Полный текст (326 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
فَانْفَجَرَتْ [البقرة: ٦٠]، فَانْبَجَسَتْ [الأعراف: ٦٠].
ثامنا:
الإدغام وتركه.
وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً [النساء: ١١٥].
ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ [الأنفال: ١٣].
ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ [الحشر: ٤].
ثانيا:
التشابه باعتبار الحروف «عدد ورود الكلمات»
أولا:
ما جاء على حرفين:
أ- عَذابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ [هود: ٢٦، الزخرف: ٦٥].
ب- فَلَمَّا أَنْ جاءَ الْبَشِيرُ [يوسف: ٩٦]، فَلَمَّا أَنْ أَرادَ أَنْ يَبْطِشَ [القصص: ١٩].
ج- وَجاءَهُمُ الْبَيِّناتُ حرفان في آل عمران رقم «٨٦» ورقم «١٠٥» وغيره كثير.
ثانيا:
ما جاء على ثلاثة أحرف:
وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ [البقرة: ٥٤، المائدة: ٢٠، الصف: ٥].
ثالثا:
ما جاء على أربعة أحرف:
قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ [الأعراف: ١٥٨]، [يونس: ١٠٤، ١٠٨، الحج: ٤٩].
رابعا:
ما جاء على خمسة أحرف:
стр. 247
أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ [النساء: ٥٩، المائدة: ٩٢، النور: ٥٤، محمد: ٣٣، التغابن: ١٢].
خامسا:
وهكذا ما نزل على ستة أحرف وسبعة أحرف وثمانية أحرف وتسعة أحرف وعشرة أحرف وأحد عشر وخمسة عشر وثمانية عشر وعشرين وثلاثة وعشرين. وكل هذه لها أمثلة يمكن الرجوع إليها في كتب علوم القرآن الكريم.
راجع البرهان في علوم القرآن للزركشي من صفحة «١٤٥» إلى الصفحة «١٥٤».
стр. 248
المناسبات والربط بين السور وبين الآيات
١ - المناسبة أمر معقول إذا عرض على العقول تلقته بالقبول والمناسبة المقاربة. ومنه النسيب وهو القريب الذي بينك وبينه رابطة.
والمناسبة بين الآيات: وجود رابط بينها أو علاقة، والكلام المترابط كالبناء المحكم المتلائم.
٢ - وإذا كان القرآن الكريم قد نزل في أكثر من/ ٢٢/ سنة لكنه مرتب في اللوح المحفوظ على وفق ترتيبه بالمصحف. فهو مترابط محكم قال تعالى: الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ [هود: ١].
وهذا مبني على أن ترتيب سور المصحف توقيفي.
أولا: الربط بين السور:
من كان ذا بصيرة تبين له أن افتتاح السورة يتناسب مع خاتمة ما قبلها ومن الأمثلة على ذلك.
أ- افتتحت سورة الأنعام بالحمد لله: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ [الأنعام: ١].
وهذا مناسب لختام سورة المائدة قبلها من فصل القضاء وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ [الزمر: ٧٥].
ب- وكافتتاح سورة فاطر بالحمد مناسب لختام سورة سبأ وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ كَما فُعِلَ بِأَشْياعِهِمْ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ [سبإ:
٥٤].
стр. 249
ج- الارتباط بين سورة الفيل وقريش ولذلك قيل: إن اللام في قوله تعالى: لِإِيلافِ هي للتعليل فقد نجاهم من أصحاب الفيل وامتن عليهم برحلتي الشتاء والصيف.
د- الترابط بين سورتي الماعون والكوثر، ففيهما مقابلة. ففي سورة الماعون أربع صفات للمنافق يقابلها ضدها بالكوثر:
١ - فالبخل بالماعون يقابلها بالكوثر الكثير.
٢ - وترك الصلاة بالماعون يقابلها بالكوثر فصلّ.
٣ - والرياء في الماعون يقابلها بالكوثر لربك (أي: خالصا لله).
٤ - ومنع الزكاة في الماعون يقابلها بالكوثر وانحر (التصدق بلحم الأضاحي).
هـ- افتتحت سورة الإسراء بالتسبيح: سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا [الإسراء: ١]. وافتتحت سورة الكهف بعدها بالتحميد: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ [الكهف: ١] لأن التسبيح حيث جاء مقدم على التحميد.
والعبارة المعلومة تقول سبحان الله والحمد لله وليس العكس.
إذا كان هذا بالسور فكيف الترابط بين الكلمات!. ولذلك يظهر عند التأمل أن القرآن كالكلمة الواحدة.
стр. 250
أنواع الربط بين الآيات
أ- إذا تعلق الكلام بعضه ببعض ولم يتم المعنى فالترابط واضح ولا حاجة لشرحه.
ب- إذا لم يظهر الارتباط وظهر أن كل جملة مستقلة عن الأخرى وهذا هو موضوع البحث وهو يقسم إلى قسمين.
القسم الأول:
أن تكون الجمل معطوفة ولا بدّ أن تكون بينهما جهة جامعة كقوله تعالى: يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَما يَخْرُجُ مِنْها وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وَما يَعْرُجُ فِيها [سبإ: ٢] فهنا مقابلة وتضاد.
وهذا مثال يوضح ذلك:
سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١) وَآتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَجَعَلْناهُ هُدىً لِبَنِي إِسْرائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا (٢) ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كانَ عَبْداً شَكُوراً [الإسراء: ١ - ٣].
فما العلاقة بين الإسراء وموسى ونوح؟ وما الرابطة؟!.
فقد اطلع رسوله محمدا ﷺ على الغيب عيانا وأخبره بوقائع من سلف بيانا، لتقوم أخباره على معجزاته برهانا. أي سبحان الذي أطلعك على بعض آياته لتقصها ذكرا، وأخبرك بما جرى لموسى وقومه
стр. 251
لتكون قصتهما آية أخرى؟ أو أنه أسرى بمحمد إلى ربه كما أسرى بموسى من مصر حين خرج منها خائفا يترقب.
ثم ذكر ذرية من حملنا مع نوح ليتذكر بنو إسرائيل نعمة الله عليهم، قديما حيث نجاهم من الغرق إذ لو لم ينج أباهم من أبناء نوح لما وجدوا وأخبرهم أن نوحا كان عبدا شكورا وهم ذريته والولد سر أبيه فيجب أن يشكروا النعم كأبيهم لأن عليهم أن يسيروا على سيرته.
فهاهنا ثلاث نعم.
١ - نعمة الله على محمد ﷺ بالإسراء.
٢ - نعمة الله على موسى برحلته إلى مدين ونجاته من فرعون.
٣ - نعمة الله على نوح وذريته بإنجائهم من الغرق.
- والمثال الثاني: أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (١٧) وَإِلَى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (١٨) وَإِلَى الْجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (١٩) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ [الغاشية: ١٧ - ٢٠] فما العلاقة بين الإبل والسماء والجبال والأرض؟
الأول:
من المعلوم أن البدوي يعتمد في معيشته على الإبل. والإبل بحاجة إلى غذاء ومرعى، وسبب نبات العشب هو المطر النازل من السماء. فإذا نزل المطر فلا بيت عنده يحميه، فيلجأ إلى الجبال يحتمي بها من المطر.
فإذا انقطع هطل المطر خرج بإبله إلى الأرض الفسيحة ليرعى إبله. فسبحان الله العظيم والحمد لله رب العالمين على نعمه.
стр. 252
الثاني:
أن تكون الجمل غير معطوفة فلا بد من دعامة تؤذن باتصال الكلام وهي قرائن معنوية مؤذنة بهذا الربط وأسبابه.
١ - التنظير:
وهو إلحاق النظير بالنظير. كقوله تعالى: كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ [الأنفال: ٥].
عقب قوله: أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ [الأنفال: ٤].
فإن الله أمر رسوله أن يمضي إلى الغنائم كما خرج من بيته لطلب العير وهم كارهون. وذلك أنهم اختلفوا في قسم الأنفال والغنائم وحاجوا الرسول ﷺ في ذلك. أي أن كراهيتهم لما فعلته الغنائم ككراهيتهم في الخروج معك إلى العير.
٢ - المضادة:
ومثاله في أول سورة البقرة. فقد وصف الله المؤمنين بالقرآن الكريم فقال: الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤) أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [البقرة: ٣ - ٥].
ثم ذكر ضدهم وهم الكفار. إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٦) خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ
عَظِيمٌ
[البقرة: ٦ - ٧].
٣ - الاستطراد:
كقوله تعالى: يا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً يُوارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشاً وَلِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ ذلِكَ مِنْ آياتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ [الأعراف: ٢٦].
стр. 253
فهذه الآية واردة على سبيل الاستطراد بعد بدو وظهور السوءات وخصف الورق لإظهار نعمة الله في اللباس ولما في العري وكشف العورات من المهانة والفضيحة فالستر باب عظيم من أبواب التقوى.
فقابلها بآيات قوله تعالى: فَلَمَّا ذاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَناداهُما رَبُّهُما أَلَمْ أَنْهَكُما عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُما إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُما عَدُوٌّ مُبِينٌ [الأعراف: ٢٢].
هذه خلاصة مبسطة للربط بين سور القرآن وللربط بين آيات القرآن الكريم.
стр. 254
النسخ
معنى النسخ: الإزالة. فينسخ الله ما يلقي الشّيطان.
ومعناه أيضا التبديل. وإذا بدّلنا آية مكان آية.
وأيضا التحويل كتناسخ المواريث أي تحويلها من واحد إلى واحد.
وأيضا النقل من موضع إلى آخر مثل نسخت الكتاب إذا نقلته وفي الجاثية: إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [الجاثية: ٢٩].
والنسخ بيان مدة الحكم وهو رفع الحكم الشرعي المتقدم بدليل شرعي متأخر.
- أدلة النسخ السمعية:
أ- ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [البقرة: ١٠٦].
ب- يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ [الرعد: ٣٩].
ج- وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ قالُوا إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ [النحل: ١٠١].
د- فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ [النساء: ١٦٠].
هـ- أجمع السلف على وقوع النسخ بالشريعة الإسلامية.
- حكمة وقوع النسخ:
لقد نسخ الله بالإسلام كل دين سبقه ونسخ بعض أحكام هذا الدين
стр. 255
ببعض مراعاة لظروف المجتمعات وتطورها، ومراعاة لحاجة الأمة الإسلامية حسب المراحل التي مرت بها كي لا تكون طفرة بل بالتدرج كمن يريد أن يصعد إلى السطح. ومثاله تحريم الخمر بالتدريج، ولو قال لهم من أول الأمر «لا تشربوا الخمر لقالوا لا ندع الخمر أبدا».
- فيم يقع فيه النسخ ؟
الجمهور على أنه يقع في الأمر والنهي ولا بد من تحقيق شروط أربعة.
١ - أن يكون المنسوخ حكما شرعيا.
٢ - أن يكون دليل رفع الحكم دليلا شرعيا.
٣ - أن يكون هذا الدليل متراخيا عن دليل الحكم الأول.
٤ - أن يكون بين الدليلين تعارض حقيقي.
- تقسيم سور القرآن بحسب ما دخله من النسخ وما لم يدخله:
أ- ما ليس فيه ناسخ أو منسوخ/ ٤٣/ سورة كالفاتحة ويوسف.
ب- ما فيه ناسخ وليس فيه منسوخ مثل الفتح، والحشر، والمنافقون، والتغابن، والأعلى، والطلاق.
ج- ما فيه منسوخ وليس فيه ناسخ مثل الأنعام، والإسراء.
د- ما اجتمع فيه الناسخ والمنسوخ مثل البقرة، وآل عمران، والنساء، فالنسخ لا يكون إلا في الأحكام كما تقدم وفي فروع العبادات والمعاملات، أما غير هذه الفروع من العقائد وأمهات الأخلاق وأصول العبادات والمعاملات ومدلولات الأخبار المحضة، فلا تصح على الرأي الراجح وهو رأي الجمهور.
стр. 256
- أنواع النسخ بالقرآن الكريم .
أ- نسخ الحكم والتلاوة معا.
ب- نسخ الحكم دون التلاوة.
ج- نسخ التلاوة دون الحكم.
أولا: ما نسخ حكمه ورسمه معا:
روي عن عائشة ﵂ موقوفا «كان فيما أنزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن، ثم نسخن بخمس معلومات وتوفي رسول الله ﷺ وهن فيما يقرأ من القرآن» والحديث صحيح وله حكم المرفوع لأن مثله لا يقال عن رأي، وكما هو واضح حكم العشر رضعات منسوخ حكما ورسما.
وثانيا:
نسخ الحكم دون التلاوة فالآية: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً [الحديد: ١٢].
منسوخة بقوله تعالى: أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ [المجادلة: ١٣].
ثالثا: نسخ الرسم وبقاء الحكم:
ومثاله ما روي عن عمر وأبي بن كعب ﵄ أنهما قالا:
«كان فيما أنزل من القرآن الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة».
مع أن حكمهما باق على إحكامه لم ينسخ.
стр. 257
النسخ ببدل ولا بدل
أ- الحكم المنسوخ: إما أن يحل الله سبحانه محله حكما آخر فيكون النسخ ببدل ومثاله:
أن الله نهى المسلمين أول الأمر عن قتال الكفار فقال: وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [البقرة: ١٠٩].
ثم سمح لهم بالقتال فقال:
أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ [الحج: ٣٩].
ب- النسخ بلا بدل كمثال الصدقة الذي مر قبل قليل ونسخها بترك تقديم الصدقة بين يدي الرسول ﷺ عند مناجاته، فعند ذلك يصير عدم الحكم خيرا من الحكم أو مثله مصدقا لقوله تعالى:
ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [البقرة: ١٠٦].
стр. 258
نسخ الحكم ببدل
- له ثلاث حالات:
أ- ببدل أخف ب- ببدل يساويه.
ج- ببدل أثقل.
أ- النسخ ببدل أخف كنسخ تحريم الأكل والشرب والجماع بعد النوم في ليالي رمضان بإباحة ذلك.
أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ وَعَفا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوها كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آياتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ [البقرة: ١٨٧].
ب- نسخ الحكم إلى بدل مساو له كنسخ القبلة إلى بيت المقدس بالقبلة إلى البيت الحرام بمكة بقوله تعالى:
قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ [البقرة: ١٤٤].
стр. 259
والنوعان السابقان لا خلاف في جوازهما:
ج- نسخ الحكم إلى حكم أثقل منه كتحريم الخمر بعد أن كانت مباحة بقوله: إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ [المائدة: ٥].
فالجمهور على جوازه، ونسخ فرض صيام عاشوراء بصوم رمضان.
دوران النسخ بين القرآن والسنة
النسخ قد يرد في القرآن الكريم وقد يرد في السنة المطهرة والمنسوخ كذلك.
ولذا فأمامنا أربع حالات هي:
أ- نسخ القرآن بالقرآن.
ب- نسخ القرآن بالسنة.
ج- نسخ السنة بالقرآن.
د- نسخ السنة بالسنة.
أولا:
نسخ القرآن بالقرآن وقد تقدم الكلام عليه في حالاته الثلاث.
ثانيا:
نسخ القرآن بالسنة.
١ - جواز نسخ القرآن بالسنة قال به المالكية والحنفية والأشاعرة والمعتزلة ولم يجزه الشافعية والحنابلة في أحد القولين وأهل الظاهر ولكل أدلته.
٢ - هل وقع نسخ القرآن بالسنة؟ يقول البعض نعم وهذه أمثلة على ذلك.
- رجم الزاني المحصن جاء بالسنة ناسخا حكم جلده الوارد بالآية الكريمة.
стр. 260
الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [النور: ٢٤].
وردّ عليهم أن هذا تخصيص لا نسخ.
- كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ [البقرة: ١٨٠] منسوخ بقوله ﷺ : «لا وصية لوارث».
وردّ على ذلك بأن الناسخ آيات المواريث وليس الحديث فإذا قرأناه كاملا تبين ذلك، والحديث بتمامه: «إن الله أعطى لكل ذي حق حقه فلا وصية لوارث».
- قوله تعالى: وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا [النساء: ١٥].
منسوخ بقوله الرسول ﷺ : «خذوا عني، خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلا، البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب، جلد مائة والرجم».
وردّ عليهم بأن هذا تخصيص لا نسخ لأن حكم الآية إلى أمد وهو قوله تعالى: أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا [النساء: ١٥]، وقيل على فرض النسخ فالناسخ هو الآية المنسوخة رسما والباقية حكما وهي «الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة».
- المثال الرابع: الآية الكريمة: قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى
стр. 261
طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [الأنعام: ١٤٥]، منسوخة بقوله ﷺ : «يحرم كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير».
الرد: الآية الكريمة لم تتعرض لإباحة ما عدا المذكور بها.
стр. 262
ثالثا: نسخ السنة بالقرآن الكريم
- الجمهور على جوازه ووقوعه وقد خالف الشافعي وبعض أصحابه فمنعوا ذلك، ومن أدلة الجواز عند القائلين:
أن السنة وحي ولا مانع من نسخ الوحي بالوحي، ومن أدلة وقوعه:
أ- استقبال بيت المقدس عرف بالسنة وقد نسخه القرآن الكريم بقوله تعالى: فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ [البقرة: ١٤٤].
ب- تحريم الأكل والشرب والجماع في رمضان بعد النوم وورد السنة ونسخ بقوله تعالى: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ وَعَفا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوها كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آياتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ [البقرة: ١٨٧].
ج- من شروط صلح الحديبية: أن الرسول ﷺ يرد من جاء مسلما من قريش وقد ردّ أبا جندل فنزل القرآن الكريم بنسخ هذا الحكم في حق النساء لما جاءت الرسول ﷺ امرأة أسلمت من قريش فهمّ ﷺ بردها فأنزل الله تعالى:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا/ جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ ما أَنْفَقُوا وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوافِرِ وَسْئَلُوا ما أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْئَلُوا ما أَنْفَقُوا ذلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [الممتحنة: ١٠].
стр. 263
رابعا: نسخ السنة بالسنة
أمامنا أربع احتمالات:
أ- نسخ سنة متواترة بسنة متواترة.
ب- نسخ سنة أحادية بسنة متواترة.
ج- نسخ سنة أحادية بسنة أحادية.
د- نسخ سنة متواترة بسنة أحادية.
والأنواع الثلاثة الأولى جائزة عقلا وشرعا والخلاف في النوع الرابع ففيه قولان: نفاه الجمهور وأثبته أهل الظاهر.
هذا ملخص موجز بسيط عن النسخ، ومن أراد المزيد فليرجع إلى كتب علوم القرآن الكريم.
стр. 264
التأكيد
تمهيد
القصد من الحمل على ما لم يقع ليصير واقعا، ولذا لا يؤكد الماضي ولا الحاضر لأنه تحصيل حاصل، ويؤكد المستقبل ويقسم التأكيد إلى صناعي ومعنوي.
أدوات التأكيد
١ - مؤكدات الجمل الاسمية:
أ- إنّ: كقوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ [الحج: ١]. أمر الله الناس بالتقوى ثم علل ذلك مجيبا لسؤال مقدر يذكر الساعة واصفا لها بأهول وصف ليقرر عليه الجواب فهي تأتي في جواب سؤال في معظم الأحيان، كقوله تعالى أيضا: وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ [المؤمنون: ٢٧]، وتأتي بعد النهي والدعاء كقوله تعالى: يا إِبْراهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هذا إِنَّهُ قَدْ جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ [هود: ٧٦].
وكقوله: وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ [التوبة: ١٠٣].
ب- كأنّ: في قصة بلقيس عن عرشها، كأنّه هو.
ج- لام الابتداء: إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاءِ [إبراهيم: ٣٩]، وهي لتأكيد مضمون الجملة ولهذا زحلقوها فسميت مزحلقة بعد «إنّ».
د- ضمير الفصل كما في قوله تعالى: إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مالًا وَوَلَداً [الكهف: ٣٩]، فضمير «أنا» للتأكيد.
стр. 265
وكقوله تعالى في سورة آل عمران: وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ [آل عمران: ١٨٠].
مؤكدات الجملة الفعلية
أ- «قد»
كقوله تعالى: وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [آل عمران: ١٠١]، وكقوله: وَلَقَدْ صَرَّفْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ [الإسراء: ٨٩]، وتدخل قد على الماضي: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها [الشمس: ٩]، وعلى المضارع كما في سورة الأنعام: قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ [الأنعام: ٣٣].
ب- السين وتسمى سين التنفيس:
كقوله تعالى: فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ [البقرة: ١٣٧].
كقوله تعالى: وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى [الضحى: ٥].
وفي هذه الآية حرفا تأكيد هما اللام والسين والسين حرف تأخير:
فالجمع بينهما «اللام والسين» أن العطاء كائن لا محالة.
ج- نون التوكيد:
١ - نون التوكيد المشددة وهي تفيد توكيد الفعل مرتين بمقابل «إن» و «اللام» في الاسم كقوله تعالى: وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ [آل عمران: ١٦٩].
١ - وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ [آل عمران: ١٨٠].
стр. 266
٢ - نون التوكيد الخفيفة:
وهي بمنزلة ذكر الفعل مرتين ولم ترد إلا في موضعين الأول: في سورة العلق: كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ [العلق: ١٥]، والثاني: وَلَيَكُوناً مِنَ الصَّاغِرِينَ [يوسف: ٣٢]، وهي مكتوبة بتنوين.
د- «لن» في تأكيد النفي مقابل «إنّ» في تأكيد الإثبات فإذا قلت: لا أَبْرَحُ [الكهف: ٦٠] وأردت تأكيدها قلت «لن أبرح» قال تعالى عن اليهود:
قُلْ إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٩٤) وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً [البقرة: ٩٤ - ٩٥].
ولن: تفيد الاستغراق في الدنيا بدليل قوله تعالى: في كل الكفار في سورة الحاقة: يا لَيْتَها كانَتِ الْقاضِيَةَ [الحاقة: ٢٧]، فهم يتمنون الموت بالآخرة.
وقال بعضهم: «لا» تنفي ما بعدها و «لن» تنفي ما قبلها ولذلك قيل في قول موسى لربه: رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قالَ لَنْ تَرانِي وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً فَلَمَّا أَفاقَ قالَ سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ [الأعراف: ١٤٣].
- إن عدم رؤيته لربه مقصورة على الحياة الدنيا لقربها.
ملاحظة:
قال تعالى في سورة الجمعة: قُلْ يا أَيُّهَا الَّذِينَ هادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِياءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٦) وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٧) [الجمعة].
فقد جاء ولا يتمنونه بعد الشرط وحرف الشرط يتم كل الأزمنة فقوبل
стр. 267
في (ولا يتمنونه) ليعلم ما هو جواب له، وأما ولن يتمنونه فجاء قبله:
قُلْ إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ [البقرة: ٩٤].
ملاحظة:
لا يتجاوز التأكيد ثلاثة مؤكدات في الأسماء ولا في الأفعال: كقوله تعالى: فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً [الطارق: ١٧]، فالمؤكدات بالآية ثلاثة:
«مهل» و «أمهل» و «رويدا» وكلها بمعنى واحد.
стр. 268
التوكيد اللفظي والمعنوي
أولا: التوكيد اللفظي:
- يكون بتكرار اللفظ أو مرادفه فالمرادف:
كقوله تعالى: وَغَرابِيبُ سُودٌ [فاطر: ٢٧]، وكقوله: فِجاجاً سُبُلًا [الأنبياء: ٣١].
- وتكرار اللفظ يكون:
أ- بالنكرة: قَوارِيرَا* قَوارِيرَا [الإنسان: ١٥ - ١٦] ب- وفي اسم الفعل: هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ [المؤمنون: ٣٦].
ج- وفي الجملة: فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً [الشرح: ٥ - ٦]، والأكثر الفصل بين الجملتين بثم كقوله تعالى: وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ (١٧) ثُمَّ ما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ [الانفطار: ١٧ - ١٨].
ثانيا: التوكيد المعنوي:
- ويكون بألفاظ مخصوصة مثل: «كل» «جميع»، «أجمع»، «ونفس»، «وعين» وغيرها كقوله تعالى: فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ [الحجر: ٣٠].
وكقوله تعالى: إِلَّا آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ [الحجر: ٥٩].
ملاحظة ١:
ومنه التأكيد بالمصدر كقوله تعالى: وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً [النساء: ١٦٤].
стр. 269
وقوله: يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْراً (٩) وَتَسِيرُ الْجِبالُ سَيْراً [الطور: ٩ - ١٠].
قالوا وهو عوض عن تكرار الفعل مرتين: تَمُورُ السَّماءُ مَوْراً [الطور: ٩]، معناه تمور مورا لذلك يلحقه البعض بالنوع الأول وهو التوكيد اللفظي.
ملاحظة ٢:
فائدة هذا النوع من التوكيد:
- قال بعضهم يرفع المجاز عن الفاعل فإذا قلت: «كرم الأمير العامل» لا يكون قد باشر التكريم بنفسه أما إذا قلت: «كرم الأمير العامل تكريما» فقد باشر ذلك بنفسه. وقال بعضهم يرفع الوهم عن الحديث لا عن المحدّث عنه ففي المثال السابق كرم الأمير العامل تكريما فمعناه قد حصل التكريم لا أن الأمير باشره بنفسه فإذا قلت كرم الأمير نفسه العامل تكريما فإنه قد باشر ذلك بنفسه دون نيابة عنه.
ملاحظة ٣:
أيهما أولى التأكيد بالمصدر أم بالفعل.
أ- قال البعض التأكيد بالمصدر أولى لأنه اسم وهو أخف من الفعل ولأن الفعل يتحمل الضمير فيصير جملة فيزداد ثقلا.
ب- وقال بعضهم التأكيد بالفعل أولى لأن الفعل يفيد الاستمرار.
стр. 270
التأكيد بالصفة
تمهيد
تفيد التخصيص إذا كان الموصوف نكرة وتفيد التوضيح إذا كان الموصوف معرفة.
- والمقصود بالصفة هنا: ما يوصف به وإن لم يعرب صفة بل ما يفيده الكلام كقوله تعالى: كَما أَرْسَلْنا إِلى فِرْعَوْنَ رَسُولًا [المزمل: ١٥] وصف موسى ﵇ بأنه رسول.
أولا: أسباب مجيء الصفة:
أ- المدح والثناء مثل: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [الفاتحة: ١]، وقوله: يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا [المائدة: ٤٤]، فمدحهم بالإسلام تعريضا باليهود لأن الدين عند الله الإسلام، واليهود حرفوا وبدلوا التوراة.
ب- زيادة البيان كقوله تعالى: فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ [الأعراف: ١٥٨].
ج- لتعيين جنسه كقوله تعالى: وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ [الأنعام: ٣٨]، فدابة للجنسية لا للأفراد فقد وردت دابّة مفردة وكذلك قال يطير بجناحيه من جميع ما يطير لذا قال بجناحيه كي لا يحصرها البعض في الجن والملائكة فإنهم يطيرون، ولذا جمع كلما أمم لتشمل كل ما يدب على الأرض وكل ما يطير في السماء.
стр. 271
ثانيا- تكرار الصفات والمنعوت واحد
.- إذا تكررت النعوت والمنعوت واحد فتارة تكون بالعطف، وتارة تكون بلا عاطف، مثل قوله تعالى: وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ (١٠) هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (١١) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (١٢) عُتُلٍّ بَعْدَ ذلِكَ زَنِيمٍ (١٣) [القلم: ١٠ - ١٣].
- ومع العاطف كقوله تعالى: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدى (٣) وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعى (٤) [الأعلى: ١ - ٤].
ويشترط في ذلك اختلاف معانيها فكل صفة مستقلة عن الأخرى.
- وإذا تباعد معنى الصفات فالعطف أحسن كقوله تعالى في سورة الحديد: هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ [الحديد: ٣].
ثالثا: فصل الجمل في مقام المدح والذم:
إذا ذكرت صفات متعددة في مقام المدح والذم فالأحسن أن يخالف في إعرابها رفعا أو نصبا أو جرا لأن المقام يقتضي الإطناب كقوله تعالى:
لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقابِ وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولئِكَ الَّذِينَ
صَدَقُوا وَأُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ
[البقرة: ١٧٧]، ومثله: وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكاةَ [النساء: ١٦٢].
المقيمين: منصوب، والمؤتون: مرفوع.
رابعا: وصف الجمع بالمفرد:
كقوله تعالى: وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى [الأعراف: ١٨٠].
стр. 272
وكقوله تعالى: فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى [طه: ٥١].
فالأسماء والقرون جمع، وصفاتها مفردة: الحسنى: والأولى.
وذلك لأن اللفظ المؤنث «الحسنى والأولى مثلا» يجوز إطلاقه على جماعة المؤنث «كالأسماء والقرون».
ملاحظة:
توجد مؤكدات أخرى، وإنما ذكرت بعضها لتكون نموذجا للتأكيد في القرآن الذي هو فرع من فروع أساليب القرآن الكريم.
стр. 273
دور علم النحو في فهم معاني القرآن الكريم
تمهيد
القرآن الكريم هو كتاب اللغة العربية الخالد فقد حفظ هذه اللغة من الاندثار والانقراض ووصل ماضي هذه الأمة بحاضرها فيستطيع العربي أن يفهم ما كتبه أجداده قبل آلاف السنين وهذه مزية لهذه الأمة بفضل هذا الكتاب الكريم على غيرها من الأمم كما عمل على نشرها في مناطق واسعة من العالم فلا يوجد قطر في كافة أرجاء المعمورة إلا وفيه من يتكلم العربية لغة الدين والحضارة الإسلامية، كما أغناها بالعبارات والمصطلحات الجديدة كالصوم والصلاة وغيرها، والأهم من كل ذلك أنه وحدّ لهجاتها في لهجة واحدة فأصبحت لغة العالم والدين والتفاهم بين الناس.
وهذه المزايا التي أعطاها القرآن لهذه اللغة جعلتها تساهم في فهم هذا الكتاب الكريم، وفي هذا المقام سأتطرق إلى موضوع «النحو في كتاب الله تعالى» وبإيجاز شديد موضحا ذلك بالأمثلة المبسطة.
٢ - وضع علم النحو:
سمع أعرابي قارئا يقرأ قوله تعالى: أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ [التوبة: ٣] بكسر اللام بكلمة رسوله فقال: كيف يبرأ الله من رسوله فرفع الأمر إلى ولي الأمر، فأمر بوضع قواعد اللغة العربية فكلمه ورسوله مرفوعة أي ورسوله برىء من المشركين كذلك.
٣ - وهذه بعض المباحث النحوية التي تبين أثر النحو في فهم كتاب الله تعالى:
стр. 274
- المثال الأول:
قال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ [المائدة: ٦] فماذا تفيد الباء بكلمة برءوسكم لفهم ذلك هذه معاني الباء باللغة العربية عند علماء النحو:
وهي حرف جر لأربعة عشر معنى:
١ - الإلصاق:
وهو معنى لا يفارقها وهو حقيقي ومجازي.
٢ - التعدية:
كقوله تعالى: ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ [البقرة: ١٧]، أي:
أذهب الله نورهم.
٣ - الاستعانة:
مثل: «بسم الله الرّحمن الرحيم».
٤ - السببية:
كقوله تعالى: إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخاذِكُمُ الْعِجْلَ [البقرة: ٥٤].
٥ - المصاحبة ،
كقوله تعالى: اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا وَبَرَكاتٍ عَلَيْكَ وَعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذابٌ أَلِيمٌ [هود: ٤٨].
٦ - الظرفية:
كقوله تعالى: نَجَّيْناهُمْ بِسَحَرٍ [القمر: ٣٤].
٧ - المقابلة:
ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [النحل: ٣٢].
٨ - الجارة:
بمعنى عن: فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً [الفرقان: ٥٩]، أي: عنه.
٩ - الاستعلاء
كقوله تعالى: وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً [الفرقان: ٧٢]، أي: على اللغو.
١٠ - التبعيض
كقوله تعالى: عَيْناً يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَها تَفْجِيراً [الإنسان: ٦]، أي يشرب بعضها.
١١ - الغاية ،
كقوله تعالى: وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ [يوسف: ١٠٠].
стр. 275
١٢ - التوكيد
وهي الباء الزائدة: وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً [النساء: ٧٩]، وكقوله: وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ [مريم: ٢٥].
١٣ - القسم والحلف
وهو معروف ومشهور.
١٤ - البدل:
وبعد هذا أعود لمعنى الباء في الآية الكريمة آية الوضوء.
قال بعضهم: هي للتبعيض أي: «فامسحوا بعض رءوسكم» قال آخرون: هي للإلصاق أي امسحوا رءوسكم ملصقين بأيديكم بمقدار أصابع اليد وهو ربع الرأس وقال بعضهم: الباء للاستعانة وفي الكلام وقلب فمسح يتعدى إلى المزال عنه نفسه وإلى المزيل بالماء فالأصل امسحوا رءوسكم بالماء.
وقيل: الباء زائدة بالمعنى امسحوا رءوسكم أي مسح جميع الرأس.
٤ - المثال الثاني:
قوله تعالى: وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ [الأنعام: ١٢١].
فما حكم أكل متروك التسمية:
أ- إذا تركت التسمية نسيانا فالذبيحة تأكل لأنه: رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه.
ب- أما متروك التسمية عمدا:
- فمن قال أن الواو بقوله تعالى: وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ [الأنعام: ١٢١] هي واو الحال فقال تؤكل الذبيحة والمعنى: وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ
стр. 276
اللَّهِ عَلَيْهِ [الأنعام: ١٢١] في حالة كونه فسقا أي ذبح لغير الله كقوله تعالى:
وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ [البقرة: ١٧٣].
- ومن قال الواو استئنافية فقد وقف على كلمة «عليه» فلا يؤكل متروك التسمية عمدا لقوله تعالى: وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ [الأنعام: ١٢١].
وهذا عموم بالنسبة لمتروك التسمية عمدا ونسيانا وقد استثني النسيان بنص الحديث الشريف فبقي العمد على الأصل.
٥ - المثال الثالث:
- من معاني «كان».
أ- إذا وقعت في صفات الله تعالى فهي مسلوبة الدلالة عن الزمان.
وكقوله تعالى: وَكانَ اللَّهُ سَمِيعاً عَلِيماً [النساء: ١٤٨].
وكقوله تعالى: وَكانَ اللَّهُ واسِعاً حَكِيماً [النساء: ١٣٠].
وكقوله تعالى: وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً [النساء: ١٠٠].
وكقوله تعالى: وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عالِمِينَ [الأنبياء: ٨١].
أي كان ولم يزل من الأزل إلى الأبد.
ب- تنقضي الدوام والاستمرار كقوله تعالى: وَكانَ الشَّيْطانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً [الإسراء: ٢٧]، أي: لم يزل منذ أن وجد منطويا على الكفر.
ج- إذا أخبر بكان عن صفات الآدميين فالمراد أنها غريزة فطرية طبيعية مركوزة في النفس كقوله تعالى: وَكانَ الْإِنْسانُ عَجُولًا [الإسراء: ١١] وكقوله تعالى: إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا [الأحزاب: ٧٢].
د- وإذا أخبر بها عن أفعال الآدميين دلت على اقتران مضمون الجملة
стр. 277
بالزمان كقوله تعالى: إِنَّهُمْ كانُوا يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَيَدْعُونَنا رَغَباً وَرَهَباً وَكانُوا لَنا خاشِعِينَ [الأنبياء: ٩٠].
وقال أبو بكر الرازي وكان في القرآن على خمسة أوجه:
١ - بمعنى الأزل والأبد كقوله تعالى: وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً [النساء: ١٧].
٢ - وبمعنى المضي المنقطع كقوله تعالى: وَكانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ [النمل: ٤٨].
وهو الأصل في معاني كان كما تقول كان زيد صالحا أو مريضا أو وفيا أو نحوه.
٣ - وبمعنى الحال كقوله تعالى: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ [آل عمران: ١١٠] وقوله تعالى: إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً [النساء: ١٠٣].
٤ - وبمعنى الاستقبال كقوله تعالى: وَيَخافُونَ يَوْماً كانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً [الإنسان: ٧]، وقوله: وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبى وَاسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ [البقرة: ٣٤].
٥ - وبمعنى صار كقوله تعالى: وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ [البقرة: ٣٤].
فهذه أمثلة بسيطة تبين أهمية النحو في فهم كتاب الله تعالى وبيان معانيه.
стр. 278
أسباب النزول
أولا: نزول القرآن الكريم:
نزل القرآن الكريم بدون مناسبة أو بمناسبة أو بعد حادثة أو سؤال.
أ- وأكثر القرآن الكريم نزل بدون مناسبة كقوله تعالى في سورة العاديات: وَالْعادِياتِ ضَبْحاً (١) فَالْمُورِياتِ قَدْحاً (٢) فَالْمُغِيراتِ صُبْحاً (٣) فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً (٤) فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً (٥) إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ [العاديات: ١ - ٦].
وكقوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ [الحج: ١].
ب- وهنالك آيات نزلت بعد حادثة استدعت ذلك: فلما قال المشركين: إن محمدا أبتر ليس له أولاد ذكور نزل قوله تعالى: إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ (١) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢) إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ [الكوثر: ١ - ٣].
ج- وبعض الآيات نزلت بعد سؤال وجّه للرسول ﷺ فلما اختلف المسلمون بعد غزوة بدر في قسمة الأنفال وسألوا الرسول ﷺ نزل قوله تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [الأنفال: ١]، فقسمها الرسول ﷺ للراجل سهم وللفارس سهمان فرضوا بذلك منقادين لحكم الله ورسوله.
стр. 279
ثانيا: فوائد أسباب النزول:
أ- فهم الآية القرآنية
كقوله تعالى: وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ واسِعٌ عَلِيمٌ [البقرة: ١١٥]، فقد يفهم منها أنه حيثما توجه المصلي شرقا أم غربا فصلاته جائزة ولكن الحكم ليس كذلك فالتوجه للقبلة شرط من شروط الصلاة، ويستثنى من ذلك أن الإنسان إذا كان في سفر بعيدا عن الناس وتحرى القبلة فلم يعرفها فيجوز له أن يصلي إلى الجهة التي يغلب على ظنه أنها القبلة ولو أخطأ بذلك، أما قوله تعالى:
وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً
[الطلاق: ٤]، فقد فهم الظاهرية من ذلك أن الكبيرة التي انقطع دم الحيض عنها لا عدة عليها إذا لم ترتب في ذلك أي في انقطاع الحيض عنها.
ولكن الأمر ليس كذلك كما يوضح لنا أسباب النزول فقد قال الصحابة قد علمنا عدد النساء جميعا فما عدة الكبيرة التي يئست من المحيض وما عدة الصغيرة التي لا تحيض فنزلت الآية لبيان عدتهن ويصبح معنى إن ارتبتم إن أشكل عليكم حكمهن وجهلتم كيف يعتددن فهذا هو حكمهن.
ب- معرفة من نزلت فيه الآية:
كقوله تعالى: وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبى وَالْمَساكِينَ وَالْمُهاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [النور: ٢٢].
فلما تكلم مسطح بن أثاثة قريب أبي بكر ﵁ وخاض في حديث الإفك بشأن عائشة ﵂، حلف أبو بكر أن لا يعطيه شيئا فنزلت الآية السابقة تشير إلى أبي بكر وتطلب منه أن لا يقطع صدقاته عن مسطح قريبه وأن يعفو عنه ويصفح.
стр. 280
ج- دفع توهم الحصر
كقوله تعالى: قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [الأنعام: ١٤٥].
فليس معنى الآية حصر المحرمات ولكن المعنى كما قال الشافعي ﵁ «إن الكفار لما حرموا ما أحل الله، وأحلوا ما حرم الله وكانوا على المضادة والمحادة»، فجاءت هذه الآية منافية لغرضهم فكأنه قال: «لا حلال إلا ما حرمتموه ولا حرام إلا ما أحللتموه فلم يقصد حل ما وراءه وإنما قصد إثبات التحريم لا إثبات الحل».
ثالثا: أمثلة عن أسباب النزول:
أ- ورد في الصحيحين «لما حضرت أبا طالب الوفاة دخل عليه رسول الله ﷺ وعنده أبو جهل وعبيد الله بن أبي أمية فقال: «أي عم، قل لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله»، فقال أبو جهل وعبيد الله: أترغب عن ملة عبد المطلب فلم يزالا يكلمانه حتى قال هو: على ملة عبد المطلب.
فقال النبيّ ﷺ : «لأستغفرن لك ما لم أنه عن ذلك»، فنزلت:
ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحابُ الْجَحِيمِ (١١٣) وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْراهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ [التوبة: ١١٣ - ١١٤].
ب- قال تعالى: قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ [المجادلة: ١].
وسبب النزول «جاءت خولة بنت ثعلبة زوج أوس بن الصامت إلى
стр. 281
رسول الله ﷺ وقد قال لها زوجها (أنت عليّ كظهر أمي) فقالت: إن أوسا تزوجني وأنا شابة مرغوب فيّ فلما خلا سني ونثرت بطني (أي كثر ولدي) جعلني عليه كأمه وروي أنها قالت: إن لي صبية صغارا إن ضممتهم إليه ضاعوا وإن ضممتهم إليّ جاعوا فقال ﷺ : «ما عندي من أمرك شيء» وروي أنه قال لها: «حرمت عليه»، فقالت: يا رسول الله ما ذكر طلاقا، وإنما هو أبو ولدي وأحب الناس إلي، فقال: «حرمت عليه»، فقالت:
أشكو إلى الله فاقتي ووحدتي كلما قال رسول الله ﷺ : «حرمت عليه»، هتفت وشكت، فنزلت الآية السابقة.
ج- قال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِما جاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهاداً فِي سَبِيلِي وَابْتِغاءَ مَرْضاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِما أَخْفَيْتُمْ وَما أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ [الممتحنة: ١].
أسباب النزول:
روي أن مولاة لأبي عمرو بن صيفي بن هاشم يقال لها سارّة أتت رسول الله ﷺ بالمدينة وهو يتجهز لفتح مكة فقال لها: «أمسلمة جئت؟» قالت: لا، قال: «أفمهاجرة جئت؟» قالت: لا، قال: «فما جاء بك؟» قالت: احتجت حاجة شديدة فحث عليها بني المطلب فكسوها وحملوها وزودوها، فأتاها حاطب بن أبي بلتعة وأعطاها عشرة دنانير وكساها بردا واستحملها كتابا إلى أهل مكة، ونسخته من حاطب بن أبي بلتعة إلى أهل مكة، اعلموا أن رسول الله يريدكم فخذوا حذركم، خرجت سارة ونزل جبريل بالخبر، فبعث رسول الله ﷺ عليا وعمارا وعمر وطلحة، والزبير، والمقداد، وأبا مرثد وكانوا فرسانا وقال: «انطلقوا حتى تأتوا (روضة خاخ)، فإن بها ظعينة معها كتاب من حاطب إلى أهل مكة فخذوه منها، وخلوها
стр. 282
فإن أبت فاضربوا عنقها»، فأدركوها فجحدت وحلفت فهموا بالرجوع، فقال علي: والله ما كذبنا ولا كذب رسول الله ﷺ وسل سيفه وقال: أخرجي الكتاب، أو رأسك، فأخرجته من عقاص شعرها.
وروى أن رسول الله ﷺ أمن جميع الناس يوم الفتح إلا أربعة هي أحدهم، فاستحضر رسول الله ﷺ حاطبا وقال: «ما حملك عليه؟» فقال يا رسول الله: ما كفرت منذ أن أسلمت، ولا غششت منذ نصحت، ولا أحببتهم منذ فارقتهم، ولكني كنت امرأ ملصقا في قريش ولم أكن من أنفسها وكل من معك من
المهاجرين لهم قرابات بمكة يحمون أهليهم وأموالهم غيري، فخشيت على أهلي فأردت أن أتخذ عندهم يدا وقد علمت أن الله ينزل عليهم بأسه، وإن كتابي لا يغني عنهم شيئا، فصدقه وقبل عذره، فقال عمر ﵁: دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق، فقال ﷺ : «وما يدريك يا عمر لعل الله قد اطلع على أهل بدر فقال لهم: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم، ففاضت عينا عمر».
فنزلت قال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِما جاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهاداً فِي سَبِيلِي وَابْتِغاءَ مَرْضاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِما أَخْفَيْتُمْ وَما أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ [الممتحنة: ١].
стр. 283
حكم نزول القرآن مفرقا
تمهيد
المعلوم أن القرآن الكريم نزل على رسول الله ﷺ في مدة اثنتين وعشرين سنة وثمانية أشهر واثنين وعشرين يوما على أرجح الأقوال.
يقول تعالى: وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا [الإسراء: ١٠٦]، وقد احتج المشركون على ذلك فقالوا كما ورد في القرآن كما في سورة الفرقان: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا [الفرقان: ٣٢].
فما حكم نزول القرآن الكريم مفرقا:
أولا: تثبيت فؤاد النبي ﷺ :
لم يترك المشركون وسيلة من الوسائل إلا استعملوها للوقوف في وجه الدعوة الإسلامية من سخرية وتهكم وإيذاء الرسول ﷺ وتعذيب أصحابه ومقاطعة المسلمين وكتبوا بذلك صحيفة علقوها في الكعبة، فأكل المسلمون ورق الشجر وجلود الحيوانات، فكان القرآن الكريم ينزل على رسول الله ﷺ يبين له ما لاقاه الأنبياء قبله فصبروا وكان لهم النصر، قال تعالى:
أ- وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ وَجاءَكَ فِي هذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ [هود: ١٢٠].
ب- وقال تعالى: إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ [غافر: ٥١].
стр. 284
ج- وقال تعالى: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا فَأَوْحى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ (١٣) وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذلِكَ لِمَنْ خافَ مَقامِي وَخافَ وَعِيدِ [إبراهيم: ١٣ - ١٤].
د- وقال تعالى: فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ [الأحقاف: ٣٥].
هـ- وقال تعالى: فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً [الإنسان: ٢٤].
ووقال تعالى: وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا [الطور: ٤٨].
ز- وقال تعالى: وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢) وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ [الصافات: ١٧١ - ١٧٣].
ح- وقال تعالى: قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهادُ [آل عمران: ١٢]، فتجدد الوحي وتكرار نزول جبريل فيه تسلية للرسول ﷺ وتثبيت له على طريق الدعوة إلى الله وتقوية عزيمته وثقته بنصر الله.
ثانيا: التلطف بالنبي ﷺ :
فالوحي قول ثقيل قال تعالى: إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا [المزمل: ٥].
وقال تعالى: لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ [الحشر: ٢١].
ومن مظاهر هذا الوحي على رسول الله ﷺ أ- كان يتصبب جبينه عرقا في الليلة الشديدة البرد.
ب- كانت تبرك به راحلته عند ما يتنزل عليه الوحي لثقل ذلك عليه.
ج- كان إذا وضع رجله على رجل أحد لا يستطيع ذلك الشخص أن يحركها أو يرفعها.
стр. 285
د- كان عند ما ينزل عليه الوحي كأنه يغشى عليه.
ثالثا: تقديم الحلول للمشاكل الطارئة أو مسايرة الحوادث والوقائع في حينها فإذا حدثت حادثة أو حصل خطأ نزل القرآن الكريم ليبين الحكم الشرعي الصحيح بشكل عملي ليكون أوقع في النفوس، وهذه أمثلة على ذلك:
أ- في غزوة حنين اغتر المسلمون بكثرتهم وقال بعضهم: (لن نغلب اليوم من قلة)، فلما كانت المعركة انهزموا وثبت الرسول ﷺ فنزلت الآيات تبين لهم
أن النصر لا يكون بكثرة العدد ولا بتوفر العدد بل هو من عند الله قال تعالى: لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (٢٥) ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْها وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ (٢٦) ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [التوبة: ٢٥ - ٢٧].
ب- وفي غزوة بدر أسر المسلمون عددا من المشركين فشاور الرسول ﷺ أصحابه بهم، فأشار عمر بقتلهم، وأشار أبو بكر بأخذ الفداء منهم، وقال لرسول الله ﷺ هم أهلك وعشيرتك وعسى الله أن يهديهم للإسلام.
فدعا ﷺ لأبي بكر وعمر بخير وأخذ برأي أبي بكر بأخذ الفداء من المشركين، فنزل القرآن الكريم يقول بقول عمر:
ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٧) لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ [الأنفال: ٦٧ - ٦٨].
فحكم الله في هذه الآية موافق لرأي عمر لأن الدولة الإسلامية ضعيفة آنذاك.
следующие страницы →