ذلك الوقت، والمأثورة عن عصر الجاهلية قبل نزول القرآن الكريم، فلم يعهد فى أسلوب القدامى الفصحاء والبلغاء أن أتوا بهذا النسق من الكلام الذى جرت به الآيات القرآنية فى سوق الأمثال بخصائصها وطرائقها، لم يؤثر عن القدامى فى الجاهلية إلا ذلك النمط من الحكمة الصائبة الصادقة، والقول السديد فى لفظ موجز بليغ، وهو لون لا شك أنه من جملة الأساليب التى تحاط بالاحترام والتقدير؛ لما لها من أثر النفس، وتقدير فى العقل، وهو ما يطلق عليه الأمثال الحكيمة، وهى نتاج خبرات، وأحداث، وتفكير، وصدق، إلا أنها لم تتعد ذلك الجانب الذى وردت به، ولم يكن لها ذلك الحظ من المساحة العريضة الواسعة من تصوير المشاهد، وإضفاء الجوانب التأثيرية، كما ورد ذلك فى القرآن الكريم، وقد يرجع هذا إلى طبيعة العصر وما فيه من بداوة، أو لضيق أفق وفكر فى الإلمام بكل جوانب الحياة، وللجاهلية الفاشية فى نقص معلوماتهم، وتقليدهم واتباعهم للآخرين، وتأثرهم بتفكير السابقين فى قولهم وفعلهم.
عوامل عديدة قعدت بهم عن إعطاء ذلك المظهر التعبيرى الفسيح الذى كان بحق وثيقة تاريخية كتابية صادقة لمست ونطقت بحياة الناس، فكانت كما عبر أحد الكتاب عن قيمة الأمثال: إنها مرآة ترى الإنسان وجهه وحقيقة نفسه، وما فى حياته من أشياء، كما تريه ما خلفه من مناظر ومشاهد يعجز أن يراها بغيره.
الأمثال مرآة صادقة للحياة، وقد ظهرت بأنواعها العديدة فى آيات الله، حتى أن بعض المفسرين حاول أن يحصر ما يطلق عليه من أمثال حكمية، فوجدها تقرب من الثلاثين مثلا، وتكلف آخرون فى إيجاد ارتباط بين الكثير من الأمثال الحكمية التراثية التى وردت إلينا من خلال الموروث من الآداب الجاهلية وغيرها، وبين آيات القرآن الكريم، والتدليل على ذلك بذكر هذه الآيات، وتبيان ما بينها من معان متفقة، وقريبة الصلة بمعانى أمثال معروفة سائرة، فهى أمثال بمعانيها لا بألفاظها، ومن هنا سميت أمثال كامنة، كما عبر عن ذلك الإمام السيوطى فى كتابه الإتقان فى علوم القرآن، الذى قال: إنها تمثل القسم الثانى للأمثال القرآنية التى لا ذكر للمثل فيه، ولم ترد فيه حكاية الأمثال الشائعة، وإنما هى أمثال فى نظر العلماء من حيث ما ورد فيها من معنى قريب الصلة بمعانى أمثال معروفة سائرة.
وقد أعطى نماذج عديدة لذلك، مثل قوله تعالى: لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ [آل عمران: ٩٢]، الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ [يوسف: ٥١]، ذلِكَ بِما
стр. 177
قَدَّمَتْ يَداكَ [الحج: ١٠]، قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ [يوسف: ٤١]، أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ [هود: ٨١]، وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ [فاطر:
٤٣]، وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ [البقرة: ٢١٦].
وهذه العبارات لا تدخل فى باب الأمثال، فإن اشتمال العبارة على معنى ورد فى مثل لا يكفى لإطلاق لفظ المثل على تلك العبارة. فالصيغة الموروثة ركن أساسى فى المثل، وهذه المحاولة لا سند لها من دليل نصّى ولا تاريخى، والقرآن الكريم لم يصرح فى هذه الآيات بأنها مثل.
والنوع الثانى: وهو عماد دراستنا، وموضوع بحثنا فى هذا المؤلف، هو ما يطلق عليه القرآن الكريم كلمة المثل أو الأمثال، وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ [العنكبوت:
٤٣]، ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا [الروم: ٢٨].
آيات عديدة نستطيع أن نطلق عليها، كما أطلق ذلك الدكتور/ عبد المجيد عابدين:
الأمثال القياسية.
ونحن إذا قرأنا آيات الله، واستعرضنا ما ورد بها من أمثال قرآنية، وجدنا أنها تأخذ ذلك الأسلوب الذى لم تسبق إليه فى البيان العربى فى الجاهلية وصدر الإسلام فى صياغتها، وتكوينها على النحو الفريد الذى عرضت فيه. فهى تعرض لنا:
أولا: صورة وصفة المتمثل له، والمتمثل به على هذا النحو الذى تمثله النماذج القرآنية فى الآيات التالية:
أ- قال الله تعالى: مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ فِي هذِهِ الْحَياةِ الدُّنْيا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ أَصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [آل عمران:
١١٧].
ب- وقال أيضا: مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِياءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ [العنكبوت: ٤١].
فالآية تبدأ بكلمة مَثَلُ التى تدل على الصفة والحالة، وتعرض المتمثل له مباشرة، ثم تعقب ذلك بكلمة مَثَلُ المكررة التى تفيد الحالة والصفة أيضا للمتمثل به، مسبوقة بالكاف الدالة على التشبيه، وهذا فى أكثر الاستخدامات القرآنية، وقد
стр. 178
وردت فى القرآن الكريم تلك الأمثال القياسية على هذا النحو مصحوبة بالنص على ضرب المثل بصياغة الماضى، والمضارع، والأمر، وهو لفظ يفيد إيقاع الشيء وتحقيقه، وقد اختير لفظ الضرب، كما عبر صاحب المنار: لأنه يأتى عند إرادة التأثير، وهيج الانفعال، كأن ضارب المثل يقرع به آذان السامع قرعا ينفذ أثره إلى قلبه، وينتهى إلى أعماق نفسه (١).
ثانيا: يسرد المثل قصة كاملة للمتمثل له، أو يعرض صورة مجازية مبسوطة جىء بها للإيضاح، والتصوير، أو قصد التأديب.
ثالثا: من سمات المثل القرآنى: الإطناب، وعمق الفكرة، وجمال التصوير.
إذا توافرت هذه الخصائص، كان ذلك من المثل القياسى الذى استجمع كل شروطه، ولهذا يخرج العلماء كل الآيات التى تستخدم فيها كلمة المثل، وتعتمد على التشبيه البسيط من المثل القياسى، مثل قوله تعالى: وَحُورٌ عِينٌ كَأَمْثالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ [الواقعة: ٢٢، ٢٣]، وكذلك قوله تعالى: وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ [يس:
٧٨]، وكذلك قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها [البقرة: ٢٦].
فهذه الآيات السابقة، وإن صرح فيها بلفظ المثل، فهو ليس مثلا؛ لأنه لا يقوم على التشبيه المركب.
وقد اعتبر بعض البلاغيين أن من جملة المثل القياسى، ما قصد منه عرض قصة، أو صورة مجازية، ولم يرد فيها لفظ المثل صراحة، مثل قوله تعالى: أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها [البقرة: ٢٥٩]، وَاذْكُرْ أَخا عادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقافِ [الأحقاف: ٢١]، نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ [الكهف: ١٣]، وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً [الحجرات: ١٢].
وقد نظروا فى ذلك إلى ما تقصد إليه الآيات من هدف التأديب، والتذكير، وما توحى به من أمور الاعتبار والاتعاظ.
стр. 179
اجتهادات العلماء فى هذا المجال تقوم على معرفة الغرض والحكمة من وراء سوق العبارات، فإذا أبرزت الآيات صورة كاملة لحالين متشابهين فى أمور ممتزجة لا انفصام بينها، كان ذلك مثلا قياسيا، ولو خلا من كلمة مثل، أو شبه، أو ضرب، ما دام يخدم الفكرة ويوضح الغاية فى رأيهم، وبمقتضى هذا الفهم يتسع المثل، فيشمل كل ما ورد فى القرآن الكريم من أحوال السابقين من قصص، وذكر أحوال، مثل: أخوة يوسف، وقصة موسى، وعيسى، وأهل الكهف، وغيرهم مما حفلت به الآيات القرآنية وسور القرآن الكريم، وعرضته بغية الوعظ والاعتبار. ولا نغالى إذا قلنا: إنه ما من آية إلا وتحمل فى طياتها دعوة، وعظة، واعتبارا، وعرضا لأحوال السابقين، ما عدا تلك الآيات التى تبين تشريعا، أو تضع قواعد، وتكاليف، وأمور عبادات.
لذا فنحن لسنا مع أولئك القائلين بهذا القول، أو الذاهبين هذا المذهب، فلا يصح أن نخضع هذا الأمر لقياسات العلماء، أو القواعد التى يطبقون عليها، فالأمر يجب أن يكون بخلاف ذلك، والعكس هو الصحيح، وهو أن تقعد القواعد، وتوضع الموازين على هدى كتاب الله، اللسان العربى المبين، والصياغة التى وردت فيه، فهى النموذج الأمثل.
لقد فعل أصحاب القواعد النحوية مثل هذا، وذهبوا هذا المذهب، ولم ينكر عليهم أحد اتجاههم هذا إلى وقتنا الحاضر، فقد جعلوا القرآن الكريم هو الأصل، وما عداه مقيس عليه، يصلحون من قواعدهم، ويتلمسون العلل فيما أتى مخالفا للنموذج لأنفسهم.
وهذا الجهد الحميد من أولئك العلماء، علماء البلاغة، لا ينكر، والاجتهادات التى توصلوا إليها من بلاغيين، ومفسرين، وعلماء، فى هذه الميادين، اجتهادات ولا شك مشكورة، حفرت الطريق أمام السائرين، ومهدته لكى يواصل المسيرة من أراد فى طريق النماء العقلى، والتقدم العلمى، حتى وقتنا الحاضر، ولمن يأتى بعد ذلك.
تمهيد:
وراء كل عمل فلسفة معينة تدفع إليه، وتكون حافزا لإتمامه على نحو معين، يصدق هذا على كل مجالات الحياة، ويبرر كل خطوة يخطوها الإنسان فى فكره، وعمله، وإبداعه.
стр. 180
وأعمال الله جلّت عن الشبيه والنظير، وتنزهت عن اللهو والبعث، إنما كانت لتحقيق غاية وحكمة تقتضيها مصلحة الإنسان والحياة، وتتناسب مع ذلك التكريم الذى كرّمه للإنسان، إذ خلقه فى أحسن تقويم، وللتمييز الذى ميزه به عن بقية المخلوقات، إذ جعله مناطا للتكليف، وحمله تلك الأمانة الكبرى التى عرضها على السموات والأرض والجبال، فأبين أن يحملنها، وأشفقن منها، وحملها الإنسان.
أراد الله لهذا الإنسان أن يكون خليفة فى الأرض، يعمرها، وينتفع بخيراتها، ويستفيد بتلك الكائنات والمخلوقات التى سخرت له من حيوان، ونبات، وأرض، وسماء، وجبال، وأنهار، ونجوم، وأفلاك ... إلخ ما خلق الله، وهو كثير، ووقع تحت علم الإنسان، ومعرفته، أو الذى لم يستطيع أن يصل إلى أسراره، وفك طلاسمه، ولم يقع تحت سيطرته بعد.
أبدع الله كل ذلك على هيئة مهيأة لفعل من الأفعال المناسبة لخلقة الإنسان، وفطرته التى فطر عليها، وعقله، وإرادته، فهذا كله جعله فريدا بين مخلوقات الله، ومهيأ لتلقى العلم، مستفيدا بما يحصل عليه، قادرا على تحصيل ما لا تستطيعه الملائكة من ذات أنفسهم، والذين يفعلون ما يؤمرون، فالإنسان بهذه الفطرة التى تلتقى مع العقل، يسلك طريقه فى الحياة، إما على هدى من الأمر، أو انحراف إلى الضلالة حسبما تؤثر فيه المؤثرات والعوارض المختلفة التى تنتاب نفسه، فتلهمها فجورها وتقواها، وتدفعها إلى فعل الخير، أو اقتراف الشر.
ولكن كما قال الله تعالى فى محكم قرآنه: إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ [البقرة: ٣٠]، عرف أن الإنسان بإمكاناته السابقة لا يستطيع أن يجعل نفسه بمنأى عن تلك العوارض التى تؤثر فى مسار حياته، وأنه بحاجة إلى تكميل من نوع هذه المخلوقات، ومن نفسه، فكانت حكمته أن جعله أهلا للرسالات، وتلقى أوامره ونواهيه، واصطفى له من جنسه من يراه أهلا لتبليغ رسالته، وحمل كلمة الله إلى القلوب والعقول، فتتحقق الهداية، وتكون العبادة خالصة لوجهه الكريم، مبرأة من الدوافع والغايات، وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ [الذاريات: ٥٦ - ٥٨].
من هذا المنطق، وجدت أن خير بدء لهذه الموضوعات التى تعالجها الأمثال القرآنية
стр. 181
هى تلك البداية الحقة التى بدأ الله بها رسالته الخالدة، رسالة الإسلام، عن طريق الوحى الذى نزل به جبريل، ﵇، على محمد بن عبد الله ﷺ .
بداية اليقظة العقلية والروحية التى كانت بداية حقيقية لهذه الإنسانية التى أرادها الله، بداية التعرف على موجد الكائنات، وخالق الإنسان، وإزالة الغشاوة التى رانت على العيون والعقول والقلوب، فباعدت بينها وبين الحقيقة الكبرى، وهى معرفة الله الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذى لم يلد، ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد، معرفة حقيقية جديرة بخطوات ذلك الإنسان الذى خلقه الله على هذه الأرض، خطوات تنبع من تلك الكلمة الآسرة، الآمرة لرسول الله، وللإنسان العاقل: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ [العلق: ١ - ٥].
البداية بالعلم، والعلم هو المعرفة بكل ما تحمله هذه الكلمة فى طياتها من معان المعرفة بكل ما يقع فى الحياة، والنفس، والكون، وبكل ما تحتاج إليه هذه النفس البشرية فى حياتها ومجتمعاتها وعقائدها، العلم بحقيقة الوجود، وموجده، بالله خالق الخلق، والإيمان بوحدانية الله، وتنزيهه عن تلك الأفكار الضالة الجاهلة التى تفشت، فأوقعت النفس فى الشرك بالله، واتخاذ الأصنام والأحجار، والمعبودات الباطلة، التى لا تملك لنفسها ولا لغيرها نفعا ولا ضرا، ولا حياة ولا نشورا.
المعرفة إذن هى الطاقة التى فتحت بأنوارها الكاشفة، فكانت البداية لتطهير النفس البشرية، حتى تكون فى صفائها ونقائها، أهلا لتلقى أمر الله بالتكاليف والأوامر، واتباع ما يأتى من قبله بإيمان واقتناع يعلى من شأن الإنسان كإنسان له رأيه الخاص الذى ينفرد به، وله شخصيته الواضحة التى تخلعه عن الاتباع والتقليد لمن سبقه من آباء وأجداد، فى هفواتهم، وسقطاتهم، وجهالاتهم، والتى يقولون فيها: بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ [البقرة: ١٧٠].
فهذا التقليد يتنافى مع إيمان المؤمن القوى بعقله، وروحه، وقلبه، ويجعله مسخا مشوها للإنسان الذى يجب أن يزن الأمور بميزان العقل، ويعلم أن لكل شىء نهاية، وأن وراء كل عمل جزاء، وأن الفرق بين الحق والباطل واضح، ويترتب على ذلك حساب الله وعقابه يوم القيامة، الْيَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ
стр. 182
[غافر: ١٧]، وأن أولئك الضالين الذين يقولون: ما هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا وَما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ [الجاثية: ٢٤]، إنما يهدرون آدميتهم، فهم كالأنعام بل أضل سبيلا.
وإذا كانت هذه الملامح هى أولى خطواتنا على الطريق، فإن الأمر يستدعى أن تكون خطواتنا بمكة، حيث نبتت الدعوة، وننطلق معها، لنتعرف عليها فى جوها ومجالها، حتى تكون الصورة واضحة، فبعد أن نرسى القواعد الأساسية للاعتقاد، ويقام البناء على الإيمان بوحدانية الله، والإيمان باليوم الآخر، والحساب والعقاب، وتحارب التقليد، وإغفال العقل، تبدأ النفس الإنسانية تتوزعها نوازع شتى من خارج بيئتها الحقيقة، فتجد معها فى طريق الحياة من يتناقض مظهره مع مخبره، وأقواله مع أفعاله، ويبدى شيئا ويخفى آخر.
وهكذا نقائض فى الحياة بدأت تطل برأسها، وتعكر صفو الحياة، وجوهر الدين وحقائقه، فكان لا بدّ من كشف ذلك، حتى يتطهر المجتمع من أدرانه، وينقى من شوائبه، حتى يكون المجتمع سليما فى صفوفه، قويا فى بنيانه، لا تهزه كلمة، ولا تؤثر فى عزيمته شائعة.
فهذا النفاق الذى أطل برأسه فى المدينة، دفعت إليه ظروف المجتمع الجديدة، وضعف فى بعض النفوس، ودسائس من المخالفين من أهل الديانات الأخرى، فاحتاج الأمر إلى تطهير الأرض من عوامل فسادها فى العقيدة، والشخصية، والنفوس، وتهيأ لذلك النبت الجديد الذى تحوطه عناية الله بالحفظ والصون، وبكل ما يمده بأسباب الحياة، أن يقوى ويشتد بفعل الطاعات، واجتناب المحرمات، وبالبذل من جانب المؤمنين بإنفاق المال، والتحكم فى النفس الشحيحة، فكان الإنفاق والدعوة إليه من مقومات بناء المجتمع الجديد، الذى يقوم على الالتزام والعمل من أجل الآخرين، والدفاع عن العقيدة، يقبل على ذلك رغبة فى رضا الله ، لا طلبا للشهرة، وإنما هو الإحساس بالمسئولية حيال أولئك الذين يتصدون للدعوة، ويحاولون إطفاء نور الله، وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ [التوبة: ٣٢].
وإذا كان العمل فى هذا البناء يحتاج إلى تضحية بالنفس فى صد اعتداءات المعتدين، وهجمات الحاقدين الذين يريدون أن يطفئوا نور الله، فهو يحتاج كذلك إلى اليد التى
تنفق، والنية الحسنة التى تفعل الخير، والمال الذى تقوم عليه الحياة.
стр. 183
وكل هذا عن طريق الترغيب فى مجالات الخير بكل أنواعه؛ ليفوز المؤمن بثواب الله، وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ [آل عمران: ١٣٣، ١٣٤].
وإذا كان للترغيب صولته ومكانته فى الدعوة إلى الخير، والصالح من العمل، ففي المقابل كذلك يظهر جانب التحذير لعلاج تلك النفوس الخبيثة التى جبلت على الشر، والبخل بالمال، أو انحرفت عن جادة الصواب، وسلكت طريق الضلال، فارتكبت المعاصى، واجترحت السيئات، وابتعدت عن عمل الخير، وكانت عونا للشيطان، فخضعت لمغريات الحياة وشهواتها، وسقطت فى حمأة الرذيلة، وساءت نية وخلقا، وخرجت بذلك عن دائرة التكريم الذى منحه الله لها، بأن جعلها خير مخلوقاته، والجديرة بتحمل أماناته فى الحياة الدنيوية التى يحياها الإنسان.
ثم يكون بعد ذلك التسلسل الطبيعى أن تتجه الأنظار إلى القيادة المختارة من قبل الله، والمصطفى من عباده؛ لحمل هذه الأمانة والرسالة، فيأتى الرد على أولئك الذين يعترضون على رحمت الله، وينكرون أن يكون الرسول بشرا، أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ [الزخرف: ٣٢].
بل ويقترحون على محمد ﷺ الاقتراحات التى لو استجيبت، لكان فى ذلك هلاك أولئك القوم وتدميرهم تدميرا، ولكن رحمة الرسول التى جبل عليها كانت سبيلا إلى إبعاد الهلاك عنهم، فلعل ذرية تخرج من أصلابهم تسبح الله وتحمده.
وهكذا كان الرسول كما عبر القرآن الكريم: فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ [آل عمران: ١٥٩].
وبعد دور القيادة يأتى دور الشخصية المسلمة السوية، وكيف تكونت، واقتدت بالرسول الإنسان الكريم، فى خلقه، وعمله، واتباعه لسنته، حتى ظهرت تلك النخبة الصالحة التى فتحت الآفاق، وأشعت هذا النور فى كل الأرجاء.
ما سر ذلك؟ وما المنهج الذى ربوا عليه؟ ذلك هو الدور الأخير الذى يحتاج إلى تبيان، كى نرى منهج القرآن الكريم فى علاج هذه النفوس التى تتوق إلى علاج فى وقتنا الحاضر.
стр. 184
لقد تعرضت هذه النفوس لمناهج عديدة أخذت ترسم لها طريق الحياة بنزعات أصحابها ومفكريها، واصطدمت بنظريات عديدة ما لبثت أن تهاوت، فلم تفلح فى علاج نفس، ولم تقض على أزمات الحياة بألوانها وأشكالها، وكانت النتائج لذلك وخيمة فى أمراض نفسية عديدة، وأزمات أخلاقية شملت الأفراد والجماعات.
ولذا فإن الاتجاه إلى تلك المناهج الربانية من ينابيعها الأساسية هو ولا شك خير طريق إلى الفلاح، على أن نحسن الفهم، ونعدل فى التطبيق، ونساير الحياة بمتطلباتها العديدة.
١ - الدعوة إلى الإيمان بالله ووحدانيته:
وهى دعوة قام عليها الدين، وبنى عليها أوامره ونواهيه، وجعلها أساس العقيدة الصحيحة التى يعتقدها المؤمن بربه، والتوحيد معرفة الله تعالى بالربوبية، والإقرار بالوحدانية، ونفى الأنداد عنه جملة (١).
وقد شغلت قضية البحث عن الله العقل الإنسانى من قديم الزمن، فمنهم من آمن بأن الله موجود، نظر إلى كل ما خلق الله حوله، واستمد منه يقينه ومعتقده فى تلك المظاهر التى تدل على الخالق والمبدع من أرض وسماء، وإنسان وحيوان، ونبات وجماد ... إلخ، ورأى فى كل ذلك نظاما مرسوما، وقدرة فائقة تدل على مبدعها ومنشئها، فلا يعقل أن تكون قد خلقت بدون خالق، وآخرون أخذوا أنفسهم بالبحث عن دليل يؤيد فكرتهم ودعواهم الباطلة التى لا تؤمن إلا بالماديات، وبما يقع تحت الحواس، وهم لذلك ينكرون المغيبات من وجود الله، والملائكة، والبعث، والحساب، واليوم الآخر، وما فيه، ويجعلون حواسهم هى الطريق إلى الإيمان بمقاييس يضعونها لأنفسهم مع علمهم بقصورها، فهناك أشياء موجودة ويعرفونها، ولا تستطيع حواسهم أن تعرف عنها شيئا، مثل الروح، يجهلون حقيقتها، ولا يعرفون عنها شيئا، علما بأنها ثابتة وموجودة، ويحكمون بعد ذلك الحكم الفاسد أن الطبيعة هى التى خلقت هذا العالم وما فيه، وهذا الكون وما يسير عليه من نظام بديع لا يتغير ولا يتبدل، نسى أولئك القوم تلك الحقيقة البدهية أنهم إذا أرجعوا ذلك كله إلى الطبيعة، فمن أوجد الطبيعة؟ أأوجدت نفسها؟
стр. 185
سؤال يحتاج إلى إجابة، ولا يستطيع أولئك القوم أن يجيبوا، لضلالة فى نفوسهم، وضيق فى تفكيرهم، وغياب فى عقولهم. إن كتاب الله بين أيدينا يدعو العقل إليه:
تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً [الملك: ١ - ٣].
حجج وأدلة تهدى من يريد الله له الهداية واستخدم عقله وحواسه فى مواطنها التى خلقت من أجلها، وَجَعَلْنا لَهُمْ سَمْعاً وَأَبْصاراً وَأَفْئِدَةً [الأحقاف: ٢٦]، وليس من المغالاة
إذا قلنا: إن كلام الله وقرآنه قد وجه كل آية إلى أولئك الذين ألغوا عقولهم وتفكيرهم واتجهوا اتجاهات باطلة فى عبادة غير الخالق الذى رزقهم وأطعمهم وسقاهم وبيده الخير، انحرفوا إلى عبادات باطلة تتمثل فى آلهة يعتقدون ألوهيتها، وأصنام يصنعونها بأيديهم ثم يعبدونها، وظواهر طبيعية تبدو لهم فى رعد وبرق، ومخلوقات خلقها الله بقدرته من شمس، وقمر، وملائكة، وحيوانات، اعتقدوا فى ذلك النفع والضرر، وآمنوا بها وهم يعلمون أنها لا تقدم ولا تؤخر، ولكنهم مع ذلك أسلموا إليها قياد أنفسهم، يستشيرونها فيما يقدمون عليه من عمل وما يريدون إنجازه من أمور، يضربون القداح، ويستقسمون بالأزلام، ويرضخون لعادات باطلة من صنع أيديهم، وإلغاء عقولهم.
تأخرت بهم تلك المعتقدات الباطلة عن انتشال أنفسهم من مهاوى الضلال، والتقليد، وباءوا بخسران مبين، حتى أصبحت الهوة شاسعة بينهم وبين غيرهم من الشعوب المجاورة، والمجتمعات الأخرى التى تمتعت بقسط وافر من التقدم فى مجالات الحياة، وتحقيق النظم الاجتماعية المتطورة.
هوة شاسعة بين طريقين: طريق جهالة، وطريق علم، تقدم وتأخر، تفكك وتجمع.
لم يرجع هؤلاء الذين أرسل إليهم رسول الله إلى فطرتهم التى فطرهم الله عليها، وكانت كفيلة بالأخذ بأيديهم إلى القرب من الصفاء، والتقاط الهداية من قبل السماء، فالإنسان الذى يولد على الفطرة لا يرى غير وجه الله، وقد دعت ذلك الأعرابى الذى لم يتلوث بأضاليل الشياطين من إنس وجن، ولم يحجب ذلك النور الإيمانى من سرعة الظهور، حينما سنحت فرصته، غطاءات من أدناس النفس والحياة، حينما سمع
стр. 186
الأعرابى ذلك النداء إلى الإيمان بالله الخالق، والموجد، الرازق، قال: إن البعرة تدل على البعير، والأثر يدل على المسير، أفلا يدل ذلك الكون بأرضه وسمائه على الخالق القدير؟
ونفس الموقف تعرض له رجل آخر، وإن كانت له سابقة من أدناس النفس حجبت عنه الضوء فترة من الزمن، وقعدت به عن سرعة الاستجابة إلى الله، بل كانت له مواقف محاربة ضد الدعوة الإسلامية، فقد كان عكرمة بن أبى جهل من أولئك الذين لهم سهم معلوم فى موقف الكفار المعاندين للدعوة فى مكة.
أحاط الهول والخطر بعكرمة، وهو هارب إلى الحبشة على ظهر سفينة، ورأى الناس يدعون الله أن ينقذهم من ذلك الخطر الداهم، فقال لهم: ألا تدعون آلهتكم؟ فقالوا:
إنها لا تقدر على ذلك، فكانت هذه الإجابة سببا فى رجوعه إلى صوابه، وأدراك حقيقة ما هو عليه من باطل، وحاجته إلى ذلك النور الجديد، كى ينقذ نفسه وحياته، فعاد إلى مكة، وآمن بالله ورسوله، وكان من جند الله المخلصين.
فطرة صافية وصلت إلى تحقيق إيمان كامل ثابت فى نفس صاحبها، وعقيدة عجزت عقول الكثيرين عن الوصول إلى نتائجها مع ما اتصفوا به من كمال عقل، وفصاحة لسان، وقوة منطق، وبلاغة أسلوب، ومع ما لديهم من سابق معرفة بأخبار الأمم وأحداثها، وما يصل إلى مسامعهم من بشارات الكتب السماوية الأخرى التى تنبئ بعهد جديد فى الاعتقاد والالتزام، وطهارة المسلك والطريق.
ما كان من أولئك الذين أرسل إليهم رسول الله إلا الانحراف فى الفكر، وإلا الضلال فى العقيدة، سار فى ذلك الكثيرون وأعانهم على ذلك شياطين الإنس من أرباب الكهانة، والسيطرة الدينية، ممن يعيشون فى كهوفها، ويريدون أن يكون الجميع على منوالهم، يسيرون فى طريق الفساد، وأعوانا للشياطين فى الأرض، فكانت الآلهة أصناما، وأشجارا، وملائكة، وأشخاصا ... إلخ، مما باعد بينهم وبين الحقيقة الباهرة التى يجب أن يعيشوا فى نورها، ويرتقوا بأنفسهم وفكرهم إلى مستواها، ألا وهى حقيقة التوحيد.
وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقاً مِنَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ شَيْئاً وَلا يَسْتَطِيعُونَ فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [النحل: ٧٣، ٧٤].
стр. 187
نعم: لقد جهلوا حقيقة فطرتهم، وانحرفوا بها عن القصد، وسلكوا طريق من حرم التوفيق والبصيرة، والفهم بتلك العبادة الباطلة للأحجار والأصنام.
٢ - حقيقة التوحيد:
إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ [الأنعام: ٧٩].
الإيمان بوحدانية الله، وهو إفراده بألوهيته فى الأرض، كإفراده بالألوهية فى السماء، وعدم تعدده فى ذاته، وصفاته، وأفعاله، هو الفارق بين طريق وطريق، طريق الحق، وطريق الباطل، طريق الهدى، وطريق الضلال، وكانت هذه الحقيقة التى نطق بها أبو الأنبياء إبراهيم، ﵇.
هذه النقلة فى الاعتقاد كانت طريق الأنبياء والرسل، ولم يكن هذا الطريق ممهدا مملوءا بالورود والرياحين، ولكنه طريق الشوك والقتاد، طريق الصعاب، والألم، والتضحيات، فكم من نبى ورسول حورب من قومه، وقوبل بالهزء والسخرية، وكان محل تندر، وسخرية مريرة من أهله، وكم من نبى ورسول قتل فى سبيل هداية قومه إلى طريق الحق كما حدث فى بنى إسرائيل.
ولم يكن محمد، ﵊، بدعا من الأمر، أو بعيدا عن مواطن المشقات والمتاعب، فقد أرسل إلى قوم غلف القلوب، غلاظ الأكباد، صم الآذان، عمى العيون، لا يستمعون لكلمة الله ولا يصيخون لدعوة الحق، ولا تؤثر فيهم موعظة حسنة، حتى إذا نزلت إليهم الآيات القرآنية تدعوهم إلى عبادة الله وحده بطرائقها العديدة، وأساليبها المختلفة من أمر إلى نهى، من استفهام إلى خبر، من قصة إلى مثل؛ لاستمالتهم والتأثير فى نفوسهم، اتخذوا من ذلك أداة للتندر والتفكه، وأعرضوا عن السماع، مع ما لهم من ملكة التذوق والفهم لهذه الأساليب التى أتت من جنس ما يتكلمون ويتحدثون، ولكنه الكبرياء الذى تمكن من نفوسهم، والغرور الذى سيطر على قلوبهم،
فكيف يدعو محمد إلى ذلك، ويظهر من بين أيديهم، ولا يكون من أولئك العظماء الذين يدينون لهم بالطاعة والخضوع، ويعرفون لهم مكان الشرف والسيادة: أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ [الزخرف: ٣٢]، وفى آية أخرى. وَعَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ
стр. 188
وَقالَ الْكافِرُونَ هذا ساحِرٌ كَذَّابٌ أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ [ص: ٤، ٥].
تدرجت الآيات القرآنية بأساليبها العديدة فى دعوتهم عن طريق الإقناع، وسوق الدليل؛ لتنمى فيهم جانب العقل والتفكير، حتى إذا كان الإيمان كان على بصيرة من الأمر واقتناع بما أنزل الله، وإيمان كامل بوحى الله وشريعته.
استمر الرسول يدعو إلى الإيمان بوحدانية الله، وهى الأساس الإيمان بكل ما جاء من عنده، فى مكة ثلاثة عشر عاما، ثم انتقل بعد ذلك إلى الهجرة إلى المدينة، فكان الانتقال إلى مرحلة البناء والجهاد فى سبيل الله، والاتصال بالمجتمعات الأخرى، وإرسال الرسائل إلى الملوك والأمراء، يدعوهم إلى كلمة الله والدخول فى الإسلام، وكان اللقاء مع أولئك الذين صدّوا عن سبيل الله فى ميادين القتال فى الحرب والسلام.
كانت مرحلة التأسيس، وتطهير النفوس والقلوب مما ران عليها من الشرك، والجهل، والتقليد، هى أخطر المراحل، وأولاها بالاهتمام، يبدو هذا من آيات الله فى أمثاله، والإكثار منها، وما تناولته من عقائد وشرعته من شرائع، ودعت إليه من قيم.
ثم كانت بعد ذلك مرحلة البناء، والمحافظة عليه بالحرب والسلم فى المدينة، وهى مرحلة بدأها رسول الله بالوحى الذى أنزل عليه، ثم سار بعد ذلك على دربها صحابته ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.
ونحن إذ نعرض لتلك الآيات القرآنية التى تعالج الدعوة إلى وحدانية الله، والإيمان به، فى ذلك الثوب القرآنى، ثوب الأمثال، لا نقصد من وراء إيرادها على ذلك النهج أن تكون خاضعة لتسلسل نزولها، ففي ذلك جهد لا نملك أدواته، ولا نستطيع أن نقطع فيه برأى، وإنما نقصد من وراء ذلك تحقيق الهدف والغاية التى إليها نسعى، ونقصد من كتابة هذه الموضوعات وهى غرس القيم الدينية البعيدة عن الانحراف، القيم التى تدعو إلى الإيمان بالله ووحدانيته، واتصافه بالكمال المطلق، والإيمان بما أنزل.
هذه القيم هى التى يجب أن يعلو صوتها فوق كل صوت، وتأثيرها فوق كل تأثير، فى وقت نعيش فيه، ويعيش فيه شبابنا، ويحسون بذلك الفراغ الروحى الذى يسيطر على كل خطواتهم وميولهم واتجاهاتهم، فيحسون معه بالضياع، والاكتئاب، والقلق، والعثار، ويتلمسون كل وسيلة يعتقدون أن وراءها حلا لمشكلاتهم، وقضاء على
стр. 189
معاناتهم، وقد يقعون نتيجة ذلك فريسة سهلة لألوان من المخدرات القاتلة التى تذهب بأرواحهم وقوتهم وعقولهم، دون أن تبدو منهم مقاومة لها؛ لأنهم لا يملكون من وسائل القدرة على ذلك ما ينفعهم فى موقفهم، فعقولهم وأفئدتهم خواء لا شىء يعمرها، ولا فكر يمد يده لينقذها مما تردت فيه.
يجب أن يكون للقيم النبيلة تلك الصدارة على قيم أخرى التى تعتبر أدنى مرتبة وأقل تأثيرا فى النفس، لقد انعكست الأمور فى وقتنا الحاضر، فأخذت المادية تطغى على كل النفوس فى مواقف الحياة، وفى التعاملات، والعلاقات، والتطلعات المختلفة، والطموحات العديدة التى يرنو إليها كل شاب متطلع للحياة بكل ما فيها، وهذا هو موطن الخطورة، يحس بذلك أولو الأمر فى اتجاهاتهم السياسية والثقافية، ويشعر بها المربون والآباء فى سعيهم الثقافى، والتربوى، والاجتماعى، ويرون فى ذلك نذيرا لمستقبل لا يبدو باسما بحال، ولا مبشرا بطريق مستقيم.
ولكن إذا بدأت القيم تغير من أماكنها على مسرح الحياة، وفى شعور الناس وعقولهم، وبدأت تسترد اعتباراتها التى كانت لها فى الماضى، ويعاد ترتيبها من جديد، وتحتل القيم الرفيعة صدارتها الأولى، كان ذلك بداية إلى ما هو أفضل فى الحياة، وقضاء على عادات وانغماسات فى مهالك مردية يقع فيها الكثيرون.
إن ما نلحظه فى وقتنا الحاضر أن تلك الأنظمة التى شدت انتباه الناس، وبخاصة الشباب الذى بهر بما فيها من حرية وانطلاق، واستمتاع مطلق بكل ما تحمله المدينة الحديثة فى طياتها من خبائث الشراب والجنس، بدأت تلك الأنظمة تعيد النظر فى ترتيب أوراقها، وترجع إلى فهم حقيقى للحرية المنشودة للإنسان المعاصر، الحرية التى تلتزم بالقيم النابغة من الدين، المحافظة على الأخلاق العامة وعلى حقوق الآخرين.
١ - قال الله تعالى: مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِياءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ وَما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ [العنكبوت: ٤١ - ٤٣].
جاء هذا المثل القرآنى عقب آيات تناولت أحوال أمم سابقة لهم فى مجال المعصية دور مشهود، وفى محاربة الرسل السابقين لهم عمل مشهور، وفى إنكار الدعوات
стр. 190
الصالحة التى تدعوهم إلى الإيمان بالله الواحد القهار، وتدعوهم إلى تطهير أنفسهم من قبائح الحياة والرذائل المتفشية فيهم، فأصابهم الله جزاء أعمالهم وظلمهم لأنفسهم بتلك العقوبات التى تنوعت بإرسال الحاصب من السماء، والرجفة التى تهلك، والخسف، والإغراق.
ألوان من العذاب تتناسب مع كفرهم بالله، وظلمهم لأنفسهم، واعتمادهم على أفكار ضالة، وإيمانهم بعبادات باطلة، فكان الاستحقاق من جنس العمل، ولا يظلم ربك أحدا، وكأن هذا إشارة إلى عقوبات مماثلة تلحق بمن يتشابه مع السابقين فى مواقفهم، ولن يكون المصير مختلفا، فالنتائج واحدة ما دامت الأعمال واحدة، وقد قال الله فى هذه الآيات: فَكُلًّا أَخَذْنا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِباً وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنا وَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [العنكبوت: ٤٠].
فى ضوء هذا التمهيد، جاء المثل ليبين حقيقة أولئك القوم الكافرين الذين أرسل إليهم رسول الله ﷺ ، وما وصلوا إليه من فهم سقيم، فالمشرك الذى يعبد الأصنام ويعتقد فى نفعها وضررها، وألغى بذلك تفكيره بالقياس إلى المؤمن الذى يعبد الله الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذى بيده النفع والضرر، والإحياء والإماتة، يشبهان فى حاليهما بحال تلك العنكبوت التى لجأت إلى نسجها الضعيف الواهى تلتمس فيه نجاة، وتتخذ منه حماية لها ولحياتها، وهو لا يدفع عنها شيئا من حر أو برد، بالقياس إلى من بنى بيتا حصينا اعتمد فى إقامته على كل ما يثبت دعائمه.
وهكذا تتضح الصورة، ففرق بين بيت وبيت، وفرق بين عبادة وعبادة، عبادة قائمة على شىء واه ضعيف، وعبادة قائمة على أساس سليم من الاعتقاد، والفكر، والاقتناع، ولذلك جاء التأكيد بقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [العنكبوت: ٤٢].
فالإنسان الذى له مسكة من عقل، جدير به أن يستند إلى حقيقة ودعامة ثابتة تقيه شر تقلبات الحياة، وما تأتى به من أرزاء، تلك الدعامة التى تعلى من شأن الإنسان وترفع من مكانته، فلا يذل لمخلوق، ولا يحرم نفسه من مكانة أعزه الله بها، وهى خلافة الله فى الأرض، يعمرها بالفكر والعقل، والإرادة، والحرية، والتحكم فى شهوات النفس وغرائزها.
стр. 191
هذا هو الإنسان الذى أسلم وجهه حقا لله، وعرف حقيقة وضعه، فتجرد من أنانيته، وكان مستعدا لتلقى وحى الله، ودعوة رسله، لا يخضع لصنم، ولا يركع لوثن، ولا يذل لطاغوت، وإنما يؤمن بمن خلق الصنم والوثن، وخلق الكافر والمؤمن، والحياة والموت، يؤمن بالله الذى بيده الأمر، وهو على كل شىء قدير: وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلى فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [الروم: ٢٧]، والذى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَكَذلِكَ تُخْرَجُونَ وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ إِذا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ [الروم: ١٩، ٢٠].
يعرض على أولئك الكفار فى هذه الآيات مشاهد مألوفة ومحسوسة لديهم، تقع عليها أنظارهم، وتتصل بحياتهم ومعاشهم، لعلها تثير فيهم نزعة التفكير والتأمل، وتوجه حواسهم إلى أداء وظائفها على أكمل وجه فى الإيمان بالله، والاعتراف بفضله ونعمه التى لا تعد ولا تحصى.
هذا ما يعرضه المثل القرآنى، وما يهدف إلى تحقيقه، ولكن كيف استقبل أولئك المشركون هذا المثل؟
لقد استقبل هؤلاء المشركون هذا المثل الذى يوضح حقيقتهم بطريق المقابلة والموازنة، استقبال أهل الغفلة والضلالة، فهم لا ينظرون إلى الحكمة والمقصد، وإنما يتعلقون بالقشرة الظاهرة، وهذا دأب التافهين الذين لا يفكرون ولا يتعمقون فى الأمر، نظروا إلى ما فى المثل من عنكبوت، وإلى أمثال أخرى تحوى ذبابا وبعوضا، تمثل أحوالهم، وتعرض صورهم، فقالوا: إن رب محمد يضرب الأمثال بالذباب تارة، والعنكبوت أخرى، يتضاحكون ويستهزءون، فرد الله عليهم بقوله: إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ ماذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا [البقرة: ٢٦].
حقا الله يضرب المثل بالشىء القليل والحقير الذى لا ينال من الكفار حقا من احترام؛ لأنهم جهلوا أن ضرب المثل يحقق حكمة يريدها الله، وهى العظة والاعتبار، زيادة الفهم والإدراك للأمور، وأن الله خالق الشمس والقمر، والكون الكبير، هو الخالق للصغير من الأمر، فليست هذه أصعب من تلك، فإذا اقتضت مشيئة الله أمرا خلقه بقدرته القادرة القاهرة، يشترك فى ذلك النملة والفيل، والكبير والصغير.
стр. 192
وكم من دلالات يتعلمها الإنسان، حتى فى علو مكانته، وسموّ منزلته، من تلك الأشياء الصغيرة، إن نظرة فى أعمق أعماق التاريخ يرى موقف ابن آدم، ﵇، حيث قتل أخاه، يقف موقف الخاسرين، لا يعرف ما يأتى وما يذر، فيبعث الله إليه غرابا يبحث فى الأرض ليريه كيف يوارى سوأة أخيه، فأصبح من النادمين.
وسليمان، ﵇، وهو نبى مرسل من قبل الله، يمرّ على بيت للنمل، فتراه النملة، فتقول: يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ فَتَبَسَّمَ ضاحِكاً مِنْ قَوْلِها وَقالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبادِكَ الصَّالِحِينَ [النمل: ١٨، ١٩].
وكذلك موقفه من الهدهد الذى أتى إليه بأخبار ملكة سبأ، كل هذا كان مددا لسليمان، ﵇، من تلك الأشياء الصغيرة التى كانت مصدر علم ومعرفة لنبى الله، فكان منه الشكر، والطاعة لله رب العالمين، ليست العبرة إذن فى كثرة الأشياء وقلتها، وكبر الأحجام وصغرها، وثقل الأوزان وخفتها، وإنما فيما تتركه من أثر فى اهتداء العقل، وضلاله، وإيمانه، وانصرافه عن الحق.
٢ - قال الله تعالى: ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ شُرَكاءَ فِي ما رَزَقْناكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ تَخافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ [الروم: ٢٨].
ما موقف الآيات التى سبقت هذا المثل ومهدت له؟ جاء هذا المثل عقب آيات تناولت قدرة الله المطلقة فى السموات والأرض، وأنه صاحب الأمر فيهما، وكل من خلقه خاضع لمشيئته، من إنس وجن، راجع إليه لا يخرج عن قدرته وسيطرته، وقدرته أيضا على الخلق والإعادة، واتصافه بصفات الكمال المطلق، العزيز الغالب الذى يصنع كل شىء فى حكمة وتقدير، قال الله تعالى: وَلَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلى فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [الروم: ٢٦، ٢٧].
هذا هو التمهيد والفرش لما يأتى من مثل بعد ذلك، يثير فى العقل الإنسانى وكل من يخاطب ويقع فى دائرة التكليف دفعة إلى التمييز بين المتقابلات، والفهم للحقائق، وحسن استخدام ما جعله الله تكريما للإنسان، وهو العقل.
стр. 193
تناول المثل واقع هؤلاء المشركين الذين يشركون مع الله إلها آخر يتنازلون برغبتهم واختيارهم عما ميزوا به من عقل، فاتجهوا إلى أصنام يعبدونها ويسلمون إليها رقابهم ويخضعون لمشيئتها، إن كانت لها مشيئة، وفى نفس الوقت لا يرضون أن يكون أولئك العبيد والأرقاء والإماء الذين يملكون رقابهم، لا يرضون أن يكونوا لهم شركاء فيما يملكون من مال، أو يتدخلون فى شئونهم الخاصة والعامة، وأن تتساوى تصرفاتهم مع تصرفات السادة والأمراء، يأنفون من ذلك، ويخافون أن يكونوا أندادا لهم.
ومع ذلك يرضى أولئك الكفار أن يشركوا مع الله فى عبادته تلك الأحجار والتماثيل العاجزة، وهو القادر الخالق حتى لهذه المعبودات، وينسبوا إليه الشركاء.
بهذا الأسلوب الإقناعى المستمد من الحياة التى يحياها أولئك الناس، الحياة الاقتصادية والاجتماعية التى تعتمد على تجارة العبيد، واستغلال الأرقاء والإماء، يخاطبهم ويوجه تقريعه ولومه لمن يهمل ما ميزه الله به من عقل فضله به على بقية المخلوقات، وأعطاه القدرة على الملاحظة، والتدبر، وحسن التصرف.
حقا إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبادٌ أَمْثالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ [الأعراف: ١٩٤].
اتجاهات ولا شك تدل على تدن فى التفكير، وإلغاء للعقل يخرج بالإنسان من دائرة الإكرام الذى عبرت عنه الآية الكريمة: وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلًا [الإسراء:
٧٠].
ما الموقف الذى يدعو إليه المثل؟ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ [الروم:
٢٨]، بهذا الختام نلمس ما يدعو إليه من موقف سليم فى الاعتقاد، والعمل، والسلوك، موقف ذلك الإنسان الذى يتلقى ضوء السماء، فيسير فى حياته لا يتخبط، يحافظ على منزلته التى حباه الله بها فى دنياه، ويتجه اتجاها حقيقا إلى خالقه رب العباد جميعا، وخالق الأسباب والمسببات، وأن يقيم اعتقاده على الإيمان بالله وحده الذى يأخذ بيده على صراط الله المستقيم، فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ [الروم: ٣٠].
وما دام هذا الدين هو الفطرة، فعلى كل مؤمن أن يرجع إلى ربه، وأن يعرف طريقه
стр. 194
إليه فى كل وقت وحين، فى سرائه وضرائه، فى صحوه ونومه، فى حركاته وسكناته:
مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ [الروم: ٣١، ٣٢].
٣ - قال الله تعالى: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْداً مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْناهُ مِنَّا رِزْقاً حَسَناً فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْراً هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ [النحل: ٧٥].
جاءت الآيات السابقة لهذا المثل، والممهدة له، توضح حقيقة أولئك الكافرين الذين يؤمنون بالباطل ويكفرون بنعم الله عليهم، والتى تمثلت فى قدرة الله التى جعلت لهم من أنفسهم أزواجا، وجعل لهم من أزواجهم بنين وحفدة، كما رزقهم من الطيبات، وأنعم عليهم بنعم كثيرة من الصحة والمال والعقل، ومع ذلك ألغوا عقولهم وتفكيرهم، فاتجهوا اتجاهات باطلة نحو عبادة ما لا يملك لنفسه نفعا، ولا يدفع عنها ضرا، عبادة أصنام لا تملك من أمرهم شيئا من رزق أو مرض، حياة أو موت، فهى مخلوقات ضعيفة قد حرمت صفة القدرة، والذى لا يملك التأثير فى نفسه لا يملكه فى غيره.
قال الله تعالى: وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ أَفَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقاً مِنَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ شَيْئاً وَلا يَسْتَطِيعُونَ فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [النحل: ٧٢ - ٧٤].
وقد أبانت الآيات أن الله جلت قدرته يعلم حقائق ما يأمر به عباده من فعل، وما ينهاهم عنه من باطل، وبيده الأمر كله من نفع وضرر، وحياة وموت، ورزق وفقر، ونصر وهزيمة. والإنسان العاجز المخلوق قاصر عن فهم هذه الحقائق، جاهل بحقيقة نفسه، محتاج إلى الإيمان بخالقه، فكان هذا المثل الذى يوضح تلك الحقيقة الكبرى فى تلك الصورة المأخوذة من حياتهم الواقعية، وأمورهم الاقتصادية، حتى يكون العقل على إدراك كامل بحقيقة الموقف الذى ينحاز إليه.
صورة ذلك العبد الذى فقد حريته وأصبح خاضعا لغيره، ذليلا لمن يتحكم فى رقبته، وجهده، ووقته، فما يجنيه من عمل يحصل عليه سيده، وما يبذله من جهد إنما يذهب ريعه لمن اشتراه ودفع ثمنه، فهو بمثابة البهيمة التى لا تملك الدفاع عن نفسها
стр. 195
حين يراد ذبحها، أو بيعها، أو التصرف فى أمورها، حرم ذلك العبد سمات الإنسان الذى يملك القدرة على التفكير، وإبداء الرأى، والتصرف فى ملكه.
هذه هى صورة ذلك الكافر الذى نحت صنمه، وأخذ يسجد ويركع له، وهو من صنع يده، وقد أخضع نفسه وتصرفه لهذا الضعيف، يستشيره فى أموره، ولا يصدر رأيا، ولا يعزم على أمر إلا بالرجوع إليه.
هل يستوى هذا بمن رزقناه منا رزقا حسنا: صورة أخرى تختلف عن الأولى جديرة بالاحترام والتقدير، صورة السيد المالك لأمره، المتصرف فى أمر نفسه وأمر غيره، الحرّ الذى يفعل ما يشاء، وهو الله خالق الموجودات، لا يسأل عما يفعل وهم يسألون، وكل مخلوقاته له عبيد.
هل يستوى العبد بالسيد؟ وقيل: هو مثل مضروب للوثن، والحق ﵎، الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ [النحل: ٧٥]: إيقاظ للنفس الإنسانية الغافلة كى تثوب إلى رشدها، وترجع إلى طبيعتها الجديرة بها، الطبيعة المفكرة العاقلة التى تعمر الكون، وتصل فى نهاية المطاف إلى أن تكون فى زمرة أولئك الذين يعلمون الحقائق،
ويؤمنون بالله الواحد، ويحمدون الله على تلك النتائج التى وصلت بهم إلى العقيدة الصحيحة، والإيمان القوى، والمعرفة بحقيقة دورهم فى عمارة الكون والاستخلاف فى الأرض.
٤ - قال الله تعالى: وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُما أَبْكَمُ لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلى مَوْلاهُ أَيْنَما يُوَجِّهْهُ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [النحل: ٧٦].
هذا المثل يكمل الصورة السابقة، ويؤكد بما يحويه من مضمون تلك الحقيقة الكبرى التى ترمى إليها الآيات، حقيقة الألوهية، والابتعاد عن الشرك، فإذا كان المثل السابق تكلم عن العبد العاجز الذليل الذى لا يملك حريته، ولا يتصرف بإرادته، وإنما هو خاضع لغيره فى كل تصرفاته، فهنا أيضا رجل لا يستطيع أن ينطق، حرم نعمة الكلام، فهو عاجز عن التعبير عن حاجة نفسه، وعن إرادته، عجزا حقيقيا لنقص فى أدوات الكلام، أو عجزا معنويا لحرمانه من كمال العقل والتفكير، وبذلك حرم من سمة الإنسان الذى له إرادة، وحركة، وقدرة، وعمل، فهو مقهور، ويحتاج إلى من يتحكم فيه،
стр. 196
يسير حسب أهوائه، فنفسه خبيثة طبعت على الرضا بالهوان، والمسكنة، والخضوع، لا ينتظر منه خير فى مسلك أو عمل صالح.
أما الرجل الآخر، فهو كنظيره فى المثل السابق الذى يملك ماله، ويتصرف بإرادته، ويفيض على الآخرين فى كل وقت وحين، له عمله، وحريته، وحركته البناءة التى تدل على حقيقة حاله، هنا أيضا له أمره الذى يصدره عن عزة واقتدار، لمن يخضع لمشيئته، فلا يملك إلا التنفيذ وسرعة الاستجابة، أمر يصدر يحمل فى طياته النفع، والخير، والهدى، والعدل.
هذه الأمثال التى تناولتها سورة النحل سبقت فى إطار واحد لتوضيح حقيقة لا لبس فيها، ولا غموض لدى الإنسان الذى يملك إرادته، ويعرف الحكمة من وجوده، وهى أن العبودية لله وحده؛ لأن السلطان بيده، والحكم له، يأمر بالعدل، وينهى عن المنكر، وكل فعل يجب أن يكون فى إطار ما شرع الله، وعلى هدى سننه، وكل تحرك بالعمل، والفهم فى هذه الحياة التى يحياها الإنسان يجب أن يأخذ نوره وقبسه من شرع الله، ويبتعد عن أولئك الظالمين لأنفسهم، والمضلين لغيرهم، الذين تحكمت فيهم عقائد الجاهلية وغوايات الشيطان.
٥ - قال الله تعالى: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَماً لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ [الزمر: ٢٩]. هذا المثل أتى عقب آية قرآنية تشيد بأمرين جديرين بالتأمل والاستفادة، وهما:
(أ) أن الله اقتضت حكمته أن يكثر فى كتابه الكريم من ضرب الأمثال للتذكر، والعظة، والاعتبار.
(ب) وأن يكون ذلك فى معرض قرآنه الحكيم الذى أنزله بلسان عربى مبين؛ ليكون طريقا إلى الإيمان القوى، وليكون علاجا للنفوس المريضة التى لم تتشرب الإيمان الحقيقى، فيكون طريقا إلى التقوى والخوف من الله جل فى علاه، ومراقبته فى السر والعلن، وخشيته فى الظاهر والباطن، والإيمان به إيمانا قائما على إعمال الفكر، والتدبر، والنظر، والاستدلال، وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ قُرْآناً عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ [الزمر: ٢٧، ٢٨].
تبدو كل هذه المعانى فى ذلك المثل الذى يأخذ أمثلته من الحياة التى يحياها الناس،
стр. 197
وما يشغل بالهم وتفكيرهم فى كل وقت وحين، يأخذ أمثلته التى توضح فكرته التى يرمى إلى إيضاحها، ألا وهى حقيقة الألوهية أيضا التى تعزب عن بال أولئك المشركين، يأخذ أمثلته من واقع الحياة الاقتصادية التى يحيونها، تتشابك فيها المصارع، وتتصارع الرغبات، وتبدو الاهتمامات، ويظهر الطمع والجشع، وتبدو النفس عارية على حقيقتها بما فيها من شرور وآثام.
يضرب الله المثل لأولئك الكافرون بما بين أيديهم من أدوات الحياة الاقتصادية التى يستخدمونها وهم العبيد. فهذا عبد مشرك حكم عليه بالعبودية، يتحكم فيه عديد من السادة، ويتنازعون فى رقبته، كل له رغبة قد تتفق وقد تختلف، وهذا العبد حائر بين أيدى سادته، لا يعرف له طريقا، ولا يبصر له نهجا ينقذه من حيرته وضلاله.
ورجل آخر مؤمن له سيد واحد يخضع لما يأمره به، وينفذ ما يريد دون أن تتبدد قواه، أو تتوزع نفسه بين جملة شركاء، يعرف طريقه، ويسير على هدى وبصيرة من الأمر، هل يستويان؟ لا شك أن الأول ضائع، معذب فى دنياه، والثانى منعّم يشعر ببرد الراحة والهدوء فى سيره ونهجه. وكذلك من يعبد غير الله، ويتخذ آلهة له وشركاء فى عبادته مظلم النفس والبصيرة، ومن يعبد الله لا يلتوى به الطريق، ويعرف طريقه نحو خالق السماء والأرض.
لذلك ختمت الآية بقوله: الْحَمْدُ لِلَّهِ الذى اختار لعباده الأمن والطمأنينة، وإن صدرت منهم أعمال تتصف بأعمال الجاهلية، وبعيدة عن روح الدين وحقيقة التوحيد، فأكثرهم لا يعلمون.
٦ - قال الله تعالى: وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إِلَّا دُعاءً وَنِداءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ [البقرة: ١٧١]. أتى المثل القرآنى عقب آية تندد بكل تفكير معوج، وبالعادات البالية التى سيطرت على أخلاق الكافرين فى أفكارهم، وباعدت بينهم وبين استلهام الضوء من مصدره الجدير بالاتباع والإيمان، فإذا بذل رسول الله نصحه لهم باتباع ما أنزل عليه، غلبت عليهم شقوتهم وأغضبتهم الجاهلية، وفكرهم المريض الذى يدعوهم إلى التقليد، ومسخ الصورة الآدمية التى كرمها الله بالعقل والتمييز، وجعلها جديرة بالاستخلاف فى الأرض، ولذلك كان هذا الرد المعوج الذى تعرضه الآية القرآنية فى قوله تعالى: وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ [البقرة: ١٧٠].
стр. 198
نعم يصرون على موقف، وهم يعلمون أنهم جاهلون بنتائجه، ويصرون على الاتباع ولو كان يؤدى إلى الهلاك، وبخاصة وقد حرم أولئك المتبعون من السابقين من نعمة العقل والاهتداء، وإلا لكانوا فى موقف آخر من الإيمان، ومحو عار الجاهلية الذى لصق بهم، واستدعى إرسال الرسل إليهم، ودليل ذلك إصرارهم على معاداة النبى ومحاربته، والوقوف ضد دعوة الإسلام، حتى بهذا التدنى فى المرتبة التى تصمهم بوصمة الحيوانية التى سلبت العقل والهداية، وهذا ما عرضه المثل بعد ذلك: يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إِلَّا دُعاءً وَنِداءً [البقرة: ١٧١].
جو واحد، تشابهت فيه الأشخاص والدواب، وسلكت كلها فى مسلك واحد، لا تفكير، ولا اهتداء، وإنما اتباع مضلل، وطريق إلى الهاوية، نرى ذلك كله فيما يعرضه المثل من صورة أولئك المقلدين لغيرهم فى خطواتهم الضالة، والذين ألغوا عقولهم وتفكيرهم التى خلقها الله للاهتداء بها، فهم يرون الحق ويعرضون عنه، ويصرفون أنفسهم عن دلالته وآياته، ويتبعون خطوات الشيطان، ويقولون على الله بغير علم، ولا دليل ولا برهان، وهم على فساد من الأمر.
صورهم الله فى هذا المثل بتلك البهيمة السارحة التى لا تفقه ما يقال لها إذا صاح فيها راعيها، بل هم أضل منها، فهى ترى وتسمع وتصيح، ولكنهم: صم، بكم، عمى، مع وجود هذه الحواس، ولكنهم معطلون لها، ولا تؤدى وظيفتها التى خلقها الله من أجلها، صم لا يسمعون الحق سماع تدبر وفهم، بكم لا ينطقون به عن اعتقاد وعلم، ولا يعقلون مبدأ ما هم فيه، ولا غايته كما يطلب من الإنسان، وإنما ينقادون لغيرهم كما هو سائر الحيوان. وهؤلاء الكفار هم المشركون الذين تكرر منهم القول: بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا [البقرة: ١٧٠].
صورة تحذر من اتباع الشيطان، وتعطيل الفكر عن المعرفة والهداية، وتلقى أمر الله والشريعة من غير الجهة التى يتلقى منها أمر العقيدة والشريعة.
٧ - قال الله تعالى: مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [الجمعة: ٥]. جاء هذا المثل بعد آيات أربع افتتحت بها سورة الجمعة، وتناولت هذه الآيات:
стр. 199
(أ) تمجيد الله وتعظيمه بذكر صفاته، وخضوع المخلوقات من إنس، وجن، وسماء، وأرض، له، وتسبيحها بحمد الله، وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ [الإسراء: ٤٤].
(ب) اختيار رسول الله ليخرج الناس من الظلمات إلى النور من جنس العرب؛ ليتلو عليهم آيات الله.
(ج) رحمة الله شملت غير العرب الذين آمنوا، ومن بقى من أمة محمد من الأجيال اللاحقة.
(د) أسبغ الله نعما كثيرة على عباده الذين أراد لهم الهداية، وجدير بمن يعرف هذه النعم أن يوفيها حقها من الذكر، وحق موجدها بالطاعة والعبادة والتوحيد، حتى يكون من جملة المسبحين والمعترفين بفضل الله.
أما أولئك القوم الذين ضرب بهم المثل من اليهود الذين كانوا فى عصر الرسول، وعرفوا حقيقته من الآيات التى بين أيديهم التى تحويها التوراة، وما عرفوه من علامات، حتى أنهم كانوا يستفتحون على غيرهم من الكفار بأنهم سيتبعون الرسول الذى سيرسل، وسيكونون عونا له عليهم، فلما أرسل الله محمدا، ﵊، إذا بهم ينكرون الرسالة ويحاربونه أشد محاربة؛ لأنهم كانوا يحسبونه من قومهم ومن جنسهم.
هؤلاء القوم الذين كلفوا العمل بالتوراة، ولم يؤمنوا بمحمد، ولجأوا إلى التأويل والتحريف والتبديل، ضرب الله لهم المثل بالحمار الذى يحمل فوق ظهره كتبا تحوى كنوز المعرفة واليقين، ولا يدرى عنها شيئا، ولا ينال من حملها إلا الثقل دون فائدة، بل هم أسوأ حالا من الحمار؛ لأن الحمار لا فهم له، وهؤلاء لهم فهوم لم يستعملوها.
وفى هذا التصوير القرآنى دعوة واضحة لكل ذى لب أن يستوعب علم ما يحمل، وأن يتفهم جوانبه وأهدافه ومراميه، حتى لا يلحقه الندم من جراء جهله بما معه، والذم ممن يراه، وأن يعمل بمقتضى ما فيه من نهج صالح، ودعوة بناءة فى الحياة الدنيا، وسعادة فى الآخرة.
إنها دعوة المعرفة التى تنتظم جوانب النفس، وجوانب المجتمع والحياة زراعة، صناعة، تجارة، حتى تصل إلى كفايتها التى تطمح إليها، ثم تصل فى نهايتها إلى المعرفة
стр. 200
الروحية، وهى صفاء القلب، وتفتح العقل ونوره، حتى لا يكون مظلما، وغير قادر على العمل، فالعقل مصدر كل شىء، والتقدم مرهون بتشغيل عقول الناس.
ومن خلال هذا المثل نرى الفرق واضحا بين من عطّل حواسه، ومن أحسن استغلالها فى فائدة تعود عليه، فمثل الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا أَفَلا تَذَكَّرُونَ [هود: ٢٤]، وقال أيضا: وَقالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ ما كُنَّا فِي أَصْحابِ السَّعِيرِ فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقاً لِأَصْحابِ السَّعِيرِ [الملك:
١٠، ١١].
وبعد استعراض تلك الأمثال القرآنية التى تناولت فكرة الاعتقاد والدعوة إلى الإيمان بالله الواحد الذى يتجه إليه بالعبادة، ويفرد بالتعظيم والإجلال، وتطهير النفوس من غواشى الجهالة التى تسيطر عليها، فتحول بينها وبين الإيمان الصحيح القائم على استخدام العقل والفكر.
ولذلك كانت رسالة محمد ودعوته إلى الإيمان بالله الواحد الأحد، وما يتبع ذلك من أمور اعتقادية، هى من صميم الفكرة الأم التى دعا إليها القرآن، ونادى بها رسول الله، فالله هو خالق الخلق، وهو المحيى والمميت.
وإذا كانت هناك حياة، فلا بد وأن يكون هناك موت، وإذا كان هناك موت، فلا بد أن تكون هناك حياة أخرى للحساب، والعقاب، والمجازاة على الأعمال التى كانت
وحدثت من الإنسان فى دنياه، فلا يعد الإنسان إنسانا إلا إذا كان صاحب إرادة، وصاحب عمل يصدر عنه، ويكافأ عليه، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر، وهذا هو مقتضى العدل الإلهى الذى وضعه الله للإنسان فى دنياه وأخراه، وبذلك كان التمييز عن بقية المخلوقات التى تكون ترابا، والمخلوقات الأخرى فى ملكوت الله الواسع العظيم التى خلقها لتكون فى يومها الموعود على غير ما هى عليه فى الدنيا من نظام مرسوم.
حياة دنيوية هى مقر الإنسان، ومحل العمل، يترتب على ذلك جزاء وثواب، وعقاب فى الدنيا وفى الآخرة.
هذا هو طريق الإيمان الذى يجب أن يسلكه المؤمن فى اعتقاده، ولذلك كان البعث، والنشور، والحساب، من مستلزمات هذا الإيمان، والكفر بذلك يقتلع فكرة الإيمان من جذورها، ويجعلها لا تقوم على أساس، آمن بذلك القدامى، وسيطر ذلك على
стр. 201
اعتقاداتهم، وظهر هذا فيما تركوه لنا من آثار تشهد لهم بالإيمان بفكرة البعث والحساب بين يدى الله منذ آلاف السنين، وما تلك الآثار التى تطل علينا من أهرامات وشواهد إلا شاهد صدق على حقيقة هذا الاعتقاد، ودليل على سلامة ما كان يفكر فيه أولئك القوم.
إلا أن لوثة من الفكر السقيم سيطرت على مجموعات أخرى من الشعوب الجاهلة، قد اندست وترسبت فى أعماقهم، فجعلتهم يكفرون بالحياة الأخروية، وما بها من حساب، وعقاب، وبعث، ونشور، واعتقدوا أن ذلك ضرب من المحال، وَقالُوا ما هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا وَما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ وَما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ [الجاثية: ٢٤].
فكان أولئك الدهريون أولى بأن تتجه إليهم الأمثال القرآنية؛ لتحارب هذه النزعة الفاسدة من نفوسهم، وتدعوهم إلى الإيمان بفكرة الجزاء، والثواب، والعقاب.
٣ - البعث والنشور والحساب:
من كمال الإيمان بالله ، الإيمان بكل ما جاء من قبله فى كتابه العزيز، وقرآنه الكريم.
وكما دعانا إلى الإيمان بوحدانيته، وعدم الإشراك به، دعانا كذلك إلى الإيمان باليوم الآخر، والاعتقاد الكامل فى أن هناك حسابا وعقابا يوم القيامة، يوم تجزى كل نفس بما عملت فى دنياها من خير أو شر.
وكما أنه لا يقبل فى حكم العقل أن يتساوى محسن مع مسىء فى دنيانا، لذلك كانت هناك آخرة لأيام الإنسان مهما طالت، ولا بدّ له أن يموت مهما طال به الأجل:
فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ [النحل: ٦١]، أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ أَوَآباؤُنَا الْأَوَّلُونَ [الصافات: ١٦، ١٧]، أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً ذلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ [ق: ٣].
بذلك قضى الله، وكما حكم بالموت على الإنسان حتى الأنبياء، إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ [الزمر: ٣٠].
جعل هذا الموت نهاية لكل حى فى دنياه، ثم يبعثه مرة أخرى يوم القيامة، حيث
стр. 202
الحساب والعقاب، فإما إلى جنة، وإما إلى نار، حيث النعيم الأبدى، والعقاب الأبدى.
هكذا جاء فى القرآن الكريم، وفى شرع الله، ولكن هذه الحقيقة صدمت الكثيرين من أهل الجاهلية فى اعتقاداتهم التى ورثوها، وأخذوا يتناقلونها من أن الموت نهاية كل حى، ولا حساب، ولا عقاب، ولا بعث، ولا نشور، وإنما هى أرحام تدفع، وأرض تبلع، وما يهلكنا إلا الدهر.
وتصور الآيات القرآنية هذا التفكير والاعتقاد، ونسيان الآخرة، وما أعد الله فى هذا اليوم الموعود بقوله تعالى: وَقالُوا ما هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا وَما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ وَما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ [الجاثية: ٢٤].
اعتقدوا هذا الاعتقاد، وسيطر على تفكيرهم، حتى أنهم أرجعوا ذلك إلى الدهر، وما يأتى به من أحداث. كان هذا التفكير مقدمة إلى تفكير أهل الزيغ والإلحاد فى العصر الحاضر، الذى يقول بالطبيعة وما تجريه من أحداث.
الدين وما يأتى به فى القرآن الكريم تحارب هذا اللون من التفكير، والابتعاد عن استخدام العقل والمنطق فى تصحيح المسار، فكل شىء خلقه الله من حياة، وموت، وصحة، ومرض، وسعادة، وشقاء، ورزق، وفقر، والقادر على الإحياء قادر على الإماتة، والقادر على الإنشاء والبدء قادر كذلك على الإعادة مرة ثانية.
ودليل هذا من واقع الحياة، فالإنسان الذى ينشئ شيئا من غير نموذج سبق، يستطيع بعد ذلك أن يعيد ترتيبه وإعادته من جديد دون صعوبة فى ذلك.
وهكذا جابه الرسول ﷺ ذلك الكافر الذى أتى بعظم قد رمّ، وفتته بين يدى رسول الله، وقال: يا محمد، أيحيى الله هذا بعد أن تفتت وأصبح رميما؟ قال: «نعم، ويدخلك النار».
فالله قادر على أن يجعل العظم الرميم إنسانا، فقد خلقه أصلا من ماء مهين، ثم تطور فى بطن أمه حتى ولد، وصار إنسانا يجادل ربه ويخاصمه، ويطلب منه الدليل والبرهان، كما قال تعالى: أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ [يس: ٧٧ - ٧٩].
стр. 203
فإذا كانت النطفة أصل الإنسان، وسر نشأته الأولى، والله قادر على أن يجعل منها إنسانا، فهو قادر على أن يجعل العظم الرميم إنسانا.
استبعد ذلك الكافر إعادة الله ذى القدرة العظيمة، التى خلقت الشمس والقمر، والسماء والأرض، للأجسام والعظام الرميمة، ونسى نفسه الذى خلقه من ماء مهين، وأنه خلقه من عدم، وهو بكل خلق عليم، يعلم العظام فى سائر الأرض، أين ذهبت، وأين تفرقت وتمزقت، يجمعها بعضها إلى بعض، ويبعث فيها الحياة.
فلا مفر من الوقوف بين يدى الله للحساب على الصغيرة والكبيرة التى اقترفت فى الدنيا، فكل نفس بما كسبت رهينة، وعمل الإنسان واعتقاده هما المقياسان الجديران بالتقدير والإكرام، فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ وَما أَدْراكَ ما هِيَهْ نارٌ حامِيَةٌ [القارعة: ٦ - ١١].
وقال تعالى فى آية أخرى: يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحامِ ما نَشاءُ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً وَتَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتى وَأَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ [الحج: ٥ - ٧].
فى هذه الآيات استدلال على إمكان البعث، وإحياء الناس من قبورهم بتلك الأدلة المشاهدة بين أيدى الناس من واقع تكوينهم فى بطون أمهاتهم، وتطور حياتهم إلى نهايتها، ومن إحياء الأرض الهامدة بذلك الماء الذى يحييها بالخصب والنماء، فالله قادر على إحياء الموتى، وأن أمر الساعة حقيقة لا يصح أن تكون مجالا لشك أو ريبة، وأن الله يبعث من فى القبور لمحاسبتهم على أعمالهم فى دنياهم التى أحصاها عليهم فى كتاب مبين، ولا يظلم ربك أحدا، ولذلك جاءت الآية الكريمة فى سورة يس: إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتى وَنَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وَآثارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ [يس: ١٢]، لتفيد قدرة الله على إحياء الموتى يوم القيامة، وأن أعمال الإنسان وأفعاله مسجلة عليه فى كتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، وسيجزى كل إنسان
стр. 204
بأعماله، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر.
ثم أعقب هذه الآية بذلك المثل وتلك القصة التى تناولت تلك القرية التى حاربت رسل الله إليها، وما كان من وراء ذلك من نتائج بالغة للفريقين، الذين آمنوا، والذين كفروا.
١ - قال الله تعالى: وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جاءَهَا الْمُرْسَلُونَ إِذْ أَرْسَلْنا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُما فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ فَقالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ قالُوا ما أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا وَما أَنْزَلَ الرَّحْمنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ قالُوا رَبُّنا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ وَما عَلَيْنا إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ قالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذابٌ أَلِيمٌ قالُوا طائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَإِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ وَجاءَ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعى قالَ يا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْئَلُكُمْ أَجْراً وَهُمْ مُهْتَدُونَ وَما لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً وَلا يُنْقِذُونِ إِنِّي إِذاً لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قالَ يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ بِما غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ [يس: ١٣ - ٢٧].
أمر من الله لرسوله، ﵊، أن يقص على كفار مكة، ومشركى قريش، ومن يناصبونه العداء، وينكرون ما يدعو إليه من دين ورسالة، وإيمان بالبعث والنشور، والحساب يوم القيامة.
يقص عليهم قصة تلك القرية الظالمة، التى جاءها رسل الله يبلغونهم دعوة الله، فقوبلوا بالتكذيب؛ لأنهم بشر مثلهم، وكأن الله فى اعتقادهم يجب أن يجعل رسالته فى جنس آخر من الجن، أو من الملائكة، حتى يكون كلامهم مسموعا، ومصدقا، ومسلما بصحته، وكانت المحاجة بين الفريقين، حاول الفريق المؤمن أن يثير فى نفوس أولئك الكفار دوافع الإيمان، بأن الله يعلم حيث يجعل رسالته، وأنهم لو كذبوا على الله فى التبليغ لانتقم منهم، وأنه سيعزهم بنصره وتأييده، وستكون العاقبة لهم، والفرصة سانحة للهداية، فإن أطعتم ربكم، كانت لكم السعادة فى الدنيا والآخرة، وإن لم تستجيبوا كانت العاقبة وخيمة، وكانت جهنم وبئس القرار مثوى لكم.
ثم كملت صورة المثل بموقف ذلك الرجل الصالح الذى سمع أولئك الدعاة،
стр. 205
ووعى ما يدعون إليه من أمور صالحات، فدعا قومه إلى الاستجابة لهم وعبادة الله الجدير بالطاعة والعبادة؛ لأنه الخالق القادر، الذى لا تنفعه طاعة، ولا تضره معصية، وبيده الخير، وهو على كل شىء قدير.
أما ما يعبدون من آلهة، فهى عاجزة عن حماية نفسها، وحماية عابديها، ولكن الكفار عاجلوه بالقتل، فأدخله الله جناته جزاء لطهارة نفسه، وثبات يقينه، وشدة تمسكه بالحق، قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قالَ يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ بِما غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ [يس: ٢٦، ٢٧].
تمنى فى موقفه بين يدى ربه أن يحظى قومه بذلك الظل الظليل من النعيم، بإيمانهم بالرسل، واتباعهم لأوامر الله.
هذا مثل مضروب لأصحاب قرية ظالمة، وأمر الرسول بأن يقصها على كفار قريش، فالمواقف متشابهة بين أصحاب القرية وكفار قريش، والأحداث تكاد تكون واحدة، والنتائج أيضا واحدة، فمنهم من آمن، ومنهم من كفر، وما أطلق الله عليه مثلا، فهو مثل لاستجماع شروط المثل فيه كما قدمنا من متمثل له، ومتمثل به، وتصوير حال، وتحقيق هدف.
فالعبرة من وراء هذه القصة واضحة، فى الدعوة إلى الاستجابة لكل دعوة بناءة، والإيمان القوى القائم على الدليل والبرهان، وبخاصة إذا كانا مأخوذين من واقع الحياة.
وقد أدى هذا المثل الغاية المقصودة من ورائه، فى لفت الأنظار إلى ما حدث قديما من أمور فى مجتمعات لا تختلف كثيرا عما يحدث فى مجتمعات أخرى بعد حين من
الزمن قد يطول، وقد يقصر، فالنفس هى النفس، والتفكير يتشابه، ويحتاج الأمر إلى الصبر، ومحاولة الإقناع بالدليل وبالبرهان، ويعرض ما يراد عرضه بأسلوب يجذب الأنظار، ويقنع العقل، ويرضى المنطق، وبخاصة لو صيغ هذا المثل فى ثوب فضفاض من القصص والأسلوب الحوارى الذى تبدو فيه الشخصيات المتنوعة، وما تعرضه من واقع وأحداث تكون بمثابة الدليل والبرهان على ما يعرض من أمور العقائد، وبخاصة الأساسية منها من إيمان بالله وحده، واتباع للرسول فى كل ما يأتى به، الإيمان بالبعث، والحساب، والنشور، الطاعة لله فى كل أوامره.
الرسول ما عليه إلا البلاغ، العمل من أجل الآخرة، الجهاد باب من أبواب الجنة.
стр. 206
الترغيب والتحذير:
المعركة بين الخير والشر، والحق والباطل، والطيب والخبيث، تدور رحاها منذ أن خلق الله الإنسان من صلصال من حمإ مسنون، وأمر ملائكته بالسجود له، فسجدوا إلا إبليس، أبى أن يكون مع الساجدين، وكانت تلك بدايات الصراع الذى أدى إلى الهبوط إلى الأرض، بعضهم لبعض عدو، فكانت المعركة ضارية، لا يخمد لها أوار، ولا تطفأ نارها.
وقد تتكاثف الظلمات، ويضعف الحق فى فترة من الفترات، ولكن إلى حين، فإن النور لا بدّ وأن ينبثق، ويعلو صوت الحق، وقد كتب الله فى محكم قرآنه: لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ [المجادلة: ٢١].
وقد حفل القرآن الكريم بالآيات التى تحمل فى طياتها كل معانى الخير، والدعوة إلى العمل الصالح، وتحبب المؤمن فى التفوق على شهوات النفس، ولذائذ الحياة التى تطغيها، وتخرج بها إلى دائرة الحيوانية الرخيصة.
وأبواب الترغيب كثيرة، تشمل الحياة بأسرها، وبكل ما تحتاج إليه من جهد، وطاقة، وعلم، وتقى، وصلاح، يحقق سعادة النفس فى الدنيا، ويمهد لذلك اللقاء الباقى فى الآخرة، حيث يجد كل إنسان ما عمل من خير محضرا.
لذلك كانت الدعوة من الله هى دعوة إلى العمل الصالح، وترغيب فى خير يشمل خيرى الدنيا والآخرة، فى الأوامر التى تدعو إليها، والنواهى التى تنهى عنها، والتكاليف التى تلزم بها، والإتقان فى العمل عن طريق المراقبة لله، وممارسة العبادات، فإن الوقت الذى يقضيه المرء فى العبادة هو شحن لطاقة الإنسان بقوة جديدة، ونشاط زائد، فالصلاة هى أعظم طاقة مولدة للنشاط عرفت حتى يومنا هذا، وقد فشلت العقاقير فى معالجة كثير من المرضى، فلما عجز الطلب تدخلت الصلاة، فأبرأت الكثير من المرضى.
وقد يبدو فى ظاهر هذه التكاليف بعض المشقات التى يكابدها الإنسان، أو المتاعب التى يضيق بها حينا، كالامتناع عن الطعام والشراب شهرا من شهور العام، أو الأموال التى يخرجها عن نفسه وماله، ولكن لو نظر الإنسان نظر تبصر واعتبار، لعرف أن الله ﷻ برّ رحيم بعباده، يدعوهم إلى الحسنى فى كل شىء، وينأى بهم عن الشر،
стр. 207
ويخوفهم من مغباته، وما يجره على النفس من مهالك.
وإذا كانت الأساليب المرغبة فى الخير، والناهية عن الشر، قد تنوعت فى أساليب القرآن من أخبار، وقصص، وتذكر لأحوال، وأمر، وتعجب، واستفهام ... إلخ، وكان لها من التأثير ما يملك القلوب، ويصل إلى العقول، فتكون الاستجابة، والإقبال على الطاعة، فإن سوق هذا الترغيب والتحذير فى ثوب الأمثال ما يكون له من الإقناع، وتجلية الأمور الخفية وإيضاحها أكثر من وصف الشيء ذاته، وعرضه عرضا مباشرا، فكأنه يعطى المعنى، والدليل عليه، ويعرض الغائب فى سورة المشاهدة، وهذا سر تأثيره.
ومن الملاحظ أن الترغيب فى الإيمان إذا كان مجردا عن ضرب مثل به، ولم يتأكد وقوعه فى القلب، كما يتأكد إذا مثل بالنور، أو بشجرة طيبة، وإذا كرّه فى الكفر بمجرد الذكر لم يتأكد قبحه فى العقول كما يتأكد إذا مثل بالظلمة، أو بشجرة خبيثة، وإذا أخبر بضعف أمر من الأمور، وضرب مثله بنسج العنكبوت، كان ذلك أبلغ فى تقرير صورته من الإخبار بضعفه مجردا (١).
وبعرض هذه النماذج القرآنية المتقابلة تتضح الحقائق، حقائق النفوس، وحقائق الحياة، ويعرف الإنسان موقفه بين يدى ربه فى الآخرة، وليس هناك من رادع عن الشر، وزاجر عن الوقوع فى معصية، من عرض قصة، أو تبيان حالة، كما أنه ليس هناك من داع إلى الخير، ودافع إلى الإحسان، من التمثل بحال من الواقع، وسرد لحقيقة يصحبها الدليل والبرهان.
هكذا النفوس جبلت على الاقتداء، والإيمان بالممارسة والعمل، ولذا فإننا حين نعرض للأمثال القرآنية فى هذا السبيل الداعى إلى الخير، فإننا نتمثل الإنسان وما يصدر عنه، وما يحيط به، وما يقع منه، وكذلك نعرض لهذه الأمثال التى تحذر من الشر، والوقوع فى براثنه، والتأثر بمغريات الحياة وشهواتها من مال، وولد، وجنس، وكل ما يجعل للشيطان سبيلا إلى سيطرته على النفس، والمعتقد، والفكر.
أتت هذه الأمثال كما سنراها شاملة لجانبى الحياة من خير وشر، ومن فضيلة ورذيلة، حتى يسهل عن طريق الموازنة والمقابلة، الحكم على الأشياء، وبضدها تتميز الأشياء.
стр. 208
ولا يحتاج هذا الأمر إلى دراسات مذهبية، ولا فلسفات فكرية، بل يصل إلى الاقتناع بها الكبير والصغير، والعالم والجاهل؛ لأنها من واقع الحياة، ومن ممارسات الإنسان، ولا تختلف فى ذلك عقائد، أو نحل، ولا ينكرها إلا كل مكابر، يرى ضوء الشمس، فيعمى عن النظر، ويرى الحقائق، فيغض الطرف عنها.
اعتمدت هذه الأمثال على مشاهد من الطبيعة الواقعة تحت أبصار الناس، من زرع، ونبات، وريح، وكلها مشاهد تولد فى النفس اليقين، وتعين على التبصر فى الأمر، والاقتناع بالنتائج، وقد أضيف إلى ذلك مسلك آخر فى الاعتبار، وهو ما حل بالسابقين من تجارب، وَسَكَنْتُمْ فِي مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنا بِهِمْ وَضَرَبْنا لَكُمُ الْأَمْثالَ [إبراهيم: ٤٥]، وهو مثل حى مبسوط أمام الأعين، لا يغيب عن أنظار الناس، يعطى دلالته فى كل لحظة، والعاقل من اتعظ بغيره، وهو يقوم على عرض بعض القصص، كما فى قصة أصحاب الجنة.
إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ وَلا يَسْتَثْنُونَ فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نائِمُونَ فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ فَتَنادَوْا مُصْبِحِينَ أَنِ اغْدُوا عَلى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صارِمِينَ فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخافَتُونَ أَنْ لا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ وَغَدَوْا عَلى حَرْدٍ قادِرِينَ فَلَمَّا رَأَوْها قالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ قالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلا تُسَبِّحُونَ قالُوا سُبْحانَ رَبِّنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ قالُوا يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا طاغِينَ عَسى رَبُّنا أَنْ يُبْدِلَنا خَيْراً مِنْها إِنَّا إِلى رَبِّنا راغِبُونَ [القلم: ١٧ - ٣٢]، حرمهم الله من ثمارها، فرجعوا على أنفسهم باللوم، والاعتراف بالخطيئة.
وكذلك قصة صاحب الجنتين مع صاحب له من ذوى الإيمان الأول تبطره النعمة وينسى الله، ويعتقد أن ماله أخلده، والثانى معتز بإيمانه، ذاكر لربه، يرى النعمة دليلا على المنعم، وموجبة لحمد الله وشكره: وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنا لِأَحَدِهِما جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنابٍ وَحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ وَجَعَلْنا بَيْنَهُما زَرْعاً كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئاً وَفَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَراً وَكانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقالَ لِصاحِبِهِ وَهُوَ يُحاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مالًا وَأَعَزُّ نَفَراً وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ قالَ ما أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هذِهِ أَبَداً وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْها مُنْقَلَباً قالَ لَهُ صاحِبُهُ وَهُوَ يُحاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا لكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ ما شاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِنْ تَرَنِ
стр. 209
أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مالًا وَوَلَداً فَعَسى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْراً مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْها حُسْباناً مِنَ السَّماءِ فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً أَوْ يُصْبِحَ ماؤُها غَوْراً فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَباً وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلى ما أَنْفَقَ فِيها وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها وَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَما كانَ مُنْتَصِراً هُنالِكَ الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَواباً وَخَيْرٌ عُقْباً [الكهف: ٣٢ - ٤٤].
١ - قال الله تعالى: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُها ثابِتٌ وَفَرْعُها فِي السَّماءِ تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ ما لَها مِنْ قَرارٍ يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ [إبراهيم: ٢٤ - ٢٧].
سبق هذا المثل بتبيان مواقف الكفار المخزية فى يوم يتحقق فيه وعد الله الذى كفروا به، وهو يوم القيامة، ولم يجدوا فيه نصيرا يدفع عنهم العذاب، حتى أن الشيطان الذى وسوس لهم وزين لهم المعصية فى الدنيا، نفض عن نفسه مسئولية كفرهم، وحملهم نتيجة أعمالهم، فما كان منهم من كفر، إنما كان بسبب رغبتهم فى الشر، وحبهم للمعصية، فاللوم واقع بهم، ولا لوم عليه، فهؤلاء الكفار يتحملون وزر شركهم وعباداتهم الباطلة، وما يقع بهم من عذاب، إنما هو جزاء ظلمهم وكفرهم.
وأما موقف المؤمنين، فهو موقف مغاير لذلك الموقف المخزى، موقف أصحاب الحق، وإخلاص النية، فلهم جزاء النعيم فى جنات تجرى من تحتها الأنهار، يجدون فيها جزاء أعمالهم الصالحة، وتحيتهم فيها سلام.
مواقف واضحة الدلالة، ظاهرة الاعتبار لمن أراد أن يذكر، فأخذها من الآيات القرآنية: وَقالَ الشَّيْطانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ ما أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَما أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِما أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ [إبراهيم: ٢٢، ٢٣].
ويعقب تبيان هذه المواقف المتقابلة هذا المثل القرآنى الذى يتعرض للكلمة، وما لها من نتائج فى النفوس، وتأثير فى القلوب، وتغيير فى الاتجاهات، فالله سبحانه وتعالى
стр. 210
يضرب هذا المثل: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا [إبراهيم: ٢٤]؛ ليصوّر للناس سنته الجارية فى الطيب والخبيث فى هذه الحياة بالشجرة الطيبة، والشجرة الخبيثة.
فالكلمة الطيبة هى كلمة الحق، وهى أساس الوجود، ولا تستطيع قوى البغى والطغيان أن تقضى عليها، أو هى كلمة التوحيد، فهى كالشجرة الطيبة، ثابتة، مثمرة، متعالية، فبذورها تنبت فى تلك التربة الخصبة، وكذلك الكلمة الطيبة تثبت فى النفوس الطيبة، وفى ظل هذا يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ [إبراهيم: ٢٧]، والقول الثابت: بكلمات القرآن، وبالعمل الصالح، وبكلمات الإيمان، يكون العون من الله، والتثبت للذين آمنوا.
وأما الكلمة الخبيثة، فهى على النقيض من ذلك، هى كلمة الشرك والباطل التى تعمل على إفساد الحياة، وفى نشر بذور الشر فى كل مكان، وفى كل نفس، وهى كالشجرة
الخبيثة التى قد تتشابك أغصانها، وتتعالى فروعها، ولكنها لا تثمر إلا ثمرا مرا، ولا تعطى فائدة، وفى نفس الوقت لا تتحمل أية هزة، فلا قرار لها ولا بقاء.
وفى ظل هذه الكلمة الخبيثة وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ [إبراهيم:
٢٧] بسبب ظلمهم وشركهم، واتباع الهوى، وتمكن الخرافات والأباطيل من نفوسهم القلقلة المضطربة، يفعل الله ما يشاء بإرادته المطلقة.
مشاهد من قصص المؤمنين والمكذبين، ومصير هؤلاء وهؤلاء، وصور تتضح فيها النفس التى يزكيها صاحبها فيفلح، والنفس التى يسوقها صاحبها إلى الهاوية من خلال ما رأينا فى المثل من مقابلة وموازنة بين حالتين يلمسهما السامع والقارئ، فينحاز إلى ما هو جدير به أن ينحاز إليه من عمل صالح، وابتعاد عن الطالح من الأمر، وقد يفهم من هذا التصوير أن المؤمن مثل الشجرة، لا يزال يعطى من ثماره فى كل وقت، صيفا وشتاء، ليلا ونهارا، وكذلك المؤمن لا يزال يرفع له عمل آناء الليل وأطراف النهار، وفى كل وقت وحين. والكلمة الخبيثة تمثل كفر الكافر، لا أصل له، ولا نبات، ولا فرع، ولا يصعد له عمل، ولا يتقبل منه شىء.
وفى هذا المجال يأتى دور العالم والجاهل فى بناء هذه الحياة، وما يؤثران به فى مجريات الأمور، فإذا زلّ العالم زلّ بزلته عالم.
فقد يتعرض الغافل والجاهل لسقطات فى الحياة تجر عليهما أوخم العواقب، وقد
стр. 211
يغفر الناس لهما هذه الزلات؛ لجهلهما وغفلتهما، ولكن الذى لا يغتفر أن تقع هذه الزلات ممن يدرك أبعادها، ومن يقصد إلى غايتها، ويميل به الهوى، ويجر على نفسه ومجتمعه ودينه الدمار والهلاك.
وفى مقابل ذلك صلاح يؤدى إلى صلاح الحياة والعالم، فهذا العالم بمثابة الرأس من الجسد، والقلب من الإنسان، له أجره المضاعف، وثوابه الكبير بما ينطق به من قول طيب، وما يسطره من فكر.
وإذا كان قد بدأ بالإنسان وما يصدر منه من قول وعمل، وما إلى ذلك من مؤثرات فى النفس والمجتمع فى الكلمة الطيبة والعمل الصالح، وفى مقابلهما من كلمة خبيثة وعمل خبيث يؤديان إلى فساد الحياة والنفس، فإنه فى التدرج التالى لهذه الكلمة الطيبة كلمة الحق، وما لها من أثر نافع لا يزول مع الأيام، والكلمة الخبيثة كلمة الباطل الذى يذهب جفاء.
تدرج نراه فى ذلك المثل الرائع الذى صورته لنا الآية الكريمة فى تلك الصورة التى استمدت جزئياتها من الطبيعة بما فيها من أرض وسماء، ومن حياة الناس فيما يتخذون من أدوات مستخدمة فى الحياة، كل ذلك امتداد طبيعى لتقوية وتثبيت الفكرة الأساسية، التى بنى عليها المثل السابق من طريق الخير المؤدى إلى الفلاح، وتبيان طريق الضلال والشر المؤديان إلى الفساد.
٢ - قال الله تعالى: أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رابِياً وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْباطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ [الرعد: ١٧].
أتى هذا المثل عقب آية قرآنية حوت كل قيمة بناءة فى بناء العقيدة الصحيحة، من الاعتقاد، والإيمان بالله رب السموات والأرض، وأنه الجدير بالعبادة والطاعة وحده، وأن الانحراف والشرك بالله باتخاذ تلك الأصنام التى لا تضر ولا تنفع، إنما يعد نقصا فى الإيمان والتفكير، وخروجا عن حد الاعتدال، فلا يصح فى حكم العقل أن يتساوى الناقص بالكامل، والأعمى والبصير، والظلمات والنور، وكذلك لا يتساوى من بيده القدرة على الخلق والإيجاد، وغير الخالق، فالله خالق كل شىء وهو الواحد القهار:
стр. 212
قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ لا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعاً وَلا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُماتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْواحِدُ الْقَهَّارُ [الرعد: ١٦].
قيم عالية تدعو إلى الإيمان بالله الواحد القهار الذى لا يغلبه شىء، ويحتاج إلى تثبيت من واقع الحياة، كما يظهر ذلك فى المثل القرآنى.
فى المثل موقفان متقابلان، للحق فى ثباته وبقائه، وللباطل فى اضمحلاله وفنائه، فالحق مهما توارى زمنا لا بدّ وأن يعلو، والباطل مهما يرتفع فإنه لا محالة زائل، وقد ضرب الله المثل حتى لا ييأس أصحاب الحق، وحتى لا يغتر أصحاب الباطل.
يضرب الله بهما المثل من واقع الحياة التى يعيشها الناس، فيرون فيها الباطل وقد ظهر أمره، وفشا فى المجتمع وعلا، حتى أنه يغطى ما عداه من كلمة الحق، ولكنه فى حقيقة أمره زبد أو خبث ما يلبث أن يذهب جفاء، لا حقيقة له، ولا تماسك فيه، فهو كالزبد الذى يعلو فوق سطح الماء، ولكنه لا يثبت معه، يتكوّن ثم يضمحل، وكخبث الحديد الذى يعلو فوق الذهب حين انصهاره.
أما الحق، فهو الباقى الساكن الهادئ كالماء الذى يحيى الأرض بعد موتها، فتسيل به الأدوية على قدر الحاجة، أو المصلحة حسبما اقتضته مشيئة الله وحكمته، فينتفع به من مختلف الوجوه، ويمكث فى الأرض، يبقى بعضه فى منابعه، ويسلك بعضه فى عروق الأرض، إلى العيون، والقنوات، والأنهار. وكالمعدن الصريح الذى ينفع الناس فى الحلى، والأمتعة كالأوانى، وآلات الحرب، ويدوم ذلك مدة طويلة.
وقد يحسب بعض الناس فى فترات من الزمن أن الغلبة للباطل بحكم ما يرون من سطوات الظالمين، وقهر الرجال، والتحكم فى الرقاب، وأن الحق قد انزوى، فلا تسمح له الحياة بالبقاء، أو التغلب على الباطل وأعوانه. هذا الظن، أو الاعتقاد، فى غير موطنه، فالله قد حكم فى محكم قرآنه بقوله: وَقُلْ جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً [الإسراء: ٨١].
وهكذا مصير كل دعوة حقة، وكل معتقد يقوم على أساس، ونهاية كل عمل طيب، وكل قول طيب، ينقذ الإنسان من نفسه، فلا يتملكه الغرور، ولا تتحكم فيه شهوة
стр. 213
تدفعه إلى المهالك.
وكم جرّ الغرور على أناس من المهالك، فأودى بهم إلى الجحيم، ومثال ذلك واضح من واقع ما عرض القرآن من صور أولئك الذين استبد بهم الغرور فقتلهم، من قصة قارون الذى دفعه الجهل والغرور إلى قوله: إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي [القصص:
٧٨]، فكانت نتيجته فَخَسَفْنا بِهِ وَبِدارِهِ الْأَرْضَ فَما كانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ [القصص: ٨١] طريق الانهيار الذى يبدو فى الجهالة المهلكة بحقيقة الكون وخالقه، وحقيقة الإنسان وقدراته، وطبيعة النفس البشرية، وما لها من حدود لا تتعداها فى ملكوت الله.
هذه هى الضوابط التى يجب على المؤمن بحق أن يتخذ منها سلاحا واقيا ضد نزوات الحياة، وخداع الفكر، ونسيان الله خالق هذه الحياة والجدير بالعبادة الحقة، وإذا تخلى الإنسان عن هذه الضوابط، وتسربت إليه النفس الأمارة بالسوء فى المعتقد والفكر، والعمل، فإن هذا يؤدى به فى النهاية إلى الهاوية، ويخرج من هذه الحياة صفر اليدين خاسرا، لا يملك ما يقدمه بين يدى ربه من صالح الأعمال، وهذا المثل القرآنى يوضح هذه الحقائق.
٣ - قال الله تعالى: وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّياحُ وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً (١) [الكهف: ٤٥].
ذكرت آيات قبل هذا المثل توضح حقيقة النفس التى تنسى الله فى وقت الرخاء والنعمة، ولا تذكره جلت قدرته إلا فى وقت الأزمات والشدائد، حين يمسها الضرّ، وتقع بها المصائب فى وقت الرخاء، وإسباغ النعم، تستغرق فى شهواتها ولذائذها، ويتحكم فيها غرورها، ونزوات الحس، وتنسى خالقها الذى أنعم عليها بجليل النعم، وحباها من فضله بالكثير من صحة، وعقل، وتكريم.
صاحب الجنة نسى الله فى نعمه الكثيرة، ولم يعط حق الله فى هذا المال لأصحابه من فقراء ومحتاجين يقاسمونه الحياة بما فيها، فأصبحت هذه الجنة خاوية على عروشها، كأن لم تغن بالأمس، ولم يجد من أحد عونا فى موقفه يزيح عنه ما نزل به من بلاء، أو يخفف
стр. 214
عنه وقع المصيبة التى ألمت به، أو يمد له يد المساعدة فى أزمته؛ لأنه قطع هذه اليد بحرمانها من مال الله، ونفض عنه عون المعينين له بتلك السيئات التى بدرت منه فى حقهم، ونسيانه حق الأخوة والإنسانية لمن يعيش معه فى ظل هذه الحياة التى تحتاج إلى التكافل والتعاضد، والمواساة فى الضراء، والعاقل من عمل لغده وعرف حقيقة حاضره، وأن الأمر بيد الله الذى يثيب على العمل الصالح الباقى إلى يوم الدين.
أما ما نراه من مظاهر الحياة الدنيوية، وما بها من مغريات، فهى إلى زوال، ما لم تحط بالشكر، ولم تؤد الحقوق إلى أصحابها، ولم يصحبها غرور النفس ونسيانها لموجدها، وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلى ما أَنْفَقَ فِيها وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها وَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَما كانَ مُنْتَصِراً هُنالِكَ الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَواباً وَخَيْرٌ عُقْباً [الكهف: ٤٢ - ٤٤].
وهذا التيار الذى يسير فيه ذلك المثل القرآنى، وهو علاج ما يبدو فى الحياة من اغترار بظواهرها، وما تزخر به الدنيا من متع وشهوات خادعة للإنسان عن حقيقة نفسه، ونسيان مآله ومصيره عالجه مثل آخر قرآنى، وهو قول الله ﵎ فى سورة يونس:
٤ - قال الله تعالى: إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعامُ حَتَّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُها أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها (١) أَتاها أَمْرُنا (٢) لَيْلًا أَوْ نَهاراً فَجَعَلْناها حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ (٣) كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ (٤) لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ [يونس: ٢٤].
المغريات كثيرة من مال وبنين، وصنوف مأكل ومشرب وملبس، ولكن سريعا ما تنقضى وتزول بهجتها ومناظرها الخادعة، وتنهار أمام أعين من يعرف حقيقتها، بذهاب رونقها وبهائها، فهذه الدنيا بما فيها من زينات ومتع شبيهة بحال تلك الأرض التى أرسل الله عليها المطر، فأنبتت ما يسرّ الناظرين، ثم نزلت بها جائحة من السماء،
стр. 215
فأهلكتها قبل الانتفاع بها، وتحول النبات النضر مهشوما تفرقه الرياح كأن لم يكن، وكان الله على كل شىء مقتدرا، فهو القادر على الإحياء والإفناء، والكل بيده، وإليه
المصير.
أمثلة شاخصة ناطقة تعرض نماذج أولئك الطغاة الذين يظلمون أنفسهم، وينقضون عهد الله من بعد ميثاقه بتوحيده وشكره وطاعته، وتذكره فى كل حين، فهذه هى سمات المؤمن الحق، إن أصابته نعماء شكر، فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر، فكان خيرا له، أما من ينسى الله فى وقت النعمة، والراحة، والطمأنينة، ولا يذكره إلا فى وقت الشدة والضيق ووقوع المصائب، فلن تكون حاله إلا حال ذلك النبات الذى صار هشيما تذروه الرياح بفقدان عمله، وضياع ثوابه، وذهاب أجره يوم القيامة.
٥ - قال الله تعالى: اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكاثُرٌ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَباتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطاماً وَفِي الْآخِرَةِ عَذابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانٌ وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ [الحديد: ٢٠].
سبقت هذه الصورة الموضحة لحقيقة الدنيا، وما بها من مظاهر الغرور بآيات تبين مواقف جديرة بالإعجاب والتقدير، وأخرى لا ينال أصحابها إلا الخزى، والعذاب المهين.
أما مواقف التقدير، فينالها الذين استجابوا لدعوة الله فى الإنفاق فى سبيله، وبذل المال عن طواعية ورغبة فى الأجر من الله، ذلك الأجر المضاعف فى ثوابه ونعيمه، ولأولئك الذين آمنوا بالله وبما أنزل وأرسل، ثم جاهدوا فى الله حق جهاده، وفى سبيل نشر كلمة الله منهم بذل، وعقيدة، وتضحية نفس متكاملة فى إيمانها لا تغتر بما فى الدنيا من مغريات المال، وحب النفس، والشهوات والتفاخر بالأهل والعصبية واللهو والزينة واللعب.
أما الذين كفروا بربهم وكذبوا بآيات الله، فقد حرموا هذه المنزلة التى ساقها الله فى أول الآيات، ولا منزلة لهم إلّا فى الدرك الأسفل من النار، ملازمون لها، لا ينفكون عنها بحال.
إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ