وذهب القاضى أبو يعلى الحنبلى إلى الثانى، ولعله نظر إلى الكتابة على أنها علامة على الكلام.
وذهب أبو الحسين البصرى إلى أنها قسيم لكل من القول والفعل.
الرابع:
البيان بالإشارة (١) وقد بين النبى ﷺ بها حين قال: «الشهر هكذا وهكذا» (٢) وأشار بأصابعه العشرة وقبض الإبهام فى الثالثة يعنى تسعة وعشرين، فإن رفع الأصابع يقصد به أن عدد الأيام فى الشهر كعدد الأصابع المرفوعة.
الخامس:
البيان بالتنبيه (٣) على العلة كقوله ﷺ فى بيع الرطب بالتمر أينقص الرطب إذا جف (٤)؟ قالوا نعم فنهى عن ذلك وقوله فى قبلة الصائم: «أرأيت لو تمضمض» (٥)؟
السادس:
ما خص العلماء بيانه عن اجتهاد وهو ما فيه الوجوه الخمسة إذا كان الاجتهاد موصلا إليه من أحد وجهين، إما من أصل يعتبر هذا الفرع به، وإما من طريق أمارة تدل عليه.
قال الشوكانى (٦) ﵀:
وزاد شارح اللمع وجها سابعا وهو البيان بالترك. والحق أن الترك (٧) يقع لوجوه هى:
стр. 247
الوجه الأول: الترك بحكم الجبلة والطبيعة.
مثاله: ترك النبى ﷺ أكل لحم الضبّ وتعليله ذلك بقوله: «إنه لم يكن بأرض قومى فأجدنى أعافه» (١). فهذا ترك لا حرج فيه.
الوجه الثانى: الترك لحق الغير.
مثاله: تركه ﷺ أكل الثوم والبصل لحق الملائكة.
وهذا ترك مباح لا حرج فيه أيضا لحق الغير.
الوجه الثالث: الترك خوف الافتراض.
مثاله: ترك صلاة القيام فى المسجد فى رمضان (٢). فقد كان ﷺ يترك العمل مخافة أن يعمل به الناس فيفرض عليهم.
الوجه الرابع: الترك لما لا حرج فى فعله.
مثاله: إعراضه ﷺ عن غناء الجاريتين فى بيته فى يوم عيد الفطر، وقوله لأبى بكر: «إن لكل قوم عيدا وهذا عيدنا» (٣).
الوجه الخامس: ترك المباح إلى ما هو الأفضل.
مثاله: القسم بين الزوجات لم يكن واجبا فى حقه ﷺ ، وذلك من باب الخصوصية قال تعالى:
стр. 248
تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشاءُ (١) الآية.
ومع أن القسم غير واجب عليه إلا أنه فعل الأليق والأفضل، وكان أعدل ما يكون بين زوجاته رضى الله عنهن.
الوجه السادس: الترك للمطلوب خوفا من وقوع مفسدة أعظم من مصلحة.
مثاله: قوله ﷺ : «لولا أن قومك حديث عهد بالجاهلية فأخاف أن تنكر قلوبهم أن أدخل الجدر فى البيت وأن ألصق بابه بالأرض» (٢) - وفى رواية: «لأسست البيت على قواعد إبراهيم».
حكم المفسر (٣):
قال العلماء: إن حكم المفسر هو وجوب العمل به قطعا مع احتمال أن يصير منسوخا فى زمن النبى ﷺ ، وأما بعد وفاته فكل القرآن محكم، لا يحتمل النسخ لأن نسخ الكتاب إنما يكون بكتاب أو سنة كما سيأتى، ومعلوم أنه بعد وفاته ﷺ لا ينزل كتاب ولا تحدث سنة.
٣ - النص:
وهو مأخوذ من قولك نصصت الدابة إذا حملتها على سير فوق سيرها المعتاد، وسمى مجلس العروس منصة لزيادة ظهوره على سائر المجالس، ويأتى النص بمعنى منتهى الشيء (٤).
وفى الاصطلاح:
هو اللفظ الدال بصيغته على المعنى المقصود بالسوق أصالة مع احتمال التأويل وقبول النسخ فى عهد الرسالة.
стр. 249
وعرفه الشيخ العمريطي بقوله (١):
والنص عرفا كل لفظ وارد ... لم يحتمل إلا لمعنى واحد
كقد رأيت جعفرا وقيل ما ... تأويله تنزيله فليعلما
على العموم يطلق النص عند الفقهاء على ما قابل الإجماع والقياس، ويريدون به الكتاب والسنة وهو عند الأصوليين يطلق على ما قابل المحكم والمفسر والظاهر، ويريدون به التعريف المتقدم.
ومن أمثلته: قوله الله تعالى: وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا (٢) فإن هذا القول الكريم ظاهر فى تحليل البيع وتحريم الربا، ونص فى التفرقة بين البيع والربا ردّا على الكفرة الذين يقولون بأنهما متماثلان، ولكن هذه التفرقة لم تفهم بدون انضمام قوله تعالى:
إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا (٣) والكلام الواحد يجوز أن يكون ظاهرا فى معنى نصّا فى معنى آخر، كما يجوز أن يكون الكلام ظاهرا باعتبار لفظ نصّا باعتبار لفظ آخر كقوله تعالى: فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ (٤) فإن لفظ انكحوا ظاهر فى حل النكاح إلا أنه مسوق لإثبات العدد باعتبار قوله: مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ فكان نصّا فى إثبات العدد والكلام سيق لبيان العدد بدليل السياق، وهو قوله تعالى:
فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ فالآية ظاهرة فى الإباحة نص فى بيان العدد (٥) وكذلك الأمر فى قوله تعالى:
الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ
стр. 250
فإن اللفظ نص فى إفادة وجوب الجلد إذ هو مسوق لذلك، وهو ما تفيده الصيغة بنفسها، وإن كان ظاهرا فى حرمة الزنى لأنه المتبادر إلى الذهن من نفس الصيغة.
حكم النص:
قال العلماء يجب العمل بمدلول النص حتى يقوم دليل على تأويله أو تفسيره أو نسخه فإن كان مطلقا بقى على إطلاقه حتى يدل دليل على تقييده كما قيدت الوصية فى قوله تعالى:
مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها أَوْ دَيْنٍ (١) بعدم الزيادة على الثلث بحديث سعد- الثلث والثلث كثير (٢).
وإن كان عامّا بقى على عمومه حتى يدل دليل على تخصيصه، كما خصص العموم فى قوله تعالى: وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ (٣) بقوله تعالى: وَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً (٤) وقصر لفظ المطلقات فى قوله تعالى: وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ (٥) على المدخول بهن غير الحوامل بقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَما لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها (٦) وقوله تعالى: وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ (٧) ويبقى اللفظ سواء كان خاصّا أو عامّا على حقيقته حتى يقوم دليل على أن المراد به مجازه، كما دلت القرينة على أن المراد بالصاع فى قوله
стр. 251
صلى الله عليه وسلم: «لا تبيعوا الصاع بالصاعين» (١) ما يملأ الصاع من المكيلات (٢).
٤ - الظاهر:
وهو فى اللغة: الواضح (٣) وفى الاصطلاح: ما دل على المعنى دلالة ظنية أى راجحة (٤).
وعبارة ابن الحاجب (٥):
«الظاهر الواضح وفى الاصطلاح ما دل دلالة ظنية إما بالوضع كالأسد أو بالعرف كالغائط».
ومن أمثلته: قوله تعالى: وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا (٦) فإنه ظاهر فى حل البيع وتحريم الربا ولم يسق لهما، وقد فهما من نفس اللفظ، وإنما سيق هذا القول الكريم لنفى المماثلة بين البيع والربا.
وكذلك الأمر فى قوله تعالى: وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا (٧) فإنه ظاهر فى دلالته على وجوب طاعته ﷺ فى كل ما يأمر به أو ينهى عنه، وهذا المعنى هو المتبادر فهمه من نفس ألفاظ الآية الكريمة، إلا أنه ليس هو المقصود الأصلى من سياق الآية، لأن الآية مسوقة أصلا للدلالة على وجوب طاعة الرسول ﷺ فى قسمة الفيء (٨) وتدل تبعا على وجوب طاعته مطلقا.
стр. 252
حكم الظاهر:
قال العلماء يجب العمل بمعنى الظاهر كما هو حتى يقوم دليل على تفسيره أو تأويله (١) أو نسخه. وعليه فإن كان مطلقا بقى على إطلاقه حتى يدل دليل على تقييده، كما قيد الحل فى قوله تعالى:
стр. 253
وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ (١) بعدم الزيادة على أربع بقوله تعالى: مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ (٢) وبعدم الجمع بين المرأة وعمتها، أو خالتها بقوله ﷺ :
«لا يجمع بين المرأة وعمتها ولا بين المرأة وخالتها» (٣).
وإذا كان عامّا بقى على عمومه حتى يدل دليل على تخصيصه كما خصص عموم البيع فى قوله تعالى: وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ (٤) بنهى النبى ﷺ عن بيع الغرر (٥) وعن بيع الإنسان ما ليس عنده (٦) وبيع الثمر قبل أن يبدو صلاحه (٧).
الفرق بين النص والظاهر:
قبل ذكر الفرق بين النص والظاهر أرى من اللازم أن أذكر هنا أن التفرقة بين الظاهر والنص لم ينص عليها الإمام الشافعى ﵀ فى رسالته المشهورة التى تعتبر اللبنة الأولى، لعلم أصول الفقه، ومن ثم كان النص عنده هو الظاهر والظاهر هو النص بلا تفرقة بينهما.
стр. 254
قال الإمام أبو حامد الغزالى (١) ﵀:
«وأما الشافعى رضى الله عنه فإنه سمى الظاهر نصّا ثم قال: النص ينقسم إلى ما يقبل التأويل وإلى ما لا يقبله، والمختار عندنا أن يكون النص ما لا يتطرق إليه التأويل .... وتسمية الظاهر نصا منطبق على اللغة لا مانع فى الشرع منه إذ معنى النص قريب من الظهور. تقول العرب: نصت الظبية رأسها إذا رفعته وأظهرته، وسمى الكرسى منصة إذ تظهر عليه العروس».
فالإمام الشافعى ﵀ لم يذكر فرقا بين النص والظاهر، ولكن الأصوليين من بعده فرقوا بينهما لأن الفروع الفقهية التى استنبطها الفقهاء من بعده ومن قبله توجب الأخذ بالتفرقة بين نوعين من العبارات:
عبارات قوية الدلالة فى الأحكام بحيث لا يتطرق إليها الاحتمال، أو الاحتمال الناشئ عن الدليل، ونصوص يتطرق إليها الاحتمال ولكنها ظاهرة فى معنى، ولا يخطر على الذهن عند سماعها سواه، وإن كانت هى فى ذاتها تحتمل غيره، وكل له مرتبة فى الاستدلال فلا مانع من أن يطلق على أحدهما اسم ينبئ عن مرتبته ويوضح موضعه من الآخر.
على العموم إن كلا من النص والظاهر يحتمل التأويل لكن الفرق بينهما يتضح فيما يلى:
أولا: عند التعارض بينها يرجح النص على الظاهر كما سيأتى مثاله قريبا.
ثانيا: احتمال النص التأويل أبعد من احتمال الظاهر.
ثالثا: أن دلالة النص على معناه أوضح من دلالة الظاهر على معناه.
стр. 255
رابعا: أن معنى النص هو المقصود الأصلى من سوق الكلام، بخلاف الظاهر فمعناه مقصود تبعا لا أصالة من سوق الكلام.
مراتب واضح الدلالة:
ذكرت فيما سبق الأقسام الأربعة للفظ الواضح الدلالة وهى: المحكم والمفسر والنص والظاهر، وهى وإن كانت كلها واضحة الدلالة إلا أنها تتفاوت فى قوة وضوح دلالتها على المراد منها أقواها- كما ذكرت- المحكم- ثم المفسر ثم النص ثم الظاهر، ويظهر أثر هذا التفاوت عند التعارض فمثلا إذا تعارض نص وظاهر قدم النص لأنه أوضح دلالة من الظاهر، وإذا تعارض نص ومفسر قدم المفسر وفى الوقت نفسه يرجح المحكم ويقدم على الجميع، وإليك أمثلة للتعارض الظاهرى قدم فيها ورجح ما ذكرت. فبالمثال يتضح المقال:
أولا: التعارض بين النص والظاهر (١):
مثاله: قال تعالى:
стр. 256
وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ (١) فهذا القول الكريم نص فى أن مدة الرضاعة حولان، وظاهر فى وجوب الرضاعة على الأمهات.
وقوله تعالى: وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً (٢) ظاهر فى أن مدته حولان ونصف، لأنه سيق لمنة الوالدة على الولد، وليس لبيان مدة الرضاعة، فرجع الأول لأنه نص وهو
يجب العمل به قطعا، ولا يجوز العمل بخلافه.
وكذلك الأمر فى قوله تعالى: وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ (٣) مع قوله تعالى: فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ (٤) فالأول ظاهر فى الدلالة على إباحة الزواج بأكثر من أربع، فى حين أن الثانى نص فى تحريم الزيادة على أربع ومن هنا يرجح لقوته.
ثانيا: التعارض بين النص والمفسر:
قال ﷺ : «المستحاضة تتوضأ لكل صلاة» (٥).
فهذا القول الكريم نص فى إيجاب الوضوء على المستحاضة لكل صلاة،
стр. 257
لأنه المتبادر إلى الذهن من المقصود بالسياق (١)، ويحتمل التأويل باستعارة اللام للتوقيت- أى لوقت كل صلاة، وعليه ففيه مجاز بالحذف، وهو يتعارض مع ما روى عنه ﷺ :
«المستحاضة تتوضأ لوقت كل صلاة» (٢) لأنه مفسر لا يحتمل التأويل، وإن كان يحتمل النسخ فى عهده ﷺ ، ومن ثم فيرجح هذا المفسر لقوته، وعليه فيصح لها أن تصلى صلوات بوضوء واحد فى وقت كل صلاة مفروضة (٣).
ثالثا: التعارض بين المفسر والمحكم:
قال تعالى: وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ (٤) فإن هذا القول الكريم مفسر لأنه مسوق لإفادة قبول شهادة العدلين مطلقا، حتى ولو كانا محدودين فى قذف، ولا تحتمل العبارة غير قبول شهادة العدول مطلقا، لأن الإشهاد إنما يكون للقبول عند الأداء.
وقوله جل شأنه: وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً (٥) يقتضى عدم قبول شهادة المحدود فى قذف وإن تاب، وصار عدلا.
فهو محكم فى رد شهادته، إذ لا يحتمل النسخ للتأبيد فرجح (٦).
رابعا: من أمثلة التعارض بين الأقسام الأربعة:
قوله تعالى: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ (٧)
стр. 258
فإنه ظاهر فى معناه بالنظر إلى من يعرف العربية، ونص من حيث إن الغرض من سوق الكلام إيجاب الصلاة، ومفسر من حيث إنها كانت مجملة وفسرها النبى ﷺ بفعله وقوله: «صلوا كما رأيتمونى أصلى» كما أنها كانت تحتمل أن لا يتكرر وجوبها لأن الأمر كما يرى بعض الأصوليين (١) لا يقتضى التكرار. كما كان ذلك
يحتمل النسخ فى عصره ﷺ فجاء قوله تعالى:
إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً (٢) أى مفروضا مؤقتا يقتضى التكرار، فهذه الآية الكريمة محكمة فى التوقيت فرجحت (٣).
وكذلك الأمر فى قوله تعالى: فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٤) فقوله: فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ ظاهر فى سجودهم، وبقوله تعالى: كُلُّهُمْ ازداد وضوحا على الأول، فصار نصّا وبقوله: أَجْمَعُونَ انقطع أى احتمال فصار مفسرا، ولما كان ذلك إخبارا من الشارع لا يقبل النسخ فيكون محكما (٥).
هذا وقد قال العلماء إن أتت معارضة بين نص وظاهر، أو بين محكم ومفسر أو بين الأربعة جميعا فهى معارضة صورية لأن أحدهما- كما تقدم- أولى من الآخر باعتبار الوصف.
стр. 259
المبحث الثانى فى غير واضح الدلالة
غير واضح الدلالة من النصوص هو ما لا يدل على المراد منه بنفس صيغته، بل يتوقف فهم المراد منه على أمر خارجى. إن كان يزال خفاؤه بالبحث والاجتهاد، فهو الخفى أو المشكل، وإن كان لا يزال خفاؤه إلا بالاستفسار من الشارع نفسه، فهو المجمل، وإن كان لا سبيل إلى إزالة خفائه أصلا فهو المتشابه. فغير واضح الدلالة قسمه الأصوليون إلى أربعة أقسام ليست فى مرتبة واحدة فى الخفاء، وإنما هى متفاوتة فأعلاها التشابه، وأقل منه خفاء المجمل، ثم المشكل ثم الخفى.
وهذه الأقسام الأربعة أضداد تقابل الأقسام المذكورة السابقة، فالخفى ضد الظاهر والمشكل ضد النص، والمجمل ضد المبين والمتشابه ضد المحكم، وإليك بيان المراد اصطلاحا بكل واحد منها وأمثلته وحكمه.
أولا: الخفى:
والمراد به عند الأصوليين: اللفظ الذى يدل على معناه دلالة ظاهرة، ولكن فى انطباق معناه على بعض الأفراد نوع غموض وخفاء تحتاج إزالته إلى نظر وتأمل (١).
فاللفظ حينئذ يعتبر خفيّا بالنسبة إلى هذا البعض من الأفراد، ومنشأ هذا الغموض أن الفرد فيه صفة زائدة على سائر الأفراد، أو ينقص عنها صفة أو له اسم خاص. فهذه الزيادة أو النقص أو التسمية الخاصة تجعله
стр. 260
موضع اشتباه، فيكون اللفظ خفيّا بالنسبة إلى هذا الفرد لأن تناوله له لا يفهم من نفس اللفظ بل لا بدّ له من أمر خارجى مثاله: قال تعالى: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما (١).
فلفظ السارق فى الآية الكريمة يطلق على من يأخذ مال الغير خفية من حرز مثله (٢)، وهذا هو المفهوم الشرعى له، والظاهر منه أنه يتناول جميع أفراده حتى من يسرق الناس فى يقظتهم بنوع من المهارة وخفة اليد وهو المسمى «الطرار» (٣) كما يتناول بحسب الظاهر النباش الذى يسرق أكفان الموتى فى قبورهم، لكن فى اختصاص من يسرق الناس فى يقظتهم باسم الطرار، وفى اختصاص من يسرق الأكفان باسم النباش جعل لفظ السارق خفى المعنى بالنسبة إليهما، لأن انطباق معناه عليهما.
لا يفهم من نفس اللفظ، بل لا بدّ له من أمر خارجى. فتسمية الطرار والنباش بهذا الاسم، أورثت شبهة فى صدق لفظ السارق عليهما، واحتيج فى معرفة ذلك إلى شىء من البحث والتأمل.
وقد بحث العلماء فى هذا فوجدوا أن الطرار سمى بهذا الاسم الخاص لزيادة معناه عن معنى السارق، لأن السارق يسرق الأعين النائمة وهذا يسارق الأعين المتيقظة، ومن ثم اتفقوا على تطبيق حكم السارق عليه (٤).
أما النباش فقد اختص بهذا الاسم لنقصانه فى معنى السرقة، لأنه لا يأخذ مالا مرغوبا فيه من حرز أو حافظ، لأن القبر لا يصلح أن يكون حرزا، والميت لا يصلح حافظا فلا يتناوله لفظ السارق، فلا يقام عليه
стр. 261
حد السرقة، وإنما يعزر وذلك عند الإمام أبى حنيفة ﵀ (١). أما الجمهور فيرى أن لفظ السارق يتناول النباش، لأن اختصاصه بهذا الاسم لا ينفى انطباق معنى السارق عليه، وإنما يكون هذا الاختصاص كاختصاص نوع معين من أنواع الجنس باسم فيبقى مندرجا تحت هذا الجنس، وعليه فيكون النباش نوعا من أنواع جنس السارق فيصدق عليه اسم السارق.
وكون القبر غير حرز مرفوض، لأنه يصلح أن يكون حرزا بالنسبة للكفن، لأنه معروف أن حرز كل شىء ما يناسبه، وكون الكفن غير مرغوب فيه لا يمنع ماليته، وتقومه فيتحقق الشرط فى المسروق وهو كونه مالا متقوما، ومن ثم يقام على النباش حد السرقة (٢).
هذا ومما عرض له الخفاء فى بعض أفراده بسبب وصف يميز هذا البعض عن غيره لفظ القاتل فى قوله ﷺ : «لا يرث القاتل شيئا» (٣) فإن دلالته على القاتل عمدا ظاهرة، أما دلالته على القاتل خطأ ففيها شىء من الخفاء منشؤه الخطأ، فإن الحرمان من الإرث عقوبة فهل يستحقها المخطئ كما يستحقها المتعمد؟
ذهب المالكية (٤) ومن نهج نهجهم إلى القول بعدم دخول القاتل خطأ فى الحديث، وذلك لأنه لم يقصد القتل، وعليه فليس من الإنصاف حرمانه من الإرث.
أما الحنفية (٥) فسووا بين المخطئ والمتعمد، لأنه قصّر فى حالة
стр. 262
تستدعى وتستلزم المبالغة فى الحيطة والحذر، ولو قلنا بتوريثه لا نفتح للمجرمين باب يدخلون منه إلى استعجال إرث الأغنياء من مورثيهم بقتلهم وادعاء الخطأ فيه، ومن القواعد الفقهية المعروفة- من استعجل شيئا قبل أوانه عوقب بحرمانه (١).
حكم الخفى (٢):
هو النظر والتأمل فى العارض الذى أوجب الخفاء فى انطباق اللفظ على بعض أفراده، فإن رؤى أن اللفظ يتناوله جعل من أفراده وأخذ حكمه كما فى الطرار، وإن رؤى أن اللفظ لا يتناوله لم يأخذ حكمه، وقد يتفق العلماء فى نتيجة تأملهم وبحثهم وقد يختلفون.
ثانيا: المشكل:
المشكل كما تقدم ضد النص وهو مأخوذ من قول القائل: أشكل على كذا أى دخل فى أشكاله وأمثاله، كما يقال: أحرم أى دخل فى الحرم، وأشتى أى دخل فى الشتاء، وأشأم أى دخل فى الشام.
قال الشيخ محمد المحلاوى الحنفى ﵀ (٣):
المشكل مأخوذ من أشكل على الأمر دخل فى أشكاله وأمثاله، ولذا قيل إن المشكل كرجل تغرب عن وطنه واختلط بأشكاله من الناس، فيطلب موضعه ويتأمل فى أشكاله ليوقف عليه.
وأما المشكل فى الاصطلاح: فهو اسم لما يشتبه المراد منه بدخوله فى أشكاله على وجه لا يعرف المراد إلا بدليل يتميّز به من بين سائر الأشكال (٤). والمتأمل فى كل من الخفى والمشكل يجد أن فى كل
стр. 263
واحد منهما خفاء غير، أن سبب الخفاء فى الخفى ليس من نفس اللفظ، ولكن فى الاشتباه فى انطباق معناه على بعض أفراده لعوامل خارجية، لذا فإن يعرف المراد منه ابتداء.
أما سبب الخفاء فى المشكل فمن نفس اللفظ لكونه مشتركا وضع فى أصل اللغة لأكثر من معنى أو لتعارض ما يفهم من نص ما يفهم من نص آخر.
أقسام المشكل:
قسم العلماء الإشكال إلى قسمين:
القسم الأول:
إشكال ناتج من غموض فى المعنى المراد حيث إن اللفظ مشترك ولا بد من وجود قرينة خارجية تعينه.
مثال هذا القسم:
قال تعالى: وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ (١) فالقرء موضوع لكل من الطهر والحيض، ومن ثم أشكل الأمر على الفقهاء هل عدة المطلقة من ذوات الحيض ثلاثة أطهار أم ثلاث حيضات؟ وقد تقدم موقفهم بشيء من التفصيل.
القسم الثانى:
إشكال ناتج وناشئ من تعارض ما يفهم من نص مع ما يفهم من نص آخر مع أن كل نص على حدة لا إشكال فى دلالته، وإنما ينشأ الإشكال من مقابلة النصين، ومحاولة التوفيق بينهما.
ومن أمثلة هذا القسم:
قال تعالى: قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ (٢)
стр. 264
وقال تعالى: ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ (١).
وظاهر هذين النصين التعارض، ولكن فى الحقيقة لا يوجد أدنى تعارض بينهما، لأن نسبة السيئة إلى النفس فى الآية الأولى المراد بها التسبب والكسب بسبب الذنوب، وأما قوله تعالى: قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ.
فهو على الحقيقة أى خلقا وايجادا.
حكم المشكل:
الطريق لإزالة الإشكال فى اللفظ المشكل هو اجتهاد المجتهد، لأن الإشكال فى النصوص الفقهية ليس معناه إبهاما لا يفهم منه الحكم، بل معناه احتمال فى اللفظ أو فى الأسلوب، يجعل المعنى لا يفهم إلا بعد التأمل والترجيح، ومن ثم فإن هذا يعدّ من قبيل الإبهام النسبى لا من قبيل الإبهام الذى يحتاج إلى تفسير من السنة إن كان قرآنا، ولذلك يزول الإشكال باجتهاد المجتهدين والتوفيق بين النصوص والمقاصد العامة.
ثالثا: المجمل:
المجمل فى اللغة: المبهم مأخوذ من أجمل الأمر (٢) بمعنى أبهمه، ويقال أجمل الشيء يعنى جمعه.
وفى الاصطلاح: هو ما لم تتضح دلالته أى ما له دلالة غير واضحة (٣).
فقوله: «ما» جنس فى التعريف يشمل اللفظ والفعل.
وقوله: «دلالة» قيد يخرج به المهمل فإنه لا دلالة فيه على شىء
стр. 265
كديز مقلوب زيد، وعليه فلا يوسف المهمل الذى لا معنى له بإجمال أو بيان.
وقوله: «غير واضحة» قيد آخر يخرج به المبين، فإن الدلالة فيه واضحة.
على العموم سبب الخفاء وعدم الإيضاح فى المجمل لفظى لا عارضى بمعنى أن اللفظ المجمل لا يدل بصيغته على المراد منه، ولا توجد قرائن لفظية أو حالية تبينه، بل لا بدّ من الرجوع إلى الشارع نفسه لمعرفة المراد من اللفظ.
أقسام المجمل:
المجمل على أقسام ثلاثة هى (١):
١ - مجمل بين معانيه الحقيقية التى وضع اللفظ لها كقوله تعالى:
وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ (٢) فإن لفظ القرء كما تقدم موضوع للحيض بوضع وللطهر بوضع آخر ولم تقم قرينة على المراد.
٢ - مجمل بين أفراد الحقيقة الواحدة لأن المراد فرد معين من هذه الأفراد، ولم يقم الدليل على تعيينه وذلك كقول الله تعالى:
إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً (٣) فإن لفظ البقرة موضوع لحقيقة واحدة معلومة ولها أفراد، والمراد فرد معين بدليل أن بنى إسرائيل حين سألوا عن البقرة ولونها، أجابهم الله عن أسئلتهم وأقرهم عليها، فكان هذا مشعرا بالتعيين.
٣ - مجمل بين مجازاته وذلك إذا انتفت الحقيقة، أى ثبت عدم إرادتها
стр. 266
وتكافأت المجازات يعنى لم يترجح واحد منها على الآخر بمرجح من المرجحات المذكورة فى باب التعارض والترجيح، وذلك مثل قوله ﷺ : «لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب» (١) على رأى أبى عبد الله البصرى ﵀، فإن حقيقة هذا اللفظ هو نفى ذات الصلاة عند عدم قراءة أم الكتاب، ولكن هذه الحقيقة غير مرادة للشارع، لأنا نشاهد الذات قد تقع بدون القراءة فتعين الحمل على المجاز، وهو إضمار الصحة أو الكمال، ولما كان إضمار الصحة أقرب إلى نفى الذات كان أرجح من إضمار نفى الكمال، وذلك لأن نفى الذات يستلزم انتفاء جميع الصفات، ولا شك أن نفى الصحة أقرب إليه فى هذا المعنى من نفى الكمال، لأنه لا يبقى مع نفى الصحة وصف بخلاف نفى الكمال فإن الصحة تبقى معه.
هذا وقد قال العلماء: إن الإجمال واقع فى الكتاب والسنة، وقال أبو بكر الصيرفى ﵀: ولا أعلم أحدا أبى هذا غير داود الظاهرى ﵀. وقيل إنه لم يبق مجمل فى كتاب الله تعالى بعد موته ﷺ (٢).
وقال إمام الحرمين الجوينى ﵀ (٣): إن المختار عندنا أن كل ما يثبت التكليف به لا إجمال فيه، لأن التكليف بالمجمل تكليف بالمحال، وما لا يتعلق به تكليف فلا يبعد استمرار الإجمال فيه بعد وفاته ﷺ .
وقال الماوردى والرويانى رحمهما الله (٤): يجوز التعبد بالخطاب المجمل قبل البيان، لأنه ﷺ بعث معاذا إلى اليمن وقال له:
стр. 267
«ادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وأنى رسول الله، فإن هم اطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات فى كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم» (١).
فالرسول ﷺ تعبدهم بالتزام الزكاة قبل بيانها.
قالا: وإنما جاز الخطاب بالمجمل وإن كانوا لا يفهمونه لأحد أمرين:
الأول: أن يكون إجماله توطئة للنفس على قبول ما يتعقبه من البيان، فإنه لو بدأ فى تكليف الصلاة بها لجاز أن تنفر النفوس منها ولا تنفر من إجمالها.
الثانى: أن الله تعالى جعل من الأحكام جليّا، وجعل منها خفيّا ليتفاضل الناس فى العمل بها ويثابوا على الاستنباط لها، فلذلك جعل منها مفسرا جليا وجعل منها مجملا خفيّا.
حكم المجمل:
قال العلماء: إن المجمل يتوقف فى تعين المراد منه حتى يأتى البيان من الشارع، ومن هنا إذا بيّن المجمل فقد يكون البيان بيانا وافيا قطعيا وقد يكون بيانا وافيا ظنيا وقد يكون بيانا غير واف.
فإذا جاء البيان وافيا بدليل قطعى التحق المجمل بالمفسر، وصار حكمه كحكمه وذلك مثل كلمة (هلوع) فى قول الله تعالى:
إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعاً فقد بينه الله بقوله بعده:
إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً* وَإِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً (٢) ومن ذلك أيضا بيان الرسول ﷺ للصلاة والصيام والزكاة والحج، فإن بيانه ﷺ لهذه الأركان كان وافيا قطعيّا.
стр. 268
أما إذا كان البيان بدليل ظنى سواء كان ظنى الثبوت فقط، أو ظنى الدلالة فقط أو ظنى الثبوت والدلالة فإنه فى هذه الحالة يلتحق المجمل بالمؤول، لأن البيان بالدليل الظنى لا يكفى وحده لإزالة الإجمال، بل يبقى اللفظ محتملا للتأويل، ويكون الشارع بهذا البيان قد فتح الطريق أمام المجتهدين للتأويل بالبيان والنظر ومن ذلك أن مسح الرأس فى الوضوء جاء مجملا فى مقدار ما يمسح وقد بينه ما روى أنه ﷺ توضأ ومسح ناصيته (١).
لكن يلاحظ أن هذا الحديث المبين لمقدار ما يمسح حديث ظنى لا قطعى. وأما إذا لم يكن البيان وافيا التحق المجمل بالمشكل، وانفتح باب الاجتهاد لبيانه، لأنه حيث لم يبين الشارع المعنى فمقتضاه أن يترك أمر بيانه للمجتهد فيصير حكمه حكم المشكل وهو الطلب، والبحث عن القرائن للوقوف على المعنى المراد.
مثال ذلك: قال الله تعالى: وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا (٢).
وقال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا أَضْعافاً مُضاعَفَةً (٣).
فلفظ الربا جاء فى القرآن مجملا وقد ورد فى السنة أن الرسول ﷺ قال فى بيان الربا: «الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والملح بالملح والتمر بالتمر مثلا بمثل سواء بسواء بدا بيد فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد» (٤).
فهذا الحديث الشريف ظنى، ولم يحصر الربا فى هذه الأنواع الستة
стр. 269
حتى يقتصر الربا عليها، ولم يبين بيانا وافيا أنه يشمل غيرها أيضا فكان اللفظ مع هذا البيان محتملا للتأويل والنظر وبقى مشكلا لا مفسرا، ويكون الطريق قد ذلل (١) أمام المجتهدين بهذا البيان لمعرفة ما يكون فيه الربا قياسا على ما ورد فى الحديث.
رابعا: المتشابه:
عرف الأصوليون المتشابه فقالوا: هو اللفظ الذى خفى المراد منه فلا تدل صيغته على المراد منه، ولا سبيل إلى إدراكه إذ لا توجد قرينة تزيل هذا الخفاء واستأثر الشارع بعلمه (٢).
ومن أمثلته: قال تعالى: الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى (٣).
وقال سبحانه: يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ (٤) وكذلك الحروف المقطعة فى أوائل السور.
والمتأمل فى القرآن الكريم، يجد أن الألفاظ المتشابهة لا توجد فى آيات الأحكام الشرعية العملية كما ثبت ذلك بالاستقراء (٥)، وذلك
стр. 270
لأن نصوص الأحكام يراد بها العمل والتطبيق لا مجرد الاعتقاد، ولا يمكن العمل بها إذا كانت متشابهة، وحيث إنها شرعت للعمل بمقتضاها فيلزم أن لا يكون فيها أى تشابه.
إذا علم هذا تبين لنا أن المتشابه بالمعنى الذى أراده الأصوليون، ليس من بحث الأصول، وإنما هو من أبحاث علم الكلام، وكل ما يمكن أن نقوله هنا هو أن الحروف
المقطعة وآيات الصفات ليست من قبيل المتشابه الذى يريدونه لأن الحروف المقطعة جاءت لبيان أن القرآن مؤلف من هذه الحروف وأمثالها، ومع هذا فقد عجز البشر عن الإتيان بمثل آية منه، وهذه آية إعجازه وكونه من عند الله.
وكذلك الأمر فى آيات الصفات فتحمل على المعنى اللائق بالله ، لأن ذاته سبحانه لما كانت مغايرة لذواتنا كانت صفاته أيضا كذلك، قال تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١).
لكن هل لذكر المتشابه فى القرآن حكمة؟
والجواب نعم وإليك بعضا منها:
١ - رحمة الله بالإنسان الضعيف الذى لا يطيق معرفة كل شىء. لذا فقد حجب الله عنه معرفة الساعة حتى لا يفتك به الخوف والهلع لو أدرك بالتحديد شدة قربها منه.
٢ - الابتلاء والاختبار: أيؤمن الإنسان بالغيب ثقة بخبر الصادق أم لا؟
فالذين اهتدوا يقولون: آمنا وإن لم يعرفوا على التعيين والذين فى قلوبهم زيغ يكفرون به.
٣ - إقامة الدليل على عجز الإنسان وجهله مهما عظم استعداده، وغزر
стр. 271
علمه، وإقامة شاهد على قدرة الله الخارقة، وأنه وحده الذى أحاط بكل شىء علما.
٤ - اشتمال القرآن على المحكم والمتشابه يجعل الناظر فيه مضطرا إلى تحصيل علوم كثيرة مثل اللغة والنحو وأصول الفقه مما يعينه على النظر والاستدلال، فكان وجود المتشابه سببا فى تحصيل هذه العلوم.
٥ - باشتمال القرآن على المحكم والمتشابه، يضطر الناظر والباحث فيه إلى الاستعانة بالأدلة العقلية فيتخلص من ظلمة التقليد وفى ذلك تنويه بشأن العقل، والتعويل عليه ولو كان كله محكما لما احتاج إلى الدلائل العقلية ولظل العقل مهملا.
стр. 272
الفصل الرابع فى كيفية دلالة اللفظ على المعنى وفيه مبحثان
المبحث الأول: فى طرق الدلالة عند الحنفية المبحث الثانى: فى دلالة الكلام على المعانى عند الشافعية
تمهيد:
معلوم أنه لا يمكن استنباط الأحكام الواردة فى القرآن الكريم والسنة النبوية إلا بعد فهم المعنى، وهذا الفهم إما أن يكون طريقه عبارة النص أو إشارته أو دلالته أو اقتضاءه. وعلى هذا فالحكم المستفاد من اللفظ إما أن يكون ثابتا بنفس اللفظ أولا، فإن كان ثابتا بنفس اللفظ ننظر: إن كان اللفظ مسوقا له فهو العبارة وإلا فهو الإشارة. وإن لم يكن ثابتا بنفس اللفظ بل مفهوم منه لغة فهو دلالة النص أو مفهوم منه شرعا فهو الاقتضاء.
على العموم طرق الدلالة عند الحنفية مغايرة لطرق الدلالة عند الشافعية، وسأتكلم عند ذلك بعون الله تعالى بشيء من التفضيل فى مبحثين فأقول وبالله التوفيق:
стр. 273
المبحث الأول طرق الدلالة عند الحنفية
حصر السادة الحنفية طرق دلالة النص فى الأربعة المتقدمة وهى (١):
(أ) عبارة النص.
(ب) إشارة النص.
(ج) دلالة النص.
(د) اقتضاء النص.
هذه هى طرق الدلالة عندهم وقد قالوا: إن تعارضت هذه الطرق قدّم أقواها وهو عبارة النص فإشارته فدلالته وأخيرا دلالة الاقتضاء، وستأتى أمثلة لذلك إن شاء الله وإليك بيان الطرق الأربعة:
أولا: عبارة النص ودلالتها على الأحكام:
المراد بعبارة النص: دلالة اللفظ على المعنى المتبادر فهمه من نفس صيغته، سواء كان هذا المعنى هو المقصود من سياقه أصالة أو تبعا (٢).
فكل معنى يفهم من ذات اللفظ واللفظ مسوق لإفادة هذا المعنى أصالة أو تبعا، يعتبر من دلالة العبارة، ويطلق عليه المعنى الحرفى للنص أى المعنى المستفاد من مفردات الكلام وجمله (٣).
стр. 274
مثال ذلك:
(أ) قال تعالى: وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا (١).
فهذا النص الكريم تدل صيغته دلالة ظاهرة على معنيين كل منهما مقصود من سياقة:
أحدهما: أن البيع ليس مثل الربا.
ثانيهما: أن حكم البيع هو الإحلال وحكم الربا التحريم.
ولا شك أن هذين المعنيين مفهومان من عبارة النص، ومقصودان من سياقه، ولكن المعنى الأول مقصود من السياق أصالة، لأن الآية جاءت للرد على من زعم أن البيع مثل الربا.
أما المعنى الثانى فمقصود من السياق تبعا وذلك لأن نفى المماثلة استتبع بيان حكم كل من البيع والربا حتى يؤخذ من اختلاف الحكمين أنهما غير متماثلين، ولو كان المقصود ما سيق الكلام له أصالة فقط لقال: ليس البيع مثل الربا. دون بيان حكم كل منهما، وإنما العبارة دلت على أنه يقصد منها تبعا بيان حكم كل منهما إذ قد يتصور نفى المماثلة بينهما فى الصورة دون الحكم.
(ب) قال تعالى: فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ (٢) فهذا النص الكريم يدل بعبارته على ثلاثة معان هى:
الأول: إباحة الزواج.
الثانى: قصر عدد الزوجات على أربع كحدّ أقصى للتعدّد فى وقت واحد.
стр. 275
الثالث: الاقتصار على زوجة واحدة عند خوف الظلم حال تعدد الزوجات.
وهذه المعانى المذكورة مقصودة من السياق فهى مفهومة ومستفادة من عبارة النص وألفاظه، إلا أن المعنى الثانى والثالث مقصودان أصالة، لأن الآية سيقت فى شأن الأوصياء الذين كانوا يتحرجون من الوصاية على اليتامى خوفا من الوقوع فى أكل أموالهم مع أنهم لا يتحرجون عن ترك العدل بين الزوجات، حيث كان الواحد منهم يجمع ما يشاء من الزوجات فى عصمته من غير حصر ولا يعدل بينهن فقال لهم الله : إن خفتم الوقوع فى ظلم اليتامى فخافوا أيضا عدم العدل بين الزوجات، واقتصروا على أربع، فإن خفتم الجور فيكفى واحدة.
فالاقتصار على أربع أو على واحدة مقصودان من السياق أصالة.
أما إباحة الزواج وهو المعنى الأول فهو المقصود التبعى من سياق الآية، فالله قد ذكره على سبيل التبع للتوصل إلى المعنيين المقصودين أصالة.
ثانيا: إشارة النص ودلالتها على الأحكام:
إشارة النص هى: دلالة اللفظ على معنى غير مقصود من سياقه لا أصالة ولا تبعا، ولكنه لازم للمعنى الذى سيق الكلام من أجله.
فالنص لا يدل على هذا المعنى بصيغته، وإنما يشير إلى هذا المعنى بطريق الالتزام. وما يشير إليه النص قد يحتاج فهمه إلى دقة نظر لخفاء التلازم وقد يكون التلازم ظاهرا يعرف بأدنى تأمل (١).
هذا والأصل فى دلالة إشارة النص أن تكون قطعية كدلالة العبارة إلا إذا وجدت قرينة تصرفها عن ذلك.
стр. 276
مثال ذلك: (أ) قال تعالى:
وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ (١).
فهذه الآية الكريمة تفيد بطريق عبارة نصها ما يأتى:
١ - وجوب الإرضاع على الأمهات.
٢ - مدة الرضاع الكامل حولان كاملان.
٣ - نفقة المرضع على والده.
٤ - اختصاص الوالد بنسبة الولد إليه.
وهذه الأحكام مستفادة بطريق العبارة، لأن هذا هو المتبادر فهمه من النص المقصود من سياقه، ويلزم من اختصاص الوالد بولده المستفاد من اللام الموجودة فى لفظ (له) ما يأتى:
١ - أن الأب ينفرد فى وجوب النفقة عليه لولده فكما لا يشاركه أحد فى نسبة الولد إليه لا يشاركه أحد فى النفقة عليه.
٢ - للأب أن يأخذ من مال وليه ما يسدّ به حاجته لأن الولد نسب إلى والده بلام الملك فى قوله تعالى: وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ وظاهر أن تملّك ذات الولد غير ممكن لكونه حرّا، ولكن تملّك ماله يمكن فيجوز عند الحاجة إليه، وفى ذلك يقول ﷺ :
«أنت ومالك لأبيك» (٢). فهذان الحكمان لازمان للمعنى المتبادر فهمه من النص، وهو اختصاص الوالد بولده، وغير مقصودين من السياق ففهم هذين الحكمين عن طريق هذا اللزوم يسمى بإشارة النص.
стр. 277
(ب) قال تعالى:
أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ (١) فهذا النص الكريم يفهم بعبارته إباحة مخالطة النساء فى كل لحظة من الليل حتى يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر، ولما كانت هذه الإباحة تستلزم أن الصائم قد يصبح جنبا فيجتمع فى حقه وصفان: الجنابة والصيام، واجتماعهما معا يستلزم عدم تنافيهما وعدم فساد الصوم بالجنابة، فقد صح فى الحديث أن الرسول ﷺ كان يصبح جنبا وهو صائم (٢).
وإذا كانت الآية قد دلت بعبارتها على إباحة قربان الزوجة إلى آخر جزء من الليل، فإنها تدل بإشارتها إلى جواز أن يصبح الصائم جنبا، وهذا غير مقصود من سياق الآية، لكنه لازم للمعنى الذى دلت عليه الآية بعبارتها.
ثالثا: دلالة النص ودلالتها على الأحكام:
هى دلالة اللفظ (٣) على أن حكم المنطوق به ثابت لمسكوت عنه لفهم علة ذلك الحكم، بمجرد العلم باللغة، على معنى أنه يعرفها كل عارف باللغة دون حاجة إلى اجتهاد ونظر.
هذا ولما كان الحكيم المستفاد عن طريق دلالة النص يؤخذ من معنى النص لا من لفظه سماها بعض الأصوليين: «دلالة الدلالة» وسماها آخرون: «فحوى الخطاب» لأن فحوى الكلام هو معناه، وسماها السادة الشافعية- مفهوم الموافقة، لأن مدلول اللفظ فى محل السكوت
стр. 278
موافق لمدلوله فى محل النطق وعليه فيكون المسكوت عنه موافقا فى الحكم للمنطوق به.
على أن هنا من الأصوليين من أدخل هذه الدلالة فى القياس، وسماها القياس الجلى أو قياس الأولى وذلك لأن المسكوت عنه أولى بالحكم من المنطوق لظهور العلة فيه على نحو أقوى من المنطوق به، وعلى هذا فإن دل بعبارته على حكم فى واقعة ووجدنا واقعة أخرى متفقة مع الأولى فى العلة، وأولى منها بالحكم، وكانت هذه المساواة أو الأولوية تفهم بمجرد فهم اللغة دون حاجة إلى نظر وتأمل واجتهاد، فإنه يتبادر إلى الفهم حينئذ أن النص يتناول الواقعتين، وأن الحكم المنصوص عليه يثبت للمسكوت عنه أى يثبت للواقعة الثانية.
والظاهر- والله أعلم- أن دلالة النص تفترق عن القياس من جهة أن العلة هنا يمكن لكل عارف باللغة، أن يدركها دون نظر واجتهاد، بعكس القياس فإن العلة فيه يحتاج استخراجها إلى نظر واجتهاد.
ومن أمثلة دلالة النص:
(أ) قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً (١) فهذا النص الكريم يفهم من عبارته تحريم أكل أموال اليتامى ظلما، ويفهم من دلالته تحريم أن يؤكلوها غيرهم، وتحريم إحراقها وتبديدها وإتلافها بأىّ نوع من أنواع الإتلاف، لأن هذه الأشياء تساوى أكلها ظلما فى أن كلا منها اعتداء
على مال القاصر العاجز عن دفع الاعتداء، وعليه يكون النص المحرم بعبارته أكل أموال اليتامى ظلما محرّما إحراقها وتبديدها بطريق الدلالة، وواضح أن المفهوم الموافق المسكوت عنه مساو للمنطوق.
стр. 279
(ب) قال تعالى: فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ (١) هذا القول الكريم يدل بعبارته على نهى الولد أن يقول لوالديه أُفٍّ لما فى هذا القول من إيذاء لهما وإيلام، ويتبادر إلى الفهم أن النص يتناول حرمة ضربهما وشتمهما لما فى الضرب والشتم من إيذاء وإيلام أشد مما فى كلمة أُفٍّ وعليه فيكون الضرب والشتم أولى بالتحريم من التأفيف، ومن ثم يكون المسكوت عنه أولى بالحكم من المنطوق، ولا شك أن هذا المعنى واضح لا يحتاج إلى إعمال نظر وفكر.
(ج) قال تعالى: وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ (٢) فهذه الآية يفهم منها بدلالة العبارة وجوب العدة (٣) على المطلقة، للتأكد من براءة رحمها، وهذه العلة يفهمها أهل اللغة فكل من يعرف اللغة يدرك أن العلة فى ذلك هى التأكد من براءة الرحم، ويمكن بمقتضى فحوى الخطاب تطبيق هذا الحكم على من حدثت الفرقة بينها وبين زوجها بسبب فسخ عند الزواج لسبب يقتضى الفسخ، وذلك لاستواء العلة فيهما وعليه فتجب العدة على المنسوخ زواجها بدلالة النص.
غير أن الشافعية يرون حال استواء العلة من قبيل القياس، يراها الحنفية ومن وافقهم من قبيل فحوى الخطاب.
والفقهاء يختلفون بالنسبة لهذا النوع: فجمهور الحنفية يعدونه دلالة
стр. 280
النص ويجرونه فى الحدود والكفارات. ويراه بعضهم من باب القياس ويقصرون الاستدلال به لذلك على ما عدا الحدود والكفارات مما لا يجرى فيه القياس عندهم.
والشافعية الذين يرون هذا النوع من قبيل القياس منهم من وافق القائلين بقصره على ما عدا الحدود والكفارات، لكن أهل المذهب أنه يثبت به الحدود والكفارات ما دام للقياس وجه صحيح.
قال الإسنوى ﵀ (١):
أقول الصحيح وهو مذهب الشافعى كما قاله الإمام أن القياس يجرى فى الشرعيات كلها، أى يجوز التمسك به فى إثبات كل حكم حتى الحدود والكفارات والرخص والتقديرات إذا وجدت شرائط القياس فيها. اه.
وقد ترتب على هذا اختلافهم فى تطبيق الحكم بالكفارة على من جامع زوجته فى نهار رمضان عامدا على الزوجة، فيرى الحنفية (٢) ومن نهج نهجهم وجوب الكفارة على كل من الزوج والزوجة، لدلالة الحديث بفحوى الخطاب، وذلك لتساويهما فى التكاليف الشرعية.
وأما حديث أبى هريرة: جاء رجل إلى النبى ﷺ فقال: هلكت. قال: «وما أهلكك؟» قال: واقعت امرأتى فى رمضان. قال: «هل تجد ما تعتق رقبة؟» قال: لا. قال: «فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟» قال: لا. قال: «فهل تجد ما تطعم ستين مسكينا؟» قال: لا. ثم جلس فأتى النبى ﷺ بعرق (٣) فيه تمر فقال: «تصدق بهذا». فقال: على أفقر منّا
стр. 281
يا رسول الله، فو الله ما بين لابتيها- أى جبليها- أهل بيت أحوج إليه منا. فضحك النبى ﷺ حتى بدت أنيابه. ثم قال:
«اذهب فأطعمه أهلك» (١).
هذا الحديث علّل الحنفية حكم النبى ﷺ فى هذه الواقعة المذكورة فيه بوجوب الكفارة على الزوج دون الزوجة أنها كانت مكرهة.
ويرى الشافعية فى الأصح عندهم أن الكفارة تجب على الزوج فقط فالحكم هنا لا ينطبق على الزوجة وإلا لنبّه النبى ﷺ لقيام الحاجة إلى البيان، ولأن الكفارة غرم مالى يتعلق بالجماع كالمهر، فلا يجب على الموطوءة، أضف إلى ذلك أن صوم المرأة معرض للبطلان بعروض الحيض ونحوه فلم تكمل حرمته حتى تتعلق بها
الكفارة (٢).
حكم الدال بدلالة النص:
يلاحظ أن الثابت بدلالة النص كالثابت بإشارته فى كونه قطعيّا، وذلك لاستناده إلى المعنى المفهوم من النظم لغة. ودلالة النص وإن كانت مفيدة للقطع لكنها دون إشارة النص، ومن ثم فإنه عند التعارض يقدم الثابت بإشارة النص على الثابت بدلالة النص، وذلك لأن فى الإشارة النظم والمعنى وفى الدلالة المعنى فقط.
مثال ذلك: قال تعالى:
وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ (٣) فهذا القول الكريم يدل بعبارته على وجوب الكفارة على القائل خطأ،
стр. 282
وهو أدنى حالا من القاتل عمدا، لأنه معذور بعذر الخطأ، فالأولى أن تجب الكفارة على العامد وهو أعلى حالا (١). وقد تمسك الإمام الشافعى ﵀ بهذا فى وجوب الكفارة على العامد بطريق الأولى لأن هذه الكفارة وجبت زجرا عن القتل لا لنفس الخطأ الذى نتج عنه القتل، وما دام القصد من الوجوب هو الزجر فاعتباره فى القتل العمد أولى وأنسب (٢).
أما الحنفية فيقولون إن قوله تعالى: وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً متعارض مع قوله: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها (٣) فهذا القول الكريم يدل بإشارته على أنه ليس عليه كفارة، لأن الجزاء اسم للجزاء التام الكافى، فعلم أنه لا جزاء سوى جهنم.
ثم قالوا- أى الحنفية- لا يقال لو كان كذلك لما وجب على العامد القصاص. لأن القصاص جزاء المحلّ من وجه، لأنه شرع حقّا للأولياء لقوله تعالى: وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ (٤) الآية وإن كان جزاء الفعل من وجه لكونه شرع زاجرا، والجزاء المضاف إلى الفاعل هو جزاء فعله من كل وجه، وجزاء فعله الكفارة فى الخطأ وجهنم فى العمد (٥).
رابعا: دلالة الاقتضاء ودلالتها على الأحكام:
الاقتضاء معناه فى اللغة الطلب (٦).
стр. 283
وفى الاصطلاح: اللفظ الدال (١) على شىء مسكوت عنه يتوقف صدق الكلام على ذلك المسكوت. والحق أن النص قد يطلب زائدا عليه ليصح معناه المنصوص عليه، فلا يوجب النص شيئا إلا بتقديم ذلك المقتضى عليه، فيكون شرطا لعمل النص سابقا عليه، إذ الشرط يتقدم على المشروط دائما، فكان النص مقتضيا إيّاه لتصحيحه، فلهذا السبب انتسب المقتضى- بفتح الضاد- مع حكمه إلى النص وهو المقتضى- بكسر الضاد- وكان حكمه من دلالة النص أيضا فهناك أمور أربعة (٢):
(أ) المقتضى وهو النص.
(ب) المقتضى وهو الشرط.
(ج) الاقتضاء وهو نسبة بينهما.
(د) حكم المقتضى وهو الثابت به.
من أمثلة دلالة الاقتضاء:
(أ) قال تعالى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ وَبَناتُكُمْ وَأَخَواتُكُمْ (٣) فالمعنى حرم عليكم نكاح أمهاتكم. إلخ وحذف لدلالة الكلام عليه كما يفهم من تحريم الخمر، تحريم شربها، ولأن قوله تعالى:
وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ (٤) يدل عليه. وهذا المعنى دل عليه اللفظ عن طريق الاقتضاء، وذلك لأن التحريم شرعى لا يتصور العقل تعلقه بالذوات، وإنما يتعلق بالأفعال.
стр. 284
(ب) قال تعالى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ (١) الآية.
فالمعنى: حرم عليكم أكل الميتة والانتفاع بها، وهذا المعنى استفيد بدلالة اللفظ اقتضاء لأن التحريم- كما تقدم- يتعلق بفعل المكلف فقط.
(ج) قال رسول الله ﷺ : «من لم يبيت الصيام قبل الفجر فلا صيام له» (٢). فحقيقة هذا الحديث نفى ذات الصيام عند عدم النية (٣) المبيتة قبل الفجر، ولكن هذه الحقيقة غير مرادة، وذلك لأننا نشاهد حقيقة الذات، وقد وقعت بدون النية، ومن ثم تعين الحمل على المجاز وهو إضمار الصحة والكمال وإضمار الصحة أرجح لكونه أقرب إلى الحقيقة، لأن نفى الذات يستلزم نفى كل الصفات ونفى الصحة أقرب بهذا المعنى إذ لا يبقى معه وصف البتة، بخلاف نفى الكمال، فإن الصحة تبقى معه وهى وصف (٤).
والسادة الحنفية يقولون تجزئ النية حتى الزوال (٥). فصدق الكلام هنا فى هذا الحديث يقتضى تقدير محذوف هو الصحة أو الكمال كما تقدم وقد توقف صدق الكلام على تقديره، فيعتبر من مدلول الحديث بدلالة الاقتضاء.
(د) قال رسول الله ﷺ : «رفع عن أمتى الخطأ والنسيان» (٦). والناظر فى هذا الحديث يجد أن ظاهره يفيد رفع
стр. 285
نفس الخطأ ونفس النسيان، وليس بمراد فتعين حمله على المجاز بإضمار الحكم أى حكم الخطأ والنسيان، والحرج يعنى الإثم أى إثمهما والحمل على الإثم، أظهر من جهة العرف لتبادره إلى الذهن من قول السيد لعبده «رفعت عنك الخطأ والنسيان» ولأنه لو قال ذلك ثم أخذ يعاقبه على ما أخطأ فيه أو نسيه عدّ مناقضا.
فهذا الحديث يقتضى صدقه وصحته تقدير محذوف هو حكم الخطأ أو إثمة، ولما كان تقدير الإثم أرجح وهو مسكوت عنه، وتوقف صدق الكلام على تقديره اعتبر من مدلول الحديث بدلالة الاقتضاء.
حكم الدال بالاقتضاء:
الناظر والمتأمل فى دلالة الاقتضاء يجدها كغيرها من الدلالات السابقة تثبت الحكم على وجه القطع ما لم يوجد ما يصرفها إلى الظن من تأويل أو تخصيص، إذ الثابت بالاقتضاء أمر تقتضيه ضرورة صحة الكلام واستقامة العبارة. كما أن الحكم الثابت بدلالة الاقتضاء يشترك مع الثابت بالدلالة فى الإضافة إلى النص، ولو بواسطة فصار الثابت به كالثابت بالنص.
خلاصة الأمر: أن الثابت بدلالة الاقتضاء كالثابت بدلالة النص فى إفادته الحكم قطعا إلا عند التعارض فترجح الدلالة على الاقتضاء. قال بعض المحققين (١) لم نجد لهذا التعارض مثالا.
وقد مثل بعض الأصوليين له بما يلى:
عن أسماء قالت: جاءت امرأة إلى النبى ﷺ فقالت: إحدانا يصيب ثوبها من دم الحيضة كيف تصنع به؟ قال: