← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 37973

دراسات أصولية في القرآن الكريم

محمد إبراهيم الحفناوى

Полный текст (462 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

ذهب زيد بن اسلم والنخعى ومالك والشافعى وأبو حنيفة وغيرهم (١) من الفقهاء إلى القول بأن قوله تعالى: أو آخران من غيركم منسوخ بقوله تعالى: وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ (٢) وقوله: مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ (٣) قالوا: إن شهادة الكفار سقطت، وقد أجمع المسلمون على أن شهادة الفساق لا تجوز والكفار فساق فلا تجوز شهادتهم. وقال أبو حنيفة (٤): تجوز شهادة الكفار بعضهم على بعض، ولا تجوز على المسلمين، والراجح أنه لا نسخ فى الآية، وأن شهادة أهل الكتاب على المسلمين جائزة فى السفر إذا كانت وصية. قال القرطبى ﵀ (٥): وهو الأشبه بسياق الآية، وهو قول ثلاثة من الصحابة الذين شاهدوا التنزيل: أبو موسى الأشعرى، وعبد الله بن قيس، وقيل ابن مسعود، وعبد الله بن عباس رضى الله عنهم. وعلى هذا فمعنى الآية أن الله أخبر أن حكمه فى الشهادة على الموصى، إذا حضر الموت أن تكون شهادة عدلين. فإن كان فى سفر، وهو الضرب فى الأرض، ولم يكن معه أحد من المؤمنين فليشهد شاهدين ممن حضره من أهل الكفر، فإذا قدما وأدّيا الشهادة على وصيته حلفا بعد الصلاة أنهما ما كذبا وما بدّلا، وأن ما شهدا به حق ما كتما فيه شهادة وحكم بشهادتهما. وقال الإمام أحمد (٦) رضى الله عنه: شهادة أهل الذمة جائزة على المسلمين فى السفر عند عدم المسلمين. فحمل هذه الآية على عدم وجود

стр. 387

مسلمين فى حالة السفر خير من القول بنسخها خاصة أن ثلاثة من الصحابة قالوا بذلك، ومخالفة الصحابة إلى غيرهم ينفر عنه أهل العلم. ويقوى هذا أن سورة المائدة من آخر القرآن نزولا حتى قال ابن عباس والحسن وغيرهما: إنه لا منسوخ فيها. وما ادعوه من النسيخ لا يصح فإن النسخ لا بدّ فيه من إثبات الناسخ على وجه يتنافى الجمع بينهما مع تراخى الناسخ، وما ذكروه لا يصح أن يكون ناسخا فإنه فى قصة غير قصة الوصية لمكان الحاجة والضرورة، ولا يمتنع اختلاف الحكم عند الضرورات، ولأنه ربما كان الكافر ثقة عند المسلم ويرتضيه عند الضرورة فليس فيما قالوه ناسخ. قال الشيخ الزرقانى ﵀ (١): الآية الأولى خاصة بما إذا نزل الموت بأحد المسافرين، وأراد أن يوصى فإن الوصية تثبت بشهادة اثنين عدلين من المسلمين أو غيرهم توسعة على المسافرين. لأن ظروف السفر ظروف دقيقة، قد يتعسر أو يتعذر وجود عدلين من المسلمين فيها. فلو لم يبح الشارع إشهاد غير المسلمين لضاق الأمر، وربما ضاعت الوصية. أما الآية الثانية فهى القاعدة العامة فى غير ظروف السفر. الآية الخامسة عشرة: قال تعالى: إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ* الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (٢)

стр. 388

فالنص فى هاتين الآيتين الكريمتين خبر، والغرض منه الإنشاء، فإن الله تعالى يقول فى هذه السورة: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا (١) وقد أراد أن يضع حدّا لهذا الأمر المطلق فإنه يوجب الثبات فى جميع الأحوال أيّا كان عدد المسلمين وعدد من يقاتلهم. فالآية الأولى تحدد ما يجب الثبات أمامه بعشرة الأمثال، ولم يأت فى ذلك بالأمر الصريح كما جاء قبله (اثبتوا) بل جاء به على صورة الخبر، لأن المراد بعث الحمية فى أنفسهم وإلهاب الغيرة فى صدورهم. ثم جاءت الآية الثانية معنونة بعنوان التخفيف، إذ علم الله فيهم ضعفا. والمراد بالعلم هنا الظهور، يعنى أنه قد ظهر فيهم ضعف لم يكن، لأنه لو كان سابقا لكان الله قد علمه موجودا، ولم يكن محلّ التشريع السابق، فهذا الضعف الحادث هو الذى اقتضى التخفيف. فإذا قلنا: إن نسبة الآية الثانية هى نسبة النص المخفف لعارض مع بقاء حكم النص الأول عند زوال العارض، كان حكمها حكم العزيمة مع الرخصة، ولم يقل أحد: إن الرخصة تنسخ العزيمة، فآية التيمم لم تنسخ آية الوضوء. فإذا لم يكن بفئة هذا الضعف الذى ذكره الله سببا للتخفيف كان عليها أن تثبت لعشرة أمثالها. ويؤيد هذا أن العشرين المذكورة فى النص الأول موصوفة بالصابرين، وكذلك المائة، فمتى وجدت صفة الصبر ثبت الحكم الأول، والصبر من لوازمه المتقدمة عليه القوة المادية وقوة القلب المعنوية. وإذا قلنا: إن النص الثانى عام فى جميع الأحوال كان النص الأول منسوخا وهذا بعيد (٢). فالآيتان محكمتان وليس فيهما نسخ والله أعلم.

стр. 389

الآية السادسة عشرة: قال تعالى: انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالًا وَجاهِدُوا بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ (١) قال الشيخ جلال الدين السيوطى (٢) ﵀ ومن نهج نهجه: إن هذه الآية منسوخة بآيات العذر وهى: لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ (٣) وقوله: لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ (٤) وقوله: وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (٤) والصحيح أنها ليست بمنسوخة. روى ابن عباس (٦) عن أبى طلحة فى قوله تعالى: انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالًا قال: شبانا وكهولا ما سمع الله عذر أحد، فخرج إلى الشام فجاهد حتى مات رضى الله عنه. والآية الأخيرة من آيات العذر التى ذكرها السيوطى ﵀، لا شأن لها هنا حيث إنها فى النفر للتعليم والتفقه فى الدين لا للحرب. والآيتان قبلها مخصصتان للآية الأولى لا ناسختان، كأنه قال من أول الأمر: لينفر منكم خفافا وثقالا كل من احتيج إليه وهو قادر لا عذر له. الآية السابعة عشرة:

стр. 390

قال تعالى: الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إِلَّا زانٍ أَوْ مُشْرِكٌ (١) هذه الآية الكريمة قيل: إنها منسوخة بقوله تعالى: وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ (٢) الآية قال ابن العربى ﵀ (٣): روى مالك عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب قال فى قوله تعالى: الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إِلَّا زانٍ أَوْ مُشْرِكٌ قال: نسخت هذه الآية الآية التى بعدها: وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ ثم قال ابن العربى: هذا ليس بنسخ، وإنما هو تخصيص عام. وما قاله ﵀ هو الصواب، لأن معنى الآية التى قيل إنها منسوخة الزانى المعروف بالزنى لا يستطيع أن ينكح إلا زانية أو مشركة لنفور المحصنات المؤمنات من زواجه. وكذلك المرأة المعروفة بالزنى لا يرغب فى نكاحها إلا زان أو مشرك لنفور المؤمنين الصالحين من زواجها. هذا المعنى لا تبطله الآية الثانية التى قيل عنها إنها ناسخة للأولى. الآية الثامنة عشرة: قال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشاءِ ثَلاثُ عَوْراتٍ لَكُمْ (٤) قيل: إن هذه الآية منسوخة، والحق أنه لا يوجد دليل على نسخها

стр. 391

وهى محكمة ومتصمنة الأدب العظيم الذى أدب الله به المسلمين حتى لا يدخل عليهم خدمهم وصغارهم فى هذه الأوقات حماية للأعراض من الانتهاك، وحفظا للأنظار أن ترى ما لا تليق رؤيته فى هذه الأوقات. قال ابن عمر رضى الله عنهما: هى محكمة. وقال ابن عباس رضى الله عنهما: قد ذهب حكمها. روى عكرمة أن نفرا من أهل العراق سألوا ابن عباس فقالوا: يا ابن عباس كيف ترى فى هذه الآية التى أمرنا فيها بما أمرنا فلا يعمل بها أحد قول الله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ وقرءوها إلى قوله تعالى: عَلى بَعْضٍ؟ فقال ابن عباس رضى الله عنها: إن الله رفيق بجميع المؤمنين، يجب الستر وكان الناس ليس لبيوتهم ستور ولا حجال (١). فربما دخل الخادم أو ولده أو يتيمة الرجل، والرجل على أهله فأمر الله بالاستئذان فى تلك العورات، فجاءهم الله بالستور والخير، فلم أر أحدا يعمل بذلك. قال ابن العربى ﵀ (٢): وهذا ضعيف جدّا بما بيناه فى غير موضع من أن شروط النسخ لم تجتمع فيه من المعارضة ومن التقدم والتأخر، فكيف يصح لناظر أن يحكم به؟ الآية التاسعة عشرة: قال تعالى: لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْواجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا ما مَلَكَتْ يَمِينُكَ (٣)

стр. 392

وقد اختلف العلماء فى هذه الآية. أبقيت محكمة لم يدخلها النسخ أم نسخت؟ فقال بعضهم: إنها منسوخة. ثم هؤلاء القائلون بالنسخ اختلفوا فيما بينهم فى الناسخ لها أهو الكتاب أم السنة؟ فذهب جماعة إلى القول بأن الناسخ (١) لها قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنا لَكَ أَزْواجَكَ (٢) وقالوا إن الترتيب فى التلاوة ليس دليل الترتيب فى النزول. وقال ابن سلامة (٣) بعد ذكر الآية التى يراها منسوخة: وهى من أعاجيب المنسوخ نسخها الله بآية قبلها فى النظم. وذهب جماعة إلى القول بأن الناسخ لها السنة، واستدلوا بما روى عن عائشة وأم سلمة رضى الله عنهما: «لم يمت رسول الله ﷺ حتى أحل الله له النساء» (٤). وبهذا الحديث قال ابن عباس والشافعى رضى الله عنهم. والحق أن الآية محكمة لم يدخلها نسخ، ولا يوجد تعارض بين الآيتين حتى يدفع بالنسخ، لأن النسخ يعتمد على ثبوت تأخر الناسخ عن المنسوخ، وأن يكون بينهما تعارض وأين هذا مما يقولون؟ وهل مجرد احتمال أن تكون آية: لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ متقدمة فى النزول كاف لإثبات النسخ فيها؟ إن ادعاء النسخ هنا لا دليل عليه، لأن الآيتين متفقتان لا تناقض بينهما. ومعنى آية: لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ نهيه ﷺ عن تزوج غيرهن أو طلاقهن وأن يتبدل بهن. ومعنى الآية الأخرى: أن الله أحل له ﷺ من ذكرهن وهى زوجاته. والقائلون إن الآية منسوخة بالسنة، وأن ذلك دليل على جواز نسخ الكتاب بالسنة فأمرهم أعجب حيث إن المجيزين لنسخ الكتاب بالسنة

стр. 393

لا يقولون إنه ينسخ بكل سنة، بل بما كان متواترا فكيف يكون النسخ هنا بقول عائشة وأم سلمة وهما لم ترفعاه. أضف إلى ذلك أن ابن العربى ﵀ قال (١): « ... وجعلوا حديث عائشة سنة ناسخة وهو حديث واه ومتعلق ضعيف- والله تعالى أعلم» الآية العشرون: قال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً ذلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ* أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (٢) وقد ذهب بعض العلماء إلى القول بأن الآية الأولى منسوخة بالآية الثانية، وأن هذا من باب النسخ بلا بدل (٣). لأن الله أمرهم عند إرادة المناجاة أن يقدموا صدقة، ثم نسخ ذلك بالآية الثانية (٤). ويرى أبو مسلم الأصفهانى ﵀ عدم وقوع النسخ هنا ويقول فى هذه الآية: إنه كان يوجد بين المؤمنين جماعة من المنافقين. كانوا يمتنعون من بذل الصدقات، وأن فريقا منهم عدل عن نفاقه وصار مؤمنا إيمانا حقيقيّا. فأراد الله أن يميزهم عن المنافقين الذين لا يزالون على نفاقهم، فأمر بتقديم الصدقة ليتميز هؤلاء من هؤلاء، وإذا كان التكليف لهذه المصلحة المقدرة لذلك الوقت لا جرم يقدر التكليف بذلك الوقت.

стр. 394

قال الإمام فخر الدين الرازى ﵀ (١): وحاصل قول أبى مسلم أن ذلك التكليف كان مقدرا بغاية مخصوصة، فوجب انتهاؤه عند الانتهاء إلى الغاية المخصوصة، فلا يكون هذا نسخا ... وهذا كلام حسن لا بأس به. والحق أن ما قاله أبو مسلم كلام طيب للغاية فالأفضل التوفيق بين الآيتين به، ولا يصح الاعتراض عليه بأن الذى تصدق هو الإمام على كرم الله وجهه وحده دون بقية الصحابة، فكيف تقول: إن هذه الصدقة قد شرعت للتمييز؟ لأنا نقول لا نرى فى عدم فعل الصحابة طعنا ولا شيئا يعيبهم. بل إنهم فهموا أن شرعية هذا الحكم قصد منها الحد من المناجاة الكثيرة فيضيع وقته ﷺ . قال صاحب تفسير آيات الأحكام (٢): « ... ولو أن الصحابة فهموا أن المقصود التوسل بالمناجاة لتكون بابا من أبواب الصدقة ما تأخروا، فمنهم من نزل عن جميع ماله، ومنهم من كان يريد أن يتصدق بالثلثين لأنه لا يرثه إلا ابنة واحدة، وما دام المقصود القصد من المناجاة التى تشغل الرسول ﷺ فليحرصوا على القصد، على أنهم وجدوا فى قوله تعالى: فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ فسخه فمن ذا كانت دراهمه ودنانيره حاضرة معه فى مجلس الرسول ﷺ حتى يتصدق بها، أو يقال إنه لم يمتثل الأمر؟ على أن هناك من العلماء من قال: إن الأمر بتقديم الصدقة عند المناجاة للندب والاستحباب، وليس للوجوب وذلك لأن الله تعالى قال: ذلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ ومثل هذا يعتبر قرينة تصرف الأمر عن

стр. 395

ظاهره، وهو إنما يستعمل فى التطوع دون الفرض. وأيضا قال الله تعالى فى الآية الثانية: أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ وهذا يزيل ما فى الأمر الأول من احتمال الوجوب. انظر إلى قوله تعالى: فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ هذا: وقد قال بعض العلماء إن الآية الثانية بيان للمراد من الصدقة الواردة فى الآية الأولى، وأن الصدقة لا يلزم أن تكون مالية زائدة عما يجب، بل يكفيهم إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وطاعة الله ورسوله ﷺ . والقول بأن هذا ضرب من التكلف فى التأويل يأباه ما هو معروف من معنى الصدقة حتى أصبح لفظها حقيقة عرفية فى البذل المالى وحده قول مردود، لأن الصدقة فى الشرع أعم مما هو فى عرف الناس ففي الحديث الصحيح: «كل سلامى من الناس عليه صدقة. كل يوم تطلع فيه الشمس تعدل بين اثنين صدقة وتعين الرجل فى دابته فتحمله عليها أو ترفع له عليها متاعة صدقة والكلمة الطيبة صدقة وبكل خطوة تمشيها إلى الصلاة صدقة وتميط الأذى عن الطريق صدقة» (١). وعن أبى ذر رضى الله عنه أن ناسا من أصحاب رسول الله ﷺ قالوا للنبى ﷺ : يا رسول الله ذهب أهل الدثور بالأجور. يصلون كما نصلى ويصومون كما نصوم ويتصدقون بفضول أموالهم. قال: أو ليس قد جعل الله لكم ما تصدّقون؟ إن بكل تسبيحة

стр. 396

صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وأمر بمعروف صدقة، ونهى عن منكر صدقة وفى بضع أحدكم صدقة. قالوا: يا رسول الله أيأتى أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: أرأيتم لو وضعها فى حرام أكان عليه وزر؟ فكذلك إذا وضعها فى الحلال كان له أجر (١). الآية الحادية والعشرون: قال تعالى: وَإِنْ فاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْواجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْواجُهُمْ مِثْلَ ما أَنْفَقُوا (٢) قيل: نسختها آية الغنيمة، وهى قوله جل شأنه: وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ (٣) حيث إن الآية الأولى تفيد أن زوجات المسلمين اللاتى ارتددن ولحقن بدار الحرب يجب أن يدفع إلى أزواجهن مثل مهورهن من الغنائم التى يغنمها المسلمون، ويعاقبون العدو بأخذها، بينما الآية الثانية تفيد أن الغنائم تخمس أخماسا، ثم تصرف كما رسمها الشارع الحكيم. والحق أنه بالتأمل نجد الآيتين محكمتين لأنهما غير متعارضتين، بل يمكن الجمع بينهما بأن يدفع من الغنائم أولا مثل مهور هذه الزوجات المرتدات اللاحقات بدار الحرب، ثم تخمس الغنائم بعد ذلك أخماسا وتصرف فى مصارفها الشرعية والله أعلم. الآية الثانية والعشرون:

стр. 397

قال تعالى: يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ* قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا* نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا* أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (١) وقال جل شأنه: إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢) قال بعض المفسرين: إن آخر السورة- يعنى سورة المزمل- ناسخ لأولها وهذا بناء على أن النص المذكور فى أول السورة عام والتخفيف عام. والمتأمل يجد أن أول السورة صريح فى طلب قيام جزء من الليل قريب من نصفه، والخطاب فيه موجه إلى النبى ﷺ . وآخر السورة يدل على أن الرسول ﷺ كان يقوم بهذا التكليف، وكذلك طائفة من الذين معه، وقد بينت الآية الأخيرة من السورة سببا يقتضى التخفيف عن الأصحاب وهو علم الله سبحانه بأن سيكون منهم الأصناف الثلاثة الذين ذكرهم، ومن أجل ذلك كان التكليف مقصورا على قراءة ما تيسر من القرآن. فإذا كان النص الأول مقصورا على النبى ﷺ والأصحاب إنما قاموا بقيام الليل اقتداء به ﷺ والتخفيف مقصورا عليهم للأسباب المذكورة، لم يكن النص الأول منسوخا، بل حكمه باق بالنسبة له ﷺ ، وهذا رأى ابن عباس رضى الله عنهما وهو الراجح لأنه يترتب عليه الجمع والتوفيق لا النسخ والله أعلم.

стр. 398

وبعد: فهذه الآيات هى التى تكلم فيها العلماء من حيث نسخها أو إحكامها وقد جمعها (١) الإمام حلال الدين السيوطى فى قوله قد أكثر الناس فى المنسوخ من عدد ... وادخلوا فيه آيا ليس تنحصر وهاك تحرير آى لا مزيد لها ... عشرين حررها الحذاق والكبر آى التوجّه حيث المرء كان وأن ... يوصى لأهليه عند الموت محتضر وحرمة الأكل بعد النوم من رفث ... وفدية لمطيق الصوم مشتهر وحق تقواه فيما صحّ من أثر ... وفى الحرام قتال للأولى كفروا والاعتداد بحول مع وصيتها ... وأن يدان حديث النفس والفكر والحلف والحبس للزانى وترك أولى ... كفروا شهادتهم والصّبر والنّفر ومنع عقد لزان أو لزانية ... وما على المصطفى فى العقد محتظر ودفع مهر لمن جاءت وآية نجواه ... كذلك قيام الليل مستطر وزيد آية الاستئذان من ملكت ... وآية القسمة الفضلى لمن حضروا وقد رأيت- بعون الله وحده- أن أرجح القول بعدم نسخها. لأن الجمع ممكن بين ما قيل بنسخه وبين ما قيل بأنه ناسخ. ومعلوم عند الجمهور أن الجمع بين المتعارضين- والتعبير بالمتعارضين فيه شىء من التجاوز لأنه غير موجود البتة فى القرآن- يقدم على ما عداه من الترجيح والبحث فى التاريخ والتوقف. ومن العجب أن هناك علماء أفاضل قالوا بنسخ هذه الآيات المذكورة جميعا، بل هناك من ادعى نسخ المستثنى للمستثنى منه ونسخ المطلق بالمقيد ونحو ذلك وكتاب الناسخ والمنسوخ للشيخ هبة الله بن سلامة ﵀ أكبر دليل على هذا.

стр. 399

تأمل معى ما قاله الشيخ الشاطبى ﵀ (١): غالب ما ادعى فيه النسخ إذا تأمل وجدته متنازعا فيه ومحتملا وقريبا من التأويل بالجمع بين الدليلين على وجه من كون الثانى بيانا لمجمل أو تخصيصا لعموم أو تقييدا لمطلق وما أشبه ذلك من وجوه الجمع مع البقاء على الأصل من الإحكام فى الأول والثانى. وقد أسقط ابن العربى من الناسخ والمنسوخ كثيرا بهذه الطريقة. وقال الطبرى: أجمع أهل العلم على أن زكاة الفطر فرضت ثم اختلفوا فى نسخها: قال ابن النحاس: فلما ثبتت بالإجماع وبالأحاديث الصحاح عن النبى ﷺ لم يجز أن تزال إلا بالإجماع أو حديث يزيلها ويبين نسخها ولم يأت من ذلك شىء.

стр. 400

المبحث الثانى فى نسخ القرآن بالسنة نسخ القرآن بالسنة اختلف فيه العلماء بين مجوز ومانع، ثم اختلف المجورون بين قائل بالوقوع الشرعى وقائل بعدمه وإليك البيان بشيء من التفصيل: أولا: مقام الجواز: ذهب جمهور المتكلمين من الأشاعرة والمعتزلة ومن الفقهاء مالك وأصحاب أبى حنيفة وأبو العباس ابن سريج إلى القول بأن نسخ القرآن بالسنة جائز عقلا، وليس مستحيلا لذاته ولا لغيره. قال الإمام القرافى ﵀ (١): «ويجوز نسخ الكتاب بالسنة المتواترة لمساواتها له فى الطريق العلمى عند أكثر أصحابنا». وقال الإمام الشيرازى ﵀ (٢): «وقال أصحاب أبى حنيفة يجوز بالخبر المتواتر وهو قول أكثر المتكلمين، وحكى ذلك عن أبى العباس بن سريج». وجاء فى كشف الأسرار (٣) عن أصول البزدوى: «نسخ الكتاب بالسنة المتواترة (٤) وهو جائز عند جمهور الفقهاء والمتكلمين من الأشاعرة والمعتزلة، وإليه ذهب المحققون من أصحاب الإمام الشافعى ﵀».

стр. 401

وقال الشيخ الشوكانى ﵀ (١): «يجوز نسخ القرآن بالسنة المتواترة عند الجمهور كما حكى ذلك عنهم أبو الطيب الطبرى وابن برهان الحاجب. قال ابن فورك فى شرح مقالات الأشعرى: وإليه ذهب شيخنا أبو الحسن الأشعرى، وكان يقول إن ذلك وجد فى قوله تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ فإنه منسوخ (٢) بالسنة المتواترة وهى قوله ﷺ : «لا وصية لوارث» لأنه لا يمكن أن يجمع بينهما. قال ابن السمعانى: وهو مذهب أبى حنيفة وعامة المتكلمين. قال الدبوسى: هو قول علمائنا يعنى الحنفية. قال الباجى: قال به عامة شيوخنا. وحكاه ابن الفرج عن مالك ﵀. قال: ولهذا لا تجوز عنده

стр. 402

الوصية للوارث للحديث فهو ناسخ لقوله تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ الآية وحجة هؤلاء المجيزين أن نسخ القرآن بالسنة ليس مستحيلا لذاته ولا لغيره، أما الأول فلأنه لا يترتب على فرض وقوعه محال. وأما الثانى: فلأن السنة (١) وحى من الله تعالى كالقرآن. قال تعالى منزها نطق حبيبه ﷺ عن الهوى: وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى (٢) والفارق بينهما أن ألفاظ القرآن من ترتيب الله تعالى وإنشائه، وألفاظ السنة من ترتيب الرسول ﷺ وإنشائه، والقرآن له خصائصه وللسنة خصائصها وهذه الفوارق لا أثر لها فيما نحن بسبيله ما دام أن الله هو الذى ينسخ وحيه بوحيه. وحيث لا أثر لها فنسخ أحد هذين الوحيين بالآخر لا مانع يمنعه عقلا ولا شرعا فتعين القول بجوازه. قال الشيخ العمريطي ﵀ (٣): ولم يجز أن ينسخ الكتاب ... بسنة بل عكسه صواب وذهب الإمام أحمد رضى الله عنه فى إحدى الروايتين عنه وأكثر أهل الظاهر واشتهر- خطأ- عن الإمام الشافعى رضى الله عنه إلى

стр. 403

القول بأن نسخ القرآن بالسنة ممتنع عقلا. وقبل أن أذكر أدلة المانعين لنسخ القرآن بالسنة سأسوق بعض النصوص لبعض الأصوليين، والتى يفهم منها أن الإمام الشافعى رضى الله عنه قال بمنع نسخ القرآن بالسنة، ثم أبين وجه الصواب بعون الله. قال سيف الدين الآمدى ﵀ (١): قطع الإمام الشافعى وأكثر أصحابه أهل الظاهر بامتناع نسخ الكتاب بالسنة المتواترة. وقال ابن الحاجب ﵀ (٢): « .... نسخ القرآن بالخبر المتواتر. وقد اختلف فى جوازه والجمهور على جوازه ومنعه الشافعى ﵀.» وقال الشوكانى ﵀ (٣): وذهب الشافعى فى عامة كتبه كما قال ابن السمعانى إلى أنه لا يجوز نسخ القرآن بالسنة بحال، وإن كانت متواترة، وبه جزم الصيرفى والخفاف ونقله عبد الوهاب عن أكثر الشافعية. وقال الأستاذ أبو منصور: أجمع أصحاب الشافعى على المنع. وهذا يخالف ما حكاه ابن فورك عنهم فإنه حكى عن أكثرهم القول بالجواز اه. هذه أقوال بعض الأصوليين بالنسبة لموقف إمامنا الشافعى ﵀ فى هذه المسألة. والحق كما قال الزركشى ﵀ (٤): والصواب أن مقصود الشافعى ﵀ أن الكتاب والسنة لا يوجدان مختلفين إلا ومع أحدهما أمثلة ناسخ له، وهذا تعظيم عظيم، وأدب مع

стр. 404

الكتاب والسنة، وفهم لموقع أحدهما من الآخر، وكل من تكلم فى هذه المسألة لم يقع على مراد الإمام الشافعى ﵀. بل فهموا خلاف مراده حتى غلطوه وأولوه اهـ وقال الإمام تاج الدين ابن السبكى ﵀ (١): قال الشافعى رضى الله عنه وحيث وقع نسخ القرآن بالسنة فمعها قرآن عاضد لها يبين توافق الكتاب والسنة، أو نسخ السنة بالقرآن، فمعه سنة (٢) عاضدة له تبين توافق الكتاب والسنة. اهـ. فالإمام الشافعى ﵀ يرى أنه إذا نسخ الكتاب بالسنة فلا بد أن يرد من الكتاب بعد ذلك ما يوافق تلك السنة الناسخة فى الحكم، فيكون عاضدا لها وإذا نسخت السنة بالكتاب فلا بد أن يسن رسول الله ﷺ ما يوافق ذلك الكتاب الناسخ فى الحكم، فتكون عاضدة له. ولعل فى هذا توضيحا لما قاله الإمام الشافعى ﵀ حين قال (٣): فأخبر الله أن نسخ القرآن وتأخير إنزاله لا يكون إلا بقرآن مثله. اه. فإذا ما وقع نسخ للقرآن بالسنة فلا بد أن يكون معها قرآن يعضدها. وقد ذكر الشيخ السبكى ﵀ ما نقله بعض الأصوليين فى هذه المسألة، ثم انتصر للإمام الشافعى ﵀ بكلام طيب لا بأس بإيراده تتميما للفائدة. قال ﵀ (٤): وأما نسخ الكتاب بالسنة والسنة بالكتاب فالجمهور على جوازه ووقوعه. وذهب ابن سريج كما نقل القاضى عنه فى مختصر التقريب

стр. 405

إلى أنه جائز، ولكن لم يرد. وذهب قوم إلى امتناعه ونقل عن الشافعى رضى الله عنه. وقد استنكر جماعة من العلماء ذلك من الشافعى حتى قال الكيا الهراسى: هفوات الكبار على أقدارهم ومن عد خطؤه عظم قدره. وقد كان عبد الجبار بن أحمد كثيرا ما ينصر مذهب الشافعى فى الأصول والفروع، فلما وصل إلى هذا الموضع قال: هذا الرجل كبير لكن الحق أكبر منه. قال: والمغالون فى حب الشافعى لما رأوا هذا القول لا يليق بعلو قدره كيف وهو الذى مهد هذا الفن ورتبه، وأول من أخرجه قالوا: لا بدّ أن يكون لهذا القول من هذا العظيم محمل فتعمقوا فى محامل ذكروها وأورد الكيا بعضها. واعلم أنهم صعبوا أمرا سهلا وبالغوا فى غير عظيم، وهذا إن صح عن الإمام الشافعى رضى الله عنه فهو غير منكر، وإن جبن جماعة من الأصحاب عن نصرة هذا المذهب فذلك لا يوجب ضعفه ... قال القاضى فى مختصر التقريب: واختلف الذين منعوا نسخ القرآن بالسنة فمنهم من منعه عقلا، ومنهم من قال يجوز (١) عقلا، وإنما امتنع بأدلة السمع. قال القاضى: وهذا هو الظن بالشافعى ﵀ مع علو مرتبته فى هذا الفن. قلت- والكلام للسبكى-: وهذا هو الذى قاله فى الرسالة (٢) فإنه قال فى باب ابتداء الناسخ والمنسوخ: وأبان الله لهم أنه إنما نسخ ما نسخ من الكتاب بالكتاب وأن السنة لا ناسخة للكتاب، وإنما هى تبع للكتاب. ثم قال: وهكذا سنة رسول الله ﷺ لا ينسخها إلا سنة رسول الله ﷺ ، ولو أحدث الله لرسوله صلى الله

стр. 406

عليه وسلم فى أمر سن فيه غير ما سن رسول الله ﷺ لسن فيما أحدث الله إليه حتى يبين للناس أن له سنة ناسخة للتى قبلها مما يخالفها. اه. ومن صدر هذا الكلام أخذ من نقل عن الإمام الشافعى ﵀ أن النبى ﷺ إذا سنّ سنة، ثم أنزل الله فى كتابه ما ينسخ ذلك الحكم، فلا بد أن يسنّ النبى ﷺ سنة أخرى موافقة للكتاب تنسخ سنته الأولى لتقوم الحجة على الناس فى كل حكم بالكتاب والسنة جميعا ولا تكون سنة منفردة تخالف الكتاب. ثم قال الشيخ السبكى: هذا هو معنى القول المنسوب إلى الشافعى ﵀ ... وأكثر الأصوليين الذين تكلموا فى ذلك لم يفهموا مراد الشافعى رضى الله عنه وليس مراده إلا ما ذكرناه اه. أدلة المانعين لجواز نسخ القرآن بالسنة عقلا: استدل المانعون بخمسة أدلة هى: الدليل الأول: قال تعالى مخاطبا حبيبه ﷺ : وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ (١) وجه الدلالة: أن هذه الآية الكريمة تدل على أن وظيفة الرسول ﷺ منحصرة فى بيان القرآن. فلو نسخت السنة القرآن لما كانت بيانا له. بل كانت رافعة له. قال الإمام الرازى ﵀ (٢): فوصفه بأنه مبين للقرآن ونسخ العبادة رفعها ورفعها ضد بيانها. اه.

стр. 407

وقد نوقش هذا الاستدلال بما يلى (١): أولا: أن الآية لا تدل على انحصار وظيفة الرسول ﷺ فى البيان، لأنها خالية من جميع طرق الحصر، وكل ما تدل عليه الآية هو أن سنة الرسول ﷺ مبينة للقرآن، وذلك لا ينفى أن تكون ناسخة له، ونظير هذه الآية قوله تعالى: تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً (٢) فإنه يفيد أنه ﷺ نذير للعالمين ولا تنفى عنه أنه بشير أيضا للعالمين. ثانيا: أن وظيفة السنة لو انحصرت فى بيان القرآن ما صح أن تستقل بالتشريع، مع أن إجماع الأمة قائم على أنها قد تستقل بالتشريع كحظره ﷺ أن يورث بقوله ﷺ : «نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة» (٣). قال الإمام الرازى ﵀ (٤): ليس فى قوله تعالى: لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ دليل على أنه لا يتكلم إلا بالبيان. كما أنك إذا قلت: «إذا دخلت الدار لا أسلم على زيد» ليس فيه أنك لا تفعل فعلا آخر. اه. ثالثا: على فرض دلالة الآية على الحصر، فالمراد بالبيان فيها التبليغ لا الشرح، وقد بلغ الرسول ﷺ كل ما أنزله الله إلى الناس وهذا لا ينافى أنه نسخ ما شاء الله نسخه بالسنة.

стр. 408

قال الإمام الرازى ﵀ (١): سلمنا أن السنة كلها بيان، لكن البيان هو الإبلاغ وحمله على هذا أولى لأنه عام فى كل القرآن. أما حمله على بيان المراد فهو تخصيص ببعض ما أنزل وهو ما كان مجملا أو عامّا، مخصوصا، وحمل اللفظ على ما يطابق الظاهر أولى من حمله على ما يوجب ترك الظاهر. اه. الدليل الثانى: قال تعالى: ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢) وبيان وجه الدلالة من هذه الآية من وجوه هى: الأول: أن قوله تعالى: نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها يفيد أن المأتى به خير من الآية المنسوخة والسنة ليست خيرا من القرآن. الثانى: أن الله تعالى وصف نفسه بأنه الذى يأتى بخير منها، وذلك لا يكون إلا والناسخ قرآن لا سنة. الثالث: وصف البدل بأنه خير أو مثل، وكل واحد من الوصفين يدل على أن البدل من جنس المبدل، أما المثل فظاهر، وأما ما هو خير فلأنه لو قال القائل لغيره: لا آخذ منك درهما إلا وآتيك بخير منه، فإنه يفيد أنه يأتيه بدرهم خير من الأول. الرابع: قوله: أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ دل على أن الذى يأتى بخير منها هو المختص بالقدرة على إنزاله، وهذا هو القرآن دون غيره (٣).

стр. 409

وقد نوقش هذا الاستدلال من قبل القائلين بالجواز بما يلى: أولا: أن السنة من عند الله كالقرآن، والقول بأن السنة ليست خيرا من القرآن لا يسلم به على إطلاقه، لأن المراد بالخيرية والمثلية فى الآية الخيرية والمثلية فى الحكم لا فى اللفظ، ولا شك أن الحكم الثابت بالسنة قد يكون أنفع للمكلف من الحكم المنسوخ. ثانيا: قولكم: إن الله تعالى وصف نفسه بأنه الذى يأتى بخير منها، وذلك لا يكون إلا والناسخ قرآن- لا دلالة فيه، لأن السنة إذا كانت ناسخة فالآتى بما هو خير إنّما هو الله تعالى والرسول ﷺ مبلغ، ولا يدل ذلك على أن الناسخ لا يكون إلا قرآنا. بل الإتيان بما هو خير أعم من ذلك ثالثا: قولكم: إن وصف البدل بأنه خير من المبدل، أو مثله، يدل على أن البدل من جنس المبدل- لا دلالة فيه أيضا على لزوم المجانسة بين الآية المنسوخ حكمها وبين ناسخة، لأنه وصفه بكونه خيرا، والقرآن لا تفاوت فيه، فعلم أن المفاضلة والمماثلة إنما هى راجعة إلى الحكم المنسوخ والحكم الناسخ. رابعا: نحن نتفق معكم بالنسبة للوجه الرابع فالمتمكن من إزالة الحكم بما هو خير منه إنما هو الله . الدليل الثالث: قال تعالى: وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ (١)

стр. 410

وهذا يفيد أن السنة لا تنسخ القرآن، لأنها نابعة من نفسه ﷺ . ويدفع هذا بأن السنة ليست نابعة من نفسه ﷺ ، على أنها هوى منه وشهوة، بل معانيها موحاة من الله تعالى إليه، وكل ما استقل به الرسول ﷺ أنه عبر عنها بألفاظ من عنده، فهى وحى يوحى وليست من تلقاء نفسه على هذا الاعتبار، وعلى هذا فليس نسخ القرآن بها تبديلا له من تلقاء نفسه إنما هو تبديل بوحى. الدليل الرابع: قال تعالى: قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ (١) فهذا القول الكريم رد الله تعالى به على من أنكر النسخ وعاب به الإسلام حيث قالوا فى حقه ﷺ عند تبديل الآية بالآية- كما حكى القرآن: إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ (٢) ومعلوم أن روح القدس إنما ينزل بالقرآن، ومن ثم فلا ينسخ القرآن إلا بقرآن. والحق أن هذا الاستدلال غير سديد لأن كلا من القرآن والسنة وحى من السماء. قال الإمام فخر الدين الرازى ﵀ (٣): من يتهم الرسول ﷺ فإنما يتهمه لأنه يشك فى نبوته ﷺ . ومن تكن هذه حاله فالنبى ﷺ مفتر عنده سواء نسخ الكتاب بالكتاب أو بالسنة والمزيل لهذه التهمة التمسك بمعجزاته ﷺ . اه. وقال الإمام أبو الحسين البصرى ﵀ (٤): .... والجواب: أن ذلك لا يمنع من نسخ القرآن بالسنة لأن النبى

стр. 411

صلى الله عليه وسلم لا ينسخ القرآن إلا إذا أوحى إليه بذلك فقد نزله روح القدس اه. الدليل الخامس: أن القرآن الكريم أثبت أن السنة النبوية حجة. قال تعالى: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ (١) وقال تعالى: وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا (٢) وإذا كان الأمر كذلك فلا تنسخ السنة القرآن، لأنها لو نسخته لعادت على نفسها بالإبطال، لأن النسخ رفع وإذا ارتفع الأصل ارتفع الفرع. ويدفع هذا الاستدلال بما يلى: أولا: أن كلامنا ليس فى جواز نسخ السنة لنصوص القرآن الدالة على حجيتها، حتى ترجع على نفسها بالإبطال- كما قلتم- بل هو فى جواز نسخ ما عدا ذلك مما يصح أن يتعلق به النسخ. ثانيا: أن ما استدلوا به حجة عليهم لأن وجوب طاعة الرسول ﷺ واتباعه يقضى بوجوب قبول ما جاء به على أنه ناسخ (٣). ثانيا: مقام الوقوع: القائلون بجواز نسخ القرآن بالسنة عقلا اختلفوا فى الوقوع الشرعى بين مثبت له وناف. وقد استدل المثبتون على الوقوع بأدلة منها:

стр. 412

١ - قال تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ (١) الآية. فهذا القول الكريم منسوخ بقوله ﷺ : «لا وصية لوارث» (٢). والحق- كما بينت قريبا- أن الآية محكمة وليست بمنسوخة ومن ثم فالاستدلال بهذه الآية على نسخ القرآن بالسنة غير صحيح. ٢ - قال تعالى: وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ (٣) فهذه الآية الكريمة منسوخة بقوله ﷺ : «خذوا عنى. خذوا عنى قد جعل الله لهن سبيلا: البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام والثيب بالثيب جلد مائة والرجم» (٤). وهذا يدل على أن القرآن ينسخ بالسنة. والحق أن القول بالنسخ هنا غير سديد، لأن الحكم الأول جعل الله له غاية هو الموت أو صدور تشريع جديد فى شأن الزانيات. قال ابن العربى ﵀ (٥): اجتمعت الأمة على أن هذه الآية ليست منسوخة، لأن النسخ إنما يكون فى القولين المتعارضين من كل وجه اللذين لا يمكن الجمع بينهما بحال، وأما إذا كان الحكم ممدودا إلى غاية ثم وقع بيان الغاية بعد ذلك فليس بنسخ، لأنه كلام منتظم متصل لم يرفع ما بعده ما قبله ولا اعتراض عليه. اه.

стр. 413

٣ - أن النبى ﷺ نهى عن كل ذى ناب (١) من السباع وكل ذى مخلب من الطيور. وهذا النهى يعتبر ناسخا (٢) لقوله تعالى: قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ (٣) وقد نوقش هذا بمنع القول بالنسخ، لأن الآية الكريمة لم تتعرض لإباحة ما عدا الذى ذكر فيها، إنما هو مباح بالبراءة الأصلية والحديث المذكور رفع هذه البراءة ورفعها لا يسمى نسخا. قال الزهرى ومالك فى أحد قوليه: هى محكمة ويضم إليها بالسنة ما فيها من محرم. وقال ابن العربى (٤): .... لو ثبت بالسنة محرم غير هذه لما كان ذلك نسخا لأن زيادة محرم على المحرمات، أو فرض على المفروضات لا يكون نسخا بإجماع من المسلمين اه. هذا وبعد ذكر المذاهب فى نسخ القرآن بالسنة، يتضح لنا جليا أن نسخ القرآن بالسنة ليس هناك مانع يمنعه عقلا غاية الأمر أنه لم يقع شرعا وما استدل به على الوقوع ردّ كما تقدم والله أعلم.

стр. 414

المبحث الثالث فى نسخ السنة بالقرآن فى نسخ السنة بالقرآن مذهبان هما: المذهب الأول: وهو لجمهور العلماء من الأشاعرة والمعتزلة والفقهاء. أن نسخ السنة بالقرآن جائز عقلا وواقع سمعا. قال الإمام الشيرازى ﵀ (١): وأما نسخ السنة بالقرآن ففيه قولان: أحدهما: لا يجوز .... والثانى: أنه يجوز وهو الصحيح، لأن القرآن أقوى من السنة فإذا جاز نسخ السنة بالسنة فلأن يجوز بالقرآن أولى. اه. وقال الشيخ الشوكانى ﵀ (٢): وأما نسخ السنة بالقرآن فذلك جائز عند الجمهور، وبه قال بعض من منع من نسخ القرآن بالسنة. اه. وقد استدل أصحاب هذا المذهب على الجواز العقلى بما يلى: أن الكتاب والسنة وحى من الله تعالى، كما قال جل شأنه: وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى (٣) غير أن الكتاب متلو والسنة غير متلوة، ونسخ حكم أحد الوحيين بالآخر غير ممتنع عقلا، ولهذا فإنا لو فرضنا خطاب الشارع بجعل القرآن ناسخا للسنة لما لزم عنه لذاته محال عقلا.

стр. 415

كما استدلوا على الوقوع الشرعى بأدلة منها: ١ - أن التوجه إلى بيت المقدس لم يعرف إلا من السنة، وقد نسخ بقوله تعالى: فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ (١) ولا يمكن أن يقال بأن التوجه إلى بيت المقدس كان معلوما بالقرآن، وهو قوله تعالى: فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ (٢) لأن قوله: فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ تخيير بين بيت المقدس وغيره من الجهات، والمنسوخ إنما هو وجوب التوجه إليه عينا وذلك غير معلوم من القرآن (٣). قال أبو الحسين البصرى ﵀ (٤): وهذا دليل على أن الآية (٥) وردت بعد إيجاب التوجه إلى الكعبة فى المسافر إذا صلى باجتهاد إلى بعض الجهات، ثم بان له أن تلك الجهة ليست بجهة القبلة. اه. ٢ - أن تأخير الصلاة إلى انجلاء القتال كان جائزا بالسنة، ولهذا قال ﷺ يوم الخندق وقد أخر الصلاة: «حشى الله قبورهم نارا» (٦) وقد نسخ ذلك الجواز بصلاة الخوف المنصوص عليها فى قوله تعالى: وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ (٧) ٣ - أن النبى ﷺ صالح أهل مكة عام الحديبية على أن من جاءه مسلما رده، وقد رد ﷺ فعلا جماعة

стр. 416

من المكيين جاءوا مسلمين، وقد جاءته امرأة اسمها أم كلثوم (١) بنت عقبة بن أبى معيط، وخرج أخواها عمارة والوليد حتى قدما على رسول الله ﷺ فكلماه فيها أن يردها إليهما فنقض الله العهد بينه وبينهم فى النساء خاصة، وأنزل قوله جل شأنه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ (٢) فما ثبت بالسنة نسخ بالقرآن (٣). على أنه يمكن القول بأن هذه الآية خصصت عموم السنة. المذهب الثانى: أن نسخ السنة بالقرآن لا يجوز. ونسب هذا المذهب إلى الإمام الشافعى رضى الله عنه بعض الأصوليين منهم الإمام الرازى (٤) ﵀ حيث قال: يجوز نسخ السنة بالقرآن وهو أيضا واقع، وقال الشافعى رضى الله عنه: لا يجوز. اه. والإمام القرافى ﵀ حيث قال أيضا (٥): ويجوز نسخ السنة بالكتاب عندنا خلافا للشافعى رضى الله عنه. اه. والإمام الآمدى ﵀ حيث قال كذلك (٦): المنقول عن الشافعى رضى الله عنه فى أحد قوليه أنه لا يجوز نسخ السنة بالقرآن. اه. والحق- والله أعلم- أن نقل هذا عن الإمام الشافعى رضى الله عنه فيه شىء من الاضطراب أو إرادة خلاف الظاهر. قال الدكتور طه فياض فى تعليقه على هذه المسألة (٧): إن معظم الذين تحدثوا عن رأى الإمام فى هذه المسألة تحدثوا عنه،

стр. 417

وفى أذهانهم أقوال العلماء الآخرين ونزاعاتهم فى المسألة، ولذلك فهموا من قول الإمام أنه قول مقابل للأقوال المنقولة عن الأئمة الآخرين، مع أننا نرى أن قوله فى أمر آخر غير أمر الجواز والامتناع والوقوع التى عليها مدار أقوال الآخرين، وإنما هو فى حكم المجتهد بالنسخ: متى يحكم به؟ فالإمام لا يرى للمجتهد الحق بأن يحكم بأن هذه السنة منسوخة بالقرآن، ولا العكس، وإنما يحكم بنسخ السنة إذا وجد سنة مماثلة تصلح ناسخة لها. وآنذاك تكون الآية مقوية للحكم بنسخ تلك السنة. وكذلك الحال بالنسبة للقرآن: فإن المجتهد لا يحق له أن يحكم بأن الآية منسوخة إلا إذا وجد آية تصلح ناسخة لها، وتكون السنة الواردة فى الموضوع مبينة لكون الآية الناسخة ناسخة والمنسوخة منسوخة، والإمام حين قرر ذلك كان يهدف إلى حماية أحكام كتاب الله وسنة رسوله ﷺ من أى تغيير من قبل من تحدثه بذلك نفسه تحت ستار النسخ. اه. على كل حال ذكر الأصوليون لهذا المذهب أدلة منها: ١ - قال تعالى: وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ (١) وهذا يدل على أن كلامه بيان للقرآن والناسخ بيان للمنسوخ، فلو كان القرآن ناسخا للسنة لكان القرآن بيانا للسنة، فيلزم كون كل واحد منهما بيانا للآخر (٢). وأجيب عن هذا بأن الآية ليس فيها ما يدل على امتناع نسخ السنة بالقرآن، والمراد بقوله: لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ إنما هو التبليغ وذلك يعم تبليغ الناس من القرآن وغيره. ٢ - لو نسخت السنة بالقرآن للزم تنفير الناس عن النبى ﷺ ، وعن طاعته لإيهامهم أن الله تعالى لم يرض ما سنه الرسول

стр. 418

صلى الله عليه وسلم، وذلك مناقض لمقصود البعثة، ولقوله تعالى: وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ (١) ويدفع هذا بأن السنة ليست من عند رسول الله ﷺ وإنما هى وحى كالقرآن. قال الإمام أبو الحسين البصرى ﵀ (٢): نسخ السنة بالكتاب: ذهب أكثر الناس إلى حسن ذلك ووقوعه ومنع الشافعى ﵀ منه. ودليلنا: أنه لو امتنع ذلك لم يخل إما أن يكون امتناعه من حيث القدرة والصحة أو من حيث الحكمة. أما من حيث القدرة والصحة فبأن يقال: إن الله لا يوصف بالقدرة على كلام ناسخ لسنة نبيه ﷺ ، أو: لو أتى بكلام هذه سبيله لم يكن دالّا على النسخ. والأول والثانى باطلان، لأن الله سبحانه قادر على جميع أقسام الكلام، ولا يجوز خروج كلامه من أن يكون دليلا على ما هو موضوع. وأما الحكمة فبأن يقال: لو نسخ الله سبحانه كلام نبيه ﷺ لنفّر ذلك عنه، وأوهم أنه لم يرض بما سنة ﷺ . وهذا باطل لأن النسخ إنما يرفع الحكم بعد استقرار مثله، وذلك يمنع من هذا التوهم لأنه لو لم يرض بما سنة ﷺ لم يقرّ عليه أصلا، على أنه لو نفّر عنه لنفر عنه أن ينسخ سنته بسنة أخرى، لأن السنة الناسخة إنما صدرت عنه لأجل الوحى فجرى مجرى كلام ينزله الله . هذا وبعد ذكر موقف العلماء تجاه نسخ السنة بالكتاب يظهر لنا- والله أعلم- أن مذهب الجمهور القائل بجواز ذلك هو المذهب الراجح لقوة أدلته وسلامتها عما يعارضها.

стр. 419

المبحث الرابع فى نسخ السنة بالسنة والحق أن نسخ السنة بالسنة يتنوع إلى أربعة أنواع هى: ١ - نسخ سنة متواترة بسنة متواترة. ٢ - نسخ سنة آحادية بسنة آحادية. ٣ - نسخ سنة آحادية بسنة متواترة. ٤ - نسخ سنة متواترة بسنة آحادية. ويلاحظ أن الثلاثة الأول محل اتفاق فهى جائزة عقلا وشرعا، وأما الرابع وهو نسخ السنة المتواترة بالسنة الآحادية فاتفق العلماء على جوازه عقلا، وحكاه سليم الرازى عن الأشعرية والمعتزلة. ومحل النزاع إنما هو فى الوقوع الشرعى فنفاه الجمهور وأثبته أهل الظاهر (١). وذهب القاضى وأبو الوليد الباجى والقرطبى (٢) فى تفسيره إلى التفصيل بين زمان النبى ﷺ وما بعده، فقالوا بوقوعه فى زمانه ﷺ ، وأما بعد موته ﷺ واستقرار الشريعة فأجمعت الأمة أنه لا نسخ (٣). على العموم تناول آراء العلماء وأدلتهم بشيء من التفصيل فيما يتصل بنسخ السنة بالسنة له موضع آخر تطرح فيه آراء العلماء، وأدلتهم وأسأل الله أن يجعل فى العمر بقية حتى يتسنى لى تناول هذه النقطة بالتفصيل اللائق بها.

стр. 420

الفصل الثالث فى طرق معرفة النسخ لا يحل لمسلم يؤمن بالله واليوم الآخر أن يقول فى شىء من القرآن والسنة: هذا منسوخ إلا بيقين. وكل ما أنزل الله تعالى فى القرآن، أو على لسان نبيه ﷺ ففرض اتباعه. فمن قال فى شىء من ذلك إنه منسوخ فقد أوجب ألا يطاع ذلك الأمر، وأسقط لزوم اتباعه، وهذه معصية لله تعالى إلا أن يقوم برهان على صحة قوله وإلا فهو مفتر مبطل، ومن استجاز خلاف ذلك فقوله: يؤول إلى إبطال الشريعة كلها، لأنه لا فرق بين دعواه النسخ فى آية ما أو حديث ما، وبين دعوى غيره النسخ فى آية أخرى وحديث آخر. فعلى هذا لا يصح شىء من القرآن والسنة، وهذا خروج عن الإسلام، وكل ما ثبت باليقين فلا يبطل بالظنون، ولا يجوز أن تسقط طاعة أمر أمرنا الله تعالى به ورسوله ﷺ إلا بيقين نسخ لا شك فيه (١). فإذا ما تعارض نصان وتنافيا: فإما أن يكون هذا التعارض من كل وجه أو من وجه دون وجه. فإن تنافيا من كل وجه تنظر: هل هما معلومان؟ أو مظنونان؟ أو أحدهما معلوم والآخر مظنون؟ فإن كان النصان معلومين أو مظنونين فإما أن يعلم تأخر أحدهما عن الآخر أو اقترانهما أو لا يعلم شىء من ذلك. فإن علم تأخر أحدهما عن الآخر فهو ناسخ، والمتقدم منسوخ، وذلك قد يعرف بواحد مما يلى: ١ - أن يكون فى أحد النصين ما يدل على تعيين المتأخر منهما،

стр. 421

وذلك كحديث جابر رضى الله عنه: «كان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ ترك الوضوء مما مست النار» (١). قال الإمام فخر الدين الرازى ﵀ (٢): وأما التاريخ فقد يعلم باللفظ أو بغيره. أما اللفظ فكما إذا قال: أحد الخبرين قبل الآخر. وأما غير اللفظ فعلى وجوه: أحدها: أن يقول هذا الخبر ورد سنة كذا وهذا فى سنة كذا. ثانيها: أن يعلق أحدهما على زمان معلوم التقدم والآخر بالعكس. كما لو قال كان هذا فى غزاة بدر والآخر فى غزاة أحد، وهذه الآية نزلت قبل الهجرة والأخرى بعدها. ثالثها: أن يروى أحدهما رجل متقدم الصحبة لرسول الله ﷺ ، ويروى الآخر رجل متأخر الصحبة وانقطعت صحبة الأول للرسول ﷺ عند ابتداء الآخر بصحبته. فهذا يقتضى أن يكون خبر الأول متقدما. أما لو دامت صحبة المتقدم مع الرسول ﷺ لم يصح هذا الاستدلال. ٢ - أن ينعقد إجماع الأمة فى أى عصر من العصور على تعيين المتقدم من النصين والمتأخر منهما. قال الإمام التلمسانى ﵀ (٣): .... ومن ذلك: أن ينعقد الإجماع على خلاف الحكم، وإن لم يعلم الناسخ فالإجماع عندنا ليس بناسخ، ولكنه متضمن للناسخ، ومثاله ما روى أن النبى ﷺ أمر بقتل شارب الخمر (٤) فى

стр. 422

المرة الرابعة ثم انعقد الإجماع (١) بعد ذلك على أنه يحد ولا يقتل، فعلمنا أن الخبر الأول منسوخ. اه. ٣ - معرفة أن أحد الأمرين المتعارضين بعينه متأخر عن الأمر الآخر وعليه فيكون المتأخر هو الناسخ للمتقدم. هذا ومن الطرق المختلف فيها بين العلماء فى معرفة النسخ ما يلى: ١ - أن يقول الراوى- كان الحكم كذا ثم نسخ- فإنه لا يثبت به النسخ عند السادة الشافعية لاحتمال أن يكون قوله عن اجتهاد منه وليس عن توقيف من الرسول ﷺ . ومعلوم أن المجتهد لا يكلف بالعمل بقول مجتهد آخر. قال الإمام الرازى ﵀ (٢): إذا قال الصحابى: كان هذا الحكم ثم نسخ كقولهم: إن خبر «الماء من الماء» (٣) نسخ بخبر: «التقاء الختانين» (٣) لم يكن ذلك حجة لأنه يجوز أن يكون قاله اجتهادا فلا يلزمنا. اه. أما السادة الحنفية (٥) فيثبتون النسخ بذلك حيث إن إطلاق الراوى العدل للنسخ من غير أن يعين الناسخ مشعر بأنه عن توقيف من الرسول ﷺ فقبل قول الراوى فيه. ٢ - أن يكون أحد النصين المتعارضين مثبتا فى المصحف بعد النص الآخر. فإن البعض يرى أن المتأخر فى الإثبات ناسخ للمتقدم، وهذا خلاف ما عليه الجمهور حيث إن ترتيب الآيات فى المصحف على هذا

стр. 423

النحو ليس على ترتيب النزول، فقد يكون المتقدم فى الترتيب متأخرا فى النزول. ٣ - أن يكون راوى أحد الحديثين المتعارضين أصغر سنا من الراوى الآخر أو متأخرا فى الإسلام عنه. فبعض العلماء يرى أن الحديث الذى رواه الأصغر سنّا أو المتأخر فى الإسلام يكون ناسخا للحديث الآخر، لأن الظاهر أنه متأخر فى الزمن عن الحديث الآخر. والجمهور لا يرى ذلك لجواز أن يكون الأصغر سنّا روى عمن هو أكبر منه وأن يكون المتأخر إسلاما روى عمن تقدم فى الإسلام. ٤ - أن يكون أحد النصين موافقا للبراءة الأصلية دون الآخر: فربما يتوهم أن الموافق لها هو السابق والمتأخر عنها هو اللاحق، مع أن ذلك غير لازم لأنه لا مانع من تقدم ما خالف البراءة الأصلية على ما وافقها. كقوله ﷺ : «توضئوا مما مست النار» (١) فإنه مخالف للبراءة الأصلية، ومتقدم على الحديث الموافق لها وهو: «لا وضوء مما مست النار» (٢) والدليل على ذلك حديث جابر رضى الله عنه المتقدم. ولا يخلو هذا من حكمة عظيمة وهى تخفيف الله عن عباده بعد أن ابتلاهم بالتشديد (٣). هذا وقد ذكر الآمدى (٤) بأنه إن علم اقتران النصين المتعارضين مع تعذر الجمع بينهما بأن ذلك فى نظره غير متصور الوقوع وإن جوزه قوم. ولو فرضنا وقوعه فالواجب: إما الوقف عن العمل بأحدهما أو التخيير بينهما إن أمكن، وكذلك الحكم فيما إذا لم يعلم شىء من ذلك. وأما إن

стр. 424

كان أحدهما معلوما والآخر مظنونا فالعمل بالمعلوم واجب تقدم أو تأخر، أو جهل الحال فى ذلك، لكنه إن كان متأخرا عن المظنون كان ناسخا وإلا كان مع وجوب العمل به غير ناسخ. وهذا التفصيل كله فيما إذا تنافى النصان من كل وجه، وأما إذا تنافيا من وجه دون وجه، بأن يكون أحدهما أعم من الآخر من وجه دون وجه كما فى قوله ﷺ : «من بدل دينه فاقتلوه» (١) فإنه خاص بالمبدل وعام فى الرجال والنساء لأن كلمة «من» إذا وقعت شرطا عمت الذكور والإناث وذلك لإشعارها بالعموم عند الإبهام فى باب الشرط واتفاق الشرع والوضع على القضاء بذلك، فإن من قال: من دخل دارى من أرقائى فهو حر، اندرج فى حكم التعليق العبيد والإماء (٢). وقوله ﷺ : «نهيت عن قتل النسوان» (٣) خاص فى النساء وعام بالنسبة إلى المبدل فالحكم فيها كما لو تنافيا (٤) من كل وجه والله تعالى أعلم.

стр. 425

الباب الخامس فى الصلة بين القرآن والسنة وفيه فصلان الفصل الأول: فى المقدار الذى بينه الرسول ﷺ من القرآن. الفصل الثانى: فى أنواع بيان القرآن بالسنة.
следующие страницы →