص الرطب إذا جف (٤)؟ قالوا نعم فنهى عن ذلك وقوله فى قبلة الصائم: «أرأيت لو تمضمض» (٥)؟
السادس:
ما خص العلماء بيانه عن اجتهاد وهو ما فيه الوجوه الخمسة إذا كان الاجتهاد موصلا إليه من أحد وجهين، إما من أصل يعتبر هذا الفرع به، وإما من طريق أمارة تدل عليه.
قال الشوكانى (٦) ﵀:
وزاد شارح اللمع وجها سابعا وهو البيان بالترك. والحق أن الترك (٧) يقع لوجوه هى:
стр. 247
الوجه الأول: الترك بحكم الجبلة والطبيعة.
مثاله: ترك النبى ﷺ أكل لحم الضبّ وتعليله ذلك بقوله: «إنه لم يكن بأرض قومى فأجدنى أعافه» (١). فهذا ترك لا حرج فيه.
الوجه الثانى: الترك لحق الغير.
مثاله: تركه ﷺ أكل الثوم والبصل لحق الملائكة.
وهذا ترك مباح لا حرج فيه أيضا لحق الغير.
الوجه الثالث: الترك خوف الافتراض.
مثاله: ترك صلاة القيام فى المسجد فى رمضان (٢). فقد كان ﷺ يترك العمل مخافة أن يعمل به الناس فيفرض عليهم.
الوجه الرابع: الترك لما لا حرج فى فعله.
مثاله: إعراضه ﷺ عن غناء الجاريتين فى بيته فى يوم عيد الفطر، وقوله لأبى بكر: «إن لكل قوم عيدا وهذا عيدنا» (٣).
الوجه الخامس: ترك المباح إلى ما هو الأفضل.
مثاله: القسم بين الزوجات لم يكن واجبا فى حقه ﷺ ، وذلك من باب الخصوصية قال تعالى:
стр. 248
تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشاءُ (١) الآية.
ومع أن القسم غير واجب عليه إلا أنه فعل الأليق والأفضل، وكان أعدل ما يكون بين زوجاته رضى الله عنهن.
الوجه السادس: الترك للمطلوب خوفا من وقوع مفسدة أعظم من مصلحة.
مثاله: قوله ﷺ : «لولا أن قومك حديث عهد بالجاهلية فأخاف أن تنكر قلوبهم أن أدخل الجدر فى البيت وأن ألصق بابه بالأرض» (٢) - وفى رواية: «لأسست البيت على قواعد إبراهيم».
حكم المفسر (٣):
قال العلماء: إن حكم المفسر هو وجوب العمل به قطعا مع احتمال أن يصير منسوخا فى زمن النبى ﷺ ، وأما بعد وفاته فكل القرآن محكم، لا يحتمل النسخ لأن نسخ الكتاب إنما يكون بكتاب أو سنة كما سيأتى، ومعلوم أنه بعد وفاته ﷺ لا ينزل كتاب ولا تحدث سنة.
٣ - النص:
وهو مأخوذ من قولك نصصت الدابة إذا حملتها على سير فوق سيرها المعتاد، وسمى مجلس العروس منصة لزيادة ظهوره على سائر المجالس، ويأتى النص بمعنى منتهى الشيء (٤).
وفى الاصطلاح:
هو اللفظ الدال بصيغته على المعنى المقصود بالسوق أصالة مع احتمال التأويل وقبول النسخ فى عهد الرسالة.
стр. 249
وعرفه الشيخ العمريطي بقوله (١):
والنص عرفا كل لفظ وارد ... لم يحتمل إلا لمعنى واحد
كقد رأيت جعفرا وقيل ما ... تأويله تنزيله فليعلما
على العموم يطلق النص عند الفقهاء على ما قابل الإجماع والقياس، ويريدون به الكتاب والسنة وهو عند الأصوليين يطلق على ما قابل المحكم والمفسر والظاهر، ويريدون به التعريف المتقدم.
ومن أمثلته: قوله الله تعالى: وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا (٢) فإن هذا القول الكريم ظاهر فى تحليل البيع وتحريم الربا، ونص فى التفرقة بين البيع والربا ردّا على الكفرة الذين يقولون بأنهما متماثلان، ولكن هذه التفرقة لم تفهم بدون انضمام قوله تعالى:
إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا (٣) والكلام الواحد يجوز أن يكون ظاهرا فى معنى نصّا فى معنى آخر، كما يجوز أن يكون الكلام ظاهرا باعتبار لفظ نصّا باعتبار لفظ آخر كقوله تعالى: فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ (٤) فإن لفظ انكحوا ظاهر فى حل النكاح إلا أنه مسوق لإثبات العدد باعتبار قوله: مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ فكان نصّا فى إثبات العدد والكلام سيق لبيان العدد بدليل السياق، وهو قوله تعالى:
فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ فالآية ظاهرة فى الإباحة نص فى بيان العدد (٥) وكذلك الأمر فى قوله تعالى:
الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ
стр. 250
فإن اللفظ نص فى إفادة وجوب الجلد إذ هو مسوق لذلك، وهو ما تفيده الصيغة بنفسها، وإن كان ظاهرا فى حرمة الزنى لأنه المتبادر إلى الذهن من نفس الصيغة.
حكم النص:
قال العلماء يجب العمل بمدلول النص حتى يقوم دليل على تأويله أو تفسيره أو نسخه فإن كان مطلقا بقى على إطلاقه حتى يدل دليل على تقييده كما قيدت الوصية فى قوله تعالى:
مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها أَوْ دَيْنٍ (١) بعدم الزيادة على الثلث بحديث سعد- الثلث والثلث كثير (٢).
وإن كان عامّا بقى على عمومه حتى يدل دليل على تخصيصه، كما خصص العموم فى قوله تعالى: وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ (٣) بقوله تعالى: وَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً (٤) وقصر لفظ المطلقات فى قوله تعالى: وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ (٥) على المدخول بهن غير الحوامل بقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَما لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها (٦) وقوله تعالى: وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ (٧) ويبقى اللفظ سواء كان خاصّا أو عامّا على حقيقته حتى يقوم دليل على أن المراد به مجازه، كما دلت القرينة على أن المراد بالصاع فى قوله