← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 37987

المعجزة القرآنية حقائق علمية قاطعة

أحمد عمر أبو شوفة

Полный текст (326 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

- وقد قصّ الله ﵎ عن ذي القرنين الملك العادل ذلك بقوله جل وعلا: قالُوا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً عَلى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا (٩٤) قالَ ما مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً [الكهف: ٩٤ - ٩٥]. هـ- إيمان أفراد الشعب برسالة الدولة: ولذا نجد أن الهدهد يعتز بقيامه بواجبه وعصيان سليمان قائد الجن والإنس فيقول: أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ (٢٢) إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَها عَرْشٌ عَظِيمٌ [النمل: ٢٢ - ٢٣]. ثم يلمح له بوجوب قتالهم لردهم إلى عبادة الله وَجَدْتُها وَقَوْمَها يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ [النمل: ٢٤]. فخطاب الهدهد لسليمان ليس خطاب المذنب المهمل بل هو خطاب الذي رضى عن عمله واطمأن إلى أداء واجبه فهو لا يعبأ أن يخاطب أعظم قائد بلغة الحق القوي. - ولهذا فإن الأمة التي لا يساوي رجالها هدهدا هي أمة غثاء وهباء، وإن الأمة التي هدهدها كهدهد سليمان تسود الأمم وتكون قدوة للأنام. - وإن فساد العقيدة والعمل يخلق رجالا من أمثال رجال بلقيس يقولون لها: وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي ماذا تَأْمُرِينَ [النمل: ٣٣]. وهي لم تجمعهم إلا لتقول لهم: ما كُنْتُ قاطِعَةً أَمْراً حَتَّى تَشْهَدُونِ [النمل: ٣٢] فلم يسمعوها رأيا تستأنس به.

стр. 212

ومن لطائف هذه القصة: ١ - بيان عاقبة الاستعمار، بقوله تعالى: إِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوها وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِها أَذِلَّةً وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ [النمل: ٣٤]. - فطنة بلقيس: أ- لم تحاول رشوة سليمان بالمال بل أرسلت الهدايا لاختبار حقيقته. فإذا كان من الملوك رضي بالمال وإن كان من أصحاب العقيدة لم يقبل الأموال: وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَناظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ [النمل: ٣٥]. ب- وحين نكروا عرشها وسألوها أهكذا عرشك قالت: كأنه هو. فلم تقل إنه هو فقد تركته وراءها فيدل ذلك على ضعفها، ولم تقل ليس هو لأنه غباوة وبلادة ذهن. وخرجت من ذلك بقولها: كَأَنَّهُ هُوَ [النمل: ٤٢]. ٣ - لقد كانت بلقيس عاقلة في إسلامها وشركها، قد علمت أن الهدية تقع موقعا من الناس ولذلك قالت ونفذت: وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَناظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ [النمل: ٣٥]. ٤ - عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ : «أن نملة قرصت نبيا من الأنبياء فأمر بقرية النمل فأحرقت فأوحى الله تعالى إليه: «أفي أن قرصتك نملة أهلكت أمة من الأمم تسبح» رواه مسلم، وفي طريق آخر فهلا نملة واحدة أي: لا يجوز معاقبة البريء بل يعاقب المذنب فالعقوبات الجماعية لا يقرها الإسلام عند ما تشمل المذنب والبريء معا. ٥ - وفي قوله تعالى: وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ [النمل: ٢٠] لطيفة وهي أنه على الإمام أن يتفقد رعيته كما فعل عمر بن الخطاب والقصص مبسوطة في كتب السيرة. ٦ - وصفت ملكة سبأ كتاب سليمان بأنه كريم لأنه بدأ ببسم الله الرحمن الرحيم وفي الحديث: «كل كلام لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن

стр. 213

الرحيم فهو أجذم». ٧ - الملأ في هذه الآيات هم أشراف القوم ولهم مزية خاصة على غيرهم وهم بمقام الرفعة والسيادة ولذلك عضدت همزة الملأ بالواو والألف فكتبت الْمَلَؤُا [النمل: ٢٩] لتدل على ذلك وهذا من دقائق الرسم القرآني المتعلق بالتفسير وقد أفرد له بحث خاص بهذا الكتاب. ٨ - كان النبي ﷺ يقبل الهدية ويثيب عليها ولا يقبل الصدقة، وكذلك الأنبياء ومنهم سليمان، سليمان لم يقبلها لأنها في الواقع رشوة، وكذلك بلقيس أرادت بها معرفته نبيا أو ملكا فإذا قبلها فهو ملك لا نبي لأنه ورد في كتابه: أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ [النمل: ٣١]، وهذا الموضع لا تقبل فيه هدية. وصفة الهدية المقبولة هي التي تولد الحب والتواصل بين الناس: هدايا الناس بعضهم لبعض ... تولد في قلوبهم الوصالا وتزرع في الضمير هوىّ وودا ... وتكسبهم إذا حضروا الجمالا ٩ - في قول النملة: يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ [النمل: ١٨]. دليل على عدل سليمان وجنوده ورحمتهم فإذا كانوا لا يدوسون نملة، فهل يقتلون أحدا ظلما؟! ولذلك تبسم سليمان ضاحكا من قولها سرورا بما سمع وأكد التبسم بالضحك لأنه يدل على السرور. أما إذا قال تبسم مطلقة فقد يدل على السرور أو الغضب نقول: «تبسم تبسم الغضبان». ١٠ - الحيوانات تفهم ولها لغات تتفاهم بها. فالنمل حيوان فطن قوي شمام يدخر الحب ويشقه لئلا ينبت، ويتخذ القرى. ويشق الكزبرة أربعة أقسام لأنها تنبت إذا صارت قطعتين، ويأكل في عامه نصف ما جمع ويستبقي باقيه عدة. فتبارك الله أحسن الخالقين. قصة من الحديث النبوي وهي قصة «أم زرع».

стр. 214

العتاب في القرآن الكريم أ- وجه القرآن الكريم في بعض آياته عتابا عنيفا أو لطيفا للرسول ﷺ . وهذا يدل على أن القرآن هو كلام الله ولو كان كلام محمد ﷺ ما سجل على نفسه هذا العتاب. ب- الخطأ في الاجتهاد ليس معصية فلا يقدح في عصمة الرسول ﷺ بل يستحق صاحبه أجرا إذا كان أهلا لذلك وبذل جهده، والمجتهد يخطئ ويصيب والله تعالى يقول: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها [البقرة: ٢٨٦]. فللمجتهد أجران إن أصاب وأجر إن أخطأ. وفي الحديث: «إذا حكم أحدكم في شيء فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر واحد». رواه الجماعة. ج- كان ﷺ يقول لأمراء السرايا والجيوش: «وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك على أن تنزلهم على حكم الله فلا تنزلهم على حكم الله ولكن أنزلهم على حكمك فإنك لا تدري أتصيب فيهم حكم الله أم لا». رواه مسلم وأحمد، والترمذي، وابن ماجة. د- الرسول قدوة ولذلك اجتهد ليقلده الناس من بعده، لأن الحياة لا تستقيم بدون اجتهاد. هـ- فإن لم يصب الحقيقة نزل عليه الوحي يبين له الحكم الصحيح، وبذلك فهو القدوة لأنه لم يصدر عنه إلا الحق والصواب.

стр. 215

لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً [الأحزاب: ٢١]. ووفي الاجتهاد دليل على بشرية الرسول ﷺ وعبوديته. لا كما زعم النصارى في عيسى ابن مريم وفي الحديث: «لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم إنما أنا عبد، فقولوا عبد الله ورسوله» رواه البخاري. وقال ﷺ : «إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إليّ، فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأحسب أنه صادق. فأقضي له على نحو ما أسمع. فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هي قطعة من نار، فليأخذها أو يتركها». الشيخان ومالك وأصحاب السنن. ز- أنواع العتاب: عنيف ولطيف.

стр. 216

أمثلة من القرآن الكريم عن العتاب ١ - عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكاذِبِينَ [التوبة: ٤٣] فقد استأذن المنافقون رسول الله ﷺ في غزوة تبوك فقبل معذرتهم وأذن لهم فعاتبه الله على ذلك وطلب منه أن يتثبت من أمرهم ليعلم الصادق من الكاذب. ٢ - ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٧) لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ [النمل: ٦٧ - ٦٨]. فقد استشار النبي ﷺ أصحابه في شأن أسرى بدر من المشركين فأشار عمر ﵁ بقتلهم، وأشار أبو بكر بأخذ الفداء منهم، فأخذ برأي أبي بكر وكان رأي عمر هو الصواب فنزل القرآن الكريم يؤيد رأي عمر ﵁. ٣ - قصة عبد الله ابن أم مكتوم. عند ما كان الرسول ﷺ يكلم وجهاء قريش طمعا في إسلامهم جاء عبد الله وطلب منه أن يعلمه مما علمه الله، فعبس في وجهه واعرض عنه. فنزل القرآن الكريم يعاتبه وذلك بقوله تعالى: عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى (٢) وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (٣) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى (٤) أَمَّا مَنِ اسْتَغْنى (٥) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (٦) وَما عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى (٧) وَأَمَّا مَنْ جاءَكَ يَسْعى (٨) وَهُوَ يَخْشى (٩) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى [عبس: ١ - ١٠]. ٤ - لما توفي زعيم المنافقين عبد الله بن أبي كفنه النبي ﷺ في قميصه

стр. 217

وأراد أن يستغفر له. فجذبه عمر بن الخطاب ﵁ وقال: أتستغفر له وتصلي عليه وقد نهاك ربك. فقال ﷺ : «إنما خيرني ربي» فقال: اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ [التوبة: ٨٠]. وسأزيده على السبعين ثم صلى عليه فأنزل الله تعالى: وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَماتُوا وَهُمْ فاسِقُونَ [التوبة: ٨٤]. فترك الصلاة على المنافقين.

стр. 218

المكي والمدني أ- أصلح ما قيل في تعريفه: المكي: ما نزل قبل الهجرة النبوية ولو نزل خارج مكة. المدني: ما نزل بعد الهجرة النبوية ولو نزل بمكة أو عرفات أو غيرها من الأماكن. وسأقتصر في هذا البحث على الضوابط التي يعرف بها المكي والمدني. ب- ظوابط المكي والمدني. ١ - المكي: أولا: كل سورة فيها لفظ «كلا» فهي مكية. وذكرت كلمة «كلا» في القرآن الكريم/ ٣٣/ مرة في/ ١٥/ سورة من النصف الأخير من القرآن الكريم. وما نزلت كلا بيثرب فاعلمن ... ولم تأت في القرآن في نصفه الأعلى وحكمة ذلك أن كلا نزلت بمكة وأكثر أهلها جبابرة فتكررت تهددهم وتزجرهم، بخلاف النصف الأول بالمدينة ففيها أهل كتاب. فلم يحتج لكلا بالنسبة لليهود لذلتهم وضعفهم. ثانيا: كل سورة فيها سجدة فهي مكية ثالثا: كل سورة في أولها الحروف النورانية أو التهجي فهي مكية سوى

стр. 219

البقرة وآل عمران إجماعا وفي سورة الرعد خلاف رابعا: كل سورة فيها قصص الأنبياء والأمم السابقة مكية سوى سورة البقرة. خامسا: أكثر سور المفصل مكية ٢ - المدني: أولا: كل سورة فيها الحدود والفرائض فهي مدنية ثانيا: كل سورة فيها الإذن بالجهاد أو بيان أحكامه فهي مدنية ثالثا: كل سورة فيها ذكر المنافقين فهي مدنية ما عدا العنكبوت فهي مكية إلا الآيات (١ - ١١) منها فهي مدنية وهي التي ذكر فيها المنافقون.

стр. 220

أنواع السور المكية والمدنية أربعة أنواع: أ- سور كلها مكية كالمدثر. ب- سور كلها مدنية آل عمران. ج- سور مكية ما عدا آية أو آيات منها فمدنية كالأعراف فكلها مكية إلا آية وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذلِكَ نَبْلُوهُمْ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ [الأعراف: ١٦٣]. د- سور كلها مدنية إلا بعض آياتها كالحج فهي مدنية إلا أربع آيات منها: وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٢) لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ (٥٣) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٤) وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ [الحج: ٥٢ - ٥٥].

стр. 221

خواص القرآن المكي ١ - حارب الشرك والوثنية بالأدلة القاطعة فالأصنام لا تخلق ذبابا يا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ [الحج: ٧٣]. ٢ - تقديم الأدلة من الأنفس والكون: وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ (٢١) وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ [الذاريات: ٢١ - ٢٢]. ٣ - الحديث عن عاداتهم القبيحة: وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ [التكوير: ٨ - ٩]. ٤ - شرح أصول الأخلاق وحقوق الاجتماع. ٥ - قص نبأ الرسل وأخبار الأمم الماضية. ٦ - الإيجاز في الخطاب.

стр. 222

خواص القرآن المدني ١ - التحدث عن دقائق التشريع كآية الدين في سورة البقرة. ٢ - دعوة أهل الكتاب من اليهود والنصارى إلى الإسلام. قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ [آل عمران: ٦٤]. ٣ - الإطناب والتطويل في سوره وآياته.

стр. 223

تأثير القرآن الكريم في الأعداء والأصدقاء ١ - للكلام تأثيره في النفوس، ولا يوجد كتاب أحدث أثرا في نفوس الناس كالقرآن الكريم، لأنه كلام رب العالمين. وكلام الله روح وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [الشورى: ٥٢]. وهو نور: قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ [المائدة: ١٥]. ومن آمن به فهو في حياة ونور: أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْكافِرِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ [الأنعام: ١٣٢]. مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ [النحل: ٩٧]. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ [الأنفال: ٢٤]. ٢ - تأثير القرآن الكريم في أعدائه: أ- كانوا يتسللون ليلا ليستمعوا التلاوة. ب- منعوا أبا بكر الصديق من الصلاة في فناء داره لأن نساء المشركين وأطفالهم كانوا يستمعون له ويتأثرون بذلك. ج- تعاهدوا أن لا يسمعوه وأن يلغوا فيه إذا سمعوه.

стр. 224

وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ [فصلت: ٢٦]. د- كان صناديدهم يحملهم طغيانهم وكفرهم إلى حمل السلاح لقتل محمد رسول الله ﷺ فيذهبون وبعد سماعهم للقرآن يعودون مسلمين مدافعين عنه. وقصة إسلام عمر وسعد بن معاذ وأسيد بن حضير دليل على ما أقول. ٣ - تأثير القرآن في نفوس المؤمنين به: أ- تنافسهم في حفظه وقراءته في الصلاة وخارج الصلاة كانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ (١٧) وَبِالْأَسْحارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ [الذاريات: ١٧ - ١٨]. وكان التفاضل بينهم بما يحفظ أحدهم من القرآن. وكانت المرأة ترضى بأن يكون مهرها سورة يعلمها إياها زوجها من القرآن. ب- تطبيقهم له عمليا وتركهم كل حكم يخالف حكمه من مألوف عاداتهم الجاهلية. ج- جهادهم واستبسالهم في الدفاع عنه ونشر تعاليمه وكان ﷺ يرد بعضا ممن يتطوع للجهاد منهم لصغره. وكان ﵊ يتخلف عن بعض المعارك جبرا لخواطر الفقراء الذين لا يستطيعون تجهيز أنفسهم. قال ﷺ : «والذي نفس محمد بيده لولا أن أشق على المسلمين ما قعدت خلاف سرية تغزو في سبيل الله أبدا. ولكن لا أجد سعة فأحملهم ولا يجدون سعة ويشق عليهم أن يتخلفوا عني. والذي نفس محمد بيده لوددت أن أغزو في سبيل الله فأقتل ثم أغزو فأقتل» رواه الشيخان ومالك. ٤ - مصلحون كثيرون قبل محمد ﷺ لم يحدثوا ما أحدثه هذا القرآن

стр. 225

فقد تمكن من بسط مبادئه على العالم القديم. وأزاح أعظم الدول في فترة وجيزة كدولتي الفرس والروم. الأعاجيب أن يروع كسرى ... ويسير الرومان تحت السلاح وينال الملك العظيم بداة ... من جناة الأعراب غير الوشاح عدة الحرب مصحف وحسام ... والخلود الخلود للأرواح مقارنة بين تأثير محمد ﷺ بأصحابه وتأثير موسى بأصحابه: ١ - بعد خروج بني إسرائيل من البحر ونجاتهم من فرعون بعد غرقه قالوا لموسى: يا مُوسَى اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (١٣٨) إِنَّ هؤُلاءِ مُتَبَّرٌ ما هُمْ فِيهِ وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٣٩) قالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلهاً وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ [الأعراف: ١٣٨ - ١٤٠]. ٢ - لما ذهب موسى لمناجاة ربه واستخلف عليهم أخاه هارون نسوا الله، وعبدوا العجل. وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَداً لَهُ خُوارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وَكانُوا ظالِمِينَ (١٤٨) وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا وَيَغْفِرْ لَنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ [الأعراف: ١٤٨ - ١٤٩]. ٣ - لما طلب منهم موسى قتال الجبارين ودخول الأرض المقدسة قالوا كما أخبر تعالى: قالُوا يا مُوسى إِنَّ فِيها قَوْماً جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَها حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنَّا داخِلُونَ (٢٢) قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبابَ فَإِذا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٣) قالُوا يا مُوسى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَها أَبَداً ما دامُوا فِيها فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ [المائدة: ٢٢ - ٢٤].

стр. 226

أما أصحاب محمد ﷺ : ١ - فقد قطعوا شجرة بيعة الرضوان عند ما أخذ الناس يتبركون بها. فخاف عمر بن الخطاب إن طال العهد بالناس أن يعودوا لوثنيتهم فيعبدوها. ٢ - لما استشار ﷺ أصحابه في بدر لقتال المشركين قالوا له: «والله لا نقول لك كما قال قوم موسى لموسى: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون. ولكن نقول: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون. والله لو خضت بنا هذا البحر لخضناه معك ما تخلف منا رجل واحد».

стр. 227

تفسير آية وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا (٧١) ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا [مريم: ٧١ - ٧٢]. أولا: يفسر الورود: أ- بالدخول في النار. ب- بالمرور على الصراط. ج- بالإشراف عليها من بعد. د- برؤيتها في القبر. هـ- بأنها في حق الكفار فقط. ثانيا: وإن منكم إلا واردها. هذا قسم والواو تتضمنه، ويفسره الحديث الشريف، «لا يموت لأحد من المسلمين ثلاثة من الولد فتمسه النار إلا تحلة القسم» وكأنه يريد هذه الآية: وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا [مريم: ١٧]. ثالثا: والورود يأتي بمعنى الدخول. وفي الحديث، «الورود الدخول لا يبقى بر ولا فاجر إلا دخلها فتكون على المؤمنين بردا وسلاما كما كانت على إبراهيم. ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا [مريم: ٧٢]. رابعا: والورود المرور على الصراط ويشهد لذلك قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولئِكَ

стр. 228

عَنْها مُبْعَدُونَ [الأنبياء: ١٠١]. وفي صحيح مسلم: «ثم يضرب الجسر على جهنم وتحل الشفاعة فيقولون: اللهم سلم سلم». قيل: يا رسول الله، وما الجسر؟. «دحض مزلة فيه خطاطيف وكلاليب وحسك تكون بنجد فيها شويكة يقال لها: السعدان. فيمر المؤمنون كطرف العين وكالبرق وكالريح وكالطير وكأجاويد الخيل والركاب. فناج مسلم ومخدوش مرسل ومكدوش في نار جهنم». خامسا: ورود إشراف واطلاع وقرب بحضور هم موضع الحساب وهو بقرب جهنم فيرونها وينظرون إليها. ثم ينجي الله الذين اتقوا مما نظروا إليه. قال تعالى في قصة موسى: وَلَمَّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودانِ قالَ ما خَطْبُكُما قالَتا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ وَأَبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ [القصص: ٢٣]. أي: أشرف واطلع على ماء مدين ولم يدخل الماء. وقال رسول الله ﷺ : «لا يدخل النار أحد من أهل بدر والحديبية» قالت حفصة فقلت: يا رسول الله، وأين قول الله تعالى: وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها [مريم: ٧١] فقال رسول الله ﷺ : «فمه». ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا [مريم: ٧٢]. سادسا: وقال بعض المفسرين: الورود النظر إليها في القبر وفي الحديث عن ابن عمر: «إذا مات أحدكم عرض عليه مقعده بالغداة والعشي». سابعا: وقيل هذا خطاب للكفار لأن منكم تعود على ضمير الغيبة في الآيات قبلها وهي: وَيَقُولُ الْإِنْسانُ أَإِذا ما مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا (٦٦) أَوَلا

стр. 229

يَذْكُرُ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً (٦٧) فَوَ رَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّياطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا (٦٨) ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمنِ عِتِيًّا (٦٩) ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلى بِها صِلِيًّا (٧٠) وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا. [مريم: ٦٦ - ٧١]. وهذا كقوله تعالى: عالِيَهُمْ ثِيابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَساوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُوراً (٢١) إِنَّ هذا كانَ لَكُمْ جَزاءً وَكانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُوراً [الإنسان: ٢١ - ٢٢]. فرجعت الكاف في لكم إلى الهاء في وسقاهم. ثامنا: أطفال المسلمين بالجنة لقوله ﷺ : «من مات له ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث (الحلم) كانوا له حجابا من النار» أو دخل الجنة أي كان موتهم له حجابا من النار لأن الرحمة إذا نزلت بآبائهم استحال أن يرحموا من أجل من ليس بمرحوم. وأما أطفال الكفار فجمهور العلماء على أنهم في الجنة. تاسعا: كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا [مريم: ٧١]. والحتم: إيجاب القضاء، أي: كان ذلك حتما مقضيا، أي: قضاه الله عليكم. عاشرا: ثم ننجي الذين اتقوا نخلصهم ونذر نترك الظالمين فيها جثيا وقوله تعالى هذا يرجح أن الورود هو الدخول فيها فتكون على المؤمنين بردا وسلاما ويبقى الكافرون بها.

стр. 230

من علم مرسوم الخط رسم الهمزة تمهيد الهمزة لا صورة لها بالخط لأنها مبدأ الحروف وأنها متحركة وأول الحركات الفتح فهي من جهة الابتداء من الألف الذي هو أول الحروف الثلاثة التي هو للمد واللين ثم تعضد بأحد هذه الحروف الثلاثة حيث تثبت ولا يأتي سقوطها فإن أتى سقوطها خرجت من أصالتها فلم تعضد إلا أن يكون في المعنى ما يقوي ظهورها فتعضد. ١ - الهمزة في أول الكلمة: لا يأتي سقوطها لأنها متحركة وليس قبلها غيرها وهي من جهة المعنى مبدأ الحروف. فعضدت بأول الحروف وهو الألف بأي حركة تحركت الهمزة ٢ - الهمزة في آخر الكلمة: أ- إذا وقعت الهمزة في آخر الكلمة أخرجت عن أصالتها بحسب وصفها آخر الكلمة محل الوقوف والسكون. إذا كان ما قبلها متحركا، لا يأتي سقوطها بإلقاء حركتها عليه لأنه متحرك مثل «يستهزئ» ويصبح النطق بالهمزة ساكنة مثل «إن يشأ» وكذلك في الوقف. فإذا تقوى معناها بالكلمة بحيث تكون له مرتبة ظاهرة أصلية: فتعضد بحرف حركتها مثل الملأ- ورآيء

стр. 231

ب- رسم الهمزة بآخر الكلمة بالقرآن الكريم: الهمزة المتطرفة تكتب على حرف يناسب حركة ما قبلها فإذا كان قبلها الفتح كتبت على ألف مثل «الملأ» وإذا كان قبله ضم كتبت على وأو مثل «لؤلؤ» وإذا كان قبلها كسر كتبت على ياء مثل «يستهزئ» وإذا كان قبلها سكون كتبت على السطر مثل «يشاء» هذه هي القواعد القياسية في كتابة الهمزة. لكن إذا كان للكلمة معنى زائد أو رتبة عالية أو أهمية خاصة. أو ظهور متميز كتبت على صورة لا تتفق مع هذه القاعدة القياسية أمثال الكلمات التالية: أولا: الملأ- نبؤا- يبدأ الخلق وهذه الكلمات قبل الهمزة حرف متحرك. ثانيا: ما قبل الهمزة ساكن. كالألف مثل كلمات علمؤا- جزاؤا- شركاؤا وغيرها وقد عضدت هذه الكلمات بالواو والألف- وهنالك كلمات تفصد همزتها بالياء: مثل: يلقائي- وإيتآي- ءاناي- ورآي. ثالثا: رسم الهمزة إذا كان الساكن قبلها غير الألف مثل: الخبء- بريء. أولا: إذا كان قبل الهمزة متحرك: ١ - كلمة «الملأ» مرسومة بالألف إلا في أربعة مواضع هي: موضع في سورة المؤمنين وثلاثة في سورة النحل.

стр. 232

وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ (٢٣) فَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ ما هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً ما سَمِعْنا بِهذا فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ [المؤمنون: ٢٣ - ٢٤]. «فالملأ» هنا عليه القوم وزعماؤهم ورؤساءهم ولذلك كتبت بالواو وعضدت بالألف بعدها بينما في نفس السورة وبعد ثماني آيات وفي الآية «٣٢» تحديدا كتبت «الملأ» هكذا على الألف لأن معنى «الملأ» عامة الشعب من الكافرين. قالَتْ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ (٢٩) إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [النمل: ٢٩ - ٣٠]. «فالملأ» هنا لهم رتبة خاصة وهم قادة الجيش وأعيان الدولة وزعماؤها ولذلك كتبت بالواو وعضدت بالألف لبيان مزيتهم. ومثلها في نفس السورة: قالَتْ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي ما كُنْتُ قاطِعَةً أَمْراً حَتَّى تَشْهَدُونِ [النمل: ٣٢]. لنفس السبب لأنهم هم أنفسهم: قالَ يا أَيُّهَا الْمَلَؤُا أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِها قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ [النمل: ٣٨]. والقائل هو سليمان وقد قال ذلك لمن لهم رتبة ظاهرة في الوجود فعفريت الجن تعهد بإحضار عرش الملكة قبل أن يقوم سليمان ﵇ من مكانه والذي عنده علم من الكتاب تعهد لسليمان بإحضاره قبل أن يرتد إليه طرفه وهل فوق هذه المكانة من مكان وبلمحة بصر يحضر عرشا من اليمن إلى بيت المقدس.

стр. 233

ملاحظة: وردت كلمة «الملأ» ٢٢ مرة بالقرآن الكريم. أربعة منها مكتوبة هكذا: الملأ و ١٨ مكتوبة هكذا الملأ. وهذا الرسم له فائدة عظيمة في علم التفسير: ف «الملأ» عامة الناس والملأ عظماء القوم وساداتهم. ٢ - كلمة «نبأ» عضدت فيها الواو بالألف بثلاث كلمات هكذا نبؤا وهي: أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَؤُا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْواهِهِمْ وَقالُوا إِنَّا كَفَرْنا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنا إِلَيْهِ مُرِيبٍ [إبراهيم: ٩]. وَهَلْ أَتاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرابَ [ص: ٢١]. قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ (٦٧) أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ [ص: ٦٧ - ٦٨]. عضدت فيها الهمزة لظهور تلك الأنباء وعظمها في الوجود وهذه أنباء ليست كغيرها ترى من سياق الآيات وما عداها فقد كتبت بالألف كقوله تعالى: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ وكقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ [الحجرات: ٦] وقوله: أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ فَذاقُوا وَبالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ [التغابن: ٥]. ملاحظة: وردت كلمة «النّبإ» ١٥ مرة في القرآن الكريم. ٣ - كلمة «يبدأ الخلق» عضدت الهمزة فكتبت يبدأ الخلق حيثما وردت بالقرآن الكريم في المواضع التالية:

стр. 234

إِنَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ [يونس: ٤]. قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ [يونس: ٣٤]. أَمَّنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ [النمل: ٦٤]. اللَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [الروم: ١١]. وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ [الروم: ٢٧]. وقد وردت هذه الكلمة «٦» مرات في القرآن الكريم لأن ظهور الخلق أمر عظيم وإعادته أمر جسيم: كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنا إِنَّا كُنَّا فاعِلِينَ [الأنبياء: ١٠٤]. د- إذا كان قبل الهمزة حرف ساكن. أ- فإن كان الحرف الساكن ألفا مثل «هباء» و «جفاء» فإنها لا تعضد إلا أن يكون في المعنى ما يقويها مثل: أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إِسْرائِيلَ [الشعراء: ١٩٧]. فقد عضدت الهمزة تنبيها على درجتهم في العلم وظهور هم في الوجود في أرفع صفة المرجوع إليهم في جزئيات العلم وكلياته ولذلك جعلهم الله آية «راجع التفسير». ومثلها كلمة «العلماؤا» في سورة فاطر برسم بعض المصاحف لأن هؤلاء هم العلماء الحقيقيون المطيعون لله والرسول ﷺ يقول: «العالم من عقل عن الله فعمل بطاعته» قال تعالى: إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ [فاطر: ٢٨]. ولم ترد هذه الكلمة إلا في هذين الموضعين:

стр. 235

ب- وردت كلمة جزاء «٣٢» مرة بالقرآن الكريم وهي لم تعضد فبقيت الهمزة مكتوبة على السطر هكذا جزاء كقوله تعالى: قالَتْ ما جَزاءُ مَنْ أَرادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذابٌ أَلِيمٌ [يوسف: ٢٥]. وقد عضدت هذه الكلمة في أربعة مواضع فكتبت هكذا جزاؤا وهذه المواضع هي: ١ - إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ [المائدة: ٣٣]. ٢ - إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ وَذلِكَ جَزاءُ الظَّالِمِينَ [المائدة: ٢٩]. ٣ - وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ [الشورى: ٤٠]. ٤ - فَكانَ عاقِبَتَهُما أَنَّهُما فِي النَّارِ خالِدَيْنِ فِيها وَذلِكَ جَزاءُ الظَّالِمِينَ [الحشر: ١٧]. والجزاء المذكور ظاهر في الوجود فهو دنيوي وأخروي لذلك عضدت الهمزة في هذه الأماكن الأربعة. وبقيت على الأصل في «٢٨» موضعا آخر. ج- كلمة «شركاء» وردت «١٣» مرة في القرآن الكريم ورسمت همزتها معضودة في موضعين هما: أ- وَما نَرى مَعَكُمْ شُفَعاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ ما كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ [الأنعام: ٩٤].

стр. 236

ب- أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ [الشورى: ٢١]. فقد عضدت الهمزة لأنهم زعموا ذلك وأظهروه وبالغوا في التشريك. وقد أظهروا ذلك بأن هؤلاء شركاء لله في الملك وهذا خطاب ظاهر في الدنيا يظهر للمؤمنين باطل الكافرين بالآخرة وما يتبقى فيكتب بالألف «شركاء» وفي آية سورة القلم روايتان: أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ فَلْيَأْتُوا بِشُرَكائِهِمْ إِنْ كانُوا صادِقِينَ [القلم: ٤١]. ج- أكتفي بهذه الكلمة على سبيل التمثيل لا الحصر وهنالك كلمات أخرى تكتب فيها الهمزة معضودة وغير معضودة أذكر منها الكلمات التالية المعضودة وليحاول قارئ القرآن الكريم معرفة سبب ذلك مقتفيا آثار الأمثلة السابقة أعلاه. وهذه الكلمات المعضودة هي: ١ - كلمة أَنْبؤُا [الأنعام: ٥ والشعراء: ٦٠]. ٢ - ومنها (الضّعفؤا) [إبراهيم: ٢١، المؤمن: ٤٧]. ٣ - وكذلك (البلؤا) [الصافات: ١٠٦، الدخان: ٣٣]. ٤ - وكذلك (شفعؤا) [الروم: ١٣]. ٥ - وكذلك كلمة (دعوا) [المؤمن: ٥٠]. ٦ - وكذلك (نشاؤا) [هود: ٨٧]. ٧ - وكذلك (أبناؤا) [المائدة: ١٨].

стр. 237

كلمات عضدت همزتها بالياء بآخر الكلمة وهي أربع كلمات: ١ - من تلقائ نفسى [يونس: ١٥]. لأنه التلقاء الخاص الذي يظهر من قبل النفس ورأيها هو سر لا يعلمه إلا الله تعالى. ٢ - وإيتائ ذى القربى [النحل: ٩٠]. بقوله تعالى: إنّ الله يأمر بالعدل والإحسن وإيتائ ذى القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغى يعظكم لعلّكم تذكّرون [النحل: ٩٠]. لأنه إيتاء خاص ومختص بالأقرباء ويشمل الإيتاء المعنوي بالعدل والإحسان والإيتاء المادي بالأموال ٣ - ومن آناء الليل [طه: ١٣٠] فهي آناء خاصة غير معنية بالحس. ٤ - أو من ورآئ حجاب [الشورى: ٥١] هو الوراء الخاص بالملكوت الذي يظهر بالحجاب. والملكوت أمر باطن. ملاحظة: إذا كان الساكن قبل الهمزة المتطرفة غير الألف: مثل الخبء وبريء فإنها لا تعضد في هذه الحالة. ملاحظة: أما الهمزة في وسط الكلمة فأتركها للقارئ وأردت أن يكون بحث الهمزة المتطرفة تتويجا إلى هذا النوع من علوم القرآن الكريم.

стр. 238

أسلوب من أساليب الدعوة بالقرآن الكريم قال تعالى: وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [الشورى: ٥٢]. فالاهتمام بناحية الروح بالقرآن الكريم ينبغي أن يأخذ مكانه في قلوبنا وعقولنا وليس من المنطق أن نهتم بالروح في أجسام المخلوقات ولا نهتم بها في كلام الله تعالى فكلاهما من أمر الله فالله يقول عن الروح في كتابه: وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا. ويقول عن الروح في الأجسام: وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا [الإسراء: ٨٥]. - وقد أشار القرآن الكريم إلى إعجاز الألفاظ وإعجاز الروح بالقرآن الكريم بقوله: إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ [الحج: ٧٣]. وبقوله: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً [الإسراء: ٨٨]. - فالقرآن الكريم روح وبه حياة القلوب والملكات فهي تنمو به وتقوى وتسمع وتبصر وتزيل العوائق التي تفصل بين القلب والقرآن الكريم، وآية واحدة كفيلة بتغيير حياة الإنسان بانتقاله من الضلال إلى الهدى.

стр. 239

ويروى عن الإمام الشافعي ﵁ أنه قال في سورة العصر: «لو ما أنزل الله حجة على عباده إلا هذه السورة لكفتهم». فالذي يلمس السلك الكهربائي من طرفه أو وسطه أو أي مكان منه تسري الكهرباء في جسمه وكذلك القرآن الكريم إذا خالطت آية منه القلب أحيت الإنسان ظاهرا وباطنا. فالقرآن حبل الله المتين فمن أي طرف أو مكان لمست هذا الحبل أثر بك، فطرفه بيد الله وطرفه الآخر بيد العباد فأي جزء أخذنا منه سرى سرّه في القلوب فارتجفت به وحييت. اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ ذلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ [الزمر: ٢٣]. - قد يقول قائل: فما فائدة القرآن كله إذا كانت آية واحدة كافية لحياة القلوب والجواب: إن مهمة القرآن الكريم ليست حياة القلوب فقط. إنما هي وضع مناهج العمل الذي تنتظم به الحياة حتى لا يضل المرء عملا واعتقادا أثناء سيره إلى الله. ويقول بعضهم «من تصوف ولم يتفقه فقد تزندق». التصوف: حياة القلب والتفقه معرفة أحكام الله. ولذلك ورد في الحديث: «فقيه واحد أشد على الشيطان من ألف عابد». - وحياة القلوب تحدث بآية واحدة أو كلمة واحدة لأنها روح. أما الأحكام فإن الله يعلم من طبيعة تكويننا أن عقولنا لا تفقهها إلا وهي مفصلة. ولو كانت طبيعة العقول كطبيعة القلوب في تقبلها الحقائق والأحكام جملة واحدة في لحظة واحدة كلمح البصر لساق لنا الأحكام في آية واحدة. فليس المعول عليه في حياة القلوب مقدار ما نقرأ من القرآن الكريم ولكن كيف نقرأ القرآن الكريم فعلينا:

стр. 240

أ- أن نتدبره ونقرأه في خلوات الليل: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً [النساء: ٨٢]. أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها [محمد: ٢٤]. ب- ترك الهوى: فكل هوى من الأهواء الدنيوية حجاب كثيف بين الإنسان وبين الله، وبين القلب وبين القرآن فحب المال حجاب وحب الأولاد حجاب وحب السلطة والرئاسة حجاب. وإعجاب المرء بعلمه وعمله حجاب. قال تعالى: زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعامِ وَالْحَرْثِ ذلِكَ مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ [آل عمران: ١٤]. وقال تعالى: وَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجاباً مَسْتُوراً [الإسراء: ٤٥]. ج- أن نؤمن ونقر بعبوديتنا لله: ولذلك وصف الله رسوله بالعبودية في أعظم رحلة سماوية بالإسراء والمعراج: سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الإسراء: ١]. والعبودية تقتضي تنفيذ أمر الله بحب ورضا وطواعية وتحمل للصعاب. د- الكلام صفة المتكلم والله قد تكفل بكل صفات الكمال والجلال قال الإمام جعفر الصادق: «لقد تجلّى الله لخلقه في كلامه ولكنهم لا يبصرون».

стр. 241

هـ- أن نقرأ القرآن الكريم وكأننا نسمعه من الله تعالى وابسط مقتضيات هذا أن نصغي إلى هذا المتكلم العظيم ونحسن الاستماع والإنصات إليه لقوله تعالى: وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [الاعراف: ٢٠٤]. فالقرآن ربيع المؤمن كما أن الغيث ربيع الأرض. - من آيات الدعوة بالقرآن الكريم: أكتفي بنصين من نصوص القرآن الكريم. ١ - الأول قوله تعالى: ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ [النحل: ١٢٥]. ٢ - الثاني قصة مؤمن آل فرعون: وَقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جاءَكُمْ بِالْبَيِّناتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ (٢٨) يا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جاءَنا قالَ فِرْعَوْنُ ما أُرِيكُمْ إِلَّا ما أَرى وَما أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشادِ (٢٩) وَقالَ الَّذِي آمَنَ يا قَوْمِ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزابِ (٣٠) مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبادِ (٣١) وَيا قَوْمِ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنادِ (٣٢) يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ ما لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ (٣٣) وَلَقَدْ جاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّناتِ فَما زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتابٌ [غافر: ٢٨ - ٣٤].

стр. 242

وقال في نفس السورة أيضا: وَقالَ الَّذِي آمَنَ يا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشادِ (٣٨) يا قَوْمِ إِنَّما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا مَتاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دارُ الْقَرارِ (٣٩) مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزى إِلَّا مِثْلَها وَمَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيها بِغَيْرِ حِسابٍ (٤٠) * وَيا قَوْمِ ما لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ (٤١) تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ (٤٢) لا جَرَمَ أَنَّما تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيا وَلا فِي الْآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحابُ النَّارِ (٤٣) فَسَتَذْكُرُونَ ما أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ (٤٤) فَوَقاهُ اللَّهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا وَحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذابِ [غافر: ٣٨ - ٤٥].

стр. 243

علم المتشابه تمهيد [١ - إيراد القصة الواحدة في صور شتى] وهو إيراد القصة الواحدة في صور شتى وفواصل مختلفة ويكثر في الأنباء والقصص. والحكمة منه التصرف بالكلام وإيراده على ضروب ليظهر للعرب وللناس عجزهم عن الإتيان بمثله. ٢ - أنواعه: أولا: النوع الأول التشابه باعتبار الأفراد أ- أن يكون في موضع على نظم وفي آخر على عكسه وهو يشبه رد العجز على الصدر ومنه: - وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ [البقرة: ١٧٣] وفي كل القرآن: لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ [المائدة: ٣، الأنعام: ١٤٥، النحل: ١١٥]. - وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ [آل عمران: ١٢٦]، وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ [الأنفال: ١٠]. - كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ [النساء: ١٣٥]. - كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَداءَ بِالْقِسْطِ [المائدة: ٨]. - نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ [الأنعام: ١٥١]، نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ [الإسراء: ٣١] والأمثلة كثيرة جدا في كتاب الله تعالى. - توضيح المثال الأخير: وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ [الأنعام: ١٥١] فالفقر هنا حقيقة واقعة فكما يرزقكم أيها الآباء يرزق أولادكم.

стр. 244

وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كانَ خِطْأً كَبِيراً [الإسراء: ٣١]. «فالإملاق أو الفقر هنا ليس موجودا بل هو متوقع يخشاه الوالد ولذا بين لهم القرآن الكريم أن رزق الآباء يصلهم بأمر الله تعالى بسبب الأبناء». والإملاق معناه: الفقر والجوع والفاقة. ثانيا: التشابه بالزيادة والنقصان: ومثاله: كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيها [الحج: ٢٢]. مِنْها أُعِيدُوا فِيها [السجدة: ٢٠] بنقص: من غم. وَلَمَّا أَنْ جاءَتْ رُسُلُنا لُوطاً [العنكبوت: ٣٣]. وَلَمَّا جاءَتْ [هود: ٧٧] بحذف أن. ثالثا: التشابه بالتقديم والتأخير: ومثاله: اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكاثُرٌ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ [الحديد: ٢٠]. وقدم اللعب عن اللهو لأن اللعب يكون في مرحلة الصبا، والله ويكون في مرحلة الشباب أي: لعب كلعب الصبيان ولهو كلهو الشباب ومرحلة الصبا سابقة على مرحلة الشباب، ولذلك قدم اللعب على اللهو بالآية أما تقديم اللهو على اللعب: وَما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ [العنكبوت: ٦٤]. فزمان الدنيا سريع الانقضاء قليل البقاء: وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ [العنكبوت: ٦٤].

стр. 245

أي: الحياة التي لا بداية ولا نهاية لها فبدأ بذكر اللهو وهو في زمان الشباب وهو أكثر من زمن اللعب وهو زمن الصبا. رابعا: بالتعريف والتنكير: وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ [البقرة: ١٢٦]. فلم تكن مكة موجودة فدعا إبراهيم أن تكون في هذا المكان. أما في إبراهيم: وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً [إبراهيم: ٣٥]. فقد كانت مكة قائمة. وكما ترى بلدا في البقرة بالتنكير وهي مفعول به ثان ءامنا صفة للبلد. أما في سورة إبراهيم فالبلد معرفة بآل البلد وإعرابها بدل من هذا وءامنا مفعول به ثان للفعل اجعل. خامسا: بالجمع والإفراد: لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً [البقرة: ٨٠] مَعْدُوداتٍ [آل عمران: ٢٤] لأن الجمع إذا كان واحده مذكر أن يقتصر في الوصف على التأنيث وهذا هو الأصل كقوله تعالى: فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ (١٣) وَأَكْوابٌ مَوْضُوعَةٌ (١٤) وَنَمارِقُ مَصْفُوفَةٌ (١٥) وَزَرابِيُّ مَبْثُوثَةٌ [الغاشية: ١٣ - ١٦] فآية البقرة هي الأصل وآية آل عمران على الفرع. سادسا: إبدال حرف بحرف. اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْها رَغَداً [البقرة: ٣٥]. وفي الأعراف فَكُلا الأولى في الواو والثانية بالفاء وآية الأعراف خطاب لهما قبل الدخول. وآية البقرة خطاب لهما بعد الدخول. سابعا: إبدال كلمة بأخرى:

стр. 246

فَانْفَجَرَتْ [البقرة: ٦٠]، فَانْبَجَسَتْ [الأعراف: ٦٠]. ثامنا: الإدغام وتركه. وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً [النساء: ١١٥]. ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ [الأنفال: ١٣]. ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ [الحشر: ٤]. ثانيا: التشابه باعتبار الحروف «عدد ورود الكلمات» أولا: ما جاء على حرفين: أ- عَذابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ [هود: ٢٦، الزخرف: ٦٥]. ب- فَلَمَّا أَنْ جاءَ الْبَشِيرُ [يوسف: ٩٦]، فَلَمَّا أَنْ أَرادَ أَنْ يَبْطِشَ [القصص: ١٩]. ج- وَجاءَهُمُ الْبَيِّناتُ حرفان في آل عمران رقم «٨٦» ورقم «١٠٥» وغيره كثير. ثانيا: ما جاء على ثلاثة أحرف: وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ [البقرة: ٥٤، المائدة: ٢٠، الصف: ٥]. ثالثا: ما جاء على أربعة أحرف: قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ [الأعراف: ١٥٨]، [يونس: ١٠٤، ١٠٨، الحج: ٤٩]. رابعا: ما جاء على خمسة أحرف:

стр. 247

أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ [النساء: ٥٩، المائدة: ٩٢، النور: ٥٤، محمد: ٣٣، التغابن: ١٢]. خامسا: وهكذا ما نزل على ستة أحرف وسبعة أحرف وثمانية أحرف وتسعة أحرف وعشرة أحرف وأحد عشر وخمسة عشر وثمانية عشر وعشرين وثلاثة وعشرين. وكل هذه لها أمثلة يمكن الرجوع إليها في كتب علوم القرآن الكريم. راجع البرهان في علوم القرآن للزركشي من صفحة «١٤٥» إلى الصفحة «١٥٤».

стр. 248

المناسبات والربط بين السور وبين الآيات ١ - المناسبة أمر معقول إذا عرض على العقول تلقته بالقبول والمناسبة المقاربة. ومنه النسيب وهو القريب الذي بينك وبينه رابطة. والمناسبة بين الآيات: وجود رابط بينها أو علاقة، والكلام المترابط كالبناء المحكم المتلائم. ٢ - وإذا كان القرآن الكريم قد نزل في أكثر من/ ٢٢/ سنة لكنه مرتب في اللوح المحفوظ على وفق ترتيبه بالمصحف. فهو مترابط محكم قال تعالى: الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ [هود: ١]. وهذا مبني على أن ترتيب سور المصحف توقيفي. أولا: الربط بين السور: من كان ذا بصيرة تبين له أن افتتاح السورة يتناسب مع خاتمة ما قبلها ومن الأمثلة على ذلك. أ- افتتحت سورة الأنعام بالحمد لله: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ [الأنعام: ١]. وهذا مناسب لختام سورة المائدة قبلها من فصل القضاء وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ [الزمر: ٧٥]. ب- وكافتتاح سورة فاطر بالحمد مناسب لختام سورة سبأ وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ كَما فُعِلَ بِأَشْياعِهِمْ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ [سبإ: ٥٤].

стр. 249

ج- الارتباط بين سورة الفيل وقريش ولذلك قيل: إن اللام في قوله تعالى: لِإِيلافِ هي للتعليل فقد نجاهم من أصحاب الفيل وامتن عليهم برحلتي الشتاء والصيف. د- الترابط بين سورتي الماعون والكوثر، ففيهما مقابلة. ففي سورة الماعون أربع صفات للمنافق يقابلها ضدها بالكوثر: ١ - فالبخل بالماعون يقابلها بالكوثر الكثير. ٢ - وترك الصلاة بالماعون يقابلها بالكوثر فصلّ. ٣ - والرياء في الماعون يقابلها بالكوثر لربك (أي: خالصا لله). ٤ - ومنع الزكاة في الماعون يقابلها بالكوثر وانحر (التصدق بلحم الأضاحي). هـ- افتتحت سورة الإسراء بالتسبيح: سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا [الإسراء: ١]. وافتتحت سورة الكهف بعدها بالتحميد: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ [الكهف: ١] لأن التسبيح حيث جاء مقدم على التحميد. والعبارة المعلومة تقول سبحان الله والحمد لله وليس العكس. إذا كان هذا بالسور فكيف الترابط بين الكلمات!. ولذلك يظهر عند التأمل أن القرآن كالكلمة الواحدة.

стр. 250

أنواع الربط بين الآيات أ- إذا تعلق الكلام بعضه ببعض ولم يتم المعنى فالترابط واضح ولا حاجة لشرحه. ب- إذا لم يظهر الارتباط وظهر أن كل جملة مستقلة عن الأخرى وهذا هو موضوع البحث وهو يقسم إلى قسمين. القسم الأول: أن تكون الجمل معطوفة ولا بدّ أن تكون بينهما جهة جامعة كقوله تعالى: يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَما يَخْرُجُ مِنْها وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وَما يَعْرُجُ فِيها [سبإ: ٢] فهنا مقابلة وتضاد. وهذا مثال يوضح ذلك: سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١) وَآتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَجَعَلْناهُ هُدىً لِبَنِي إِسْرائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا (٢) ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كانَ عَبْداً شَكُوراً [الإسراء: ١ - ٣]. فما العلاقة بين الإسراء وموسى ونوح؟ وما الرابطة؟!. فقد اطلع رسوله محمدا ﷺ على الغيب عيانا وأخبره بوقائع من سلف بيانا، لتقوم أخباره على معجزاته برهانا. أي سبحان الذي أطلعك على بعض آياته لتقصها ذكرا، وأخبرك بما جرى لموسى وقومه
следующие страницы →