يا رسول الله، فو الله ما بين لابتيها- أى جبليها- أهل بيت أحوج إليه منا. فضحك النبى ﷺ حتى بدت أنيابه. ثم قال:
«اذهب فأطعمه أهلك» (١).
هذا الحديث علّل الحنفية حكم النبى ﷺ فى هذه الواقعة المذكورة فيه بوجوب الكفارة على الزوج دون الزوجة أنها كانت مكرهة.
ويرى الشافعية فى الأصح عندهم أن الكفارة تجب على الزوج فقط فالحكم هنا لا ينطبق على الزوجة وإلا لنبّه النبى ﷺ لقيام الحاجة إلى البيان، ولأن الكفارة غرم مالى يتعلق بالجماع كالمهر، فلا يجب على الموطوءة، أضف إلى ذلك أن صوم المرأة معرض للبطلان بعروض الحيض ونحوه فلم تكمل حرمته حتى تتعلق بها
الكفارة (٢).
حكم الدال بدلالة النص:
يلاحظ أن الثابت بدلالة النص كالثابت بإشارته فى كونه قطعيّا، وذلك لاستناده إلى المعنى المفهوم من النظم لغة. ودلالة النص وإن كانت مفيدة للقطع لكنها دون إشارة النص، ومن ثم فإنه عند التعارض يقدم الثابت بإشارة النص على الثابت بدلالة النص، وذلك لأن فى الإشارة النظم والمعنى وفى الدلالة المعنى فقط.
مثال ذلك: قال تعالى:
وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ (٣) فهذا القول الكريم يدل بعبارته على وجوب الكفارة على القائل خطأ،
стр. 282
وهو أدنى حالا من القاتل عمدا، لأنه معذور بعذر الخطأ، فالأولى أن تجب الكفارة على العامد وهو أعلى حالا (١). وقد تمسك الإمام الشافعى ﵀ بهذا فى وجوب الكفارة على العامد بطريق الأولى لأن هذه الكفارة وجبت زجرا عن القتل لا لنفس الخطأ الذى نتج عنه القتل، وما دام القصد من الوجوب هو الزجر فاعتباره فى القتل العمد أولى وأنسب (٢).
أما الحنفية فيقولون إن قوله تعالى: وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً متعارض مع قوله: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها (٣) فهذا القول الكريم يدل بإشارته على أنه ليس عليه كفارة، لأن الجزاء اسم للجزاء التام الكافى، فعلم أنه لا جزاء سوى جهنم.
ثم قالوا- أى الحنفية- لا يقال لو كان كذلك لما وجب على العامد القصاص. لأن القصاص جزاء المحلّ من وجه، لأنه شرع حقّا للأولياء لقوله تعالى: وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ (٤) الآية وإن كان جزاء الفعل من وجه لكونه شرع زاجرا، والجزاء المضاف إلى الفاعل هو جزاء فعله من كل وجه، وجزاء فعله الكفارة فى الخطأ وجهنم فى العمد (٥).
رابعا: دلالة الاقتضاء ودلالتها على الأحكام:
الاقتضاء معناه فى اللغة الطلب (٦).
стр. 283
وفى الاصطلاح: اللفظ الدال (١) على شىء مسكوت عنه يتوقف صدق الكلام على ذلك المسكوت. والحق أن النص قد يطلب زائدا عليه ليصح معناه المنصوص عليه، فلا يوجب النص شيئا إلا بتقديم ذلك المقتضى عليه، فيكون شرطا لعمل النص سابقا عليه، إذ الشرط يتقدم على المشروط دائما، فكان النص مقتضيا إيّاه لتصحيحه، فلهذا السبب انتسب المقتضى- بفتح الضاد- مع حكمه إلى النص وهو المقتضى- بكسر الضاد- وكان حكمه من دلالة النص أيضا فهناك أمور أربعة (٢):
(أ) المقتضى وهو النص.
(ب) المقتضى وهو الشرط.
(ج) الاقتضاء وهو نسبة بينهما.
(د) حكم المقتضى وهو الثابت به.
من أمثلة دلالة الاقتضاء:
(أ) قال تعالى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ وَبَناتُكُمْ وَأَخَواتُكُمْ (٣) فالمعنى حرم عليكم نكاح أمهاتكم. إلخ وحذف لدلالة الكلام عليه كما يفهم من تحريم الخمر، تحريم شربها، ولأن قوله تعالى:
وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ (٤) يدل عليه. وهذا المعنى دل عليه اللفظ عن طريق الاقتضاء، وذلك لأن التحريم شرعى لا يتصور العقل تعلقه بالذوات، وإنما يتعلق بالأفعال.
стр. 284
(ب) قال تعالى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ (١) الآية.
فالمعنى: حرم عليكم أكل الميتة والانتفاع بها، وهذا المعنى استفيد بدلالة اللفظ اقتضاء لأن التحريم- كما تقدم- يتعلق بفعل المكلف فقط.
(ج) قال رسول الله ﷺ : «من لم يبيت الصيام قبل الفجر فلا صيام له» (٢). فحقيقة هذا الحديث نفى ذات الصيام عند عدم النية (٣) المبيتة قبل الفجر، ولكن هذه الحقيقة غير مرادة، وذلك لأننا نشاهد حقيقة الذات، وقد وقعت بدون النية، ومن ثم تعين الحمل على المجاز وهو إضمار الصحة والكمال وإضمار الصحة أرجح لكونه أقرب إلى الحقيقة، لأن نفى الذات يستلزم نفى كل الصفات ونفى الصحة أقرب بهذا المعنى إذ لا يبقى معه وصف البتة، بخلاف نفى الكمال، فإن الصحة تبقى معه وهى وصف (٤).
والسادة الحنفية يقولون تجزئ النية حتى الزوال (٥). فصدق الكلام هنا فى هذا الحديث يقتضى تقدير محذوف هو الصحة أو الكمال كما تقدم وقد توقف صدق الكلام على تقديره، فيعتبر من مدلول الحديث بدلالة الاقتضاء.
(د) قال رسول الله ﷺ : «رفع عن أمتى الخطأ والنسيان» (٦). والناظر فى هذا الحديث يجد أن ظاهره يفيد رفع
стр. 285
نفس الخطأ ونفس النسيان، وليس بمراد فتعين حمله على المجاز بإضمار الحكم أى حكم الخطأ والنسيان، والحرج يعنى الإثم أى إثمهما والحمل على الإثم، أظهر من جهة العرف لتبادره إلى الذهن من قول السيد لعبده «رفعت عنك الخطأ والنسيان» ولأنه لو قال ذلك ثم أخذ يعاقبه على ما أخطأ فيه أو نسيه عدّ مناقضا.
فهذا الحديث يقتضى صدقه وصحته تقدير محذوف هو حكم الخطأ أو إثمة، ولما كان تقدير الإثم أرجح وهو مسكوت عنه، وتوقف صدق الكلام على تقديره اعتبر من مدلول الحديث بدلالة الاقتضاء.
حكم الدال بالاقتضاء:
الناظر والمتأمل فى دلالة الاقتضاء يجدها كغيرها من الدلالات السابقة تثبت الحكم على وجه القطع ما لم يوجد ما يصرفها إلى الظن من تأويل أو تخصيص، إذ الثابت بالاقتضاء أمر تقتضيه ضرورة صحة الكلام واستقامة العبارة. كما أن الحكم الثابت بدلالة الاقتضاء يشترك مع الثابت بالدلالة فى الإضافة إلى النص، ولو بواسطة فصار الثابت به كالثابت بالنص.
خلاصة الأمر: أن الثابت بدلالة الاقتضاء كالثابت بدلالة النص فى إفادته الحكم قطعا إلا عند التعارض فترجح الدلالة على الاقتضاء. قال بعض المحققين (١) لم نجد لهذا التعارض مثالا.
وقد مثل بعض الأصوليين له بما يلى:
عن أسماء قالت: جاءت امرأة إلى النبى ﷺ فقالت: إحدانا يصيب ثوبها من دم الحيضة كيف تصنع به؟ قال:
стр. 286
«تحته ثم تقرصه بالماء ثم تنصحه ثم تصلى فيه» (١). فإنه يدل باقتضاء النص على أنه لا يجوز غسل النجس بغير الماء من المائعات، لأنه لما أوجب الغسل بالماء اقتضت صحته أن لا يجوز بغير الماء، ولكنه يدل بعينه بدلالة النص على أنه يجوز غسله بالمائعات، وذلك لأن المعنى المأخوذ منه الذى يعرفه كل أحد هو التطهير وذلك يحصل بهما جميعا.
هذا ما رآه السادة (٢) الحنفية رضى الله عنهم، ويقولون: لا عموم للمقتضى هنا عندنا لأنه ثابت ضرورة صحة الكلام، فيقدر بقدر الضرورة وهى تندفع بإثبات فرد إذا كان له أفراد فلا دلالة له على إثبات ما وراءه.
وعند الإمام الشافعى ﵀ يجرى فيه العموم والخصوص، لأنه عنده كالمحذوف الذى يقدر. وهذا أصل كبير مختلف بين الحنفية والشافعية، يتفرع عليه كثير من الأحكام حتى إذا قال: إن أكلت فامرأتى طالق، ونوى طعاما دون طعام لا يصدق عند الحنفية، لا ديانة ولا قضاء، وحنثه يكون بكل طعام لوجود ماهية الأكل، لا لأن الطعام عام. وعند الشافعية يصدق ديانة فإن الطعام عام لكونه نكرة فى سياق الشرط، وهو فى المعنى فى سياق النفى، فإن المعنى لا آكل طعاما وهو مقدر فى نظم الكلام، والمقدر كالملفوظ فيصح التخصيص بإرادة بعض المأكولات، ولما كانت هذه الإرادة خلاف الظاهر لأن الظاهر العموم لم يصدق قضاء.
الخلاصة فى الدلالات:
خلاصة ما تقدم فى دلالة العبارة والإشارة والدلالة والاقتضاء، أن
стр. 287
دلالة العبارة هى دلالة النص بصيغته وألفاظه على الحكم، مع سوق الكلام له، ويقال لهذا الحكم: إنه ثابت بعبارة النص. وأن دلالة الإشارة هى دلالة النص بصيغته وألفاظه على الحكم من غير أن يكون الكلام مسوقا له، ويقال للحكم: إنه ثابت بإشارة النص. وأن دلالة النص هى دلالته على الحكم لا بصيغة النص وألفاظه، بل بروحه ومعقوله، ويقال للحكم إنه ثابت بدلالة النص. وأن دلالة الاقتضاء هى دلالة النص بأمر زائد اقتضى تقديره فى الكلام ضرورة صحة واستقامة الكلام وصدقه.
وعلى هذا يتضح لنا جليّا أن كل معنى يفهم من النص بطريق من طرق هذه الدلالات يعتبر من مدلولات النص وثابتا به والنص دليلا وحجة عليه، ولهذا تعتبر هذه الدلالات الأربع دلالة منطوق، أى منطوق النص، وهى تقابل دلالة المفهوم أى مفهوم المخالفة.
стр. 288
المبحث الثانى فى طرق الدلالة عند الشافعية
قسم السادة الشافعية دلالة الكلام على المعانى قسمين هما:
١ - دلالة المنطوق.
٢ - دلالة المفهوم.
فدلالة المنطوق (١): هى دلالة اللفظ على المعنى فى محل النطق، ولذا فإنهم يسمونها أيضا دلالة المنظوم والدلالة الصريحة. وهذه الدلالة تشمل كلا من دلالة العبارة ودلالة الإشارة، ودلالة الاقتضاء عند السادة الحنفية على خلاف فى المسلك. أما دلالة المفهوم: فهى دلالة اللفظ على المعنى لا فى محل النطق والتلفظ، بل فى محل السكوت (٢) وتنقسم هذه الدلالة قسمين:
١ - مفهوم موافقة: وهو لازم ناشئ عن معنى لفظ مركب حكمه يوافق حكم ملزومه (٣). وقد مثل العلماء لمفهوم الموافقة بقوله تعالى:
فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ (٤).
فإنه يدل بمفهومه على تحريم الضرب، لأنه أشدّ فى الإيذاء من التأفيف الذى نهى عنه اللفظ بمنطوقه، ونظرا لأن حكم المسكوت عنه جاء موافقا لحكم المنطوق، سميت هذه الدلالة بمفهوم الموافقة كما سميت بفحوى الخطاب، ولحن الخطاب، والقياس الجلى وهى ما عبر عنها السادة الحنفية
стр. 289
بذلك وبدلالة الدلالة أو دلالة النص. ويلاحظ أن نفس الأمثلة التى ذكرتها عند الكلام على الدلالات عند الحنفية هى نفسها التى تذكر هنا.
٢ - مفهوم مخالفة: وهو لازم ناشئ عن معنى لفظ مركب حكمه يخالف حكم ملزومه (١). وذلك كقوله تعالى:
فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً (٢).
حيث يفهم من هذه الآية أن الزائد على الثمانين غير واجب، وظاهر أن هذا المفهوم مغاير ومخالف لما يفيده اللفظ بمنطوقه. وإذا كان الأصوليون فى جملتهم يستدلون بدلالة المنطوق مع اختلاف التسمية، وبمفهوم الموافقة، فقد قال (٣) القاضى أبو بكر الباقلانى ﵀:
«القول بمفهوم الموافقة من حيث الجملة مجمع عليه» فإن الأصوليين يختلفون فى اعتبار مفهوم المخالفة دليلا لاستنباط الأحكام الشرعية من نصوص الكتاب والسنة، وسأذكر موقفهم بشيء من التفصيل بعد ذكر شروطه وأنواعه إن شاء الله.
شروط العمل بمفهوم المخالفة:
مفهوم المخالفة بجميع أقسامه يدل على ثبوت نقيض حكم المنطوق للمسكوت، سواء كان المنطوق إثباتا أو نفيا، ويشترط للعمل به عند القائلين به شروط منها:
١ - أن لا يكون للقيد الذى قيد به الحكم فائدة أخرى، سوى نفى حكم المنطوق للمسكوت، أى نفى الحكم عند نفى القيد. فإن كان له فائدة أخرى غير ذلك، فإنه لا يكون حجة، ولا يصلح للعمل به كأن
стр. 290
يكون القيد أكثريّا أى أن القيد خرج مخرج الغالب فى أمور الناس، ويتضح هذا فى قوله تعالى وهو يذكر المحرمات من النساء:
وَرَبائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ (١).
فقيد فى حجوركم ليس قيدا احترازيّا، وإنما هو قيد أكثرى بناء على أن الغالب من أحوال الناس، كون الربائب فى حجور الأزواج فالمرأة إن تزوجت برجل، وكان لها بنت من زوج سابق، فإنها تأخذها معها إلى بيت زوجها الجديد، وعلى هذا فلا يعمل بالمفهوم المخالف هنا، وهو أن الربيبة إذا لم تكن فى حجر زوج أمها لا تحرم عليه. لا فهى تحرم عليه بمجرد الدخول بأمها، سواء كانت فى حجره ورعايته أم لم تكن (٢).
ومثال أيضا قوله تعالى:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا أَضْعافاً مُضاعَفَةً (٣).
فالمفهوم المخالف هنا هو جواز أكل الربا، إذا لم يكن أضعافا مضاعفة، فقيد النهى عن أكل الربا أضعافا مضاعفة قيد خرج مخرج الغالب فى أمر التعامل بالربا، وهو ابتداؤه بقدر قليل ثم صيرورته مضاعفا بمرور الزمن أو أن هذا القيد ذكر هنا لبيان الواقع، وعليه فليس قيدا احترازيّا فلا يفيد بمفهوم المخالفة.
٢ - ألا يكون المذكور قصد به الامتنان كقوله تعالى:
لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَرِيًّا (٤) فإنه لا يدل على منع أكل ما ليس بطرىّ (٥).
стр. 291
٣ - ألا يعارضه ما هو أرجح منه من منطوق أو مفهوم موافقة. وأما إذا عارضه قياس فلم يجوّز القاضى أبو بكر الباقلانى ترك المفهوم به مع تجويزه ترك العموم بالقياس.
قال الشوكانى ﵀ (١): ولا شك أن القياس المعمول به يخصص عموم المفهوم كما يخصص عموم المنطوق، وإذا تعارضا على وجه لا يمكن الجمع بينهما، وكان كل واحد منهما معمولا به فالمجتهد لا يخفى عليه الراجح منهما من المرجوح، وذلك يختلف باختلاف المقامات وبما يصاحب كل واحد منهما من القرائن المقوّية له.
٤ - أن يذكر مستقلا، فلو ذكر على وجه التبعية لشىء آخر فلا مفهوم له كقوله تعالى:
وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ (٢).
فإن قوله: فِي الْمَساجِدِ لا مفهوم له لأن المعتكف ممنوع من المباشرة مطلقا.
٥ - أن لا يكون المذكور قصد به التفخيم وتأكيد الحال كقوله ﷺ (٣): «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث إلا على زوج
أربعة أشهر وعشرا». فإن التقييد بالإيمان لا مفهوم له وإنما ذكر لتفخيم الأمر.
أنواع مفهوم المخالفة:
١ - مفهوم الصفة: وهو دلالة اللفظ المقيد بوصف على نقيض حكمه عند انتفاء ذلك الوصف، والوصف هنا يراد به ما هو أعم من النعت، أى سواء كان نعتا نحويّا كقوله ﷺ : «فى
стр. 292
الغنم السائمة زكاة» (١) أو مضافا نحو: سائمة الغنم أو مضافا إليه نحو قوله ﷺ : «مطل الغنى ظلم» (٢) أو ظرف زمان كقوله تعالى: إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ (٣).
أو ظرف مكان نحو ذاكر فى البيت.
ومن أمثلة مفهوم الصفة:
(أ) قال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا (٤).
فالمفهوم المخالف هنا هو أن خبر غير الفاسق لا يجب فيه التبين، وعليه فيقبل خبر الواحد العدل.
(ب) قال تعالى فى بيان المحرمات:
وَحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ (٥).
فالمفهوم المخالف أن حلائل الأبناء الذين ليسوا من الأصلاب كابن الابن رضاعا لا تحرم حلائلهم، مع أن الرسول ﷺ قال:
«يحرم من الرّضاع ما يحرم من النّسب» (٦).
٢ - مفهوم الشرط: وهو دلالة اللفظ المقيد لحكم معلق بشرط على ثبوت نقيضه عند انتفاء الشرط. ومعنى هذا أن التعليق بالشرط يوجب وجود الحكم عند وجود الشرط ويوجب عدمه عند عدم الشرط.
стр. 293
الأمثلة:
(أ) قال تعالى: وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ (١).
فهذه الآية الكريمة أفادت بمنطوقها وجوب الإنفاق على المطلقة طلاقا بائنا، وذلك إذا كانت حاملا، ودلت بمفهومها المخالف على انتفاء هذا الحكم، وهو وجوب الإنفاق وذلك إذا لم تكن حاملا.
(ب) قال تعالى: فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً (٢).
فالآية تدل بمفهومها المخالف أن الزوجة إذا لم تطب نفسها بشيء من مهرها لا يحل للزوج أخذه.
مفهوم الغاية: وهو دلالة اللفظ الذى قيد الحكم فيه بغاية على نقيض ذلك الحكم بعد الغاية.
الأمثلة:
(أ) قال تعالى: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ (٣).
فالنص الكريم يفيد بمنطوقه إباحة الأكل والشرب فى ليالى الصيام حتى طلوع الفجر، ويفيد بمفهومه المخالف حرمة الأكل والشرب بعد هذه الغاية يعنى بعد طلوع الفجر.
стр. 294
(ب) قال تعالى: وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ (١).
فالمفهوم المخالف ادلة قربانهن إذا تطهرن.
(ج) قال تعالى: فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ (٢).
فهذا النص يفيد بمنطوقه حرمة المطلقة ثلاثا على زوجها المطلق وهذا الحكم واضح أنه مقيد بغاية هى زواجها من غير مطلقها، فيدل بمفهومه المخالف على حل زواجها بمطلقها بعد هذه الغاية (٣).
(د) قال تعالى: وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللَّهِ (٤).
فالآية تدل بمفهومها المخالف على نفى القتال والكف عنه إذا امتثلت الفئة الباغية إلى أمر الله.
٤ - مفهوم العدد: وهو تعليق الحكم بعدد مخصوص أو بعبارة أخرى، هو دلالة اللفظ الذى قيد الحكم فيه بعدد على نقيض ذلك الحكم فيما عدا ذلك العدد (٥).
الأمثلة:
(أ) قال تعالى: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ (٦).
стр. 295
فالمفهوم المخالف هنا عدم جواز الجلد أقل أو أكثر من هذا العدد المذكور فى الآية.
(ب) قال تعالى: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً (١).
٥ - مفهوم اللقب: وهو دلالة اللفظ الذى علق الحكم فيه بالاسم العلم على نفى ذلك الحكم عن غيره. والمراد بالاسم العلم هنا:
اللفظ الدال على الذات دون الصفة، سواء كان علما نحو قام زيد أو اسم نوع مثل: فى الغنم زكاة.
الأمثلة:
(أ) قال تعالى: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ (٢).
فالمفهوم المخالف غير محمد ﷺ ليس رسول الله.
(ب) قال تعالى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ وَبَناتُكُمْ وَأَخَواتُكُمْ (٣). الآية فالمفهوم المخالف للمنطوق هو عدم تحريم غير المذكورات.
حجية مفهوم المخالفة:
المتأمل فى كلام الأصوليين جزاهم الله عن الإسلام خير الجزاء يجد أنهم اتفقوا على الاحتجاج بالنص على مفهوم المخالفة فى صورة، وعلى عدم الاحتجاج به فى صورة واختلفوا فى الاحتجاج به فى صورة، وإليك البيان:
стр. 296
أولا: الصورة التى اتفقوا على الاحتجاج بالنص على مفهوم المخالفة فيها:
ما اتفقوا على الاحتجاج بمفهوم المخالفة فيه هو مفهوم الوصف والشرط، والعدد والغاية وذلك فى غير النصوص الشرعية، أى فى عقود المتعاقدين وتصرفاتهم وأقوال الناس وعبارات المؤلفين ومصطلحات الفقهاء.
فمثلا: لو قال الواقف: وقفت (١) دارى من بعدى على طلبة العلم فى المحلة الكبرى. فهذا القول يدل بمنطوقه على شمول طلبة العلم بالمحلة بوقفه دون غيرهم ولو قال: وقفت ريع (٢) ضيعتى من بعدى لأرملتى إذا لم تتزوج. فالمنطوق ثبوت الاستحقاق لأرملته إذا لم تتزوج، والمفهوم المخالف له نفى استحقاقها إذا تزوجت.
وهكذا كل عبارة من أى عاقد أو متصرف أو مؤلف أو أى قائل إذا قيدت بوصف أو شرط أو حددت بعدد أو غاية تكون حجة على ثبوت الحكم الوارد بها حيث يوجد ما قيدت به، وعلى نفيه حيث ينتفى، لأن عرف الناس واصطلاحهم فى الفهم والتعبير على هذا، ولو لم يفهم النفى والإثبات كان التقييد فى عرفهم عبثا إلا إذا دلت قرينة على أن القيد ليس للتخصيص.
стр. 297
ثانيا: الصورة التى اتفقوا على عدم الاحتجاج بالنص على مفهوم المخالفة فيها:
ذهب أكثر العلماء إلى عدم الاحتجاج والعمل بمفهوم المخالفة فى مفهوم اللقب وهو الصحيح.
قال الشيخ محمد صديق حسن خان ﵀ (١):
« ... ولم يعلم به أحد إلا أبو بكر الدقاق» ثم قال: «والحاصل أن القائل به كلا أو بعضا (٢) لم يأت بحجة لغوية ولا شرعية ولا عقلية، وأما إذا دلت عليه القرينة فهو خارج عن محل النزال».
وقال الشيخ عبد الوهاب خلاف ﵀ بعد أن ذكر الاتفاق على عدم الاحتجاج به (٣):
ولا فرق فى هذا بين النصوص الشرعية ونصوص القوانين الوضعية، وعقود الناس وتصرفاتهم وسائر أقوالهم. فمحمد رسول الله- ﷺ لا يفهم منها أن غير محمد ليس رسول الله، ودين المتوفى يؤدى من تركته لا يفهم منه أن غير دينه كنفقة تجهيزه ووصاياه النافذة، لا تؤدى من تركته. اه.
ثالثا: الصورة التى اختلف الأصوليون فى الاحتجاج بمفهوم المخالفة فيها:
اختلف العلماء فى الاحتجاج بمفهوم الصفة والشرط والعدد والغاية فى النّصوص الشرعية خاصة على مذهبين:
مذهب الجمهور: ذهب جمهور الأصوليين إلى القول بأن النص
стр. 298
الشرعى الدال على حكم إذا قيّد بوصف أو شرط بشرط أو حدّد بعدد أو غاية، فإنه فى هذه الحالة يكون حجة على ثبوت حكمه فى الواقعة التى وردت فيه بالوصف، أو الشرط أو العدد أو الغاية كما يكون حجة أيضا على ثبوت نقيض حكمه فى الواقعة التى وردت فيه إذا كانت على خلاف الوصف أو الشرط أو الغاية أو العدد الذى ذكر فيه (١).
الأدلة: استدل الجمهور لما ذهب إليه بما يلى:
أولا: القيود التى ترد فى النصوص الشرعية لا يمكن أبدا أن ترد عبثا، بل لا بدّ أن تكون واردة لحكمة وفائدة، فإذا لم تكن لها فائدة سوى تخصيص الحكم بما وجد فيه القيد، فإنه يجب نفى الحكم عما لا يوجد فيه القيد، أى الأخذ بمفهوم المخالفة وذلك لئلا يكون ذكر القيد عبثا ولغوا وهو ما ينزّه عنه كلام الشارع الحكيم.
ثانيا: المألوف فى أساليب اللغة العربية أن تقييد الحكم بقيد يدل على انتفائه، حيث ينتفى القيد وهذا هو المتبادر إلى الفهم، فمن سمع قول الرسول ﷺ : «مطل الغنى ظلم» يفهم أن مطل الفقير ليس ظلما.
٢ - مذهب الحنفية: ذهب السادة الحنفية رضى الله عنهم إلى القول، بأن النص الشرعى الدال على حكم فى واقعة إذا قيد بوصف أو شرط بشرط أو حدّد بغاية أو عدد لا يكون حجة إلا على حكمه فى واقعته التى ذكرت فيه بالوصف أو الشرط أو العدد أو الغاية. وأما الواقعة التى انتفى عنها ما ورد فيه من قيد فلا يكون حجة على حكم فيها، بل
стр. 299
يكون النص ساكتا عن بيان حكمها فيبحث عن حكمها بأى دليل من الأدلة الشرعية التى منها أن الأصل فى الأشياء الإباحة (١).
الأدلة: استدل الحنفية على ما ذهبوا إليه بما يلى:
أولا: القيود التى ترد فى النصوص الشرعية لها فوائد كثيرة، فإذا لم تظهر لنا هذه الفوائد لا نستطيع أن تجزم بأن الفائدة لتلك القيود هى تخصيص الحكم بما وجد فيه القيد ونفيه عما سواه. وسبب ذلك أن مقاصد الشارع كثيرة لا يمكن الإحاطة بها بخلاف مقاصد البشر، إذ يمكن حصرها ولهذا كان مفهوم المخالفة حجة فى أقوالهم فقط دون أقوال الشارع.
ثانيا: إن كثيرا من النصوص الشرعية التى دلت على أحكام وقيدت بقيود لم ينتف حكمها حيث انتفى القيد، بل ثبت حكم النص للواقعة التى فيها القيد وللواقعة التى انتفى عنها. فالربيبة تحرم على زوج أمها بمجرد الدخول على الأم سواء كانت الربيبة فى حجره أم لا، مع أن النص قيد التحريم بهذا الوصف قال تعالى:
وَرَبائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ فالاحتياط فى فهم النص الشرعى يوجب أن لا يحتج به على نفى الحكم إذا انتفى القيد.
هذا وبعد ذكر أدلة المذهبين أميل إلى ما ذهب إليه جمهور الأصوليين، وذلك لأن مقاصد الشريعة وإن كانت كثيرة لا يمكن أن يحاط بها إلا أنه إذا لم تظهر للمجتهد فائدة للقيد سوى ما يظهر له من تخصيص الحكم بما وجد فيه القيد، فإنه يغلب على ظنه أن ورود القيد
стр. 300
إنما كان لهذه الفائدة فينتفى الحكم عما لا يوجد فيه هذا القيد، ويكفى الظن الغالب فى العمل بدلالة مفهوم المخالفة، لأن دلالة هذا المفهوم ظنية لا قطعية وذلك باتفاق القائلين به.
ثمرة الخلاف فى حجية مفهوم المخالفة:
تظهر ثمرة الخلاف فى هذه المسألة حين يرد نص مقيد بقيد، فالذين يقولون بمفهوم المخالفة يثبتون الحكم لمنطوقه بالقيد الذى قيد به وينفونه حيث ينتفى القيد.
أما الحنفية الذين لا يأخذون بمفهوم المخالفة، فإنهم يثبتون الحكم لمنطوقه فى المحل الذى ورد فيه القيد ولا يثبتون نقيضه إذا انتفى القيد، وإنما يبحثون عن حكمه فى دليل آخر.
فمثلا حين قال الله تعالى: فَإِنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ (١) يلاحظ أن المفهوم المخالف أن الواحدة والاثنين لا يرثن الثلثين، وهذا المفهوم يتعارض- على مذهب الجمهور- مع قوله ﷺ :
لأخى سعد بن الربيع: «أعط ابنتى سعد الثلثين وزوجته الثمن وما بقى فهو لك» (٢) لأن منطوق الحديث يفيد أن للبنتين الثلثين ولا شك أن المنطوق أرجح.
وعند الحنفية لا تعارض، لأن الحديث بين حكم واقعة مسكوت عنها فى آية توريث البنات والله أعلم.
стр. 301
الباب الرابع فى النسخ
وفيه فصول الفصل الأول: فى مدلول النسخ وموقف العلماء منه الفصل الثانى: فى أنواع النسخ الفصل الثالث: فى طرق معرفة النسخ
стр. 302
الفصل الأول فى مدلول النسخ وموقف العلماء منه وفيه مباحث
المبحث الأول: فى تعريف النسخ المبحث الثانى: فى شروطه المبحث الثالث: فى النسخ بين مثبتيه ومنكريه
стр. 303
المبحث الأول فى مدلول النسخ
يطلق لفظ النسخ فى لغة العرب على معنيين اثنين هما:
١ - إبطال الشيء وإعدامه وإزالته (١)، يقال: نسخت الريح أثر القدم أى أزالته، ومنه قوله تعالى: وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ (٢).
٢ - نقل الشيء وتحويل مع بقائه فى نفسه (٣)، ومنه تناسخ المواريث بانتقالها من قوم إلى قوم، ومنه نسخ الكتاب لما فيه من مشابهة النقل، وإليه الإشارة بقوله تعالى: إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٤) والمراد به نقل الأعمال إلى الصحف ومن الصحف إلى غيرها.
وقد اختلف العلماء فى تعيين المعنى الذى وضع له اللفظ:
فقيل: إن لفظ النسخ وضع لكل من المعنيين على سبيل الحقيقة وضعا أوليّا، فهو مشترك لفظى بينهما حيث إن اللفظ قد استعمل فى كل منها، والأصل فى الاستعمال الحقيقة وهذا القول لأبى حامد الغزالى رضى الله عنه (٥).
стр. 304
وذهب بعضهم إلى القول بأن لفظ النسخ حقيقة فى النقل مجاز فى الإزالة، لأن اللفظ كثر استعماله فى النقل، وقل استعماله فى الإزالة فجعل حقيقة فيما كثر استعماله فيه، ومجازا فيما قلّ استعماله فيه حيث إن الحقيقة أكثر من المجاز، ولا يصح جعله حقيقة فيما قلّ استعماله فيه كما هو حقيقة فيما كثر استعماله فيه، لأن ذلك يؤدى إلى الاشتراك اللفظى والمجاز خير منه. وهذا القول للقفال ﵀ (١).
وذهب الإمام الرازى وأبو الحسين البصرى (٢) رحمهما الله إلى القول بأن اللفظ حقيقة فى الإزالة مجاز فى النقل، ووجهتهما فى ذلك أن النقل أخص من الإزالة، لأن النقل إعدام صفة وإيجاد صفة أخرى، والإزالة مطلق الإعدام، وجعل اللفظ حقيقة فى الأعم أولى من جعله حقيقة فى الأخص، لأن الأعم فيه تكثير للفائدة، والأخص فيه تقليل لها وتكثير الفائدة أولى.
على العموم اتفق العلماء على أن لفظ النسخ استعمل فى المعنيين السابقين وأن كلا من الحقيقة والمجاز سائغ فى اللغة وخلافهم بعد ذلك فى كون اللفظ حقيقة فى كليهما، أو حقيقة فى أحدهما دون الآخر خلاف لا يترتب عليه كبير فائدة.
النسخ فى الاصطلاح:
عرّف النسخ فى الاصطلاح بتعاريف كثيرة منها ما اختاره القاضى أبو بكر الباقلانى، وأبو إسحاق الشيرازى وأبو حامد الغزالى والآمدى وغيرهم ﵏ حيث قالوا:
стр. 305
النسخ: هو الخطاب الدال على ارتفاع الحكم الثابت لخطاب المتقدم على وجه لولاه لكان ثابتا به مع تراخيه عنه (١).
وهذا التعريف مبنى على أن النسخ قد بطلق بمعنى الناسخ (٢)
وقد اعترض عليه بما يلى:
أولا: التقييد بالخطاب خطأ لأن النسخ قد يكون فعلا كما يكون قولا.
ثانيا: أن الحكم الأول قد يثبت بفعل النبى ﷺ وليس هو الخطاب.
ثالثا: أن الأمة لو اختلفت على قولين، ثم اجمعت بعد ذلك على أحدهما، فهذا الإجماع خطاب مع أن الإجماع لا ينسخ به (٣).
ومنها ما ذكره الشوكانى (٤) نقلا عن الزركشى فقال: هو رفع الحكم الشرعى بخطاب.
وقد اعترض عليه بما يأتى:
أولا: الناسخ قد يكون فعلا لا خطابا.
ثانيا: لا بدّ فى النسخ من وقوع الناسخ متراخيا عن المنسوخ، وقد أغفل التعريف ذكر هذا القيد. ومنها ما ذكره واختاره الإمام البيضاوى ﵀ حيث قال فى تعريف النسخ (٥).
هو: بيان انتهاء حكم شرعى بطريق شرعى متراخ عنه.
وقد اعترض عليه بعدة اعتراضات منها: أنه لا يشمل النسخ قبل التمكن من الفعل لعدم دخول وقت الفعل، وذلك لأن قوله: بيان انتهاء الحكم
стр. 306
مشعر بأن الحكم الذى بيّن انتهاء أمده قد دخل وقت العمل به، فالفعل الذى لم يدخل وقت العمل به غير داخل فى التعريف.
ومقتضى هذا أن النسخ لا يرد عليه مع أن جمهور الأشاعرة على أن النسخ قبل التمكن من الفعل جائز، قال الشيخ جلال الدين المحلى ﵀ بعد أن ذكر الخلاف فى كون النسخ رفعا أو بيانا (١): والمختار الأول لشموله النسخ قبل التمكن وسيأتى جوازه على الصحيح.
والذى أختاره ليكون تعريفا للنسخ ما ذكره ابن الحاجب والتلمسانى والشاطبى ومن نهج نهجهم حيث عرفوا النسخ بأنه (٢): رفع الحكم الشرعى بدليل شرعى متأخر.
وإنما اخترت هذا التعريف لكونه أقرب إلى المقصود وأنسب ولضعف الاعتراضات الواردة عليه.
قال الدكتور صبحى الصالح (٣):
« ... تعريف النسخ بقولهم: رفع الحكم الشرعى بدليل شرعى، أدق تحديد اصطلاحى لهذه اللفظة بتناسق فى آن واحد مع لسان العرب الذى يرى النسخ إزالة ورفعا».
شرح التعريف:
قولهم: «رفع الحكم الشرعى» معناه قطع تعليقه بأفعال المكلفين، وليس رفعه هو لأنه أمر واقع والواقع لا يرتفع. والرفع جنس فى التعريف يشمل كل ما يطلق عليه رفع.
والحكم الشرعى هو (٤) خطاب الله تعالى المتعلق بأفعال المكلفين
стр. 307
بالاقتضاء أو التخيير أو الوضع، وإضافة الرفع إلى الحكم قيد أول فى التعريف يخرج به ابتداء إيجاب العبادات فى الشرع، فإنه يرفع حكم العقل ببراءة الذمة، وذلك كإيجاب الصلاة فإنه رافع لبراءة ذمة الإنسان منها قبل ورود الشرع بها، ومع ذلك لا يقال له نسخ، وإن رفع هذه البراءة لأن هذه البراءة ليست حكما شرعيّا، وإنما هى حكم عقلى.
بمعنى أنه حكم يدل عليه العقل حتى قبل مجىء الشرع ولا يقدح فى كونه حكما عقليّا أن الشرع جاء يؤيده بمثل قوله تعالى:
وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (١)
قال الشيخ عضد الله والدين ﵀ (٢):
« ... فقوله رفع الحكم الشرعى ليخرج المباح بحكم الأصل فإن رفعه بدليل شرعى ليس بنسخ».
وقولهم: «بدليل شرعى»: الدليل الشرعى هو وحى الله مطلقا، سواء كان متلوّا أو غير متلو، غير أن النسخ يشترك فيه الكتاب والسنة فقط دون الإجماع حيث إنه لا ينسخ ولا ينسخ به.
وهذا القول قيد ثان فى التعريف يخرج به رفع حكم شرعى بدليل عقلى كسقوط التكليف عن الإنسان بموته أو جنونه أو غفلته، فإن سقوط التكليف عنه بأحد هذه الأسباب يدل عليه العقل إذ الميت والمجنون والغافل لا يعقلون خطاب الله تعالى حتى يستمر تكليفهم، والعقل يقضى بعدم تكليف المرء إلا بما يتعقله، ومولانا جل شأنه إذا أخذ ما وهب أسقط ما وجب، ولا يقولن قائل: إن الرفع بالنوم والجنون والغفلة بدليل شرعى، وهو قوله ﷺ : «رفع القلم عن ثلاث: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبى حتى يحتلم، وعن المجنون حتى
стр. 308
يفيق» (١)، وذلك لأن العقل حاكم بأن شرط التكليف التعقل، ويستوى فى امتناع التكليف، الميت والنائم والغافل، والنصوص الواردة فى ذلك ليست رافعة، بل مثبتة أن مثل النوم والنسيان (٢) هو الرافع.
وقولهم: «متأخر» قيد لبيان الواقع قصد به بيان أن النسخ لا بدّ أن يكون الناسخ فيه متأخرا عن المنسوخ.
قال التلمسانى ﵀ (٣):
«وإنما اشترطنا أن يكون متراخيا عن الحكم تحرزا من الغاية، فإنها لا تكون ناسخة للحكم، فالصيام إذا انتهى إلى الليل فأفطر الصائم لا يقال إنّ فريضة الصوم قد نسخت فى حقه لقوله تعالى:
ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ (٤) فالغاية المذكورة وهى قوله: إلى اللّيل تفيد انتهاء حكم الصوم، وهو وجوب إتمامه بمجرد دخول الليل، ولكن يقال لهذه الغاية الدالة على انتهاء هذا الحكم، إنها نسخ، وذلك لاتصالها بدليل الحكم الأول، وهو قوله: ثمّ أتمّوا الصّيام بل تعتبر الغاية المذكورة بيانا أو إتماما لمعنى الكلام، وتقديرا له بمدة أو شرط، فلا يكون رافعا، وإنما يكون رافعا إذا ورد الدليل الثانى بعد أن ورد الحكم مطلقا واستقر من غير تقييد، بحيث يدوم لولا الناسخ.
على العموم يؤخذ من التعريف ما يلى:
أولا: التعبير برفع الحكم يفيد أن النسخ لا يمكن أن يتحقق إلا بأمرين هما:
стр. 309
١ - أن يكون هذا الدليل الشرعى متراخيا عن دليل ذلك الحكم الشرعى المرفوع.
٢ - أن يكون بين هذين الدليلين تعارض حقيقى بحيث لا يمكن الجمع بينهما وإعمالهما معا، لأن النسخ ضرورة لا يصار إليها إلا إذا اقتضاها التعارض الحقيقى دفعا للتناقض فى تشريع الحكيم العليم، ومما لا شك فيه أن إعمال الدليلين ولو بنوع من التأويل خير من إعمال دليل وإهدار آخر.
ثانيا: أن هذا التعريف يشمل النسخ الواقع فى القرآن وفى السنة جميعا، وسأذكر بعون الله وحده أمثلة لذلك عند الكلام عن النسخ فى دوراته بين الكتاب والسنة.
ثالثا: أن الإضافة فى كلمة «رفع الحكم الشرعى» الواردة فى تعريف النسخ من قبيل إضافة المصدر إلى مفعوله، والفاعل مضمر، وهو الله تعالى، وذلك يرشد إلى أن الناسخ فى الحقيقة هو الله تعالى، كما يدل عليه قوله جل شأنه: ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها (١).
ويرشد أيضا إلى أن المنسوخ فى الحقيقة هو الحكم المرتفع.
وقد يطلق الناسخ على الحكم الرافع فيقال: وجوب صوم رمضان نسخ وجوب صوم عاشوراء. وقد يطلق النسخ على دليله فيقال: آية المواريث نسخت آية الوصية للوالدين والأقربين.
على أى شىء يقع النسخ؟ أعلى الأمر أم على المأمورية ؟
اختلف العلماء فى محل وقوع النسخ والصحيح، كما قال أبو محمد ابن حزم الظاهرى (٢): إنه يقع على الأمر ولا يجوز أن يقع على المأمورية أصلا.
стр. 310
وعلة ذلك: أن المأمورية هو فعلنا وفعلنا لا يخلو من أحد وجهين:
إما أن يكون قد وقع منا فعلا، وإما أن يكون لم يقع منا بعد.
فإن كان قد وقع منا بعد فقد فنى، لأن أفعالنا أعراض فانية، ولا يجوز أن ينهى عما قد فنى لأنه لا سبيل إلى عودته أبدا. وكذلك لا يجوز أن يؤمر أيضا بما قد فنى، لأنه لا يجوز أن يعود أيضا، ولا يجوز كذلك أن يباح لنا ما قد فنى لأن كل هذا محال.
وان كان لم يقع منا فكيف ينسخ شىء لم يكن بعد ؟
وبذلك يتضح لنا جليا أن المرفوع إنما هو الأمر المتقدم وليس الفعل الذى لم نفعله بعد وقوله تعالى: ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها (١).
دليل على ذلك حيث يفيد أن الآية هى المنسوخة لا أفعالنا المأمور بها والمنهى عنها. والآية هى الأمر الوارد من الله تعالى بإيجاب ما أوجب، أو تحريم ما حرم، وأما المأمورية فهى حركاتنا وأعمالنا من صلاة وصيام وإقامة حد ونحو ذلك. هذا وقد قال العلماء إن الكلام ينقسم أربعة أقسام:
١ - أمر.
٢ - رغبة.
٣ - خبر.
٤ - استفهام.
فالاستفهام والخبر والرغبة لا يقع فيها نسخ، وإنما يسمى الرجوع عن الخبر والاستفهام استدراكا، وكل ذلك منفى عن الله تعالى، لأن الرجوع عنهما إنما هو تكذيب للخبر المرجوع عنه. وأما الرجوع عن الرغبة
стр. 311
فإنما يسمى استقالة أو تنزّها عما انحط إليه قبل ذلك. أما الأمر- وهو الذى يقع عليه نسخ- فمراتبه فى الشريعة خمسة هى
١ - الحرام: وهو الطرف الأول، وقد عرفه البيضاوى فقال (١): والحرام ما يذم شرعا فاعله.
٢ - الفرض: وهو الظرف الثانى، وقد عرفه البيضاوى بقوله (١): إنه الذى يذم شرعا تاركه قصدا مطلقا.
٣ - الكراهة: وهى تلى الحرام فى المرتبة- وهى الأشياء (٣) التى تركها خير من فعلها، إلا أن من تركها أجر ومن فعلها لم يأثم.
٤ - الندب: وهو يلى مرتبة الفرض، وهو الأشياء التى فعلها خير من تركها إلا أن من فعلها أجر ومن تركها غير راغب عنها لم يأثم (٤).
٥ - المباح: ويقع فى المرتبة بين الكراهة والندب- وهو ما لا يتعلق بفعله وتركه مدح ولا ذم، ففعله لا يترتب عليه أجر ولا إثم، وكذلك تركه لا يترتب عليه أجر أو إثم كجلوس الإنسان مربعا أو مرفوع الركبة الواحدة، وصباغة ثوبه أخضر أو أسود- مثلا (٥) -.
فإذا نسخ الفرض ننظر: فإن كان بلفظ لا تفعل بعد أن أمرنا بفعله فهو منتقل إلى التحريم، لأن هذه صيغة التحريم. وإن نسخ بأن قال:
«لا جناح عليكم» أو بلفظ تخفيف أو بترك أو بفعل لم ينتقل إلا إلى أقرب المراتب إليه، وهو الندب وذلك مثل صيام عاشوراء، فإنه لما نسخ وجوبه انتقل إلى الندب وذلك عند من يقول: إن صومه كان واجبا.
стр. 312
وكذلك إن نسخ التحريم فإن كان نسخه بلفظ «افعل». انتقل إلى الفرض لأن هذه صيغة الفرض.
وإن نسخ بقوله لا جناح عليكم، أو بلفظ تخفيف انتقل إلى أقرب المراتب إليه وهى الكراهة.
وإذا نسخت الكراهة أو الندب بلفظ «أفعل» انتقلا إلى الفرض.
وإن نسخا بلفظ «لا تفعل» انتقلا إلى التحريم.
وإن نسخا بلفظ تخفيف انتقلا إلى الإباحة المطلقة لأن الإباحة أقرب إليهما من الفرض والتحريم.
لكن هل يقل نسخ على الأوامر المتعلقة بالأصول؟
الحق أن النسخ إنما يقع فى خصوص ما كان من فروع العبادات والمعاملات، أما غير هذه الفروع من العقائد وأمهات الأخلاق وأصول العبادات والمعاملات ومدلولات الأخبار المحضة فلا نسخ فيها على الرأى السديد الذى عليه الجمهور. وذلك لأن العقائد حقائق ثابتة لا تقبل التغيير والتبديل، فبدهى ألا يتعلق بها نسخ، وأما أمهات الأخلاق فلأن حكمة الله فى شرعها ومصلحة الناس فى التخلق بها أمر ظاهر لا يتأثر بمرور الزمن، ولا يختلف باختلاف الأشخاص والأمم حتى يتناولها النسخ بالتبديل والتغيير. وأما أصول العبادات والمعاملات فلوضوح حاجة الخلق إليهما باستمرار لتزكية النفوس وتطهيرها، ولتنظيم علاقة المخلوق بالخالق والخلق على أساسهما، فلا يظهر وجه من وجوه الحكمة فى رفعها بالنسخ.
وأما مدلولات الأخبار المحضة فلأن نسخها يؤدى إلى كذب الشارع فى أحد خبريه الناسخ والمنسوخ وهو محال عقلا ونقلا.
أما عقلا فلأن الكذب نقص والنقص عليه تعالى محال.
стр. 313
وأما نقلا فلمثل قوله تعالى: وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً (١) نعم إن نسخ الخبر دون مدلوله جائز وله صورتان إحداهما: أن تنزل الآية مخبرة عن شىء، ثم نسخ تلاوتها فقط والأخرى: أن يأمرنا الشارع بالتحدث عن شىء ثم يهانه أن نتحدث به.
وأما الخبر الذى ليس محضا بأن كان فى معنى الإنشاء، ودلّ على أمر أو نهى متصلين بأحكام فرعية عملية فلا نزاع فى جواز نسخه، والنسخ به لأن العبرة بالمعنى لا باللفظ.
مثال الخبر بمعنى الأمر: قوله تعالى:
تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَباً (٢) فإن معناه ازرعوا.
ومثال الخبر بمعنى النهى: قوله تعالى: الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إِلَّا زانٍ أَوْ مُشْرِكٌ (٣).
فإن معناه لا تنكحوا زانية أو مشركة- بفتح التاء- ولا تنكحوهما- بضم التاء. والفرق بين أصول العبادات والمعاملات وبين فروعها أن فروعها هى ما تتعلق بالهيئات والأشكال والأمكنة والأزمنة والعدد أو هى كمياتها وكيفياتها. وأما أصولها فهى ذوات العبادات والمعاملات بقطع النظر عن الكم والكيف.
هذا وما قلته من قصر النسخ على ما كان من قبيل الأحكام الفرعية هو الرأى السائد الذى تستريح النفس إليه، وهناك آراء مغايرة حرىّ بمن
стр. 314
يكتب فى النسخ- مستقلا- أن يتعرض لها بالتفصيل (١). هذا وللإمام الشاطبى ﵀ فى هذه النقطة كلام طيب لا بأس بإيراده تتميما للفائدة يقول ﵀ (٢):
القواعد الكلية من الضروريات والحاجيات والتحسينيات لم يقع فيها نسخ، وإنما وقع النسخ فى أمور جزئية بدليل الاستقراء، فإن كل ما يعود بالحفظ على الأمور الخمسة (٣) ثابت، وإن فرض نسخ بعض جزئياتها فذلك لا يكون إلا بوجه آخر من الحفظ، وإن فرض النسخ فى بعضها إلى غير بدل فاضل. الحفظ باق إذ لا يلزم من رفع بعض أنواع الجنس رفع الجنس.
بل زعم الأصوليون أن الضروريات مراعاة فى كل ملة، وإن اختلفت أوجه الحفظ بحسب كل ملة، وهكذا يقتضى الأمر فى الحاجيات والتحسينيات.
وقد قال تعالى: شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ (٤).
وقال تعالى: فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ (٥).
وقال بعد ذكر كثير من الأنبياء ﵈:
أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ (٦).
стр. 315
وقال تعالى وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْراةُ فِيها حُكْمُ اللَّهِ (١) الآية وكثير من الآيات أخير فيها بأحكام كلية كانت فى الشرائع المتقدمة وهى من شريعتنا ولا فرق بينهما وقال تعالى: مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ (٢) وقال فى قصة موسى ﵇:
إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي (٣) وقال تعالى كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ (٤) وقال: إِنَّا بَلَوْناهُمْ كَما بَلَوْنا أَصْحابَ الْجَنَّةِ (٥) الآيات فى منع الإنفاق.
وقال سبحانه: وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ (٦) إلى سائر ما فى ذلك من معانى الضروريات.
وكذلك الحاجيات فإنا نعلم أنهم لم يكلفوا بما لا يطاق، هذا وإن كانوا قد كلفوا بأمور شاقة فذلك لا يرفع أصل اعتبار الحاجيات، ومثل ذلك التحسينيات فقد قال تعالى: أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نادِيكُمُ الْمُنْكَرَ (٧) وقوله: فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ يقتضى بظاهره دخول محاسن العادات من الصبر على الأذى والدفع بالتى هى أحسن وغير ذلك اه.
الأهمية وراء معرفة الناسخ والمنسوخ:
تتلخص أهمية معرفة الناسخ والمنسوخ فيما يلى:
стр. 316
١ - موضوع النسخ موضوع تشعبت مسالكه وكثرت تفاريعه وقد تناول الكثير من المسائل الدقيقة التى كانت مثارا لخلاف الباحثين من علماء الأصول.
٢ - أن معرفة الناسخ والمنسوخ ركن عظيم فى فهم الإسلام وفى الاهتداء إلى صحيح الأحكام.
قال أبو القاسم هبة الله بن سلامة ﵀ (١):
« ... فأول ما ينبغى لمن أحب أن يتعلم شيئا من علم الكتاب أى- القرآن العظيم- الابتداء فى علم الناسخ والمنسوخ اتباعا لما جاء عن أئمة السلف رضى الله عنهم أجمعين، لأن كل من تكلم فى شىء من علم هذا الكتاب العزيز، ولم يعلم الناسخ والمنسوخ كان ناقصا.
وقد روى عن أمير المؤمنين على بن أبى طالب كرم الله وجهه أنه دخل يوما مسجد الجامع بالكوفة، فرأى فيه رجلا يعرف بعبد الرحمن بن دأب، وكان صاحبا لأبى موسى الأشعرى، وقد تحلق عليه الناس يسألونه وهو يخلط الأمر بالنهى، والإباحة بالحظر. فقال له رضى الله عنه:
أتعرف الناسخ والمنسوخ؟ قال: لا. قال هلكت وأهلكت. أبو من أنت؟ فقال: أبو يحيى. فقال له رضى الله عنه: أنت أبو اعرفونى، وأخذ أذنه ففتلها (٢) فقال: لا تقصن فى مسجدنا بعد ...
« ... وقال حذيفة بن اليمان: لا يقصنّ على الناس إلا ثلاثة: أمير أو مأمور ورجل عرف الناسخ والمنسوخ، والرابع متكلف أحمق».
٣ - أن الإلمام بمعرفة الناسخ والمنسوخ يكشف النقاب عن سير التشريع الإسلامى ويطلع الإنسان على حكمة الله فى تربيته للخلق وسياسته للبشر وابتلائه للناس.
стр. 317
٤ - أن أعداء الإسلام اتخذوا من النسخ فى الشريعة الإسلامية أسلحة مسمومة طعنوا بها فى صدر الدين الحنيف. وقالوا من قدسية القرآن الكريم حتى سخروا عقول بعض المسلمين فجحدوا وقوع النسخ وهو واقع.
لهذا فالواجب يقتضى منا العناية والاهتمام بمعرفة هذا الموضوع الهام وأن نسير فيه بشيء من الحذر الشديد والله الموفق
حكمة الله تعالى فى النسخ:
معلوم عند أهل العلم أن معرفة الحكمة وراء تشريع النسخ نريح النفس وتعصم من الوسوسة، وقد اتفق العلماء جميعا على أن الشريعة الإسلامية نسخت كل شريعة قبلها، وفى هذا بيان شرف نبينا محمد ﷺ ، فإن الله نسخ بشريعته شريعتهم، وشريعته لا ناسخ لها. وكيف يعترى شريعته نسخ وقد احتوت على أكمل تشريع يفى بحاجات الإنسان إلى يوم القيامة؟
كما اتفق العلماء على نسخ بعض أحكام هذا الدين ببعض، ولعل الحكمة من وراء هذا النسخ نرجع إلى سياسة الأمة وتعهدها بما يرفيها ويطهرها.
قال الشوكانى ﵀ (١):
« ... وقيل: الحكمة حفظ مصالح العباد، فإذا كانت المصلحة لهم فى تبديل حكم بحكم وشريعة بشريعة كان التبديل لمراعاة هذه المصلحة، وقيل الحكمة بشارة المؤمنين برفع الخدمة عنهم وبأن رفع مؤنتها عنهم فى الدنيا مؤذن برفعها فى الجنة». فالتخفيف عن الناس يظهر فى نسخ الحكم الأصعب بما هو أسهل منه، وفى ذلك إغراء لهم على المبالغة فى شكره .
стр. 318
وأما الحكمة فى نسخ الحكم بما يساويه فهى الابتلاء والاختيار ليميز الله الخبيث من الطيب، أما الحكمة من بقاء التلاوة مع نسخ الحكم- عند القائلين به- فتسجيل هذه الظاهرة الحكيمة ظاهرة سياسة الإسلام للناس حتى يشهدوا أنه الدين الحق، وأن نبيه ﷺ نبى الصدق. يضاف إلى ذلك ما يكتسبونه من الثواب على هذه التلاوة، ومن الاستمتاع بما حوته تلك الآيات المنسوخة من بلاغة، ومن قيام معجزات بيانية أو علمية أو سياسية بها.
وأما نسخ التلاوة مع بقاء الحكم فحكمته تظهر فى كل آية بما يناسبها.
ومن أمثلة ذلك: أنه روى عن عمر بن الخطاب وأبى بن كعب رضى الله عنهما أنهما قالا: كان فيما أنزل من القرآن: الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة. أى كان هذا النص آية تتلى، ثم نسخت تلاوتها وبقى حكمها معمولا به، والسر فى ذلك أنها كانت تتلى أولا لتقرير حكمها ردعا لمن تحدثه نفسه أن يتلطخ بهذا العار الفاحش من شيوخ وشيخات، حتى إذا ما تقرر هذا الحكم فى النفوس نسخ الله تلاوته لحكمة أخرى هى الإشارة إلى شناعة هذه الفاحشة، وبشاعة صدورها من شيخ وشيخة حيث سلكها مسلك ما لا يليق أن يذكر فضلا عن أن يفعل، وسار بها فى طريق يشبه طريق المستحيل الذى لا يقع كأنه قال: نزهوا الأسماع عن سماعها والألسنة عن ذكرها فضلا عن الفرار منها ومن التلوث برجسها (١).
стр. 319
المبحث الثانى فى شروط النسخ
ذكر العلماء للنسخ شروطا لا بدّ منها أهمها ما يلى:
١ - أن يكون المنسوخ حكما شرعيّا ممكنا لا واجبا لذاته- كالإيمان- ولا ممتنعا لذاته- كالكفر- فإن وجوب الإيمان وحرمة الكفر لا ينسخ فى دين من الأديان.
٢ - أن يكون النسخ بشرع فلا يكون ارتفاع الحكم بالموت نسخا لأنه حاصل بالعقل إذ هو قاض بأنه لا تكليف للميت.
٣ - أن يكون الناسخ منفصلا عن المنسوخ متأخرا عنه، فإن المقترن كالشرط والصفة والاستثناء لا يسمى نسخا بل تخصيصا.
٤ - ألا يكون المنسوخ مقيدا بوقت معلوم كقوله تعالى:
وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ (١) وقوله تعالى: فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا (٢).
فلا يكون انقضاء وقته الذى قيد به نسخا له (٣).
стр. 320
الفرق بين النسخ والتخصيص:
سبق أن اخترت للنسخ تعريف التلمسانى وابن الحاجب وغيرهما، وهو: رفع الحكم الشرعى بدليل شرعى متأخر. وقد عرف الأصوليون التخصيص فقالوا: هو قصر العام على بعض أفراده (١).
ومن أمثلته: قول الله تعالى:
وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ (٢) مع قوله جل شأنه: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً (٣).
والناظر فى الآية الثانية يفهم بحسب الظاهر أن عدة المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر وعشرا مطلقا، سواء كانت حاملا أو غير حامل. بينما تنص الآية الأولى على أن عدة الحامل بوضع الحمل، ومن ثم قال العلماء إنها مخصصة للآية الثانية، وعليه فالمتوفى عنها زوجها تعتد أربعة أشهر وعشرا، ما لم تكن حاملا وإلا فعدتها بوضع الحمل (٤).
والحق أن المتأمل فى تعريف كل من النسخ والتخصيص يجد تشابها كبيرا بينهما وذلك لأن النسخ فيه ما يشبه تخصيص الحكم ببعض الأزمان والتخصيص فيه ما يشبه رفع الحكم عن بعض الأفراد، ومن أجل هذا التشابه الكبير بين النسخ والتخصيص فرق بينهما كل من مسك قلما وكتب فى النسخ، وذلك لأن هناك من العلماء من ذهب إلى القول بإنكار النسخ فى الشريعة، زاعما أن كل ما تسميه نسخا فهو تخصيص،