يغفر الناس لهما هذه الزلات؛ لجهلهما وغفلتهما، ولكن الذى لا يغتفر أن تقع هذه الزلات ممن يدرك أبعادها، ومن يقصد إلى غايتها، ويميل به الهوى، ويجر على نفسه ومجتمعه ودينه الدمار والهلاك.
وفى مقابل ذلك صلاح يؤدى إلى صلاح الحياة والعالم، فهذا العالم بمثابة الرأس من الجسد، والقلب من الإنسان، له أجره المضاعف، وثوابه الكبير بما ينطق به من قول طيب، وما يسطره من فكر.
وإذا كان قد بدأ بالإنسان وما يصدر منه من قول وعمل، وما إلى ذلك من مؤثرات فى النفس والمجتمع فى الكلمة الطيبة والعمل الصالح، وفى مقابلهما من كلمة خبيثة وعمل خبيث يؤديان إلى فساد الحياة والنفس، فإنه فى التدرج التالى لهذه الكلمة الطيبة كلمة الحق، وما لها من أثر نافع لا يزول مع الأيام، والكلمة الخبيثة كلمة الباطل الذى يذهب جفاء.
تدرج نراه فى ذلك المثل الرائع الذى صورته لنا الآية الكريمة فى تلك الصورة التى استمدت جزئياتها من الطبيعة بما فيها من أرض وسماء، ومن حياة الناس فيما يتخذون من أدوات مستخدمة فى الحياة، كل ذلك امتداد طبيعى لتقوية وتثبيت الفكرة الأساسية، التى بنى عليها المثل السابق من طريق الخير المؤدى إلى الفلاح، وتبيان طريق الضلال والشر المؤديان إلى الفساد.
٢ - قال الله تعالى: أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رابِياً وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْباطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ [الرعد: ١٧].
أتى هذا المثل عقب آية قرآنية حوت كل قيمة بناءة فى بناء العقيدة الصحيحة، من الاعتقاد، والإيمان بالله رب السموات والأرض، وأنه الجدير بالعبادة والطاعة وحده، وأن الانحراف والشرك بالله باتخاذ تلك الأصنام التى لا تضر ولا تنفع، إنما يعد نقصا فى الإيمان والتفكير، وخروجا عن حد الاعتدال، فلا يصح فى حكم العقل أن يتساوى الناقص بالكامل، والأعمى والبصير، والظلمات والنور، وكذلك لا يتساوى من بيده القدرة على الخلق والإيجاد، وغير الخالق، فالله خالق كل شىء وهو الواحد القهار:
стр. 212
قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ لا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعاً وَلا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُماتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْواحِدُ الْقَهَّارُ [الرعد: ١٦].
قيم عالية تدعو إلى الإيمان بالله الواحد القهار الذى لا يغلبه شىء، ويحتاج إلى تثبيت من واقع الحياة، كما يظهر ذلك فى المثل القرآنى.
فى المثل موقفان متقابلان، للحق فى ثباته وبقائه، وللباطل فى اضمحلاله وفنائه، فالحق مهما توارى زمنا لا بدّ وأن يعلو، والباطل مهما يرتفع فإنه لا محالة زائل، وقد ضرب الله المثل حتى لا ييأس أصحاب الحق، وحتى لا يغتر أصحاب الباطل.
يضرب الله بهما المثل من واقع الحياة التى يعيشها الناس، فيرون فيها الباطل وقد ظهر أمره، وفشا فى المجتمع وعلا، حتى أنه يغطى ما عداه من كلمة الحق، ولكنه فى حقيقة أمره زبد أو خبث ما يلبث أن يذهب جفاء، لا حقيقة له، ولا تماسك فيه، فهو كالزبد الذى يعلو فوق سطح الماء، ولكنه لا يثبت معه، يتكوّن ثم يضمحل، وكخبث الحديد الذى يعلو فوق الذهب حين انصهاره.
أما الحق، فهو الباقى الساكن الهادئ كالماء الذى يحيى الأرض بعد موتها، فتسيل به الأدوية على قدر الحاجة، أو المصلحة حسبما اقتضته مشيئة الله وحكمته، فينتفع به من مختلف الوجوه، ويمكث فى الأرض، يبقى بعضه فى منابعه، ويسلك بعضه فى عروق الأرض، إلى العيون، والقنوات، والأنهار. وكالمعدن الصريح الذى ينفع الناس فى الحلى، والأمتعة كالأوانى، وآلات الحرب، ويدوم ذلك مدة طويلة.
وقد يحسب بعض الناس فى فترات من الزمن أن الغلبة للباطل بحكم ما يرون من سطوات الظالمين، وقهر الرجال، والتحكم فى الرقاب، وأن الحق قد انزوى، فلا تسمح له الحياة بالبقاء، أو التغلب على الباطل وأعوانه. هذا الظن، أو الاعتقاد، فى غير موطنه، فالله قد حكم فى محكم قرآنه بقوله: وَقُلْ جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً [الإسراء: ٨١].
وهكذا مصير كل دعوة حقة، وكل معتقد يقوم على أساس، ونهاية كل عمل طيب، وكل قول طيب، ينقذ الإنسان من نفسه، فلا يتملكه الغرور، ولا تتحكم فيه شهوة
стр. 213
تدفعه إلى المهالك.
وكم جرّ الغرور على أناس من المهالك، فأودى بهم إلى الجحيم، ومثال ذلك واضح من واقع ما عرض القرآن من صور أولئك الذين استبد بهم الغرور فقتلهم، من قصة قارون الذى دفعه الجهل والغرور إلى قوله: إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي [القصص:
٧٨]، فكانت نتيجته فَخَسَفْنا بِهِ وَبِدارِهِ الْأَرْضَ فَما كانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ [القصص: ٨١] طريق الانهيار الذى يبدو فى الجهالة المهلكة بحقيقة الكون وخالقه، وحقيقة الإنسان وقدراته، وطبيعة النفس البشرية، وما لها من حدود لا تتعداها فى ملكوت الله.
هذه هى الضوابط التى يجب على المؤمن بحق أن يتخذ منها سلاحا واقيا ضد نزوات الحياة، وخداع الفكر، ونسيان الله خالق هذه الحياة والجدير بالعبادة الحقة، وإذا تخلى الإنسان عن هذه الضوابط، وتسربت إليه النفس الأمارة بالسوء فى المعتقد والفكر، والعمل، فإن هذا يؤدى به فى النهاية إلى الهاوية، ويخرج من هذه الحياة صفر اليدين خاسرا، لا يملك ما يقدمه بين يدى ربه من صالح الأعمال، وهذا المثل القرآنى يوضح هذه الحقائق.
٣ - قال الله تعالى: وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّياحُ وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً (١) [الكهف: ٤٥].
ذكرت آيات قبل هذا المثل توضح حقيقة النفس التى تنسى الله فى وقت الرخاء والنعمة، ولا تذكره جلت قدرته إلا فى وقت الأزمات والشدائد، حين يمسها الضرّ، وتقع بها المصائب فى وقت الرخاء، وإسباغ النعم، تستغرق فى شهواتها ولذائذها، ويتحكم فيها غرورها، ونزوات الحس، وتنسى خالقها الذى أنعم عليها بجليل النعم، وحباها من فضله بالكثير من صحة، وعقل، وتكريم.
صاحب الجنة نسى الله فى نعمه الكثيرة، ولم يعط حق الله فى هذا المال لأصحابه من فقراء ومحتاجين يقاسمونه الحياة بما فيها، فأصبحت هذه الجنة خاوية على عروشها، كأن لم تغن بالأمس، ولم يجد من أحد عونا فى موقفه يزيح عنه ما نزل به من بلاء، أو يخفف
стр. 214
عنه وقع المصيبة التى ألمت به، أو يمد له يد المساعدة فى أزمته؛ لأنه قطع هذه اليد بحرمانها من مال الله، ونفض عنه عون المعينين له بتلك السيئات التى بدرت منه فى حقهم، ونسيانه حق الأخوة والإنسانية لمن يعيش معه فى ظل هذه الحياة التى تحتاج إلى التكافل والتعاضد، والمواساة فى الضراء، والعاقل من عمل لغده وعرف حقيقة حاضره، وأن الأمر بيد الله الذى يثيب على العمل الصالح الباقى إلى يوم الدين.
أما ما نراه من مظاهر الحياة الدنيوية، وما بها من مغريات، فهى إلى زوال، ما لم تحط بالشكر، ولم تؤد الحقوق إلى أصحابها، ولم يصحبها غرور النفس ونسيانها لموجدها، وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلى ما أَنْفَقَ فِيها وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها وَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَما كانَ مُنْتَصِراً هُنالِكَ الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَواباً وَخَيْرٌ عُقْباً [الكهف: ٤٢ - ٤٤].
وهذا التيار الذى يسير فيه ذلك المثل القرآنى، وهو علاج ما يبدو فى الحياة من اغترار بظواهرها، وما تزخر به الدنيا من متع وشهوات خادعة للإنسان عن حقيقة نفسه، ونسيان مآله ومصيره عالجه مثل آخر قرآنى، وهو قول الله ﵎ فى سورة يونس:
٤ - قال الله تعالى: إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعامُ حَتَّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُها أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها (١) أَتاها أَمْرُنا (٢) لَيْلًا أَوْ نَهاراً فَجَعَلْناها حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ (٣) كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ (٤) لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ [يونس: ٢٤].
المغريات كثيرة من مال وبنين، وصنوف مأكل ومشرب وملبس، ولكن سريعا ما تنقضى وتزول بهجتها ومناظرها الخادعة، وتنهار أمام أعين من يعرف حقيقتها، بذهاب رونقها وبهائها، فهذه الدنيا بما فيها من زينات ومتع شبيهة بحال تلك الأرض التى أرسل الله عليها المطر، فأنبتت ما يسرّ الناظرين، ثم نزلت بها جائحة من السماء،
стр. 215
فأهلكتها قبل الانتفاع بها، وتحول النبات النضر مهشوما تفرقه الرياح كأن لم يكن، وكان الله على كل شىء مقتدرا، فهو القادر على الإحياء والإفناء، والكل بيده، وإليه
المصير.
أمثلة شاخصة ناطقة تعرض نماذج أولئك الطغاة الذين يظلمون أنفسهم، وينقضون عهد الله من بعد ميثاقه بتوحيده وشكره وطاعته، وتذكره فى كل حين، فهذه هى سمات المؤمن الحق، إن أصابته نعماء شكر، فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر، فكان خيرا له، أما من ينسى الله فى وقت النعمة، والراحة، والطمأنينة، ولا يذكره إلا فى وقت الشدة والضيق ووقوع المصائب، فلن تكون حاله إلا حال ذلك النبات الذى صار هشيما تذروه الرياح بفقدان عمله، وضياع ثوابه، وذهاب أجره يوم القيامة.
٥ - قال الله تعالى: اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكاثُرٌ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَباتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطاماً وَفِي الْآخِرَةِ عَذابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانٌ وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ [الحديد: ٢٠].
سبقت هذه الصورة الموضحة لحقيقة الدنيا، وما بها من مظاهر الغرور بآيات تبين مواقف جديرة بالإعجاب والتقدير، وأخرى لا ينال أصحابها إلا الخزى، والعذاب المهين.
أما مواقف التقدير، فينالها الذين استجابوا لدعوة الله فى الإنفاق فى سبيله، وبذل المال عن طواعية ورغبة فى الأجر من الله، ذلك الأجر المضاعف فى ثوابه ونعيمه، ولأولئك الذين آمنوا بالله وبما أنزل وأرسل، ثم جاهدوا فى الله حق جهاده، وفى سبيل نشر كلمة الله منهم بذل، وعقيدة، وتضحية نفس متكاملة فى إيمانها لا تغتر بما فى الدنيا من مغريات المال، وحب النفس، والشهوات والتفاخر بالأهل والعصبية واللهو والزينة واللعب.
أما الذين كفروا بربهم وكذبوا بآيات الله، فقد حرموا هذه المنزلة التى ساقها الله فى أول الآيات، ولا منزلة لهم إلّا فى الدرك الأسفل من النار، ملازمون لها، لا ينفكون عنها بحال.
إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ
стр. 216
كَرِيمٌ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ [الحديد: ١٨، ١٩].
جاءت آية التصوير للدنيا وما بها من غرور، تحمل فى ثناياها الترغيب والتحذير، فهى توضح لنا مظاهر الاغترار بالدنيا، فمتاعها غرور لا حقيقة له، إن اطمأن بها الإنسان، وجعلها ذريعة للآخرة، ومثلها فى ذلك مثل ذلك المطر الذى يعجب الزارع، والذى أنبت نباتا كثيرا استطال حتى نضج، ثم ما لبث أن اصفر وأخذ فى الجفاف، ثم صار هشيما متكسرا، لا يبقى منه ما ينفع، وفى الآخرة عذاب شديد لمن آثر الدنيا، وأخذها بغير حقها، ومغفرة من الله ورضوان لمن آثر الآخرة على الدنيا.
وقال ابن كثير: ضرب الله المثل للحياة الدنيا فى أنها زهرة فانية، ونعمة زائلة بالمطر الذى يأتى بعد قنوط، فيعجب الزارع نبات ذلك الزرع الذى نبت بالغيث، كذلك تعجب الدنيا الكفار، فإنهم أحرص على كل شىء فيها.
ومن خلال هذه الأمثلة العديدة التى ذكرت للدنيا التى تغرر بالإنسان بما فيها من لهو، ولعب، وزينة، وتفاخر بالأنساب والأحساب وكلها على خلاف ما يعتقده الإنسان الجاهل، قوى ضعيفة لا تسانده مساندة حقيقية.
إنما العاقل الراشد فى تفكيره هو الذى يعمل لآخرته، كما يعمل لدنياه، وأن يفهم حقيقة ما يدعو إليه من عدم التكالب على حطامها، والتفانى فى جمع المال، حتى لا يكون ذلك سبيلا إلى التقاطع والتباغض بين الناس، فمن يغرق فى حاضره ويغفل عن الآخرة، تصدق عليه الآية الكريمة: إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا وَرَضُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا وَاطْمَأَنُّوا بِها وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آياتِنا غافِلُونَ أُولئِكَ مَأْواهُمُ النَّارُ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ [يونس: ٧، ٨].
وهو ولا شك يغرر بنفسه، ويجلب عليها المتاعب بفعل ما يتسم بالتهور، والاندفاع، والطيش، وينقلب الأمر إلى حسرة، وندم كفاقئ عينيه عمدا، فلا يبصر طريقا، ويندم حيث لا ينفع الندم.
أما قصة ذلك المثل العربى، فكما ترويها كتب الأدب، تتلخص فى أن رواية الشاعر:
الفرزدق، قال: أتتنى النّوار زوجة الفرزدق، وقالت: كلم هذا الرجل أن يطلقنى، فأتيت الفرزدق، وقلت: يا أبا فراس، إن النوار تطلب الطلاق، فقال: ما تطيب نفسى حتى
стр. 217
أشهد الحسن، فأتى الحسن بن على، رضى الله عنه، وقال: يا أبا سعيد، اشهد أن النوار طالق ثلاثا، قال: قد شهدنا.
قال: فلما صار فى بعض الطريق، قال للنوار: طلقتك؟ قالت: نعم، قال: كلا، قالت: إذن يخزيك الله ، يشهد عليك الحسن وصحبه، فترجم، فقال:
ندمت ندامة الكسعىّ لمّا ... غدت منى مطلقة نوار
وكانت جنتى فخرجت منها ... كآدم حين أخرجه السرار
فكنت كفاقئ عينيه عمدا ... فأصبح ما يضئ له النهار
ولو أنى ملكت يدى وقلبى ... لكان علىّ للقدر الخيار
وما طلقتها شبعا ولكن ... رأيت الدهر يأخذ ما يعار
٦ - قال الله تعالى: مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلى شَيْءٍ ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ [إبراهيم:
١٨].
أتى المثل القرآنى عقب آيات فضحت موقف أولئك الكفار، الذين ناصبوا الإسلام العداء، وظلموا رسول الله ﷺ وصحبه، ولم يتقبلوا دعوة الحق، بل
عاندوا، فهؤلاء ينتظرون يوما شديدا يتجرعون فيه كأس المهانة والذلة، ولا يستطيعون له دفعا، فهو يوم القيامة بما فيه من عذاب غليظ نتيجة أعمالهم السيئة والظالمة.
وقد عبرت الآيات عن هذا كله تمام التعبير فى قوله تعالى: وَاسْتَفْتَحُوا وَخابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ مِنْ وَرائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقى مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَما هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ [إبراهيم: ١٥ - ١٧].
أما ما كان لأولئك الكفار من أعمال تبدو فى ظاهرها خيرة وصالحة، فيوضحها المثل القرآنى الذى أتى؛ ليبين لنا حقيقة هذه الأعمال، وأنها لا قيمة لها ما لم تكن مستندة على باعث نبيل يدفع إليها من إيمان، وعقيدة صحيحة، فهؤلاء الذين يعبدون غير الله، ويكذبون الرسل، ثم يقومون بأعمال فى ظاهرها الخير، والمنفعة، والعمل الصالح، تضيع كلها سدى، ولا ينتفع أصحابها بشيء من نتائجها التى تشبه ذلك الرماد الذى تنثره الرياح فى اليوم العاصف فى كل مكان، فلا قيمة لهذه الأعمال التى قاموا بها فى دنياهم ما لم تستند إلى إيمان حقيقى بالله، وبموجد هذا الكون، والتطابق بين
стр. 218
الظاهر والباطن هو دعوة الإسلام الحقيقة، ولذلك فإن أولئك الذين تعبر عنهم الآية القرآنية الآتية: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ وَإِذا تَوَلَّى سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ [البقرة: ٢٠٤، ٢٠٥]، لا مكانة لأولئك الناس الذين لهم ظاهر يغرى، وباطن يؤذى، وكلاهما من الضلال البعيد، كما عبرت الآية فى المثل القرآنى.
٧ - قال الله تعالى: وَسَكَنْتُمْ فِي مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنا بِهِمْ وَضَرَبْنا لَكُمُ الْأَمْثالَ [إبراهيم: ٤٥].
سيق هذا المثل فى جو يبرز موقف الكافرين الذين ظلموا الرسول، فلم يؤمنوا بما جاء به، وظلموا أنفسهم، فألقوا بها فى المهالك جزاء عنادهم وإصرارهم على الباطل، ومتابعة الشيطان، فالله ليس غافلا عما يفعل الظالمون، وسيكون لهم ذلك الجزاء الذى يتناسب مع أعمالهم فى يوم تشخص فيه الأبصار، مهطعين مقنعى رءوسهم، لا يرتد إليهم طرفهم، ويتملكهم الفزع والرعب، ولا يستطيعون لهذا العذاب دفعا، حتى أنهم يتجهون إلى الله بالدعاء أن يكتب لهم حياة دنيوية أخرى يصلحون فيها أحوالهم، ويتبعون الرسول، ولكن هيهات، فقد بان منهم الكفر، وظهر منهم العناد، ووضحت حقيقتهم فى معارضتهم لآيات الله، واعتقادهم بأنه لا قدرة لأحد على إماتتهم، وأن دنياهم هى آخر المطاف، فلا رجعة مرة أخرى، ولا حياة ثانية يؤمنون بها.
كل ذلك تناولته الآيات القرآنية، وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّما يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصارُ مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُؤُسِهِمْ لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنا أَخِّرْنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ ما لَكُمْ مِنْ زَوالٍ [إبراهيم: ٤٢ - ٤٤].
هذه الآيات مهدت لما يأتى فى المثل، فهى تجعل اللاحق كالسابق فى اعتقاده، وموقفه، وعقابه؛ لأنه ارتدى ثيابه، وسلك طريقه، وأخذ بتعاليمه، وصد صدوده، وسكن فى مساكنه.
فهذا المثل يضرب لكل طاغ ومتجبر يسكن مساكن الظالمين، الذين ظلموا أنفسهم وغيرهم، فكانت عاقبتهم الهلاك، ومع ذلك لا تؤثر فيه تلك الآثار الباقية التى تتحدث
стр. 219
عن أولئك الهالكين وتاريخهم، فلا يتعظ ولا يعتبر.
يضرب الله المثل بما حل بالأمم السابقة، وبما أنزل عليها من عقاب جزاء كفرانها بآيات الله، وبما أرسل من رسل، فظلموا أنفسهم وعرضوها لعذاب الله فى الدنيا بتلك النقمات التى حلت بها، وبما أنزل عليها من عقاب، حتى صارت إلى ما صارت إليه.
ومع ذلك لا يجد فيها أولئك المشركون بالله فى عهد الرسول ﷺ ما ينذرهم ويخوفهم، أما كان الأجدر بأولئك المشركين أن يجدوا فى ذلك درسا لهم واعتبارا بما حدث؟ إنه أمر لا يحتاج منهم إلى كثير تفكير، وإعمال عقل، فهم ولا شك خلفاء للسابقين الذين كانت لهم تلك الديار التى لحقها الدمار والهلاك، وسيكون المصير هو المصير، والعقاب هو العقاب، ولكن هل من معتبر؟.
تحذير وتخويف يأتى به المثل لمن سبق، ويأتى به أيضا لمن لحق، ولمن سيأتى بعد ذلك.
إن يد الله غالبة، وليس فى مقدور أحد مهما طالت قوته، أن يفلت من عقاب الله، وأن العذاب لكل كافر لاحق مهما اختلف نوع الكفر، وكثر النسيان لما أوجد الله من نذر، ودروس تفيد من له مسكة من عقل، وقدرة على التفكير، والنظر فى العواقب، وما لنا لا نتعظ ونحن نرى فى كل يوم أناسا على آلة حدباء محمولين، يطويهم الثرى، وتغمرهم مياه البحار والمحيطات، وتنزل بهم صواعق السماء، وبراكين الأرض، وأمراض العصر الظاهرة والمستترة، وما يجدّ من أشياء تغيب عن العقل، ولا يستطيع لها فهما أو تعليلا.
ويكفى أن يردد المرء قول الله مالك الملك، ومدبر الأمر: وَسَكَنْتُمْ فِي مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ [إبراهيم: ٤٥].
سكن واقتداء بالظالمين، وظلم للنفس، ومكر، وجهالة أدوات للتعطيل، والتعرض للهلاك، يقوم بها ذلك الإنسان الغائب عن وعيه، السادر فى أخطائه، فكيف يكون المصير؟ وَما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ إِذا تَرَدَّى [الليل: ١١]، صدق الله العظيم.
الإنفاق فى سبيل الله:
لم تحظ دعوة بعد دعوة التوحيد بمثل ما حظيت به تلك الدعوة البناءة للمجتمع الإسلامى، أفرادا وجماعات، دعوة أخذت بحجزه عن الوقوع فى الهاوية والانهيار، فى
стр. 220
وقت اختلت فيه الموازين، وتفشت فيه عوامل الفساد فى كل شىء، فى معتقداته، فى اقتصادياته، فى طبقاته، فى نظمه وعاداته.
وإذا رجعنا إلى التاريخ السحيق قبل بعثة الرسول، ﵊، وفى أيام بعثته، وجدنا دولا كبرى تتمثل فى فارس والروم، ووجدنا أنظمة رأسمالية بشعة بكل طغيانها وتحكماتها، واستغلالها لكل جهد وحق، وإهدارها لكل قيمة من القيم النبيلة فى سبيل تحقيق أهواء حكامها، وشهوات أصحابها، ونظرتهم الطبقية المهينة، كما نجد فى صفوف هذه المجتمعات أيضا طبقة العبيد الذين يكدون ويكدحون، ويحرمون من أجورهم، فلا حق لهم فى مال، ولا حق لهم فى تملك، وإنما إذلال لآدميتهم وكرامتهم، واستغلال بشع لجهدهم وجهدهم، وحرمان من التملك الذى هو سمة المخلوق البشرى الذى خلقه الله وميزه على بقية المخلوقات.
وشبيه بتلك المجتمعات الكبرى المجتمعات العربية، وما بها من أوضاع لا تختلف عن تلك الأوضاع السيئة المزرية، ففيها الإقطاع بكل صوره وأشكاله، الطبقات من سادة، وأشراف، وعبيد، وألوان، وقبائل، وحضر، وبادية، أدت كل هذه الاختلافات إلى تباين شاسع يعيش فيه المجتمع العربى، ويمزق صفوفه، ويسرع إلى انهيار بنائه.
لذلك ساءت فيه أوضاع القوم، ولم يبق إلا ذلك البصيص من النور الذى يشع فيضعهم على الطريق، ويأخذ بأيديهم على أول درجة من درجات الفهم الواعى لروح الدعوة المنتظرة، دعوة السماء إلى الأرض، دعوة الإسلام، بدأ ذلك بتلك الدعوات السماوية التى أرادت أن يكون بناء تلك الأمة الجديدة بعيدا كل البعد عن روح التكليف والفرض والإلزام، وهى أمور يأنف منها الإنسان، أى إنسان، فما بالك بالعربى الذى يجد حريته وتحقيق وجوده فى الانطلاق فى أرضه وسمائه، دعوات إلى الحب والتآلف، وهو الهدف الأول للدعوة الإسلامية، أن توجد روح المحبة فى النفوس، وتؤلف بين القلوب برباط متين لا تنقضه الأيام.
لذلك كانت الدعوة إلى البذل والعطاء، والإنفاق فى سبيل الله، تتكرر فى كثير من المواطن، وتتفق فى روحها وأهدافها، وتثير فى المؤمن دوافع الشفقة، والإحساس بما يفرضه الواجب عليه حيال غيره فى المجتمع والأمة، وحيال الأفراد والجماعات، السبل كثيرة، وتبقى أن تلتقى معها النفوس الكثيرة أيضا فى إنفاقها وبذلها، وكل ما يعلى من
стр. 221
شأن الأمة، ويؤدى إلى نفعها، فهو أمر من الله، وفى سبيل الله، من إعداد جيش، وعتق رقاب، ونشر دين، ومقاومة لظلم، وإنشاء مدارس، وملاجئ، ومستشفيات، ومؤسسات تخدم المجتمع ... إلخ.
إنفاق خالص لوجه الله، لا يحدد بكم، ولا توضع له مقاييس، إلا ما يضعه المؤمن لنفسه، وما يتفق مع رغبته المحبة للخير، المتعاونة على الحق، والقاضية على تلك الرواسب القديمة التى حملها ذلك الجيل من ماضيه، فى أحقاده وكراهيته، والإنسان الذى يبخل بماله أو يكنزه، إنما يؤدى إلى تعطيل الحياة، فالمشروعات التى تخدم المجتمع والكثيرة التكاليف إنما تحتاج إلى مال سائل يساعدها على النهوض والكمال، وحبس المال إنما هو تعطيل لتلك المرافق أن تقوم بدورها، لذلك كانت الآيات القرآنية:
وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها فِي نارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوى بِها جِباهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هذا ما كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ [التوبة: ٣٤، ٣٥].
استجاب المؤمنون لهذه الدعوات، وتلاقت مع نفوسهم وقلوبهم المحبة للخير، والبذل، والعطاء، فكانت تلك النماذج الرائعة من الصحابة الذين بذلوا كل مالهم فى سبيل الله، فقد رأينا عثمان بن عفان، رضى الله عنه، يجهز جيش العسرة من ماله، ورأينا غيره ينفق ماله فى سبيل إطعام الجياع عام الرمادة، ولكن قد تضن بعض النفوس بمالها، وتبخل بالعطاء، فالإنسان خلق قتورا، ولذا فقد فرض الله الزكاة التى تؤخذ من مالهم وترد على فقرائهم بطريقة معينة لا تنقص أبدا، ولا يكمل إيمان الفرد إلا إذا أعطاها وقدمها.
فرضها الله فى الأموال، والزروع، والثمار، وفى الغنم، والماشية، وفى الذهب، والفضة، وجعل لذلك أنصبة معلومة، وعاقب من قصر فى أدائها، بل لقد حارب أبو بكر الصديق، رضى الله عنه، المرتدين الذين أنفوا أن يخرجوا الزكاة، واعتبروها جزية، حاربهم وقضى على المانعين لها؛ لأنها ركن من أركان الدين، وهى طهرة للمال، تنفى خبثه، وتعين على بناء الحياة والمجتمع، وهى حق للفقراء والمحرومين، لذلك كانت فرضيتها إيذانا ببداية جديدة لمجتمع جديد متماسك، كل فرد فيه له حقوقه قبل الآخرين، وليس لأحد أن ينفرد بشيء لا يعطى حقه للحاكم وولى الأمر.
стр. 222
وبذلك الطريق الذى رسمه الله استقام أمر الجماعة المسلمة، ونجح المؤمنون فى إقامة ذلك الصرح المشيد الذى قاوم الطغاة والبغاة، وكانوا رسل هداية وإنقاذ للمحرومين والمستعبدين فى مشارق الأرض ومغاربها.
ولم يتأخر بنا الزمن، ولم تضع فرص الحياة الناجحة أمام أعيننا إلا حين فرطنا فى أداء الواجبات التى أتى بها القرآن الكريم، وتراخينا فى القيام بتكاليف الله وأوامره وأركانه كما يجب أن تكون.
إن الله بما فرضه من فرائض، وبخاصة الجوانب المالية والمادية التى يلتزم بها المؤمن، لا يقصد إلى التضييق على النفس، ولا تعذيب الإنسان، وإنما هو اليسر كما قلنا سابقا، والنظرة إلى الجماعة التى تحتاج إلى كل لبنة صالحة فى هذا المجتمع، ومن هذه المتطلبات الصغيرة التى يخرجها المسلم من ماله وزرعه، إنما
يتكون ذلك الصرح الكبير الذى لا يهتز ولا تضطرب أركانه أمام أحداث الدهر.
ولننظر إلى هذه الآيات فى مواطنها العديدة، والتى تعطى صورة حية مؤثرة فى نفس المؤمن، آيات حوتها أمثال قرآنية عالجت أمور المال، وكيف يستغل، وكيف يخرجه المؤمن؟ وأثر ذلك فى الدنيا والآخرة.
١ - قال الله تعالى: مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ [البقرة:
٢٦١].
جاء المثل القرآنى عقب آيات تبين موقف إبراهيم، ﵇، الإيمانى من ربه، يطلب منه المعرفة؛ لأنه مصدر المعرفة فى اليقين، معرفة كيفية إحياء الموتى، ولم يكن ذلك عن شك فى الإمكانية، أو زعزعة فى العقيدة، وإنما لزيادة الطمأنينة فى القلب المؤمن.
وهكذا يكون المؤمن فى كل مواقفه، يطلب الزيادة والطمأنينة فى العقيدة، والتثبت من الفكرة الصالحة التى تعود على صاحبها باليقين والثواب العظيم.
وما حب الإنسان للمعرفة، والعلم، وزيادة اليقين، إلا طريق للفضل، وزيادة الثواب، قال الله تعالى فى هذه الآيات: وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى قالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَ
стр. 223
إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [البقرة: ٢٦٠].
ثم أتى المثل الذى يعالج حب المال، وكيف يكون هذا الحب طريقا أيضا إلى زيادة الفضل والثواب، فقد طبع الإنسان على حب المال، وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ [العاديات: ٨]، ولذلك تتحكم فى نفسه شهوة الشح به، والضن عن الإنفاق، وتتحكم فيه الأنانية، والمصلحة الخاصة، فيبخل ويحرم نفسه من ذلك الثواب الذى أعده الله، ووعده به فى دنياه وأخراه.
وقد صورت الآية القرآنية هذه النزعة الشحيحة فى قوله تعالى: ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّما يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَراءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ [محمد:
٣٨].
والإنسان مع هذا الشح والبخل، فقير إلى الأجر والثواب، وبحاجة إليهما، كما هو بحاجة إلى المال، وحاجته إلى الأجر والثواب أكثر، لذلك كانت الدعوة إلى الإنفاق، وما يترتب على ذلك من مضاعفة الأجر فى تلك الصورة المشرقة التى عرضتها الآية القرآنية: مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ [البقرة: ٢٦١]، فتلك الأموال التى تنفق فى سبيل الله، وفى سبيل مرضاته، لن تضيع هباء، بل ستكون مضاعفة الأجر والثواب حسب قوة الإيمان فى صاحبها، وحسن نيته، وعمق إخلاصه، كتلك الحبة التى بذرت فى أرض خصبة، فتأتى بتلك الغلة المضاعفة.
لا حرج على الله فى أن يضاعف الأجر حتى على الشيء القليل، ففضله واسع الرزق، عليم بنوايا المنفقين، ويعطيهم أجورهم حسب إخلاصهم، ومن يبدأ الطريق فله أجره، وأجر من يستن بسنته، لا ينقص ذلك من أجورهم، كما قال رسول الله ﷺ ، وليس هناك من عاقل يسمع هذه الدعوة ولا يبادر إلى مصلحة نفسه بالأجر المضاعف فى دنياه، والثواب العظيم فى أخراه، ف لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ [آل عمران: ٩٢]، وكما قيل فى المثل العربى: رب زارع لنفسه حاصد سواه.
فالإنسان الجدير بهذا الاسم لم يخلق لنفسه، وإنما خلق لينفع نفسه وينفع غيره ممن يعيش معه أو يأتى بعده بأوجه النفع العديدة، من مال، وعلم، وخلق، والعمل الصالح
стр. 224
يصل من صاحبه إلى الآخرين، فيتأثرون به، ويقتدرون، ويعملون، وقد عبر عن ذلك رسول الله ﷺ فى حديثه عن الجليس الصالح: «إما أن يحذيك، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد ريحا طيبة».
وهكذا كانت الحكمة الإلهية من وراء الزكاة المفروضة لإعادة الاعتدال إلى تلك المجتمعات الخربة، التى تبدو فى تفاوتات عجيبة، ومستويات متناقضة، تئن من كثرة ما بها من أمراض اجتماعية واقتصادية.
إعادة التوازن فى هذه المجتمعات لا يكون إلا بالعطاء الناجم عن الاقتناع، والبذل للحق المعلوم الذى فرضه رب العباد، وهو العالم بالحقائق، الخبير بما يصلح البشر، ويزيل ما بها من أحقاد وكراهية قد تؤدى إلى أوخم العواقب، من قتل، وحروب، وصراعات عديدة، تأكل الأخضر واليابس.
٢ - قال الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى كَالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوانٍ عَلَيْهِ تُرابٌ فَأَصابَهُ وابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ [البقرة: ٢٦٤].
الجو العام للآيات السابقة للمثل هو الدعوة للإنفاق فى وجوه الخير، وفى سبيل الله، وبذل المال، وإعطاء المحتاجين، وإخراج حق الله فى هذا المال الذى أنعم به على الإنسان وجعله مستخلفا فيه، يخرجه عن طيب نفس، وغير مقرون بمنّ يضيع من ثوابه، أو أذى يؤلم نفس الآخذ، وفى ذلك الثواب العظيم من الله ، ولا خوف على المنفق من ضياع مال فى الدنيا، أو حرمان من ثواب الآخرة، بل فى هذا العمل سرور نفس، وطمأنينة قلب، ورضا عن الفعل والعمل، وخير للإنسان الذى لا يملك ما يقدمه أن يرد ردا جميلا، فلا يلفظ بما يجرح كبرياء الإنسان، أو يهين كرامته.
قال الله تعالى: الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ ما أَنْفَقُوا مَنًّا وَلا أَذىً لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أَذىً وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ [البقرة: ٢٦٢، ٢٦٣].
يعرض المثل القرآنى صورة تلك النفس الإنسانية التى تصدر أعمالا خيرة، وتبذل المال، وتنفق الكثير، ثم تتبع ذلك بما يطفئ نور العمل الذى قدم، بقول خبيث، ولفظ جارح، وعمل سيئ، يذهب الثواب، ويضيع الأجر، فالمرائى وما ينفقه كمثل ذلك
стр. 225
الحجر الناعم الذى يتراكم عليه تراب ناعم، ثم ينزل عليه مطر شديد أذهبه، ولم يبق منه شيئا، فالمراءون لا يستطيعون الحصول على شىء من ثمرة إنفاقهم إذا أصابهم غضبه تعالى، أو أحبط أعمالهم، كما لا يستطيع الحجر إمساك ما عليه من التراب إذا أصابه مطر.
ما المقصود من الصدقة ؟
أن ينظر فيها إلى صالح الفرد، فتخفف من بؤسه، وتعالج من حاله، وترفع من معنوياته، وتقضى عنه حوائجه التى يحتاج إليها كما ينظر فيها إلى صالح المجتمع والأمة بتحقيق المصالح العامة، والمشاركة فى المشروعات الخيرية التى يعود نفعها على الجميع، بذلك يكون المتصدق قد أصاب الهدف، وحقق الغرض، أما إذا كان يبغى من وراء ذلك المراءاة للناس، وطلب السمعة الحسنة بين الآخرين، بأنه رجل محسن، وصاحب فضل، أو يلحق ما أنفق إيذاء لمشاعر الآخرين الذين قدم لهم معروفا، فمثله فى عدم انتفاعه بما عمل، بذلك الحجر الأملس إذا كان عليه شىء من تراب، ثم أصابه مطر غزير أزال عنه ما أصابه، فعاد أملس كما كان. وكذلك الذى يتبع ما أنفق بالمنّ والأذى، أو المرائى بعمله، قد وضع نفسه موضع المهانة وغش نفسه، وأظهرها على غير حقيقتها، ولا ينتفع بشيء من صدقاته، بل يجلب المقت لنفسه من الناس، والذم من المجتمع، وضياع الثواب فى الآخرة.
وهكذا يكون الجزاء والثواب، أو العقاب والحرمان، بمقدار النوايا الطيبة، والرغبات الصالحة، ولن يجنى الإنسان من عمله إلا ما عمل، والعاقل من يحذر تعريض نفسه لمواقف يجد فيها حطا لكرامته فى دنياه، أو يطأطأ الرأس أمام من يملك عليه أمره، ويحصى عليه هفواته.
٣ - قال الله تعالى: وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصابَها وابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَها ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [البقرة: ٢٦٥].
فى الآيات السابقة ظهرت موبقات العمل الصالح، وعوامل محقه من رياء أمام الناس، وطلب للسمعة، ومنّ بتعداد النعم التى قام بها للمنعم عليه، وأذى من لفظ جارح أو قول غليظ يؤلم النفس ويجرح الكرامة، وفى هذا المثل المكمل تجرى تلك
стр. 226
الموازنة والمقابلة بين حالتين: سابقة ولاحقة، ففي هذا المثل نرى كيف يحفظ الثواب لصاحبه، ويدخر له فى دنياه وآخرته، لا يضيع عليه شىء من عمله وجهده.
عرض المثل صورة للمخلص فى صورة ناطقة بالعمل، والخير، والأمل، والإنتاج، صورة تلك النفس الخيرة التى تبذل ما بيدها، وتنفق ابتغاء مرضاة الله، ودليلا على تمكن الإيمان من القلب هذه النفس التى استكملت عناصر نجاحها مادة وروحا، كتلك الجنة التى استوفت كل عناصر الخصب، والحياة، والجمال، فى موقعها الفريد، ووفرة المياه، وما بها من شمس، وهواء، وشجر، ثم نزل عليها مطر شديد، فأدى ذلك كله إلى ثمار مضاعفة، وخير كثير، فالجنة تثمر كثيرا، قلّ المطر أو كثر، وهكذا نفقات المخلصين تنمو عند الله العليم بدوافع كل ذلك من إخلاص فى النية، ورغبة فى النفع، قلّت هذه النفقات أو كثرت، وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ، فهو عليم بمن خلصت قلوبهم فى الصدقة، فلم تبتغ رضا أحد غير الله تعالى، فيجازيها على إخلاصها واحتسابها الخير لوجه الله.
٤ - قال الله تعالى: أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ لَهُ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ وَأَصابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفاءُ فَأَصابَها إِعْصارٌ فِيهِ نارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ [البقرة: ٢٦٦].
صورة مكملة للصورة السابقة، وتمثل نهاية النفقة، والصدقة التى اتبعت بالمنّ والأذى أو بالمراءاة، تلك النهاية التى هى المحق الكامل حتى لم يبق من أثرها شىء يفيد صاحبها، فأصبح عاجزا لا يجد ما يستند إليه فى موقفه، فهو شبيه بذلك الشيخ الفانى الذى كبرت به السن، واحترقت جنته التى يعتمد عليها فى معاشه، وكبرت عياله، وقلّ كسبه، فلا يملك من إنتاجها شيئا.
موقف مؤلم لذلك الذى قدم الحسنة، وأتبعها بما يمحقها، كتلك الجنة التى أتى عليها الإعصار بناره المحرقة، فى وقت الحاجة إليها، ولا يستطيع لذلك دفعا، أو لها إنقاذا.
وقد يكون المحق فى الدنيا، فالذى ينفق ماله يكون له من الجاه والسلطان، ما يرفع من مكانته فى مجتمعه، ويفتح له الأبواب المغلقة، ويقضى مصالحه المادية والدنيوية، فإذا ذهب ماله، ذهب جاهه، واحتاج إلى ما غرست يداه، فيحول دون ذلك ما كان له من منّ ماحق، أو أذى، أو رياء، فيحرقها.
стр. 227
وكذلك عاقبة أهل الرياء والمن، تبديد للجهد، وضياع للثواب، وشعور بالندم، والحسرة على ما فات.
والجدير بالمؤمن الخائف من ربه أن يقدم لغيره ما يحفظ عليه كرامته فى دنياه وأخراه، فلا ينطق إلا صدقا، ولا يقدم صالحا. والسخاء الحقيقى ما خلص من تلك المعكرات، والشوائب التى تضيع الثواب.
والسؤال الذى يطرح نفسة الآن: كيف يستثمر المؤمن أمواله؟
إن الدعوة للإنفاق، والعطاء، وفرض الزكاة فى أموال الأغنياء لتعطى لفقراء المسلمين، وأصناف المصارف التى حددها القرآن الكريم، كل ذلك ليس سبيلا إلى السرف والتبذير وتضييع المال، وإنفاقه فى وجوه غير مشروعة، وتبديد له فى غير فائدة، وإنما ذلك يعتبر نوعا من الاستثمار المحقق الفائدة، الذى يعود على صاحبه بالخير والفائدة، فالمال ينمو بالزكاة، ويسجل لصاحبه الأجر فى الدنيا والآخرة، وهذا نوع من الجزاء لن يتحقق فى أى لون آخر من ألوان التبايع والشراء.
ولكن أيكتفى بهذا العطاء القاصر على إخراج حق معلوم للسائل والمحروم؟ أو يمكن أن يضاف إلى ذلك مصارف أخرى تحقق فائدة أعم وأشمل؟.
إن مقتضيات الأحوال الآن قد اتسعت فى احتياجات أفرادها، وإسهام رءوس الأموال فى تهيئة الوسائل التى تعجز الحكومات عن الوفاء بها، لضيق إمكاناتها المادية، وعجز مواردها عن تلبية رغبات الناس، وما يجدّ من أمور فى الحياة.
إن نظرة واعية لما يكابده المجتمع من أزمات اقتصادية، واجتماعية، وصحية، تلقى على عاتق كل مسئول أن يكون إيجابيا بكل ما تحمله الكلمة من معنى، فالمسئولية ليست قاصرة على الحاكم ومن يشغل المناصب المسئولة، وإنما يتعدى ذلك إلى النظرة الشاملة التى حددها رسول الله ﷺ فى حديثه: «كلكم راع، وكل راع مسئول عن رعيته»، فصاحب المال راع، ومسئول عن تصريف ماله واستثماره فى وجوه تعود بالنفع على نفسه وعلى مجتمعه الصغير والكبير، فالإسهام فى إعداد المشافى، وتهيئة الأماكن والأدوية؛ للقضاء على الأمراض المتفشية فى المجتمع، والقيام بدور إيجابى فى تعليم الأمة، والقضاء على الأمية، وكذلك مساعدة الحكومة فى مشروعاتها الكبرى التى تعجز عن القيام بها بمفردها، إنما هو نوع من الاستثمار المطلوب فى المال الذى وضع
стр. 228
بين أيدينا، وتحملنا أمانة إنفاقه فى الوجوه المشروعة.
إن مجالات الاستثمار عديدة، ويستطيع كل صاحب مال أن يقدم الكثير من الفكر البناء الذى يطور المجتمع، ويقدم المال الذى يقضى على البطالة المتفشية فى المجتمع، ويهيئ المجال للسواعد الفتية أن تعرق فى استصلاح الأرض، والقضاء على الإدمان، وحل أزمة الإسكان، كلها استثمارات تنبثق من روح الدين، وتتفق مع أهدافه ومراميه، وتتمشى مع حاجيات المجتمع، وتقتدى بما فعل الصالحون من آباء لنا وجدود، عرفوا حق الله، وحق العباد، وحق النفس، فأعطوا لكل ذى حق حقه.
٥ - قال الله تعالى: مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ فِي هذِهِ الْحَياةِ الدُّنْيا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ أَصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [آل عمران: ١١٧].
سيق هذا المثل بآيات تعرض لنا حال من سبقنا من أمم سارت على النهج، فكان منهم من يتلو آيات الله، ويؤمن بالله واليوم الآخر، ويأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، ويسرع إلى عمل الطاعات، فكل هذه الأعمال التى قاموا بها، لها أجرها وثوابها عند الله ، وهناك أقوام آخرون لا يرتفعون إلى مستوى أولئك السابقين فى جهادهم، وأعمالهم الصالحة، مع تشابههم فى امتلاك المال، وكثرة الأولاد، والتمتع بأطايب الحياة وما فيها، ولكن الطريق يختلف، والنفس غير النفس.
قال الله تعالى فى حق الفريقين السابقين: لَيْسُوا سَواءً مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ آناءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَأُولئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ وَما يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ [آل عمران:
١١٣ - ١١٦].
ثم يأتى بعد ذلك المثل القرآنى، ليعرض حال أولئك الكافرين الذين كانوا حريصين على أموالهم، وأولادهم، وحياتهم، وأنفقوا بعض أموالهم فى الخير، بحال تلك الريح ذات الصر المهلكة للزرع، فهم لا يستفيدون منها شيئا، وليست مانعتهم من الله، وهم أصحاب النار، وكل الذى بذلوه من مال وأنفقوه، إنما ذهب أدراج الرياح وهلك،
стр. 229
فليس له أثر، حتى ولو أنفق فى مجال الخير.
ومن المفسرين من جعل هذا فيما ينفقونه فى عداوة النبى ﷺ ومقاومة دعوته، سواء كان المنفقون هم مشركى مكة، أو اليهود، أو المنافقين، رياء أو تقية، وقد وصف الله هؤلاء الذين أهلكت الريح حرثهم بأنهم ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ عقوبة لهم؛ لأنهم اختاروا لأنفسهم الضلال، أو إفادة أن المنفقين لا يستفيدون شيئا؛ لأن حرث الكافر يذهب، ولا منفعة له فيه فى الدنيا والآخرة، بخلاف حرث المؤمن، وبذلك يتقرر أن لا جزاء على عمل، وأن لا قيمة لعمل إلا إذا ارتبط بمنهج الإيمان، أو باعثه الإيمان.
وهناك شىء آخر نستفيده من هذا المثل القرآنى، أن الكوارث والمصائب قد تحل بأموال الناس من إهلاك حرث، أو فقدان نسل، عقوبة على ذنوب اقترفوها، أو نتيجة لأسباب خلقها الله بحكمته تبعا لارتباط الأسباب بالمسببات، مثل ما حل بالسابقين من طوفان مغرق، ونار محرقة، وإهلاك بالجراد، والقمّل، والضفادع. حقا وَما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [آل عمران: ١١٧]، صدق الله العظيم.
ومن هذا التتابع فى الآيات القرآنية نرى احتفال القرآن بالجانب المادى الذى ينفع الفرد والمجتمع، والحياة بكل متطلباتها، فالقرآن قد نزل لبشر فيهم القوة والضعف، والغنى الفقر، وذلك ليتسامى بهم عن شهوات النفس ولذائذها إلى ما هو أسمى، من جعل المال فى خدمة الإنسان، وتحرير الإنسان من ربقة المال.
والإيمان بإله واحد، يستلزم بأن الكون له قواميس ثابتة، وأن البحث وراءها يؤدى إلى الإيمان بالقدرة الإلهية المسخرة لهذا الكون، والخضوع لكل ما يأمر به الله من أوامر لصالحه، فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ وَما أَدْراكَ مَا الْعَقَبَةُ فَكُّ رَقَبَةٍ أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيماً ذا مَقْرَبَةٍ أَوْ مِسْكِيناً ذا مَتْرَبَةٍ [البلد: ١١ - ١٦].
وقد كان أصحاب محمد ﷺ فيهم الأغنياء والفقراء، جمعتهم معا آصرة الأخوة، يؤاكلونهم ما يأكلون، وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ [الحشر: ٩] على حين كان معسكر قريش على خلاف ذلك، واشتد الصراع بين المعسكرين حتى كانت النصرة للدين الجديد الذى لا يعترف بالتفرقة، أو التمييز لأحد على آخر إلا بمقياس التقوى والعمل الصالح.
ونزلت فى ذلك المعسكر القرشى وزعمائه آيات القرآن الكريم: أَرَأَيْتَ الَّذِي
стр. 230
يُكَذِّبُ بِالدِّينِ فَذلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ الَّذِينَ هُمْ يُراؤُنَ وَيَمْنَعُونَ الْماعُونَ [الماعون: ١ - ٧].
ونزلت سورة: تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ ما أَغْنى عَنْهُ مالُهُ وَما كَسَبَ سَيَصْلى ناراً ذاتَ لَهَبٍ وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ فِي جِيدِها حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ [المسد: ١ - ٥].
عرفت قيمة المال الحقيقية عند أصحاب محمد، فاستخدم فى وجهه الأمثل لنفع الحياة، وتسيير الدعوة، والأخذ بيد الفقير والمحتاج، حتى أن الغنى منهم كان يخرج من ماله ما يكفى لسد حاجة جيش يتأهب للغزوة، كما فعل عثمان، رضى الله عنه، فى جيش العسرة، وكذلك غيره من نماذج الصحابة.
أما تلك النماذج الباهتة، والواهية، الفارغة البال من هموم الناس، من أمثال القرشيين الذين ضنوا بمالهم، وحسبوا أنه طريقهم إلى الخلود، والبعد عن العذاب، وكثير غيرهم ممن هم على شاكلتهم فى العصور المتتابعة، وفى عصرنا الحاضر وفيما سيأتى، فهؤلاء قد حرموا لذة الاستمتاع بالنعمة حينما تبل ظمأ عطشان، أو تسد حاجة فقير، أو تستعمل فى عمارة مسجد، أو تعليم طفل، أو إقامة مبنى، أو زراعة أرض، أو إنفاق فى جهاد فى سبيل الله، وكل هذا مسارب حقيقية تنساب إليها نعم الله على عباده، فتقيم الحياة الخصبة التى يجب أن يحياها المؤمن.
بتلك الدعوات التى ترغب فى الخير وتدعو إليه، وتعمل من أجله، وتبصر بالطريق إلى تحقيقه فى الحياة من كلمة طيبة، وعمل مثمر بناء، وجهاد فى سبيل الحق ونصرته على الباطل وشياطينه، والتزام بالصبر، وتحمل للإيذاء فى سبيل الفهم لحقيقة هذا الوجود، ولطبيعة النفس المؤمنة.
وكذلك التحذير من السير فى طريق الباطل، وضياع الأعمال، والخداع بمغريات النفس من شهوات، وأموال، ولهو، ولعب، ولجوء إلى الظالمين، والسلوك مسالكهم فى تيارات الحياة المختلفة.
كل ذلك عرضته الأمثال القرآنية فى تعددها وتنوعها، وكل هذا من أجل الإنسان المؤمن، والحياة الإسلامية الحقيقية التى يدعو إليها الإسلام، كحياة جديرة بالنفع والاستمرار حتى يأذن الله، حياة قائمة على أسس فاضلة من التعاون والتآزر بين الكبير
стр. 231
والصغير، والغنى والفقير، والقوى والضعيف، وتضامن فى جميع الأوقات والأزمات على مستوى المجتمع والعالم الإسلامى، فلا تكون هناك دولة فقيرة ترزح تحت نير الجوع، والحرمان، والفاقة، والعوز، وأخرى تنعم بطيبات الحياة، وما بها من ترف وتخمة فى المأكل والمشرب والمسكن.
أفلا نتعلم من طريق رسول الله ﷺ فى أول درس له فى بناء المجتمع الفاضل قائم على التقوى والإيمان؟. ألا نرى كيف استلب الأحقاد من الصدور، والغل من القلوب، وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ [الحشر: ٩].
تطبيق جدير بالالتفات والأخذ، يقوم على المال وتثميره، وإنفاقه فى وجوه الخير، وإبعاده عن المظالم وما تجره من طحن للناس واستبعاد لأجسامهم وجهدهم.
هذه هى دعوات الإسلام إلى إنفاق المال واستغلاله، والترغيب فيه، والتحذير من مغبات الشح والبخل، وإلقاء النفس فى المهالك.
النفس الإنسانية:
لكل شىء خلقه الله حكمة من وراء وجوده، وقد تظهر هذه الحكمة أمام تفكيرنا وأعيننا، وقد تغيب عن أبصارنا وعقولنا فترة من الزمن، ثم تبدو بعد ذلك، فلم يخلق الله الكون عبثا أو لهوا، حاشا لله، وإنما خلقه لحكمة أرادها، وغاية قصدها، وكذلك لم يخلق الإنسان ليكون كبقية مخلوقاته الكثيرة فى أرضه وسمائه، وبحاره ومحيطاته، وهوائه وسحابه، وشمسه وقمره، وأفلاكه وملائكته، وإنما خلقه ليحقق هدفا إليها، وغرضا عبرت عنه الآيات القرآنية: وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ [الذاريات: ٥٦ - ٥٨].
بتلك القوة القادرة، القاهرة، الخالقة، وبتلك الإرادة الإلهية خلق الإنسان ليعمر الكون، وليكون خليفة له فى أرضه، يعمرها، ويحيا على ظهرها، ويقوم بعبادته وطاعته لله، استجابة لأوامره، واستغلالا لما خلق الله فيه من عقل مميز.
هيأ الله لهذا الإنسان الأسباب الكثيرة التى تحقق هذه الحكمة، وتمهد لها، فخلق مع الإنسان الضعيف الجسم أسلحة الحياة التى تمكنه من التغلب على وحوشها الضارية، وأحجامها الكبيرة، أسلحة وأدوات، ووسائل تميزه على بقية المخلوقات التى تقابل
стр. 232
صعوباتها بمخلب وناب، وتتغلب على أزماتها بحجم ومنقار، فإذا تشابه فى تلك الحواس الظاهرة التى تتمتع بها كل المخلوقات من حواس السمع، والبصر، والشم، والذوق، والجسم، فإن طريقة استخدام هذه الحواس، وحسن استغلالها فى تحقيق أهدافها، مما يميز الإنسان عن غيره.
فالعين تبصر وتؤدى وظيفتها فى رؤية الأشياء بالنسبة لكليهما، ولكن أن تكون طريقا إلى الهداية والاستدلال وتنمية العقل، فهذا مما كرم الله به الإنسان، وجعله محلا للتكليف، وكذلك الأذن تؤدى عملها فى السمع، وقد تكون الحيوانات أقوى سمعا، ولكن أن تكون طريقا إلى العلم، والمعرفة، فهذا مجال آخر جعله الله سبحانه من
خصائص الإنسان، وقد يختلف فيه إنسان عن آخر مما يدل على قدرة الله.
وهكذا فى بقية الحواس والوظائف المتشابهة، أسلحة وأدوات، ولكنها فى جانب الإنسان لها وظائف أخرى تعلو فوق الحاجة المادية إلى الجوانب الروحية والعقلية التى بها يتسامى على غيره، وتجعله مناطا للتكليف وعمارة الكون، لذلك فالتشابه الظاهرى ليس هو المقياس الحقيقى للتمييز، وإنما فيما يكمن وراءه من انطباعات، وآثار، وهدايات.
يقول الله : وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ [الأنعام: ٣٨].
نعم أمم لها خصائصها، وذواتها المستقلة التى تكتب التمييز لفريق على فريق فى مظاهر عديدة من حيث الشكل، والتكوين، والقوة، والخصائص، ومنها الإنسان الذى يدب على الأرض، خلقه الله فى أحسن تقويم من الخلق والخلق، والتكوين النفسى والعقلى، ليتحمل مسئولية الحياة الحقيقية، وحمله أعباء الأمانة التى عرضها عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا [الأحزاب: ٧٢].
ظلم الإنسان نفسه، فقد حرمها من أداء مهمتها فيما خلقت من أجله، وما هيئت له من تحقيق الكرامة لها، والفوز بالسعادة الروحية، وسلامة الاعتقاد، وذلك بأعماله وسلوكه فى الحياة، ذلك السلوك والعمل الذى جانب الصواب، وكذلك ظلم غيره من الذين تحملوا أداء الرسالات والدعوات الصالحة من أنبياء ورسل، فلم يستجب لهم،
стр. 233
وأنكر دعوتهم، ووقف أمامهم موقف المحارب والمعاند لرسالتهم، وبهذا الظلم الذى بدر منه لنفسه ولغيره كان معول هدم لهذه الحياة التى أوجدها الله، وأراد لها البقاء إلى حين، فما الظلم إلا أداة للتنابذ والتباغض، وتفكك المجتمع، ويؤدى إلى خراب العمران.
وفوق ظلمه هذا، فهو جاهل بمكانته، ودوره فى الحياة وبنائها، وما هو مطلوب منه، كى يحيا تلك الحياة السعيدة عن طريق حسن فهمه، وبصره بمستقبله، واعتباره بما حدث، ويحدث له ولغيره فى ماضيه وحاضره، وجاهل أيضا بتلك الحكمة من وراء وجوده، وبما خلقه الله من أجله.
هذا هو الإنسان الذى هو محور الحياة، ومن أجله أرسل الأنبياء والرسل، ومن أجله جاءت الآيات القرآنية تشيد به، والأمثال تناولته فى عقيدته، وسلوكه، وعلاقاته، وحربه، وسلمه، وبقى علينا أن نعرض لبعض هذه الأمثال التى تناولت تلك النفس الإنسانية لنجلوها، ونكشف عما تخبئه هذه النفس من حقائق وراء مظهرها، وما لها من اتجاهات ونزعات، ورؤيتها لحقيقة نفسها وغيرها فى الحياة.
إن الرؤية القرآنية فى مجالات الأمثال التى تعرضها، وفى كثير من المواطن، لا تمثل هذه النفس الإنسانية فى موطن واحد، وسبب معين، وإنما تشرح هذه النفس وتصورها فى جميع أوقاتها، وفى كل حالاتها ماضيا، وحاضرا، ومستقبلا، وهذا سر إعجاز القرآن، ودلالة آياته البينات.
١ - قال الله تعالى: مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ [البقرة:
١٧، ١٨].
هذا المثل القرآنى من جملة آيات كريمة نزلت فى سورة البقرة، وهى سورة مدينة، وأطول سور القرآن الكريم، وقد تناولت أمور التشريع، والدعوة إلى توحيد الله، وتعرضت إلى ما فى القرآن من إعجاز، وما يرد من نسخ، ثم تكلمت السورة عن أحوال السابقين من أنبياء ورسل من لدن آدم، ﵇، وخصت بنى إسرائيل بكثير من الآيات التى تناولتهم فى معاملاتهم لموسى، ﵇، وطريقة تفكيرهم القائمة على اللجاج، والمجادلة، والمكر، والخداع، كما ذكرت الكثير من قصص بنى إسرائيل.
стр. 234
وأفاضت السورة فى تناول التكاليف الشرعية والفرائض التى فرضها الله على أمة محمد، ﵊، من صلاة، وصيام، وحج، ومعاملات ...
إلخ، وقد أفردت بالذكر فى آيات الربع الأول النفس الإنسانية التى نحن بصدد تشريحها وتعريفها من خلال هذا المثل القرآنى.
قسمت هذه النفس إلى أنفس ثلاث، كما ذكر ذلك صاحب تفسير المنار:
(أ) نفس مؤمنة: أخلصت فى إيمانها بالله الواحد الأحد، وكان لها من صلاح العقيدة، وشفافية الروح، وما تجنى من طمأنينة نفس، وعمل صالح، واستقامة على الطريقة، وأخذ بسنة الأولين من السلف الصالح، واستغلال لإمكاناتها وطاقاتها فى الاهتداء لداعى الإيمان، والفهم الواعى، والعلم المستنير، بكل ما دعا إليه الدين من الإيمان بالغيب، والقيام بأداء الشعائر، والإنفاق فى سبيل الله، والتطبيق لأحكام الله، أتاها القرآن الكريم بالدين القيم، والهداية التى عمل بها الأولون، فكانت لهم طريق نجاح فى حياتهم العملية والإيمانية، وانتصروا على أنفسهم وعلى أعدائهم، وطهرت نفوسهم من الشرك، وعادات الجاهلية وتقاليدها.
(ب) نفس كافرة جاحدة: عاندت وأصرت على الكفر بالله، وبما أرسل من كتب وأنبياء، وألغت وظيفة حواسها، كما ألغت عقلها فى الفهم عن الله، وابتعدت عن طريق الحق، وأظهرت العصيان لله، وتمردت عليه، فلم تستجب لدعوته.
طريقان مختلفان، ومسلكان متناقضان يمثلان تلك النفس الإنسانية بالنسبة لدعوة الحق جل وعلا، مؤمن وكافر، يمين وشمال، كل فريق يجد جزاء عمله فى دنياه وفى أخراه.
ويبقى بعد ذلك ما بين الطريقين والمسلكين من اتجاهات تميل مع هذا مرة، ومع الآخر مرة أخرى، وهذا هو ما أتى المثل القرآنى ليعرضه أمام أعيننا، وليبسط حقيقته، فهو ما تحار العقول فى فهمه، وما يلتبس على الجميع شكله ومظهره، ويبدو على سطح الحياة متحكما فى سيرها، متقلبا فى أوضاعها المختلفة، حقيقة هذه النفس الملتوية التى كانت وما زالت وستظل أشد خطرا على المؤمنين فى كل وقت وحين، وعلى كل دعوة بناءة، وأمام كل إصلاح طريق هدم وتعطيل، يسلط المثل على هذه النفس الضوء ليحذر المؤمنين من أعمالهم التى تهدف إلى تخريب المجتمع، فَاحْذَرْهُمْ قاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى
стр. 235
يُؤْفَكُونَ [المنافقون: ٤].
أتى القرآن الكريم بسورة كاملة، وهى سورة المنافقون، تظهر سوأة أولئك المنافقين فى عهد النبوة والوحى ينزل من السماء ويكشف أسرارهم.
ماذا قالت الآيات السابقة لهذا المثل؟
قال الله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ يُخادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَما يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْذِبُونَ وَإِذا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قالُوا إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلكِنْ لا يَشْعُرُونَ وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَما آمَنَ النَّاسُ قالُوا أَنُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ وَلكِنْ لا يَعْلَمُونَ وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ [البقرة: ٨ - ١٦].
هذه هى الآيات التى عرضت حال أولئك القوم، وأظهرت حقائق نفوسهم المريضة، فما سماتها؟
(أ) التظاهر بالإيمان مع كفرهم.
(ب) اعتقادهم بأنهم يخادعون الله ويخدعون المؤمنين بأعمالهم ومظهرهم، والله يفضح كيدهم.
(ج) تغلغل النفاق فى قلوبهم، وهو مرض لا يرجى معه شفاء، وعقابه شديد يوم القيامة.
(د) ادعاء الإصلاح والصلاح مع إضمار خلافهما.
(هـ) التعالى على المؤمنين والتكبر عن مجالستهم والغرور بالنفس.
(و) التظاهر بالإيمان أمام الناس، والانضمام لأعداء الله فى السر.
(ز) النفاق تجارة خاسرة لا تنفع صاحبها فى الدنيا ولا فى الآخرة.
هذه صفات النفس الملتوية التى استحبت العمى على الهدى، وأتاها القرآن الكريم
стр. 236
بالدين القيم، فاستوقدت النار، فما أضاءت لها نور الحياة ونور البصيرة، لم تنتفع بها، فعاقبها الله عقابا شديدا.
ذهب الله بنور أولئك المنافقين الذى طلبوه، ثم تركوه وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ [البقرة: ١٧] جزاء إعراضهم عن النور.
تركهم فى ظلمات نفوسهم المريضة بالنفاق، والبعد عن روح الدين، وإيذاء الجماعة بما يقذفونه من طعن فى الدين والأعراض، وظلمات حياتهم التى تضيق بهم، وتجعلهم فى قلق وخوف، وظلمات عقولهم، فلا يهتدون إلى صواب فى فهم آيات الله، والإحاطة بأسرارها، والعمل بموجباتها التى تحقق السعادة الدنيوية والأخروية، ظلمات بعضها فوق بعض، وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ [النور: ٤٠] فهم لا يبصرون شيئا من أسرار الحياة وعوامل النجاح فيها بعد أن حرمهم الله من النور الذى أعطاه للمتقين الذين فازوا برضا الله، ونزهوا قلوبهم ونفوسهم من النفاق والتبعية وعادات الجاهلية الأولى.
إن أمثال هؤلاء فى حياتنا ومجتمعاتنا الحاضرة لكثير، ممن فقدوا نور الهداية الدينية، وحرموا من الاهتداء بها، واستطاعوا بما أوتوه من أساليب خادعة أن يتسلقوا زمام الأمور، وأن يؤثروا فى مجرى الحياة، وأن تكون لهم كلمة مسموعة فى دنيا الناس والأحياء.
هذه صورة لأولئك المنافقين الذين كانوا يمثلون دورا تخريبيا فى المجتمع الإسلامى الجديد، وقد أعطانا المثل القرآنى والآيات السابقة ملامح أعمالهم، واتجاهاتهم فى تقويض دعائم الدعوة الجديدة، وتتضح الصورة أكثر وأكثر حينما تتم الآيات القرآنية فى ذلك المثل اللاحق، لتكتمل هذه الصورة فى ذلك التصوير المبدع فى قوله تعالى.
٢ - قال الله تعالى: أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ يَكادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [البقرة: ١٩، ٢٠].
فى هذا المثل تشبيه معجز لأولئك المنافقين الذين سيطر عليهم القلق والاضطراب، واستبدت بهم المخاوف والحيرة من الأمر، فهم حينما يلتقون بالمؤمنين يطلبون الهدى
стр. 237
والنور، وحينما يلتقون بإخوانهم شياطين الإنس، ينكصون على أعقابهم عما طلبوا فجأة، ويرجعون إلى الظلام والضلال.
صور متعددة تتابعت لتكشف خبيئة تلك النفوس التى تعيش فى جحورها، ثم تنفث سمومها، وتبث دعايتها ضد كل دعوة صالحة تختبئ وراء ما يخدع من لسان معسول، وكلمات تنم عن خداع وحقد، يجد متنفسه فى إثارة الأحقاد والكراهية فى صفوف المجتمع، وتمزيق أواصر العلاقات بين الأفراد والطوائف بالكلمة الخبيثة التى ينطق بها: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ وَإِذا تَوَلَّى سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ وَإِذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهادُ [البقرة: ٢٠٤ - ٢٠٦].
وقد اهتدى صاحب تفسير المنار إلى رأى من القول قال فيه: إن هذا المثل يمثل من بقى له بصيص من النور، فله نظرات تهديه أحيانا، وتصل به إلى فهم معانى الآيات
بالفطرة، أو الاستدلال بالحوادث للنظر فيما بين يديه، ولكنه تسيطر عليه دواعى التقليد والبدع، فيعيش فى ظلمات حوالك يخبط فيها، ويسمع قوارع الإنذار، ويرى نور الهداية، فإذا أضاء ذلك البرق سار، وإذا انصرف عنه بشبه الضلال قام وتحيّر، ويعرض عن دعاة الحق، ونذر الكتاب، فهو يضع إصبعيه فى أذنه، حتى لا يسمع نصح الناصح، يخاف من تلك النوازع أن تقتله.
ولكن أهذه صورة النفس الإنسانية المقبولة؟! إنها صورة مريضة لنفس تعيش فى الحياة ولها دورها، ولا يمكن إهمال ما تقوم به من أعمال ماكرة، وإلا ضاع المجتمع وأهله، وما كانت هناك صراعات أو حروب أو دعوات صالحة لبناء المجتمع.
بجوار هذه النفس نفوس أخرى صالحة توجهت إليها الآيات والأمثال القرآنية بالنداء والأوامر، كى تنفق وتبذل المال، والجهد، والدم، فى سبيل الدعوة، وفى سبيل الحياة، وقد تعرض الباب السابق لكثير من هذه المظاهر المعطاءة التى تقدم القليل، ويكون لها الكثير من الأجر والجزاء، وتبذل العلم والمعرفة، ويكون البناء للنفس والأمة، وتعطى ما لها من جهد ودم فى سبيل المحافظة على العقيدة، والدفاع عن الدين، ويكون لها كرامة الاستشهاد، وجزاء ذلك فى وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ
стр. 238
أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [آل عمران: ١٣٣، ١٣٤].
صفات تلك النفوس المخلصة التى تستوجب التقدير، وتحظى بالاحترام، وتعطى مثالا للنفس السوية التى لم تشبها أمراض النفاق، ولم تدنسها أرجاس الشرك، وعرفت ذاتها، وصدقت فى حياتها، فكانت عماد الحياة، وأمل المستقبل، وحامل لواء النهضة والتقدم فى كل عصر.
بناء الشخصية الإسلامية:
تسعى جميع الهيئات والأجهزة التى تتولى أمر الإرشاد والتوجيه، والتربية والتعليم، فى كل زمان ومكان، إلى تحقيق هدف سام نبيل، وهو العمل على بناء الشخصية المتميزة للفرد والمجتمع.
وتختلف فلسفة بناء هذه الشخصية تبعا لما يحكم المجتمع من أنظمة اقتصادية، أو سياسية متباينة، وتظهر الفروق الكثيرة فيما نجده من وسائل التوجيه، أو طريقة التعليم والتربية فى ناتج هذه الفلسفات، أو المتمخض عن نزعاتها، وآرائها، وكلها آراء واتجاهات إذا كتب لبعضها التوفيق فى تحقيق هدف، أظهرت قصورا وفشلا فى آخر، وبذلك كانت سمة هذه الاتجاهات الحاجة الملحة إلى التغيير والتبديل فى كل خطواتها، وعلاج ما تجد من عثرات فى تطبيقاتها، وإصلاح القصور فى نظرياتها.
وكل هذا لأنها استمدت نورها وضوءها من إشعاعات فكر قاصر، وتقليد ممسوخ لنظريات وأفكار قديمة لا تراعى مصلحة الفرد، ولا مصلحة الجماعة، ولا ترضى جوانب الشخصية الكاملة من إنماء للشعور، وتوجيه للسلوك، وتربية للعقيدة والوجدان، وتنظيم للفكر.
ولماذا نطلق القول فى هذا وأمامنا ما يحدث فى تلك الدول العظمى، وبخاصة ما نراه فى الدول الاشتراكية فى وقتنا الحاضر، تحولات خطيرة تشهدها تلك المجتمعات التى قامت على فلسفة اشتراكية، عجزت عن إرضاء حاجة الإنسان الضرورية، وابتعدت عن الجوانب الروحية التى تميز الإنسان عن غيره من بقية المخلوقات، فإذا استطاعت أن ترضى حاجة الجسم الشهوانية من مطعم، ومأكل، وملبس، وقليلا ما يحدث هذا، بدليل ما نراه الآن من أحداث هروب جماعية من دولة اشتراكية إلى دولة غربية النظام، من
стр. 239
ألمانيا الشرقية إلى ألمانيا الغربية، وتغيير النظام فى بولندا على انقاض الحزب الشيوعى الذى أسقطته الجماهير، وكثير من الأمثلة على هذا الواقع المرير الذى تعانيه تلك الدول التى أهملت الجانب الإنسانى فى الإنسان، وما يجب أن يتميز به من حرية وإرادة وعقيدة.
تنذر هذه الأحداث بانهيارات متوقعة لتلك الأنظمة العفنة التى قامت على أسس خاطئة من التربية والتوجيه، وحضارات هذه الدول حضارات هشة تعمل على أن تهيئ للإنسان كل وسائل الترفيه والتقدم المادى، ولكنها ترهقه روحا ونفسا، وتحرمه من كل معانى الاستقرار النفسى، وتجرده من القيم الموروثة التى تصله بالحياة والناس.
وما يحدث فى هذه المجتمعات يحدث نظيره كذلك فى المجتمعات الرأسمالية التى تقوم على إعطاء الحرية المطلقة فى كل التصرفات، وطغيان رأس المال، والتفاوت بين طبقات الشعب تبعا للون والجنس والدين، وحضارات هذه الدول تقوم على مبدأ الصراع والتدافع فى سبيل الوصول إلى الغاية، وكل شىء يقيم بثمن وفائدة، وبذلك أصبح التعاون بين الناس ضربا من المساومة والخداع والمجاملة، ولا محل للتعاون والحب، وإنما يعيش الإنسان منقسما على نفسه، منفصما عن مجتمعه، لا يشعر نحوه بأية مسئولية، وساد التوتر والقلق، والإفراط فى المسكرات، وتناول المخدرات، كما كثر الانتحار والانحراف.
انحرافات فى اتجاهات متباينة ذات اليمين وذات الشمال، كان لها آثارها الضارة فيما يعانيه العالم الآن من أزمات اقتصادية، حيث تتحكم الدول الكبرى الغنية فى الدول الصغرى الفقيرة، بكثرة الديون، وازدياد الفقر، والمعاناة، والتخلف، وكذلك أزمات اجتماعية أدت إلى تفكك عرى المجتمعات، وتخلخل أنظمتها، وانحلال أخلاقها، وتفشى روح البطالة فى شبابها ورجالها.
ولم يكن حظ هذه الأنظمة الأخرى إلا مماثلا للأولى فى آثارها، وتوقعات أحداثها، وكثرة أضرارها، وأعانها على ذلك الترف المقيت الذى تعيش فيه شعوبها من جراء استعمارها لشعوب العالم القديم، وامتصاص خيرات هذه البلاد المستعمرة من قديم الزمان.
ولكن إذا نظرنا إلى الجانب الإسلامى من هذا المنطق المتجدد الذى ينطلق من
стр. 240
حاجيات النفس البشرية، ورغابتها، واتجاهاتها فى الحياة، وجدناه قد ربط بين هذه الجوانب التى تهيمن على الإنسان، ورغباته وانطلاقاته، برباط الوحدة، الوحدة فى المشاعر والسلوك، والعقيدة والعمل، الوحدة بين الإيمان القلبى والعملى، وقد ظهر هذا النموذج المثالى فى الإسلام، فكان الفرد والمجتمع وحدة واحدة فى التكاليف والمسئوليات، ومن مظاهر ذلك عبادة الله وحده، والاقتداء بفعل الله نحو عباده من رزق، ومغفرة، لأجل الفعل نفسه، لا لغرض نفعى.
وقد رسمت الآيات القرآنية المنهج القويم فى قوله تعالى: وَقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى تِلْكَ أَمانِيُّهُمْ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ بَلى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [البقرة: ١١١، ١١٢].
إسلام الوجه واستسلامه المعنوى والعملى لله الذى أوجد له العقيدة التى تصنع الحياة، والأجر مضمون لا يضيع عند رب العباد فى الدنيا والآخرة، والإسلام دين يزرع فى قلب المؤمن الإيمان بالله ويجعله على بصيرة من أمر دنياه وأخراه، ومتى آمن الإنسان بربه، وعرف حقيقة هذا الإيمان، وذاق طعم الطاعة، ازداد تمسكا به، وفهما لمبادئه القويمة التى سار عليه الرسول ﷺ وطبقها فى حياته وبين صحابته، حتى ينال رضا الله، ورضا الناس.
ونحن إذا أردنا أن نخطط لبناء هذه الشخصية الإسلامية، فإننا نعرض نماذج من الآيات القرآنية تحدد لنا طريقة هذا البناء، وما يجب أن يكون عليه، والإنسان يعرف طريقه من التقابل والموازنة فى المواقف، ومن النماذج التى تصور تفكيرا معينا، وآراء فى العقيدة والفهم للأمور.
قال الله تعالى: وَقالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ وَقالَتِ النَّصارى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتابَ كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ [البقرة: ١١٣].
هذه نماذج من التفكير السقيم، والآراء الفجة التى تدل على سفاهة وقصور، ومواقف لأناس اختلفت بينهم المشارب، وتباينت النزعات، فضلوا عن سواء السبيل.
نجد فى هذه الآيات أن كل فريق يطعن الآخر فى اعتقاده، وأنه ليس على شىء من
стр. 241
اليقين، وأن الدين الذى يعبده كل فريق ليس دينا حقيقيا يتعبد به، ويشترك فى هذا أهل الملل الأخرى، حتى مشركو قريش الذين وصفتهم الآية بأنهم لا يعلمون، فنفت عنهم العلم؛ لأن الأمية قد تفشت فيهم، وانتشرت الجهالة وسيطرت على أنفسهم وعقولهم، فلا يعلمون من حقائق الأمور شيئا، حتى عن الكتب السابقة والشرائع التى أنزلت.
لذلك فهو يشتركون فى هذا المعمعة، ويدفع الجميع تعصب لما يعتقد، وخرافات تتحكم فيهم، واعتقادات باطلة، وأنهم وحدهم الناجون من النار، ومن عذاب الله يوم القيامة.
يسجل الله على الجميع ما يقوله، ويحكم بينهم يوم القيامة، ويبطل ما لهم من دعاوى باطلة، فالدين واضح، والحق سبيله معلوم، لا يتعبد بأسماء ولا بألقاب، وإنما هو إيمان خالص، وعمل صالح، لا يدعو إلى تفرق فى دين، أو اختلاف فى أصول.
وإذا كانت الأهواء والنزعات قد طغت على أهل الكتاب فى تفكيرهم، فأعرضوا عن الإيمان بمحمد ﷺ ، وطعنوا فى هذا الدين الذى أتى به، وإذا كان هذا الطعن لا ينهض حجة على بطلان الدين الذى جاء به، فإن الآية تصورهم بأنهم لا يرضون إلا بمن يتبع دينهم، وكل فريق يخالف فهو فى النار وعلى ضلال.
هذا تفكير طبعوا عليه من قديم، حتى فى أيام أنبيائهم، ورسلهم، وجدالهم معهم، ويبدو هذا واضحا فى قصة بنى إسرائيل مع موسى، ﵇، حينما قتل واحد منهم، وأرادوا معرفة قاتله، فذهبوا إلى موسى، وطلبوا منه أن يدلهم على القاتل، فأمرهم بذبح بقرة، وأن يأخذوا جلدها، ويضربوا به القتيل، فيحييه الله تعالى، ويدلهم على قاتله، أمور واضحة لا تحتاج إلى لجاجة ومراجعة، ولكنهم أخذوا يسألون: ما لونها؟ ما عمرها؟ ما صفاتها؟ أسئلة، ولجاجة، والتواء فى التفكير لا تدل إلا على سوء طوية، وخداع.
وهو لون من الفكر المارق، كما يسميه الأستاذ أحمد بهجت، تحت عنوان: الفكر البقرى، نسبة إلى قصة البقرة، فكر ضال أخذ عليهم حياتهم، وسيطر على نفوسهم؛ كراهة الاهتداء، وعدوانا على الحق وأهله، ومن سماته الفجاجة، والالتواء الذى لا يعرف طريق الحق، وينحرف عن الجادة.
стр. 242
والآيات المعروضة تدعونا إلى العلم الذى يقوم على البرهان، والدليل، والتحرى فى الحكم على الأشياء، وتنعى على أولئك المقلدين الذين ألغوا عقولهم، وتحكم فيهم التعصب للرأى، واتباع الهوى، كما تبث فينا روحا تسمو على أى لون من ألوان التفكير الضال، أو التعصب المقيت، فالدين الإسلامى جاء بشريعة مكملة لتلك الشرائع، ولا تتناقض معها فى الأصول، وللإنسانية جمعاء، لا لشعب بعينه كما فى تلك الديانات السابقة.
وهناك جانب عقلى يرجع إليه كل عاقل فى المقارنة بين الأشياء والموازنة بين فريقين أو اتجاهين، وهو أنه لا مجال لإعطاء الحق فى الحكم على الأشياء لمن سبق على ما سيأتى؛ لأن ذلك ليس فى مقدور البشر الذى لا يعلم الغيب، ولا يدرك المستقبل، فهؤلاء السابقون لم يعاصروا الأحداث، ولم يشهدوها، فليس من حقهم الحكم عليها بالصواب والخطأ، أو الصحة والخطل، ولذا فلا يقبل فى حكم العقل أن يأتى أصحاب الديانات السابقة بآيات أو أدلة تحكم على ما سيأتى من أحداث وديانة أخرى.
أما الصواب من الرأى، فهو أن يكون العكس صحيحا، وهو أن القرآن الكريم وخاتم الديانات ينطق بالحكم والحق فى حق السابقين؛ لأن هذا الحكم قائم على التجربة والواقع، والفهم، والتطبيق، باعتباره شاهدا على الأحداث، فما يقوله الإسلام وما ينطق به محمد، ﵊، هو الحق بالنسبة لمن سبقه فى تبيانه لنفوسهم، وشرائعهم، وأحداثهم، وحكمه على كل ما بأيديهم من آيات وكتب سماوية سليمة من التغيير والتبديل والتحريف.
وما زال موقف أولئك المعاندين لشريعة الله وقرآنه، ورسالة محمد ﷺ يحتاج إلى توضيح من آيات القرآن الكريم التى لم يدخلها تحريف أو تبديل: وَقالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً سُبْحانَهُ بَلْ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ وَقالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ لَوْلا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينا آيَةٌ كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الْآياتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ [البقرة: ١١٦ - ١١٨].
مواقف أيضا يشترك فيها أصحاب الكتب السابقة مع مشركى قريش، فالأولون ينسبون إلى الله الولد، وهم يعلمون تمام العلم من واقع دياناتهم وكتبهم أن الله برىء
стр. 243
من هذا الذى ادعوه، وأنه واحد أحد، وله ما فى السموات والأرض يخضع لمشيئته، وإذا أراد شيئا كان بقدرته الفاعلة.
أما مشركو قريش الذين تحكم فيهم الجهل، وسيطر على نفوسهم جانب الغفلة، فقد أبانوا عن هذه الجهالة بتلك الاقتراحات الباطلة من تكليم الله إياهم، أو إنزال آية، تشابهت مواقفهم مع مواقف الأمم السابقة من اليهود الذين طلبوا من موسى، ﵇، أن يروا الله جهرة، فأخذتهم الصاعقة.
وهؤلاء الغافلون من أهل مكة أيضا يطلبون آية تشهد بنبوة محمد، أو يفجر الله لهم ينابيع الماء، إلى غير ذلك من تلك الخوارق المادية التى تدل على الجهل بالشرائع وبالكتاب، من هذه الاقتراحات ما يدل على إنكارهم لرسالة محمد واختصاصه بالوحى دونهم، ولم يكن ذلك إلا عن جهل وعدم معرفة بحقيقة أن الله سبحانه يختار لرسالته من يشاء، وأن الله أجرى على يديه آيات قرآنية، وعقلية، وكونية، عجز الفصحاء والبلغاء أن يأتوا بمثلها، ولكن هذا دأب الكافرين فى معارضة الحق.
لذلك ختم الله هذا المثل بقوله: قَدْ بَيَّنَّا الْآياتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ [البقرة: ١١٨]، والذين يوقنون هم من خلصت نفوسهم من شوائب الشرك والتقليد، والآراء الفاسدة، وتوجهت إلى طلب الحق فى الأمور الاعتقادية بالبرهان والدليل.
وبالإضافة إلى هذا الجانب الاعتقادى والعقلى الذى يتميز به المؤمن لكى يمارس دوره البناء فى الحياة كما يجب أن تكون، عليه أن يستفيد أيضا من تجارب الآخرين، وأن يتحمل بأساء الحياة، وما بها من سنن تجرى بقضاء الله وقدره، ومن انتصار مرة، وهزيمة أخرى، حتى يكون كأولئك الذين نصبوا أنفسهم للدفاع عن الدين إبان ظهوره، يتعلم منهم، فلا يقنط من رحمة الله إذا ألم به مكروه، ولا يحزن إذا نزلت به كارثة، فتلك الأيام نداولها بين الناس.
١ - قال الله تعالى: إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ [آل عمران: ١٤٠].
أتت هذه الآية عقب آية تنهى عن الجزع والحزن، والوهن الذى يصيب كل مهزوم، وذلك فى قوله تعالى: وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [آل عمران: ١٣٩].
стр. 244
فلا يليق بالمؤمن أن تتملكه هذه النزعات التى تتنافى مع كمال الإيمان، وروح الاعتقاد، بل هى من صفات أولئك الكافرين الذين تجردوا من الإيمان بالله، وتحكمت فيهم شهوات النفس وحب الدنيا، أما أولئك الأقوياء فى عقائدهم، فهم يستسلمون لقضاء الله وقدره إذا نزل بهم مكروه، ولا يجزعون من الأحداث التى تضعف النفس، فالله جلت قدرته قد حكم فى محكم قرآنه أن الغلبة والفوز لمن تمكن الإيمان من قبله، والذى يعمل من أجل الحق وإزهاق الباطل، فقال فى كتابه العزيز: كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ [المجادلة: ٢١].
ثم جاءت الآية الثانية: إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ [آل عمران:
١٤٠]، جاءت هذه الآية لتوجه البصائر إلى ما يقع فى الحياة من سنن الله، ولن تجد لسنة الله تبديلا، هذه السنن تحدث فى الحياة ومع الإنسان فى عاداته، وسلوكياته، وحروبه، ومواقفه المتعددة، سنن تجرى من الله جل وعلا لتكون فى جانب الحق تارة، ولتكون فى جانب الباطل تارة أخرى، ينتصر الإيمان فى معركة، وقد ينتصر الشرك فى معركة، فقد انتصر المسلمون فى غزوة بدر الكبرى على الرغم من قلة عددهم وعدوهم، وانهزم المشركون وقوى الباطل، ثم هزم المسلمون فى معركة أحد أمام الكفار.
كل هذه السنن تجرى تبعا لحكمة إلهية أرادها الله، وجعل لكل شىء سببا، فما كان من هزيمة المسلمين، إنما لأسباب عديدة، لا لنقص فى الإيمان، ولا لضعف فى العزيمة، ولا لغرور أصاب القوم، وإنما كان لمخالفة الجند لأمر القائد، وترك أماكنهم التى أمرهم رسول الله ﷺ بالبقاء فيها؛ لحماية جيش المسلمين والنّبل عنهم إذا تعرضوا لهجوم مباغت، وهكذا كانت النتيجة مترتبة على عمل من أعمال الإنسان، وليست بأمور خارجية عنه.
ولذلك جاءت الآيات القرآنية تعلم، وتظهر حكمة الله فى هذه الهزيمة التى لحقت بالمؤمنين فى هذه المعركة لتكون طريقا إلى العظة والاعتبار، ودرسا يستفيد منه كل من يبغى الفهم الحقيقى لجوهر الدين ومراميه، فإذا كان المسلمون قد هزموا فى معركة أحد، فقد هزم الكفار أيضا فى معركة سابقة، وأصابهم ما أصاب المسلمين من خسائر فادحة، وليس هذا الأمر صدفة وجزافا، وإنما لأسباب جديرة بالفهم والدرس، فالنصر يتحقق بالأعمال التى تحقق النجاح، والاستعداد، وجانب الحذر، والقيادة الحكيمة،
стр. 245
والارتباط العقدى بين الجنود ... إلخ، كل هذه الأمور التى تحقق النجاح والانتصار فى كل معركة من معارك الحياة.
وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ [آل عمران: ١٤٠]، حكمة الله التى تحتاج إلى وقفة ودراسة، وفهم: نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ لا فرق بين مسلم وكافر، ولا فرح مستمر، ولا حزن
مستمر، وإنما هى أحوال متغيرة من حال إلى حال، يحدث هذا فى الحياة بالنسبة للأفراد والمجتمعات والدول، وتظهر آثار هذا فيما نلحظه فى حياتنا الحاضرة من تقلبات وأحداث متغايرة فى كل ما يتعلق بأنظمة الناس وعاداتهم. وكما ظهرت هذه الحكمة الإلهية والاستفادة بثمارها فى الغزوات اللاحقة لغزوة أحد وما حدث فيها، فقد تميزت صفوف الجند فى الاستبسال والقتال من أجل الدفاع عن العقيدة، وتم بذلك إعداد الجماعة الإسلامية ذلك الإعداد الذى وقف على أبواب التاريخ يقرع أبوابه، ويدك حصون الباطل، ويقضى على أنواع الفساد نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ بما تحمله هذه الكلمة من ابتلاءات وامتحانات لقوى الصبر على الشدائد، وهى ولا شك طريق إلى تحقيق التوازن بين الناس، واستقرار النظام، وتحقيق العدل بين الدول، ويعلم الله الذين آمنوا، ويتخذ منهم شهداء فى ميدان الجهاد والقتال، أو شهداء يشهدون على الناس يوم القيامة بما عملوا.
هذا دور المؤمن، أما الكافرون فقد ظلموا أنفسهم وارتكبوا الموبقات، وساعدوا على الفساد فى الأرض، وانتشار البغى على الناس، وهضم الحقوق، فلا مكان لهم عند الله، حتى لو انتصروا فى معركة، فهو انتصار سريع الزوال.
وهكذا نتعلم من الحياة ومن سنن الله التى يجريها فى كونه وبين مخلوقاته، نتعلم الكثير من الدروس، فهذه الحياة تجمع الحلو والمر، والسعادة والشقاء، والعاقل من فهم هذا، وعاش أيامها، دون حزن وتنغيص، ويقبل ما بها من تناقضات، فلا يأسى على فقد إخلاص، ولا يحزن لضياع أمانة، ولا بدّ وأن يتحمل، فقد يجد من صديق طعنة، أو من يحسن الظن به غدرا، أو ممن يحب جفوة، فليس الجميع على خلق حميد، وطبع رضى، ففيهم العاقل والسفيه، والمخلص والعدو، وقديما قال المثل العربى: إن لم تغض عن القذى لم ترض أبدا.
وإذا كان هذا هو دور المؤمن فى استقبال الحياة والتغلب على مشقاتها، فإنه ولا
стр. 246
شك بحاجة ملحة إلى الحذر، والدهاء، والمكر، وكل ألوان الأسلحة التى تستخدم استخداما كريما فى مدافعة الحياة دون أذى أو إضرار بالآخرين، فهذه الصفات تكسب صاحبها تفوقا وتميزا على الآخرين، يكتسبها من ممارسة الحياة، ومخالطة الآخرين، وكثرة التجارب، مع يقظة فى العقل، ودقة ملاحظة للأمور، وبصر بالمواقف، بهذا يكون المؤمن عامل نفع فى الحياة لا معول هدم يلحق الأذى بالآخرين، ويضر نفسه ومجتمعه، كما كان يظهر سابقا فى أخلاق اليهود، وما لهم من كيد وتدبير جرّ عليهم الكثير من المتاعب، وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ [الأنفال: ٣٠].
مكر، ومكر موازنة، ونتيجة واضحة، وغلبة لله فى هذا الموقف، وهكذا كل موقف مشابه.
ويحضرنا فى هذا الموقف كيف تستغل هذه الصفات استغلالا طيبا تؤدى إلى النفع لأصحابها ولغيرهم، من شخصيات لها دورها فى المكر والدهاء فى تاريخنا العربى، تذكر كتب الأدب أن داهية من دهاة العرب وهو معاوية بن أبى سفيان، صاحب المقولة الشهيرة: لو كان بينى وبين الناس شعرة ما انقطعت؛ لأنهم إذا شدوا أرخيت، وإذا أرخوا شددت.
التقى وهو مؤسس دولة بنى أمية، مع قائده زياد بن أبيه، واليه على الكوفة، فى موقف فيه إرشاد وتعليم، فقد توفى المغيرة والى الكوفة، وخاف زياد أن يولى معاوية مكانه رجلا آخر يسمى عبد الله بن عامر، فأرسل إلى معاوية يخبره بوفاة المغيرة، ويشير عليه بتولية رجل آخر يسمى الضحاك بن قيس مكانه.
ففطن معاوية لما يدور فى خلد زياد، فكتب إليه: قد فهمت كتابك فليفرخ روعك (١) بالمغيرة، لسنا نستعمل ابن عامر على الكوفة، وقد ضممناها إليك مع البصرة. فلما ورد كتاب معاوية، قال زياد: النبغ (٢) يقرع بعضه بعضا.
٢ - قال الله تعالى: اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ (٣) فِيها
стр. 247
مِصْباحٌ الْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ الزُّجاجَةُ كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ (١) يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ (٢) يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ نُورٌ عَلى نُورٍ (٣) يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [النور:
٣٥] جاءت الآية السابقة لهذا المثل ممهدة لتوضيح حقيقة أن الله قد أنزل إلى المؤمنين آيات واضحات، مفصلات لكل حاجيات الإنسان فى حياته الدنيوية من شرائع، ومعاملات، وعقائد، ثم عرض الله سبحانه أمثلة لما حدث للسابقين فى مواقفهم من أحداث الحياة، ومن الرسل، وما حلّ بالمكذبين من عقاب، جزاء عنادهم وكفرهم وعدم استجابتهم للدعوات الصالحات التى دعو إليها، وما كان فى مقابل ذلك من مواقف لمؤمنين نعموا فى دنياهم بصفاء العقائد، والقلوب، والأرواح، وسعدوا بها فى معاملاتهم، كما سعدوا بها فى أخراهم بما حظوا به من رضا الله ، عليهم، وما أعده لهم من جزاء وفضل عميم.
وكل هذا الذى عرض مجملا فى آية واحدة إنما سيق ليكون طريق عظة واعتبار يهتدى به كل من يعبد الله، ويتقيه، ويؤمن بكل ما جاء من مثله على أيدى رسله، فالمؤمن هو حصيلة هذه الدعوات التى نزلت على رسل الله، والتى خصه الله بها وكرمه، من الله نور السموات والأرض.
وسورة النور قد حوت الكثير من أوضاع هذه النفس البشرية، وبخاصة المتدنية التى ترتكب الموبقات من قذف، وشهوة، وفاحشة، ووضعت لها الضوابط التى تقيم من عوجها، وتردعها حتى تعود إلى صفائها ونقائها، وتستعد لاستقبال النور الإلهى الذى يفيض فى الكون الكبير، أرضه وسمائه، ويسبح فيه، فتلتقى هذه النفس بمشاعرها بهذا النور فى ألفة ومعرفة وفرح؛ لأنها من خلق الله، وقد هيأها الله لتكون نقطة اتصال بين السماء والأرض عن طريق وحى الله الذى كرمها به، وجعلها أهلا لتحمل أمانته من رسالة، وإرادة، واختيار، وبذلك كان تمييزها، وتقديرها بهذا التصوير الرائع الذى عرضته الآية القرآنية.
стр. 248
فقد قال ابن كثير فى (ص ٦٠)، المجلد السادس من تفسيره: شبه الله قلب المؤمن وما هو مفطور عليه من الهدى، وما يتلقاه من القرآن المطابق لما هو مفطور عليه، فى صفائه فى نفسه، بالقنديل من الزجاج الشفاف، وما يستهديه من القرآن والشرع، بالزيت الصافى الذى لا تكدره كدرة.
والضمير فى قوله تعالى: مَثَلُ نُورِهِ يعود على الله ، أى مثل هداه فى قلب المؤمن كمشكاة، أو يعود إلى المؤمن الذى يدل عليه السياق، وتقدير الكلام: مثل نور المؤمن الذى فى قلبه كمشكاة.
ورأى صاحب الظلال: أن هذا النور، نور الله الذى لا ندرك كنهه، ولا حقيقته، ولا مداه، نور أشرقت به الظلمات، ويتجلى فى بيوت الله التى تتصل فيها القلوب بالله حين تذكره وتخشاه، فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ [النور: ٣٦]، فتلتقى مع النور المتألق فى السماء والأرض، مع قلوب الرجال الذين لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله.
ويقول الأستاذ أحمد بدوى (١): المراد بالنور هنا هو النور الذى يغمر القلب، ويشرق على الضمير، فيهدى إلى سواء السبيل، أو لا ترى أن القلب ليس فى حاجة إلى أكثر من هذا المصباح يلقى عليه ضوءه فيهتدى إلى الحق، وأقوم السبل؟
ثم ألا ترى فى اختيار هذا التشبيه إيحاء بحالة القلب، وقد لفه الظلام والشك، فهو متردد، قلق، خائف، ثم لا يلبث نور اليقين أن يشرق عليه، فيجد الراحة والأمن والاستقرار؟ فهو كسارى الليل يخبط فى الظلام على غير هدى، حتى إذا أوى إلى بيته، فوجد هذا المصباح فى المشكاة، وجد الأمن سبيله إلى قلبه، واستقرت الطمأنينة فى نفسه، وشعر بالسرور يغمر فؤاده.
وهكذا كان النور فى القلب، والفهم، والعقل، والعقيدة، والشرع، طريقا إلى الإيمان الصحيح الذى لا ينحرف ولا يضل، ويجد سبيله إلى الهدى والتطبيق فى الحياة العملية والروحية، وحتى يقضى على عوامل الشك، والكفر، والزيغ، والإلحاد، وبهذا النور تتحقق تلك الشخصية السوية الإنسانية التى ميزها الله ، وجعل الملائكة تسجد لها، وقال: إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ [البقرة: ٣٠].
стр. 249
نور يهدى ولا يضل، يرفع ولا يضع، يحقق للإنسان الحائر فى دنيا القلق، والتوتر، والمتاعب الصحية النفسية، والعقلية، والروحية، التى تأخذ بيده إلى مرفإ الأمن والأمان اللذين امتن الله بهما على قريش فى سابق عهدها: الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ [قريش: ٤].
إن ما يعانى منه العالم الآن هو الحرمان من الأمن والأمان، والخوف من التعرض للمحن التى تحمل فى طياتها الكوارث المخفية التى تلحق بالعالم، كوارث الحروب، والتلوث، والجوع، والتصحر ... إلخ، لذا فإن الدول تتسابق وتتعاون، وبخاصة تلك الدول التى تقدمت علما وتطبيقا فى إجراء بحوثها وتوجيه طاقاتها إلى بث الطمأنينة فى نفوس شعوبها، وتحقيق الطمأنينة النفسية بجانب الطمأنينة المادية من مأكل ومشرب ومسكن فى الحياة.
ولكن هل تنجح تلك الجهود فى تحقيق ما يريدون إلا على أشلاء شعوب أخرى ضعيفة عانت وتعانى من الظلم والإرهاب.
المنهج: مقدمة:
ماذا نقصد بالمنهج؟ أهو ما تعارف عليه الناس فى اقتصاره على ما هو مألوف وموضوع لتلك المواد والمقررات الدراسية التى يضعها المربون والأخصّائيون للمراحل المختلفة حسب السن؟ أهو ما يركز عليه ذلك المنهج العلمى من إعطاء المعلومة، والاهتمام بالتلقين، والحفظ، وتخزين المعلومات؟
كل هذا ليس بالوارد فى موضوعنا، وإنما نقصد ذلك المنهج الذى يبنى الحياة بكل متطلباتها، ويبنى الإنسان بقيمه وبثقافاته العديدة، ويحقق رسالة العلم الحقيقة، ويبتعد عن تلك الأطر الضيقة التى تهتم بمرحلة من العمر ضيقة، وتنسى المراحل الأخرى من العمر، وهى جديرة بالعناية والرعاية، حتى تكون مناهج مستوعبة، شاملة عامة، تخرج من حدود الزمان والمكان، ولا تهتم بجنس دون آخر.
إن هذا المنهج الذى نهدف إليه إنما يتحقق عن طريق رؤيتنا الواعية لمشكلات عصرنا، وإحاطتنا بكل احتياجات حياتنا، إن المنهج الذى نقصد إليه هو التربية الناجحة التى تهتم بالعلم وأساليبه من أجل تنمية الفكر والتفكير، وتشجيع المبادأة والإبداع، وإيجاد روح التنافس الشريف، والقدوة الصالحة فى المجتمع، وبناء الأمة على أساس من
стр. 250
المستقبل القائم على النقاء، والطهارة، والإيمان، والعمل، والعلم، وكل ما من شأنه تملك زمام النفس والحياة.
وإذا أردنا أن نخطط لبناء مجتمع أو أمة، فلن يكون الأمر إلا عن طريق بناء الفرد النواة التى يتكون منها ذلك المجتمع، وتكوين الوعى لدى جماهير الأمة يستحيل بناؤه بمعزل عن الدين، والفهم العميق له، ودوره فى التقدم، فإذا كانت المجتمعات الغربية قد أفلست فى الماضى عن أن تحقق نجاحا فى أن تتخذ من الدين وسيلة إلى النهوض والتقدم والرقى، فدفعها ذلك إلى تنحيته عن معارك الحياة، وإبعاد من اتخذوه سلعة وتجارة، فإن الدين الإسلامى ليس على هذا النحو، فهو الحياة بكل ما فيها من متطلبات، تعنى بشأن الفرد والجماعة، والأخذ بيد الإنسان كى يحيا حياته التى خلقه الله من أجلها، فالدين ليس حكرا على أحد، وليس نزعة للتسلط، وإنما هو أول مصدر من مصادر الوعى لدى الإنسان بحقيقة الحياة الكونية والاجتماعية، والمتمشى مع فطرته التى فطره الله عليها، يعدل من مساره ويتسامى بغرائزه، ولا يقف ضد حاجيات نفسه المادية، والروحية، والسلوكية، والنفسية، إلا بمقدار ما يوجه ويرشد.
لذا كانت لتعاليمه التى نزلت من أربعة عشر قرنا من الزمن، سمة الصلاحية والاستمرار، لا يدخلها تغيير أو تبديل، بخلاف ما نرى من نظريات تقوم العقول البشرية بوضعها لتنقذ الإنسان فى اعتقادهم من براثن الحياة، ومن شر ما يحيط به فى أجوائها تحت أسماء الاشتراكية أو الرأسمالية، إلى آخر ما يصنفون ويبدعون، ثم ما تلبث أن تتهاوى تلك النظريات بفعل التطبيق، وتظهر الأيام قصورها، وحاجاتها إلى التغيير والتبديل لتوائم الحياة بأحداثها ومتطلباتها.
رسالة الإسلام تحقيق الهداية للبشر فى اعتقادهم، وتوجيه حركة الحياة للفرد والجماعة، عن طريق ما تثبته من قيم نبيلة للأفراد والجماعات.
١ - قال الله تعالى: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها (١) فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ (٢) فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها (٣) وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ (٤)