Полный текст (326 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
القسم الرابع/ ٨ كلمات أن لا- أن ما- إن ما- من ما- بئس ما- في ما- كي ما- أن لو/ الفصل في مواضع والخلاف بين الفصل والوصل في مواضع وما عدا ذلك فحكمه الوصل/ موصولة إلا كلمة أن لو فليس لها مواضع القسم الخامس/ ٣ كلمات أين ما- أن لن- لات حين/ الفصل في مواضع والخلاف بين الفصل والوصل في مواضع وما عدا ذلك فحكمه الفصل إلا ولات حين ففيه خلاف/ ولتمام الفائدة أترك الكلام للإمام الزركشي في كتابه البرهان في علوم القرآن بدءا من الصفحة ٤١٧ وحتى الصفحة ٤٢٩ حيث يقول:
стр. 177
فصل في الفصل والوصل
- اعلم أن الموصول في الوجود توصل في الخط، كما توصل حروف الكلمة الواحدة، والمفصول معنى في الوجود يفصل في الخط، كما تفصل كلمة عن كلمة.
١ - فمنه «إنما» بالكسر، كله موصول إلا واحدة: إِنَّ ما تُوعَدُونَ لَآتٍ [الأنعام: ١٣٤] لأن حرف «ما» هنا وقع على مفصل، فمنه خير موعود به لأهل الخير، ومنه شر موعود به
لأهل الشر، بمعنى «ما» مفصول في الوجود والعلم.
٢ - ومنه «أنما» بالفتح كله موصول إلا حرفان: وَأَنَّ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْباطِلُ [الحج: ٦٢]، وَأَنَّ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْباطِلُ [لقمان:
٣٠].
وقع الفصل عن حرف التوكيد، إذ ليس لدعوى غير الله وصل في الوجود، إنما وصلها في العدم والنفي، بدليل قوله تعالى عن المؤمن:
أَنَّما تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيا وَلا فِي الْآخِرَةِ [غافر: ٤٣]، فوصل «أنما» في النفي، وفصل في الإثبات، لانفصاله عن دعوة الحق.
٣ - ومنه «كلما» موصول كله إلا ثلاثة:
كُلَّما رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيها [النساء: ٩١] فما ردوا إليه ليس شيئا واحدا في الوجود، بل أنواع مختلفة في الوجود، وصفة مردهم ليست واحدة بل متنوعة، فانفصل «ما» لأنه لعموم شيء مفصل في الوجود.
стр. 178
وَآتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ [إبراهيم: ٣٤] فحرف «ما» واقع على أنواع مفصلة في الوجود.
وفي قد أفلح كُلَّ ما جاءَ أُمَّةً رَسُولُها كَذَّبُوهُ [المؤمنون: ٤٤]، والأمم مختلفة في الوجود، فحرف «ما» وقع على تفاصيل موجودة لتفصل وهذا بخلاف قوله: كُلَّما جاءَهُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقاً كَذَّبُوا وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ [المائدة: ٧٠]، فإن هؤلاء هم بنو إسرائيل أمة واحدة، بدليل قوله:
فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللَّهِ [البقرة: ٩١] والمخاطبون على عهد النبي ﷺ لم يقتلوا الأنبياء، إنما باشره آباؤهم، لكن مذهبهم في ذلك واحد، فحرف «ما» إنما يشمل تفاصيل الزمان، وهو تفصيل لا مفصل له في الوجود إلا بالفرض والتوهم، لا بالحس، فوصلت «كل» لاتصال الأزمنة في الوجود، وتلازم أفرادها المتوهمة.
وكذلك: كُلَّما رُزِقُوا مِنْها مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً [البقرة: ٢٥] هذا موصول، لأن حرف «ما» جاء لتعميم الأزمنة، فلا تفصيل فيها في الوجود، وما رزقوا هو غير مختلف، لقوله تعالى: وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً [البقرة: ٢٥].
٤ - ومنه «أينما» موصول إذا كانت «ما» غير مختلفة الأقسام في الفعل الذي بعدها، مثل: أَيْنَما يُوَجِّهْهُ [النحل: ٧٦]، فَأَيْنَما تُوَلُّوا [البقرة: ١١٥] أَيْنَما ثُقِفُوا أُخِذُوا [الأحزاب: ٦١]، أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ [النساء: ٧٨] فهذه كلها لم تخرج عن «الأين» الملكي، وهو متصل حسّا، ولم يختلف فيه الفعل الذي مع «ما». وتفصل «أين» حيث تكون «ما» مختلفة الأقسام في الوصف الذي بعدها، مثل: أَيْنَ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ [الشعراء: ٩٢] أَيْنَ ما ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ [آل عمران: ١١٢] وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ [الحديد: ٤].
٥ - ومنه «بئسما» موصول، إلا ثلاثة أحرف: اثنان في البقرة:
стр. 179
بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ [البقرة: ٩٠] بِئْسَما يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمانُكُمْ [البقرة: ٩٣].
بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي [الأعراف: ١٥٠].
فحرف «ما» ليس فيه تفصيل، لأنه بمعنى واحد في الوجود من جهة كونه باطلا مذموما، على خلاف حال «ما» في المائدة: وَتَرى كَثِيراً مِنْهُمْ يُسارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ [المائدة: ٦٢]، فحرف «ما» يشتمل على الأقسام الثلاثة التي ذكرت قبل. وكذلك: لَبِئْسَ ما قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ [المائدة: ٨٠] حرف «ما» مفصول، لأنه يشمل ما بعده من الأقسام.
٦ - ومنه: يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ [الذاريات: ١٣]، يَوْمَ هُمْ بارِزُونَ [غافر: ١٦] حرفان، فصل الضمير منهما لأنه مبتدأ، وأضيف «اليوم» إلى الجملة المنفصلة عنه.
يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ [الطور: ٤٥] و: يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ [الزخرف: ٨٣]، وصل الضمير لأنه مفرد، فهو جزء الكلمة المركبة من «اليوم» المضاف والضمير المضاف إليه.
٧ - ومنه «في ما» مفصول أحد عشر حرفا:
فِي ما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ [البقرة: ٢٤٠]، وذلك لأن «ما» يقع على فرد واحد «من» أنواع ينفصل بها المعروف في الوجود «وما» على البدلية أو الجمع، يدل على ذلك تنكيره «المعروف» ودخول حرف التبعيض عليه، فهو حسّي يقسم، وحرف «ما» وقع على كل واحد منهما على البدلية أو الجمع، وأما قوله: فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ [البقرة: ٢٣٤]، فهذا موصول لأن «ما» واقعة على شيء واحد غير مفصل، يدلك عليه وصفه بالمعروف.
стр. 180
وكذلك: فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خالِدُونَ [الأنبياء: ١٠٢] وهو مفصل، لأن شهوات الأنفس مختلفة أو مفصلة في الوجود. وكذلك فتدبره في سائرها.
٨ - ومنه: لِكَيْلا موصول في ثلاثة مواضع، وباقيها منفصل، وإنما يوصل حيث يكون حرف النفي دخل على معنى كلي فيوصل، لأن نفي الكلي نفي لجميع جزئياته، فعلة نفيه هي علة نفي أجزائه، وليس للكلي المنفي أفراد في الوجود، وإنما ذلك فيه بالتوهم، ويفصل حيث يكون حرف النفي دخل على جزئي، فإن نفي الجزئي لا يلزم منه نفي الكلي، فلا تكون علته علة لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً [الحج: ٥]، لِكَيْلا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ [الأحزاب: ٥٠].
لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ [الحديد: ٢٣].
فهذه هي الموصولة، وهي بخلاف لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً [النحل: ٧٠] في النحل، لأن الظرف في هذا خاص الاعتبار، وهو في الأول عام الاعتبار لدخول «من» عليه، وهذا كقوله تعالى في أهل الجنة في:
قالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنا مُشْفِقِينَ [الطور: ٢٦]، اختص المظروف بقبل في الدنيا، ففيها كانوا مشفقين خاصة. وقال تعالى: إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ [الطور: ٢٦] فهذا الظرف عام لدعائهم بذلك في الدنيا والآخرة فلم يختص الظروف بقبل بالدنيا.
وكذلك: لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْواجِ أَدْعِيائِهِمْ إِذا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً [الأحزاب: ٣٧] فهذا المنفي هو حرج مقيد بظرفين.
وكذلك: كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِياءِ مِنْكُمْ [الحشر: ٧] فهذا النفي هو كون: ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى [الحشر: ٧] دولة بين الأغنياء من المؤمنين، وهذه قيود كثيرة.
стр. 181
٩ - ومن ذلك «هم» ونحوه من الضمائر تدل على جملة المسمى من غير تفصيل، والإضمار حال لا صفة وجود، فلا يلزمها التقسيم الوجودي إلا الوهمي والخطأ بما يرسم على العلم الحق.
١٠ - ومن ذلك «مال» أربعة أحرف مفصولة، وذلك أن اللام وصلة إضافية، فقطعت حيث تقطع الإضافة في الوجود:
فأولها: فَمالِ هؤُلاءِ الْقَوْمِ [النساء: ٧٨]، وهذه الإشارة للفريق الذين نافقوا من القوم الذين قيل: كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ [النساء: ٧٧] فقطعوا وصل السيئة بالحسنة في الإضافة إلى الله ففرقوا بينهما، كما أخبر سبحانه والله قد وصل ذلك وأمر به في قوله: قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فقطعوا في الوجود ما أمر الله به أن يوصل، فقطع لام وصلهم في الخط علامة لذلك.
وفيه تنبيه على أن الله يقطع وصلهم بالمؤمنين، وذلك في يوم الفصل:
يَوْمَ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ [الحديد: ١٣] والثاني: وَيَقُولُونَ يا وَيْلَتَنا مالِ هذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً [الكهف: ٤٩].
وهؤلاء قطعوا بزعمهم وصل جعل الموعد لهم بوصل إحصاء الكتاب، وعدم مغادرته لشيء من أعمالهم في إضافتها إلى الله، فلذلك ينكرون على الكتاب في الآخرة، ودليل ذلك ظاهر من سياق خبرهم في تلك الآيات من الكهف.
والثالث: وَقالُوا مالِ هذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ [الفرقان: ٧] فقطعوا وصل الرسالة لأكل الطعام فأنكروا فقطعوا قولهم هذا ليزول اعتقادهم أنه رسول. فقطع اللام علامة لذلك.
والرابع: فَمالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ [المعارج: ٣٦] هؤلاء الكفار تفرقوا جماعات مختلفة، كما يدل عليه: عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ عِزِينَ [المعارج: ٣٧]
стр. 182
قطعوا وصلهم في قلوبهم بمحمد ﷺ ، فقطع الله طمعهم في دخول الجنة، ولذلك قطعت اللام علامة عليه.
١١ - ومن ذلك: ابْنَ أُمَّ في الأعراف مفصول، على الأصل:
(يبنؤمّ) [طه: ٩٤] موصول لسر لطيف، وهو أنه لما أخذ موسى برأس أخيه اعتذر إليه فناداه من قرب على الأصل الظاهر في الوجود، ولما تمادى ناداه بحرف النداء، ينبهه لبعده عنه في الحال، لا في المكان، مؤكدا لوصلة الرحم بينهما بالربط، فلذلك وصل في الخط، ويدل عليه نصب «الميم» ليجمعها الاسم بالتعميم.
١٢ - ومن ذلك ستة أحرف لا توصل بما بعدها، وهي: الألف، والواو، والدال، والذال، والراء، والزاي، لأنها علامات لانفصالات ونهايات، وسائر الحروف توصل في الكلمة الواحدة.
стр. 183
فصل في بعض حروف الإدغام
١ - فمنه: عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ [الأعراف: ١٦٦] فرد ظهر فيه النون وقطع عن الوصل، لأن معنى «ما» عموم كلي تحته أنواع مفصلة في الوجود غير متساوية في حكم النهي عنها، ومعنى «عن» المجاوزة، والمجاوزة للكلي مجاوزة لكل واحد من جزئياته، ففصل علامة لذلك.
٢ - وكذلك: «من ما» ثلاثة أحرف مفصولة لا غير فَمِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ [النساء: ٢٥]، هَلْ لَكُمْ مِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ [الروم: ٢٨]، وَأَنْفِقُوا مِنْ ما رَزَقْناكُمْ [المنافقون: ١٠].
وحرف «ما» في هذه كلها مقسم في الوجود بأقسام منفصلة غير متساوية في الأحكام، وهي بخلاف قوله: مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ [البقرة: ٧٩]، فإنها وإن كان تحتها أقسام كثيرة فهي غير مختلفة في وصفها بكتب أيديهم، فهو نوع واحد يقال على معنى واحد من تلك الجهة هو في إفراده بالسوية.
٣ - وكذلك: «أم من» بالفصل، أربعة أحرف لا غير:
أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا [النساء: ١٠٩]، أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ [التوبة: ١٠٩]، أَمْ مَنْ خَلَقْنا [الصافات: ١١]، مَنْ يَأْتِي آمِناً يَوْمَ الْقِيامَةِ [فصلت: ٤٠] فهذه الأربعة الأحرف «من» فيها تقسم في الوجود أنواع مختلفة في الأحكام بخلاف غيرها مثل: أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وَجْهِهِ أَهْدى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا [الملك: ٢٢] فهذا موصول، لأنه من نوع واحد حيث يمشي
على صراط مستقيم. وكذا: أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَراراً [النمل: ٦١]، لا تفاصل تحتها في الوجود.
стр. 184
٤ - وكذلك: «عن من» مفصول:
حرفان: عَنْ مَنْ يَشاءُ [النور: ٤٣]، عَنْ مَنْ تَوَلَّى [النجم: ٢٩] حرف «من» فيهما كلي وحرف «عن» للمجاوزة، والمجاوزة عن الكلي مجاوزة لجميع جزئياته دون العكس، فلا وصلة بين الجزءين في الوجود فلا يوصلان في الخط.
٥ - وكذلك «ممن» موصول كله لأن «من» بفتح الميم جزئي بالنسبة إلى «ما» فمعناه «أزيد» من جهة المفهوم، ومعنى «ما» أزيد من جهة العموم، والزائد من جهة المفهوم منفصل وجودا بالحصص، والحصة منه لا تنفصل، والزائد من جهة المفهوم لا ينفصل وجودا.
٦ - وكذلك: وَإِنْ ما نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ [الرعد: ٤٠] فرد مفصول، ظهر فيها حرف الشرط في الخط لوجهين: أحدهما: أن الجواب المرتب عليه بالفاء ظاهر في موطن الدنيا، وهو البلاغ، بخلاف قوله:
فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ [غافر: ٧٧] فإنه أخفى فيه حرف الشرط في الخط لأن الجواب المرتب عليه بالفاء خفي عنها، وهو الرجع إلى الله. والثاني: أن القصة الأولى منفصلة من الشرط وجوابه، وانقسم الجواب إلى جزءين:
أحدهما: الترتيب بالفاء وهو البلاغ، والثاني: المعطوف وهو الحساب.
وأحدهما: في الدنيا، والآخر في الآخرة. والأول: ظاهر لنا، والثاني:
خفي عنا.
وهذا الانقسام صحيح في الوجود، فقد انقسمت هذه الشرطية إلى شرطين لانفصال جوابها إلى قسمين متغايرين، ففصل حرف الشرط علامة لذلك، وإذا انفصلت لزم كتبه على الوقف، والشرطية الأخرى لا تنفصل، بل هي واحدة لإيجاد جوابها، فانفصال حرف الشرط علامة لذلك.
٧ - وكذلك: فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا [القصص: ٥] فرد في القصص ثابت
стр. 185
النون، فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا [هود: ١٤] فرد بغير نون، أظهر حرف الشرط في الأول لأن جوابه المترتب عليه بالفاء هو: فَاعْلَمْ [القصص: ٥٠] متعلق بشيء ملكوتي ظاهر، سفلي وهو اتباعهم أهواءهم، وأخفى في الثاني لأن جوابه المترتب عليه بالفاء هو علم متعلق بشيء ملكوتي خفي، علوي وهو إنزال القرآن بالعلم والتوحيد.
٨ - ومن ذلك: «أن لن» كله مفصول إلا حرفان: أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِداً [الكهف: ٤٨] أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ [القيامة: ٣] سقطت النون منهما في الخط تنبيها على أن ما زعموا وحسبوا هو باطل في الوجود وحكم ما ليس بمعلوم نسبوه إلى الحي القيوم، فأدغم حرف توكيدهم الكذب في حرف النفي السالب هو، بخلاف قوله: زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا [التغابن: ٧] فهؤلاء لم ينسبوا ذلك لفاعل، إذ ركب الفعل لما لم يسم فاعله، وأقيموا فيه مقام الفاعل، فعدم بعثهم تصوروه من أنفسهم، وحكموا به عليها توهما، فهو كاذب من حيث حكموا به على مستقبل الآخرة، ولكونه حقا بالنسبة إلى دار الدنيا الظاهرة ثبت التوكيد ظاهرا وأدغم في حرف النفي من حيث الفعل المستقبل الذي هو فيه كاذب.
٩ - ومن ذلك كل ما في القرآن «أن لا» فهو موصول إلا عشرة مواضع فهي مفصولة تكتب النون فيها باتفاق، وذلك حيث ظهر في الوجود صحة توكيد القضية ولزومها:
أولها: أَنْ لا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ [الأعراف: ١٠٥]، أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ [الأعراف: ١٦٩]. وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ [التوبة: ١١٨] وَأَنْ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ [هود: ١٤]، و: أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخافُ [هود: ٢٦] أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً [الحج: ٢٦] أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ [يس: ٦٠] وَأَنْ لا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ [الدخان: ١٩] أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئاً [الممتحنة: ١٢] أَنْ لا يَدْخُلَنَّهَا [القلم: ٢٤]. وواحد فيه خلاف أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ [الأنبياء: ٨٧].
стр. 186
فتأمل كيف صح في الوجود هذا التوكيد الأخير، فلم يدخلها عليهم مسكين على غير ما قصدوا وتخيلوا فيه. وكذلك لام التعريف المدغمة في اللفظ في مثلها أو غيرها، لما كانت للتعريف- وشأن المعرف أن يكون أبين وأظهر، لا أخفى وأستر- ظهرت في الخط، ووصلت بالكلمة، لأنها صارت جزءا منها من حيث هي معرفة بها، هذا هو الأصل، وقد حذف حيث يخفى معنى الكلمة مثل «الليل» فإنه بمعنى مظلم لا يوضّح الأشياء بل يسترها ويخفيها، وكونه واحدا إما للجزئي أو للجنس فأخفي حرف تعريفه في مثله، فإن تعين للجزئي بالتأنيث رجع إلى الأصل. ومثل «الذي» و «التي» وتثنيتهما وجمعهما، فإنه مبهم في المعنى والكم، لأن أول حده للجزئي وللجنس وكثيرة للثلاث أو غيرها، ففيه ظلمة الجهل كالليل، ومثل للجزئي في الإيجاب، فإن لام التعريف دخلت على «لا» النافية وفيها ظلمة العدم كالليل، ففي هذه الظلمات الثلاث يخفى حرف التعريف وكذلك «الأيكة» نقلت حركة همزتها على لام التعريف وسقطت همزة الوصل لتحريك اللام، وحذفت ألف عضد الهمزة ووصل اللام، فاجتمعت الكلمتان، فصارت «ليكة» علامة على اختصار وتلخيص وجمع في المعنى، وذلك في حرفين: أحدهما: في الشعراء جمع فيه قصتهم مختصرة وموجزة في غاية البيان، وجعلها جملة، فهي آخر قصة في السورة بدليل قوله إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً [الشعراء: ٨] فأفردها، والثاني في ص، جمع الأمم فيها بألقابهم وجعلهم جهة واحدة، هم آخر أمة فيها، ووصف الجملة، قال تعالى:
أُولئِكَ الْأَحْزابُ [ص: ١٣]، وليس الأحزاب وصفا لكل منهم، بل هو وصف جميعهم.
وجاء بالانفصال على الأصل حرفان نظير هذين الحرفين: أحدهما:
وَإِنْ كانَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ لَظالِمِينَ [الحجر: ٧٨].
أفردهم في الذكر والوصف. والثاني: وَأَصْحابُ الْأَيْكَةِ [ص: ١٣] جمعوا
стр. 187
فيه مع غيرهم، ثم حكم على كل منهم لا على الجملة، قال تعالى: كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ [ق: ١٤]، فحيث يعتبر فيهم التفضيل فصل لام التعريف، وحيث يعتبر فيهم التوصيل وصل للتخفيف.
وكذلك لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً [الكهف: ٧٧] حذفت الألف ووصلت، لأن العمل في الجدار قد حصل في الوجود، فلزم عليه الأجر واتصل به حكما بخلاف: لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا [الإسراء: ٧٣] ليس فيه وصلة اللزوم».
انتهى كلام العلامة الزركشي
стр. 188
بيان بعدد حروف الهجاء في القرآن الكريم من كتاب نهايات البيان في علوم القرآن للشيخ ظفر علي
الحرف/ العدد/ الحرف/ العدد/ الحرف/ العدد/ الحرف/ العدد الألف/ ٣٨٢٨٣/ الهمزة/ ٢٨٧١٨/ الباء/ ١١٤٩٠/ التاء/ ١٢٨٦٤ الثاء/ ١٤١٤/ الجيم/ ٣٣١٧/ الحاء/ ٤١٣٨/ الخاء/ ٢٤٩٢ الدال/ ٥٩٩١/ الذال/ ٤٩٣٢/ الراء/ ١٢٤٠١/ الزاي/ ١٥٩٩ السين/ ٦٠١٠/ الشين/ ٢٤٢١/ الصاد/ ٢٠٧٢/ الضاد/ ١٦٨٧ الطاء/ ١٢٧٦/ الظاء/ ٨٥٠/ العين/ ٩٤٠٥/ الغين/ ١٢٢١ الفاء/ ٨٧٤٦/ القاف/ ٧٠٣٤/ الكاف/ ١٠٤٩٧/ اللام/ ٣٨٠٩٨ الميم/ ٢٦٨٣٢/ النون/ ٢٧٢٦٩/ الهاء/ ١٤٨٤٩/ الواو/ ٢٤٨١٦ الياء/ ٢١٩٦٤
стр. 189
عدد سور القرآن الكريم/ ١١٤ سورة عدد كلمات القرآن الكريم/ ٧٧٤٣٩ كلمة عدد حروف القرآن الكريم/ ٣٢٣٠١٥ حرفا عدد آيات القرآن الكريم/ ٦٢٣٦ آية/ ٨ أنصاف/ نصفه بالحروف النون من كلمة نكرا بالكهف وقيل الفاء من يتلطف عدد أنصاف القرآن الكريم/ نصفه بالكلمات كلمة والجلود في سورة الحج/ نصفه بالآيات يأفكون بالشعراء/ ونصفه على عدد السور الحديد
стр. 190
استدل بعضهم على أن عمر المسيح/ ٣٣/ سنة قبل أن يرفع إلى السماء بعدد الكلمات بقوله تعالى:
قال/ إني/ عبد/ الله/ آتاني/ الكتاب/ وجعلني/ نبيا/ وجعلني/ مباركا/ أين ١/ ٢/ ٣/ ٤/ ٥/ ٦/ ٧/ ٨/ ٩/ ١٠/ ١١ ما/ كنت/ وأوصاني/ بالصلاة/ والزكاة/ ما دمت/ حيا/ وبرا/ بوالدتي/ ولم/ يجعلني ١٢/ ١٣/ ١٤/ ١٥/ ١٦/ ١٧/ ١٨/ ١٩/ ٢٠/ ٢١/ ٢٢ جبارا/ شقيا/ والسلام/ علي/ يوم/ ولدت/ ويوم/ أموت/ ويوم/ أبعث/ حيا ٢٣/ ٢٤/ ٢٥/ ٢٦/ ٢٧/ ٢٨/ ٢٩/ ٣٠/ ٣١/ ٣٢/ ٣٣
стр. 191
تقسيم سور القرآن
تقسيم إلى أربعة أقسام: طوال- مئين- مثاني ومفصل.
١ - الطوال عددها سبع، وهي: (البقرة- آل عمران- النساء- المائدة- الأنعام- الأعراف)، وقيل: السابعة الأنفال وبراءة معا وقيل يونس.
٢ - المئون: وهي كل سورة تزيد آياتها على مائة أو تقاربها.
٣ - المثانيك: وهي تليها في عدد الآيات وتقع بين المئين والمفصل وسميت بذلك لأنها تثنى أو تكرر بالقراءة أكثر من المئين والطوال.
٤ - المفصل وسمي بذلك لكثرة الفصل بين سوره بالبسملة أو لأنه فصل قاطع فلا يوجد فيه نسخ أوله/ ق/ أو الحجرات وآخره سورة الناس.
ويقسم إلى ثلاثة أقسام أيضا:
- طويل:
من أوله/ ق/ أو الحجرات إلى عم أو البروج.
- وسط:
من عم أو البروج إلى الضحى.
- قصير:
من الضحى إلى الناس.
فائدة هذا التقسيم: لتيسير الحفظ على الناس وإعانتهم على القراءة.
стр. 192
فضل آية الكرسي
أ- في الصحيحين عن أبيّ بن كعب ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ : «أي آية في كتاب الله أعظم؟»، قلت: الله ورسوله أعلم.
قال: «يا أبي أتدري أيّ آية في كتاب الله أعظم؟». قال قلت: اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ [البقرة: ٢٥٥]. قال: فضرب في صدري، وقال: «ليهنك العلم أبا المنذر».
ب- عن أبي هريرة ﵁ قال: «سيد آي القرآن آية الكرسي» أخرجه الحاكم.
ج- وفي الترمذي مرفوعا غريبا: «لكل شيء سنام وسنام القرآن سورة البقرة فيها آية الكرسي».
د- قال ابن العربي: «إنما صارت آية الكرسي أعظم لعظم مقتضاها.
فإن الشيء إنما يشرف بشرف ذاته ومقتضاه ومتعلقاته. وهي في آي القرآن ك: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص: ١] في سوره. وهذه آية فسورة الإخلاص اقتضت التوحيد في خمسة عشر حرفا «كلمة»، وآية الكرسي اقتضت التوحيد في خمسين حرفا فظهرت القدرة في الأعجاز بوضع معنى معبر عنه مكتوب مدده سبعة الأبحر لا ينفد عدد حروفه خمسون كلمة. ثم يعبر عن معنى الخمسين خمسة عشر كلمة وذلك كله بيان لعظم القدرة والانفراد بالوحدانية.
البرهان في علوم القرآن الجزء الأول صفحة «٤٤٢»
стр. 193
هـ- اشتملت آية الكرسي على «١٧» موضعا فيها اسم الله ظاهرا أو ملحوظا وهي:
الله/ لا إله إلا هو/ الحي/ القيوم/ ضمير لا تأخذه/ ضمير له ١/ ٢/ ٣/ ٤/ ٥/ ٦ ضمير عنده/ ضمير بإذنه/ ضمير يعلم/ ضمير علمه/ ضمير شاء/ ضمير كرسيه ٧/ ٨/ ٩/ ١٠/ ١١/ ١٢ ضمير يئوده/ وهو/ العلي/ العظيم/ ضمير حفظهما ١٣/ ١٤/ ١٥/ ١٦/ ١٧ ١٧ - ضمير حفظهما عند فك المصدر فنقول ولا يئوده أن يحفظهما «هو» - وروى ابن عينية في جامعه عن أبي صالح عنه: فيها «بسورة البقرة» وهي سنام آي القرآن ولا تقرأ في دار فيها شيطان إلا خرج منها.
стр. 194
الأمثال في القرآن الكريم
١ - روى البيهقي عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «إن القرآن أنزل على خمسة أوجه حلال وحرام ومحكّم ومتشابه وأمثال فاعملوا بالحلال واجتنبوا الحرام واتبعوا المحكم وآمنوا بالمتشابه واعتبروا بالأمثال».
٢ - وحقيقة المثل: إخراج الغامض إلى الظاهر:
ولما للأمثال من فوائد امتن الله علينا بقوله: وَضَرَبْنا لَكُمُ الْأَمْثالَ [إبراهيم: ٤٥]، وبقوله: وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ وَما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ [العنكبوت: ٤٣]، وسمي مثلا لأنه ماثل بخاطر الإنسان أبدا أي:
شاخص فيتأسى به ويتعظ.
٣ - ويأتي المثل بمعنى الصفة كقوله تعالى: وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلى [النحل: ٦٠] وقوله: مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ أُكُلُها دائِمٌ وَظِلُّها تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكافِرِينَ النَّارُ [الرعد: ٣٥].
٤ - والعرض من المثل: تشبيه الخفي بالحسي، والغائب بالشاهد كتشبيه الإيمان بالنور، والكفر بالظلمة.
٥ - ويستعمل المثل لبيان الحال كقوله تعالى: مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ [البقرة: ١٧].
٦ - ويستعمل للوصف: وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلى [النحل: ٦٠] كما مر في الصفحة أعلاه، وكقوله تعالى ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ [الفتح: ٢٩]، وكقوله تعالى: كَمَثَلِ صَفْوانٍ عَلَيْهِ تُرابٌ [البقرة: ٢٦٤].
стр. 195
٧ - قال بعضهم المثل والمثل شيء واحد، وقال آخرون: لو كان المثل والمثل سيان للزم التنافي في قوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى: ١١] وبين وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلى [النحل: ٦٠] فإن الأولى نافية والثانية مثبتة له.
٨ - وقد ضرب الله أمثالا كثيرة في القرآن الكريم. فضرب للمنافقين مثلين: مثلا: بالنار، ومثلا: بالمطر فقال: مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ (١٧) صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ (١٨) أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ [البقرة:
١٧ - ١٩].
٩ - ويقول النبي ﷺ : «إنما مثلي ومثلكم كمثل رجل استوقد نارا فجعل الجنادب والفراشات يقعن فيها وأنا آخذ بحجزكم عن النار وأنتم تفلتون من يدي».
٩ - مثل من أمثال القرآن الكريم وتوضيحه:
١ - قال تعالى: أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رابِياً وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْباطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ [الرعد: ١٧].
في هذه الآية مثلان:
- الأول: أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رابِياً [الرعد: ١٧].
وتوضيح هذا المثل يأتي بعد قليل.
стр. 196
- الثاني: وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ [الرعد:
١٧] ابتغاء حلية كالذهب والفضة والنحاس وغيرها من معادن الأرض فيعلوها الخبث والزبد. وإنما يوقدون عليه ليزول منه ما علق من تراب الأرض وغيره.
والمثلان ضربهما الله للحق والباطل، فالباطل: وإن علا في كسبهن الأحباب يضمحل كالزبد. والحق: كالمعدن الذي يخلص نقيا بعد اختباره بالنار. واكتفي بهذا القدر الموجز عن المثل الثاني لأوضح المثل الأول.
توضح المثل الأول:
أ- هذه الصورة حسية تجري تحت سمع الناس وبصرهم ماء ينزل من السماء فتسيل منه الأودية ويعلوه الزبد. ويطفو على سطحه ويغيب في الأرض قسم منه.
ب- فما المراد بهذه الصورة؟
ليس المقصود بهذه الصورة ظاهرها لأن الله تعالى يقول بالآية: كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْباطِلَ ويقول: كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ.
وأولى من نأخذ عنه تفسير القرآن الكريم رسول الله ﷺ :
فعن أبي موسى ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضا فكان منها نقية قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير. وكان منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا وسقوا وزرعوا وأصاب منها طائفة أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ. فذلك مثل من فقه في دين الله: ونفعه ما بعثني الله به ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به» متفق عليه.
стр. 197
فالرسول ﷺ يشبه ما جاء به من الوحي والعلم بالمطر، وعلى ضوء هذا التفسير النبوي يمكن دراسة المثل في الآية الكريمة.
د- هذا المثل في الآية مؤلف من أربعة عناصر هي:
١ - قد جاءنا من الله علم وهدى مثله كمثل الغيث المبارك.
٢ - الذين جاءهم العلم كالأرض التي نزل عليها الغيث.
٣ - هذا الهدى يجري في أعماق قلوبهم كما يجري الغيث في أعماق الأرض وقلوب الناس تقبل من الهدى حسب طبيعتها بالضيق والسعة كما يقبل كل واد من الغيث حسب ضيقه وسعته.
٤ - لب العبرة في المثل: فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رابِياً [الرعد: ١٧] والزبد رغوة ذات فقاقيع تطفو على سطح الماء ثم لا تلبث أن تزول تاركة تحتها الماء النافع، فالباطل في تفاهته وسرعة زواله كالزبد والحق في أصالته وبقائه كالماء النافع الذي جعل منه الله تعالى كل شيء حي.
هـ- التوسع في توضيح هذا المثل:
- العنصر الأول:
الإنسان مؤلف من جسم وروح فليس من المعقول والحكمة أن ينزل الله للأجسام ما تحتاجه وتتغذى به ويهمل الروح التي هي أهم شيء في هذا الكائن الحي وبذلك تتبدد شبهات الملاحدة الذين ينكرون النبوات ورسالة السماء.
وهذا الذي أنزله الله للقلوب والأرواح مقابل الماء الذي أنزله الله للأجسام والأبدان وهو الوحي: روح القلوب وسر حياتها فإذا سرى الوحي في الأرواح عاشت كما يعيش الجسم إذا سرى فيه الماء، قال تعالى:
وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا [الشورى: ٥٢].
стр. 198
والعنصر الثاني:
إن حياة النفوس بهدى الله تعالى ولا حياة لها بغيره كما أن حياة الأرض بالماء ولا حياة لها بدونه فلا حياة لها بذهب أو فضة أو مال ولا غير ذلك، فبالماء وبالماء فقط تحيا الأرض فالذين يظنون أن تحيا نفوسهم بغير ما أنزل الله من مدنيات أو علوم خالية من الروح، أو يظنونها تحيا بكثرة ما يجمعون من عرض الدنيا إذ لا موت إلا فيما يطلبون ولا حياة إلا فيما يعرضون عنه ويدعون.
قال تعالى:
أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْكافِرِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ [الأنعام: ١٢٢].
فهؤلاء: أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْياءٍ وَما يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ [النحل: ٢١].
ما داموا بعيدين عن مصدر الحق كما تموت الأرض إذا بعدت عن الماء والله ينادينا فيقول: اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [الحديد: ١٧].
وأرض القلوب والنفوس كهذه الأرض التي نعيش عليها. فقد قال قبل هذه الآية:
أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَما نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلُ فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ (١٦) اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها [الحديد: ١٦ - ١٧].
- إن للماء الذي يسري في الأرض شاهدا ملموسا نراه في الزرع والزهر والشجر والثمر فهل بحياة النفوس والقلوب بالوحي من آثار؟ نعم.
ومنها:
стр. 199
١ - الشعور بالرضا والغبطة فليس للكم القليل أو الكثير حساب في غبطته ورضاه وإنما هو سر نبع في وجدانه من عالم غير عالم الكميات التي يحيط بها العد ويقدرها الكيل والميزان. فهو سعيد بغير سبب من أسبابنا المنظورة.
٢ - أن يشعر بيسر ما يلقى عليه من أعباء الحياة: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً [الطلاق: ٤].
لأنه لا يعمل بطاقته الظاهرة فقط بل بمدد من الطاقة الروحية أيضا.
٣ - يحل في نفسه حب الفضيلة وبغض الرذيلة وتتلاشى في نظره الفوارق الاجتماعية.
٤ - يجعل حب الدنيا في يده فيضمها ويقبضها متى شاء ولا يجعلها بقلبه وبذلك يسيطر على الشهوات ولا تسيطر عليه الشهوات فيكون عبدا لها، فهو سيد على ماله لا عبدا له قال تعالى:
زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعامِ وَالْحَرْثِ ذلِكَ مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ [آل عمران: ١٤].
٥ - ليست الحياة في نظر من يؤمن بالوحي صراعا على حطام الدنيا، وليست شهوة حسية بل هي عبودية مطلقة لله تعالى، من خلق كريم وتضحية وجهاد وإيثار وشجاعة وعند ذلك يكون هذا الكائن الحي هو الزرع المبارك الكريم، الذي ينبت في أرض بشريتنا كما نبت قديما برعاية الرسول ﷺ في بشرية الصحابة رضوان الله عليهم، حين سقيت وهي ميتة بوحي الله العظيم. فأصبحوا كما قال الله فيهم:
كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ [الفتح: ٢٩].
стр. 200
ز- العنصر الثالث:
إن الأودية تختلف سعة وضيقا، فأعظمها شأنا أكثرها ماء. وأبعدها عمقا واتساعا، وأصلحها لإمداد الأرض بالماء. وثمرة ذلك كثرة الثمار والأشجار على جانبيه وامتداد الحقول والبساتين من حوله. وكذلك الناس تتفاوت قلوبهم في تقبل أمر الله، فمنهم من يمتلئ ويتقبل الكثير، ومنهم من يقبل دون ذلك أو لا يتسع لما يتسع له الأول. وعلى هذا تتفاوت أقدار الناس. فأعلاهم قدرا أكثرهم إحاطة ووعيا لما أنزله الله، وأعظمهم إفاضة على العباد ونفعا لهم. وثمرة ذلك أن تينع شجرة التقوى في القلب وتستفيض دائرة الهدى والخير من حوله وتهوى أفئدة الناس إلى منهاجه والاقتداء به. وكان رسول الله ﷺ يفرح بكثرة أتباعه ويفخر بهم ويحث على أن يتكاثروا، هذا ولكل واد طاقة يتقبل الماء بقدرها فإذا أمد بما فوق طاقته كان طغيانا وفيضانا وتخريبا وتدميرا وإتلافا. كذلك لكل نفس طاقة تقف عندها في تقبل هدى الله وعلمه فإذا أراد المرء أن يحمل فوق طاقته تمزق بالسأم والصد عن الله.
«إن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق فإن المنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى».
فقلوب العباد بين إصبعين من أصابع الرحمن إن شاء أزاغها وإن شاء أقامها، مثل ذلك في قوله تعالى: إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ [القصص: ٥٦]، والوادي قبل أن يأتيه السيل يكون جافا ممتلئا بالقش وغير ذلك، فإذا أتاه السيل أخذ ذلك وأصبح الوادي طريا وطفا القش والأوراق على سطح الماء. وكذلك هدى الله إذا جرى في قلوب العباد طهرها وأزال ما فيها من أكدار الطبائع ودنسها فلا يبقى شيء منها في القلوب، بل تطفو متخذة سبيلها إلى الزوال السريع.
стр. 201
ح- العنصر الرابع:
الزبد رغوة ذات فقاقيع تظهر على وجه الماء حين يخضه الجريان أو حين يضطرب لسبب ما ولا تلبث أن تذهب رغوته إلى لا شيء وموقع الزبد في هذا المثل صورة دقيقة لموقع الباطل إلى جانب الحق في قوله:
كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْباطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ [الرعد: ١٧] فالزبد: هو الباطل، والأودية قلوب الناس والماء هو الوحي.
ط- الزبد وعناصر تكوينه:
ليس الزبد عنصرا من عناصر الماء وإن وجد على سطحه وهو ظاهرة عابرة عارضة. غازات وهباء وليونته وطراوته مستمدة من الماء، فهو لا شيء. وكذلك شأن الباطل إلى جانب الحق. فالحق جوهر الأصالة لكل شيء في الوجود. والباطل لا أصل له. ونسبته إلى الحق كنسبة فقاعة الزبد إلى الماء فهو غرور الأهواء يحاول أن يبدو للناس في أثواب الأصالة التي يبدو فيها الحق فينخدع بذلك أهل الغفلة وقصار النظر. والعقبى للحق الذي يتضمن عناصر البقاء. وإذا كانت فقاعة الزبد تستعير ليونة الماء لتستر لا شيء، وهكذا الباطل يدعم وجوده إنما يحاول دعم لا شيء. فهو هيّن كهوان الفقاعة المتطايرة الضائعة، وإذا أخذت حفنة كبيرة من هذا الزبد لا فقاعة واحدة. فانظر ماذا يبقى بكفك من هذا الهباء الذي يتألف من الزبد.
ي- الباطل في نظر أهل الحق:
ليس للباطل فائدة وليس له قوة فإزالته كزوال الزبد إذا أخذته بكفك من الماء. وإلى هذا يشير القرآن الكريم.
لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ (١٩٦) مَتاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهادُ [آل عمران: ١٩٦ - ١٩٧] ..
стр. 202
ك- أهواء الباطل وغازات الزبد:
هذه الغازات تكونت من عفونة أجسام تحللت وفسدت ببعض عوامل التحليل والفساد. وبهذه الغازات كثر الزبد وكبرت فقاعاته. وهذه الغازات يقابلها أهواء المرء وشهواته، فإذا كانت الغازات هي العامل الأساسي في تكوين الزبد فالأهواء والشهوات هي العامل الأساسي لوجود كل باطل على ظهر هذه الأرض. فأي شيء في الإنسان ضربه العفن والفساد؟ لقد جاء العفن منذ أن خلقه الله من طين خسيس بالأصل المكنون بالحمإ المسنون والماء المتجدد يطهر العفن ويزيله كماء الوادي. وكذلك الوحي، يزيل العفن من نفوسنا ويطهرنا، ففطرنا على الإيمان بالله.
ل- التقاء الزبد والباطل:
١ - كل منها ظاهرة عارضة ضائعة الأصل والنسبة.
٢ - كل منها شيء لا نفع له ولا ثمرة ينتهي إليها.
٣ - كل منها سريع التحول والزوال لا استقرار له ولا دوام.
١٠ - مثل من السنة وتوضيحه واختم هذا المثل بمثل من السنة المطهرة لبيان تقريب المعاني الذهنية إلى الفهم عن طريق الأمثال ولبيان بلاغة الرسول ﷺ .
قال رسول الله ﷺ : «إن الله أمر يحيى بن زكريا بخمس كلمات أن يعمل بها ويأمر بني إسرائيل أن يعملوا بها، وأنه كاد أن يبطئ بها فقال عيسى ﵇: إن الله تعالى أمرك بخمس كلمات لتعمل بها وتأمر بني إسرائيل أن يعملوا بها. فإما أن تأمرهم وإما أن آمرهم».
فقال يحيى: أخشى إن سبقتني أن يخسف بي أو أعذب. فجمع الناس في بيت المقدس، فامتلأ المسجد وقعدوا على الشرف. فقال: إن الله تبارك
стр. 203
وتعالى أمرني بخمس كلمات أن أعمل بهن وآمركم أن تعملوا بهن:
- أولاهن أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا، وإن مثل من أشرك بالله كمثل رجل اشترى عبدا من خالص ماله بذهب أو ورق فقال: هذه داري وهذا عملي فاعمل وأدّ إليّ فكان يعمل ويؤدي إلى غير سيده فأيكم يرضى أن يكون عبده كذلك.
- وإن الله يأمركم بالصلاة. فإذا صليتم فلا تلتفتوا فإن الله ينصب وجهه لوجه عبده في صلاته ما لم يلتفت.
- وآمركم بالصيام فإن مثل ذلك كمثل رجل في عصابة معه صرة فيها مسك، فكلهم يعجب ويعجبه ريحه وإن ريح الصائم أطيب عند الله تعالى من ريح المسك.
- وآمركم بالصدقة فإن مثل ذلك كمثل رجل أسره العدو فأوثقوا يده إلى عنقه وقدموه ليضربوا عنقه، فقال: أنا أفدي نفسي منكم بالقليل ولكثير ففدى نفسه منهم.
- وآمركم أن تذكروا الله تعالى فإن مثل ذلك كمثل رجل خرج العدو في إثره سراعا حتى أتى على حصن حصين فأحرز نفسه منهم. كذلك العبد لا يحرز نفسه من الشيطان إلا بذكر الله». رواه أحمد والترمذي.
стр. 204
من قصص القرآن الكريم
أولا: تعريف القصص:
القصص لغة تتبع الأثر والقصص يأتي بمعنى المصدر كما في سورة الكهف فَارْتَدَّا عَلى آثارِهِما قَصَصاً [الكهف: ٦٤]، أي: رجعا يقصان الأثر الذي جاءا به. وفي التنزيل على لسان أم موسى: وَقالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ [قصص: ١١] أي تتبعي أثره.
والقصص: الأخبار المتتبعة: إِنَّ هذا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ [آل عمران: ٦٢].
وقوله تعالى: لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ [يوسف: ١١١].
وقصص القرآن الكريم: إخباره عن الأنبياء والأمم الماضية والحوادث الواقعة.
ثانيا: أنواع القصص القرآنية:
١ - الإخبار عن الأنبياء السابقين وما جرى لهم مع أممهم كقصة موسى وصالح وهود وشعيب وغيرهم.
٢ - قصص غير الأنبياء كأصحاب الكهف وذي القرنين وقارون وأصحاب الأخدود.
٣ - قصص تتعلق بالحوادث التي وقعت للرسول ﷺ كحديث الإفك، وغزوة بدر، وأحد، والخندق، وتبوك. وحادثتي الهجرة والإسراء والمعراج.
стр. 205
ثالثا:
القصص القرآني حقائق تاريخية قاطعة لا خيالات متصورة مسبوكة: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ [الكهف: ١٣].
إِنَّ هذا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ [آل عمران: ٦٢].
نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ [القصص: ٣].
رابعا: فوائد القصص القرآني:
أ- تثبيت قلب الرسول ﷺ عند ما يحدثه القرآن الكريم عما لاقاه الرسل قبله من أذى، وكيف كانت لهم العاقبة.
ب- إيضاح أسس الدعوة إلى الله.
ج- تصديق الأنبياء السابقين.
د- صدق نبوة محمد ﷺ .
هـ- مقارعة أهل الكتاب بالحجة والبرهان، كقوله تعالى:
كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرائِيلَ إِلَّا ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ [آل عمران: ٩٣].
خامسا: تكرار القصص القرآني:
القصة الواحدة يتعدد ذكرها في القرآن الكريم وتعرض في سور مختلفة تقديما وتأخيرا وإطنابا وإيجازا لبيان بلاغة القرآن الكريم وقوة إعجازه ولتتمكن القصة من النفوس. ولاختلاف الغاية التي تساق القصة من أجلها.
стр. 206
قصة من قصص القرآن الكريم
وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ وَسُلَيْمانَ عِلْماً وَقالا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنا عَلى كَثِيرٍ مِنْ عِبادِهِ الْمُؤْمِنِينَ (١٥) وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ وَقالَ يا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ (١٦) وَحُشِرَ لِسُلَيْمانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (١٧) حَتَّى إِذا أَتَوْا عَلى وادِ النَّمْلِ قالَتْ نَمْلَةٌ يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (١٨) فَتَبَسَّمَ ضاحِكاً مِنْ قَوْلِها وَقالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبادِكَ الصَّالِحِينَ (١٩) وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقالَ ما لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كانَ مِنَ الْغائِبِينَ (٢٠) لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذاباً شَدِيداً أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ (٢١) فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقالَ أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ (٢٢) إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَها عَرْشٌ عَظِيمٌ (٢٣) وَجَدْتُها وَقَوْمَها يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ (٢٤) أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ ما تُخْفُونَ وَما تُعْلِنُونَ (٢٥) اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٢٦) قالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكاذِبِينَ (٢٧) اذْهَبْ بِكِتابِي هذا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ ماذا يَرْجِعُونَ (٢٨) قالَتْ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ (٢٩) إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (٣٠) أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (٣١) قالَتْ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي ما كُنْتُ قاطِعَةً أَمْراً حَتَّى تَشْهَدُونِ (٣٢) قالُوا نَحْنُ أُولُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي ماذا تَأْمُرِينَ (٣٣) قالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوها
стр. 207
وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِها أَذِلَّةً وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ (٣٤) وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَناظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ (٣٥) فَلَمَّا جاءَ سُلَيْمانَ قالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمالٍ فَما آتانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ (٣٦) ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِها وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْها أَذِلَّةً وَهُمْ صاغِرُونَ (٣٧) قالَ يا أَيُّهَا الْمَلَؤُا أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِها قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (٣٨) قالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ (٣٩) قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قالَ هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ (٤٠) قالَ نَكِّرُوا لَها عَرْشَها نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ (٤١) فَلَمَّا جاءَتْ قِيلَ أَهكَذا عَرْشُكِ قالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِها وَكُنَّا مُسْلِمِينَ (٤٢) وَصَدَّها ما كانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّها
كانَتْ مِنْ قَوْمٍ كافِرِينَ (٤٣)
قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ ساقَيْها قالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوارِيرَ قالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ [النمل: ١٥ - ٤٤].
لا أريد أن أسرد هذه القصة فهي مبسوطة وموضحة في كتب التفسير وبما أن في القصص عبرة فسأوضح بعض هذه العبر.
أولا:
في هذه القصة تقرير القواعد الأصلية المادية والروحية لقيام الدولة الفاضلة، وهي:
أ- القوة . ب- العلم. ج- الرسالة. د- إيمان الرئيس الأعلى وعنايته بكل شيء. هـ- إيمان أفراد الشعب برسالة الدولة.
أ- القوة:
تجمع قوة الأبدان وكثافة الجنود المدربين ووفرة الأسلحة:
وَحُشِرَ لِسُلَيْمانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ [النمل: ١٧]
стр. 208
يدفعون حفظا لنظامهم والبقاء على تنظيم صفوفهم لكثرتهم فهم من كل الأجناس من الجن والإنس والطير، وهذا الجيش الذي لا مثيل له ولا نظير يبعث الرعب في النفوس حتى النمل تخاف منه:
حَتَّى إِذا أَتَوْا عَلى وادِ النَّمْلِ قالَتْ نَمْلَةٌ يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ [النمل: ١٨].
ويعرف سليمان ﵇ قوة جيشه فيقول للهدهد:
ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِها وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْها أَذِلَّةً وَهُمْ صاغِرُونَ [النمل: ٣٧].
تصوير رائع في كلام موجز لم يترك ناحية من نواحي الجند إلا ألم بها. كثرة العدد والنظام والقوة بتعدد الأجناس- إلقاء الرعب في قلوب المخلوقات حتى التي لم يقصدها الجيش كالنمل فهو جمد مظفر بإذن رب العالمين.
ب- العلم:
وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ وَسُلَيْمانَ عِلْماً وَقالا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنا عَلى كَثِيرٍ مِنْ عِبادِهِ الْمُؤْمِنِينَ (١٥) وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ وَقالَ يا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ [النمل: ١٥ - ١٦].
وهذه الوراثة وراثة علم لا وارثة مال وفي الحديث: «نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة»، والتفاهم مع الطير وتعلم منطقها علم لم تتوصل إليه البشرية إلى اليوم. وهو علم اللغات والعلم من كل شيء.
ومنطق الطير نجده في حواره مع الهدهد. حتى كان يفهم ما تقوله الحشرات كالنملة التي تحدثت مثلا، فقالت:
يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ
стр. 209
(١٨) فَتَبَسَّمَ ضاحِكاً مِنْ قَوْلِها وَقالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبادِكَ الصَّالِحِينَ [النمل: ١٨ - ١٩].
- وأما ما عدا اللغات من العلوم فتجده في قوله تعالى: وَأُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ [النمل: ١٦].
- وثمرة هذا العلم العملية: السيطرة على القوى المختلفة في هذا الكون وتسخرها لمنافع الدولة وسكانها.
- وقد استعمل هذا العلم ليدهش ملكة سبأ وملأها ويلين قلوبهم للإيمان بأن جاء بعرشها إليه والمسافة بعيدة، وجاء به الذي عنده علم من الكتاب.
قالَ يا أَيُّهَا الْمَلَؤُا أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِها قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (٣٨) قالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ (٣٩) قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قالَ هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ [النمل: ٣٨ - ٤٠].
ج- الرسالة:
في قوله تعالى: وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنَّا فَضْلًا يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ (١٠) أَنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صالِحاً إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١) وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ غُدُوُّها شَهْرٌ وَرَواحُها شَهْرٌ وَأَسَلْنا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنا نُذِقْهُ مِنْ عَذابِ السَّعِيرِ (١٢) يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِنْ مَحارِيبَ وَتَماثِيلَ وَجِفانٍ كَالْجَوابِ وَقُدُورٍ راسِياتٍ اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ [سبأ: ١٠ - ١٣].
فلقد سخر الله لسليمان العلم وقوى الطبيعة.
стр. 210
- ولهذا يرسل سليمان بهذا الكتاب الموجز لملكة سبأ:
إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (٣٠) أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ [النمل: ٣٠ - ٣١]، كتاب موجز جامع قاطع حازم الإصرار على إنزالهم على حكم الإسلام، فتقول بعد ذلك ملكة سبأ:
قالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ [النمل: ٤٤].
د- إيمان الرئيس الأعلى وعنايته بكل شيء:
فقد كان سليمان ﵇ يتفقد كل شيء حتى الهدهد بين هذه الملايين من المخلوقات:
وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقالَ مالِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كانَ مِنَ الْغائِبِينَ (٢٠) لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذاباً شَدِيداً أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ [النمل: ٢٠ - ٢١].
وهنا نجد العناية بكل شيء مضافا إلى ذلك الحزم في محاسبة من يخالف النظام وهذه العناية سببها وباعثها إيمان سليمان بدولته ووضوح الأهداف أمامه ومعرفة ما يجب أن يعمل، وذلك ليكون هذا الرسول قدوة لمن يلي أمور الناس بعده:
- وسليمان ﵇ لم يأخذ اعتذار الهدهد قضية مسلمة بل وضعها موضع التحقيق والاختبار: قالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكاذِبِينَ [النمل: ٢٧].
- والوقوف عند المبدأ والغاية واضح فلا الأموال الضخمة ولا الكنوز والجواهر تبعد فيه قيد أنملة عن هدفه، ولذلك لم يقبل الهدايا التي أرسلتها بلقيس لإغرائه وقال متهكما:
قالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمالٍ فَما آتانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ (٣٦) ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِها وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْها أَذِلَّةً وَهُمْ صاغِرُونَ [النمل: ٣٦ - ٣٧].
стр. 211
- وقد قصّ الله ﵎ عن ذي القرنين الملك العادل ذلك بقوله جل وعلا:
قالُوا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً عَلى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا (٩٤) قالَ ما مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً [الكهف: ٩٤ - ٩٥].
هـ- إيمان أفراد الشعب برسالة الدولة:
ولذا نجد أن الهدهد يعتز بقيامه بواجبه وعصيان سليمان قائد الجن والإنس فيقول:
أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ (٢٢) إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَها عَرْشٌ عَظِيمٌ [النمل: ٢٢ - ٢٣].
ثم يلمح له بوجوب قتالهم لردهم إلى عبادة الله وَجَدْتُها وَقَوْمَها يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ [النمل: ٢٤].
فخطاب الهدهد لسليمان ليس خطاب المذنب المهمل بل هو خطاب الذي رضى عن عمله واطمأن إلى أداء واجبه فهو لا يعبأ أن يخاطب أعظم قائد بلغة الحق القوي.
- ولهذا فإن الأمة التي لا يساوي رجالها هدهدا هي أمة غثاء وهباء، وإن الأمة التي هدهدها كهدهد سليمان تسود الأمم وتكون قدوة للأنام.
- وإن فساد العقيدة والعمل يخلق رجالا من أمثال رجال بلقيس يقولون لها: وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي ماذا تَأْمُرِينَ [النمل: ٣٣].
وهي لم تجمعهم إلا لتقول لهم: ما كُنْتُ قاطِعَةً أَمْراً حَتَّى تَشْهَدُونِ [النمل: ٣٢] فلم يسمعوها رأيا تستأنس به.
стр. 212
ومن لطائف هذه القصة:
١ - بيان عاقبة الاستعمار، بقوله تعالى: إِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوها وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِها أَذِلَّةً وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ [النمل: ٣٤].
- فطنة بلقيس:
أ- لم تحاول رشوة سليمان بالمال بل أرسلت الهدايا لاختبار حقيقته. فإذا كان من الملوك رضي بالمال وإن كان من أصحاب العقيدة لم يقبل الأموال:
وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَناظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ [النمل: ٣٥].
ب- وحين نكروا عرشها وسألوها أهكذا عرشك قالت: كأنه هو. فلم تقل إنه هو فقد تركته وراءها فيدل ذلك على ضعفها، ولم تقل ليس هو لأنه غباوة وبلادة ذهن. وخرجت من ذلك بقولها: كَأَنَّهُ هُوَ [النمل: ٤٢].
٣ - لقد كانت بلقيس عاقلة في إسلامها وشركها، قد علمت أن الهدية تقع موقعا من الناس ولذلك قالت ونفذت: وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَناظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ [النمل: ٣٥].
٤ - عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ : «أن نملة قرصت نبيا من الأنبياء فأمر بقرية النمل فأحرقت فأوحى الله تعالى إليه: «أفي أن قرصتك
نملة أهلكت أمة من الأمم تسبح» رواه مسلم، وفي طريق آخر فهلا نملة واحدة أي: لا يجوز معاقبة البريء بل يعاقب المذنب فالعقوبات الجماعية لا يقرها الإسلام عند ما تشمل المذنب والبريء معا.
٥ - وفي قوله تعالى: وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ [النمل: ٢٠] لطيفة وهي أنه على الإمام أن يتفقد رعيته كما فعل عمر بن الخطاب والقصص مبسوطة في كتب السيرة.
٦ - وصفت ملكة سبأ كتاب سليمان بأنه كريم لأنه بدأ ببسم الله الرحمن الرحيم وفي الحديث: «كل كلام لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن
стр. 213
الرحيم فهو أجذم».
٧ - الملأ في هذه الآيات هم أشراف القوم ولهم مزية خاصة على غيرهم وهم بمقام الرفعة والسيادة ولذلك عضدت همزة الملأ بالواو والألف فكتبت الْمَلَؤُا [النمل: ٢٩] لتدل على ذلك وهذا من دقائق الرسم القرآني المتعلق بالتفسير وقد أفرد له بحث خاص بهذا الكتاب.
٨ - كان النبي ﷺ يقبل الهدية ويثيب عليها ولا يقبل الصدقة، وكذلك الأنبياء ومنهم سليمان، سليمان لم يقبلها لأنها في الواقع رشوة، وكذلك بلقيس أرادت بها معرفته نبيا أو ملكا فإذا قبلها فهو ملك لا نبي لأنه ورد في كتابه: أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ [النمل: ٣١]، وهذا الموضع لا تقبل فيه هدية.
وصفة الهدية المقبولة هي التي تولد الحب والتواصل بين الناس:
هدايا الناس بعضهم لبعض ... تولد في قلوبهم الوصالا
وتزرع في الضمير هوىّ وودا ... وتكسبهم إذا حضروا الجمالا
٩ - في قول النملة: يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ [النمل: ١٨]. دليل على عدل سليمان وجنوده ورحمتهم فإذا كانوا لا يدوسون نملة، فهل يقتلون أحدا ظلما؟! ولذلك تبسم سليمان ضاحكا من قولها سرورا بما سمع وأكد التبسم بالضحك لأنه يدل على السرور. أما إذا قال تبسم مطلقة فقد يدل على السرور أو الغضب نقول:
«تبسم تبسم الغضبان».
١٠ - الحيوانات تفهم ولها لغات تتفاهم بها.
فالنمل حيوان فطن قوي شمام يدخر الحب ويشقه لئلا ينبت، ويتخذ القرى. ويشق الكزبرة أربعة أقسام لأنها تنبت إذا صارت قطعتين، ويأكل في عامه نصف ما جمع ويستبقي باقيه عدة. فتبارك الله أحسن الخالقين.
قصة من الحديث النبوي وهي قصة «أم زرع».
стр. 214
العتاب في القرآن الكريم
أ- وجه القرآن الكريم في بعض آياته عتابا عنيفا أو لطيفا للرسول ﷺ . وهذا يدل على أن القرآن هو كلام الله ولو كان كلام محمد ﷺ ما سجل على نفسه هذا العتاب.
ب- الخطأ في الاجتهاد ليس معصية فلا يقدح في عصمة الرسول ﷺ بل يستحق صاحبه أجرا إذا كان أهلا لذلك وبذل جهده، والمجتهد يخطئ ويصيب والله تعالى يقول: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها [البقرة: ٢٨٦].
فللمجتهد أجران إن أصاب وأجر إن أخطأ. وفي الحديث: «إذا حكم أحدكم في شيء فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر واحد». رواه الجماعة.
ج- كان ﷺ يقول لأمراء السرايا والجيوش:
«وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك على أن تنزلهم على حكم الله فلا تنزلهم على حكم الله ولكن أنزلهم على حكمك فإنك لا تدري أتصيب فيهم حكم الله أم لا». رواه مسلم وأحمد، والترمذي، وابن ماجة.
د- الرسول قدوة ولذلك اجتهد ليقلده الناس من بعده، لأن الحياة لا تستقيم بدون اجتهاد.
هـ- فإن لم يصب الحقيقة نزل عليه الوحي يبين له الحكم الصحيح، وبذلك فهو القدوة لأنه لم يصدر عنه إلا الحق والصواب.
стр. 215
لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً [الأحزاب: ٢١].
ووفي الاجتهاد دليل على بشرية الرسول ﷺ وعبوديته. لا كما زعم النصارى في عيسى ابن مريم وفي الحديث: «لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم إنما أنا عبد، فقولوا عبد الله ورسوله» رواه البخاري.
وقال ﷺ : «إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إليّ، فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأحسب أنه صادق. فأقضي له على نحو ما أسمع. فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هي قطعة من نار، فليأخذها أو يتركها». الشيخان ومالك وأصحاب السنن.
ز- أنواع العتاب: عنيف ولطيف.
следующие страницы →