← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 38014

في علوم القرآن دراسات ومحاضرات

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (332 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

وَالطُّورِ، وَالنَّجْمِ، وَالسَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ، وَالسَّماءِ وَالطَّارِقِ، وَالْفَجْرِ، وَالشَّمْسِ، وَاللَّيْلِ، وهكذا. ٥ - الاستفتاح بالشرط نحو: إِذا وَقَعَتِ الْواقِعَةُ، إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ، إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ، وهكذا. ٦ - الاستفتاح بالأمر مثل قوله تعالى: قُلْ أُوحِيَ، اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ، قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ، قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، وهكذا. ٧ - الاستفتاح بالاستفهام مثل قوله تعالى: هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ، عَمَّ يَتَساءَلُونَ أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ، وهكذا. ٨ - الاستفتاح بالدعاء مثل قوله تعالى: وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ. ٩ - الاستفتاح بالتعليل وقد ورد في موضع واحد هو لِإِيلافِ قُرَيْشٍ. وكل هذه الأنواع التسعة واضحة الدلالة. أما النوع العاشر فهو:

стр. 107

الاستفتاح بحروف التهجي يحتاج هذا النوع من الاستفتاح لأن نقف عنده وقفة خاصة محاولين أن نرى بعض ما نقل عن الأقدمين في إيضاح أسراره. لقد افتتحت بعض سور القرآن الكريم بحروف التهجي، نحو الم، المص، الر، كهيعص، طه، طس، حم، حمعسق، ق، ن، وقد وقع هذا في تسع وعشرين سورة. وقد تراوح عدد الأحرف التي افتتحت بها هذه السور بين ثلاثة وخمسة. ومنها ما افتتح بحرف واحد. وقد أسرف المفسرون في استقصاء أنواع الحروف، ومحاولة النفاذ الى ما يكمن وراءها من أسرار. وحاول بعضهم دراسة قيمتها العددية أو الحديث عن خصائصها الصوتية. وقد اختلف البصريون والكوفيون حول اعتبار هذه الحروف آيات أو عدم اعتبارها. فأما البصريون فلم يعدوا شيئا منها آية وأما الكوفيون، فقد عدوا بعضها آيات، أما البعض الآخر فلم يعدوه من الآيات. وعندهم أن ما قالوه علم توقيفي لا مجال للقياس فيه. أما بالنسبة لتفسير معانيها فقد سلك العلماء إزاءها مسلكين: أحدهما: أنها علم مستور وسر محجوب استأثر الله به. وينسب أصحاب هذا الرأي إلى الصديق أنه قال: «في كل كتاب سر، وسرّه في القرآن أوائل السور». كما يروى عن الشعبي أنه قال: «إنها من المتشابه، نؤمن بظاهرها ونكل العلم فيها إلى الله (١)». وثانيها: وهو اتجاه المتكلمين الذين ذهبوا إلى أنه لا يجوز أن يرد في كتاب

стр. 108

الله ما لا يفهمه الخلق، لأن الله تعالى أمر بتدبره، والاستنباط منه، وذلك لا يمكن إلا مع الإحاطة بمعناه (١). فإذا انتقلنا إلى وجوه التفسير التي رويت عن هؤلاء وجدنا الكثير. ويذكر الزركشي وحده عشرين وجها. ومن قبله أفاض الطبري في تعداد الوجوه المنقولة عن أئمة التفسير من الصحابة والتابعين. وجاء بعض المستشرقين في الوقت الحاضر وحاولوا تقديم تفسيرات لهذه الحروف، وكذلك فعل بعض المحدثين من الدارسين المسلمين. ١ - ومن أوجه الآراء التي قرأتها بين هذه النقول أن هذه الأحرف أسماء للسور. فهذه الأحرف وضعت لتمييز السور بعضها عن بعض. وقد نقل الزمخشري ذلك عن كثير من العلماء، كما أن سيبويه نص على ذلك الرأي في كتابه. ووصفه فخر الدين الرازي بأنه قول أكثر المتكلمين. ومما يعترض به على ذلك أن بعض هذه الحروف قد ورد في افتتاح أكثر من سورة واحدة. فهناك مثلا الم. ذلِكَ الْكِتابُ (البقرة) الم. اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (آل عمران) وردّ على ذلك بأن ما جاء بعد «الم» يميز السورتين إحداها عن الأخرى، كما يميز الاسم الواحد لشخصين بما لكل منهما من صفات، فيقال زيد النحوي وزيد الفقيه.

стр. 109

٢ - ومن الآراء المعقولة أيضا أن هذه الحروف ذكرت لتدل على أن القرآن مؤلف من حروف الهجاء، فجاء بعضها مقطعا، وجاء تمامها مؤلفا ليدل القوم الذين أتى القرآن بلغتهم على أن هذا القرآن المعجز مركب من الحروف التي يعقلونها ويبنون كلامهم منها. ٣ - ومن الآراء المعقولة أيضا أن هذه الحروف قصد بها جذب انتباه العرب لاستماع القرآن. يقول الزركشي: «إن العرب كانوا إذا سمعوا القرآن لغوا فيه. وقال بعضهم: لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ (فصلت: ٢٦) فأنزل الله هذا النظم البديع ليعجبوا منه ويكون تعجبهم سببا لاستماع ما بعده فترق القلوب، وتلين الأفئدة. هذه تأويلات بدت لي معقولة بين ركام ضخم من التأويلات، لم أر داعيا لتكرارها هنا، فليرجع إليها من يشاء في كتاب الزركشي أو في تفسير الطبري. ومن الطريف أن بعض المستشرقين وكذلك بعض الكتاب المحدثين أدلوا بدلوهم في تفسير هذه الحروف. لكني لم أجد فيما قالوا به ما يستند الى أساس معقول، اللهم إلا إن كان راجعا لواحد من هذه الآراء التي أسلفت ذكرها.

стр. 110

- ١٦ - اعجاز القرآن من المعروف أن القرآن الكريم كان معجزة الرسول الكبرى. وربما تروى له معجزات أخرى، لكن المعجزة التي أجمع المؤرخون والعلماء على نسبتها إليه هي القرآن الكريم. وعلى هذا كان إعجاز القرآن طوال العصور موضوعا للدرس والبحث، وكان كل باحث يحاول أن يهتدي إلى سرّ هذا الإعجاز. وكم من كتب تناولت هذا الموضوع، فكان منها الكلامي، وكان منها البلاغي. وأعتقد بعد كل هذا البحث والدرس أننا لا نزال نفتقر إلى العمل العلمي الكامل الذي يضع يدنا على حقيقة الإعجاز في كتاب الله. لقد أراد الله أن تكون معجزة الرسول هي صميم رسالته. لم يجر الله على يد الرسول ما كان يجريه من قبل على يد أنبيائه، فموسى كان يلقي العصا فتصير حية، ويدخل يده في جيبه فتخرج بيضاء من غير سوء. وعيسى كان يحيي الموتى، ويبرئ الأكمة والأبرص أما الرسول فكانت معجزته الكتاب الذي أنزل عليه. ولقد كانت الجزيرة العربية إبان البعثة النبوية عامرة بالشعراء والخطباء والبلغاء.

стр. 111

فكانت المعجزة المحمدية معجزة تتفق وعصرها وكذلك مع طبيعة البيئة العربية التي كانت إذ ذاك تحفل بالفصاحة وتعتد بالبيان. يضاف إلى ذلك أن الاسلام يمثل آخر الرسالات السماوية. وقد جاء زمانها حينما كانت البشرية قد بلغت شأوا بعيدا من النضج، في عصر تاريخي متأخر نسبيا. فلم يعد من المقنع القيام بالمعجزات الشبيهة بالسحر، وإنما أصبح الوقت وقت الإقناع بالمنطق والحجة الدعوة إلى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة. يقول القاضي عبد الجبار في كتابه المغنى: «إنه تعالى خص رسوله بالقرآن من حيث ختم به النبوة، وبعثه إلى الناس كافة، وجعل شريعته مؤيدة، لأن غيره من المعجزات كان يجوز أن يدرس على الأوقات (أي يختفي مع الزمن)، ويضعف النقل فيه، وذلك لا يتأتى في القرآن (١)». ويستدل من قول القاضي عبد الجبار هذا أن القرآن معجزة دائمة لا تنقطع، في حين كانت معجزات الأنبياء السابقين في الزمن على محمد مما حدث وقت دعوتهم ثم انقطع، فلم يشاهده إلا بعض من عاصر هؤلاء الأنبياء، أما القرآن فهو معجزة باقية على الأيام تخاطب العقل والروح. ومن الثابت بالتواتر أن الرسول تحدى العرب بالقرآن، وأنهم عجزوا عن الإتيان بمثله. وفي القرآن الكريم نصوص تسجل مراحل التحدي. قال تعالى: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً (الاسراء: ٨٨) وتحداهم بعد ذلك بأن يأتوا بعشر سور. قال تعالى:

стр. 112

قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ (هود: ١٣) وحين عجزوا عن الإتيان بعشر سور، دعوا إلى الإتيان بسورة واحدة. قال تعالى: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ، وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ. (البقرة: ٢٣) وإذا أردنا أن نتتبع طرق علمائنا القدامى في بحث الإعجاز نجدهم يبدءون ببيان قدر المعجز من القرآن. ونراهم ينقلون عن الأشعري أن أقل ما يعجز من القرآن السورة، قصيرة كانت أم طويلة. ويرى أيضا أن الآية التي تبلغ حروفها مقدار حروف السورة القصيرة فهي أيضا معجزة. أما المعتزلة فيرون أن كل سورة برأسها معجزة (١). أما تفسيرات القدماء للإعجاز فجاءت منوعة بتنوع النظرات إلى هذا الموضوع، وتبعا لاختلاف ثقافات الكتاب الذين تناولوه. وسنذكر هنا أمثلة لما ذكره هؤلاء القدماء في تفسيرهم لإعجاز القرآن. ١ - ذهب إبراهيم بن سيّار النظام أحد متكلمي المعتزلة إلى أن إعجاز القرآن راجع إلى أن الله صرف العرب عن معارضته، وسلب عقولهم. وهذا الرأي لم يكن من الآراء التي لقيت قبولا عند العلماء، ذلك لأنه يجعل الإعجاز مقصورا على

стр. 113

زمان الرسول، حين قام التحدي. كما أنه ينافي صريح القرآن، في قوله تعالى: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً. (الاسراء: ٨٨) ٢ - وفي رأي بعض العلماء الأقدمين أن الإعجاز راجع إلى تأليف القرآن الخاص به، ذلك الذي يتجلى في اعتدال مفرداته تركيبا ووزنا، واشتمال مركباته على أرفع المعاني بحث وقع كل فن في مرتبته العليا من حيث اللفظ والمعنى. ٣ - وذهب فريق من العلماء إلى أن إعجاز القرآن يرجع إلى إخباره بالغيوب المستقبلة. فقد وقع في القرآن الكريم تنبؤ بأحداث قبل وقوعها، وتحقق ما أنبأ به. ومن أمثلة ذلك ما أخبر به عن تغلب الروم على الفرس، بعد أن أوقع الفرس الهزيمة بالروم واستولوا على بيت المقدس. وقد جاء ذلك في قوله تعالى: الم. غُلِبَتِ الرُّومُ. (الروم: ١، ٢) وقد اعترض على هذا بأن آيات القرآن التي أخبرت بالغيب قليلة، بالنسبة إلى حجم الكتاب كله، فهذا القول يجعل الإعجاز مقصورا على قسم صغير منه. على أن هذا لا ينفي عندهم أن الإنباء بالغيب من أسرار الإعجاز في الآيات التي ورد بها. ٤ - ومن الأقوال في الإعجاز أيضا أنه راجع إلى الإخبار عن قصص الأولين، وما وقع في سالف العصور، بأسلوب من شهد الأحداث وحضرها. وهذا القول أيضا مردود كسابقه، لأن القرآن يتناول هذه الأخبار في قسم

стр. 114

منه، لا في جميع أجزائه. على أن هذا لا ينفي عندهم أن مثل هذا الإخبار من أسرار الاعجاز في الآيات التي تحدثت به. ٥ - ومن الأقوال في أسرار الإعجاز أيضا أنه راجع إلى إخبار القرآن الكريم عن أسرار الضمائر، وكشف ما خفي عنها، ومن أمثلة ذلك كشفه عن ضمائر المنافقين، وهو قول ضعيف يقصر الإعجاز على قسم صغير من القرآن الكريم. ٦ - هناك رأي آخر أختاره السكّاكي في كتابه مفتاح العلوم، يذهب إلى أن الإعجاز شيء لا يمكن التعبير عنه. إنه شيء يدرك ولا يمكن وصفه، يقول: «مدرك الإعجاز عندي هو الذوق ليس إلا». وعنده أنه يدرك كما يدرك طيب النغم، ولا طريق إلى تحصيله لغير ذوي الفطر السليمة إلا بإتقان علمي المعاني والبيان والتمرن فيهما. ويشير كلام السكّاكي هذا الى موضوع كان له خطره في تاريخ الدراسات العربية، وهو ارتباط علوم البلاغة بدراسة الإعجاز في القرآن. لقد كان هذا الارتباط وثيقا، وقد ساعدت دراسة الإعجاز على تطوير البلاغة العربية، وتوسيع مجال بحثها، وأغنتها بدراسات كثيرة. ٧ - القائلون بأن الإعجاز راجع إلى فصاحة القرآن أو بلاغته كثيرون. وهناك كتابات متعددة تعبر عن هذا المعنى. فحازم القرطاجني يذهب في كتابه «منهاج البلغاء» إلى أن الإعجاز راجع إلى استمرار الفصاحة والبلاغة فيه استمرارا لا ينقطع، وبصورة لا يقدر عليها أحد من البشر. فكلام العرب ومن تكلم بلغتهم لا تستمر الفصاحة والبلاغة في العالي فيه إلا في الشيء اليسير المعدود، ثم تعرض الفترات الإنسانية فتقطع طيب الكلام ورونقه، فلا تستمر لذلك الفصاحة في جميعه، بل توجد تفاريق وأجزاء منه. والفترات في الفصاحة تقع للفصيح، إما بسهو يعرض له في الشيء من غير أن يكون جاهلا به، أو من جهل به، أو من سآمة تعتري فكره ... وهكذا.

стр. 115

وخلاصة هذا الكلام أن في القرآن بلاغة تعم كل آياته، وفصاحة تشيع في مختلف نواحيه، بعكس كلام البلغاء يتفاوت في قوته وضعفه، ولا يخلو كلام أحدهم من الغث. وممن أرجع إعجاز القرآن إلى الفصاحة وغرابة الأسلوب والسلامة من جميع العيوب مع اقتران ذلك بالتحدي العلامة فخر الدين الرازي صاحب التفسير المشهور. فهو يضيف التحدي إلى الفصاحة، وغرابة الأسلوب عما كان مألوفا عند العرب. ولأبي سليمان الخطابي المتوفي عام ٣٨٨ أيضا رسالة في الإعجاز ترجع سره إلى البلاغة. ويرى أن بليغ الكلام ينقسم إلى نوع أعلى وآخر أوسط وثالث أدنى أي أقرب. يقول: «فحازت بلاغات القرآن من كل قسم من هذه الأقسام حصة، وأخذت من كل نوع شعبة، فانتظم لها بامتزاج هذه الأوصاف نمط من الكلام يجمع بين صفتي الفخامة والعذوبة، وهما على الانفراد في نعوتهما كالمتضادين، لأن العذوبة نتاج السهولة، والجزالة والمتانة في الكلام يعالجان نوعا من الوعورة، فكان اجتماع الأمرين في نظمه مع نبوّ كل منهما عن الآخر فضيلة خص بها القرآن، يسّرها الله بلطيف قدرته ليكون آية بينة لنبيه، ودلالة على صحة ما دعا اليه من أمر دينه. وانما تعذر على البشر الإتيان بمثله لأمور: منها أن علمهم لا يحيط بجميع أسماء اللغة العربية وأوضاعها التي هي ظروف المعاني. ولا تدرك أفهامهم جميع معاني الأشياء المحمولة على تلك الألفاظ، ولا تكمل معرفتهم باستيفاء جميع وجوه النظوم التي بها يكون ائتلافها، وارتباط بعضها ببعض ... وإنما يقوم الكلام بهذه الأشياء الثلاثة: لفظ حامل، ومعنى قائم، ورباط لها ناظم. إذا تأملت القرآن وجدت هذه الأمور منه في غاية الشرف والفضيلة، حتى لا ترى شيئا من الألفاظ أفصح ولا أجزل ولا أعذب من ألفاظه، ولا ترى

стр. 116

نظما أحسن تأليفا وأشد تلاؤما وتشاكلا من نظمه. وأما معانيه فكل ذي لب يشهد له بالتقدم في أبوابه، والرقيّ إلى أعلى درجاته. وقد توجد هذه الفضائل الثلاث على التفرق في أنواع الكلام، وأما أن توجد مجموعة في نوع واحد منه فلم توجد إلا في كلام العليم القدير الذي أحاط بكل شيء علما، وأحصى كل شيء عددا. فخرج من هذا أن القرآن إنما صار معجزا لأنه جاء بأفصح الألفاظ في أحسن نظوم التأليف، مضمّنا أصح المعاني، من توحيد الله تعالى، وتنزيهه في صفاته، ودعاء إلى طاعته، وبيان لطريق عبادته، من تحليل وتحريم، وحظر وإباحة، ومن وعظ وتقويم، وأمر بمعروف ونهي عن منكر، وإرشاد إلى محاسن الأخلاق، وزجر عن مساويها، واضعا كل شيء منها موضعه الذي لا يرى شيء أولى منه ولا يتوهم في صورة العقل أمر أليق به منه، مودعا أخبار القرون الماضية، وما نزل من مثلات الله بمن عصى وعاند منهم، ومنبئا عن الكوائن المستقبلة في الأعصار الماضية من الزمان، جامعا في ذلك بين الحجة والمحتج له، والدليل والمدلول عليه، ليكون ذلك أوكد للزوم ما دعا إليه، وإنباء عن وجوب ما أمر به ونهى عنه. ومعلوم أن الاتيان بمثل هذه الأمور، والجمع بين أشتاتها حتى تنتظم وتتسق امر تعجز عنه قوى البشر، ولا تبلغه قدرتهم، فانقطع الخلق دونه، وعجزوا عن معارضته بمثله، ومناقضته في شكله. ثم صار المعاندون له ممن كفر به وأنكره يقولون مرة إنه شعر لما رأوه منظوما، ومرة إنه سحر لما رأوه معجوزا عنه، غير مقدور عليه. وقد كانوا يجدون له وقعا في القلب، وقرعا في النفس، يريبهم ويحيرهم، فلم يتمالكوا أن يعترفوا به نوعا من الاعتراف، ولذلك قالوا: إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة. وكانوا مرة لجهلهم وحيرتهم يقولون أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا. (الفرقان: ٥)

стр. 117

مع علمهم أن صاحبهما أمي وليس بحضرته من يملي أو يكتب شيئا .. ثم أعلم أن عمود البلاغة التي تجتمع لها هذه الصفات هو وضع كل نوع من الألفاظ التي تشتمل عليها فصول الكلام موضعه الأخص الأشكل به، الذي إذا أبدل مكانه غيره جاء منه إما تبدل المعنى الذي يفسد به الكلام، أو إذهاب الرونق الذي تسقط به البلاغة، وذلك أن في الكلام ألفاظا مترادفة متقاربة المعاني في زعم أكثر الناس، كالعلم والمعرفة، والشح والبخل، والنعت والصفة، وكذا بلى ونعم، ومن وعن، ونحوها من الأسماء والأفعال والحروف، والأمر فيها عند الحذاق بخلاف ذلك، لأن لكل لفظة منها خاصة تتميز بها عن صاحبتها في بعض معانيها، وإن اشتركا في بعضها». هذا النص الطويل يشير إلى كثير من الموضوعات البلاغية، كما أنه يشير إلى نظرية «النظم»، ويقدم أفكارا عنها. هذه النظرية أيضا قد أشار اليها أبو بكر الباقلاني (المتوفي سنة ٤٠٣) صاحب «إعجاز القرآن»، وهو من أشهر الكتب في هذا الباب، فقد ذكر أن من أسرار الإعجاز ما في القرآن في النظم والتأليف والترصيف، وأنه خارج عن جميع وجوه النظم المعتاد في كلام العرب (١). لكن الباقلاني لم يسلك مسلك الخطابي من حيث التوسع في شرح مفهومات البلاغة، وخصائص النظم والتأليف، بل شغل نفسه بمسائل كلامية عقلية لا نراها قادرة على الوفاء بإيضاح معنى الإعجاز وأسراره. ٨ - ولقد أتيح لفكرة «النظم» أن توضح على أحسن صورها وذلك على يد اللغوي البلاغي القدير عبد القاهر الجرجاني المتوفي عام ٤٧١. فهذا الرجل العبقري قد استطاع في كتابيه «دلائل الإعجاز» «وأسرار البلاغة» أن يضع الأسس التي قام عليها علم المعاني وعلم البيان. وقد توسع في إيضاح فكرة «النظم» بوصفه السر الكامن وراء كل كلام بليغ، واستعان بهذه الفكرة في إيضاح أسرار الإعجاز. ويرى الدكتور مندور أن عبد القاهر الجرجاني قد اهتدى في العلوم اللغوية

стр. 118

كلها إلى مذهب يشهد لصاحبه بعبقرية لغوية منقطعة النظير، وعلى أساس هذا المذهب كوّن مبادئه في إدراك «دلائل الإعجاز» في القرآن. إن عبد القاهر يرى «أن الألفاظ لا تفيد حتى تؤلف ضربا خاصا من التأليف، ويعمد بها إلى وجه دون وجه من التركيب والترتيب (١)». من هنا لم يهتم عبد القاهر في بحثه عن الإعجاز بالمفردات اللغوية، على أساس أن هذه لا تعني شيئا إذا جرّدت من النظم الذي يخلق لها السياق، ويحدد العلاقات بينها. إن صفة الإعجاز- عند عبد القاهر- ينبغي أن تكون «وصفا قد تجدد بالقرآن، وأمرا لم يوجد في غيره، ولم يعرف قبل نزوله. وإذا كان كذلك فقد وجب أن يعلم أنه لا يجوز أن يكون في الكلم المفردة، لأن تقدير كونه فيها يؤدي إلى المحال، وهو أن تكون الألفاظ المفردة- التي هي أوضاع اللغة- قد حدث في حذاقة حروفها وأصدائها أوصاف لم تكن لتكون تلك الأوصاف فيها قبل نزول القرآن، وتكون قد اختصت في أنفسها بهيئات وصفات يسمعها السامعون عليها إذا كانت متلوة في القرآن، لا يجدون لها تلك الهيئات والصفات خارج القرآن. ولا يجوز أن تكون في معاني الكلم المفردة التي هي لها بوضع اللغة، لأنه يؤدي إلى أن يكون قد تجدد في معنى الحمد والرب ومعنى العالمين والملك واليوم والدين وهكذا وصف لم يكن قبل نزول القرآن (٢)». كذلك ينبغي أن لا يبحث عن الإعجاز في تركيب الحركات والسكنات، تلك التي يستعان بها في تمييز بحور الشعر بعضها عن بعض. وينفي عبد القاهر كذلك أن تكون المقاطع والفواصل سر الإعجاز «لأنه أيضا ليس بأكثر من التعويل على مراعاة وزن، وانما الفواصل في الآي كالقوافي في الشعر، وقد علمنا اقتدارهم على القوافي كيف هو، فلو لم يكن التحدي إلا إلى فصول من الكلام يكون لها أواخر أشباه القوافي لم يعوزهم ذلك ولم يتعذر عليهم (٣)».

стр. 119

ويسخر من القائلين بأن مرد الإعجاز إلى الصرفة، أي إلى أن الله صرف العرب عن معارضة القرآن، على نحو ما قال النظام. فمثل هذا ما كان ليدل على إعجاز القرآن بنفسه، وإنما بأمر خارجي، مما يجعل عجز العرب عن مجاراته مصدر العجب وليس القرآن ذاته. يقول: «أرأيت لو أن نبيا قال لقومه: إن آيتي أن أضع يدي على رأسي هذه الساعة، وتمنعون كلكم من أن تستطيعوا وضع أيديكم على رءوسكم، وكان الأمر كما قال، مم يكون تعجب القوم؟ أمن وضعه يده على رأسه، أم من عجزهم أن يضعوا أيديهم على رءوسهم». يتحدث بعد ذلك عن النظم فيقول: «ونعود إلى النسق فنقول: «فإذا بطل أن يكون الوصف الذي عجزهم من القرآن في شيء مما عددناه لم يبق إلا أن يكون الاستعارة. ولا يمكن أن تجعل الاستعارة الأصل في الإعجاز، وأن يقصد إليها، لأن ذلك يؤدي إلى أن يكون الإعجاز في آي معدودة، في مواضع من السور الطوال مخصوصة. وإذا امتنع ذلك فلم يبق إلا أن يكون في النظم والتأليف، لأنه ليس من بعد ما أبطلنا أن يكون فيه إلا النظم. وإذا ثبت أنه في النظم والتأليف، وكنا قد علمنا أن ليس النظم شيئا غير توخي معاني النحو وأحكامه فيما بين الكلم، وأنا إن بقينا الدهر نجهد أفكارنا حتى نعلم للكلم المفردة سلكا ينظمها وجامعا يجمع شملها ويؤلفها ويجعل بعضها بسبب من بعض غير توخي معاني النحو وأحكامه فيها طلبنا ما كل محال دونه ... فان قيل: «قولك إلا النظم» يقتضي إخراج ما في القرآن من الاستعارة وضروب المجاز من جملة ما هو به معجز، وذلك ما لا مساغ له، قيل: ليس الأمر كما ظننت، بل ذلك يقتضي دخول الاستعارة ونظائرها فيما هو به معجز، وذلك لأن هذه المعاني- التي هي الاستعارة والكناية والتمثيل وسائر ضروب المجاز من بعدها- من مقتضيات النظم، وعنها يحدث، وبها يكون، لأنه لا يتصور أن يدخل شيء منها في الكلم وهي أفراد لم يتوخ فيما بينها حكم من أحكام النحو، فلا يتصور أن يكون هاهنا فعل أو اسم قد دخلته الاستعارة من دون أن يكون قد ألف مع غيره (١)».

стр. 120

ويوضح لنا بصريح القول أن قصده من تفسير النظم بأنه الاستخدام النحوي لا يعني مجرد قواعد النحو، فهي مما يعرفه كل عربي سليم الفطرة. وإنما يقصد من ذلك دقائق تأليف الكلام، وأسرار الترابط بين مفرداته. يقول: «ثم إنا نعلم أن المزية المطلوبة في هذا الباب مزية فيما طريقه الفكر والنظر من غير شبهة ... ومن هاهنا لم يجز إذن عد الوجوه التي تظهر بها المزية أن يعد فيها الإعراب، وذلك أن العلم بالإعراب مشترك بين العرب كلهم، وليس هو مما يستنبط بالفكر ويستعان عليه بالروية». فالعرب جميعا يعرفون أن الفاعل مرفوع وأن المفعول منصوب والمضاف إليه مجرور. لكن إدراك الفاعل في مثل قوله تعالى: فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ هو الذي يقتضي الذوق والعلم بالنظم. وهكذا في قوله تعالى: وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً وهذا عنده ليس علما بالإعراب، بل بالوصف الموجب للإعراب. وهكذا إدراك عبارة قرآنية مثل وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ وفهم العلاقات بين المفردات فيها هو الذي يعنيه عبد القاهر بالنظم القرآني. ثم يقف وقفة أخيرة أمام غريب اللغة، وكيف أن الإعراب في اللغة لا يمكن أن يكون ضربا من الإعجاز. فلو تحدى القرآن عالما بمفردات غريبة لما عجز عن مجارتها بمثلها. ولو تحدى جاهلا بهذه المفردات لكان كمن يتحدى العرب أن يتحدثوا بلسان الترك. ثم هو يقول بعد ذلك إن العرب لم يكونوا يعتبرون الإغراب اللغوي فضيلة، ويستشهد على ذلك بقول عمر في زهير: «إنه كان لا يعاظل

стр. 121

بين القول ولا يتتبع حوشيّ الكلام «فقرن تتبع الحوشيّ وهو الغريب إلى المعاظلة التي هي التعقيد. نظرية النظم تعني أن القرآن معجز بتأليفه، وبكل ما انطوى عليه هذا التأليف. وهي نظرة شاملة لا تبحث عن الإعجاز في جوانب تفصيلية، كالمفردات اللغوية، أو الأوزان، أو الحركات، أو الاستعارات، وإنما تبحث عنه في التأليف الجامع وما انطوى عليه. لكن هذه النظرة الشاملة التي تجلت عند عبد القاهر لم تنتشر بعد عصره، بل قامت دراسات تبحث عن أسرار الإعجاز في موضوعات تفصيلية نجد من أمثلتها ما تضمنه كتاب البرهان للزركشي من أبحاث في أساليب القرآن وفنونه البليغة، وأقسام التأكيد، والصفة، والبدل، وعطف البيان، وذكر الخاص بعد العام، وذكر العام بعد الخاص، وعطف أحد المترادفين على الآخر، والإيضاح بعد الإبهام، إلى غير ذلك من أبحاث تفصيلية تعد بالمئات. والجدير بالذكر أن دراسة الإعجاز على هذه الصورة كان لها أعمق الأثر في تطوير الدراسات البلاغية. ٩ - ظهر عند بعض المتأخرين ميل إلى أن إعجاز القرآن يرجع الى كل الوجوه التي سبق لنا بيانها. فجميع الآراء التي ذكرناها من فصاحة وبلاغة، وإنباء بالغيب، وإخبار عن الأمم السالفة، وما تضمنه القرآن من الشرائع والأحكام، كل أولئك من أسرار إعجازه. وممن ذهب إلى ذلك من المعاصرين الشيخ محمد أبو زهرة في كتابه «مصادر الفقه الاسلامي» حيث عزا الإعجاز إلى بلاغة القرآن، وإخباره بأحوال القرون السابقة، وما جاء فيه من إخبار عن أمور مستقبلة وقعت كما أخبر الله سبحانه، ثم ما اشتمل عليه القرآن من حقائق ما كان يمكن أن تكون لأمي لا يقرأ ولا يكتب، وكذلك ما تضمنه كتاب الله من أحكام هي الشريعة القرآنية (١).

стр. 122

ولا تزال محاولات البحث عن أسرار الإعجاز مستمرة حتى زماننا هذا. وقد سعى البعض إلى نسبة الإعجاز إلى ما في لغة القرآن من موسيقى كما نسب البعض أسرار الإعجاز إلى التصوير البياني. وكلها أبحاث تتصل بمفهومات حديثة للنقد الأدبي، ولا نستطيع أن نقول إنها تفي بالكشف عن سر الإعجاز على وجه مكتمل. والى جانب هذا هناك أبحاث تسعى إلى اثبات الإعجاز بما يكشف عنه البحث الحديث من حقائق علمية، وردت إشارات إليها في القرآن الكريم. وتنشر من حين الى حين كتابات تتناول موقف القرآن الكريم مما يتكشف عنه العلم الحديث من حقائق ونظريات. وهذا اتجاه يجب تناوله بحذر. فما كل نظرية علمية تقال اليوم تثبت صحتها بصورة قاطعة. ومن هنا كانت محاولات الربط الوثيق بين العلم الحديث وبين القرآن الكريم من الأمور التي ينبغي الخوض فيها بحذر، يقي من الافتتان بكل ما يساق باسم العلم من آراء ونظريات، قد لا يكون العلم قد وصل فيها الى مرحلة اليقين، ومع ذلك يوجد من المسلمين من يسارع إلى إلصاقها بالقرآن الكريم، وحمل بعض آياته على القول بها.

стр. 123

- ١٧ - التفسير والمفسرون تفسير القرآن هو الكلام في شرح نصوصه بما يبين عن معانيه. لكن هذا التعريف الموجز يحتاج إلى كثير من الشرح والتحليل. إن شرح أيّ نص أدبي يكون له مستوى معقول من الإبداع أمر يكتنفه كثير من الصعوبات. فهناك الفهم اللغوي للنص، وهناك بعد ذلك ما يعنيه النص، وما يوحي به أو يرمز إليه. ومن أجل هذا نجد شرح النصوص الأدبية، كثيرا ما ينبثق عن ألوان مختلفة من الفهم لتلك النصوص. وأمامنا شراح دواوين كبار الشعراء، ومنهم من كان لديوانه أكثر من شراح، ففي الشروح نرى كيف اختلفت نظرة الشراح إلى النص الواحد، وبخاصة إذا أشارت ألفاظه إلى ألوان مختلفة من المعاني. إن التعبيرات الأدبية لا تكون واضحة المعنى بمجرد النظرة الأولى إليها. فالأدباء لا يعبرون عن موضوعات الحياة بذات اللغة التي يعبّر بها العلماء. إن اهتمام العلماء يكون بنقل المضمون إلى السامع بأبسط ألوان التعبير اللغوي. فالحقائق وحدها هي الهدف المقصود في التعبير العلمي، أما التعبير الأدبي فجمال العبارة، وروعة الصور البيانية مقصودة بجانب ما ينطوي عليه النص الأدبي من مضمون. ولسنا هنا نفرق بين اللفظ والمعنى، أو بين العبارة ومضمونها، لكنا ننبه إلى ضروب

стр. 124

التعبير في كل من العلم والأدب، وما يشيع في كل منهما من خصائص، تجعل تناولنا لنص أدبي مختلفا كل الاختلاف عن تناولنا لنص علمي. وإذا جئنا إلى تفسير القرآن الكريم فالأمر هنا أخطر وأشق من تفسير نصوص الأدب. هنا نقف أمام كتاب منزل ينطوي على ألوان مختلفة من المعارف التي أراد الله لعباده أن يتلقوها على يد رسوله. ١ - في القرآن أحكام شرعية. وكثير من هذه الأحكام وردت مجملة في نص الكتاب الكريم. ولا سبيل إلى استيضاح معناها إلا بالرجوع إلى السنة النبوية، فهنا نجد أن أحكام الشريعة لا بد من الرجوع إلى قول الرسول فيها، حتى يتم استيضاح معانيها والإحاطة بكافة تفصيلاتها، على الوجه الأكمل. فيمكننا هنا أن نقول إن تفسير أحكام الشريعة لا بد لنا فيه من الأخذ عن الرسول، وتحري النقل الصحيح عنه وعن صحابته. ٢ - وفي القرآن آيات تنبئ عن مغيبات. من هذه مثلا قيام الساعة، وكيف يتم ذلك، وبعض تفصيلات عن هذا الموقف، وطبيعة الحساب ومواقفه، وغير ذلك، من الأمور الغيبية التي يتحدث عنها القرآن الكريم، ولم يكن حديثه عن الكثير منها سوى مجرد ذكر لها، أو إشارة مجملة إليها لا تنطوي على تفصيلات وشروح لمن أراد لذلك تفصيلا وشرحا. هذه الأمور لا يستطيع أحد أن يقول فيها برأي. والرسول ذاته قد توقف عن تفسيرها. فموقف المفسر بالنسبة لها يجب أن يكون موقف المصدق لما أخبر به القرآن من غيبيات لا سبيل إلى استيضاحها بتفصيل الإجابة عما عساه ينشأ حولها من تساؤلات. ٣ - وفي القرآن آيات متشابهات، تعبر عن موضوعات يمكن الحديث فيها بنوع من التأويل. فهناك الآيات الكثيرة التي ورد بها ذكر يد الله أو وجهه أو استواؤه أو مجيئه. هذه الآيات- كما سبق أن ذكرنا في حديثنا عن المحكم والمتشابه- قد قوبلت بموقفين متعارضين من المسلمين. فبعض الأتقياء من السلف

стр. 125

الصالح قد رفضوا تفسيرها أو القول فيها برأي من الآراء. أما أتباع النظر العقلي من المعتزلة ومن تبعهم فقد أولوها، وكان موقفهم منها أن القرآن الكريم خاطب العرب بلغتهم، وأن على الإنسان أن يجتهد رأيه في تفسير مثل هذه الآيات، محاولا العلم بمعناها والإحاطة بمضمونها. ٤ - وفي القرآن الكريم آيات يفهمها العربي العالم بأصول اللغة العربية وقواعدها، المحيط بأساليبها البيانية، الذي أوتي إلى جانب العلم باللغة والبلاغة ذوقا أدبيا رفيعا، وكان على معرفة بأقوال السلف في تفسير القرآن، وهذه الآيات تكون واضحة الدلالة إلى حد بعيد عند من اتصف بمثل هذه الصفات، وتحلى بهذا اللون من المعارف. ٥ - وفي القرآن آيات تتحدث عن الأمم الغابرة ومن بعث إليها من الرسل، وتروي قصص هؤلاء الناس، وكيف كان منهم المكذبون، كما أن القرآن تضمن آيات عن خلق الكون وقصة آدم، وكثير من القصص لم يفصل الأحداث، فكان أن سأل العرب أهل الكتاب عما يعرفونه عن هذه القصص، وأمدهم هؤلاء بتفصيلات وقصص كان بعضها مستقى من العهد القديم أو من التلمود أو غيره من كتبهم، وأخذها بعض المفسرين وجعلوها قسما من تفسيرهم للقرآن. وقد عرفت هذه المادة المستقاة من أهل الكتاب بالإسرائيليات. ومثل هذه الإسرائيليات غريبة على النص القرآني ولا يجوز أن يقبل منها إلا ما كان متفقا تمام الاتفاق مع آيات القرآن الكريم. أما ما زاد على ما في هذه الآيات فلا يجوز قبوله، واعتباره جزءا من تفسير القرآن. ٦ - بعد الحديث عن تنوع آيات القرآن من حيث مضمونها، نأتي بعد ذلك إلى الأسلوب القرآني. ففي القرآن آيات تعبر عن المعاني بأسلوب صريح قاطع، ولا تحتمل في تفسيرها أكثر من معنى، ومنه آيات تحتمل الكثير من المعاني، وتقبل تأويلات متعددة. كما أن من المفسرين من كان لا يقبل من التفسير إلا التفسير المروي عن الرسول أو الصحابة.

стр. 126

وكان منهم من رأى الاجتهاد في فهم نصوص القرآن بعد التسلح بأدوات الاجتهاد، وكان منهم من رأى أن للقرآن ظاهرا وباطنا، وجاء لكل آية بتفسير لا يرتبط بلفظ الآية إلا عن طريق التأويل، وسنفصل القول في هذه الأمور على أساس ما وصلنا من آراء علماء التفسير القدامى والمحدثين. يقسم الطبري آيات القرآن من حيث قابليتها للتأويل إلى ثلاثة أنواع: ١ - ما لا يوصل إلى علم تأويله إلا ببيان الرسول، وذلك تأويل جميع ما فيه من وجوه أمره- واجبه وندبه وإرشاده- وصنوف نهيه ووظائف حقوقه وحدوده، ومبالغ فرائضه، ومقادير اللازم بعض خلقه لبعض (أي ما يكون من علاقات تجب مراعاتها بين الناس)، وما أشبه ذلك من أحكام آياته التي لم يدرك علمها إلا ببيان الرسول لأمته. وهذا وجه لا يجوز لأحد القول فيه إلا ببيان الرسول لتأويله، بنص منه عليه أو بدلالة قد نصبها، دالة أمته على تأويله. ٢ - ما لا يعلم تأويله إلا الله، وذلك ما فيه من الخبر عن آجال حادثة، وأوقات آتية، كوقت قيام الساعة، والنفخ في الصور، ونزول عيسى بن مريم، وما أشبه ذلك، فإن تلك أوقات لا يعلم أحد حدودها، ولا يعرف أحد من تأويلها إلا الخبر بأشراطها لاستئثار الله بعلم ذلك على خلقه. من ذلك قوله تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها، قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلَّا هُوَ، ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، لا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً. (الأعراف: ١٨٧) وكان النبي إذا ذكر شيئا من ذلك، لم يدل عليه إلا باشراطه دون تحديده بوقته.

стр. 127

٣ - ما يعلم تأويله كل ذي علم باللسان الذي نزل به القرآن، وذلك إقامة إعرابه، ومعرفة المسميات بأسمائها اللازمة غير المشترك فيها، والموصوفات بصفاتها الخاصة دون سواها، فإن ذلك لا يجهله أحد منهم، وذلك كسامع منهم لو سمع تاليا يتلو: وَإِذا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قالُوا إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ. أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلكِنْ لا يَشْعُرُونَ (البقرة: ١١، ١٢). لم يجهل أن معنى الإفساد ما ينبغي تركه مما هو مضرة، وأن الإصلاح ما ينبغي فعله مما هو فعله منفعة، وإن جهل المعاني التي جعلها الله إفسادا، والمعاني التي جعلها الله إصلاحا. فالذي يعلمه ذو اللسان- الذي بلسانه نزل القرآن- من تأويل القرآن هو ما وصفت: من معرفة أعيان المسميات بأسمائها اللازمة، غير المشترك فيها، والموصوفات بصفاتها الخاصة. (١) يلاحظ أن الطبري هنا يستخدم كلمة «التأويل» بمعنى التفسير. وشبيه بما قاله الطبري هذا ما روي عن ابن عباس من قوله: «التفسير على أربعة أوجه: وجه تعرفه العرب من كلامها، وتفسير لا يعذر أحد بجهالته، وتفسير يعلمه العلماء، وتفسير لا يعلمه إلا الله». (٢) فالتفسير الذي لا يعذر أحد بجهالته هو معرفة الأحكام من واجبات ومحرمات. وأما التفسير الذي يعلمه العلماء فهو تفسير الآيات المتشابهات، في حين أن التفسير الذي لا يعلمه إلا الله فهو ما كان مرتبطا بأمور مضمرة في الغيب، لا سبيل إلى معرفتها.

стр. 128

وقد روي عن الصحابة تعلم التفسير منذ عهد الرسول. فهناك أقوال تنسب إلى عدد منهم. نذكر منها ما يروى عن ابن مسعود أنه قال: «كان الرجل منا إذا تعلم عشر آيات لم يجاوزهن حتى يعرف معانيهن والعمل بهن». (١) كما روي عن ابن مسعود أيضا أنه قال: «والله الذي لا إله غيره ما نزلت آية في كتاب الله إلا وأنا وأعلم فيم نزلت، وأين نزلت، ولو أعلم مكان أحد أعلم بكتاب الله متى تناله المطايا لأتيته». (٢). ولقد روي الكثير من تفسير القرآن عن عدد من الصحابة منهم عبد الله بن عباس الذي برع في تفسير القرآن، كذلك روي التفسير عن علي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود وأبيّ بن كعب وغير هؤلاء. كذلك روي التفسير عن عدد كبير من التابعين، وقد قسم هؤلاء بحسب الموطن إلى طبقات منهم طبقة أهل مكة وطبقة أهل المدينة وطبقة أهل العراق. فمن أهل مكة مجاهد، وعطاء بن أبي رباح، وعكرمة مولى ابن عباس، وسعيد بن جبير. وكان أهل مكة أعلم الناس بالتفسير لتعلمهم من ابن عباس. التفسير المأثور: لقد نشأ التفسير على أساس ما كان يروى من مأثورات عن الصحابة والتابعين. كان التفسير يروى كما تروى الأحاديث النبوية. وكان يشغل في كتب الحديث أبوابا، ويخضع لما تخضع له نصوص الأحاديث من تمحيص الرواية وتحقيق السند. ولقد بقي كذلك زمنا طويلا، وتجمعت رواياته في تفسير الطبري أوسع التفسيرات رواية للمأثورات. ويحدثنا ابن خلدون عن نشأة التفسير وتطوره من تفسير أثري إلى تفسير بالدراية فيقول: «فاعلم أن القرآن نزل بلغة العرب، وعلى أساليب بلاغتهم، فكانوا يفهمونه،

стр. 129

ويعلمون معانيه في مفرداته وتراكيبه، وكان ينزل جملا جملا وآيات آيات لبيان التوحيد والفروض الدينية بحسب الوقائع. ومنها ما هو في العقائد الإيمانية، ومنها ما هو في أحكام الجوارح، ومنها ما يتقدم ومنها ما يتأخر ويكون ناسخا له. وكان الرسول يبين المجمل، ويميز الناسخ من المنسوخ ويعرفه أصحابه، فعرفوه وعرفوا سبب نزول الآيات، ومقتضى الحال منها ... ونقل ذلك عن الصحابة وتداول ذلك التابعون من بعدهم ونقل ذلك عنهم، ولم يزل متناقلا بين الصدر الأول والسلف حتى صارت المعارف علوما ودونت الكتب، فكتب الكثير من ذلك، ونقلت الآثار الواردة فيه عن الصحابة والتابعين، وانتهى ذلك إلى الطبري والواقدي، والثعالبي، وأمثال هؤلاء من المفسرين ... ثم صارت علوم اللسان صناعية: من الكلام في موضوعات اللغة وأحكام الإعراب، والبلاغة في التراكيب، فوضعت الدواوين في ذلك بعد أن كانت ملكات للعرب لا يرجع فيها إلى نقل ولا كتاب، فتنوسي ذلك، وصارت تتلقى من كتب أهل اللسان، فاحتيج إلى ذلك في تفسير القرآن، لأنه بلسان العرب وعلى منهاج بلاغتهم ... (١)» فالتفسير في الأصل تفسير أثري يستند إلى الرواية عن الصحابة والتابعين. لكن التفسير تطور فيما بعد- حين دونت علوم اللغة والبلاغة- ووجد إلى جانب التفسير الأثري تفسير قام على الدراية. ومع ذلك، فمثل هذا التفسير لم يخلص من أثر التفسير الأثري، بل بقيت للروايات الصحيحة آثارها في توجيه الفهم، وإيضاح النص. لكن التفسير الأثري حوى كثيرا من الروايات التي يتطرق إليها الشك، وجمع عن أهل الكتاب روايات لا ترتبط بنص القرآن الكريم، وتعرف هذه بالإسرائيليات. يقول ابن خلدون عن كتب التفسير الأثري إنها «تشتمل على الغث والثمين، والمقبول والمردود، والسبب في ذلك أن العرب لم يكونوا أهل كتاب

стр. 130

ولا علم، وإنما غلبت عليهم البداوة والأمية. وإذا تشوقوا إلى معرفة شيء مما تشوق إليه النفوس البشرية في أسباب المكونات وبدء الخليقة، وأسرار الوجود، فإنما يسألون عنه أهل الكتاب ويستفيدونه منهم، وهم أهل التوراة من اليهود ومن تبع دينهم من النصارى. وأهل التوراة الذين بين العرب يومئذ بادية مثلهم ولا يعرفون من ذلك الا ما تعرفه العامة من أهل الكتاب، ... وهؤلاء مثل كعب الأحبار ووهب بن منبه وعبد الله بن سلام (١)». مصادر التفسير المأثور: ١ - ما ينقل من ذلك عن الرسول ، وكثير من هذا موضوع ضعيف السند، ولهذا يجب أن يؤخذ بحذر. وكان ابن حنبل ممن شك في التفسير المروي بوجه عام فقال: «ثلاث كتب ليس لها أصول: المغازي والملاحم والتفسير». (٢) ٢ - ما يروى عن صحابي . وقد عرف عن بعض الصحابة تفسير القرآن. ومن أهم من روي عنهم عبد الله بن عباس وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمرو بن العاص. ويجب التحقق من صحة السند في النقل عن هؤلاء. وكثير مما نقل عنهم مدسوس عليهم. ٣ - ما يروى عن التابعين ، وكتب التفسير حافلة بالرواية عن هؤلاء. لكن ليس كل ما ينقل عنهم مما يجب قبوله، فهناك روايات كثيرة عن التابعين لا نستطيع أن نقبلها لأنها بعيدة عن تفسير النص، أو تقحم عليه مادة غريبة لا تكاد تتصل به، كما هو الشأن بالنسبة للإسرائيليات التي تقص تفصيلات لا صلة لها بنص القرآن. ابن عباس والتفسير المأثور: يقول السيوطي في الإتقان: «ورد عن ابن عباس في التفسير ما لا يحصى

стр. 131

كثرة بروايات وطرق مختلفة، فمن جيّدها طريق علي بن أبي طلحة الهاشمي عنه» وهناك رواة آخرون يتفاوتون في جودة الرواية عن ابن عباس، ومقدار الثقة التي يمكن أن ينظر بها إلى رواياتهم. ومهما يكن الأمر فإننا- برغم هذه الروايات الكثيرة- لا نكاد نضع ثقتنا الكاملة إلا في قليل منها. ولقد روي عن الإمام الشافعي أنه قال: «لم يثبت عن ابن عباس في التفسير إلا شبيه بمائة حديث». كتب التفسير التي جمعت مأثور الروايات: بعد عصر التابعين دونت تفاسير تجمع أقوال الصحابة والتابعين يذكر الزركشي كثيرا منها (١). وكثير من هذه التفاسير التي تذكر تعد الآن مفقودة، لكننا لا نزال نملك عددا صالحا من كتب التفسير التي جمعت كل ما ينسب إلى الصحابة والتابعين. يجيء في مقدمتها: تفسير الطبري: صاحب هذا التفسير هو العالم المؤرخ الكبير محمد بن جرير الطبري. (المولود عام ٢٢٤، والمتوفى عام ٣١٠). لقد خلف لنا هذا العالم الجليل أكبر موسوعة في تاريخ العرب والإسلام إبان القرون الثلاثة الأولى من هذا التاريخ. وكانت طريقة الطبري في كتابة التاريخ معتمدة على الأسانيد. فهو يروي الوقائع التاريخية بأسانيدها. وكذلك اعتمد في تفسيره الكبير الذي يشغل ثلاثين جزءا على الروايات المسندة، وقد أجتهد الطبري في تحرير الأسانيد التي ذكرها، وأبان قويّها من ضعيفها ويكاد يكون تفسيره أوسع التفاسير، لكنه مع ذلك لا يخلو من روايات ضعيفة، كما أنه يشتمل على مادة لسنا بحاجة اليها اليوم في فهم القرآن الكريم.

стр. 132

أذكر من أمثلة ذلك ما رواه من تفسيرات لظواهر الطبيعة التي ورد ذكرها في القرآن الكريم وكثرتها تفسيرات خرافية، لا يحتاج إليها في فهم النصوص القرآنية. وسأذكر لكم هنا بعض ما جاء به من روايات في تفسير الرعد والبرق في قوله تعالى: فِيهِ ظُلُماتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ. الروايات التي جاء بها في تفسير الرعد: ١ - الرعد ملك يزجر السحاب بصوته. ٢ - الرعد ملك من الملائكة يسبح. ٣ - الرعد ملك موكل بالسحاب يسوقه كما يسوق الحادي الإبل، يسبح، كلما خالفت سحابة سحابة صاح بها، فإذا اشتد غضبه طارت النار من فيه، فهي الصواعق التي رأيتم. ٤ - الرعد ملك من الملائكة اسمه الرعد، وهو الذي تسمعون صوته. ٥ - الرعد ملك يزجر السحاب بالتسبيح والتكبير. ٦ - الرعد اسم ملك، وصوته هذا تسبيحه، فإذا اشتد زجره السحاب، اضطرب السحاب واحتك، فتخرج الصواعق من بينه. ٧ - الرعد ملك في السحاب، يجمع السحاب كما يجمع الراعي الإبل. ٨ - الرعد ريح. الروايات التي جاءت في تفسير البرق: ١ - البرق مخاريق (١) الملائكة.

стр. 133

٢ - البرق مخاريق بأيدي الملائكة يزجرون بها السحاب. ٣ - الرعد الملك، والبرق ضربه السحاب بمخراق من حديد. ٤ - هو سوط من نور يزجي به الملك السحاب. ٥ - هو ماء. ٦ - البرق ملك له أربعة أوجه، وجه إنسان ووجه ثور، ووجه نسر، ووجه أسد، فإذا مصع (١) بأجنحته فذلك البرق. وهناك روايات أخرى إلى جانب ذلك (٢). فمثل هذه التفسيرات لمعنى الرعد والبرق ليس لها أساس علمي، وهي لا تفيدنا شيئا في تفسير النص القرآني، الذي يبقى له جماله وإعجازه برغم هذه التفسيرات التي تلصق به. وكما نستطيع استبعاد مثل هذه التأويلات المتصلة بالظواهر الكونية، نستطيع أيضا استبعاد القصص والخرافات والأساطير التي قبسها بعض المفسرين عن أهل الكتاب وغيرهم وملئوا بها كتب التفسير، من غير أن تكون هناك حاجة إليها لفهم النص القرآني. لكننا نبادر فنقول إننا- برغم ما نلقاه من مثل هذه الأمور في تفسير الطبري وغيره من التفسيرات التي تجمع الروايات المأثورة- نجد في تفسير الطبري ألوفا من اللفتات القيمة والتوجيهات الذكية في بيان معاني الآيات. وإلى جانب تفسير الطبري الذي يعتبر أجمع التفسيرات لمأثور الروايات يمكننا أن نذكر التفسيرات الآتية: تفسير ابن كثير: مؤلفه عماد الدين اسماعيل بن الخطيب المعروف بابن كثير. من علماء دمشق، ولد عام ٧٠٥ هـ وتوفي في عام ٧٧٤. وهو من أوثق

стр. 134

التفسيرات التي تجمع الروايات المأثورة وتحقق أسانيدها، وتمحص ما انطوت عليها نصوصها إلى حد بعيد. طبع بالقاهرة في تسعة أجزاء. الدر المنثور في التفسير بالمأثور: ومؤلفه جلال الدين السيوطي صاحب الإتقان في علوم القرآن، المتوفي عام ٩١١ هـ. ونستطيع أن نطلع على نماذج من التفسير المأثور المسند إلى الرسول في خاتمة كتاب الإتقان في علوم القرآن للسيوطي. ونلحظ أن هناك طعنا في أسانيد كثير من الأحاديث المروية في التفسير. التفسير بالرأي: وردت أحاديث تنهى عن تفسير القرآن بالرأي. فمن ذلك ما روي عن ابن عباس من أن النبي قال: «من قال في القرآن برأيه أو بما لا يعلم فليتبوأ معقدة من النار (١)». وقد روي هذا الحديث بصور مختلفة لكن مصدرها واحد. كذلك روي عن أبي بكر أنه قال: «أي أرض تقلني وأي سماء تظلني إذا قلت في القرآن ما لا أعلم (٢)». وهذه النصوص لا تمنع الاجتهاد في التفسير إنما تمنع التصدي للتفسير بغير علم. فهناك أمور كثيرة تجب الإحاطة بها قبل محاولة تفسير القرآن، ومن هذه الأمور معرفة ما أثر عن الرسول من بيان لمعنى الآيات، وبخاصة آيات الأحكام التي لا سبيل إلى معرفتها على الوجه الأكمل بدون الإحاطة بكل ما ارتبط بها من بيانات الرسول. يضاف إلى ذلك أن من الآيات ما لا يجوز الإفتاء برأي في معناه، وإنما يجب الاكتفاء بما ورد عنه من أخبار في نص القرآن، إذ قد يكون بعض ذلك مما استأثر الله بعلمه كموعد قيام الساعة، أو مما لم يرد له ذكر من أمور لا أهمية لها كلون كلب أصحاب الكهف أو نوع الخشب الذي صنعت منه سفينة نوح وما الى ذلك.

стр. 135

إن تفسير القرآن وإيضاح معانيه واجب على علماء الأمة الإسلامية، فالقرآن نزل بلسان عربي، وخاطب أمة تفهم هذا اللسان. ولو نزل بلغة غير مفهومة لما كان هناك وجه لنزوله. يضاف إلى ذلك أن الله دعا الناس إلى تفهم آياته وتدبر معانيها. قال تعالى: وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ. (النحل: ٤٤) وقال: كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ. (ص: ٢٩) وقال: وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (القمر: ١٧، ٢٢، ٣٢). وقال: وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ. قُرْآناً عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (الزمر: ٢٧، ٢٨)

стр. 136

وقال: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها (محمد: ٢٤) فكل هذه الآيات تدعو الناس إلى تدبر آيات القرآن وتفهمها، وتحثهم على الاهتداء بما جاء فيها. ولا يتسنى القيام بهذا لو كان القرآن لا يقبل التفسير، أو يمنع اجتهاد المجتهدين في تفهم آياته، وإيضاح معانيها. من هنا كانت الأحاديث والروايات التي تمنع الإفتاء بالرأي- إن صحت- لا تعني منع الاجتهاد في تفسير القرآن، وإنما تعني منع الخوض في تفسير كتاب الله بغير علم ولا أهلية لمثل ذلك العمل. الفكر الاسلامي وتطور التفسير بالرأي: إن حياة المجتمع الإسلامي بعد الصدر الأول أخذت تتعقد من نواح متعددة. بعضها سياسي، وبعضها اجتماعي، وبعضها فكري. وكان من الطبيعي أن المجتمع الذي تطور على هذه الصورة تتغير مناهجه في دراسة العلوم، وتتباين سبلها. وكان للتفسير القرآني حظه من تطور الأسلوب، وتعدد المناهج. لقد انقسم المسلمون إلى أحزاب سياسية في أعقاب الحرب الأهلية التي جرت بين علي ومعاوية. وتمخضت هذه الحرب عن أحزاب أربعة رئيسية هي الشيعة والخوارج والمرجئة والموالون للحكم الأموي. وكان كل حزب من هذه الأحزاب يلتمس في القرآن تأييدا لرأيه، فكان أن فسر القرآن تفسيرات حزبية في بعض الأحيان. ولعل بعض هذه التفسيرات قد وضع بنية حسنة، يعتقد أصحابها بإخلاص أن حزبهم هو الحزب المهتدي إلى نهج الصواب. ولعل بعضها قد وضع بنية سيئة، تغلّب المصلحة الحزبية على الإخلاص الكامل للعقيدة. ويمكننا أن نلمس ألوانا من هذه التفسيرات الحزبية فيما ذهب إليه الخوارج في

стр. 137

معارضتهم للإمام علي. فهم قد اعتبروا المحاربين من جيش معاوية مشركين، لخروجهم على الخليفة الشرعي، وتمزيق شمل الجماعة الإسلامية. وتطرقوا من ذلك إلى أن عدّوا مهادنة على لمعاوية أيام اتفاق التحكيم مهادنة المشركين، وخروجا من عهد الإمامة. لقد استشهدوا بسورة براءة التي حرمت معاهدة المشركين، ورفضوا فكرة التحكيم لأنها توقف القتال، في حين أن هذه السورة توجب قتال المشركين حتى يثوبوا إلى أمر الله. وكانت نسبة الشرك إلى معاوية وأنصاره مقدمة أدت إلى مثل هذا التفكير. وكذلك كان القول بأن مرتكب الكبيرة كافر مخلد في النار مدعاة إلى تفسير القرآن بما يؤيد هذا الرأي. والتمس الشيعة في القرآن ما يؤيد أهل البيت. وفسروا قوله تعالى: إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً (الأحزاب: ٣٣) على أنه يعني عصمة الأئمة من آل البيت. وظهرت آراء المعتزلة، وكانت مبادئهم الخمسة المشهورة ومنها التوحيد والعدل والمنزلة بين المنزلتين. وفكرة التوحيد عند المعتزلة اقتضت نفي الصفات، سواء منها صفات الذات أو صفات الفعل. والتمسوا لآرائهم تلك تأييدا في آيات القرآن. كما أدى قولهم هذا إلى نفي قدرة البشر على رؤية الله بالأبصار. وتكلموا في ذلك. فكان قوله تعالى: لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ (الأنعام: ١٠٣) عندهم دليلا على أن البشر لا سبيل لهم إلى مشاهدة الخالق، فالعين الحسية محدودة، والله لا يحده مكان. وتأولوا قوله تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ (القيامة: ٢٢)

стр. 138

فقالوا إن المقصود أن هذه الوجوه ناظرة إلى ثواب ربها. ويتصدى لهم أهل السنة، خصومهم في العقائد، فيقولون إن خير ما يطمح إليه المؤمنون من ثواب يوم القيامة هو رؤية الله. فالرؤية في الآخرة متحققة. وعيون الناس لن تكون محدودة القدرة كعيون الحس في هذه الدنيا. أما قوله تعالى: لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ فيقولون إن هذا مقصور على الدنيا، فالرؤية ممتنعة في الدنيا لا في الآخرة. ونظرية العدل الإلهي عند المعتزلة أدت إلى قولهم بخلق الإنسان لأعماله. والتمسوا تأييدا لرأيهم في مثل قوله تعالى: فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ. (الكهف: ٢٩) وكان رأيهم أن التكليف يقتضي حرية الإرادة، وأن الحساب يستلزم حرية الفعل عند الإنسان. أما أهل السنة فارتئوا أن الله خالق كل شيء، وهو خالق الإنسان وما يعمل. ويستشهدون على ذلك بقوله تعالى: اللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ فكل أعمال العباد مخلوقة لله. وحين يجيبهم المعتزلة بأن هذا يتنافى مع العدل، ويصبح تكليف الله من قبيل التكليف بما لا يطاق، يكون ردّ أهل السنة أن الله قد يكلف بما لا يطاق. ولولا ذلك لما كان قوله تعالى: رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ وهكذا أدى دخول الفلسفة ميدان دراسة العقائد إلى دخول هذه الأبحاث في تفسير القرآن. وكان أن ظهرت التفاسير التي تؤيد عقائد أهل السنة وتلك التي تؤيد عقائد المعتزلة، والشيعة. واصطبغت بعض التفاسير بالاتجاه الفلسفي، ومناقشة كل موضوع بأسلوب منطقي. فمثل قوله تعالى:

стр. 139

يُخادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَما يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ لا يقبل على ظاهره. بل يتوقف الفخر الرازي عند هذه الآية ويؤول معنى قوله تعالى: يُخادِعُونَ اللَّهَ حيث أن الله لا يمكن مخادعته. يقول: «لا بد من التأويل وهو من وجهين: (الأول) أنه تعالى ذكر نفسه وأراد به رسوله على عادته في تفخيم أمره وتعظيم شأنه. قال: إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ وقال في عكسه: وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ أضاف السهم الذي يأخذه الرسول إلى نفسه. فالمنافقون لما خادعوا الرسول قيل إنهم خادعوا الله تعالى. (الثاني) إن يقال: صورة حالهم مع الله حيث يظهرون الإيمان وهم كافرون صورة من يخادع، وصورة صنيع الله معهم حيث أمر بإجراء أحكام المسلمين عليهم وهم عنده في عداد الكفرة صورة صنيع المخادع وكذلك، صورة صنيع المؤمنين معهم حيث امتثلوا أمر الله فيهم فأجروا أحكامه عليهم». ولقد ظهر التصوف الإسلامي، فكان له في تفسير القرآن شأن آخر، إن الصوفية لا يقفون من نصوص القرآن عند معانيها الظاهرة، بل يغوصون وراء الظاهر بحثا عن معان باطنة. وربما جاءوا في ذلك بلفتات قيمة في تفسير القرآن. لكن هذا الأسلوب كثيرا ما قادهم إلى الإتيان ببعض التأويلات البعيدة عن النص. ومن الصوفية من كانوا قريبين من أهل السنة، واكتفوا من التصوف بمجرد السلوك.

стр. 140

ومنهم من كان تصوفهم منهجا فكريا قد مزج الإسلام وعقائده ببعض المذاهب الإشراقية كالأفلاطونية المحدثة. ومن أهم كتب التفسير الصوفي تفسير ابن سهل التستري وتفسير القشيري وتفسير ابن عربي. فأما تفسير القشيري فهو تفسير صوفي لا يبعد كثيرا عن تفسيرات أهل السنة، وإن استخدم المصطلحات الصوفية كالمقامات والأحوال والشهود والحجاب وما إلى ذلك. أما تفسير ابن عربي فيمثل التفسير الصوفي في مرحلة متأخرة من تاريخ التصوف. فمن المعروف أن ابن عربي صاحب فلسفة صوفية تختلف عن مذاهب الصوفية القدماء. وينسب اليه القول بوحدة الوجود وغير ذلك من المذاهب ذات الطابع الفلسفي، التي يقال إن التصوف قد اكتسبها من تأثره بفلسفات قديمة. وسنمثل هنا بنص مقتبس من تفسير القشيري المعروف بلطائف الإشارات الذي تم تأليفه عام ٤٣٤ هـ، وذلك لبيان منهج التفسير الصوفي في صورة قديمة. ثم نأتي بعد ذلك بمثال مقتبس من تفسير ابن عربي الذي وضع بعد ذلك بنحو قرنين من الزمن. تفسير قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ القشيري: يقول القشيري في تفسير هذه الآية: «من كان في غطاء وصفه محجوبا عن شهود حقه فالإشارة لنعته أنه سيان عنده قول من دلّه على الحق، وقول من أعانه على استجلاب الحظ، بل هو إلى دواعي الغفلة أميل، وفي الإصغاء إليها أرغب. كيف لا وهو بكيّ الفرقة موسوم، وفي سجن الغيبة محبوس وعن محل القربة ممنوع، لا يحصل منهم إيمان، لأنه ليس من الحق أمان ... ويقال إن الكافر لا يرعوي عن ضلالته لما سبق من شقاوته، وكذلك المربوط

стр. 141

بأغلال نفسه محجوب عن شهود غيبه وحقه، فهو لا يبصر رشده ولا يسلك قصده. ويقال إن الذي بقي في ظلمات رعونته، سواء عنده نصح المرشدين وتسويلات المبطلين، لأن الله تعالى نزع عن أحواله بركات الإنصاف، فلا يدرك بسمع القبول ولا يصغي إلى داعي الرشاد». أما ابن عربي فيقدم لنا التأويل بصورة واضحة في تفسيره لقوله تعالى: أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ. (البقرة: ١٩). يقول: «ثم شبههم ثانيا بقوم أصابهم مطر فيه ظلمات ورعد وبرق، فالمطر هو نزول الوحي الإلهي، ووصول أمداد الرحمة إليهم ببركة صحبة المؤمنين، وبقية استعدادهم مما يفيد قلوبهم أدنى لين، وحصول النعم الظاهرة لهم بموافقتهم في الظاهر، والظلمات هي الصفات النفسانية، والشكوك الخيالية والوهمية والوساوس الشيطانية مما تحيرهم وتوحشهم. والرعد هو التهديد الإلهي والوعيد القهري لوارد في القرآن والآيات والآثار المسموعة والمشاهدة مما يخوفهم فيفيد أدنى انكسار لقلوبهم الطاغية وانهزام لنفوسهم الآبية. والبرق هو اللوامع النورية والتنبيهات الروحية عند سماع الرعد وتذكير الآلاء والنعماء، مما يطمعهم ويرجيهم، فيفيدهم أدنى شوق وميل إلى الإجابة. ومعنى (يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت) يتشاغلون عن الفهم بالملاهي والملاعب عن سماع آيات الوعيد لكي لا ينجع فيهم فيقطعهم عن اللذات الطبيعية بهموم الآخرة إذ الانقطاع عن الذات الحسية هو موتهم، والله قادر عليهم قاطع إياهم عن تلك اللذات المألوفة بالموت الطبيعي، قدرة المحيط بالشيء الذي لا يفوته منه، فلا فائدة لحذرهم».

стр. 142

هذان مثالان للتفسير الصوفي أردت أن أقدم فيهما لونا من التفسير القرآني عند هؤلاء المفكرين المسلمين الذين ذهبوا إلى أن آيات القرآن لها معان ظاهرة، وأخرى باطنة تشير الآيات إليها. وقد أعلن هؤلاء إيمانهم بالظاهر والباطن، فهم من هذه الناحية يختلفون عن فرق الباطنية التي تنصرف عن ظاهر النص وتكتفي بتأويل القرآن، مكتفية بما تدعي أنها المعاني الباطنية. وهؤلاء هم الذين حمل عليهم الغزالي في كتابه فضائح الباطنية. وقد نقل السيوطي عن ابن عطاء الله السكندري رأيه في تفسير الصوفية، وفيه يقول: «اعلم أن تفسير هذه الطائفة لكلام الله وكلام رسوله بالمعاني الغريبة، ليس إحالة للظاهر عن ظاهره، ولكن ظاهر الآية مفهوم منه ما جاءت الآية له ودلت عليه في عرف اللسان. ولهم إفهام باطنة تفهم عند الآية والحديث لمن فتح الله قلبه. وقد جاء في الحديث: (لكل آية ظهر وبطن). فلا يصدنك عن تلقي هذه المعاني منهم أن يقول ذو جدل ومعارضة: هذا إحالة لكلام الله وكلام رسوله، فليس ذلك بإحالة، وإنما يكون إحالة لو قالوا: لا معنى للآية إلا هذا. وهم لم يقولوا ذلك بل يقررون الظواهر على ظواهرها مرادا بها موضوعاتها، ويفهمون عن الله ما ألهمهم». والواقع أن للصوفية لفتات جيدة في فهم كثير من نصوص القرآن. وما داموا يقرون بالمعاني الظاهرة للآيات، ويؤمنون بها، فلا خوف من تأويلاتهم التي لا تتعارض مع مضمون آيات القرآن. ويعتبر تفسير الكشاف للزمخشري مثالا لتفسيرات المعتزلة. لقد عني صاحب الكشاف بمسائل البلاغة في تفسيره. كذلك جاء تفسيره سهل العبارة، خاليا من الحشو. لكن الزمخشري يعنى في تفسيره بشرح عقائد المعتزلة، ويحاول تأييدها بشتى الأدلة.

стр. 143

مثال من تفسير الكشاف: سأختار هنا مثالا من سورة البقرة، قوله تعالى: خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ يقول الزمخشري في تفسير الآية: «إن قلت: لم أسند الختم إلى الله تعالى، وإسناده إليه يدل على المنع من قبول الحق والتوصل إليه بطرقه، وهو قبيح، والله يتعالى عن فعل القبيح علوا كبيرا ... وقد نص على تنزيه ذاته بقوله: وَما أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ، وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ كانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ، إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ ونظائر ذلك مما نطق به التنزيل؟ قلت: القصد إلى صفة القلوب بأنها كالمختوم عليها، وأما إسناد الختم إلى الله فلينبه على أن هذه الصفة في فرط تمكنها وثبات قدمها كالشيء الخلقي غير العرضي. ألا ترى إلى قولهم: فلان مجبول على كذا ومفطور عليه، يريدون أنه بليغ في الثبات عليه. وكيف يتخيل ما خيل إليك وقد وردت الآية ناعية على الكفار شناعة صفتهم، وسماجة حالهم، ونيط بذلك الوعيد بعذاب عظيم. ويجوز أن تضرب الجملة كما هي، وهي ختم الله على قلوبهم مثلا كقولهم: سال به الوادي، إذا هلك. وطارت به العنقاء، إذا أطال الغيبة، وليس للوادي ولا للعنقاء عمل في هلاكه، ولا في طول غيبته، وإنما هو تمثيل، مثّلت حاله في هلاكه بحال من سال به الوادي، وفي غيبته بحال من طارت به العنقاء. فكذلك مثّلت حال قلوبهم فيما كانت عليه من التجافي عن الحق بحال قلوب ختم الله عليها». فالزمخشري هنا يفسر الآية بطريقة تجعل الكفار مسئولين عن ضلالهم، وأن الكفر كان من فعلهم لا من فعل الله. وهذا الرأي ينافي رأي أهل السنة، الذين

стр. 144

ذهبوا في تفسير الآية إلى أن الله ختم على قلوبهم، لأن الله خالق كل شيء، وهؤلاء الكفار قد كتب عليهم الهلاك منذ الأزل. وحين جاء العصر الحديث وظهرت مخترعات العلم، وتحقق للإنسانية هذا التقدم التقني الذي كان وليد المخترعات الحديثة، ظهرت نزعة عند بعض المفسرين المحدثين لتضمين التفسير القرآني كل ما جاء به العلم الحديث من حقائق، وما حققه من تقدم تقني. وأشهر من سلك هذا المنهج هو الشيخ طنطاوي جوهري في تفسيره المفصّل القرآن الكريم. ونحن نلحظ كيف أنه يزج بنظريات العلوم زجا في تفسير القرآن بصورة لا نجد لها كبير جدوى. فإذا فسر آية مثل قوله تعالى: ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ نجد أنه يسرف في الحديث عن السماء والأثير ويعدد كواكب السماء وأبعادها عن الأرض وهكذا. فماذا يحدث لو بطلت هذه المعلومات التي ذكرها. إن الطبري ذكر ما كان سائدا في عصور التفسير الأولي عن البرق والرعد، والنتيجة كانت كما رأينا. وكثير من المعلومات التي ذكرها الجوهري كانت سائدة في زمن هذا المؤلف وهو الربع الأول من هذا القرن، لكنها لم تعد الآن سائدة بعد ما حققه العلم في السنوات الأخيرة، إذ نجح الإنسان في ارتياد الفضاء الخارجي والوصول إلى كوكب القمر، وعرف من الحقائق ما لم يكن معروفا في زمن الشيخ الجوهري. من هنا نقول إن الزج بالقضايا العلمية والتقنية أمر لا يستلزمه فهم الكتاب الكريم، كما أنه لا يقدم لنا عونا حقيقيا في النفاذ إلى أسراره. وهناك تفسيرات حديثة أخرى لم تسلك هذا السبيل إلا بقدر محدود، منها تفسير المنار للشيخ رشيد رضا، وتفسير المراغي وغيرهما. وقد دعا المرحوم الأستاذ أمين الخولي إلى تفسير القرآن بالقرآن، أي أن يوضع

стр. 145

تفسير يقوم على أن القرآن يفسر بعضه بعضا. فكل لفظة من ألفاظ القرآن يجب أن تفهم على ضوء استعمالاتها في مختلف المواضع التي وردت فيها، وبهذا نستطيع وضع معجم قرآني يكون أساسا للتفسير الصحيح. ولم يترك الخولي عملا كاملا في التفسير، لكنه وضع منهجا، لخصه في مادة «تفسير» التي كتبها للنسخة المعربة لدائرة المعارف الاسلامية. وتسير السيدة عائشة عبد الرحمن (ابنة الشاطئ) على نهج الأستاذ الخولي فيما تنشره من أبحاث في تفسير القرآن بعنوان «التفسير البياني». والخلاصة التي نصل إليها من هذا البحث أن القرآن الكريم قد فسر منذ أوائل عصور الإسلام، وأن التفسير قد تطور بتطور المجتمع الإسلامي، والثقافة الإسلامية. وكان كثير من المفسرين يتأثر في منهجه التفسيري بثقافته اللغوية أو البلاغية أو المذهبية أو الفلسفية. وكل كتب التفسير تعتبر مجموعة متكاملة في بيان معاني القرآن الكريم. ولا يزال مجال العمل منفسحا أمام تفسير جديد يجمع إلى مزايا التفسيرات القديمة مزية الوضوح والشمول، والدقة، مع الإفادة من أحدث ما ابتكر من أساليب في شرح النصوص وتحليلها.
следующие страницы →