لماذا نقول بانتصار الإسلام: إن كثيرين يروننا نسرف فى التفاؤل عند ما نتحدث عن قرب انتصار الإسلام وغلبته على سائر الأديان، ومن يحسنون الظن بنا يتصورون أن ما نقوله هو من قبيل الأمانى، حيث نقرر ما نقرر باعتباره حقا مؤكدا، ودليلنا الواقع والتجربة.
فقد جاء وقت لا يعرفه شباب الوقت الحاضر، أو حتى رجاله، كان التبشير بالمسيحية على أشده، وكان يقف خلف المبشرين الإمبراطورية الإنجليزية بكل جلالها، بل أوروبا كلها بكل نجاح حققته فى القرن التاسع عشر، وكان رجل التبشير خريج أعظم جامعات أوروبا، وكل ما كان ينجح فيه هو زعزعة العقيدة الدينية من أساسها، ولكنه لا يكاد يتحدث عن المسيحية، وعن كون المسيح إلها، حتى يرد عليه أبسط مسلم:
اسم الله عليك يا خواجة، سيدنا عيسى ده رسول الله وليس هو الله!! وهكذا يتحول أبسط مسلم إلى معلم لخريج أكبر جامعات أوروبا، وهذا هو سر عظمة الإسلام.
فليقل المسيحيون عن معجزات سيدنا عيسى ما يقولون، إن المسلم لا ينكر شيئا من ذلك، فالمسيح هو رسول الله، وقد زوّده الله بالقدرة على فعل ما فعل.
وليتكلم اليهود عن موسى بأعظم ما يتكلمون، فالمسلم يقول مثل قولهم، ومن هنا عاش المسيحيون واليهود فى ظل الدولة الإسلامية، بل وازدهروا، حيث لا يستطيع المسلمون أن يعيشوا فى ظل دولة غير إسلامية إلا إذا تناسى المجتمع شأن الدين، كما هو الحال فى أوروبا وأمريكا، ولما كان ذلك يستحيل أن يدوم، إذ يستحيل قيام المجتمعات على غير دين.
ومن هنا قلنا: إن المستقبل للإسلام؛ لأنه يعترف بالأديان السماوية الأخرى، ولا تعترف هى به، فهو الأقوى والأصلح، وبالتالى هو الأبقى، فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ [الرعد: ١٧].
فنحن لا نتكلم لغة التفاؤل فضلا عن لغة التمنى، وإنما نتحدث العلم، وفوق ذلك نتحدث بما وعد به الله .
أُولئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ [النساء: ١٥٢]: وإعطاء الله الأجر للمحسنين فى الآخرة، أى يوم القيامة، مسألة مؤكدة ومحققة، وهى محور الإيمان، ولكن الله سبحانه
стр. 142
وتعالى قد يعجل بعض هذا الأجر فى الدنيا، وَأُخْرى تُحِبُّونَها نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ [الصف: ١٣].
وهو ما فعله للمسلمين أيام نبيهم وعقب أن غادرهم ليلحق بالرفيق الأعلى، حيث فتحوا الدنيا التى كانت معروفة فى ذلك الزمان، وعند ما يعود المسلمون إلى سابق إيمانهم، فسوف يعودون لما كانوا عليه إن شاء الله.
رسالة إلى الرئيس الأمريكى كارتر:
ويبدو أن الأستاذ أحمد حسين أدرك خطأه حين سوى بين الإسلام وبين اليهودية والنصرانية الموجودتين الآن قبل أن أبعث إليه خطابى، فقد وجه رسالة إلى الرئيس الأمريكى كارتر، نشرها فى مجلة «الدعوة» العدد الرابع والعشرين، غرة جمادى الثانية سنة ١٣٩٨ هـ، مايو سنة ١٩٧٨ م، يدعوه فيها إلى الإسلام، ويقول له صراحة: أسلم تسلم، وإلا وقع عليك إثم الأمريكان جميعا، واتهم المسيحية بالشرك والوثنية، وذهب إلى أن الخطيئة والفداء أسطورة كنسية، وقال: إذا كان موضوع المسيح هو هذه القصة، قصة الفداء والكفارة، فلماذا لم يصرح بها المسيح مرة واحدة لا عن قرب أو بعد، وترك الأمر للكنيسة لتصوغه بعد أربعة قرون، لتفرضه على الناس بقوة الحديد والنار ما استطاعت إلى ذلك سبيلا.
ثم يتهم الأستاذ أحمد حسين النصارى فى عقولهم حين يقبلون عقيدة انتشار الخطيئة فى آدم وذريته، ويقول:
ولم يقف مسيحى واحد ليسأل نفسه، وما هو ذنب البشر منذ أيام آدم حتى مجىء المسيح، وهم مئات وألوف الملايين، حتى يحملوا خطيئة آدم مهما كانوا محسنين؟! ولم يسأل مسيحى واحد نفسه: وماذا كان الشأن بالنسبة للأنبياء والرسل قبل المسيح؟! ما هو الشأن بالنسبة لإبراهيم، وإسحاق، ويعقوب، ويوسف، وموسى، وكل الأنبياء الذين سبقوا السيد المسيح، أكل هؤلاء كانوا يعيشون فى الخطيئة باعتبارهم سابقين على عملية الكفارة؟! ويواصل الأستاذ أحمد حسين، رحمه الله تعالى، بيانه للوثنية التى تسربت إلى العقيدة النصرانية، فيقول:
وقد فزعت المسيحية للكنيسة من القول بتعدد الآلهة، فاخترعت لذلك تعبير الأقانيم
стр. 143
الثلاثة، وأنها مظاهر لله الواحد، وضربوا لذلك الأمثلة، ولكن مضمون هذه الأقانيم يدل على أن الذوات متباينة، فالقول على أنه فى يوم الدينونة يجلس الابن على يمين الأب لمحاكمة البشر ومحاسبتهم، أى أنه يوجد للابن دور خاص يقوم به، وتشخيص متميز يبدو عليه، وهكذا نرى أن حيلة الأب والابن والروح القدس، الكل إله واحد، لا تخرجنا من دائرة تعدد الآلهة الذى هو عقيدة وثنية، وأسطورة أوزوريس وإيزيس وحورس، هى عقيدة مصرية قديمة، وقد سادت عبادة إيزيس حوض البحر الأبيض المتوسط قبيل ظهور المسيحية.
стр. 144
الفصل الثالث الأمثال فى القرآن الكريم (١)
قال الله تعالى، وهو أصدق القائلين: وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ [القمر: ١٧].
وقال أيضا فى محكم قرآنه: وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ [الزمر: ٢٧].
وقال تعالى: وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ وَما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ [العنكبوت:
٤٣].
فى ضوء هذه الآيات البينات، وما ترسله من هدايات، سيكون الحديث والفهم لما تهدف إليه، وما تثيره فى النفس الإنسانية المسلمة من يقظات روحية، وإشراقات وجدانية، وما تغرسه فى العقل من هداية وتوجيه، وما توحى به من تعاليم هادية لخيرى الدنيا والآخرة.
لقد كان من فضل الله على عباده المؤمنين، أن عصم رسوله الأمين محمد بن عبد الله من كيد الكائدين، وتدبير المنافقين، وأذى المشركين فى كل المحاولات التى صنعوها، والمؤمرات التى حاكوها، والمعارك التى خاضوها؛ إطفاء لنور الله، وصدا للناس عن الهداية إلى دين الحق، كانت يد الله هى العليا، فحفظ رسوله، وشد أزره، ونصره على أعدائه، أعداء الحق، وحفظ رسالته، وصان وحيه وقرآنه من عبث العابثين، وتدبير الخائنين، فلم يلحقه تغيير أو تبديل كما لحق الكتب السماوية الأخرى، حفظ الله قرآنه من الضياع، والتحريف، والتشكيك، والافتراءات، بذلك الوعد القرآنى الذى نردده فى كل حين: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ [الحجر: ٩]، ولن يخلف الله وعده، فهو مصون بقدرته القاهرة؛ لأنه:
١ - كلام الله ، وهو القادر وحده على حفظه.
стр. 145
٢ - الذكر الذى يعرض هذه القدرة فى ملكوت الله الواسع فى مظاهرها العديدة.
٣ - يعرض قصص السابقين من الأنبياء والرسل، وأنباء من سبقوا وجاهدوا فى الله حق جهاده، ودعوا إلى كلمة الحق فى العصور السابقة، وما كان لهم مع قومهم من صولات وجولات.
٤ - يعرض أيضا ما لمحمد، ﵊، من مكانة ومنزلة عنده، وما لقومه من شأن فى مجالات التقوى والإيمان، وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ [الزخرف:
٤٤]، فهو ذكر لا يتطرق إليه نسيان، ولا يلحقه نقصان.
لكل هذه الأمور استوجب وحى الله وقرآنه، الحفظ والصيانة من كل كيد يراد به، والنجاة من كل مكر على مر الأيام إلى يوم الدين، هذا بالإضافة إلى أن سبيل إلى التذكير بنعم الله على عباده الظاهرة والباطنة، والتذكير بطرق العبادة التى يجب أن يسلكها ويتبعها كل مؤمن بربه، وبما أوحى به من أمور فيها صلاحية للإنسان فى دنياه وأخراه، وتبيان للحق فى كل صوره ومجالاته.
فالقرآن من الله، ومعجزته الكبرى التى خص بها محمدا، ﵊، وأرسل بها إلى الإنسان لكى يرتفع بإنسانيته فوق شهوات الحياة، ويسمو بإمكاناته التى وهبه الله إياها إلى مرقى أعلى، ومستوى أفضل، بتوظيفها فى فهم الأمور، واستغلال الطاقات الفعالة التى خلقها الله فيه، من ذلك العقل الواعى، والعلم الذى ينير له طريق الهداية والرشاد.
المعجزات:
من وسائل توضيح الأفكار، وتبيان المعانى، أن يلجأ الكاتب، أو المتكلم، إلى استخدام المقارنات، والموازنات، والمقابلات، حتى يسهل الفهم، وتتضح الحقيقة، وتنجلى الغوامض فى الأفكار المطروحة، والآراء المعروضة، وبدون استخدام لذلك يصعب على القارئ أو السامع الإلمام بالمراد، أو الفهم السريع لما يعرض من رأى أو فكر.
وقد درج الناس من قديم الزمن أن يعرفوا الشيء بنقيضه، فلا يحس الإنسان بقيمة الضياء والإشراق، وما يرسله من طمأنينة إلى النفس وراحة وهدوء، إلا إذا خيم عليه الظلام بكل ما يحويه من فزع، ورعب، وخوف، يعكر على النفس هدوؤها، ويجعلها
стр. 146
تحس بما كانت تنعم به قبل ذلك من نعمة.
كما لا يحس الإنسان بقيمة ما ينعم به من صحة، وراحة نفس وجسد، ونعم أنعم الله بها عليه، إلا إذا ألمت به تلك المتاعب الصحية والجسدية التى تصيبه فى عضو من أعضائه، فتمنعه الحركة، أو تقعد به عن السعى فى سبيل العيش ... إلخ ما هنالك من أمور متناقضة ومتقابلة تحمل فى طياتها غموضا أو تعميما.
ونحن فى معرض كلامنا عن المعجزات، إنما نقصد إلى تجلية الحقائق، وإبراز الحكمة الإلهية من وراء استعراض تلك المعونات الكبرى التى منحها الله جل فى علاه لأوليائه الصالحين المخلصين، وعباده المرسلين، وأنبيائه المصطفين على مر العصور وما كان لذلك من أثر فى الهداية والإرشاد للأقوام السابقين، ثم الانتقال بعد ذلك إلى تلك المعجزة الخاتمة الكبرى، وهى معجزة القرآن الكريم.
فما المقصود بالمعجزة؟
وكما يفهم من اسمها، فهى أمر خلقه الله تعالى بقدرته القاهرة، لا تستطيع قدرة البشر على إحداثه، كما لا يمكن لقواهم الجسدية، والعقلية، والروحية، أن تفعله أو تحدثه، فليس بمستطاع إبراهيم، ﵇، أن يمنع النار من الإحراق، كما لا يستطيع موسى، ﵇، أن يجعل العصا ثعبانا مبينا يلتقط ما فعل سحرة فرعون، وليس بإمكان عيسى، ﵇، أن يحيى الموتى، أو أن يبرئ الأكمه والأبرص.
ولكن الله جلت قدرته منح هؤلاء العباد قوة من عنده، تجعلهم يقدرون على إحداث ذلك أمام الناس الذين يشعرون بالعجز أمام تلك القوى، يمنح الله هؤلاء العباد والرسل تلك الخوارق والمعجزات تأييدا لهم، وتصديقا لما أتوا به من رسالة، ولا يستطيع البشر أن يأتوا بمثل هذا الأمر الخارق للعادة؛ لأنه بقدرة الله جرى على أيديهم.
ويرى ابن خلدون فى مقدمته، أن الرسول يحمل إلى قومه أمرين:
١ - شريعة يوحى بها إليه، ويدعو الناس إلى اتباعها.
٢ - معجزة بين يدى هذا الموحى به تشهد له بأنه رسول من عند الله، وأنه صادق فيما يتلقاه، فلا ينظر قومه فى دعوته قبل أن يقيم لهم الحجة على أنه رسول من عند الله إليهم، وذلك مما يظهره الله على يديه من المعجزات المادية والمحسوسة.
стр. 147
وإذا نظرنا إلى دعوة إبراهيم، ﵇، وصحفه التى حملت شريعته، وجدناها تختلف عن معجزة النار ونجاته من إحراقها، وكذلك إبراء الأكمه والأبرص، وإحياء الموتى، بالنسبة لعيسى، ﵇، تختلف عن شريعته إلى نبى إسرائيل من دعوة للإيمان بالله الواحد، وإتمام رسالة موسى، ﵇، فالخوارق فى الغالب تقع مغايرة للوحى الذى يتلقاه النبى، إلا معجزة القرآن الكريم، فهى الوحى المدّعى، وهو الخارق المعجز الذى تشاهده فى عينه، ولا يفتقر إلى دليل مغاير له مع الوحى، كما هو الشأن فى سائر المعجزات.
خصائص المعجزات العامة:
اختلفت معجزات الأنبياء تبعا لاختلاف أقوامهم وأزمانهم، وما لهؤلاء القوم من نزعات ورغبات، وما يشتهر بينهم من أمور، وما يلف حياتهم من عقائد واتجاهات، وما يتفشى بينهم من أمراض نفسية، وخلقية، وعقلية، فليس الناس جميعا على وتيرة واحدة، وخلق واحد، وتفكير واحد، وتبعا لتلك المتغيرات فى النفوس، والأخلاق، والعادات، والاتجاهات، كانت حكمة الله العالم بهذه المتغيرات، أن تكون معجزاته متمشية مع ما يعج به المجتمع من أمور، وما يزخر به من عادات وعقائد تحتاج إلى إصلاح
اعوجاجها، وبتر صانعيها، والقضاء على الشيطان وأعوانه المفسدين فى الأرض.
ومع اختلاف هذه المعجزات بين نبى ونبى، فإنها تشترك فى خصائص عامة تشملها جميعا بدءا من إبراهيم، ﵇، إلى محمد خاتم الأنبياء والرسل، فمن هذه الخصائص:
١ - أنها من الله ، أجراها على يدى أنبيائه ورسله إلى خلقه، شاهدة على صدق الرسول فى تبليغه عن ربه ، وإذا ثبت صدق الرسول فيما بلغ، كان ذلك مدخلا إلى التصديق بالرسالة التى يحملها إلى الناس عن طريق الوحى، وهذه المعجزة لا تخضع لما تخضع له أمور الحياة من ارتباط الأسباب بالمسببات، فإذا وجد السبب وجد المسبب، وإذا انتفى السبب انتفى المسبب، وإنما تخضع لخالق الأسباب والمسببات، وهو الله ، فهو القادر على أن يجريها على سننه، أو على نقيضه، كما حدث فى كثير من المعجزات الحسية، كمنع الإحراق للنار التى ألقى فيها
стр. 148
خليل الله إبراهيم، ﵇، بأمره سبحانه: كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلى إِبْراهِيمَ [الأنبياء: ٦٩].
٢ - أن تكون من جنس ما اشتهر بين الناس فى ذلك الوقت الذى وقعت فيه، ولهم بها إلف، ويمارسون نظائرها فى حياتهم، وما موقف موسى، ﵇، مع فرعون وآله إلا دليل على ذلك، فقد كان السحر والسحرة والكهنة وما يصنعون، وما لهم من سيطرة على الخاصة والعامة فى مصر، أدوات التأثير على القلوب، والعقول، والعقائد، حتى أن الجميع يخضع لآرائهم، فلا تبت الأمور إلا باستشارتهم وتبعا لما يأمرون به.
جابه موسى، ﵇، هذه المواقف وهو يعلم تمام العلم أنه مؤيد من قبل الله بتلك الآية الكبرى التى تنجيه من فرعون وآله، حينما يقول له: قالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِها إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ لِلنَّاظِرِينَ [الأعراف: ١٠٦ - ١٠٨] الآيات التى تعرض نموذجا لموقف الباطل الزاهق أمام الحق الأبلج الذى يدمغه، فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ رَبِّ مُوسى وَهارُونَ [الشعراء: ٤٦ - ٤٨].
وموقف عيسى، ﵇، بين أولئك العلماء الذين اشتهروا بعلومهم، وما كانوا يصنعون من ألوان الطب والمعرفة، فكانت معجزته الكبرى: يبرئ الأكمه والأبرص ويحيى الموتى بإذن الله.
ومعجزة محمد، ﵊، فيما أرسل به من قرآن كريم، مؤلف من حروف، وألفاظ، وكلمات، تقع فى أساليبهم، ومن جملة ما يتكلمون به وينطقون، ولكنهم مع ذلك لا يستطيعون أن يأتوا بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا.
بان عجزهم، وظهر تهافتهم إزاء ما يلقى على أسماعهم، وما يقوله محمد لهم، وما يدعوهم إليه من تحدّ واضح، فكان منهم ذلك الاتجاه إلى لون آخر من الاتهامات التى لا تقف على قدمين، ولا يساندها دليل من عقل وفكر، من أنه اكتتب هذه الكلمات، فهى تملى عليه بكرة وأصيلا.
هذه عناصر مجمعة لتلك الخصائص التى تتميز بها تلك المعجزات التى كانت سندا لرسل الله فى هداية أقوامهم، وتبصرتهم بما فيه صلاح الأمر من العقائد، والمعاملات، والعلاقات الاجتماعية والروحية التى تربط بين الناس، وكان لهذه المعجزات تأثيرها فى القوم ما بين مصدق بها ومكذب.
стр. 149
وبقى علينا أن نعرض لتلك الفروق الواضحة بين هذه المعجزات، وهى فروق لا تدعو إلى المساس بما لها من مكانة وقيمة، فالله هو خالقها ومرسلها؛ لتكون هداية لمن وجهت إليهم، ومناسبة لأحوالهم، ولكن نعرضها لتوضيح حقائقها وما لها من حكمة جديرة بالتناول والتعريف.
و اختلاف المعجزات بين الأنبياء لا يشعر باختلاف فى العقيدة التى أرسل بها الرسل، فالعقيدة واحدة فى جوهرها، ولا اختلاف بين المؤمنين فى كل عصر حيالها، فالإسلام هو دين كل مؤمن من لدن إبراهيم، ﵇، حتى خاتم الأنبياء محمد بن عبد الله: إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ [الأنعام: ٧٩] فى دعاء إبراهيم، وفى قول عيسى، ﵇: ما قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا ما أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ [المائدة: ١١٧].
عقائد واحدة، عبادة الله وحده، إيمان بالأصول العامة من بعث، وحساب، وجنة، ونار ... إلخ. أما الشرائع، فهى التى تختلف من عصر إلى عصر، ومن قوم إلى قوم، وهى تحكم العلاقة بين الخالق والمخلوق: لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً [المائدة:
٤٨]، لذلك نجد ألوانا من الفروق والاختلاف تتضح فيما نعرضه من دراسة تقارنية قائمة على التحليل والموازنة بين مختلف الشرائع.
اختلاف المعجزات:
بالنظرة الفاحصة، والقراءة الواعية لتاريخ الأنبياء والرسل، وما ترك لنا من آثار وكتب سماوية، نستطيع أن نتبين أن اختلاف الشرائع أدى إلى اختلاف فى الوسائل والمعجزات التى أمد الله بها رسله، فقد كانت المعجزات السابقة على رسالة محمد بن عبد الله الخاتمة تبدو فى الآتى:
١ - أن معجزات موسى وعيسى، ﵉، معجزات أمدهما الله بها فى مجابهة أقوام كافرين لا يستنكفون أن يطلبوا من أنبيائهم أن يروا الله جهرة، وهم أولئك الذين آذوا رسل الله، وقتلوا من دعاهم إلى عبادة الله وحده، وهم بنو إسرائيل، جماعات صغيرة، لهم انتماءاتهم الأسرية والعصبية، ويشعرون بأنهم أفضل من بقية البشر، ويتميزون على من عداهم من بقية المخلوقات، لذلك كثر منهم العناد، والمحاجة، والكفر، فكان لا بدّ من معجزة خارقة للعادة تكون طريقا إلى الإقناع والتدليل على
стр. 150
صدق الرسول الذى أرسل إليهم، معجزة موائمة لأحوالهم وما اشتهر بينهم من أمور، فكانت العصا التى تلقف ما صنع السحرة، وتبطل ما وصل إليه العلماء من أسرار،
وسطوة على فرعون وآله، إِنَّما صَنَعُوا كَيْدُ ساحِرٍ وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتى [طه: ٦٩].
قال أيضا: وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى إِذِ اسْتَسْقاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنا عَلَيْهِمُ الْغَمامَ وَأَنْزَلْنا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَما ظَلَمُونا وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [الأعراف: ١٦٠].
وكذلك إذا نظرنا إلى آيات المسيح، ﵇، الذى أرسله الله إلى خراف بنى إسرائيل الضالة، وجدنا أن الله قد حباه بمعجزات مادية كثيرة مشاهدة بالأعين من تلك الجماعات الصغيرة التى أرسل إليها، فأجرى على يديه إبراء الأكمه والأبرص، وإحياء الموتى بإذن الله.
وقال الله تعالى: وَرَسُولًا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [آل عمران: ٤٩].
وكذلك معجزات سليمان، ﵇، وغيره من الأنبياء والرسل الذين أرسلوا إلى أقوام سابقين محدودى العدد، محصورين فى جماعات صغيرة من قوم صالح، وقوم هود ... إلخ، تأتيهم معجزة تتفق مع طبيعة الرسالة، ولكنها قليلة النتائج فما يلبث القوم إلا أن يرجعوا إلى تكذيب رسلهم كما حدث مع قوم موسى وعيسى، ﵉.
٢ - كذلك نرى من خصائص هذه المعجزات أنها تقع فى مكان واحد، يراها فيه أهل ذلك المكان فقط، وهى لذلك وقف على المشاهدين لها فقط، تنقرض بانقراض مشاهديها، كما تشاهد أيضا فى لحظة من الزمن ثم تختفى، ولا يكون لها صفة الاستمرارية، وكلها معجزات مادية محسوسة قريبة من معارف ذلك العصر، وما اشتهر عند القوم من طب وعلوم.
стр. 151
معجزة القرآن الكريم:
هى معجزة قولية تشاهد بالبصر والبصيرة، تخاطب العقل والوجدان، ولا يقتصر الإيمان بها على من عاصرها، وإنما يستمر لمن أتى بعدها، وهى أيضا لكل مخلوقات الله من إنس وجن، وصالحة لكل زمان ومكان، وخاتمة أيضا لكل الرسالات السابقة، ومصدقة بكل ما جاء به الأنبياء السابقون، لذلك كانت رسالة عامة، جامعة، خاتمة.
ولكن ما خصائص هذه المعجزة؟ وما أوجه إعجازها؟
لو نظرنا إلى القرآن الكريم، لوجدناه معجزة قولية، أمد الله بها رسوله محمدا؛ ليهدى بها أصحاب البلاغة والفصاحة، والذين يعرفون أسرار الكلمة، وما توحى به استخدامات اللفظة، وما تهدى إليه استعمالات الأساليب، هذا بالإضافة إلى أنهم قوم لدّ فى خصومتهم، مرنوا على الجدال والخصام، وبرعوا فى تطويع الكلمات لأغراضهم وأفهامهم، ونجحوا فى فنون القول من شعر، وحكمة، ومثل، ونثر، ولهم فى ذلك مجالات خصبة استوجبوا لأنفسهم بها زعامة القوم من بدو وحاضرة، والتقدير الأدبى فى أسواقهم الأدبية التى كانت تعقد فى مواسم الحج وغيرها، وتجمع كل الناس الذين ينطقون الضاد بين صفوفها ليتذوقوا الكلمة، وما تتركه فى وجدانات الناس من تأثير، وفى عقولهم من تغيير، وما تثيره من اتجاهات وعقائد، واختيار السبل التى تعالج الأوضاع الاجتماعية، والروحية، والاقتصادية.
لذلك كان التحدى بهذه المعجزة القولية سافرا أمام القوم فى كل ناد ومجتمع، يقرع آذانهم بلفظه، ومعانيه، وطرائقه، وأساليبه، فيبهتون، ولا يستطيعون تصرفا فى قول، أو محاكاة فى أسلوب، تحداهم القرآن أن يأتوا بمثله، أو بعشر سور من مثله، أو بأقصر سورة كذلك، ولكن هيهات أن تقف قدرة عاجزة قاصرة خاسرة أمام قدرة الله التى أوحت بهذا القول لرسول الله ﷺ .
فهذا القرآن شاهد على صدق الرسالة أولا، فمن تدبر فى آيات الله، وجد أنها من عند الله، لا تمت بصلة إلى بشر، وإذا ثبت ذلك، دل على صدق الرسول المبلغ به.
لقد أعلن أحد زعماء قريش، وهو الوليد بن المغيرة، عجزه حينما ذهب إلى محمد يعرض عليه تلك المغريات التى اعتقد أنها تستطيع أن تغير مسار دعوة محمد، أو تغريه بمظاهر الحياة كما تغرى أهل الدنيا، أو تفتّ فى عضده، وتوهن من عزمه، فقرأ عليه
стр. 152
السلام قول الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [النحل: ٩٠]، فما كان منه إلا أن رجع إلى قومه، وقال: والله لقد سمعت كلاما ما هو بكلام الإنس، ولا بكلام الجن، إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسلفه لمغدق، وإنه يعلو ولا يعلى.
كلام زعيم من زعماء الرأى والمشورة والبيان، ويعرف محمدا فى نشأته وفى صباه، ويعرفه فى مراحل حياته معرفة سماع أو مخالطة فى بيئة ضيقة يتصل فيها المجتمع بعضه مع بعض، وتتقسم فيه العائلات والأسر وظائف الحياة التى يحتاج إليها المجتمع، فى ذلك المكان الذى هيأه الله لعبادته، وأرسى فيه القواعد أبو الأنبياء إبراهيم، ﵇؛ ليكون أول بيت لله فى الأرض لعبادته.
كانت للقرآن ولا تزال تلك المكانة العليا التى أرادها الله لكلمته الهادية، والتى عبرت عنها الآيات القرآنية فى وصف أثره فى نفوس المؤمنين به فى قوله تعالى:
تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ ذلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ [الزمر: ٢٣].
وفى آية أخرى: إِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ سُجَّداً وَيَقُولُونَ سُبْحانَ رَبِّنا إِنْ كانَ وَعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولًا وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً [الإسراء: ١٠٧ - ١٠٩].
كتاب معجز يخاطب العقل والوجدان، ويرسل هدايته إلى كل جبل يتحدى بإعجازه الزمان والمكان؛ لأنه من لدن حكيم خبير.
وهذه المعجزة من جملة ما نطقت به الألسن، وما جرى فى الاستخدام اللغوى من حروف وألفاظ، ولكنها فى الذورة من البلاغة التى لم تعهد فى تراكيبهم الأسلوبية، ولم تتخلف هذه البلاغة، ولم تضعف هذه الفصاحة، بالرغم من كثرة سوره، وتكرار موضوعاته وأغراضه، واختلاف أساليبه وعباراته من إيجاز، وإطناب، وتقديم،
وتأخير، حتى أن هؤلاء العرب وحذاق الكلام مع شدة عداوتهم للإسلام، لم يجدوا فيه مجالا لطعن، بل قالوا: إنه ليس من جنس الخطب والشعر، وبدءوا ينسبونه إلى السحر مرة، وإلى أنه إفك مرة أخرى افتراه محمد، وأعانه عليه قوم آخرون، أو أساطير الأولين اكتتبها، فهى تملى عليه بكرة وأصيلا.
стр. 153
افتراءات واتهامات اتخذت طريقها إلى شخص الداعى، وهو الرسول، ولم تتجه إلى صلب القرآن الكريم وما به من إعجاز، لعلمهم اليقينى أنه ليس من كلام البشر، وليس فى مقدورهم الإتيان بمثله، لذا كان من جانبهم التحذير لأنفسهم ولأصحابهم من الاستماع إليه، فقالوا: لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ [فصلت:
٢٦].
ومع شدة عداوتهم للرسول، وكفرهم بما جاء به، كانوا يتسابقون خفية إلى الاستماع لهذا القرآن، ثم إذا انكشف أمرهم، تعاهدوا على عدم الرجوع مرة ثانية، وكتمان هذا الأمر حتى لا يفتضح أمرهم أمام قريش.
كل هذا يدل على أن القرآن معجزة رسول الله العقلية ببلاغته، ووجوه إعجازه العديدة التى لا تقف عند لون معين، وطريق واحد، وقد عجز العرب عن الإتيان بمثله، ولكن أخذتهم العزة بالإثم، إذ كيف يخضعون لمحمد، ويتركون دين الآباء والأجداد، ويعبدون الواحد الأحد، ويتنازلون عما لهم من كبرياء؟ دفعهم ذلك كله إلى أن يقفوا من رسول الله موقف المحاربة والقتال؛ للصد عن سبيل الله، وقد يعرضهم ذلك إلى سبى نسائهم وأطفالهم، وقتل الرجال منهم، وبذل المال الكثير فى سبيل المعارك، وإعداد العدة لقتال المسلمين.
لماذا اختار العرب المشركون موقف المحاربة من محمد؟ اختاروا هذا الطريق، مع ما فيه من تضحية ودم ومال؛ لأنهم أنفوا أن يقروا بعجزهم أمام تحدى الرسول ﷺ لهم فى كل وقت وحين بهذه الآيات القوية فى دلالاتها: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ [البقرة: ٢٣، ٢٤]. وقوله تعالى: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً [الإسراء: ٨٨].
ولو كان هؤلاء الكفار من قريش وأتباعهم يظنون أن محمدا يستعين بغيره من القارئين والأحبار والرهبان، لأمكنهم أيضا أن يلجئوا إليهم ويستعينوا بهم، فلما لم يفعلوا ذلك، وآثروا أن يقفوا من محمد موقف المحاربة والنزاع، دلّ ذلك على أن القرآن معجز، وأن بلاغته ووجوه إعجازه عديدة، لا تقف عند حصر، فلا يستطيعون لها تقليدا، ويعجزون عن معارضتها.
стр. 154
الأسلوب القرآنى وتأثيره:
أتى القرآن الكريم بأسلوب معجز، متميز عن بقية الأساليب المألوفة فى وقته؛ لأنه من الله، فبهر الناس حينما سمعته، وأسر منهم القلوب، وسيطر على نفوسهم، فاستجابت الأفئدة إليه، ولم تنأ عنه إلا تلك القلوب المريضة التى قست كالحجارة، فلم تستجب لدعوته، ورصدت نفسها لمحاربته والوقوف أمام دعوته فى الهداية للحق؛ حفاظا على ما لهم من سلطة، ودفاعا عن تقاليدهم العفنة، وعباداتهم الباطلة، حاربوا القرآن بمحاربة رسول الله ﷺ ، فأخذوا يكيلون إليه التهم الباطلة، ويلفقون الأكاذيب، ويمنعون الناس من الاستماع إليه، ويعذبون من يتلو القرآن من صحابة رسول الله فى المسجد الحرام، سلكوا هذه المسالك؛ لأنهم عجزوا عن محاكاة القرآن، أو الإتيان بمثل أقصر سورة فيه، وتهاوت أسلحتهم العديدة أمام هذا الكلام المعجز بلفظه وعباراته، وسبكه وصياغته، وأخباره ونواهيه ... إلخ، كل هذه الألوان المؤلفة من جنس ما يقولون ويؤلفون، ولكنهم عاجزون أن يأتوا بمثله، وهو الذى سمعته الجن، فقالوا: إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أَحَداً [الجن: ١، ٢].
وسمعه نفر من النصارى، فخشعت له قلوبهم وقالوا، كما عبر القرآن الكريم:
ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْباناً وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ وَإِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنَّا فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ [المائدة: ٨٢، ٨٣].
وسمعه زعيم من زعماء قريش، فقال: إنه يعلو ولا يعلى عليه. نطق بالشهادة الحق فى قرآن الله الذى كان له وقعة فى القلوب والنفوس، فكان يقتلع منها عقيدة الشرك وهجمة الباطل.
وما لنا نذكر ذلك الموقف الذى كان له تأثيره فى مجرى الأحداث فى بدء الإسلام، فأمد الإسلام بجبار الجاهلية عمر بن الخطاب، رضى الله عنه وأرضاه، لقد دخل على أخته حينما سمع بإسلامها يريد أن يبطش بها، وتناولت عيناه صحيفة القرآن، فقرأ: طه ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشى تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّماواتِ الْعُلى الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَما تَحْتَ الثَّرى [طه: ١ - ٦]، فأخذته رجة عنيفة أصابت مكمن الحقيقة من نفسه، وقلبه، وعقله، فقال: دلونى على محمد.
стр. 155
موقف تعجز مؤثرات الحياة ومغرياتها أن تحول تلك الطاقة من نقيض إلى نقيض، من جاهلية، إلى إسلام، من شدة بغض، إلى تفان فى حب، من جبار فى الجاهلية، إلى
عادل فى الإسلام، كل ذلك فعلته تلك الآيات القرآنية التى جمعت بين الأسلوب الإنشائى فى النداء بكلمة: طه، وبين الإخبار بالنعم الجليلة التى أسبغها الله على عبده محمد، وهى نعمة القرآن والإسلام، وما به من سعادة، والتذكرة لأصحاب القلوب التى تخشى الله، والإعلام بخالق الأرض والسماء، والجدير بالعبادة، والإيمان، والطاعة. كل ذلك كان سبيلا إلى قلب عمر وعقله، فاستجاب لله، وكان سلاح الإسلام وعونه ضد الشرك وأعوانه.
موقف آخر يدل على تأثير القرآن فى النفوس المتفتحة لقبول الدعوة والاستجابة لكل معروف، فقد أرسل رسول الله ﷺ أول معلم للقرآن إلى المدينة بعد أن دخل بعض أهلها فى الإسلام، وهو مصعب بن عمير، فأخذ يعلمهم القرآن، وعلم بذلك سعد بن معاذ سيد الأوس، ففزع فزعا شديدا، ورأى أن هذه بداية لشىء خطير يزلزل من مكانته، فقال لابن أخيه أسيد بن خضير: ألا تذهب إلى هذا الرجل وتزجره؟! فلما ذهب إليه أسيد، قال له: ما جاء بك؟ وهدده، وقال له: اعتزل إن كان لك فى نفسك حاجة، ولكن مصعبا أجابه فى ثبات المؤمن، قائلا: أو تجلس فتسمع؟ فإن رضيت أمرا قبلته، وإن كرهته كففنا عنك ما تكره.
ثم أخذ مصعب يقرأ القرآن، وأسيد يسمع، فما قام من مجلسه حتى أسلم، ثم ذهب إلى عمه، وقال له: ما رأيت بالرجل بأسا، فغضب سعد، وذهب إلى مصعب ثائرا، فاستقبله مصعب بمثل ما استقبل به أسيدا، وانتهى الأمر بإسلام سعد الذى ذهب إلى قبيلته وجمعها، وقال: ما تعدوننى فيكم؟ قالوا: سيدنا وابن سيدنا، فقال سعد: كلام رجالكم ونسائكم علىّ حرام حتى تسلموا، فأسلموا جميعا.
ويكفى أن هذه الآيات من كلام رب العالمين، الآمر بكل حسن، الزاجر عن كل معصية، الداعى إلى مكارم الأخلاق، الهادى إلى الصراط المستقيم، والمعجز بكل صوره وأشكاله الأسلوبية التى صيغ منها، فهو متنوع بين الأسلوب الخبرى والإنشائى، والإيجاز والإطناب، والأسلوب المباشر، والأسلوب القصصى، والأسلوب المعتمد على الوصف، والأسلوب الحكمى، والأسلوب القائم على ضرب المثل، إلى اللفظ المعبر، والتعبير المصور والمشخص، كل هذا التنويع جاء فى مقامه، ونجح فى تحقيق أهدافه،
стр. 156
وكل هذه الأسرار الأسلوبية دفعت أصحاب البلاغة إلى تلمس معرفتها، والوصول إلى خفاياها.
ولما كان ليس فى مقدرونا الإحاطة بكل هذه الأساليب وتناولها بالدراسة؛ لضيق الحيز، ولصعوبة التناول، فإننا نستطيع بإذن الله أن نخلص من تلك الأساليب إلى ما هو أساس بحثنا، وعنوان مؤلفنا، وهو أسلوب الأمثال القرآنية، وطريقة تكوينها وأهدافها.
أوجه الإعجاز فى القرآن الكريم:
أفاضت كتب التفسير قديمها وحديثها فى بيان أوجه الإعجاز القرآنى، وإنا لموجزون تلك الأوجه إتماما للفائدة فى هذا المقام:
١ - لا تقتصر جوانب الإعجاز القرآنى على الجانب اللفظى وما به من فصاحة فى الأسلوب استحوذت على أفئدة أرباب الفصاحة من قديم الزمان وحديثه، ولا على بلاغة تراكيبه وما حوته جمله من طرائق عديدة فى التكوين، والتركيب، والتنويع (١)، من جوانب لفظية شملت ما كان عند العرب سابقا فى آدابهم من شعر، ونثر، وحكمة، وبيان، وإلا لكان ذلك قاصرا على من ينطق بهذه اللغة فقط، ولا يستطيع التأثير فى المخاطبين الذين يكلفون بأمر هذا الدين، ويستجيبون له من الأمم الأخرى.
ولذا فإن أمر الإعجاز يتعدى الجانب اللفظى، وفصاحته، وبلاغته، وسمو تراكيبه، إلى جوانب أخرى تشد انتباه الناس حقا فى كل عصر، وفى كل مكان، ولذا توضع موضع الاهتمام والدراسة، وتحظى بكثير من التقدير والاحترام، ويمكننا أن نشير إلى بعضها فى الآتى.
٢ - حفل القرآن الكريم بأخبار السابقين والقرون السالفة التى هلكت، كما يحمل أخبارا مغيبة عن انتصارات وأحداث وقعت مثل فتح مكة، وانتصار الروم على الفرس.
٣ - كشفت آيات القرآن الكريم عن ألوان النفسيات التى يعج بها المجتمع فى قديم الزمان وحديثه، وبخاصة أهل النفاق، وما لهم من خصائص.
стр. 157
٤ - يحمل أيضا القرآن الكريم فى طياته منهجا كاملا يعالج الزمان والمكان، ويصلح من شأن العباد فيهما، ويصلح أمر الدنيا والآخرة بما يحويه من قيم وأوامر، وما يضعه من تعاليم صالحة للتطبيق فى كل حين: لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ [فصلت: ٤٢].
هذا قليل من كثير من جوانب الإعجاز القرآنى الذى تحدى به العرب وغيرهم من حيث المحتوى الذى أفحم المفكرين على اختلاف العصور، فكيف يتأتى لمحمد ﷺ فى تلك الفترة القصيرة التى دعا فيها إلى الإسلام أن يبتكر وتظهر هذه التشريعات التى تناولت جميع مجالات الحياة سياسية، واقتصادية، وتربوية، وعقائدية، وتشريعية، لا تقتصر على وقت معين، أو تهتم بجيل خاص، وإنما تصلح لجميع الأزمان، والأمكنة، ولجميع الأجيال التى تختلف فى تفكيرها، وعلومها، وقدراتها، بتلك الأحكام الضابطة لأمور الدنيا والآخرة جميعا لا تتغير؛ لأنها من وضع العليم الخبير الحكيم.
مظاهر التيسير فى القرآن:
١ - نسب الله إلى ذاته القدسية فضيلة التيسير، فقال: وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ [القمر: ١٧]، وذلك للترغيب فى قبول ما يأتى به من شرائع يسودها الرفق، والرحمة، واليسر، وفى كثير من مظاهر العبادات التى فرضت على الإنسان، فهو الرحيم بعباده، ولا يكلف نفسا إلا وسعها.
٢ - كانت الحماية من لدنه لقرآنه من التحريف والتبديل الذى لحق بالكتب التى أنزلت على موسى، وعيسى، عليهما وعلى نبينا أفضل الصلاة وأزكى السلام، والحماية له أيضا من الضياع بالنسيان والغفلة، فقد يسر حفظه لكل راغب، وقراءته وتلاوته فى كل وقت لكل قاصد.
٣ - كان الرسول يتلوه، ويقرؤه، ويكرره مرات ومرات، فى ليله ونهاره، فى صلاته وسجداته، ويحب أن يسمعه من غيره؛ تنشيطا للهمم، وحفزا لأصحابه، وإثارة للعلم والتعليم فى نفوسهم.
٤ - بالإضافة إلى أنه يطبق القرآن فى حياته كمنهج للحكم يسير عليه المؤمنون فى حياتهم، ويحكم به المجتمع فى تآلفه وارتباطاته، وتدعى إليه الأمم والشعوب الأخرى فى تعاملاتها وتعاقداتها، وتصاغ على هدى تعاليمه سياسة الأمة الإسلامية، وتحكم بمقتضاها شعوبها من قبل الحكام.
أليس فى ذلك مظهر من مظاهر التيسير للذكر والتذكر، والحفظ والانتفاع بالفهم
стр. 158
والاسترشاد؟. ذلك كان وعد الله لعباده المؤمنين ولرسوله الأمين: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ [الحجر: ٩].
بقى علينا أن نتعرف الغاية، وأن نعرف الحكمة، وأن نتبصر أمورنا فى الحياة بمختلف اتجاهاتها سلما وحربا، علما وعملا، عظة واعتبارا، تطبيقا وإدراكا، سلوكا وفهما، حكما وسياسة.
هل من مدكر؟ سؤال يوقظ فى كل نفس معانى المعرفة، والإدراك، والفهم، والاتعاظ بما حدث فى الماضى، والعمل على إصلاح الحاضر، والطموح لبناء المستقبل، دعوة موجهة للفرد، والجماعة، والأمة، كى يعى كلّ دوره، وإمكاناته، ومسئولياته فى معترك الحياة.
دعوة موجهة لتحمل الأمانة الكبرى التى أنيطت بأعناق كل من وقع تحت دائرة التكليف السماوى، أمانة الاختيار، وحرية الإرادة، والقدرة على تحمل المسئوليات، اختيار الإنسان الظالم لنفسه، الجاهل بحقيقة دوره ووضعه، تلك الأمانة التى عرضها الله فى قوله تعالى: إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا [الأحزاب:
٧٢].
أمانة ترينا الفرق بين مكلف ومكلف، بين السموات والأرض والجبال، وبين ذلك الإنسان القوى الضعيف صاحب الإرادة والاختيار، أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّماءُ بَناها رَفَعَ سَمْكَها فَسَوَّاها وَأَغْطَشَ لَيْلَها وَأَخْرَجَ ضُحاها وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها أَخْرَجَ مِنْها ماءَها وَمَرْعاها وَالْجِبالَ أَرْساها مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ [النازعات: ٢٧ - ٣٣].
اقتضت النظرة الإلهية لهذا الإنسان الذى خلقه فى أحسن تقويم، وميزه على بقية المخلوقات بالعقل والتدبير، أن جعله محلا لكرامته بالرسالات والكتب؛ ليحقق الحكمة من وجوده، وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ [الذاريات: ٥٦ - ٥٨].
وقوله تعالى: إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قالَ إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ [البقرة:
٣٠].
والخلافة تقتضى تعمير الكون على بصيرة من الأمر، والتكوين للذات الإنسانية، والتحمل للمسئوليات التى يترتب عليها الجزاء من ثواب وعقاب فى الدنيا، وكذلك
стр. 159
فى الحياة الأخروية التى تفرز الطيب والخبيث، وتحقق عدل الله لمن حرم هذا العدل فى دنياه، واستدامة حياة أخرى تليق بخليفة الله، الإنسان، عن بقية المخلوقات التى خلقت من أجله، وعاشت فى دنياه من كل ما خلق الله.
وهذا الأمر من تحقيق حكمة الوجود الإنسانى، والداخل فى علم الله الذى ينفرد به وحده، ويغيب عن مدركات مخلوقاته الأخرى، الملائكة التى أمرت بالسجود تنفيذا لأمر الله، سيكمل ويتحقق ما دام خاضعا للمنهج الإيمانى الذى حدده الله فى قوله إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات: ٥٦]، فالعبادة التى يرتضيها الله لعباده الذين خلقهم هى العبادة التى تنتج عن تفكير، وإرادة، وحرية، واختيار، وعلم، وبصر، والتى توجب الامتياز والتفضيل عن بقية المخلوقات التى لا تملك هذه الوسائل، ولا تستطيع الحصول عليها بحكم تكوينها وإمكاناتها، وإن كان ما خلق الله جميعه من أرض، وسماء، ونبات، وحيوان، وطير، تشترك جميعها فى عبادة الواحد الأحد، الفرد الصمد، تعبد الله وتؤدى دورها فى الحياة أداء طاعة وتسخير لما خلقت من أجله، وبما يتناسب مع خصائصها وذواتها، وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ [الإسراء:
٤٤].
٥ - ومن مظاهر التيسير التى كتبها الله لقرآنه، أنه قد حفظ بالكتابة والطباعة على مدى العصور، فقد سخر الله الإنسان حتى من لم يؤمن به، لكى يشترك فى أمر المحافظة عليه، وذلك أنه أخذ صفة العالمية فى وقتنا الحاضر، فالفن بكل إبداعاته يتجه إلى إخراجه فى أبهى صورة له فى أنحاء العالم، مؤمنه وكافره، وتتسابق إلى ذلك دور الطباعة والنشر فى سبيل إخراجه وإبرازه على الوجه الأكمل الذى يحفظه من التصحيف والضياع.
٦ - ومن فضل الله علينا وعلى الناس، أن سهل حفظه على الناشئة فى صغرهم، ويسر نطقه وقراءته على تلك البراعم الصغيرة التى ترغب فى تعليمه وحفظه، فهم عن طريق التلقين يستمعون ويكررون القول، وينطقون الآيات والحروف تبعا لما يسمعون، ويعلق هذا بأذهانهم حتى على غير الناطقين باللغة العربية.
والإنسان يأخذه العجب، وتتملكه الدهشة، حينما يسمع إلى قارئ القرآن ينطق الآيات نطقا سليما يدل على حبّ شديد لما يقرأ، حبّ يملك عليه نفسه وقلبه، فإذا
стр. 160
تقرّب منه وتعرّف عليه من خلال لغته، ولهجته، وزيّه، وشكله، رآه باكستانيا، أو هنديا، أو تركيا ... إلخ، لغته غير العربية، ومع ذلك فالنطق، والاستماع، والفهم،
والقراءة لتلك الآيات البينات التى أوحاها الله لنبيه، ﵇، يدل على أن الله جلت قدرته قد حفظ هذه الآيات، ويسرها للذكر: إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ [ق: ٣٧]، فقارئه لا يسأمه، وسامعه لا يمجه، بل تكراره يوجب زيادة محبته.
٧ - وكما يسر الله قراءته على الناس، يسر علمه على قلوب قوم، ويسر فهمه على قلوب آخرين، فكان من الدراسات التى تفرّعت عنه ما أحاط بالحياة وما فيها من حاجيات النفوس، وما ينتابها من مشكلات، ولقد استطاع الفقهاء والعلماء والباحثون فى شتى المجالات، أن يستخرجوا من كنوز هذا القرآن المحفوظ من رب العالمين ما يعالج أدواء الحياة التى تخنقها الأزمات، فأبانوا عن شريعة الله التى يسودها اليسر، والرفق، والرحمة، والتى يسهل على الناس قبولها، وعلى العقول فهمها، وعلى الجميع تطبيقها والعمل بها، متى تم لهم الإيمان، وقوى اليقين.
٨ - ولقد عرفت الأمم والشعوب ما فى هذا الكتاب المنزل من قبل السماء من دعوة للحق، وشريعة صالحة لكل زمان ومكان، وإيمان بالله، فبدأ الانكباب على دراسته، ومعرفة أسراره، والإلمام بجميع جوانبه، حتى كثرت ترجمة معانيه إلى لغات أجنبية عديدة، وتواترت الأخبار أن ترجمة معانى القرآن الكريم إلى لغات الشعوب الظامئة إلى معرفة الإسلام، واعتناق هذا الدين، وصلت إلى سبعمائة لغة، وهذا من فضل الله منزله، فقد كتب له الحفظ فى الصدور، والاستمساك به فى العمل، والحماية من التبديل والتحريف، والحماية من عبث العابثين، وحقد الحاقدين: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ [الحجر: ٩]، وقال أيضا: وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ [القمر: ١٧].
فالله قد كتب التيسير على نفسه والحفظ لكتابه بهذه الأساليب المؤكدة التى تنزع ما يلحق بالنفس من عدم قدرتها على الإحاطة بهذا الكتاب، وحفظه، وفهمه، وإدراك ما فى جوانبه من أمور فيها صلاح الحياة والبشر، والحاضر والمستقبل، وفى ذلك رد على الذين نصبوا أنفسهم للتربية وتعليم شباب الأمة، وعملوا على أن يباعدوا بين الناشئة وحفظ القرآن الكريم، بدعوى أن الحفظ يلغى ملكة التفكير، ويقعد بالطفل عن الفهم واستغلال الإمكانات فى البحث والإدراك.
стр. 161
ولو علم هؤلاء أن طريق التجربة خير طريق، وخير دليل لإثبات صدق ما يعرض من قضايا، والحكم عليها بالصلاحية وعدمها، لما احتاجوا إلى تذكرة بتلك التجارب التى مرت بها شعوبنا الإسلامية فى مراحل طفولتها، وتربية شبابها أيام أن كانوا فى حضن مدرسة محمد ﷺ ، وفى أيام عزة الإسلام ومنعته، كانت التربية القرآنية من حفظ، وفهم، وتطبيق، الشعلة التى أضاءت لهم طريق الحياة، فخرّجت صحابة وتابعين، فرسانا بالنهار، وعبادا بالليل، يحاربون من أجل كلمة الله، ونشر كلمة الإسلام، والصد لهجمات الكفار الشرسة أيام الرسول وصحابته، وأيام الصليبيين والتتار، لولا هؤلاء الحفظة وما تفعله فيهم تلك الآيات البينات من الأثر النفسى والعقدى من طلب للاستشهاد فى سبيل الله، ما كان للإسلام بقاء، ولا للدين وجود.
وإننا لنذكر تلك الغزوة الشهيرة التى تلاقت فيها تلك الجموع الغفيرة من أعداء كلمة الله بقضها وقضيضها، وأسلحتها وعتادها، مع تلك الفئة التى أخلصت لله وحده، وحملت لواء الإسلام عقيدة وسلاحا، وكان الصراع شديدا، والهجمة قاسية من الأعداء على صفوف المسلمين، حتى تراجعت منهم الصفوف، وزلزلت القلوب، وكادت الدائرة تكون عليهم، لولا أن قام القائد المسلم المناضل بتذكر ما يجب أن يتذكره فى موقفه من الله، ومن دفاعه عن كلمة الله، فنادى فى أصحابه: يا أصحاب سورة البقرة، النداء للقرآن، ومن أجل القرآن، فرجعوا جميعا إلى حومة القتال، وكان الله منزل القرآن معهم، فكان النصر المبين.
دعوات هدامة:
وإذا كانت الدول الحاضرة، الغنية بمواردها، والحافلة بعلمائها، والمتقدمة فى مجتمعاتها، والسباقة إلى أجواز الفضاء بسفنها ومراكبها، قد اهتمت بلغاتها، وأخذت منها سبيلا إلى فرض سيطرتها على غيرها من الشعوب والأمم، فاختارت من نماذجها البشرية المتفوقة فى الشعر والأدب ما تجعله محط أنظار أطفالها وشبابها فى مراحل تكوينهم اللغوى والأدبى، وذلك باختيار ما تراه من نماذجهم الشعرية والنثرية للدراسة والفهم والمحاكاة.
إذا كانت هذه الدول تنحو هذا النحو، أفلا نستطيع أن نقدم لأبنائنا ذلك الأنموذج الأمثل الذى جعله الله نورا وهدى للقلوب والعقول فى بداية ما يتمثله الأبناء من قول وعمل؟.
стр. 162
وإذا كانت لقمة العيش والعمل من أجل الحياة والتغلب على أزماتها وصعابها، وظروفها الاقتصادية، قد أدت إلى لون من التقارب بين أمم وشعوب قد اختلفت فى مذاهبها، وتباينت فى لغاتها وأنظمتها السياسية والاجتماعية، كما يحدث الآن فى أوربا، أفلا نملك نحن أمة القرآن أن نجعل هذا القرآن طريق اتصال لغوى وفكرى وعقدى بين هذه الشعوب التى حباها الله بالإسلام دينا، وبالقرآن دستورا؟
إن الاتصال اللغوى هو الطريق إلى الاتصال الفكرى، وإذا توحّدت اللغة، وتقاربت الأفكار، كان ذلك أدعى إلى تحقيق وحدة قوية بين الأفراد والمجتمعات والأمم، وإننا نستطيع أن ندرك بعد أن اتضحت النوايا، وتكشفت أساليب الحياة التى تمارسها القوى الكبرى، وتخضع لها الدول الصغرى فى تعاملاتها السياسية والاقتصادية، أن شرّ ما يبتلى به مجتمع مسلم أن يخرج إنسان إلى مجالات الحياة، وأن يتخرّج من مراحل التعليم ولا يستطيع أن يقرأ سورة من السور القصار، ولا أقول: يحفظها أو يفهمها.
إن تلك الدعوى القائمة على الاهتمام بالعقل ونموه وإدراكه، وإهمال جانب الحفظ، إنما هى دعوى هزيلة مريضة تضيع شخصية الأمة، وتقوّض لغتها التى اختصت بها، ولم يدفع إلى تلك الفكرة إلا ما يختبىء وراءها من رواسب التأثير الفكرى المتشبع بالتيارات الغريبة والأجنبية التى حكمت عقولنا وأفهامنا ردحا طويلا من الزمن.
ومن عجب أن نجد لهذه الدعاوى أنصارا ومؤيدين بين صفوفنا، علما بأن دعاتها لا يذهبون فى كتاباتهم وأساليبهم مذاهب التحرر من اللغة واستخدام كلماتها،
والتحرر من قواعدها، والميل إلى التبسط فى الألفاظ، والتساهل فى الضوابط التى تحكم شعرهم ونثرهم.
نراهم مع تلك الدعاوى التى يطلقونها، شديدى المحافظة على الأطر التى تعلموها فى مراحل التعليم، ولهم من أساليبهم المميزة التى تثير عند قارئها هزة وعجبا، مما يدل على اعتنائهم فى صغرهم بحفظ القرآن الكريم، واهتمام بطريقته فى صياغة الأساليب المتباينة من خبر إلى إنشاء، وإيجاز، وإطناب، وتقديم وتأخير ... إلخ، بل ونرى بعضهم يصل بأسلوبه الذى خص به إلى درجة تتشابه مع أولئك الأدباء فى العصر الأموى والعباسى.
فهذا الارتباط الفكرى والعقلى مما يدل على شدة الإعجاب الذى سيطر على ذلك
стр. 163
الكاتب أو الشاعر، فسار به إلى هذا المنحى والأسلوب، فما يصدر عنه من دعوى إلى التساهل فى اللغة، وعدم الارتباط بقواعدها وقوانينها، واستخدام العامية فى التعليم، وعدم الحفظ والاهتمام بتعليم القرآن، إنما هى أمور دفعت إليها ظروف تعليمهم وتربيتهم التى ربوا عليها وشجعتهم على خدمة أغراضها الاستعمارية التى كانت سائدة، أو تحقيق مصالح فئوية أو طائفية لها ظروفها وأغراضها، لذا لم تجد أمامها تلك التربة التى تحفظ لهم ما بذروا، ولم تستجب لرجواتهم فى الإثمار لتلك الأفكار المدسوسة والخبيثة، ما لبثت أن ماتت فى مهدها وظهرت أفكار طاهرة أخرى ربطت الماضى بالحاضر، واستعلت على كل أزماتها واستغلت كل إمكاناتها فى الخبرات المتجددة، والنور الذى أفاء الله به على عباده المخلصين فى استلهام نور الله، وقرآنه فى خطوات الحياة التى يجب أن يحياها المسلم الآن.
إن تجربتنا فى حفظ القرآن الكريم فى مرحلة الطفولة، تجربة دفعت إليها حكمة الآباء، ورغبتهم فى تقويم الألسنة، وإصلاح الأخلاق، والتهيئة لاستقبال أمور الحياة بسلاح قوى.
وكان الخطباء أصدقاء للمنابر، يعتلون منصتها، ويتدفقون كالسيل المنهمر فصاحة وأسلوبا مما يعد أنموذجا رائعا للبيان العربى القويم الذى طبع بالطابع القرآنى استشهادا وتمثلا واقتباسا.
وبهذا الطريق وحده حفظت بلادنا من محو شخصيتها الإسلامية العربية تحت تأثير الألوان من الاستعمار التى جثمت على صدورنا فترة طويلة من الزمن، الاستعمار الثقافى بتأثيره وسحره فى النفوس والعقول، والاستعمار السياسى والاقتصادى بجبروته وسطوته التى هيمنت على مختلف شئوننا الاقتصادية والعسكرية.
وإننا إذا نظرنا إلى واقع بلاد عربية أخرى تعرضت لظروف مماثلة لما تعرضنا له فى إفريقيا، رأينا أن الاستعمار الفرنسى استطاع أن يثبت أقدامه فترة طويلة من الزمن حتى كاد ينجح فى محو شخصية هذه البلاد التى تحكم فيها من جرّاء سيطرته أساسا على لغة البلاد، وفرض لغته الفرنسية لغة حديث، ومخاطبة، وتعليم، وتضاءلت بذلك الاهتمامات باللغة العربية، وبالتالى حفظ القرآن الكريم، مما مكن ذلك المستعمر من خلق أجيال غريبة اللسان واللهجة والثقافة، وطبعت بعادات بعيدة كل البعد عن عادات وأخلاق المجتمعات العربية.
стр. 164
وكانت هذه التحوّلات حجر عثرة فى سبيل التغلب على هذا الاستعمار الذى لم يقتصر على الجانب العسكرى والسياسى، ولكنه قضى على شخصية هذا الشعب العربى بقضائه على لغته وأصالته، إلى أن عرف طريقه وبدأ يحس بالحاجة إلى عودته إلى اللغة الأم، اللغة العربية، لغة القرآن الكريم.
أما مصر، فقد استطاعت أن تخرج من هذا الفخ الذى نصب لها بفعل عوامل عديدة، كان من أبرزها وجود الأزهر الشريف، الذى كان له من تأثيره الدينى واللغوى ما يعد صمام أمان، وحماية للغة العربية من الضياع والضعف، وصيانة للألسنة من تغلب العامية، واللهجات المحلية من السيطرة والتغلب على لغة الحديث والكتابة، وبالتالى لم يسمح للغة الأجنبية أن تزحزح اللغة العربية عن مكانها ومكانتها التى لها فى النفوس، والتربية والتعليم.
وها نحن الآن نرى مظاهر نشاطات لتلك الأجهزة المهيمنة على أمور التعليم والتثقيف، والدعوة الإسلامية فى الاهتمام بتحفيظ القرآن الكريم، وعقد الحلقات التى يشترك فيها الكثير من الأطفال والشباب، وعقد مسابقات يتبارى فيها الجميع فى مختلف المحافظات، والمدارس، والمساجد.
وهذه الصحوة المباركة، إنما هى إعداد للحياة الكريمة عن طريق القيم النبيلة التى يتلقاها الجميع من وراء الآيات القرآنية، والتعرّف على أهدافها ومراميها.
قد تكون هناك دعوات أخرى معارضة لهذه الاتجاهات، كما نشر أخيرا فى إحدى الصحف عن اعتراض أحد أولياء الأمور على تكليف أطفاله حفظ آيات من القرآن الكريم، وقد يكون فى ذلك ما يعارض عقيدتهم أو ما يؤثر فى تفكيرهم.
لقد تولى مواطن آخر يشترك معه فى العقيدة، الرد، فأنكر عليه قوله، وأعلمه بما لهذا التعليم والحفظ لآيات الله من آثار خلقية ولغوية فى مصلحة الطفل أن يتعلمهما، ويقتدى بتلك القيم التى تدعو إليها، فهى قيم مشتركة بين الأديان جميعها، لا تختلف من دين لآخر، ثم ضرب أمثله عديدة من تاريخ زعماء ملكوا ناصية البيان، وأجادوا حفظ القرآن الكريم، ولم يكن ذلك بمخرج لهم عمّا هم فيه من اعتقاد، ولم يريد هذا الأب أن يخرج ابنه معوج اللسان، سقيم التعبير، لا يستطيع أن ينطق بجملة صحيحة فى بنائها وتركيبها؟ أيرضى أن يستقى أسلوبه وتعليمه من أساليب البشر، ولا يحب أن يأخذ ذلك من قرآن خالق البشر؟.
стр. 165
وأما الجانب الآخر، فهو ما يعرضه القرآن الكريم من هداية للخلق، والتبصرة بالأمور، والدعوة إلى معرفة الصالح من أمر العقيدة، والابتعاد عن تقليد الآباء والأجداد فى الفاسد من العمل، والقبيح من الأخلاق، وتنزيه الله الخالق الجدير بالعبادة والطاعة عن كل شوائب الشرك.
هذه أمور فاضت بها آيات القرآن الكريم فى كل سورة، وفى مطلع كل شمس، وفى كل لحظة حياة تنبت نبتة من فكر، وتظهر بارقة من أمل فى فهم جديد فى كل آيات الله الكونية والعقلية، حتى أن الإنسان ليحار ويعجب كيف استغلقت هذه الأمور على أفهام العقلاء، وغابت عن أبصار الرائين.
ألم يدع القرآن الكريم فى أول أمر له إلى القراءة: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ [العلق: ١ - ٥].
دعوة إلى القراءة الواعية فى صحف الوجود، وفى كتب العلم وأجلها القرآن، وبغيرها لا يهتدى الإنسان إلى الله ، ولا يتعرف على خالقه، وربط القراءة بالقلم، وبخلق الإنسان وتطوره حتى يكون من ذلك معرفة حقيقية بالكون وخالقه ذى الجلال والإكرام، وربط العلم بالإيمان حتى يكون الإيمان قائما على أساس سليم لا يهتز ولا يضطرب.
جاء الأمر الإلهى: اقْرَأْ مرتبطا بأساس التكوين الإنسانى من علقة إلى مضغة، إلى إنسان سوىّ بعد أن كان من تراب، وفى ذلك دعوة للنظر إلى أيسر السبل على الإنسان للاهتداء والالتقاء مع النفس حتى يعرفها ويتأملها، ويبحث عن أصلها ووجودها.
قال تعالى: وَفِي الْأَرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ [الذاريات:
٢٠، ٢١]، وقال أيضا: أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا [الكهف: ٣٧].
دعوات إلى التفكير، واستخدام العقل؛ لأنه مبدأ العلم، وطريق الحياة، وساق الآيات العديدة إلى أولئك الذين يعقلون ويفكرون؛ لأنهم يهتدون وينتفعون، ويرتقون بإنسانيتهم إلى مستوى راق بالكفر، والعلم، والعمل، لا بالمال، والتراث، والثراء. بكل
стр. 166
تلك القيم النبيلة التى تعلى من شأن الإنسان كإنسان، فيرتفع فوق شهوات نفسه، ورغباته، وأطماعه.
ومع الدعوة إلى العلم، واستخدام العقل والفكر، تأتى الدعوة أيضا إلى استغلال المفيد من التجارب، والأحداث التى مرت، والسنن التى وقعت، وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ وَما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ [العنكبوت: ٤٣].
العالمون الذين وصلوا إلى النتائج الصحيحة من مقدماتها باستخدام عقولهم، وربطوا بين الأسباب والمسببات، وعرفوا حقائق الأمور بفهم السنن التى تحكمها، وكيف جرت هذه السنن كما أرادها لها خالقها فى الكون الواسع العريض، بأرضه وسمائه، وأفلاكه وبحاره، وفى حياة مخلوقاته، من نبات، وشجر، ودواب، وحشرات، وطيور، وأسماك، وإنس، وجان.
كل ذلك خضع لتلك المشيئة الإلهية التى حكمته وأجرته تبعا لسنن لا تختلف ولا تتغير، وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا [الأحزاب: ٦٢].
يعرض القرآن كل ذلك فى تلك الصور والمشاهد التى تتسع لتوضيح المرئيات، وتصل إلى العقول والقلوب، فتجتث منها الأفكار السقيمة، وتقتلع منها النباتات الضارة من المعتقدات الفاسدة والأفكار الخبيثة، وتغرس المبادئ السليمة، والقيم الصالحة فى تلك البيئات، والنفوس الجديدة التى استفادت بنور الله، واقتدت بهديه، وعرفت طريقها إلى الصالح من الأمر فسارت فيه، إلى غير ذلك من المشاهد الفسيحة فى تاريخ الأقوام السابقين، وبسط أحوالهم، وذكر ما حاق بهم من نتائج أعمالهم.
وقد تضيق هذه المشاهد، وتختصر تلك الصور فى كلمات موجزة بسيطة، تعرض الأمور على عقول تستطيع أن تلمح ما وراءها، وأن تسترشد بإيحاءاتها، وأن تفهم ما تقصد إليه، وعلى قلوب تحس باحتياجاتها إلى الهداية فى ليل الظلمة الحالكة، وفى دياجير الحياة الخافقة بالاعتقادات الفاسدة، والأوهام والأباطيل الملغية للعقل، والفكر، والإرادة، والاستقلالية.
كل ذلك يعرض فى كثير من الألوان الحكمية، والمشاهد التى تعرض فى آيات الله وأمثاله، وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ وَما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ [العنكبوت: ٤٣].
стр. 167
الحاجة إلى علاج هذه الموضوعات:
النفس الإنسانية تواقة دائما إلى ما يرضى حاجتها، ويشبع نهمها، فهى ظمئة إلى ذلك السلسبيل من المدد الروحى الذى يفيض عليها بالراحة النفسية، والوجدانية، والعقلية.
وإذا كانت هذه النفس قد تعرضت فى أزمنتها السحيقة لكثير من ألوان المحن والابتلاءات، وصنوف من الفساد متعددة، حتى باعدت بينها وبين معرفة خالقها وموجدها، وانحرفت بها عن جادة الصواب بكثير من فعالها، وضلت السبيل فى عبادتها، فلم يتركها الخالق تعيش فى ذلك الخواء الروحى والنفسى، بل أنعم عليها من فضله بأولئك الرسل الكرام الذين اصطفاهم من خلقه؛ ليكونوا أداة هداية، ودعاة نور لبنى جنسهم وأقوامهم، يأمرونهم بالمعروف، وينهوهم عن المنكر، ويباعدون بينهم وبين عبادة تلك الأصنام التى تحول بينهم وبين معرفة الواحد الأحد، وبالتالى يدعونهم إلى النجاة من النار التى أعدها الله للكافرين الفجار.
عالج الأنبياء والرسل الكرام أوضاع هذه الحياة بوحى من الله فى كتب بين أيديهم، وآيات يبصرونهم بها، ومعجزات يجريها الله على أيديهم ويمدهم بها، لتكون سندا لهم فى دعوتهم، فتقف أمامها سطوات الجبابرة، وقوى البغى، عاجزة لا تستطيع لها دفعا ولا صدا؛ لأنها قدرة الله وعونه لعباده المؤمنين المخلصين.
مع هذه الآيات الموحى بها من قبل السماء، والآيات المرئية فى كون الله الواسع المحيط بالإنسان فى بره وبحره، وأرضه وسمائه، وكل ما يقع تحت حواسه المختلفة، ومع المعجزات التى تجرى على أيدى الرسل والأنبياء، جاء محمد ﷺ ليصل بهذه الأمة إلى الرشاد من الأمر، وليكون منقذا لها من الضلال، وآخذا بيدها إلى مرفإ الأمن والأمان، جاء بتلك الرسالة الخاتمة، رسالة القرآن، الكلام المعجز الذى لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد، قد فصلت آياته وأحكمت؛ لتكون هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان، ولتصنع تلك الأمة المسلمة الرائدة فى أولها ووسطها وآخرها لهذا العالم المتخبط الحائر الذى لا يعرف طريق هداية، وتتغشاه ظلمات بعضها فوق بعض من ضلال العقائد، وانهيار القيم، وأطماع الحياة والأنانية المفسدة، والبعد عن جادة الطريق.
стр. 168
رسالة الإسلام تحددت من قبل السماء، وبوحى الله إلى بنى البشر عن طريق خاتم الأنبياء محمد، ﵊، فى صنع هذا الأنموذج الرفيع لتلك الأمة التى عبرت عنها الآية القرآنية: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [آل عمران: ١١٠].
أمة ذابت بينها الفوارق العرقية، والطبقية، واللونية، ولم يبق أمام المساءلة الإلهية يوم القيامة إلا ذلك المبدأ: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ [الحجرات: ١٣]، انصهرت هذه الأمة فى بوتقة الإسلام، فكانت جديرة أن تكون شهيدة على الناس يوم القيامة، وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً [البقرة: ١٤٣].
أمة صنعها الله سبحانه بقرآنه المعجز، وبتكاليفه، وأوامره، ونواهيه، فاستقامت شئون الحياة، وصلح أمرها، وأمر معتنقى رسالة الإسلام، والمتبعين لتعاليم الله دون بغى أو عدوان.
عاشت هذه الأمة فى ظل القرآن، وسعدت بعدالة السماء، وتأثرت بأخلاق رسول الله وصفاته، وأخلاق صحابته، وما كان لهم من مجاهدة وجهاد فى سبيل الله، وما ظهر على أيديهم من عدالة وسماحة نبعت من شريعة الله، وعالجت أوضاع الحياة بالاستقامة على النهج والتمسك بالتعاليم، والفهم للغايات.
ثم رانت عليها نومة ثقيلة، بفعل الجهالة التى تحكمت فى العقول، والذلة التى هيمنت على النفوس، والتواكل الذى أضاع جوهر التوكل، والدسائس التى حيكت ضد الدين وأهله من داخل البلاد وخارجها، ومن الاستعمار الذى بسط سلطانه بالقهر والعدوان على مقدرات هذه الأمة وعلى مقدساتها، وعلى كل من نطق بالضاد، ومن الفرقة التى أصابت جسم هذه الأمة، فتفشى داء الانقسام بين أطرافه حتى غدا أوصالا ممزقة، وفرقا شتى، وشيعا وأحزابا، يحارب بعضها بعضا، وتولى زمام الأمر فيها إما جاهل أحمق، وإما مستبد غاشم، وإما عبد لشهوات نفسه ورغائبها، وهكذا أصبحت الأمة الإسلامية بعد قرون طويلة من القوة، جسدا مريضا تنهشه كلاب جائعة من حوله، لا تترك فيه رمقا من حياة، ولا تقدم له الدواء كى يعيد سيرته الأولى فى قيادة الحياة وإنارة البصائر، وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ [التوبة: ٣٢].
وبعد لأى من الزمن، وصحوة القلب المريض، ويقظة العقل الجاهل، تنبه المسلمون
стр. 169
إلى حالهم المستكين، وتأخرهم المريض، وعرفوا سر ما هم فيه من انكسارات تقوض دعائمهم، وهزائم فى ميادين الحياة المختلفة تستل منهم مواطن العزة، وجدوا كل ذلك وعرفوه بمقارنة حالهم بحياة الأمم الأخرى التى تعيش بالفكر، والعقل، والعلم، واليقظة لدروس الحياة، فبدءوا يتلمسون الطريق، ولكن أى طريق يسلكون؟ وأى نور يلتمسون؟ أكل طريق يصلح للسير فيه؟! أكل نور يصلح للهداية؟! هذه التساؤلات دفعت عقلاء القوم، والمستنيرين منهم، إلى جدية البحث وراء العلاج الذى يشفى من كل مرض وراء الحياة الجديرة بالأمة التى حباها الله بالقرآن، وراء الحياة الحقيقية التى يجب أن يحياها المؤمن، والتى تحقق له خيرى الدنيا والآخرة، الحياة التى تقوم على دعائم العقيدة، والروح، والعقل، والفهم، والتدبر فى ملكوت الله حتى يكون السير على هدى وبصيرة.
إن حاجة هذه الأمة إلى تلك اليقظة التى تشمل كل كيانها، حاجة ملحة وشديدة، وفى الاستفادة من دروس الماضى وعبره، وسير الأولين والآخرين، وفى الرجوع إلى آيات الله وقرآنه الحكيم ما يجعل الأمة المسلمة، والفرد المؤمن، يرى طريقه الصحيح، ويجتنب العثار والسقوط.
وفى النظر إلى ما يحدث فى الحياة الحاضرة من أحداث، وما يقع فى العالم من أزمات ومشكلات، وما يجابه الإنسان المعاصر من متغيرات تدعوه إلى إصلاح مساره، وعلاج انحرافه، وطلب المزيد من التجارب الناجحة التى مورست، ويمارسها الإنسان فى الحاضر لإصلاح شأنه، فى جميع ما يحتاج إليه فى هذا الشأن من الأمور الاقتصادية، والسياسية، والاجتماعية، واختيار الطريق الأصلح والأقوم للنجاح فى هذه الحياة.
كل ذلك يوسع دائرة البحث، والعلم، والاستفادة، وينير للإنسان طريقه، فلا يخضع لتقليد مقيت يجره للماضى وما فيه من أمور حكمت تجارب الحياة الحاضرة بفسادها وعدم صلاحيتها للاقتباس منها، وتمثلها فى خطواتنا.
وكذلك لا يخدع بالحاضر، وما فيه من مغريات تغطى على بصره وبصيرته، فلا يرى طريقه الصحيح، ولا يستبين معالمه.
وإنما هو العقل الراشد، والإيمان الثابت، والإرادة القوية، التى تفتح مغاليق الحياة، وتجعل الإنسان آمر نفسه، وصاحب كلمته فى الأرض التى خلقها الله من أجله.
стр. 170
التصوير فى الأسلوب القرآنى:
قد يعرض المعنى فى الأسلوب القرآنى عرضا مباشرا معتمدا على استخدام الكلمة والجملة فى الاستعمال الحقيقى الذى لا يحتمل غيره، فيفيد بذلك السامع والقارئ، ولا يحوجه إلى كبير معاناة فى الفهم، أو الجرى وراء التماس معان أخرى يبحث عنها، ويبدو ذلك دائما فى كل ما ورد من ألفاظ القرآن الكريم وآياته التى تناولت الأحكام والفرائض والمعاملات، مثل: إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ [المائدة: ٦]، وقوله تعالى: الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ [البقرة: ١٩٧]، وقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ [البقرة: ٢٨٢].
ألفاظ واضحة الدلالة تصل إلى السامع مباشرة، فلا يحتاج معها إلى بحث، إلا إذا كان استخدام اللفظ غريبا على سمعه لجهله به، أو لصعوبة تلفظه به، فإنه لا بدّ وأن يعمد إلى المعجم ليعرف معناه.
ولكن يبقى بعد ذلك استخدام الكلمة فى غير ما وضعت له، وهذا أمر شائع فى كل لغات العالم، وبالتالى فهو شائع أيضا فى اللغة العربية، وقد استعمله القرآن الكريم ليفيد اللغة اتساعا من الناحية اللغوية، ويفيدها أيضا جمالا من الناحية الجمالية، ويسمى ذلك مجازا، وفى هذا المجاز قوة وتأثير وتصوير، فإذا استمعنا إلى قول الله
﵎:
يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ [النور: ٢٤]، وقوله أيضا: وَقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا قالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ [فصلت: ٢١]، فى هذه الآيات عبارات ناطقة قوية بالغة القوة فى استنطاقها ما لا ينطق، وفى حوارها فيما بينها، وأمام صاحبها، وهو صامت مأخوذ من نطقها (١).
وقد أدى استخدام هذا المجاز واتساعه إلى كثير من ألوان البيان، بدءا بالتشبيه إلى الاستعارة بأنواعها المختلفة، وكلها إضافات جديدة للاستخدام اللغوى بدلالات اجتماعية ونفسية.
وليس المقام هنا عرض نماذج عديدة لكثير من ألوان البيان، ولكنا نكتفى ببعض الأمثلة التى تكون أساسا لما نريد الوصول إليه من طبيعة التصوير فى الأسلوب القرآنى ووظيفته.
стр. 171
فقد نجد التشبيه يأخذ مكانه فى الأسلوب القرآنى؛ لتتم عن طريقه المقارنة بين طرفين، والموازنة بينهما، فمثلا يقول الله تعالى فى كتابه العزيز: وَحُورٌ عِينٌ كَأَمْثالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ [الواقعة: ٢٢، ٢٣]، فقد تماثل المشبه وهو الحور العين، مع المشبه به وهو اللؤلؤ المكنون، فى صفة مشتركة هى الصفاء واللمعان، عن طريق أداة التشبيه وهى الكاف، أركان أربعة قام عليها أسلوب التشبيه، وفيه انتقاله بالمشبه إلى مرتبة أعلى مما كانت له سابقا لم يكتسبها إلا عن هذا الطريق البيانى، وقد يتدرج الأسلوب بحذف الأداة، ووجه الشبه إلى ما يسمى بالتشبيه البليغ الذى يعطى قوة ومبالغة أكثر، كأن المشبه هو عين المشبه به، وهكذا تختلف الصورة من صياغة إلى صياغة، فإذا حذف أحد الركنين الأساسيين، المشبه أو المشبه به، كان ذلك انتقالا إلى مبالغة أقوى، واستخدام أكثر تأثيرا، وهو ما يطلق عليه اسم الاستعارة، تصريحية أو مكنية.
وقد تقوم المشابهة بين الطرفين على صفات مشتركة، وأحوال متقاربة، وهو ما يسمى بالتشبيه التمثيلى، أو التشبيه المركب، فتبدو الصورة كاملة التأثير بما ترسمه من كلمات تتوفر فيها عناصر اللون، والحركة، والصوت، وتتجمع جميعها فى إبراز مكونات الحالة الأولى المتمثل لها المشبه بالحالة الثانية المتمثل بها المشبه به، إلى تلك الصورة الرائعة بمكوناتها وتأثيراتها المختلفة التى تصدق عليها، وعلى غيرها مما تنطبق عليه هذه الأحوال.
فإذا نظرنا إلى تلك الصورة الرائعة فى قوله تعالى: مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً [الجمعة: ٥]، وجدنا أنها عرضت صورة لليهود الذين أعطوا التوراة ولم ينتفعوا بما فيها من هداية وتعاليم، بحال الحمار الذى يحمل كتبا كثيرة نافعة فوق ظهره، ولكنه لا يستفيد بها، ولا ينتفع بشيء منها.
فالمشبه مركب من أجزاء: حامل، وهم اليهود، ومحمول نافع، وهو التوراة، وعدم انتفاع بالمحمول لانصرافهم عن العمل بما جاء فى التوراة التى حفظوها.
والمشبه به: مركب من أجزاء هى: حمار حامل، محمول نافع، وهو كتب العلم، وعدم انتفاع الحمار بما يحمل؛ لأنه لا يدرك ما فيه مع تحمل المشقة فى الحمل.
وكذلك إذا نظرنا إلى قوله تعالى: مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ [البقرة: ١٧]، وجدنا أن
стр. 172
الصورة المعروضة لأولئك المنافقين الذين تملكتهم الحيرة والحسرة؛ لأن نور الإيمان لم يصل إلى قلوبهم، ولم يحققوا الفوز والنعيم المقيم؛ لأن إيمانهم كان مجرد زعم وادعاء؛ لحقن دمائهم وصيانة أموالهم.
المشبه به: حال وهيئة أولئك الذين طلبوا إيقاد النار للاهتداء بها، فلما أضاءت لهم وسطع نورها حولهم انطفأت، فتملكتهم الحيرة فى الظلمات، وأصابتهم الحسرة على فوت ما فات، وغمرهم اليأس من بلوغ ما كانوا يريدون لو بقى لهم ذلك النور.
وإذا سيقت هذه الصورة البيانية بحذف ركنها الأول، وهو التمثل له المشبه، واكتفى بذكر المتمثل به المشبه به، كان ذلك تدرجا فى البيان، وقمة فى الإيجاز والاختصار، وعدّ من أساليب الاستعارة التمثيلية التى نجد مكانها واضحا فى تلك الأمثال الحكمية التى حفل بها القرآن الكريم، وعرضها علينا قضايا مسلمة، محكوما بصحتها، ويمكن اللجوء إليها، والاستشهاد والتمثيل بذكرها بفرض حال مناسبة مشابهة لها، وقد عرضت كتب التفسير نماذج لذلك فى قوله تعالى: كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ [المدثر: ٣٨]، ما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ [المائدة: ٩٩]، لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها [البقرة: ٢٨٦].
الأمثال:
طريقة من جملة الطرائق الأسلوبية التى عالجت بها الآيات القرآنية، الحقائق فى منازعها المختلفة.
حقيقة المثل: يقوم المثل على الشبه والنظير بين طرفين؛ لتتم بينهما المقارنة والمشابهة، وقد يكون المثل بمعنى الصفة، ومن ذلك قوله تعالى: مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ [الرعد: ٣٥]، أى صفة الجنة، وقال تعالى: وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلى [النحل: ٦٠]، أى الصفة العليا، وهى قولنا: لا إله إلا الله، وقوله تعالى: ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ [الفتح: ٢٩]، أى صفتهم. وقال قوم: إنما يعنى المثل: المثال الذى يحذى عليه كأنه جعله مقياسا لغيره.
رأى علماء البلاغة فى الأمثال:
يرى عبد القاهر الجرجانى فى كتابه: أسرار البلاغة، أن المثل يقوم على التشبيه المركب فقط، فوجه الشبه فيه منتزع من صور لا يمكن فصل بعضها عن بعض، حتى
стр. 173
أنك لو حذفت منها جملة واحدة فى أى موضع، كان ذلك أخلّ بالمغزى من التشبيه، وقد أعطى أمثلة توضح فكرته، فقال:
إن هناك فرقا بين أن تقول: رجل كالأسد، وبين قوله تعالى: إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعامُ حَتَّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُها أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها أَتاها أَمْرُنا لَيْلًا أَوْ نَهاراً فَجَعَلْناها حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ [يونس: ٢٤].
فوجه الشبه فى الأول مفرد، وهو الشجاعة، أما فى الآية القرآنية، فوجه الشبه صورة منتزعة من جملة أمور. وهو يرى أن كل تمثيل تشبيه، وليس كل تشبيه تمثيلا. كما يرى أن للتمثيل مظهرين:
أ- أن يجيء المعنى ابتداء فى صورة التمثيل، وهذا نادر قليل، ولكنه على قلته فى كلام البلغاء، كثير فى القرآن الكريم، وذلك مثل قوله تعالى: مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ يَكادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [البقرة: ١٧ - ٢٠].
ب- المظهر الثانى للتمثيل: هو ما يتأثر بالمعانى، ويجيء فى أعقابها؛ لإيضاحها وتقريرها فى النفوس، ومثال ذلك فى القرآن الكريم قوله تعالى: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَماً لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ [الزمر: ٢٩].
فقد أورد المثل بعد ما قرر أمر التوحيد فى أول السورة، وشنع على الذين اتخذوا من دون الله أولياء يقربونهم إليه زلفى، ونصب الدلائل على نفى هذا الشرك، وذكر الجزاء.
والتمثيل فى رأى الزمخشرى إنما يصار إليه لكشف المعانى، وإدناء المتوهم من الشاهد، فإن كان المتمثل له عظيما، كان المتمثل به مثله، وإن كان حقيرا، كان المتمثل به كذلك.
стр. 174
رأى الفقهاء فى الأمثال:
قال أبو عبد الله محمد بن علىّ الحكيم الترمذى (١): ضرب الله الأمثال لمن غاب عن الأشياء، وخفيت عنه الأشياء، فالعباد محتاجون إلى ضرب الأمثال لما خفيت عليهم الأشياء، فضرب لهم مثلا من عند أنفسهم لا من عند نفسه؛ ليدركوا ما غاب عنهم، فأما من لا يخفى عليه شىء فى الأرض ولا فى السماء، فلا يحتاج إلى الأمثال.
ويقول صاحب تفسير المنار (ج ١): يضرب الله المثل فى كلامه تعالى؛ لأنه ليس نقصا فى حد ذاته، وليس نقصا فى جانبه، وإنما هو حق؛ لأنه مبين للحق، ومقرر له، وسائق إلى الأخذ به بما له من التأثير فى النفس.
وذلك أن المعانى الكلية تعرض مجملة مبهمة، فيصعب على الذهن الإلمام بها، واستخراج سرها، والمثل هو الذى يفصل المجمل، ويوضح المبهم، فهو ميزان البلاغة.
الهدف من ضرب الأمثال:
يضرب الله الأمثال لنفوس العباد، حتى يدركوا ما غاب عن أسماعهم وأبصارهم الظاهرة بما عاينوا (٢).
وتساق أساليب الأمثال فى صورة من الإعجاز البيانى لأولى الألباب، حتى تكون صمام أمان من عذاب الله الذى أعده للكافرين، وتبرز تلك المعانى المجردة فى صورة محسوسة، أو الأشياء المتخلية أو المتوهمة فى صورة متحققة أو متيقنة من التمثيل الحركى أو القولى، حتى يكون لذلك صداه فى نفس المتلقى أو المشاهد، فينطبع فى ذاكرته، ويصل إلى قرار فؤاده، فلا يمحى على مر الأيام.
كانت الكتب السماوية معرضا للأمثال التى تساق للتأثير فى النفوس والقلوب، حتى أن الإنجيل أفرد سورة كاملة من سوره تسمى سورة الأمثال، وأكثر منها الأنبياء والرسل والحكماء، كما أكثر من ذكرها القرآن الكريم فى كثير من الآيات، حتى وصلت إلى بضعة عشر موضعا، يضرب فيها الأمثال بيانا للناس وتذكيرا، وهو الحق وأحسن تفسيرا، وأمثال الكفار فى ضلال وبهتان (٣).
واستخدمها رسول الله ﷺ فى كثير من المواطن للإيضاح والتعليم، أخرج البيهقى،
стр. 175
عن أبى هريرة، رضى الله عنه، قال: قال رسول الله ﷺ : «إن القرآن نزل على خمسة أوجه: حلال، وحرام، ومحكم، ومتشابه، وأمثال، فاعملوا بالحلال، واجتنبوا الحرام، واتبعوا المحكم، وآمنوا بالمتشابه، واعتبروا بالأمثال» (١).
وتضرب الأمثال لمن يبتغى هدى وصلاحا من الأمر، وعلاجا لكل داء، ومحاربة لكل ألوان الفساد التى تمزق المجتمع، وتهدد قيمه، وتبدد طاقاته.
وإذا نظرنا إلى طبيعة المثل فى البيان العربى، وجدنا له موردا ومضربا، فالمورد هو أساس المثل الذى قيل فيه، والحدث الذى ورد فيه، وأما المضرب فهو الذى يستشهد
به فيه من حال مماثلة فى كل وقت وعصر، وقد يكتفى القارئ بذلك المضرب، وقد يذهب الباحث وراء المضرب ليعرف مورد المثل وحقيقته، وهذا أمر مألوف فى الأمثال العربية وطبيعتها وتكوينها، يبحث عن الجذور والأصل؛ ليستطيع الربط بين المورد والمضرب.
ولكن أتقاس الآيات القرآنية بهذا المقياس؟! ليس من الصائب من الرأى أن نخضع ما ورد عن الله لمقاييس من صنع البشر، فالكلام كلام الله خالق البشر، وما يصنعون من قول، ويزخرفون من حديث، ويدبجون من ألفاظ، على أن الأمثال العربية فى قمتها، وهى تلك الأمثال الحكمية أو الكامنة، كما يسميها السيوطى، قد تنوسى فيها المورد، ولم يعد الإنسان بحاجة إلى معرفة ذلك، فالمهم هو التطبيق، والنظير، والشبيه بالمثل فى حالته وصورته.
أنواع الأمثال:
سيكون عمادنا فى هذا المؤلف أن نعرض للأمثال القرآنية التى ضربها الله للناس فى مجالات مختلفة، عالجت وتعالج شئون الإنسان، والحياة التى يحياها، والعقيدة التى يؤمن بها، وكيف حققت هذه الأمثال نجاحها الباهر بأسلوبها القرآنى الأخاذ، وبذلك النمط الذى سيقت فيه للدلالة على صدق ما أخبرت به الآيات عن طريق الدليل، والحجة والبرهان، بالإضافة إلى ما تعطيه من قوة وتأثير فى الكلام، وإقناع بما تسوقه من أفكار، فكأنها تأتى بالشىء ودليله من واقع الحياة.
وإذا نظرنا إلى نماذج هذه الأمثال الفريدة فى صياغتها، رأينا أن سوقها بهذا الأسلوب فريد فى نوعه وطريقته، ويختلف عما عداه من الأساليب العربية المعهودة فى
стр. 176
ذلك الوقت، والمأثورة عن عصر الجاهلية قبل نزول القرآن الكريم، فلم يعهد فى أسلوب القدامى الفصحاء والبلغاء أن أتوا بهذا النسق من الكلام الذى جرت به الآيات القرآنية فى سوق الأمثال بخصائصها وطرائقها، لم يؤثر عن القدامى فى الجاهلية إلا ذلك النمط من الحكمة الصائبة الصادقة، والقول السديد فى لفظ موجز بليغ، وهو لون لا شك أنه من جملة الأساليب التى تحاط بالاحترام والتقدير؛ لما لها من أثر النفس، وتقدير فى العقل، وهو ما يطلق عليه الأمثال الحكيمة، وهى نتاج خبرات، وأحداث، وتفكير، وصدق، إلا أنها لم تتعد ذلك الجانب الذى وردت به، ولم يكن لها ذلك الحظ من المساحة العريضة الواسعة من تصوير المشاهد، وإضفاء الجوانب التأثيرية، كما ورد ذلك فى القرآن الكريم، وقد يرجع هذا إلى طبيعة العصر وما فيه من بداوة، أو لضيق أفق وفكر فى الإلمام بكل جوانب الحياة، وللجاهلية الفاشية فى نقص معلوماتهم، وتقليدهم واتباعهم للآخرين، وتأثرهم بتفكير السابقين فى قولهم وفعلهم.
عوامل عديدة قعدت بهم عن إعطاء ذلك المظهر التعبيرى الفسيح الذى كان بحق وثيقة تاريخية كتابية صادقة لمست ونطقت بحياة الناس، فكانت كما عبر أحد الكتاب عن قيمة الأمثال: إنها مرآة ترى الإنسان وجهه وحقيقة نفسه، وما فى حياته من أشياء، كما تريه ما خلفه من مناظر ومشاهد يعجز أن يراها بغيره.
الأمثال مرآة صادقة للحياة، وقد ظهرت بأنواعها العديدة فى آيات الله، حتى أن بعض المفسرين حاول أن يحصر ما يطلق عليه من أمثال حكمية، فوجدها تقرب من الثلاثين مثلا، وتكلف آخرون فى إيجاد ارتباط بين الكثير من الأمثال الحكمية التراثية التى وردت إلينا من خلال الموروث من الآداب الجاهلية وغيرها، وبين آيات القرآن الكريم، والتدليل على ذلك بذكر هذه الآيات، وتبيان ما بينها من معان متفقة، وقريبة الصلة بمعانى أمثال معروفة سائرة، فهى أمثال بمعانيها لا بألفاظها، ومن هنا سميت أمثال كامنة، كما عبر عن ذلك الإمام السيوطى فى كتابه الإتقان فى علوم القرآن، الذى قال: إنها تمثل القسم الثانى للأمثال القرآنية التى لا ذكر للمثل فيه، ولم ترد فيه حكاية الأمثال الشائعة، وإنما هى أمثال فى نظر العلماء من حيث ما ورد فيها من معنى قريب الصلة بمعانى أمثال معروفة سائرة.
وقد أعطى نماذج عديدة لذلك، مثل قوله تعالى: لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ [آل عمران: ٩٢]، الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ [يوسف: ٥١]، ذلِكَ بِما
стр. 177
قَدَّمَتْ يَداكَ [الحج: ١٠]، قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ [يوسف: ٤١]، أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ [هود: ٨١]، وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ [فاطر:
٤٣]، وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ [البقرة: ٢١٦].
وهذه العبارات لا تدخل فى باب الأمثال، فإن اشتمال العبارة على معنى ورد فى مثل لا يكفى لإطلاق لفظ المثل على تلك العبارة. فالصيغة الموروثة ركن أساسى فى المثل، وهذه المحاولة لا سند لها من دليل نصّى ولا تاريخى، والقرآن الكريم لم يصرح فى هذه الآيات بأنها مثل.
والنوع الثانى: وهو عماد دراستنا، وموضوع بحثنا فى هذا المؤلف، هو ما يطلق عليه القرآن الكريم كلمة المثل أو الأمثال، وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ [العنكبوت:
٤٣]، ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا [الروم: ٢٨].
آيات عديدة نستطيع أن نطلق عليها، كما أطلق ذلك الدكتور/ عبد المجيد عابدين:
الأمثال القياسية.
ونحن إذا قرأنا آيات الله، واستعرضنا ما ورد بها من أمثال قرآنية، وجدنا أنها تأخذ ذلك الأسلوب الذى لم تسبق إليه فى البيان العربى فى الجاهلية وصدر الإسلام فى صياغتها، وتكوينها على النحو الفريد الذى عرضت فيه. فهى تعرض لنا:
أولا: صورة وصفة المتمثل له، والمتمثل به على هذا النحو الذى تمثله النماذج القرآنية فى الآيات التالية:
أ- قال الله تعالى: مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ فِي هذِهِ الْحَياةِ الدُّنْيا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ أَصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [آل عمران:
١١٧].
ب- وقال أيضا: مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِياءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ [العنكبوت: ٤١].
فالآية تبدأ بكلمة مَثَلُ التى تدل على الصفة والحالة، وتعرض المتمثل له مباشرة، ثم تعقب ذلك بكلمة مَثَلُ المكررة التى تفيد الحالة والصفة أيضا للمتمثل به، مسبوقة بالكاف الدالة على التشبيه، وهذا فى أكثر الاستخدامات القرآنية، وقد
стр. 178
وردت فى القرآن الكريم تلك الأمثال القياسية على هذا النحو مصحوبة بالنص على ضرب المثل بصياغة الماضى، والمضارع، والأمر، وهو لفظ يفيد إيقاع الشيء وتحقيقه، وقد اختير لفظ الضرب، كما عبر صاحب المنار: لأنه يأتى عند إرادة التأثير، وهيج الانفعال، كأن ضارب المثل يقرع به آذان السامع قرعا ينفذ أثره إلى قلبه، وينتهى إلى أعماق نفسه (١).
ثانيا: يسرد المثل قصة كاملة للمتمثل له، أو يعرض صورة مجازية مبسوطة جىء بها للإيضاح، والتصوير، أو قصد التأديب.
ثالثا: من سمات المثل القرآنى: الإطناب، وعمق الفكرة، وجمال التصوير.
إذا توافرت هذه الخصائص، كان ذلك من المثل القياسى الذى استجمع كل شروطه، ولهذا يخرج العلماء كل الآيات التى تستخدم فيها كلمة المثل، وتعتمد على التشبيه البسيط من المثل القياسى، مثل قوله تعالى: وَحُورٌ عِينٌ كَأَمْثالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ [الواقعة: ٢٢، ٢٣]، وكذلك قوله تعالى: وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ [يس:
٧٨]، وكذلك قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها [البقرة: ٢٦].
فهذه الآيات السابقة، وإن صرح فيها بلفظ المثل، فهو ليس مثلا؛ لأنه لا يقوم على التشبيه المركب.
وقد اعتبر بعض البلاغيين أن من جملة المثل القياسى، ما قصد منه عرض قصة، أو صورة مجازية، ولم يرد فيها لفظ المثل صراحة، مثل قوله تعالى: أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها [البقرة: ٢٥٩]، وَاذْكُرْ أَخا عادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقافِ [الأحقاف: ٢١]، نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ [الكهف: ١٣]، وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً [الحجرات: ١٢].
وقد نظروا فى ذلك إلى ما تقصد إليه الآيات من هدف التأديب، والتذكير، وما توحى به من أمور الاعتبار والاتعاظ.
стр. 179
اجتهادات العلماء فى هذا المجال تقوم على معرفة الغرض والحكمة من وراء سوق العبارات، فإذا أبرزت الآيات صورة كاملة لحالين متشابهين فى أمور ممتزجة لا انفصام بينها، كان ذلك مثلا قياسيا، ولو خلا من كلمة مثل، أو شبه، أو ضرب، ما دام يخدم الفكرة ويوضح الغاية فى رأيهم، وبمقتضى هذا الفهم يتسع المثل، فيشمل كل ما ورد فى القرآن الكريم من أحوال السابقين من قصص، وذكر أحوال، مثل: أخوة يوسف، وقصة موسى، وعيسى، وأهل الكهف، وغيرهم مما حفلت به الآيات القرآنية وسور القرآن الكريم، وعرضته بغية الوعظ والاعتبار. ولا نغالى إذا قلنا: إنه ما من آية إلا وتحمل فى طياتها دعوة، وعظة، واعتبارا، وعرضا لأحوال السابقين، ما عدا تلك الآيات التى تبين تشريعا، أو تضع قواعد، وتكاليف، وأمور عبادات.
لذا فنحن لسنا مع أولئك القائلين بهذا القول، أو الذاهبين هذا المذهب، فلا يصح أن نخضع هذا الأمر لقياسات العلماء، أو القواعد التى يطبقون عليها، فالأمر يجب أن يكون بخلاف ذلك، والعكس هو الصحيح، وهو أن تقعد القواعد، وتوضع الموازين على هدى كتاب الله، اللسان العربى المبين، والصياغة التى وردت فيه، فهى النموذج الأمثل.
لقد فعل أصحاب القواعد النحوية مثل هذا، وذهبوا هذا المذهب، ولم ينكر عليهم أحد اتجاههم هذا إلى وقتنا الحاضر، فقد جعلوا القرآن الكريم هو الأصل، وما عداه مقيس عليه، يصلحون من قواعدهم، ويتلمسون العلل فيما أتى مخالفا للنموذج لأنفسهم.
وهذا الجهد الحميد من أولئك العلماء، علماء البلاغة، لا ينكر، والاجتهادات التى توصلوا إليها من بلاغيين، ومفسرين، وعلماء، فى هذه الميادين، اجتهادات ولا شك مشكورة، حفرت الطريق أمام السائرين، ومهدته لكى يواصل المسيرة من أراد فى طريق النماء العقلى، والتقدم العلمى، حتى وقتنا الحاضر، ولمن يأتى بعد ذلك.
تمهيد:
وراء كل عمل فلسفة معينة تدفع إليه، وتكون حافزا لإتمامه على نحو معين، يصدق هذا على كل مجالات الحياة، ويبرر كل خطوة يخطوها الإنسان فى فكره، وعمله، وإبداعه.
стр. 180
وأعمال الله جلّت عن الشبيه والنظير، وتنزهت عن اللهو والبعث، إنما كانت لتحقيق غاية وحكمة تقتضيها مصلحة الإنسان والحياة، وتتناسب مع ذلك التكريم الذى كرّمه للإنسان، إذ خلقه فى أحسن تقويم، وللتمييز الذى ميزه به عن بقية المخلوقات، إذ جعله مناطا للتكليف، وحمله تلك الأمانة الكبرى التى عرضها على السموات والأرض والجبال، فأبين أن يحملنها، وأشفقن منها، وحملها الإنسان.
أراد الله لهذا الإنسان أن يكون خليفة فى الأرض، يعمرها، وينتفع بخيراتها، ويستفيد بتلك الكائنات والمخلوقات التى سخرت له من حيوان، ونبات، وأرض، وسماء، وجبال، وأنهار، ونجوم، وأفلاك ... إلخ ما خلق الله، وهو كثير، ووقع تحت علم الإنسان، ومعرفته، أو الذى لم يستطيع أن يصل إلى أسراره، وفك طلاسمه، ولم يقع تحت سيطرته بعد.
أبدع الله كل ذلك على هيئة مهيأة لفعل من الأفعال المناسبة لخلقة الإنسان، وفطرته التى فطر عليها، وعقله، وإرادته، فهذا كله جعله فريدا بين مخلوقات الله، ومهيأ لتلقى العلم، مستفيدا بما يحصل عليه، قادرا على تحصيل ما لا تستطيعه الملائكة من ذات أنفسهم، والذين يفعلون ما يؤمرون، فالإنسان بهذه الفطرة التى تلتقى مع العقل، يسلك طريقه فى الحياة، إما على هدى من الأمر، أو انحراف إلى الضلالة حسبما تؤثر فيه المؤثرات والعوارض المختلفة التى تنتاب نفسه، فتلهمها فجورها وتقواها، وتدفعها إلى فعل الخير، أو اقتراف الشر.
ولكن كما قال الله تعالى فى محكم قرآنه: إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ [البقرة: ٣٠]، عرف أن الإنسان بإمكاناته السابقة لا يستطيع أن يجعل نفسه بمنأى عن تلك العوارض التى تؤثر فى مسار حياته، وأنه بحاجة إلى تكميل من نوع هذه المخلوقات، ومن نفسه، فكانت حكمته أن جعله أهلا للرسالات، وتلقى أوامره ونواهيه، واصطفى له من جنسه من يراه أهلا لتبليغ رسالته، وحمل كلمة الله إلى القلوب والعقول، فتتحقق الهداية، وتكون العبادة خالصة لوجهه الكريم، مبرأة من الدوافع والغايات، وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ [الذاريات: ٥٦ - ٥٨].
من هذا المنطق، وجدت أن خير بدء لهذه الموضوعات التى تعالجها الأمثال القرآنية