← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 37973

دراسات أصولية في القرآن الكريم

محمد إبراهيم الحفناوى

Полный текст (462 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

١ - موضوع النسخ موضوع تشعبت مسالكه وكثرت تفاريعه وقد تناول الكثير من المسائل الدقيقة التى كانت مثارا لخلاف الباحثين من علماء الأصول. ٢ - أن معرفة الناسخ والمنسوخ ركن عظيم فى فهم الإسلام وفى الاهتداء إلى صحيح الأحكام. قال أبو القاسم هبة الله بن سلامة ﵀ (١): « ... فأول ما ينبغى لمن أحب أن يتعلم شيئا من علم الكتاب أى- القرآن العظيم- الابتداء فى علم الناسخ والمنسوخ اتباعا لما جاء عن أئمة السلف رضى الله عنهم أجمعين، لأن كل من تكلم فى شىء من علم هذا الكتاب العزيز، ولم يعلم الناسخ والمنسوخ كان ناقصا. وقد روى عن أمير المؤمنين على بن أبى طالب كرم الله وجهه أنه دخل يوما مسجد الجامع بالكوفة، فرأى فيه رجلا يعرف بعبد الرحمن بن دأب، وكان صاحبا لأبى موسى الأشعرى، وقد تحلق عليه الناس يسألونه وهو يخلط الأمر بالنهى، والإباحة بالحظر. فقال له رضى الله عنه: أتعرف الناسخ والمنسوخ؟ قال: لا. قال هلكت وأهلكت. أبو من أنت؟ فقال: أبو يحيى. فقال له رضى الله عنه: أنت أبو اعرفونى، وأخذ أذنه ففتلها (٢) فقال: لا تقصن فى مسجدنا بعد ... « ... وقال حذيفة بن اليمان: لا يقصنّ على الناس إلا ثلاثة: أمير أو مأمور ورجل عرف الناسخ والمنسوخ، والرابع متكلف أحمق». ٣ - أن الإلمام بمعرفة الناسخ والمنسوخ يكشف النقاب عن سير التشريع الإسلامى ويطلع الإنسان على حكمة الله فى تربيته للخلق وسياسته للبشر وابتلائه للناس.

стр. 317

٤ - أن أعداء الإسلام اتخذوا من النسخ فى الشريعة الإسلامية أسلحة مسمومة طعنوا بها فى صدر الدين الحنيف. وقالوا من قدسية القرآن الكريم حتى سخروا عقول بعض المسلمين فجحدوا وقوع النسخ وهو واقع. لهذا فالواجب يقتضى منا العناية والاهتمام بمعرفة هذا الموضوع الهام وأن نسير فيه بشيء من الحذر الشديد والله الموفق حكمة الله تعالى فى النسخ: معلوم عند أهل العلم أن معرفة الحكمة وراء تشريع النسخ نريح النفس وتعصم من الوسوسة، وقد اتفق العلماء جميعا على أن الشريعة الإسلامية نسخت كل شريعة قبلها، وفى هذا بيان شرف نبينا محمد ﷺ ، فإن الله نسخ بشريعته شريعتهم، وشريعته لا ناسخ لها. وكيف يعترى شريعته نسخ وقد احتوت على أكمل تشريع يفى بحاجات الإنسان إلى يوم القيامة؟ كما اتفق العلماء على نسخ بعض أحكام هذا الدين ببعض، ولعل الحكمة من وراء هذا النسخ نرجع إلى سياسة الأمة وتعهدها بما يرفيها ويطهرها. قال الشوكانى ﵀ (١): « ... وقيل: الحكمة حفظ مصالح العباد، فإذا كانت المصلحة لهم فى تبديل حكم بحكم وشريعة بشريعة كان التبديل لمراعاة هذه المصلحة، وقيل الحكمة بشارة المؤمنين برفع الخدمة عنهم وبأن رفع مؤنتها عنهم فى الدنيا مؤذن برفعها فى الجنة». فالتخفيف عن الناس يظهر فى نسخ الحكم الأصعب بما هو أسهل منه، وفى ذلك إغراء لهم على المبالغة فى شكره .

стр. 318

وأما الحكمة فى نسخ الحكم بما يساويه فهى الابتلاء والاختيار ليميز الله الخبيث من الطيب، أما الحكمة من بقاء التلاوة مع نسخ الحكم- عند القائلين به- فتسجيل هذه الظاهرة الحكيمة ظاهرة سياسة الإسلام للناس حتى يشهدوا أنه الدين الحق، وأن نبيه ﷺ نبى الصدق. يضاف إلى ذلك ما يكتسبونه من الثواب على هذه التلاوة، ومن الاستمتاع بما حوته تلك الآيات المنسوخة من بلاغة، ومن قيام معجزات بيانية أو علمية أو سياسية بها. وأما نسخ التلاوة مع بقاء الحكم فحكمته تظهر فى كل آية بما يناسبها. ومن أمثلة ذلك: أنه روى عن عمر بن الخطاب وأبى بن كعب رضى الله عنهما أنهما قالا: كان فيما أنزل من القرآن: الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة. أى كان هذا النص آية تتلى، ثم نسخت تلاوتها وبقى حكمها معمولا به، والسر فى ذلك أنها كانت تتلى أولا لتقرير حكمها ردعا لمن تحدثه نفسه أن يتلطخ بهذا العار الفاحش من شيوخ وشيخات، حتى إذا ما تقرر هذا الحكم فى النفوس نسخ الله تلاوته لحكمة أخرى هى الإشارة إلى شناعة هذه الفاحشة، وبشاعة صدورها من شيخ وشيخة حيث سلكها مسلك ما لا يليق أن يذكر فضلا عن أن يفعل، وسار بها فى طريق يشبه طريق المستحيل الذى لا يقع كأنه قال: نزهوا الأسماع عن سماعها والألسنة عن ذكرها فضلا عن الفرار منها ومن التلوث برجسها (١).

стр. 319

المبحث الثانى فى شروط النسخ ذكر العلماء للنسخ شروطا لا بدّ منها أهمها ما يلى: ١ - أن يكون المنسوخ حكما شرعيّا ممكنا لا واجبا لذاته- كالإيمان- ولا ممتنعا لذاته- كالكفر- فإن وجوب الإيمان وحرمة الكفر لا ينسخ فى دين من الأديان. ٢ - أن يكون النسخ بشرع فلا يكون ارتفاع الحكم بالموت نسخا لأنه حاصل بالعقل إذ هو قاض بأنه لا تكليف للميت. ٣ - أن يكون الناسخ منفصلا عن المنسوخ متأخرا عنه، فإن المقترن كالشرط والصفة والاستثناء لا يسمى نسخا بل تخصيصا. ٤ - ألا يكون المنسوخ مقيدا بوقت معلوم كقوله تعالى: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ (١) وقوله تعالى: فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا (٢). فلا يكون انقضاء وقته الذى قيد به نسخا له (٣).

стр. 320

الفرق بين النسخ والتخصيص: سبق أن اخترت للنسخ تعريف التلمسانى وابن الحاجب وغيرهما، وهو: رفع الحكم الشرعى بدليل شرعى متأخر. وقد عرف الأصوليون التخصيص فقالوا: هو قصر العام على بعض أفراده (١). ومن أمثلته: قول الله تعالى: وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ (٢) مع قوله جل شأنه: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً (٣). والناظر فى الآية الثانية يفهم بحسب الظاهر أن عدة المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر وعشرا مطلقا، سواء كانت حاملا أو غير حامل. بينما تنص الآية الأولى على أن عدة الحامل بوضع الحمل، ومن ثم قال العلماء إنها مخصصة للآية الثانية، وعليه فالمتوفى عنها زوجها تعتد أربعة أشهر وعشرا، ما لم تكن حاملا وإلا فعدتها بوضع الحمل (٤). والحق أن المتأمل فى تعريف كل من النسخ والتخصيص يجد تشابها كبيرا بينهما وذلك لأن النسخ فيه ما يشبه تخصيص الحكم ببعض الأزمان والتخصيص فيه ما يشبه رفع الحكم عن بعض الأفراد، ومن أجل هذا التشابه الكبير بين النسخ والتخصيص فرق بينهما كل من مسك قلما وكتب فى النسخ، وذلك لأن هناك من العلماء من ذهب إلى القول بإنكار النسخ فى الشريعة، زاعما أن كل ما تسميه نسخا فهو تخصيص،

стр. 321

ومنهم من توسع فى النسخ بأن أدخل صورا من التخصيص فى باب النسخ فزاد بسبب ذلك فى عداد المنسوخات من غير موجب. وإليك أهم الفروق بين النسخ والتخصيص: ١ - النسخ لا يكون إلا بالكتاب والسنة بخلاف التخصيص، فإنه يكون بهما وبغيرهما كدليل الحس والعقل. وعن أمثلة النسخ بالكتاب والسنة سأذكرها إن شاء الله بشيء من التفصيل عند الكلام عن أنواع النسخ فى القرآن، والنسخ فى دورانه بين القرآن والسنة. أما أمثلة التخصيص بالكتاب والسنة والحس والعقل فهى: أولا: تخصيص الكتاب بالكتاب: وقد سبق قريبا مثال له وهو قوله تعالى: وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ مع قوله: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً ثانيا: تخصيص الكتاب بالسنة ومثاله: قال تعالى: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما جَزاءً بِما كَسَبا نَكالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (١). وقال ﷺ : «لا قطع إلا فى ربع دينار فصاعدا» (٢). فالظاهر أن بين الآية والحديث تعارضا، وذلك لأن الآية توجب بعمومها قطع يد السارق، فى حين ينص الحديث على ألا قطع إلا فى ربع دينار فصاعدا، وعليه فيجب تخصيص عموم الآية بهذا الحديث، ومن ثم فلا قطع لمن سرق أقل من ربع دينار.

стр. 322

ثالثا: تخصيص الكتاب بالحس ومثاله: قال تعالى: تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّها فَأَصْبَحُوا لا يُرى إِلَّا مَساكِنُهُمْ (١) فالعموم المذكور فى الآية الكريمة قد خصصه ما شهد به الحس من سلامة الأرض والسماء وعدم تدمير الريح لهما. رابعا: تخصيص الكتاب بدليل العقل. مثاله: قال تعالى: اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ (٢) وقوله: وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣) فكل من هذين القولين الكريمين متناول بعموم لفظه لغة كل شىء، مع أن ذاته وصفاته أشياء حقيقية، وليس خالقا لها ولا هى مقدورة له لاستحالة خلق القديم الواجب لذاته واستحالة كونه مقدورا بضرورة العقل، فقد خرجت ذاته وصفاته بدلالة ضرورة العقل عن عموم اللفظ، وذلك مما لا خلاف فيه بين العقلاء حيث إن العقل يقضى باستحالة تعلق القدرة الإلهية، بالواجب والمستحيل (٤) العقليين. ٢ - النسخ يجوز وروده على الأمر بمأمور واحد كنسخ بعض الأحكام الخاصة به ﷺ ، بخلاف التخصيص فلا يرد على الأمر بمأمور واحد ولا على النهى لمنهى واحد. ٣ - النسخ يدل على أن المنسوخ كان مرادا بالحكم ابتداء، بخلاف التخصيص فإنه يدل على أن المخرج غير مراد بالحكم ابتداء، وإن دل عليه اللفظ وضعا. ٤ - العام بعد تخصيصه مجاز لأن مدلوله حينئذ بعض أفراده، مع أن لفظه موضوع للكل، والقرينة هى المخصص وكل ما كان كذلك فهو مجاز.

стр. 323

أما النص المنسوخ فما زال كما كان مستعملا فيما وضع له، غايته أن الناسخ دل على أن إرادة الله تعلقت أزلا باستمرار هذا الحكم إلى وقت معين، وإن كان النص المنسوخ متناولا جميع الأزمان. ٥ - النسخ يجعل المنسوخ غير صالح للاحتجاج به. أما التخصيص فلا يخرج العام عن كونه حجة فى الباقى بعد التخصيص. ٦ - النسخ لا يكون إلا بدليل متراخ، ومتأخر عن المنسوخ بخلاف التخصيص فإنه يكون بالسابق واللاحق والمقارن. وذهب بعض الأصوليين إلى القول بأن التخصيص لا يكون إلا بمقارن، فلو تأخر عن وقت العمل بالعام كان هذا المخصص ناسخا للعام بالنسبة لما تعارضا فيه، كما إذا قال الشارع: اقتلوا المشركين. وبعد وقت العمل به قال: لا تقتلوا أهل الذمة. ووجهة نظرهم: أن المقصود بالمخصص بيان المراد بالعام. فلو تأخر عن وقت العمل به لزم تأخير البيان عن وقت الحاجة وذلك لا يجوز، فلم يبق إلا اعتباره ناسخا. ٧ - النسخ لا يقع فى الأخبار بخلاف التخصيص، فإنه يكون فى الأخبار وغيرها (١). الفرق بين النسخ والبداء: يلاحظ أن البداء فى اللغة يطلق على معنيين هما: ١ - الظهور بعد الخفاء ... ومنه قوله تعالى: وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ (٢)

стр. 324

وقوله جل شأنه: وَبَدا لَهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا (١). ٢ - نشأة رأى جديد لم يكن ... ومنه قوله تعالى: ثُمَّ بَدا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما رَأَوُا الْآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ (٢). جاء فى القاموس (٣): وبدا له فى الأمر بدوا وبداء وبداة أى نشأ له فيه رأى. هذان معنيان للبدء فى اللغة، ومما لا شك فيه أنهما مستحيلان على الله تعالى، ذلك لأنه يستلزم سبق الجهل وحدوث العلم، وكلاهما محال عليه تعالى، كما يشهد بذلك العقل والنقل. فالعقل يقرر دون تردد أن خالق هذا الكون لا بدّ أن يكون متصفا بالعلم الواسع المحيط بكل شىء، وأنه قديم لا يمكن أن يكون حادثا ولا محلا للحوادث، وإلا لكان ناقصا يعجز عن إبداع هذا الكون، وما دام الجهل والحدوث- المستلزمان للبداء- مستحيلين عليه تعالى فالعقل يقرر استحالة البداء على الله تعالى. وكذلك النقل. فإنه يلتقى مع العقل فى الحكم باستحالة الجهل، والحدوث على الله تعالى، فالنصوص الثابتة تصفه بالعلم الواسع، والقدم الذى لا يسبقه شىء قال تعالى: وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ (٤) الآية وقال سبحانه: اللَّهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى وَما تَغِيضُ الْأَرْحامُ وَما تَزْدادُ (٥) وغير ذلك من الآيات التى تصفه سبحانه بالعلم المحيط.

стр. 325

فمولانا جل شأنه منزه عن أن يوصف بالبداء لأن البداء ينافى إحاطة علم الله سبحانه، بكل شىء، ولكنه غير منزه عن النسخ، لأن النسخ لا يعدو أن يكون بيانا لمدة الحكم الأول على نحو ما سبق فى علم الله تعالى، وإن كان رفعا لهذا الحكم بالنسبة لنا، وعليه فلا علاقة بين النسخ والبداء، لأن النسخ ليس فيه تغيير لعلم الله تعالى، بخلاف البداء فإنه يفترض هذا التغيير. فالنسخ يقوم على تغيّر فى المعلوم مع ثبات العلم نفسه على ما كان منذ الأزل، والبداء يقوم على تغير فى العلم نفسه. ومن هنا لما خفى الفرق بين النسخ والبداء على بعض فرق اليهود والرافضة أنكرت اليهود النسخ وأسرفوا فى الإنكار لاستلزامه فى زعمهم البداء وهو محال. والحق أن هذا الفهم من قبل اليهود سقيم لما ذكرت من أنه لا تلازم بين النسخ والبداء ولوضوح الفرق بينهما. أما الرافضة فأثبتوا النسخ، ثم أسرفوا فى إثبات البداء اللازم له فى زعمهم، ونسبوه إلى الله تعالى فى صراحة ووقاحة- تعالى الله عن ذلك علوّا كبيرا- وقد تشبثوا بآثار نسبوها إلى أئمة طاهرين تعضد- فى زعمهم- ما ذهبوا إليه منها: أن الإمام علىّ كرم الله وجهه قال: لولا البداء لحدثتكم بما هو كائن إلى يوم القيامة. ومنها: أن جعفر الصادق رضى الله عنه قال: ما بدا لله تعالى فى شىء كما بدا له فى إسماعيل ﵇ أى فى أمره بذبحه-. ومنها: أن موسى بن جعفر رضى الله عنه قال: البداء ديننا ودين آبائنا فى الجاهلية (١).

стр. 326

والحق أن هذه الآثار التى نسبوها إلى هؤلاء الأئمة ما هى إلا مفتريات وأكاذيب أول من حاك شباكها، ونطق بها الكذاب الثقفى الذى كان ينتحل لنفسه العصمة، وعلم الغيب. فإذا ما خاف من مؤاخذة الناس له، وانتقامهم منه على هذا الكفر نسب تلك الأكاذيب إلى آل البيت وهم منها برآء. فاللعين كان يحتج بكفر على كفر، ويعالج داء بداء، وصدق الله العظيم إذ يقول: وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ (١). على العموم العقل والنقل يرفضان رأى الكذاب (٢) الثقفى وأتباعه من الرافضة. فإن قيل:- وذلك على سبيل الافتراض- لا يخلو إما أن يكون البارى قد علم استمرار أمره بالفعل المعين أبدا، أو إلى وقت معين، وعلم أنه لا يكون مأمورا بعد ذلك الوقت. فإن كان الأول: استحال نسخه لما فيه من انقلاب العلم جهلا. وإن كان الثانى: فالحكم يكون منتهيا بنفسه فى ذلك الوقت. فلا يتصوره بقاؤه بعده وإلا لانقلب علم الله تعالى جهلا. وإذا كان منتهيا بنفسه فالنسخ لا يكون مؤثرا فيه لا فى حالة علم الله تعالى، أنه يكون الفعل مأمورا فيها، ولا فى حالة علمه سبحانه أنه لا يكون مأمورا فيها لما فيه من انقلاب العلم جهلا، وإذا لم يكن النسخ مؤثرا فيه فلا يتصور نسخه.

стр. 327

فالجواب: أن الأمر مطلق وقد علم ربنا أن الأمر بالفعل ينتهى بالناسخ فى الوقت الذى علم أن النسخ يقع فيه لا أنه علم انتهاءه إلى ذلك الوقت مطلقا. بل علم انتهاءه بالنسخ. فلو لم يكن منتهيا بالنسخ لانقلب علمه جهلا. وعلى هذا فلا يلزم من انتهاء الأمر فى ذلك الوقت بالنسخ ألا يكون الأمر منسوخا (١).

стр. 328

المبحث الثالث فى النسخ بين مثبتيه ومنكريه إن علماء الإسلام أجمعوا على أن النسخ جائز عقلا، وواقع شرعا، وكذلك أهل الشرائع جميعا مساعدا اليهود والنصارى، ونحن معشر المسلمين إنما قلنا بجوازه ووقوعه لأن المنطق السليم لا يسعه إلا الإقرار بجواز النسخ عقلا كما أن الواقع التاريخى يؤكد وقوعه شرعا. فالقرآن الكريم وهو كتاب الله الخالد، قرر على كل إنسان أن يؤمن به ويمتثل لما فيه ويسير على دربه (١) وهذا هو النسخ بمعناه العام: نسخ شريعة لشريعة سابقة. كما أن الناظر فى تاريخ شريعتنا الإسلامية يرى أحكاما نسخت أحكاما سابقة عليها، وهذا هو النوع الثانى من النسخ: يعنى نسخ حكم لحكم فى شريعة واحدة. ولقد استمر المسلمون على هذا الحال ما يزيد على ثلاثة قرون. لم يشك مسلم واحد فى أن دين الإسلام هو دين البشرية كلها حتى يرث الله الأرض ومن عليها، كما أنه لم بشك واحد منهم طوال هذه الفترة فى أن بعض الأحكام الجزئية العملية التى شرعها الإسلام، قد نسختها أحكام أخرى فى موضوعها، ومن المعلوم أن كلا من الحكمين الحكم الناسخ وكذلك الحكم المنسوخ كان هو الحق فى زمانه. غير أنه فى القرن الرابع الهجرى ظهر العالم المفسر أبو مسلم الأصفهانى (٢) واشتهر عنه أنه ينكر النسخ.

стр. 329

وقد تناول فى تفسيره الذى ألفه دعاوى النسخ فى القرآن، فأولها ووفق بينها على وجه لا يمكن معه- على حد قوله- أن يكون هناك تعارض بينها فأوّل ما رآه الجمهور نسخا على أنه من باب انتهاء الحكم لانتهاء زمانه ومثل هذا لا يعتبر نسخا. والحق أن الباحثين قد اضطربت أقوالهم فى تبين حقيقة ما ذهب إليه أبو مسلم نتيجة لاضطرابات النقل عنه، والصحيح فى النقل عنه وهو ما يليق به كعالم مسلم أن النسخ واقع بين الشرائع بعضها مع بعض والإسلام ناسخ للشرائع كلها، ولكنه ينكر وقوع النسخ فى الشريعة الواحدة واستدل على هذا الإنكار بقوله تعالى: لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (١). وسأقوم بعون الله تعالى بذكر وجه استدلاله بهذه الآية عقب ذكر أدلة الجمهور. وبعد هذا البيان عن المثبتين للنسخ والمنكرين له يظهر لنا أن المذاهب فى النسخ خمسة هى: ١ - جائز عقلا وواقع شرعا فى الشريعة الواحدة وبين الشرائع المختلفة وهذا هو مذهب جمهور المسلمين ما عدا أبا مسلم الأصفهانى. ٢ - جائز عقلا وواقع سمعا بين الشرائع المختلفة وغير واقع فى شريعة سيدنا محمد ﷺ . وهذا هو رأى أبى مسلم. ٣ - جائز عقلا وواقع سمعا وشريعة سيدنا محمد ﷺ غير ناسخة لشريعة سيدنا موسى ﵇، وهذا مذهب

стр. 330

العيسوية (١) (إحدى فرق اليهود الثلاثة) الذين يعترفون برسالته ﷺ ولكنهم يقولون هى للعرب خاصة. ٤ - جائز عقلا وغير واقع سمعا وهذا مذهب العنانية (٢) من اليهود. ٥ - محال عقلا وشرعا وهذا مذهب الشمعونية (٣) من اليهود. ومما هو جدير بالذكر التنبيه على أن المقصود من مثبتى النسخ ومنكريه هم علماء المسلمين، لكن هذا لا يمنعنى من التعرض ولو بطريق الإجمال تتميما للفائدة لموقف فرق اليهود الثلاث من قضية النسخ (٤). أدلة المذاهب أولا أدلة جمهور المسلمين: استدل الجمهور على الجواز العقلى بدليلين هما: الدليل الأول: أن النسخ لا يترتب على فرض وقوعه محال. حيث إن أحكام الله تعالى إما أن تشرع لمصالح العباد- كما تقول المعتزلة- أو لا تشرع لمصالحهم.

стр. 331

فإن قيل بالأول: فلا شك أن المصالح تختلف باختلاف الأشخاص والأزمان، لأن ما يكون مصلحة لشخص قد لا يكون مصلحة لآخر كشرب الدواء- مثلا- فهو مصلحة للمريض دون الصحيح، وكذلك ما يكون مصلحة لشخص فى زمن قد لا يكون مصلحة له فى زمن آخر ألا ترى أن الطبيب الحاذق (١) يبدل الأدوية والأغذية بملاحظة حالات المريض وغيرها على حسب المصلحة التى يراها، ولا يحمل أحد فعله على العبث والجهل. وما دامت المصالح تختلف هكذا والأحكام يراعى فى شرعيتها مصالح العباد، فلا شك أن ذلك مما يجعل النسخ أمرا لا بدّ منه وليس محالا. وإن قيل بالثانى: فظاهر أيضا أن النسخ لا يترتب عليه محال، لأنه لم يخرج عن كونه فعلا لله تعالى وهو جل شأنه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد. ومن هنا يظهر لنا بوضوح أن النسخ فى الحالتين لا يترتب على فرض وقوعه محال فكان جائزا عقلا لأن هذا هو شأن الجواز العقلى (٢). وقد نوقش هذا الدليل من قبل القائلين بعدم الجواز العقلى بما يلى: النسخ يترتب عليه محال وعليه فيكون محالا، ومن هنا فالمقدمة الصغرى من دليلكم لم تتم .. وبيان ذلك: الحكم الناسخ إما أن يكون قد شرع لمصلحة علمها الله تعالى بعد أن لم يكن علمها أو يكون شرع لا لمصلحة فإن كان الأول فقد تحقق البداء وهو على الله تعالى محال. وإن كان الثانى فهو عبث وهو أيضا على الله تعالى محال.

стр. 332

وقد أجاب الجمهور عن هذه المناقشة: بأن هناك قسما ثالثا قد تركتموه، فلنا أن نختاره وهو أن الله تعالى شرع الحكم الثانى لمصلحة علمها أزلا، ولم تخف عليه ولكن وقتها يجيء عند انتهاء الحكم الأول بما اشتمل عليه من المصلحة، ومعلوم أن هذا لا يترتب عليه بداء ولا عبث كما تزعمون (١). الدليل الثانى: وهو مسوق فى وجه اليهود المحيلين له عقلا والقائلين أن شريعة سيدنا محمد ﷺ خاصة بالعرب فقط من بنى إسماعيل، وحاصل هذا الدليل ما يلى: إن نبوة مولانا رسول الله ﷺ ثبتت بالدليل القاطع وهو المعجزة الدالة على ذلك وعليه فيكون صادقا فيما يقوله عن ربه وينقله عنه، وقد نقل عنه قوله تعالى: ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢). ومعنى هذه الآية: إن ننسخ نأت، ومثل ذلك إنما يقال فيما هو جائز عقلا، وليس فيما هو محال، ومن ثم فالآية تدل على جواز النسخ وهو المطلوب. وقد ناقش المانعون للجواز هذا الدليل بما يلى: الآية لا دلالة فيها على الجواز حيث إنها تفيد صدق التلازم الحاصل بين الشرط والجزاء، وصدق هذا التلازم لا تتوقف على وقوع الشرط والجزاء، ولا على جواز وقوعهما. بل يصدق التلازم ولو كان الشرط محالا. مثال ذلك: قوله تعالى: قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ (٣)

стр. 333

فالكلام صحيح مع أن الشرط محال وقوعه. وقد ذكر الشيخ الإسنوى ﵀ جوابا عن هذه المناقشة: يتلخص فى أن الآية الكريمة لو قطع النظر عن سبب نزولها لا دلالة فيها على الجواز كما تقولون. لكن لو نظرنا إلى سبب النزول وهو أن الكفار طعنوا فقالوا: إن محمدا ﷺ يأمر بالشىء ثم ينهى عنه فأنزل الله ردا عليهم قوله: ما ننسخ من آية .. الآية لكان فى الآية دليل على الجواز وذلك لأنها ردت عليهم فى شىء عابوه قد وقع فعلا (١). ثم قال الإسنوى: فإن قيل: صحة الآية والاستدلال بها يتوقفان على صحة النسخ فلو أثبتنا صحة النسخ بالآية لكان يلزم الدور. قلنا: لا نسلم: بل الاستدلال بها متوقف على صحة النبوة. واستدل الجمهور على الوقوع الشرعى بأدلة كثيرة: منها ما هو مسوق للرد على الشمعونية والعنانية من اليهود، ومنها ما هو مسوق للرد على أبى مسلم وكذلك العيسوية من اليهود. فمن الأول ما يلى: أولا: جاء فى التوراة أن الله تعالى أمر آدم ﵇ أن يزوج بناته من بنيه، وورد أنه كان يولد له كل بطن من البطون ذكرا وأنثى، فكان يزوج توأمة هذا للآخر ويزوج توأمة الآخر لهذا، وهكذا إقامة لاختلاف البطون مقام اختلاف الآباء والأمهات، ثم حرم الله ذلك عليهم بإجماع المتدينين من المسلمين واليهود والنصارى وغيرهم (٢).

стр. 334

فإن قيل: يحتمل أن يكون هذا الحكم مخصوصا بذلك القوم أو مؤقتا بحياتهم وعليه فتحريم ذلك فى شريعة من بعده لا يكون نسخا. فالجواب: أنه قد ثبت بالتواتر أمر آدم ﵇ ولم ينقل تخصيص ولا توقيت فوجب إجراؤه على الإطلاق، وما ذكر من الاحتمال غير ناشئ عن دليل فلا يعتبر (١). ثانيا: أن الله أمر سيدنا إبراهيم ﵇ بذبح ولده إسماعيل ﵇، ثم قال له: لا تذبحه، وقد اعترف منكر والنسخ بذلك (٢). ثالثا: أن الجمع بين الأختين كان مباحا فى شريعة يعقوب ﵇، ثم حرم فى شريعة موسى ﵇. قال ابن عبد الشكور ﵀ (٣): « ... واستدل بتحريم جمع الأختين فى شريعة موسى ﵇ وبعدها من الشرائع بعد الإباحة فى شريعة يعقوب ﵇، أى شريعة إبراهيم التى هو عليها، وإنما نسبت إليه لأنه جمع بين الأختين». رابعا: جاء فى التوراة: أن الله قال لنوح ﵇ عند خروجه من الفلك: «إنى قد جعلت كل دابة مأكلا لك ولذريتك وأطلقت ذلك لكم كنبات العشب ما خلا الدم فلا تأكلوه». ثم حرم الله تعالى على موسى ﵇ وعلى بنى إسرائيل كثيرا من الحيوانات (٤).

стр. 335

خامسا: أن الله أمر بنى إسرائيل أن يقتلوا من عبد منهم العجل، ثم أمرهم برفع السيف عنهم. وقد حكى القرآن هذا فقال جل شأنه: وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بارِئِكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١) قال المفسرون (٢): أمر الله القوم بشديد من الأمر. فقاموا يتناحرون بالشفار (٣) يقتل بعضهم بعضا، حتى بلغ الله فيهم نقمته (٤) فسقطت الشفار من أيديهم. فأمسك عنهم القتل فجعله لحيّهم توبة وللمقتول شهادة. سادسا: أن الطلاق كان جائزا فى شريعة موسى ﵇، ثم جاءت شريعة عيسى ﵇ فحرمته إلا فى حالة واحدة هى حالة ثبوت الزنى على الزوجة. سابعا: أن الختان كان فريضة فى دين إبراهيم وموسى وعيسى ﵈، ولكن الحواريين جاءوا بعد رفع عيسى ﵇ فنهوا عن الختان كما ثبت ذلك فى رسائل الحواريين، فإما أن يكون هذا نسخا وإما أن يكون افتراء وكذبا، لأنه لم يؤثر عن عيسى ﵇ كلمة واحدة تدل على نسخ الختان (٥). فهذه الأدلة وغيرها تدل بوضوح على وقوع النسخ بين الشرائع المختلفة، وفى هذا رد على الشمعونية والعنانية من اليهود.

стр. 336

وفى الثانى ما يلى: أولا: قال تعالى: ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها، (١) الآية. وقد قال العلماء إن هذه الآية يفهم منها أن كل آية يذهب الله تعالى بها على حسب ما تقتضيه الحكمة والمصلحة من نسخ لفظها فقط، أو حكمها فقط، أو نسخهما معا، فإنه سبحانه يأتى عباده بنوع آخر أنفع لهم فى السهولة أو كثرة الأجر. والخيرية قد تكون فى المنفعة، وقد تكون فى الثواب وقد تكون فى كليهما، أما المثلية فلا تكون إلا فى الثواب فقط، لأن المماثلة فى النفع لا يمكن تصورها، وذلك لأنه على تقدير ارتفاع الحكم الأول فإن المصلحة المنوط بها ذلك الحكم ترتفع ولا تبقى إلا مصلحة الآية المأتى بها فتكون خيرا من الذاهبة لا محالة. وإذا قدر بقاء الحكم الأول وكان النسخ للتلاوة فقط، فالمصلحة الأولى باقية على حالها لم يجدّ غيرها حتى يكون خيرا منها أو مثلها (٢). ثانيا: قال تعالى: وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ قالُوا إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٣) فالتبديل المذكور فى هذه الآية يتألف من رفع الأصل وإثبات البدل، وهذا هو النسخ سواء كان المرفوع تلاوة أم حكما. قال أبو حامد الغزالى ﵀ (٤): فإن قيل: ليس المعنىّ به رفع المنزل فإن ما أنزل لا يمكن رفعه

стр. 337

وتبديله، لكن المعنىّ به تبديل مكان الآية بإنزال آية بدل ما لم ينزل، فيكون ما لم ينزل كالمبدل بما أنزل. قلنا: هذا تعسّف بارد فإن الذى لم ينزل كيف يكون مبدلا والبدل يستدعى مبدلا؟ وكيف يطلق اسم التبديل على ابتداء الإنزال فهذا هوس وسخف. ثالثا: قال تعالى: فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيراً (١). فهذه الآية الكريمة تفيد تحريم ما أحل من قبل، وهذا هو النسخ، وقوله تعالى: أحلّت لهم يفهم منه أن الحكم الأول كان حكما شرعيّا لا براءة أصلية. رابعا: أن سلف الأمة أجمعوا على أن النسخ وقع فى الشريعة الإسلامية كما وقع بها (٢). ثانيا: أدلة أبى مسلم الأصفهاني ﵀: يلاحظ أنه يستدل لأبى مسلم على الجواز العقلى بدليلى الجمهور السابقين، ويستدل له على أن النسخ غير واقع فى شريعة سيدنا محمد ﷺ بقوله تعالى: لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٣) وجه الدلالة: النسخ باطل لأن فيه إلغاء للحكم المنسوخ، فلو وقع فى القرآن لأتاه الباطل وفى ذلك تكذيب لخبر الله تعالى والكذب فى خبره تعالى محال.

стр. 338

وقد ردّ الجمهور هذا الاستدلال لما يلى: أولا: لا نسلم أن النسخ باطل، بل هو إبطال لأن الباطل ضد الحق، والنسخ حق وصدق، وإن كان المنسوخ غير معمول به، ومن ثم فلا دلالة فى الآية على المطلوب، ومعنى الآية كما ذكر العلماء أن ألفاظ القرآن محفوظة من التغيير والتبديل، ولا يمكن أن يتطرق إلى ساحته الخطأ. ثانيا: سلمنا أن النسخ باطل لكنا نقول: إن الضمير فى قوله تعالى: لا يأتيه راجع إلى كل القرآن وعليه فيكون المعنى إن كل القرآن لا يأتيه الباطل أى النسخ، ونحن جميعا متفقون على أن القرآن جميعه لا ينسخ لأنه معجزة نبينا ﷺ المستمرة على التأبيد وعليه فمحل النزاع لا دلالة فى الآية عليه. ثالثا: سلمنا أن النسخ باطل لكن معنى الآية أنه لم يتقدم على القرآن من كتب الله تعالى ما يبطله ولا يأتى بعده من كتب الله تعالى ما يبطله، وهذا لا ينافى أنه يأتى فيه نفسه ما يبطل بعضا بعضا وعليه فلا دلالة فى الآية على المدعى (١). ثالثا: شبهة مذهب العيسوية: سبق أن ذكرت أن مذهب العيسوية يرى جواز النسخ عقلا ووقوعه شرعا، كل ما فى الأمر أنه لا يعترف بأن شريعة سيدنا رسول الله ﷺ ناسخة لشريعة سيدنا موسى ﵇. بل يقولون: هى خاصة للعرب من بنى إسماعيل ﵇، وقد استدلوا على الجواز العقلى والوقوع الشرعى للنسخ بما استدل به القائلون بالجواز والوقوع، وأما أن شريعة موسى ﵇ غير منسوخة بشريعة سيدنا محمد ﷺ فيستدلون عليه بما يلى:

стр. 339

لو صح نسخ شريعة موسى ﵇ بشريعة محمد ﷺ للزم من ذلك الكذب على الله تعالى فى قوله لموسى: «هذه شريعة مؤبدة ما دامت السموات والأرض» والكذب فى خبره تعالى محال فامتنع القول بنسخ شريعة موسى ﵇ بشريعة محمد ﷺ . هذا هو دليلهم الذى استدلوا به على ما ذهبوا إليه. فهم يرون أنه لا سبيل إلى إنكار نبوة محمد ﷺ ، لأن التوراة بشرت به ﷺ ، وأنه جل شأنه أيده بالمعجزات الكثيرة القاهرة. لكن لا سبيل إلى القول بأن رسالته عامة لأن ذلك يؤدى إلى انتساخ شريعة إسرائيل بشريعته، والخلاف بينهم وبين الشمعونية والعنانية أن دعواهم مقصورة على منع انتساخ شريعة موسى ﵇ بشريعة محمد ﷺ . والحق أن ما استدلوا به على تأبيد شريعة موسى ﵇ وعدم نسخها بشريعة أخيه الأكبر محمد ﷺ مردودة لما يلى: أولا: هذا القول مكذوب على موسى ﵇ فهو لم يقله، ولم يقل له والذى لقنهم به هو ابن الراوندى (١) ليعارض به شريعة محمد ﷺ . والذى يقوى عدم صحته أن اليهود الذين وجدوا فى عصره ﷺ لم يعارضوا به رسول الله ﷺ مع أن فيه حجة لهم، ومعلوم أن اليهود أحرص الناس على المعارضة. قال الشيخ الشيرازى ﵀ (٢): « ... لو كان هذا أصلا لكان قد احتج به أحبار اليهود على النبى

стр. 340

صلى الله عليه وسلم ولما لم يقل هذا أحد من قدمائهم أنه ذكره دلّ على كذب ابتدعوه». ثانيا: أن لفظ التأبيد الذى اعتمدوا عليه فيما نقلوه لا يصلح حجة لهم، لأنه يستعمل كثيرا عند اليهود معدولا به عن حقيقته. من ذلك ما جاء فى البقرة التى أمروا بذبحها: «هذه سنة لكم أبدا» وما جاء فى القربان: «قربوا كل يوم خروفين قربانا دائما» مع أن هذين الحكمين منسوخان باعتراف اليهود أنفسهم. على رغم التصريح فيهما بما يفيد التأبيد. ثالثا: أن اعترافهم بأن محمدا ﷺ رسول أيده الله بالمعجزات وجاءت البشارة به فى التوراة يقضى عليهم لا محالة أن يصدقوه فى كل ما جاء به، ومن ذلك أن رسالته عامة وأنها ناسخة للشرائع السابقة جميعا حتى شريعة موسى ﵇ الذى قال فيه رسول الله ﷺ : «لو كان أخى موسى حيّا ما وسعه إلا اتباعى» (١). أما أن يؤمنوا برسالته ثم لا يصدقوه فى عموم دعوته فذلك هو التناقض والمكابرة (٢). قال ابن عبد الشكور ﵀ (٣): «أجمع أهل الشرائع من المسلمين والنصارى (٤) على جوازه عقلا، أى العقل يجوزه ولا يحيله خلافا لليهود إلا العيسوية وهم أصحاب أبى عيسى الأصفهانى، وهم اعترفوا بنبوة سيد العالم صلوات الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم، لكن إلى العرب فقط وهم بنو إسماعيل

стр. 341

لا إلى الأمم كافة، وهذا من غاية حماقتهم، لأن بعد اعتراف النبوة ولو إلى جماعة لزم اعتراف صدقه صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم وامتناع الكذب عليه كما هو شأن الرسالة، وقد تواتر عنه عليه وعلى آله وأصحابه الصلاة والسلام دعوى النبوة إلى الخلق كافة فوجب الصدق فيه». قال تعالى: قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً (١) وقال جل شأنه: وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ (٢) وقال سبحانه: وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً (٣) وقال ﷺ : «بعثت إلى الناس كافة» (٤). رابعا: شبهة مذهب العنانية: يلاحظ أن العنانية استدلوا على جواز النسخ عقلا بما استدل به المجوزون، واستدلوا على قولهم بعدم الوقوع شرعا بما استدل به العيسوية على عدم نسخ شريعة موسى ﵇ بشريعة محمد ﷺ . ومن هنا فما قيل إبطالا لزعم العيسوية يقال هنا والله أعلم. خامسا: شبهة مذهب الشمعونية: سبق أن ذكرت أن الشمعونية وهى إحدى فرق اليهود الثلاث ترى أن النسخ محال عقلا وشرعا واستدلوا على الأول: بأن النسخ يترتب على فرض وقوعه محال وكل ما كان كذلك فهو محال. دليل الصغرى أولا: النسخ يترتب عليه إما البداء وإما العبث. وثانيا: النسخ يترتب عليه أن يكون الفعل الواحد حسنا وقبيحا وذلك جمع بين الضدين وهو محال.

стр. 342

بيان ذلك: الأمر بالحكم المنسوخ يقتضى حسنه والنهى عنه بنزول الناسخ له يقتضى قبحه ومن هنا فقد اجتمع فى الفعل الواحد المنسوخ الحسن والقبح وهما ضدان والضدان محال اجتماعهما (١). وقد أجاب جمهور المسلمين عن الأول: بأنه لا بداء وقد تقدم عند ذكر الفرق بين النسخ والبداء ما فيه الكفاية. وقال الشيخ أبو إسحاق الشيرازى ﵀ (٢): « ... البداء أن يظهر له ما كان خفيّا ونحن لا نقول فيما ينسخ إنه ظهر له ما كان خافيا عليه. بل نقول إنه أمر به وهو عالم أنه يرفعه فى وقت النسخ، وإن لم يطلعنا عليه فلا يكون ذلك بداء. على أنه لو جاز أن يقال: إن ذلك بداء لجاز أن يقال إنه إذا خلق الخلق على صفة من الطفولية والصغر، ثم نقلهم إلى غير ذلك من الأحوال أن ذلك بداء، ولما بطل هذا فيما ذكرناه بطل فيما اختلفنا فيه». وقال الشيخ الشوكانى ﵀ (٣): « ... النسخ لا يستلزم البداء لا عقلا ولا شرعا، وقد جوزت الرافضة البداء عليه لجواز النسخ وهذه مقالة توجب الكفر بمجردها». وكذلك لا عبث فإن لنا أن نقول: إنه شرع الحكم لا لمصلحة ولا يلزم على ذلك عبث. لأن هذا إنما يقول به من يقول بالتحسين والتقبيح (٤) العقليين، ونحن لم نقل بهما. كما أجاب الجمهور عن الثانى

стр. 343

بأن الحسن والقبح لم يجتمعا فى الفعل المنسوخ فى وقت واحد حتى يلزم التضاد. فالحسن كان فى وقت العمل بالفعل المنسوخ، والقبح كان فى وقت آخر. فالنهى تعلق بما لم يتعلق به الأمر، ومتى أمر الشارع بشيء ثم نسخه علمنا بأن الأمر كان إلى ذلك الوقت. ومن ثم فلا يكون النهى مما تعلق به الأمر. أضف إلى ذلك أن هذا الذى ذكرتموه لو كان دليلا على إبطال النسخ لوجب أن يجعل دليلا على إبطال التخصيص فيقال: إنه إذا أمر بقتال المشركين لا يجوز أن ينهى عن قتال أهل الذمة لأن الأمر بالقتل يدل على حسنه والنهى عنه يدل على قبحه، ولا يجوز أن يكون الشيء الواحد حسنا قبيحا، ولما لم يصلح أن يقال هذا فى إبطال التخصيص لم يصلح أن يقال مثله فى إبطال النسخ. قال الإمام الرازى ﵀ (١): «لم لا يجوز أن يكون ذلك الفعل مصلحة فى وقت ومفسدة فى وقت آخر؟ فيأمر به فى الوقت الذى علم أنه مصلحة فيه وينهى عنه فى الوقت الذى علم أنه مفسدة فيه. كما لا يمتنع أن يعلم فيما لا يزال: أن أمراض زيد وفقره مصلحة له فى وقت، وصحته وغناه مصلحة له فى وقت آخر فيمرضه ويفقره حين يعلم أن ذلك مصلحة، ويغنيه ويصحه

стр. 344

حين يعلم أن ذلك مصلحة. كما لا يمتنع أن يعلم الإنسان أن الرفق مصلحة ابنه وعبده- اليوم- والعنف مصلحته فى غد: فيأمر عبده بالرفق به فى اليوم وبالعنف به فى الغد». كما استدل الشمعونية على الثانى- المحال الشرعى- بأن الشرع لا يأتى بما يحيله العقل. وقد أبطل الجمهور هذا بأنه قد ثبت بالأدلة القاطعة أن النسخ جائز عقلا وأنه ليس محالا. هذا وبعد ذكر المذاهب فى النسخ يتضح لنا جليا ما يلى: أولا: مذهب الجمهور الذى يرى أن النسخ جائز عقلا وواقع شرعا هو الراجح لقوة الأدلة وسلامتها مما يعارضها. ثانيا: الخلاف بين أبى مسلم الأصفهانى والجمهور خلاف لفظى فقط، لأنه يرى ما يراه الجمهور من أن النسخ جائز عقلا، وأن شريعة سيدنا محمد ﷺ ناسخة لجميع الشرائع، ولكن ما يسميه العلماء نسخا فى الشريعة الواحدة يسميه هو تخصيصا. ثالثا: أفكار النسخ عند فرق اليهود الثلاث ليست غاية، وإنما هى وسيلة لأن الغاية هى إنكار رسالة سيدنا محمد ﷺ . فإن أعجزهم إدراك هذه الغاية فلا أقل من إنكار أنهم مطالبون بتصديقه واتباعه فيما جاء به ﷺ . وأما النصارى فقد أنكروا جواز النسخ عقلا ووقوعه شرعا ليصلوا من هذا الإنكار إلى غاية حرصوا على تحقيقها. هى بقاء دينهم إلى جانب الإسلام بحجة أن شريعة ما لا تنسخ بشريعة وأن حكما فى شريعة لا ينسخ بحكم فى شريعة أخرى بعدها. هذا: وما قاله الجمهور ردا ودحضا لمزاعمهم فيه الكفاية والله أعلم.

стр. 345

الفصل الثانى فى أنواع النسخ وفيه مباحث. المبحث الأول: فى نسخ القرآن بالقرآن. المبحث الثانى: فى نسخ القرآن بالسنة. المبحث الثالث: فى نسخ السنة بالقرآن. المبحث الرابع: فى نسخ السنة بالسنة.

стр. 346

بعد الانتهاء من بيان مذاهب العلماء فى قضية النسخ يقتضى المقام ويستدعى ذكر أنواع النسخ فى الشريعة الإسلامية تتميما للفائدة فأقول وبالله التوفيق: النسخ فى الشريعة الإسلامية قد يأتى به القرآن الكريم وقد تأتى به السنة المطهرة، وكذلك المنسوخ قد يرد فى القرآن الكريم وقد يرد فى السنة وعليه فالأقسام أربعة سأتناولها بمشيئة الله تعالى فى المباحث التالية: المبحث الأول فى نسخ القرآن بالقرآن ١ - نسخ القرآن بالقرآن: أى نسخ بعض القرآن ببعضه لأن القرآن جميعه لا يجوز نسخه، لأنه من حيث لفظه معجزة مستمرة على التأبيد، ومن حيث اشتماله على أحكام الشريعة ذاتا أو استدلالا كحجية السنة والإجماع، والقياس يكون رفعه رفعا لتلك الشريعة ورفع الشريعة كلها يتنافى مع كونها آخر الشرائع والناس لا يتركون بغير شريعة. وهذا القسم يتنوع إلى ما يلى: (أ) نسخ التلاوة والحكم معا: وقد أجمع الجمهور من المسلمين عليه ما عدا الإمام أبا مسلم الأصفهانى رضى الله عنه. قال أبو إسحاق الشيرازى ﵀ (١): « ... ويجوز- النسخ- فى الرسم والحكم كتحريم الرضاع كان بعشر رضعات وكان مما يتلى فنسخ الرسم والحكم معا».

стр. 347

وقال الآمدى ﵀ (١): «اتفق العلماء على جواز نسخ التلاوة دون الحكم وبالعكس ونسخها معا ... ثم قال: أما نسخ التلاوة والحكم فيدل عليه ما روت عائشة رضى الله عنها أنها قالت: كان فيما أنزل عشر رضعات محرمات فنسخت بخمس وليس فى المصحف عشر رضعات محرمات ولا حكمها فهما منسوخان». وفى رواية- وتوفى رسول الله ﷺ وهن فيما يقرأ من القرآن (٢) -، وهذا الحديث صحيح وإذا كان موقوفا على السيدة عائشة رضى الله عنها فإن له حكم المرفوع لأن مثله لا يقال بالرأى. بل لا بدّ فيه من توقيف. وقد تكلم العلماء فى قولها- وهن فيما يقرأ من القرآن- فإن ظاهره بقاء التلاوة وليس كذلك. فمنهم من أجاب بأن المراد قارب الوفاة، والأظهر أن التلاوة نسخت أيضا ولم يبلغ ذلك كل الناس إلا بعد وفاة رسول الله ﷺ فتوفى وبعض الناس يقرؤها. وقال أبو موسى الأشعرى رضى الله عنه: نزلت ثم رفعت. وقال مكى (٣): هذا المثال فيه المنسوخ غير متلو والناسخ أيضا غير متلو ولا أعلم له نظيرا. قال الشيخ محمد عيد المحلاوى ﵀ (٤): «ما يكون منسوخ التلاوة والحكم معا وهو ما نسخ فى حياته ﷺ من القرآن بالإنساء، أى الرفع عن القلوب، كما روى

стр. 348

أن سورة الأحزاب كانت تعدل سورة البقرة فجاز ذلك فى حياته ﷺ لقوله تعالى: سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى * إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ (١) ولم يجز ذلك بعد وفاته ﷺ لقوله تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ (٢) وقد يرفع الحكم والتلاوة بدليل شرعى فيكون نسخا، وبدون دليل شرعى فلا يسمى نسخا». هذا وللإمام الحنفى شمس الأئمة السرخسى كلام طيب لا بأس بإيراده هنا تتميما للفائدة. يقول ﵀ (٣): « ... وله طريقان: إما صرف الله تعالى عنها القلوب، وإما موت من يحفظها من العلماء لا إلى خلف. ثم هذا النوع من النسخ فى القرآن كان جائزا فى حياة رسول الله ﷺ بقوله تعالى: سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى * إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ فالاستثناء دليل على جواز ذلك، وقال: ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها (٤) وقال: وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ (٥) فأما بعد وفاة الرسول ﷺ لا يجوز هذا النوع من النسخ فى القرآن عند المسلمين، وقال بعض الملحدين ممن يتستر بإظهار الإسلام، وهو قاصد إلى إفساده: هذا جائز بعد وفاته أيضا، واستدل فى: ذلك بما روى أن أبا بكر الصديق رضى الله عنه كان يقرأ «لا ترغبوا

стр. 349

عن آبائكم فإنه كفر بكم» وأنس رضى الله عنه كان يقول: قرأنا فى القرآن «بلغوا عنا قومنا أنا لقينا ربنا فرضى عنا وأرضانا» وقال عمر رضى الله عنه- قرأنا آية الرجم فى كتاب الله ووعيناها (١). وقال أبىّ بن كعب رضى الله عنه: إن سورة الأحزاب كانت مثل سورة البقرة أو أطول منها. والشافعى رضى الله عنه لا يظن به موافقة هؤلاء فى هذا القول، ولكنه استدل بما هو قريب من هذا فى عدد الرضعات. ثم قال ﵀: «والدليل على بطلان هذا القول قوله تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ (٢) ومعلوم أنه ليس المراد الحفظ لديه، فإن الله تعالى يتعالى من أن يوصف بالنسيان والغفلة، فعرفنا أن المراد الحفظ لدينا. فالغفلة والنسيان متوهم مناوبه ينعدم الحفظ إلا أن يحفظه الله ، ولأنه لا يخلو شىء من أوقات بقاء الخلق فى الدنيا عن أن يكون فيما بينهم ما هو ثابت بطريق الوحى فيما ابتلوا به من أداء الأمانة التى حملوها، إذ العقل لا يوجب ذلك، وليس به كفاية بوجه من الوجوه، وقد ثبت أنه لا ناسخ لهذه الشريعة بوحى ينزل بعد وفاة رسول الله ﷺ ، ولو جوزنا هذا فى بعض ما أوحى إليه لوجب القول بتجويز ذلك فى جميعه فيؤدى إلى القول بأن لا يبقى شىء مما ثبت بالوحى بين الناس فى حال بقاء التكليف، وأى قول أقبح من هذا؟ ومن فتح هذا الباب لم يأمن أن يكون بعض ما فى أيدينا اليوم أو كله مخالف لشريعة رسول الله ﷺ بأن نسخ الله ذلك بعده وألف بين قلوب الناس على أن

стр. 350

ألهمهم ما هو خلاف شريعته، فلصيانة الدين إلى آخر الدهر أخبر الله تعالى أنه هو الحافظ لما أنزله على رسوله ﷺ ، وبه يتبين أنه لا يجوز نسخ شىء منه بعد وفاته ﷺ بطريق الاندراس (١)، وذهاب حفظه من قلوب العباد، وما ينقل من أخبار الآحاد شاذ لا يكاد يصح شىء منها ويحمل قول من قال فى آية الرجم (٢) إنه فى كتاب الله، أى فى حكم الله تعالى كما قال تعالى: كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ (٣) أى حكم الله عليكم، وحديث عائشة لا يكاد يصح لأنه قال فى ذلك الحديث، وكانت الصحيفة تحت السرير فاشتغلنا بدفن رسول الله ﷺ فدخل داجن (٤) البيت فأكله ومعلوم أن بهذا لا ينعدم حفظه من القلوب، ولا يتعذر عليهم إثباته فى صحيفة أخرى فعرفنا أنه لا أصل لهذا الحديث». هذا ما قاله شمس الأئمة ﵀، ويمكن أن يلخص فى النقاط التالية: الأولى: يجوز نسخ التلاوة والحكم معا فى حياة رسول الله ﷺ . الثانية: لا يجوز النسخ مطلقا بعد وفاته ﷺ . وقد وافق الإمام الجمهور فى هاتين النقطتين.

стр. 351

الثالثة: يرى الإمام تمشيا مع مذهبه عدم ثبوت حديث عائشة رضى الله عنها وما على شاكلته، فيقدمون والمالكية مطلق القرآن عليه. قال ابن العربى المالكى ﵀ (١): «ورأى مالك وأبو حنيفة الأخذ بمطلق القرآن وهو الصحيح لأنه عمل بعموم القرآن، وتعلق به وقد قوى ذلك بأنه من باب التحريم فى الأبضاع والحوطة على الفروج فقد وجب القول به لمن يرى العموم ومن لا يراه». ثم قال ﵀: فإذا مصّ لبنها وحصل فى جوفه فهى مرضعة وهى أمه وهى داخلة بالآية بلا مرية (٢). وجاء فى متن القدورى (٣): قليل الرضاع وكثيره سواء إذا حصل فى مدة الرضاع تعلق به التحريم. هذا ما قاله السادة الماليكة والحنفية، والحق أنه قد اضطربت أقوالهم فى ضبط الرضعة وحقيقتها اضطرابا كثيرا، ولم يرجع إلى دليل ويجاب عما ذكروه من أن الآية وردت مطلقة بأن المذكور فى الآية مجمل بيّنه الشارع بالعدد وضبطه به. وعليه فالقول بأن حديث عائشة ليس بقرآن، لأنه لا يثبت بخبر الآحاد ولا هو حديث، لأنها لم تروه حديثا مردود بأنها وإن لم تثبت قرآنيته ويجرى عليه حكم ألفاظ القرآن فقد روته عن النبى ﷺ ، فله حكم الحديث فى العمل به وقد عمل بمثل ذلك العلماء فعمل به الإمامان الشافعى وأحمد رضى الله عنهما (٤) فى هذا الموضع،

стр. 352

وعمل به الهادوية والحنفية فى قراءة ابن مسعود رضى الله عنه فى صيام الكفارة ثلاثة أيام متتابعات وعمل الإمام مالك رضى الله عنه فى فرض الأخ من الأم (١) بقراءة أبى رضى الله عنه- وله أخ أو أخت من أم- والناس كلهم احتجوا بهذه القراءة (٢)، والله أعلم. (ب) نسخ التلاوة فقط دون الحكم: ما نسخ تلاوته فقط دون حكمه يعمل به إذا تلقته الأمة بالقبول. قال الإمام فخر الدين الرازى ﵀ (٣): «يجوز نسخ التلاوة دون الحكم وبالعكس. لأن التلاوة والحكم عبادتان منفصلتان، وكل ما كان كذلك فإنه غير مستبعد فى العقل أن يصيرا معا مفسدتين أو أن يصير أحدهما مفسدة دون الآخر». ومن الأمثلة التى ذكرها العلماء لهذا النوع ما يلى: ١ - روى عن أبى بن كعب رضى الله عنه أنه قال (٤): «كانت سورة الأحزاب توازى سورة النور فكان فيها «الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما» وقد ذهب جمهور الفقهاء إلى القول بأن هذه الآية منسوخة التلاوة دون الحكم. لكن ما هى الفائدة فى ذكر الشيخ والشيخة؟ وهلا قال: المحصن والمحصنة؟ والحق أن هذا من البديع فى المبالغة وهو أن يعبر عن الجنس فى باب الذم بالأنقص فالأنقص وفى باب المدح بالأكثر والأعلى فيقال: «لعن الله السارق يسرق ربع دينار فتقطع يده» والمراد: يسرق ربع دينار فصاعدا إلى أعلى ما يسرق وقد يبالغ فيذكر ما لا تقطع به كما جاء فى الحديث: «لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده» (٥) ومعلوم أن اليد لا تقطع فى البيضة.

стр. 353

قال بدر الدين الزركشى ﵀ (١): وتأويل من أوّله ببيضة الحرب تأباه الفصاحة. ٢ - جاء فى صحيح البخارى عن أنس رضى الله عنه فى قصة أصحاب بئر معونة الذين قتلوا وقنت يدعو على قاتليهم. قال أنس: ونزل فيهم قرآن قرأناه حتى رفع «أن بلغوا عنا قومنا أنا لقينا ربنا فرضى عنا وأرضانا» (٢). قال الشوكانى ﵀ (٣): « .. ما نسخ رسمه لا حكمه ولا يعلم الناسخ له، وذلك كما ثبت فى الصحيح (٤) «لو كان لابن آدم واديان من ذهب لتمنى لهما ثالثا ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ويتوب الله على من تاب» فإن هذا كان قرآنا ثم نسخ رسمه ... ثم قال: «وكما ثبت فى الصحيح أيضا أنه نزل فى القرآن حكاية عن أهل بئر معونة أنهم قالوا: بلغوا قومنا أن قد لقينا ربنا فرضى عنا وأرضانا». هذا وقد أنكر بعض المعتزلة (٥) هذا النوع من النسخ واستندوا إلى شبهتين هما: الأولى: الآية دليل على الحكم. فلو نسخت دونه لأشعر نسخها بارتفاع الحكم وفى ذلك ما فيه من التلبيس على المكلف. والحق أن هذه الشبهة إنما تقوم لها قائمة فى حالة ما إذا لم ينصب الشارع دليلا على نسخ التلاوة، وعلى إبقاء الحكم. أما وقد نصب الدليل على نسخ

стр. 354

التلاوة وحدها وعلى إبقاء الحكم وتقرير استمراره كما فى رجم الزناة المحصنين فلا تلبيس من الشارع على عبده حينئذ. الثانية: إن نسخ التلاوة فقط دون الحكم عبث لا يليق بالشارع الحكيم لأنه من التصرفات التى لا تعقل لها فائدة. وتدفع هذه الشبهة بجوابين هما: الأول: أن نسخ الآية مع بقاء الحكم ليس مجردا من الفائدة حتى يكون عبثا كما تقولون. بل فيه فائدة عظيمة هى حصر القرآن فى دائرة محدودة تيسر على الأمة حفظه واستظهاره وتسهل على سواد الأمة التحقق فيه وعرفانه، وذلك سور محكم يحمى القرآن من أيدى المتلاعبين فيه بالزيادة أو النقص، لأن الكلام إذا شاع وملأ البقاع ثم حاول أحد تحريفه سرعان ما يعرف ويقابل بالإنكار، ومن هنا يبقى الأصل سليما من التغيير والتبديل مصداقا لقول الله : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ (١). الثانى: لو سلمنا عدم العلم بالحكمة والفائدة فى هذا النوع من النسخ فهو لا يصلح حجة على خلوّ هذا النوع من الفائدة، لأن عدم العلم بالشىء لا يصلح أن يكون حجة على العلم بعدم ذلك الشيء وإلا فمتى كان الجهل طريقا من طرق العلم؟ وهل يشك عاقل فى أن كل ما يصدر عن الله تعالى يصدر عن حكمة سامية وإن كنا لا نعلمها؟ قال تعالى: وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (٢). أما ترى رب البيت وهو يأمر أولاده الصغار بما لا يدركون له فائدة لنقص عقولهم على حين أنه فى الواقع مفيد، وهم يأتمرون بأمره، وإن

стр. 355

كانوا لا يدركون فائدته، كذلك شأن الله مع خلقه فيما خفى عليهم من أسرار تشريعه، وفيما لم يدركوا من فائدة نسخ التلاوة دون الحكم: وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلى فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١). قال الشيخ جلال الدين السيوطى ﵀ (٢): ما نسخ تلاوته دون حكمه وقد أورد بعضهم فيه سؤالا وهو: ما الحكمة فى رفع التلاوة مع بقاء الحكم؟ وهلا بقيت التلاوة ليجتمع العمل بحكمها وثواب تلاوتها؟ وأجاب صاحب الفنون (٣): بأن ذلك ليظهر به مقدار طاعة هذه الأمة فى المسارعة إلى بذل النفوس بطريق الظن من غير استفصال (٤) لطلب طريق مقطوع به فيسرعون بأيسر شىء كما سارع الخليل إلى ذبح ولده بمنام، والمنام أدنى طريق الوحي. اه. (ج) نسخ الحكم فقط دون التلاوة: والحق أن هذا النوع من النسخ هو الذى ألفت فيه الكتب الكثيرة واختلف فيه العلماء ما بين مجيز له ومانع، ومكثر له ومقل. وقد رأى المجيزون لهذا الضرب أن هناك حكما وراء هذا النوع منها (٥): ١ - أن القرآن الكريم كما يتلى ليعرف الحكم منه والعمل به، يتلى لكونه كلام الله تعالى فيثاب عليه فتركت التلاوة لهذه الحكمة. ٢ - أن النسخ غالبا يكون للتخفيف فأبقيت التلاوة تذكيرا بالنعمة ورفع المشقة.
следующие страницы →