أكثرها حتى لا يخرج عن الأحرف السبعة، ومنهم من فسرها على أنها سبع قراءات بعد القرن الثالث الهجري واختار لها سبعة قراء فقط ممن وجدوا في القرن الثاني الهجري وذلك حتى لا يخالف الأحرف السبعة، ومن هنا فنحن نسأل:
ما علاقة هذه السبعة الأحرف الأولى المعجزات، التي نزل عليها القرآن من عند الرحمن من فوق سبع سماوات، بكل هذه التفسيرات والآراء من قريب أو بعيد؟؟
لذلك كان لا بدّ من رد واضح وصريح عن كل هذه التفسيرات والآراء، يقوم على الدليل القطعي والبرهان، وليس على الاجتهاد بكل أشكاله، لأنه لا اجتهاد مع النص، ومن هنا كان من الضروري أن يظهر هذا الكتاب المتواضع والقائم على الحجة والدليل والبرهان ومخاطبة عقل الإنسان في الوقت المناسب الذي يبين حقيقة الأحرف السبعة لئلا تبقى هذه الأمة رهينة الظن والاجتهاد، ورغم وجود الحقيقة بين أيديها من واقع كتاب الله الواحد وسنة رسوله ﷺ الواحدة، حيث قال الله سبحانه: وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ [الحجر: ٨٧].
وكذلك فإن ما جاء عن رسول الله ﷺ في الحديثين الشريفين حيث قال ﵊: «أنزل القرآن على سبعة أحرف فاقرءوا ما تيسر منه».
وقال ﷺ : «أقرأني جبريل ﵇ على حرف فراجعته فزادني فلم أزل أستزيده ويزيدني حتى انتهى إلى سبعة أحرف»، صدق رسول الله فيما قال.
وقال الحق سبحانه: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً [النساء: ٨٢].
وقال : وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [الأنعام: ١٥٣].
стр. 107
فواتح السور القرآنية وحروف التهجّي النورانية
أسباب فواتح مجموع السور في القرآن الكريم مدرجة كما يلي:
- ١٤ سورة: افتتحت بالثناء على الله، منها خمس سور افتتحت ب: (الحمد لله)، وسورتان ب: (تبرك)، وسبع ب: (التسابيح) - ٢٩ سورة: افتتحت بحروف التهجي، أو الحروف النورانية، أو الحروف المقطعة بعدد الأحرف الهجائية بعد إضافة الألف المدية للأحرف الثمانية والعشرين.
- ١٠ سور: بالنداء- ٢٣ سورة: بالجمل الخبرية- ١٥ سورة: بالقسم- ٦ سور: بالشرط- ٧ سور: بالأمر، خمس سور بكلمة: (قل)، وسورة بكلمة:
اقْرَأْ.
- ٦ سور: بالاستفهام هَلْ أَتى - هَلْ أَتاكَ- عَمَّ- أَلَمْ نَشْرَحْ أَلَمْ تَرَ- أَرَأَيْتَ.
- ٣ سور: بالعذاب والتهديد وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ- وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ.
- ١ سورة واحدة بالتعليل لِإِيلافِ قُرَيْشٍ.
стр. 108
فيصبح المجموع: [١١٤] سورة وهي عدد سور القرآن الكريم.
ملاحظة: إن كلمة (قل) (١) التي وردت في القرآن الكريم بهذا الكمّ العددي، أي: [٣٣٢] مرة، لم ترد على أيّ من الانبياء والرسل منذ آدم الى عيسى ﵈ فهي خصوصية بالنبي الأمي ﷺ الذي بعثه الله تعالى رحمة للعالمين، ويسّر القرآن على لسانه هو كما جاء في سورة مريم: فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ
الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُدًّا
[مريم: ٩٧].
стр. 109
المعجزة الكبرى حروف التهجي النورانية المقطعة
تعريفها- معانيها- أسرارها الإعجازية
أ- تعريفها: في عددها وتوزيعها
١ - عدد أحرف المعجزة الكبرى هو أربعة عشر حرفا بعد حذف المكرر والمجموعة في الجملة «نص حكيم له سر قاطع»، مفصلة كما يلي:
- الحرفان الأولان هما: «أ- ح» من التسعة احرف الأولى الهجائية:
«ا- ب- ت- ث- ج- ح- خ- د- ذ-» - الخمسة الوسطية: «ر- س- ص- ط- ع» من العشرة أحرف الهجائية التي بعدها: «ر- ز- س- ش- ص- ض- ط- ظ- ع- غ-» - والسبعة الأخيرة: «ق- ك- ل- م- ن- هـ- ي-» وذلك من الأحرف التسعة المتبقية: «ف- ق- ك- ل- م- ن- هـ- وي-».
٢ - عدد هذه الحروف النورانية المقطعة يساوي نصف عدد حروف الهجاء الثمانية والعشرين من غير الألف فهو من حروف المعجزة الكبرى.
٣ - فيها نصف حروف الهمس العشرة المجموعة بقولنا:
«فحثه شخص سكت» وهي: «ح- هـ- ص- س- ك» - وفيها نصف حروف الجهر، وحروف الجهر ما بقي بعد حروف الهمس لأنهما صفتان متضادتان وعددها ثمانية عشر حرفا ونصفها تسعة
стр. 110
أحرف موجودة في أوائل السور وهي: «أ- ط- ي- ل- م- ن- ع- ق-- ر».
- فيها نصف حروف الشدة: «أجد قط بكت» ففيها أربعة منها هي:
«أ- ك- ق- ط».
- وفيها نصف حروف الرخاوة، وحروف الرخاوة ما بقي بعد حروف الشدة وعددها عشرون حرفا ففيها عشرة أحرف منها هي «ح- م- س- ع- ل- ي- ن- ص- ر- هـ».
- حروف الإطباق أربعة هي: «ص- ض- ط- ظ» ونصفها من الحروف النورانية: «ص- ط».
- عكس الإطباق: الانفتاح، أحرفه أربعة وعشرون حرفا بعد حذف حروف الإطباق، ونصفها اثنا عشر حرفا من الحروف النورانية وهي:
«ح- ر- س- ع- ق- ك- ل- ن- هـ- ي- أ- م».
- حروف الحلق ستة هي: «أ- هـ- ع- ح- غ- خ».
ونصفها نورانية هي: «هـ- ح- ع».
- والأحرف غير الحلقية اثنان وعشرون حرفا نصفها نورانية وهي:
«ن- ق- ص- ل- م- ي- س- ك- ط- ر- أ».
وبالاستقراء يمكننا استنتاج الكثير من أسرار هذه الحروف النورانية فهي من أسرار هذا القرآن الكريم.
ب- معانيها: لم يستطع أحد من العلماء الجزم بمعاني هذه الحروف ولذلك قيل فيها الكثير، من ضمنها بعض المعاني الجديدة التي لم تكن معروفة قبل ذلك ومن هذه المعاني القديمة والحديثة ما يلي:
стр. 111
- أولا: هذه الحروف للتحدي والإعجاز فلقد خاطب القرآن الكريم العرب وهم أهل الفصاحة والبلاغة وتحداهم في نفيس بضاعتهم التي أقاموا لها الأسواق الأدبية كسوق عكاظ وغيره، وعلّقوا أشعارهم على جدار الكعبة تحت اسم المعلّقات، فكأنه يتحداهم بأن هذا القرآن يتألف من هذه الأحرف التي تتكلمون بها فإن كنتم لا تصدقون أنه من عند الله فأتوا بكتاب مثله، أو بحديث مثله، أو بسورة مثله، فإن عجزتم فاعلموا أنه من عند الله القوي القاهر، وليس من عند محمد النبي الأمي ﷺ وهو بشر مثلكم، وكثير من الآيات في القرآن الكريم ما تشير إلى ذلك منها:
- قال تعالى: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٢٣) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ (٢٤) [البقرة: ٢٤]- قال تعالى: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً [الإسراء: ٨٨].
- قال تعالى: أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ [هود: ١٣]- قال تعالى: فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كانُوا صادِقِينَ [الطور: ٣٤]- ثانيا: قال بعض العلماء هي اسم من أسماء الله تعالى يفتتح بها السور، فكل حرف منها دلّ على اسم من أسمائه، وصفة من صفاته، فالألف مفتاح اسم:
(الله)، واللام مفتاح اسمه: (اللطيف) والميم مفتاح اسمه: (المجيد).
- ثالثا: هي سرّ الله في القرآن ولله في كل كتاب من كتبه سر، فهي من المتشابه الذي انفرد الله تعالى بعلمه، ولا يجوز أن نتكلم فيها ولكن نؤمن
стр. 112
بها ونقرأ كما جاءت (١).
- رابعا: للتنبيه وجذب القلوب قال قطرب:
- كان المشركون ينفرون عند استماع القرآن، فلما سمعوا: الم والمص استنكروا هذا اللفظ، فلما أنصتوا له ﷺ أقبل عليهم بالقرآن المؤتلف ليثبته في أسماعهم وآذانهم ويقيم الحجة عليهم.
- خامسا: قال بعضهم: «هي السبع المثاني» على اعتبار أن القرآن الكريم هو السبع المثاني كله، أو بعضه وهي من هذا البعض، فنصفها وهي أحرف «ك- م- ن- ق- ص- س- ل» تمدّ مدا زائدا لازما بمقدار ست حركات. والأحرف الباقية وهي سبعة أيضا «ا- ح- ي- ط- هـ- ر- ع» منها ستة تمد بمقدار حركتين فأما الألف بسكتة لطيفة بمقدار حركتين فهو سر المعجزة، كما قرأ أبو جعفر: الم وسائر حروف التهجي من أوائل السور بسكتة يسيرة يفصل بعضها عن بعض وسواء كانت على حرف واحد أو أكثر من ذلك، والباقون لا يسكتون في ذلك ولا يفصلون والله الموفق.
ملاحظة:
أ- افتتحت سورة الشورى بالأحرف حم (١) عسق (٢) وعددها بالرسم القرآني خمسة أحرف، كما افتتحت سورة مريم بالأحرف كهيعص وعددها خمسة أحرف أيضا.
وقد عدّت أحرف سورة الشورى آيتان بينما عدت أحرف مريم آية واحدة لحكمة لا يعلمها إلا الله، وإذا عددنا أحرف سورة الشورى نطقا
стр. 113
وجدناها أربعة عشر حرفا، بينما نطق أحرف سورة مريم يساوي ثلاثة عشر حرفا، ولعل في سورة الشورى إشارة إلى السبع المثاني وهو ما طابق حسابنا أن الأحرف الأربعة عشر في فواتح السور: «هي السبع المثاني» وهذا هو السرّ العظيم.
ب- هذا وإن الحروف المقطعة في فواتح السور هي حروف معاني خاصة وليست حروف مباني، والفرق بين الأمي والمتعلم هو أن الأمي ينطق مسمّى الحرف والمتعلم ينطق باسم الحرف وصوته، فكيف لنبي أمي ينطق باسم الحرف وصوته وهو لم يتعلم من البشر حرفا واحدا لا قراءة ولا كتابة؟. أقول وبالله التوفيق: هذا هو إعجاز القرآن الكريم المطلق، حيث إن هذه الحروف بالذّات مقطعة لها رسم خاص بها موصولة ونطق خاص بها مقطعة باسم الحرف.
ج- كل القرآن الكريم مبني على الوصل في آخر كل آية وسورة، أما الحروف المقطعة فهي مبنيّة على الوقف بالسكون لكل حرف من هذه الحروف المقطعة.
- سادسا: لم ترد كل هذه الأحرف المقطعة مجموعة في أول القرآن، وإنما كررت ليكون أبلغ في التحدي والتبكيت كما كررت قصص كثيرة، وكرر التحدي الصريح في أماكن (١)، منها ما جاء على حرف واحد مثل:
ص، وحرفين مثل: حم، وثلاثة أحرف مثل: الم، وأربعة أحرف مثل: المص، وخمسة أحرف مثل: كهيعص لأن أساليب كلامهم منها ما هو على حرف واحد، وعلى حرفين، وعلى ثلاثة، وعلى أربعة، وعلى خمسة، ولا أكثر من ذلك.
стр. 114
- سابعا: نقلا عن الإمام ابن كثير، ولهذا كل سورة افتتحت بالحروف المقطعة فلا بد أن يذكر فيها الانتصار للقرآن وبيان إعجازه وعظمته، وهذا معلوم بالاستقراء في تسع وعشرين سورة مثل: الم (١) ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ [البقرة: ١ - ٢] الم (١) اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢) نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ [آل عمران: ١ - ٢] المص (١) كِتابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ [الأعراف: ١ - ٢] الم (١) تَنْزِيلُ الْكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ [السجدة: ١ - ٢] حم (١) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (٢) [فصلت: ١ - ٢]، وغير ذلك من الآيات الدالة على صحة ما ذهب إليه هؤلاء لمن أمعن النظر. [اه]- فواتح السور المبتدئة بالأحرف المقطعة التسعة والعشرين هي:
١ - الم (١) ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ (٢) [البقرة: ١ - ٢].
٢ - الم (١) اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢) نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣) مِنْ قَبْلُ هُدىً لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقانَ [آل عمران: ١ - ٤].
٣ - المص (١) كِتابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ (٢) [الأعراف: ١ - ٢].
٤ - الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ [يونس: ١] ٥ - الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ [هود: ١].
٦ - الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ (١) إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [يوسف: ١ - ٢].
٧ - المر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ [الرعد: ١].
٢٤ - حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (٢) [الأحقاف: ١ - ٢].
٢٥ - ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ [ق: ١].
٢٦ - كهيعص (١) ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا (٢) [مريم: ١ - ٢].
٢٧ - الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا (٢) [العنكبوت: ١ - ٢].
٢٨ - الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) [الروم: ١ - ٢].
٢٩ - ن وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ [القلم: ١].
فالنصوص القرآنية السابقة: من «١ الى ١٩» ومن «٢١ - ٢٥» تشير إلى القرآن الكريم صراحة.
أما النصوص الخمسة الباقية: فتخبر بأشياء غيبيّة كما جاء في سورتي:
- مريم: من ذكر قصة زكريا ويحيى ﵉.
- وسورة الروم: انتصار الروم وهم أهل كتاب على الفرس الوثنيين في بضع سنين.
- وسورة العنكبوت فتطلب من الذين آمنوا بهذا القرآن وبالنبي ﷺ أن يصبروا على الأذى.
- أما سورة القلم فتبين أخلاق النبي ﷺ الذي كان «خلقه القرآن».
فهذه النصوص الخمسة فيها إشارة إلى القرآن الكريم بأسلوب خفيّ كما هو الإعجاز في سورة الشورى، رقم ٢٠ من هذا التسلسل التي تحتوي على أربعة عشر حرفا عند النطق بها دون باقي السور المعجزة.
- ثامنا: هذه الأحرف المقطعة سر من أسرار الله تعالى ولا يستطيع
стр. 117
الجزم بمعانيها أحد، وكذلك الأحرف السبعة الأولى والثانية التي نزل عليها القرآن كما جاء في الحديثين الصحيحين لم يستطع أحد أيضا أن يجزم بمعانيها ولذلك يمكن الربط بينها.
- تاسعا: هذه الأحرف أزلية في رأي كثير من العلماء لأنها من كلام الله الأزلي القديم، وإن الاعتقاد بأزلية هذه قد أحاطها بجو من التورع عن تفسيرها والتخوف من إبداء رأي صريح فيها، فهي من المتشابه الذي لا يعلم تأويله إلا الله كما قال فيها الشعبي: «سرّ هذا القرآن».
وفي هذا المعنى قول علي بن أبي طالب ﵁ وأرضاه: «إن لكل كتاب صفوة وصفوة هذا الكتاب حروف التهجي».
وقول أبي بكر الصديق ﵁: «في كل كتاب سر، وسر القرآن في فواتح أوائل أوائل السور».
ونقل أهل الأثر عن ابن مسعود والخلفاء الرّاشدين ﵃:
«أن هذه الحروف علم مستور وسر محجوب استأثر الله به».
حتى الّذين خاضوا في معنى هذه الفواتح لم يدلوا فيها برأي قاطع، بل شرحوا وجهة نظرهم فيها مفوضين تأويلها الحقيقي إلى الله.
وأزلية هذه الأحرف ما انفكت- على سائر الأقوال- تحيطها بالسرية، وسريتها تحيطها بالتفسيرات الباطنية، وتفسيراتها الباطنية تخلع عليها ثوبا من الغموض لا داعي له، ولا معول عليه، وأدخل تلك الآراء في معنى الغموض قول من عدّ هذه الحروف على كرامة شخص أو شيعة معينة.
فها هو ذا السهيلي يقول: لعل عدد الحروف التي في أوائل السور مع حذف المكرر للإشارة إلى بقاء هذه الأمة.
стр. 118
وها هو ذا الحويبي يروي أن بعض الأئمة استخرج من قوله تعالى:
الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) أن بيت المقدس يفتحه المسلمون في سنة ثلاث وثمانين وخمس مائة، ووقع كما قال.
ويروي العز بن عبد السلام أن عليا ﵁ استخرج واقعة معاوية من: حم (١) عسق (٢).
ورأي بعض الشيعة في مجموعة هذه الفواتح إذا حذف المكرر فيها ما يفيد أن «صراط علي حق نمسكه» فيرد عليهم بعض السنّيين الظرفاء بخطاب مستنبط من الفواتح نفسها بحروفها ذاتها غير المكررة «صح طريقك مع السنّة» (١) كما توجد تفسيرات كثيرة لمعاني الحروف النورانية ولم يستطع أحد الجزم بمعانيها فهي سر من أسرار الله تعالى.
ج- أسرارها الإعجازية: إن سرّ حروف المعجزة لفواتح السور يكمن بالرسم العددي في المستفتح به وحيا بالنزول ليكون رمزا للإعجاز رغم تكرار البعض منها لأن رسمها شيء والنطق بها شيء آخر ليكون رمزا للإعجاز الذي فتح الله علينا بمعرفة حقيقته بالبراهين.
- فرسم الحرف الواحد منها جاء في ثلاث صور هي: ق- ص- ن فالنطق بكل حرف منها يتكون من ثلاثة أحرف- أي:
«قاف- صاد- نون» - رسم الحرفين جاء في عشر سور ولكن سورة طه انفردت بنطق خاص عن باقي السور لأن النطق بكل حرف منهما اثنان فيصير مجموعة أربعة أحرف لذا جاء انفرد خصوصيتها استفتاحا نور على نور بل إعجاز ما
стр. 119
بعده إعجاز، أمام أخواتها من السور المستفتحة من حرفين رسما لأنها تنطق بخمسة أحرف وهي:
- «حم»، أي: حا- ميم.
- «طس»، أي: طا- سين.
- «يس»، أي: يا- سين.
لذا نثبت أن حم فقط وردت في القرآن الكريم: ست مرات وطس: مرة واحدة ويس: مرة واحدة وعليه يصبح المجموع العددي لرسم الحرفين: ثمانية- رسم الثلاثة الأحرف: سبعة، الر: استفتح بها خمس سور قرآنية، وطسم: استفتح بها سورتين:
- الأولى: تنطق بثمانية أحرف، أي: «الف- لام- را».
- الثانية: أيضا تنطق بثمانية أحرف، أي: «طا- سين- ميم».
- أما الم: في ست سور لأنها توافق الرسم الثلاثي بحروفها فهي الإعجاز الذي يحمل في طياته جلّ الأسرار العددية رسما كما وردت استفتاحا في ست سور ولأن الألف بسكتة واللام وردا ثلاث عشرة مرة في فواتح السور القرآنية معا.
فرسمها: الم ونطق الألف بسكتة مستقلة بحركتين، واللام نمدها بست حركات، والميم أيضا «الف- لام- ميم»، أي من تسعة أحرف.
стр. 120
- رسم أربعة الأحرف: اثنان، توجد سورتان في القرآن الكريم يفتتح بهما المر و: المص.
- فرسم الأولى: المر ونطقها بأحد عشر حرفا، أي: «الف- لام- ميم- را».
- ورسم الثانية: المص فنطقها اثنا عشر حرفا، أي الألف بسكتة مقدار حركتين: «الف- لام- ميم- صاد».
وهنا يمكن السر الأعظم في الإعجاز لورود كل منهما مرة واحدة.
- رسم خمسة الأحرف: اثنان، الأولى: في سورة مريم: كهيعص آية واحدة، أما الثانية: في سورة الشورى حم (١) عسق (٢) فنطق سورة مريم: «كاف- ها- يا- عين- صاد»
هو ثلاثة عشر حرفا.
ونطق سورة الشورى: «حا- ميم- عين- سين- قاف» هذا هو سر الإعجاز وهو بأربعة عشر حرفا.
وبكل ما تقدم نرجو من الله أن نكون ممن وفينا حق الأسرار وحقيقة هذه الحروف المعجزة الكبرى بالأدلة القاطعة على أن عدد حروف اللغة العربية الفصحى هو تسعة وعشرون حرفا كما هو الرسم القرآني التوقيفي عن رب العزة، لا ثمانية وعشرون كما يتعلم بها دون إدراك سرها في الإعجاز معنى وتدريسا.
وللتوضيح: فالسبعة أحرف الأولى في فواتح السور القرآنية التي استجمعتها كلمة: «سنقص لكم»، أي: «ك- م- س- ل- ن- ق- ص» قد أجمع العلماء على مدّها ست حركات هذه الأحرف السبعة الأولى.
стр. 121
- سبعة الأحرف الثانية التي استجمعتها كلمة: «حي عا طهر» أي: «ح- ي- ع- ا- ط- هـ- ر». فمنهم من عدّها خمسة؛ وهؤلاء أجمعوا عى مدّ الخمسة منها حركتين مدا طبيعيا بدون حرفي «أ- ع» للأسباب التالية:
- حرف العين مختلف في مدّه، فمنهم من قال: يمدّ حركتان ومنهم من قال: يمدّ أربع حركات لأنها حسبت من مدّ حروف اللين والشاطبي (١) في نظمه قال:
ومدّ له عند الفواتح مشبعا ... وفي عين الوجهان (٢) والطّول فضّلا
- أما حرف الألف فهو مقصور بلا خلاف، أي: ما كان على ثلاثة أحرف وليس فيه حرف مدّ ولين (٣). فهو السر لهذا الحرف الألف بالذات لأنه له نطق خاص بسكتة لطيفة باسم الحرف.
وعليه فإن سبعة الأحرف الأولى عند هؤلاء قد أصبحت ثمانية أحرف بإضافتهم لها حرف العين كما جاء في كتبهم نصا وروحا؛ بل متنا وشرحا لاستجماعها بقولهم: «عسل كم نقص» أي: «ع- س- ل- ك- م- ن- ق- ص» وسبعة الأحرف الثانية قد أصبحت عندهم خمسة أحرف بإسقاطهم حرفي الألف والعين كما تقدم والمجموعة بكلمة «حيّ طهر» أي: «ح- ي- ط- هـ- ر».
فالصواب عندنا: حرف العين أولى سورتي مريم والشورى هو الإعجاز
стр. 122
الذي نحن بصدده، وكما بينّا في سبعة الأحرف الثانية أنه يمدّ حركتين فقط.
وأما حرف الألف فهو أول حرف من حروف هذا الإعجاز كما جاء في أول سورة البقرة، لأن النطق به: سكتة ساكنة بمقدار حركتين بدون تنفس، وممن سبقنا في نطقه بهذه الصورة هو أحد القراء العشر، أبو جعفر يزيد بن القعقاع المتوفى عام ١٣٠ هـ (١)، الذي أخذ عن عبد الله بن عياش وأبي هريرة وعن أبي ابن كعب ﵃ عن رسول الله ﷺ كما وأن العلامة الشيخ محمد متولي شعراوي ﵀ قد نطق به في تفسيره لفواتح السور القرآنية، والحجة عندنا بالدليل والبرهان عن قوله ﷺ : «لا أقول لكم- الم- حرف ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف» صدق رسول الله فيما قال ﵊.
فهذا هو النطق الصحيح لهذا الحرف بالذات لأنه من حروف المعجزة الكبرى.
وعليه لا بدّ من أن نستمد حساباتنا من هذه الحروف المعجزة التي حدّدت المدّ لكل منها كما تقدم:
- فحرف الألف الوارد بفواتح السور ثلاث عشرة مرة: ينطق بالسكون بسكتة لطيفة بمقدار حركتين باسم الحرف.
- أما حرف العين في سورتي مريم والشورى: يمدّ حركتين فقط لأنه ليس من حروف السبعة معجزة التي تمد ست حركات فهي سبعة فقط.
والأرضين السبع: مرتين.
فالمجموع الكامل هو تسع وعشرون مرة بعدد فواتح السور المبدوءة بالحروف المقطعة، وإثباتا في الإعجاز بعدد حروف اللغة العربية الفصحة والله أعلم.
- لقد وردت سبع مرات آيات الاستواء على العرش في القرآن الكريم كله:
١ - الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى [الأعراف: ٥٤] ٢ - إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ [يونس: ٣] ٣ - اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ [الرعد: ٢] ٤ - تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّماواتِ الْعُلى (٤) الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى (٥) [طه: ٤ - ٥] ٥ - الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ [الفرقان: ٥٩] ٦ - اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ [السجدة: ٤] ٧ - هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ [الحديد: ٤] كما وأن كثيرا من الآيات ما يستفاد بها تبحرا، ففي سورة المؤمنين مثلا جلّ المراحل التي نحن بصددها على أهمية الأطوار التي يتكون فيها الإنسان بالقدرة الإلهية وعظمتها.
стр. 126
قال تعالى: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ (١٤) [المؤمنون: ١٢ - ١٤] لقد أجمع العلماء على تحديد مراحلها بالسبع مع ما هو متعارف عليه من مشتقات كلّ من:
الطين- النطفة- القرار المكين- العلقة- المضغة- العظام واللحم- الروح.
أسرار وحكمة كلمة (سبع): السر في هذا العدد أنه جاء في القرآن- وفي الجماد وفي النبات- وفي الحيوان وفي الطيور والحشرات لقوله تعالى:
وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ [الأنعام: ٣٨]- سبع: مراحل خلق وتكوين الإنسان- سبع: في السجود، أي: على سبعة أعضاء- سبع: في الطواف، في الزيارة والعمرة والحج- سبع: في السعي، في الزيارة والعمرة والحج والسر في الحديث النبوي الشريف: «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله» حكمته فيما توصل إليه الإنسان علميا:
- سبع فقرات: موجودة بأصغر رقبة عند العصفور- سبع فقرات: موجودة بأطول رقبة عند الزرافة- سبع فقرات: موجودة في رقبة الإنسان كما جاءت حكمته تعالى بالطّيف منذ القدم «قوس قزح» أن ألوانه هي أيضا سبعة.
стр. 127
علم المبهمات في القرآن الكريم والحكمة منه
١ - فقد يبهم المعنى أو الاسم في موضع ليوضح في موضع آخر كقوله تعالى: صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ [الفاتحة: ٧] وتوضيحه بقوله تعالى: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً [النساء: ٦٩].
٢ - وقد يبهم الاسم لاشتهاره كقوله تعالى لآدم: وَقُلْنا يا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ [البقرة: ٣٥]، والمقصود بزوجك: حواء، فلم تذكر لاشتهارها.
٣ - وقد يبهم للسّتر عليه وهذا من أدب القرآن الكريم كقوله تعالى:
أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْئَلُوا رَسُولَكُمْ كَما سُئِلَ مُوسى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمانِ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ [البقرة: ١٠٨]، والمراد: رافع بن حريملة ووهب بن زيد.
٤ - ألا يكون في تعيينه كبير فائدة كقوله تعالى: أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها قالَ أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها فَأَماتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ [البقرة: ٢٥٩] أي: في ذكر اسمه سواء أكان هو العزيز أم غيره.
٥ - التنبيه على التعميم وهو غير خاص بخلاف ما لو عين (١) كقوله تعالى: وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً [النساء: ١٠٠]. قال عكرمة: أقمت أربع عشرة سنة أسأل عنه حتى عرفته، هو ضمرة بن العيص، وكان من المستضعفين
стр. 128
بمكة، وكان مريضا فلما نزلت آية الهجرة خرج منها فمات بالتنعيم «موضع بمكة») [اه] ٦ - تعظيمه بالوصف الكامل دون الاسم:
قال تعالى: وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبى وَالْمَساكِينَ وَالْمُهاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [النور: ٢٢].
فقد نزلت في أبي بكر الصديق ﵁ حين حلف ألا ينفع مسطح ابن أثاثه بنافعة أبدا بعد ما قال في عائشة ما قاله في حديث الإفك.
٧ - تحقيره بالوصف الناقص:
قال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ [الحجرات: ٦].
والمراد: الوليد بن عقبة بن أبي معيط.
стр. 129
سبب التصريح باسم مريم وزيد بن حارثة ﵁ في القرآن الكريم
لماذا ذكر اسم مريم صراحة في القرآن الكريم ولم يذكر اسم من النساء غيرها؟ ولماذا ذكر اسم زيد من المسلمين ولم يذكر اسم غيره صراحة؟
أ- إذا تتبعنا آيات القرآن الكريم فلا نجد فيه اسم أيّ امرأة بشكل صريح إلا امرأة واحدة هي مريم أم عيسى ﵇، فقد ورد ذكر اسمها صراحة أربعا وثلاثين مرة بزيادة مرة عن عمر عيسى ﵇ قبل رفعه إلى السماء.
والسبب في ذلك أن ملوك العرب والأمراء حسب لغتهم لم يكونوا يذكرون اسم الحرائر من النساء والزوجات صراحة بل كانوا يذكرون اسم الإماء من غير الحرائر، فجاء القرآن الكريم بلغتهم ليبيّن أن مريم هي أمة من عبيد الله وليست إلهة كما يزعم البعض، كما أنها ليست زوجة لله تعالى: قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [المائدة: ١٧].
ب- ذكر القرآن الكريم اسم زيد بن حارثة ﵁ صراحة في قوله تعالى: وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ فَلَمَّا
стр. 130
قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً زَوَّجْناكَها لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْواجِ أَدْعِيائِهِمْ إِذا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا [الأحزاب: ٣٧].
لأن عادة التّبنّي كانت متأصّلة في نفوس العرب، وقد تبنّى النبي ﷺ زيدا فكانوا يسمونه زيدا بن محمد ﷺ .
كما كانت العادة عندهم التبنّي بالادّعاء فيقول الرجل منهم أمام الناس:
اشهدوا أن فلانا ابني يرثني وأرثه، وهو ليس من صلبه، فأبطل الإسلام هذه العادة بنص القرآن الكريم وبفعل النبي ﷺ الذي تزوج زينب زوجة زيد، وذكر اسمه صراحة ليكون ذلك شاهدا على إبطال التبنّي على مرّ العصور والأزمان وفي كل الأمصار والأصقاع.
قال تعالى: ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَما جَعَلَ أَزْواجَكُمُ اللَّائِي تُظاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهاتِكُمْ وَما جَعَلَ أَدْعِياءَكُمْ أَبْناءَكُمْ ذلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْواهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ [الأحزاب: ٤].
стр. 131
هل ورد في القرآن الكريم كلمات غير عربية ؟
أ- نزل القرآن بلغة العرب فلا تجوز قراءته بغير العربية لقوله تعالى:
إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [يوسف: ٢].
- وَلَوْ جَعَلْناهُ قُرْآناً أَعْجَمِيًّا لَقالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آياتُهُءَ أَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ [فصلت: ٤٤].
ب- لا خلاف بين الأئمة أنه ليس في القرآن كلام مركب على أساليب غير العرب وأن فيه أسماء أعلاما لمن لسانه غير لسان العرب كإسرائيل، وجبريل، وعمران، ونوح،
ولوط (١).
ج- وللعلماء رأيان في ذلك: الرأي الأول: يقول بوجود كلمات غير عربية في القرآن الكريم ويوصلها بعضهم إلى مائة وخمس كلمات منها:
الأبّ- الأرائك- الإستبرق- الإصر- ابلعي- الأسباط- الأسفار- الأكواب ... إلى آخره (٢)، وهذه الكلمات برأيهم لا تخرج القرآن عن كونه عربيا صريحا.
ويردّ عليهم بما يلي: من قال هذه الكلمات غير عربية لا دليل له على أن العربية أتت من لغة أخرى فلماذا لا يكون العكس؟ أيّ: إن تلك اللغات أتت من العربية فهي أم اللغات.
стр. 132
وهل يخاطب الله العرب بما لا يفهمون والقرآن الكريم نزل بلغتهم؟
- فإن قيل: ليست هذه الكلمات على أوزان كلام العرب فلا تكون منه، قلنا: ومن سلّم لكم أنكم حصرتم أوزانهم حتى تخرجوا هذه منها (١) [اه] واللغة سبقت الأوزان لأن الأوزان والقواعد وضعت بعد اللغة لا قبلها.
- الرأي الثاني: يقول إن كل ما ورد في القرآن من كلام فهو عربي إلا أسماء الأعلام فقد وردت بلغات أقوامهم وهذا عام في كل لغات العالم.
د- مذهب أبي عبيد القاسم بن سلّام في وجود أو عدم وجود كلمات غير عربية في القرآن الكريم: والصواب عندي مذهب فيه تصديق القولين جميعا وذلك أن هذه الأحرف أصولها أعجمية كما قال الفقهاء، إلا أنها سقطت إلى العرب فعرّبتها بألسنتها، وحوّلتها عن ألفاظ العجم إلى ألفاظها فصارت عربية، ثم نزل القرآن، وقد اختلطت هذه الحروف بكلام العرب، فمن قال إنها عربية فهو صادق، ومن قال أعجمية فصادق (٢) [اه].
هـ- هذا جدول ببيان الكلمات غير العربية الواردة في القرآن الكريم حسب رأي الفريق الأول ومعانيها؛ ويلاحظ أن هذه الكلمات يمكن إرجاعها إلى أصولها وهذا يدل على أنها عربية فكلمة: «حكيم» من الحكمة، وكلمة: «كوّرت» تكويرا من الكور ... إلخ.
القرآن الكريم والشعر
قال تعالى في سورة الشعراء: وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ (٢٢٤) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ (٢٢٥) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ (٢٢٦) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيراً وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ (٢٢٧) [الشعراء: ٢٤ - ٢٧].
أ- شعراء المشركين غاوون يتبعهم من هو على شاكلتهم من الإنس والجن وقال بعضهم عن هؤلاء الشعراء:
الشاعر إن هزل أضحك، وإن جدّ كذب، فالشاعر بين كذب وإضحاك، ولذلك نزّه الله رسوله عن الشعر.
ب- حكم الشعر: مباح، ومكروه، ومحرم.
روى مسلم من حديث عمرو بن الشريد عن أبيه قال: ردفت رسول الله محمد ﷺ يوما فقال: «هل معك من شعر أميّة بن أبي الصلت شيء»، قلت: نعم، قال «هيه» فأنشدته بيتا فقال «هيه» ثم أنشدته بيتا فقال: «هيه» حتى أنشدته مائة بيت.
وفي هذا دليل على حفظ الأشعار والاعتناء بها إذا تضمّنت الحكم والمعاني المستحسنة شرعا وطبعا.
ج- وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «حسن الشعر كحسن الكلام وقبيحه كقبيح الكلام».
- والشعر المذموم الذي لا يحل سماعه وصاحبه ملوم فهو المتكلم
стр. 138
بالباطل فيفضل أجبن الناس على عنترة، وأبخلهم على حاتم الطائي، كشعر الأحوص وعمر بن أبي ربيعة ومن على شاكلتهما.
د- بوّب البخاري في صحيحه- باب ما يكره أن يكون الغالب على الإنسان الشعر- عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :
«لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا حتى يريه خير من أن يمتلئ شعرا».
وهذا في شعر الهجاء والمدح الكاذب للتكسب وفي الغالب عليه الشعر وتركه ذكر الله.
ومعنى «يريه»: من الوري: كالرمي وهو أن يدوي جوفه، وفي الصحاح ورّى القيح جوفه يريه وريا: إذا أكله.
هـ- وفي الحديث عن الشعر الذي يردّ به حسّان على المشركين: «إنه لأسرع فيهم من رشق النبل». أخرجه مسلم- وعن أنس ﵁ أن النبي محمد ﷺ دخل مكة في عمرة القضاء وعبد الله بن رواحة يمشي بين يديه ويقول:
خلوا بني الكفار عن سبيله ... اليوم نضربكم على تنزيله
ضربا يزيل الهام عن مقيله ... ويذهل الخليل عن خليله
فقال عمر: يا ابن رواحة في حرم الله وبين يدي رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : «خلّ عنه يا عمر فلهو أسرع فيهم من نضح النبل». رواه الترمذي وصححه.
ومن الشعر المحمود قول محمد بن سابق حيث قال:
إني رضيت عليا للهدى علما ... كما رضيت عتيقا صاحب الغار
وقد رضيت أبا حفص وشيعته ... وما رضيت بقتل الشيخ بالدار
كل الصحابة عندي قدوة علم ... فهل عليّ بهذا القول من عار
إن كنت تعلم أني لا أحبهم ... إلا من اجلك فاعتقني من النار.
стр. 139
ز- ولا ينكر الحسن من الشعر أحد من أهل العلم، ولا من أولي النهى، وليس أحد من كبار الصحابة وأهل العلم، ولا من أولي النهى والقدوة إلا وقد قال الشعر أو تمثّل به، أو سمعه، فرضي منه ما كان حكمة أو مباحا، ولم يكن فيه فحش ولا خنا ولا لمسلم أذى، فإذا كان كذلك فهو والمنثور من القول سواء لا يحل سماعه ولا قوله (١) [اه].
وعن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ على المنبر يقول: «أصدق كلمة- أو: أشعر كلمة- قالتها العرب قول لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل» - أخرجه مسلم.
ح- قال تعالى: وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلًا لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [الأنعام: ١١٥].
أي: صدقا في الأخبار، وعدلا في الأحكام، فالقرآن كلّه حق، وصدق، وعدل، وهدى، ليس فيه مجازفة، ولا كذب، ولا افتراء كما يوجد في أشعار العرب وغيرهم من الأكاذيب والمجازفات التي لا يحسن شعرهم إلا بها.
كما قيل في الشعر: «إن أعذبه أكذبه».
- وتجد في القصيدة الطويلة المديدة قد استعمل غالبها في وصف النساء، أو الخيل، أو الخمر، أو في مدح شخص معين، أو فرس، أو ناقه، أو حرب، أو شيء من المشاهدات
المتعينة التي لا تفيد شيئا إلا قدرة المتكلم المعين على الشيء الخفي أو الدقيق، ثم تجد له فيه بيتا أو بيتين أو أكثر هي بيوت القصيدة وسائرها هذر لا طائل تحته.
стр. 140
ملاحظة:
القرآن الكريم نزل بلغة العرب وهو مسجل في أم الكتاب بهذه اللغة قبل وجود الثّقلين وحتى قيام الساعة، وللتأكيد والتوضيح والبيان:
- قال تعالى: إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٣) وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ (٤) [الزخرف: ٣ - ٤]- قال تعالى: إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [يوسف: ٢]- قال تعالى: وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ [النحل: ١٠٣]- قال تعالى: بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ [الشعراء: ١٩٥] واللغة العربية كما هو معروف بالأثر عن النبي ﷺ أنها لغة أهل الجنان.
وكذلك المعلّقات السّبع كتبت بلغة العرب قبل الإسلام ولم تكتب بلهجاتهم ولا زالت معتمدة عند أهل اللغة إلى يومنا هذا.
стр. 141
الفوائد من القرآن الكريم
١ - قال تعالى: حَتَّى إِذا أَتَوْا عَلى وادِ النَّمْلِ قالَتْ نَمْلَةٌ يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ [النمل: ١٨].
فقد نادت: يا، وكنّت: أي، ونبّهت: ها، وسمّت: النمل، وأمرت:
ادخلوا، وقضت: مساكنكم، ونهت: لا يحطمنكم، وخصّت: سليمان، وعمّمت: وجنوده، وعذرت: وهم لا يشعرون.
٢ - وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ [القصص: ٧].
في الآية أمران: أرضعيه، وألقيه.
ونهيان: لا تخافي، ولا تحزني.
وبشارتان: رادّوه إليك، وجاعلوه من المرسلين.
٣ - سورة ليس فيها ذكر الجنة والنار وهي: سورة يوسف ﵊.
٤ - سورة لا تخلو كل آية من آياتها من كلمة الله هي: سورة المجادلة.
٥ - عدد أحرف أكبر كلمة في القرآن الكريم يوجد في الكلمات التالية: لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ- أَنُلْزِمُكُمُوها- فَأَسْقَيْناكُمُوهُ ٦ - هاء السكت هاء ساكنة زيدت في آخر الكلمة لبيان الحركة وتوجد في خمس كلمات بالقرآن الكريم:
стр. 142
- يَتَسَنَّهْ [البقرة: ٢٥٩].
- اقْتَدِهْ [الأنعام: ٩٠].
- ما أَغْنى عَنِّي مالِيَهْ (٢٨) هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ (٢٩) [الحاقة: ٢٨ - ٢٩].
- وَما أَدْراكَ ما هِيَهْ [القارعة: ١٠].
٧ - ضم حفص هاء الضمير المكسورة التي قبلها ياء ساكنة أصلا في موضعين:
- وَما أَنْسانِيهُ [الكهف: ٦٣]- أَوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ [الفتح: ١٠] ٨ - آية جمعت كل حروف الهجاء وهي قوله تعالى:
ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعاساً يَغْشى طائِفَةً مِنْكُمْ وَطائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ ما لا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلى مَضاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ ما فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ ما فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ [آل عمران: ١٥٤].
٩ - الآية التالية تحوي ستة عشر ميما:
قِيلَ يا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا وَبَرَكاتٍ عَلَيْكَ وَعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذابٌ أَلِيمٌ [هود: ٤٨].
١٠ - توجد في القرآن الكريم أربع آيات فقط مبدوءة بحرف الشين هي:
стр. 143
- شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ [البقرة: ١٨٥].
- شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [آل عمران: ١٨].
- شاكِراً لِأَنْعُمِهِ اجْتَباهُ وَهَداهُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [النحل: ١٢١].
- شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ [الشورى: ١٣].
١١ - في القرآن الكريم آيتان فقط آخر هما حرف الشين هما:
- قوله تعالى: وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ [القارعة: ٥].
- قوله تعالى: لِإِيلافِ قُرَيْشٍ [قريش: ١].
١٢ - توجد كلمتان متتابعتان لا فاصل بينهما:
- الأولى قوله تعالى: «فيه فيه» في قوله تعالى: لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ [التوبة: ١٠٨].
- الثانيةلفظ الجلالة «الله الله» في قوله تعالى: وَإِذا جاءَتْهُمْ آيَةٌ قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذابٌ شَدِيدٌ بِما كانُوا يَمْكُرُونَ [الأنعام: ١٢٤].
١٣ - موضعان في القرآن الكريم فيهما حرف الحاء متتابعان بدون فاصل بينهما أيضا:
стр. 144
- الأول في قوله تعالى: ... وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتابُ أَجَلَهُ ... [البقرة: ٢٣٥].
- الثاني في قوله تعالى: وَإِذْ قالَ مُوسى لِفَتاهُ لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً [الكهف: ٦٠].
- أول ما نزل من القرآن الكريم هو حرف الألف:
قال تعالى: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ (٥) [العلق: ١ - ٥].
وآخر ما نزل من القرآن هو الألف أيضا:
قال تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً [المائدة: ٣] ١٤ - السر الإعجازي في نزوله وختامه: إن أول ما نزل من القرآن الكريم بالوحي الجلي بالتلقين للنبي الأمي ﷺ هو جلّ الإعجاز الحقيقي للروابط المتينة في حروفه وكلماته وآياته وسوره، مثال:
- (اقرأ): عددها بعدد حروف لفظ الجلالة رسما «الله»، والدلالة فيها حسابيا هو ما صحّ في الحديث (١) أن كلمة اقرأ قد تكررت ثلاث مرات وحيا على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى السلام وجاءت الرابعة أمرا بالقراءة القرآنية حتى قيام الساعة.
وللتوضيح أنها افتتحت وختمت بالألف لأن الألف هو أول حرف من لفظ الجلالة الله، كما أن الله هو الأول ليس قبله شيء وهو الآخر ليس بعده شيء.
стр. 145
فسر الإعجاز هنا مجيء الألف التي احتضنت اقرأ بداية ونهاية للربط بين: (باسم ربك) نزولا لأنه المتولي تربية للإيجاد من عدم، وإمداده من عدم، وبين: (بسم الله) تلاوة.
- (بسم الله): سبعة أحرف رسما.
- (باسم ربك): سبعة أحرف رسما ونطقا.
- أجمع علماء المسلمين على أن البسملة جزء من آية من سورة النمل لقوله تعالى: إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [النمل: ٣٠].
كما أجمعوا على رسمها في أول كل سورة من سور القرآن الكريم عدا سورة التوبة، فهو توقيف عن رب العالمين، وقد قال رسول الله ﷺ : «كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بسم الله هو أبتر» ولهذا أرى قراءتها في الصلاة وخارج الصلاة في أول كل سورة عدا براءة، والحسنات الكثيرة في قراءتها تعد بالآلاف لقول النبي ﷺ :
«من قرأ حرفا من كتاب الله فله به حسنة والحسنة بعشر أمثالها».
فإذا كان هذا العدد من الحسنات في اليوم فما بالك في الشهر أو في السنة أو في العمر كله، فعجبا لمن يضيّع كل هذه الحسنات بدون دليل قطعي ولا برهان.