← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 38014

في علوم القرآن دراسات ومحاضرات

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (332 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

بأغلال نفسه محجوب عن شهود غيبه وحقه، فهو لا يبصر رشده ولا يسلك قصده. ويقال إن الذي بقي في ظلمات رعونته، سواء عنده نصح المرشدين وتسويلات المبطلين، لأن الله تعالى نزع عن أحواله بركات الإنصاف، فلا يدرك بسمع القبول ولا يصغي إلى داعي الرشاد». أما ابن عربي فيقدم لنا التأويل بصورة واضحة في تفسيره لقوله تعالى: أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ. (البقرة: ١٩). يقول: «ثم شبههم ثانيا بقوم أصابهم مطر فيه ظلمات ورعد وبرق، فالمطر هو نزول الوحي الإلهي، ووصول أمداد الرحمة إليهم ببركة صحبة المؤمنين، وبقية استعدادهم مما يفيد قلوبهم أدنى لين، وحصول النعم الظاهرة لهم بموافقتهم في الظاهر، والظلمات هي الصفات النفسانية، والشكوك الخيالية والوهمية والوساوس الشيطانية مما تحيرهم وتوحشهم. والرعد هو التهديد الإلهي والوعيد القهري لوارد في القرآن والآيات والآثار المسموعة والمشاهدة مما يخوفهم فيفيد أدنى انكسار لقلوبهم الطاغية وانهزام لنفوسهم الآبية. والبرق هو اللوامع النورية والتنبيهات الروحية عند سماع الرعد وتذكير الآلاء والنعماء، مما يطمعهم ويرجيهم، فيفيدهم أدنى شوق وميل إلى الإجابة. ومعنى (يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت) يتشاغلون عن الفهم بالملاهي والملاعب عن سماع آيات الوعيد لكي لا ينجع فيهم فيقطعهم عن اللذات الطبيعية بهموم الآخرة إذ الانقطاع عن الذات الحسية هو موتهم، والله قادر عليهم قاطع إياهم عن تلك اللذات المألوفة بالموت الطبيعي، قدرة المحيط بالشيء الذي لا يفوته منه، فلا فائدة لحذرهم».

стр. 142

هذان مثالان للتفسير الصوفي أردت أن أقدم فيهما لونا من التفسير القرآني عند هؤلاء المفكرين المسلمين الذين ذهبوا إلى أن آيات القرآن لها معان ظاهرة، وأخرى باطنة تشير الآيات إليها. وقد أعلن هؤلاء إيمانهم بالظاهر والباطن، فهم من هذه الناحية يختلفون عن فرق الباطنية التي تنصرف عن ظاهر النص وتكتفي بتأويل القرآن، مكتفية بما تدعي أنها المعاني الباطنية. وهؤلاء هم الذين حمل عليهم الغزالي في كتابه فضائح الباطنية. وقد نقل السيوطي عن ابن عطاء الله السكندري رأيه في تفسير الصوفية، وفيه يقول: «اعلم أن تفسير هذه الطائفة لكلام الله وكلام رسوله بالمعاني الغريبة، ليس إحالة للظاهر عن ظاهره، ولكن ظاهر الآية مفهوم منه ما جاءت الآية له ودلت عليه في عرف اللسان. ولهم إفهام باطنة تفهم عند الآية والحديث لمن فتح الله قلبه. وقد جاء في الحديث: (لكل آية ظهر وبطن). فلا يصدنك عن تلقي هذه المعاني منهم أن يقول ذو جدل ومعارضة: هذا إحالة لكلام الله وكلام رسوله، فليس ذلك بإحالة، وإنما يكون إحالة لو قالوا: لا معنى للآية إلا هذا. وهم لم يقولوا ذلك بل يقررون الظواهر على ظواهرها مرادا بها موضوعاتها، ويفهمون عن الله ما ألهمهم». والواقع أن للصوفية لفتات جيدة في فهم كثير من نصوص القرآن. وما داموا يقرون بالمعاني الظاهرة للآيات، ويؤمنون بها، فلا خوف من تأويلاتهم التي لا تتعارض مع مضمون آيات القرآن. ويعتبر تفسير الكشاف للزمخشري مثالا لتفسيرات المعتزلة. لقد عني صاحب الكشاف بمسائل البلاغة في تفسيره. كذلك جاء تفسيره سهل العبارة، خاليا من الحشو. لكن الزمخشري يعنى في تفسيره بشرح عقائد المعتزلة، ويحاول تأييدها بشتى الأدلة.

стр. 143

مثال من تفسير الكشاف: سأختار هنا مثالا من سورة البقرة، قوله تعالى: خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ يقول الزمخشري في تفسير الآية: «إن قلت: لم أسند الختم إلى الله تعالى، وإسناده إليه يدل على المنع من قبول الحق والتوصل إليه بطرقه، وهو قبيح، والله يتعالى عن فعل القبيح علوا كبيرا ... وقد نص على تنزيه ذاته بقوله: وَما أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ، وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ كانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ، إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ ونظائر ذلك مما نطق به التنزيل؟ قلت: القصد إلى صفة القلوب بأنها كالمختوم عليها، وأما إسناد الختم إلى الله فلينبه على أن هذه الصفة في فرط تمكنها وثبات قدمها كالشيء الخلقي غير العرضي. ألا ترى إلى قولهم: فلان مجبول على كذا ومفطور عليه، يريدون أنه بليغ في الثبات عليه. وكيف يتخيل ما خيل إليك وقد وردت الآية ناعية على الكفار شناعة صفتهم، وسماجة حالهم، ونيط بذلك الوعيد بعذاب عظيم. ويجوز أن تضرب الجملة كما هي، وهي ختم الله على قلوبهم مثلا كقولهم: سال به الوادي، إذا هلك. وطارت به العنقاء، إذا أطال الغيبة، وليس للوادي ولا للعنقاء عمل في هلاكه، ولا في طول غيبته، وإنما هو تمثيل، مثّلت حاله في هلاكه بحال من سال به الوادي، وفي غيبته بحال من طارت به العنقاء. فكذلك مثّلت حال قلوبهم فيما كانت عليه من التجافي عن الحق بحال قلوب ختم الله عليها». فالزمخشري هنا يفسر الآية بطريقة تجعل الكفار مسئولين عن ضلالهم، وأن الكفر كان من فعلهم لا من فعل الله. وهذا الرأي ينافي رأي أهل السنة، الذين

стр. 144

ذهبوا في تفسير الآية إلى أن الله ختم على قلوبهم، لأن الله خالق كل شيء، وهؤلاء الكفار قد كتب عليهم الهلاك منذ الأزل. وحين جاء العصر الحديث وظهرت مخترعات العلم، وتحقق للإنسانية هذا التقدم التقني الذي كان وليد المخترعات الحديثة، ظهرت نزعة عند بعض المفسرين المحدثين لتضمين التفسير القرآني كل ما جاء به العلم الحديث من حقائق، وما حققه من تقدم تقني. وأشهر من سلك هذا المنهج هو الشيخ طنطاوي جوهري في تفسيره المفصّل القرآن الكريم. ونحن نلحظ كيف أنه يزج بنظريات العلوم زجا في تفسير القرآن بصورة لا نجد لها كبير جدوى. فإذا فسر آية مثل قوله تعالى: ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ نجد أنه يسرف في الحديث عن السماء والأثير ويعدد كواكب السماء وأبعادها عن الأرض وهكذا. فماذا يحدث لو بطلت هذه المعلومات التي ذكرها. إن الطبري ذكر ما كان سائدا في عصور التفسير الأولي عن البرق والرعد، والنتيجة كانت كما رأينا. وكثير من المعلومات التي ذكرها الجوهري كانت سائدة في زمن هذا المؤلف وهو الربع الأول من هذا القرن، لكنها لم تعد الآن سائدة بعد ما حققه العلم في السنوات الأخيرة، إذ نجح الإنسان في ارتياد الفضاء الخارجي والوصول إلى كوكب القمر، وعرف من الحقائق ما لم يكن معروفا في زمن الشيخ الجوهري. من هنا نقول إن الزج بالقضايا العلمية والتقنية أمر لا يستلزمه فهم الكتاب الكريم، كما أنه لا يقدم لنا عونا حقيقيا في النفاذ إلى أسراره. وهناك تفسيرات حديثة أخرى لم تسلك هذا السبيل إلا بقدر محدود، منها تفسير المنار للشيخ رشيد رضا، وتفسير المراغي وغيرهما. وقد دعا المرحوم الأستاذ أمين الخولي إلى تفسير القرآن بالقرآن، أي أن يوضع

стр. 145

تفسير يقوم على أن القرآن يفسر بعضه بعضا. فكل لفظة من ألفاظ القرآن يجب أن تفهم على ضوء استعمالاتها في مختلف المواضع التي وردت فيها، وبهذا نستطيع وضع معجم قرآني يكون أساسا للتفسير الصحيح. ولم يترك الخولي عملا كاملا في التفسير، لكنه وضع منهجا، لخصه في مادة «تفسير» التي كتبها للنسخة المعربة لدائرة المعارف الاسلامية. وتسير السيدة عائشة عبد الرحمن (ابنة الشاطئ) على نهج الأستاذ الخولي فيما تنشره من أبحاث في تفسير القرآن بعنوان «التفسير البياني». والخلاصة التي نصل إليها من هذا البحث أن القرآن الكريم قد فسر منذ أوائل عصور الإسلام، وأن التفسير قد تطور بتطور المجتمع الإسلامي، والثقافة الإسلامية. وكان كثير من المفسرين يتأثر في منهجه التفسيري بثقافته اللغوية أو البلاغية أو المذهبية أو الفلسفية. وكل كتب التفسير تعتبر مجموعة متكاملة في بيان معاني القرآن الكريم. ولا يزال مجال العمل منفسحا أمام تفسير جديد يجمع إلى مزايا التفسيرات القديمة مزية الوضوح والشمول، والدقة، مع الإفادة من أحدث ما ابتكر من أساليب في شرح النصوص وتحليلها.

стр. 146

القسم الثاني نصوص قرآنيّة (آيات من سورة البقرة) تفسير ودراسة للدكتور محمد عبد السلام كفافي

стр. 147

آيات من سورة البقرة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ١ - الم ألف لام ميم، لقد افتتحت بعض سور القرآن- كما مر بك- ببعض الحروف الهجائية. وقد ذكرنا أنه قد وردت تفسيرات متعددة لمعنى هذه الأحرف، منها أنها كانت أسماء للسور، ومنها أنها كانت لجذب انتباه المستمعين لسماع ما بعدها. كما قيل في تفسيرها أيضا إنها كانت لتنبيه المستمعين إلى أن هذا القرآن المعجز صيغ من هذه الأحرف التي كان العرب يعرفونها. وقد ذهب بعض المفسرين إلى أن هذه الأحرف من الأسرار التي لم يدرك معناها. ٢ - ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ الكتاب المشار إليه هنا هو القرآن الكريم. وقد كان للمستمعين سابق عهد به، أسبق نزول سور كثيرة منه قبل هذه السورة، فجازت الإشارة إليه بذلك، وهي الإشارة إلى البعيد. لا رَيْبَ فِيهِ

стр. 148

الريب هو الشك. فهذا الكتاب الكريم قد بلغ من الوضوح وصدق الحجة إلى حيث لا ينبغي لمرتاب أن يرتاب فيه. هُدىً لِلْمُتَّقِينَ أي أنه دليل يهدي ومرشد يوجه أهل التقوى. والتقوى هي اتقاء ما حرم الله فعله، وتجنب ما نهى عنه. هي أن يتقي الإنسان بصالح أعماله عذاب الله. وقال بعض المفسرين: التقوى هي أن لا يراك الله حيث نهاك، ولا يفتقدك حيث أمرك. ويفهم من مختلف تفسيرات الكلمة أن التقوى تكون في السلوك وكذلك في الاعتقاد، فمن حسنت أعماله، وصحت عقيدته فهو المتقي. ٣ - الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ أي الذين يصدقون تصديقا كاملا، أما الغيب فهو ما أخبر به الله مما غاب علمه عن العقول وشهوده عن الحواس. والإيمان بالغيب يقتضي درجة عالية من الإيمان، لأنه يدل على ثقة الإنسان الكاملة بما يخبره به الخالق، برغم أنه لم يتح له شهود شيء من ذلك الغيب المحجب. وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ إقامة الصلاة أداؤها على الوجه الأكمل، بصورة يشترك فيها القلب والوجدان مع حركات الجوارح. فلا جدوى من صلاة يؤديها الإنسان بصورة حسية مجردة من شعور القلب، وإحساس الضمير بمعنى الصلاة، وما تعبر عنه من طاعة الإنسان لخالقه، وإيمانه به إيمانا قائما على المحبة والاقتناع. وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ أي ينفقون مما وهبهم الله من الرزق، والرزق هو الحظ والنصيب. وقد اختلف في معنى ما يوصف بأنه رزق، هل هو الرزق الحلال، أم أي كسب

стр. 149

مهما كان مصدره. ويرى المعتزلة أن الرزق هنا يقصد به الرزق الحلال ويحتجون على ذلك بوجوه، منها أن الآية تتضمن مدحا على الإنفاق، فلو كان الحرام رزقا لوجب أن يستحقوا المدح إذا أنفقوا من الحرام، وذلك باطل بالاتفاق، ومنها أنه لو جاز أن يكون الحرام رزقا لجاز أن ينفق الغاصب من مال اغتصبه. وقد أجمع المسلمون على أنه لا يجوز للغاصب أن ينفق مما اغتصب، بل يجب عليه رده، فهذا يدل على أن الحرام لا يكون رزقا. ولسنا بحاجة إلى مثل هذا الجدل حول طبيعة الرزق، فالآية تتحدث عن المتقين الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة. وهؤلاء يكونون من أهل الاستقامة الشرفاء، الذين يحصّلون رزقهم من الوجوه المشروعة، فلا داعي للتوقف طويلا للبحث حول ما يصح أن يوصف به مال السارق، لأنه أمر غير وارد في مضمون الآية. وقد ذهب بعض المفسرين إلى أن الإنفاق هنا يعني الزكاة المفروضة، لكني لا أرى داعيا للتخصيص، بل أوافق المفسرين إلى أن المقصود هو الإنفاق من الرزق الحلال بصفة عامة. وقد يتضمن الإنفاق ما يبذل من مال للصدقة. كما يتضمن الإنفاق على الأهل. ٤ - وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ، وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ هم الذين يؤمنون بالقرآن الكريم، المنزل على محمد صلوات الله عليه، وكذلك يؤمنون بما أنزل على الرسل قبل محمد وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ أي يصدقون تصديقا قاطعا باليوم الآخر، فاليقين هو التصديق الذي لا يشوبه أدنى شك أو ريب. ٥ - أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ أشار بقوله

стр. 150

أُولئِكَ إلى الموصوفين بجميع الصفات المتقدمة، وهم جملة المؤمنين عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ أي أنهم مهتدون بدين ربهم، وقيل على دلالة وبيان من ربهم، وإنما قال مِنْ رَبِّهِمْ لأن كل خير وهدى فمن الله تعالى، إما لأنه فعله، وإما لأنه عرض له بالدلالة عليه، والدعاء إليه، والإثابة على فعله وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ الفلاح هو النجاح. فالمؤمنون الذين اتصفوا بكل هذه الصفات المتقدمة تحقق لهم الفلاح، وفازوا برضا الله، فسلوكهم المستقيم في الدنيا واعتقادهم السليم حققا لهم هذه النتيجة. ٦ - إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ . الكفر في أصله يعني الستر. قال لبيد: «في ليلة كفر النجوم غمامها» أي سترها. والكفر في الدين ستر النعمة وإخفاؤها، كما أن الشكر نشرها وإظهارها. والإنذار إعلام معه تخويف. وقيل هو التحذير من أمر مخوف يتسع الزمان للاحتراز منه. وقد سعى المتكلمون لتحديد معنى الكفر وأطالوا في ذلك. فالكفر عدم تصديق رسول في شيء علم بالضرورة مجيئه به، ومثاله من أنكر وجود الخالق، أو كونه

стр. 151

عالما مختارا، أو كونه واحدا أو كونه منزها عن النقائص والآفات، وأنكر نبوة محمد أو صحة القرآن الكريم أو أنكر الشرائع التي علمنا بالضرورة كونها من دين محمد كوجوب الصلاة والزكاة والصوم والحج وحرمة الربا والخمر، فذلك يكون كافرا لأنه ترك تصديق الرسول فيما علم بالضرورة أنه من دينه. (سواء) اسم بمعنى الاستواء، وصف به كما يوصف بالمصادر. ومنه قوله تعالى: تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ. فالمعنى أن هؤلاء المصرين على كفرهم من الكفار يستوي لديهم إنذارك لهم وتركك الإنذار، ذلك لأن نفوسهم الجاحدة قد وقفت حائلا دون نفاذ دعوة الحق إلى آذانهم. ٧ - خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ الختم والكتم أخوان، لأن في الاستيثاق من الشيء بضرب الخاتم عليه كتما له وتغطية لئلا يتوصل إليه. فهذه القلوب المغلقة أصبحت كالمختوم عليها، لا تنفذ إليها هداية. وكذلك الختم على السمع يعني إغلاقه بغطاء كثيف يعوق السمع عن أداء وظيفته. ونسبة الختم إلى الله هنا من المسائل التي قد يختلف فهمها بين المعتزلة وسواهم. فالمعتزلة الذين يقولون إن الإنسان حرّ الإرادة يختار أعماله يرون أن نسبة الختم إلى الله هنا من قبيل المجاز البلاغي. فهم باختيارهم الكفر والضلال، وإصرارهم على ذلك، أصبحوا وكأن قلوبهم قد ختم عليها. يقول الزمخشري: «وأما إسناد الختم إلى الله فلينبّه على أن هذه الصفة في فرط تمكنها وثبات قدمها كالشيء المخلوق غير العرضي. ألا ترى إلى قولهم فلان مجبول على كذا ومفطور عليه». أما القائلون بأن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى فهذا الكلام على مذهبهم ظاهر (الفخر الرازي). وهذه الآية تتعلق بمشكلة الجبر والاختيار. ومن

стр. 152

الواضح أن فكرة الاختيار تستند إلى أساس واضح هو مسئولية الإنسان عن أعماله التي يحاسب عليها. قال تعالى: وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ كانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ. وقال: إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ. وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ أي أن أبصارهم- لفرط جهلهم وإعراضهم- لا تبصر. قال تعالى: وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها وقال: وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها. فتعطيل الحواس عند هؤلاء الكفار، مرده إلى عنادهم وميلهم مع الهوى. وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ العذاب هو النكال. يقول الزمخشري: الفرق بين العظيم والكبير، أن العظيم نقيض الحقير، والكبير نقيض الصغير. فكان العظيم فوق الكبير. كما أن الحقير دون الصغير. ويستعملان في الجثث والأحداث جميعا. تقول: رجل عظيم وكبير، اريد جثته أو خطره. لقد استحق هؤلاء العذاب العظيم، لأنهم عطلوا حواسهم عن الإدراك ولم يتدبروا ما في الوجود من آيات ناطقات بوجود الخالق وقدرته. وحينما دعاهم

стр. 153

داعي الحق أصموا عن دعوته آذانهم، وأغلقوا دونها قلوبهم، فحاق بهم جزاء الكافرين. ٨ - وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ . بعد أن تحدثت السورة الكريمة في مفتتحها عن المؤمنين، الذين اتصفوا بأكرم صفات الإيمان. وثبت بالكفار الذين محضوا الكفر ظاهرا وباطنا، قلوبا والسنة، انتقلت في هذه الآية إلى الحديث عن الذين آمنوا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم، وأبطنوا خلاف ما أظهروا. وهؤلاء يسمون بالمنافقين، وكانوا أخبث الكفرة وأبغضهم إلى الله، وأمقتهم عنده، لأنهم خلطوا بالكفر تمويها وتدليسا، وبالشرك استهزاء وخداعا، ولذلك أنزل فيهم: إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ ولقد وصف الذين كفروا في آيتين، أما المنافقون فقد وصف حالهم في ثلاث عشرة آية نعى عليهم فيها خبثهم ومكرهم، وفضحهم وسفههم، واستجهلهم واستهزأ بهم، وتهكم بفعلهم، ودعاهم صما بكما عميا، وضرب لهم الأمثال التي تصور حالهم أروع تصوير. وقصة المنافقين عن آخرها معطوفة على قصة الذين كفروا، كما تعطف الجملة على الجملة. يقول الرازي: إنّ المنافق اختص دون الكافر بمزيد أمور منكره (أحدها) أنه قصد التلبيس، والكافر الأصلي ما قصد ذلك، (وثانيها) أن الكافر على طبع الرجال والمنافق على طبع الخنوثة (وثالثها) أن الكافر ما رضي لنفسه بالكذب بل استنكف منه، ولم يرض إلا بالصدق، والمنافق رضي بذلك (ورابعها) أن المنافق ضم إلى كفره الاستهزاء بخلاف الكافر الأصلي، ولأجل غلظ كفره قال تعالى: إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ.

стр. 154

٩ - يُخادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَما يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ . الخداع هو الإخفاء، وسميت الخزانة المخدع، والأخدعان عرقان في العنق سميا بذلك لخفائهما. وقالوا خدع الضب خدعا إذا توارى في جحره فلم يظهر إلا قليلا. أما الخداع الخلقي فهو إظهار ما يوهم السلامة والسداد، وإبطان ما يقتضي الإضرار بالغير. وكانت هناك أمور دفعت هؤلاء المنافقين للمخادعة بإظهار الإيمان مع إبطان الكفر. فالمنافقون يمثلون لونا من الأعداء الذين تصدوا للإسلام بعد أن انتقل من مرحلة الضعف إلى القوة. حينما كان المسلمون في مكة، كانوا قلة مستضعفة، ولهذا كان عتاة الكفار من قريش يسخرون بهم ويؤذونهم. ولقد هاجر الرسول الكريم مع المؤمنين من أهل مكة إلى المدينة، وهناك قوي أمر الإسلام إذ وجد من الأنصار مساندة قوية، وأصبح المسلمون هم القوة الغالبة في الموطن الجديد الذي هاجروا إليه. من هنا كان ظهور فئة المنافقين لأسباب متعددة، (أولها) أنهم ظنوا أن النبي والمؤمنين يعظمونهم ويكرمونهم إذا هم أظهروا الإيمان خداعا مع بقائهم على كفرهم (وثانيها) أنهم ربما أرادوا بإظهار الإيمان أن يطلعوا على أسرار النبي والمؤمنين ثم ينقلوها إلى أعدائهم من الكفار. (وثالثها) أنهم دفعوا عن أنفسهم القتال، فالرسول كان يقول: أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله (ورابعها) أنهم ربما طمعوا بهذا النفاق في الحصول على شيء من أموال الغنائم. وأما معنى مخادعة المنافقين لله، وهو العالم بالأسرار، فقد أولها الفخر الرازي على أن المقصود بها مخادعة النبي. وقد وردت آيات يذكر فيها الله ويكون المقصود النبي، حينما يكون الموقف مقتضيا تعظيم شأن الرسول، قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ فالرسول وهو المنفذ لإرادة الله، الداعي إلى دينه، كانت مبايعة المؤمنين له مبايعة لله، وكذلك كانت مخادعته من جانب المنافقين مخادعة لله، لأنها ترمي بالنفاق والرياء إلى إحباط دعوة الحق، ومناصرة الشرك.

стр. 155

واستعمال صيغة المفاعلة في قوله يخادعون يبين أن خداعهم كان يقابل بمقاومة، فهم لم يخدعوا بل سعوا إلى الخداع. وَما يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ أي أن وبال أمرهم راجع إليهم في الدنيا لأن الله كان يدفع ضرر خداعهم عن المؤمنين ويصرفه إليهم. وَما يَشْعُرُونَ الشعور في اللغة علم الشيء إذا حصل بالحس، ومشاعر الإنسان حواسه. والمعنى أن لحوق ضرر نفاقهم بهم واقع عليهم، كأنه محسوس، لكنهم لتماديهم في الغفلة صاروا كمن لا يحس. وكم من منافق يحسب أن نفاقه يخفى على الناس، وما هو بخاف، لأن شخصية المنافق تكون مضطربة مهتزة، وتتناقض تصرفاته من حيث لا يشعر، لأنه لا يعمل وفق مبدأ، بل تتحكم فيه ظروف علاقاته مع الناس، وما ينبثق عنها من مواقف تظهر كذبه ونفاقه. ١٠ - فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْذِبُونَ . الأصل في القلب أنه موضع لمعرفة الله وطاعته. فإذا وقع في القلب من الصفات ما صار مانعا من هذه الآثار كانت تلك الصفات أمراضا للقلب. فالكفر والجهل من أمراض القلب، لأنهما يحجبانه عن مشاهدة الحقيقة. وحمل المرض أيضا على الغم لأنهم كانوا يغتمون كلما رأوا ثبات أمر النبي. وقد زادهم الله غما بزيادته الرسول والمؤمنين قوة وثباتا. وربما كان هذا الغم ممزوجا بالغيظ والحقد، لأن نجاح الرسول في أداء رسالته كان يزيدهم حنقا، وكان هذا مرضا قلبيا جلبوه على أنفسهم، وزادهم الله مرضا بإعلائه شأن الإسلام وتدعيم المؤمنين. أما إن

стр. 156

كان المقصود بالمرض هو الجهل والكفر، فإن الله زادهم جهلا وكفرا لإصرارهم في موقفهم من المؤمنين. والمعتزلة يرفضون حمل المرض هنا على الكفر، لأن ذلك يؤدي إلى القول بأن الله خلق في قلوبهم مزيدا من الكفر، فالزيادة على حد قولهم من جنس المرض. وينفي فعل الله للكفر هنا أنه قال بعد ذلك: وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْذِبُونَ فهم منافقون كاذبون، مرضت قلوبهم حنقا على المسلمين، وتظاهروا بموالاتهم، فأنذرهم الله بالعذاب الأليم الذي أعده لأمثالهم، جزاء على كفرهم ونفاقهم. فالكذب هنا هو قولهم: آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ. ١١ - وَإِذا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قالُوا إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ من القائل لهم لا تفسدوا في الأرض؟ قال بعض المفسرين: القائل هو الله تعالى لنهيه عن الكفر والفساد. ومن المفسرين من قال هو الرسول ﵇. ومنهم من قال: بعض المؤمنين. يقول الرازي: «وكل ذلك محتمل، ولا يجوز أن القائل بذلك من لا يختص بالدين والنصيحة، وإن كان الأقرب هو أن القائل لهم ذلك من شافههم بذلك، فإما أن يكون الرسول ﵇ بلغه عنهم النفاق ولم يقطع بذلك، ونصحهم، فأجابوا بما يؤكد إيمانهم، وأنهم في الصلاح بمنزلة سائر المؤمنين، وإما أن يقال إن بعض من كانوا يلقون إليه الفساد كان لا يقبله منهم، وكان ينقلب واعظا لهم، قائلا لهم لا تفسدوا في الأرض». وبعض هؤلاء المنافقين كان يفتضح أمرهم، فيكذبون الناقلين عنهم ويحلفون على ذلك الأيمان الكاذبة. ولقد وصفهم الله بقوله:

стр. 157

يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا وَلَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ. لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ الفساد ضد الصلاح، وهو خروج الشيء عن كونه منتفعا به. والمراد بالفساد في الارض هنا إظهار معصية الله. فالله قد سن الشرائع لإقرار السلام في الأرض وتحقيق مصلحة الناس. فمن كان كافرا بالشرائع كان داعيا إلى الفساد، لأن ترك الشريعة يؤدي إلى الفوضى الاجتماعية، ويسمح بوقوع العدوان على الناس، وهذا فساد كبير. وقيل إن المقصود بالفساد هو مساندة الكفار في الخفاء مع إظهار الإيمان، فهم بذلك يزيدون الكفار قوة وعنادا. قالُوا إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ الذين قالوا إنما نحن مصلحون هم المنافقون. ومعنى ذلك أنهم جحدوا فساد فعلهم، وبالغوا في النفاق، فوصفوا سوء عملهم بالصلاح. وهو لون من الإصرار والعناد الذي يتصف به مثلهم من الكفار، وإن حاولوا أن يلبسوا الفساد ثوب الصلاح، كذبا ورياء. وربما كان ادعاؤهم صلاح عملهم أنهم يردون على من ينصحهم بالانحياز الواضح إلى جانب المؤمنين بقولهم: إنهم إنما وقفوا هذا الموقف المذبذب بين الإيمان والكفر ليصلحوا بين الفريقين. ١٢ - أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلكِنْ لا يَشْعُرُونَ في هذه الآية يكذب الله دعوى المنافقين، ويعلن أنهم هم المفسدون بكفرهم ونفاقهم، لكنهم لا يشعرون لفساد مداركهم، من جراء ميلهم مع الهوى واتباعهم لما توحي لهم به قلوبهم المريضة.

стр. 158

١٣ - وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَما آمَنَ النَّاسُ، قالُوا أَنُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ، أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ وَلكِنْ لا يَعْلَمُونَ . حاج القرآن الكريم المنافقين. ودعاهم إلى ترك الفساد، فأعلنوا أن عملهم؟؟؟ ان دعاهم إلى إيمان شبيه بإيمان الناس. إن كانوا حقا يريدون الصلاح؟؟ آمِنُوا كَما آمَنَ النَّاسُ. يدعوهم لأن يؤمنوا إيمانا مقرونا بالإخلاص، بعيدا عن النفاق، ويقصد بالناس هنا الغالبية العظمى من الناس. فالأوس والخزرج كان أكثرهم مسلمين، أما المنافقون فكانوا قلة بينهم، فأطلق لفظ العموم على الأكثر. وقد تفسر كلمة (النّاس) على وجه آخر، هو أن المؤمنين هم الناس في الحقيقة، لأنهم هم الذين أعطوا الإنسانية حقها، لأن فضيلة الإنسان على سائر الحيوانات بالعقل المرشد والفكر الهادي. والدعوة الموجهة إلى المنافقين ليؤمنوا إما أن الرسول هو الذي وجهها إليهم أو المؤمنون. قالُوا أَنُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ كان بعضهم يقول لبعض: أنؤمن كما آمن سفيه بني فلان وسفيه بني فلان! فالكبر والغرور كانا مانعين لهؤلاء من الإيمان. والسفه هو الخفة، يقال سفهت الريح الشيء إذا حركته. وإنما قيل لبذيء اللسان سفيه لأنه خفيف لا رزانة له.

стр. 159

ولقد وصف المنافقون المسلمين بالسفهاء لأن المنافقين كانوا من أهل الخطر والرئاسة في الجاهلية، أما المؤمنون فكان أكثرهم من الفقراء، فاستخف هؤلاء الأغنياء الأقوياء بفقراء قومهم، على سابق عادتهم في الجاهلية، ولم يفطنوا إلى أن الإسلام قد قلب أوضاع الجاهلية، وغير قيمها وموازينها. ومن هنا وصف القرآن هؤلاء المنافقين بأنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون. فمن سفههم أنهم لم يشعروا بتغير الأوضاع في ظل الدين الجديد. ومن سفههم أنهم أصروا على معاداة الله ورسوله. وَلكِنْ لا يَعْلَمُونَ والعلم هو المقابل للسفه. فهؤلاء هم السفهاء لكنهم لا يعلمون مدى ما هم عليه من السفه. في الآية السابقة قال: (لا يشعرون) حيث كان الموقف هو الإفساد في الأرض، وهم في ذلك سادرون لا يشعرون بعملهم. أما في هذه الآية فقال: لا يَعْلَمُونَ لأن المقام هنا مقام علم وجهل، واهتداء عقلي، وضلال نفسي. ١٤ - وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا، وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ صورة جديدة من صور النفاق، تتجلى في إعلان هؤلاء إيمانهم باللسان، ثم عودتهم عن ذلك الإيمان المعلن حين يخلون إلى شياطينهم. والمراد بالشياطين هنا زعماء المنافقين، الذين كانوا إما من أكابر الكفار أو من أكابر المنافقين.

стр. 160

إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ أصل (الاستهزاء) من الهزء وهو العدو السريع. يزيد المنافقون شياطينهم تأكيدا لمناصرتهم لهم، بأن الموافقة الظاهرية للمؤمنين ما هي الا استهزاء بهم وسخرية منهم فالاستهزاء يكون بالموافقة الظاهرية مع إضمار السخرية. ومن قبيل الاستهزاء أنهم بإظهار الإيمان يحققون مصالح مادية، فيحصلون على نصيب من الصدقات والغنائم، ويأمنون عادية القتال. ثم هم- في الوقت ذاته- على ما هم عليه من إضمار الكفر. ١٥ - اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ الله يستهزئ بهم يعني أنه تعالى يجازيهم على استهزائهم. إن ما يفعله الله بهم جزاء على استهزائهم سماه بالاستهزاء، لأن جزاء الشيء يسمى باسم ذلك الشيء. قال تعالى: وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها وقال: فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ البقرة: ١٩٤) فجزاء السيئة وصف بأنه سيئة مع أن الثانية قصاص والأولى عدوان. كذلك وصف رد العدوان بأنه عدوان وذلك لأن الجزاء من جنس العمل. وما هو قصاص بالنسبة للمقتص هو في الوقت ذاته مصدر ألم للمعتدي الذي ينال الجزاء على جرمه.

стр. 161

وقد يفسر الاستهزاء من جانب الله على أساس أن ضرر استهزاء المنافقين راجع إليهم غير ضار بالمؤمنين، فكأن الله استهزأ بهم ورد كيدهم من حيث لا يعلمون. وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ قال الزمخشري: «مدّ الجيش وأمده إذا زاده وألحق به ما يقويه ويكثره. وكذلك مدّ الدواة وأمدها إذا زادها ما يصلحها، ومددت السراج إذا أصلحته بالزيت، ومددت الأرض إذا أصلحتها بالسماد. ومدّه الشيطان في الغيّ وأمده إذا واصله بالوسواس. وقال البعض: مدّ يستعمل في الشر وأمدّ في الخير. قال تعالى: وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذابِ مَدًّا وقال في النعمة وَأَمْدَدْناكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ فمعنى قوله: وَيَمُدُّهُمْ أي أنه يزيد صفاتهم الشيطانية بتهيئة موادها وأسبابها التي هي مشتهياتهم وأموالهم ومعايشهم من الدنيا التي اختاروها بهواهم في حالة كونهم متحرين، فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ (والطغيان) هو الغلو في الكفر ومجاوزة الحد في العتو. (العمه) مثل العمى إلا أن العمى عام في البصر والرأي، والعمه في الرأي خاصة، وهو التردد والتحير، فالمصاب به لا يدري أين يتوجه.

стр. 162

وقد فسرت وَيَمُدُّهُمْ بأنه يعني ويمهلهم، لكن يعترض على ذلك بأنه لو كان يعني الإمهال لقال «ونمدّ لهم». ١٦ - أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ . الضلالة هي الخروج عن القصد وفقد الاهتداء، واستعير للذهاب عن الصواب في الدين. واشتراء الضلالة بالهدى اختيارها عليه، واستبدالها به. فإن قيل: كيف اشتروا الضلالة بالهدى وما كانوا على هدى؟ والجواب أنهم جعلوا لتمكنهم من الهدى كأنه في أيديهم، فإذا تركوه ومالوا إلى الضلالة فقد استبدلوها به. إن الهدى كان ميسرا لهم، فقد جاءتهم دعوة الحق فأعرضوا عنها. أما قوله: فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ فهو مما يقوي أمر المجاز ويحسنه، فلا ربح هنا ولا تجارة، وإنما تستكمل الصورة البيانية بهذه العبارة. لقد حسبوا الضلالة كسبا، فخسروا في هذا الحساب، ولم يقف الأمر عند حرمانهم من الربح، بل إنهم خسروا رأس مالهم وهي عقولهم، فلم تعد هذه العقول قادرة على الاهتداء إلى العقائد الصحيحة، بل أصابها ما جعلها عاجزة عن كسب تلك العقائد. ١٧ - مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ . يتحدث الرازي عن الأمثال في القرآن فيقول: «المقصود من ضرب الأمثال

стр. 163

أنها تؤثر في القلوب ما لا يؤثره وصف الشيء في نفسه، وذلك لأن الغرض من المثل تشبيه الخفي بالجلي، والغائب بالشاهد، فيتأكد الوقوف على ماهيته، ويصير الحس مطابقا للعقل، وذلك هو النهاية في الإيضاح ... ... ولهذا أكثر الله تعالى في كتابه المبين، وفي سائر كتبه أمثاله. قال تعالى: وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ. مثل هؤلاء المنافقين كمثل رجل تائه في ظلمات البيداء استوقد نارا يهتدي بها، فلما أضاءت ما حوله أطفأها الله. لقد كان هؤلاء المنافقون حيارى يتخبطون، فتظاهروا بالإيمان ليسلموا من القتال ويحققوا المغانم، فكان فعلهم هذا كفعل التائه الذي استوقد نارا، وما كادوا يركنون إلى هذا الوضع الزائف حتى فضحهم الله وكشف أمرهم، وذهب بنورهم الذي استوقدوه- بإظهار الإيمان- وتركهم كما كانوا حيارى في ظلمات جهلهم وضلالهم يتخبطون. أما تشبيه الجماعة بالواحد في هذا المثل فيمكن أن يؤول على وجوه متعددة: (أولها) أن يكون المراد جنس المستوقدين، أو أريد الجمع أو الفوج الذي استوقد نارا. (وثانيها) أن المنافقين وذواتهم لم يشبهوا بذات المستوقد حتى يلزم منه تشبيه الجماعة بالواحد، وإنما شبهت قصتهم بقصة المستوقد ومثله قوله تعالى: مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ ... الإضاءة فرط الإنارة، كما يظهر من قوله تعالى: هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُوراً أما النور فهو ضوء كل نيّر، واشتقاقه من النار.

стр. 164

١٨ - صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ هذه الجملة إخبار لمبتدإ محذوف هو ضمير المنافقين. والصمم آفة مانعة من السماع، وأصله الصلابة واكتناز الأجزاء، ومنه الحجر الأصم، والقناة الصماء، وصمام القارورة سدادها. سمى به فقدان حاسة السمع لأن العرب كانوا يعللون فقدان حاسة السمع باكتناز باطن الصماخ وانسداد منافذه بحيث لا يكاد يدخله هواء يحصل الصوت بتموجه. والبكم الخرس. وقد وصف المنافقون بذلك مع سلامة حواسهم، لأنهم لما سدوا مسامعهم عن الإصغاء لما يتلى عليهم من الآيات، وأبوا أن يتلقوها بالقبول وينطقوا بها ألسنتهم، ولم يجتلوا ما شاهدوا من آيات الله، تلك التي تتجلى في الآفاق وفي الأنفس، صاروا كفاقدي تلك المشاعر. فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ الفاء للدلالة على ترتيب ما بعدها على ما قبلها، والمعنى أن هؤلاء المنافقين- بسبب اتصافهم بالصفات المذكورة- لا يعودون إلى الهدى الذي تركوه وضيعوه، أو لا يرجعون عن الضلالة التي تعلقوا بها. ١٩ - أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ، وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ الصيّب: المطر، أصله صيوب، لكن اجتمعت الواو والياء وأولاهما ساكنة فصارتا ياء مشددة، ومثله سيّد وجيّد. يجعلون: جعل يكون على وجوه: أحدها أن يتعدى إلى مفعولين، نحو جعلت الطين خزفا. وثانيها: أن يأتي بمعنى صنع ويتعدى إلى مفعول واحد نحو قوله:

стр. 165

وجعل الظلمات والنور. وثالثها: أن يأتي بمعنى أفعال المقاربة نحو جعل زيد يفعل كذا. والآية تصور حالة الخوف والفزع والقلق التي كان يحياها هؤلاء المنافقون، في موقف كانت تنفعهم فيه الاستقامة لو سلكوا سبيلها. وجميع المفسرين يكادون يجمعون على أن هذه الآية تتضمن تشبيه تمثيل لأحوال المنافقين على النحو التالي: إن المراد من الصيّب هو الإيمان والقرآن. أما الظلمات والرعد والبرق فهي الأمور الشاقة على المنافقين مثل التكاليف من صيام وصلاة، وترك الرئاسات، والجهاد مع الآباء والأمهات، وترك الأديان القديمة، والانقياد للنبي مع شدة استنكافهم عن الانقياد له. فكما أن الانسان يبالغ في الاحتراز عن المطر الصيب الذي هو أشد الأشياء نفعا بسبب ما يقترن به من ظلمات ورعد وبرق، فكذا المنافقون يجتنبون الإيمان والقرآن بسبب هذه الأمور التي تقترن بهما. وفي الآية تصوير لهول المطر وما اقترن به من ظلمات متراكمة، وما تخلله من رعد يبث الفزع في النفوس، وبرق يخطف الأبصار ثم يتركهم في ظلمة لا يبصرون، والظلام بعد النور أقسى من الظلمة المستمرة، إذ يترك البصر أكثر عجزا عن اختراق جدار الظلام. وهؤلاء المنافقون يسلكون سلوكا أحمق، يظنون أنه ينجيهم، إذ يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت، فهذا التصرف لا ينجي، كذلك هم حسبوا أن التظاهر بالإيمان ينجيهم من أخطار الكفر، وما كان ينتظر الكافرين من قتال وموت، ونسوا أن الله محيط بالكافرين. ومعنى أنه محيط بالكافرين يقبل التأويل على وجهين: أحدهما: أنه عالم بهم. وثانيهما أن قدرته مستولية عليهم. وفي قوله تعالى: يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ

стр. 166

بيان لمدى الرعب الذي أحاط بهم فكانوا يدفعون أصابعهم داخل آذانهم، ظانين أن هذه الآذان قد تتسع لها. ولم يقل يجعلون أناملهم في آذانهم، لأن هذا يكون أقل تصويرا لحالة الرعب التي استشعرتها نفوسهم. أما قوله أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ فيعبّر عن قوة المطر الذي أخذ أقطار السماء. ولقد بينا كيف فسر الطبري البرق والرعد بطريقة خرافية تلائم حال المعارف العلمية، قبل أن تشرق شمس النهضة العلمية على العرب. فالطبري قد جمع نقولا عن بعض التابعين في تفسير هاتين الظاهرتين. ونلحظ في تفسير الفخر الرازي تجاوزا لهذه الخرافات وسعيا إلى شيء من التفسير العلمي. فيقول مثلا عن الرعد إنه: الصوت الذي يسمع من السحاب كأن أجرام السماء تضطرب وترتعد إذا أخذتها الريح فيحدث ذلك الارتعاد صوتا. والبرق الذي يلمع من السحاب من برق الشيء بريقا إذا لمع. أما الصاعقة فهي قصف رعد ينقض معها شعلة من نار، وهي نار لطيفة قوية لا تمر بشيء إلا أتت عليه، لكنها مع قوتها سريعة الخمود مثل هذا الشرح الذي قدمه الرازي للظواهر الطبيعية، قد لا يكون متمشيا مع أحدث ما وصل إليه العلم في شرح تلك الظواهر، لكنه أقل إمعانا في الخرافة من روايات الطبري في شرحها. ٢٠ - يَكادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا، وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ، إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ . تكمل هذه الآية الصورة التي بدأت في الآية السابقة، والمقصود بهذه الآية

стр. 167

تمثيل حيرة المنافقين وشدة الأمر عليهم، فهم شبيهون بمن أخذهم المطر الشديد والعواصف القوية، وما يعانيه هؤلاء من شدة التحير والجهل بما يأتون وما يذرون، إذا صادفوا لمحة من البرق انتهزوا ظهورها فخطوا خطوات، برغم خوفهم من أن يخطف البرق أبصارهم، فإذا خفي البرق بقوا واقفين، وجمدوا في مكانهم، ولو شاء الله لزاد في قصف الرعد، فأصم آذانهم وفي ضوء البرق فأعماهم. واستعمال «كلما» مع أضاء لأن الموقف هنا يتضمن الحركة، فهم يتحركون مع كل لمعة برق، لكن يختلف عن ذلك الحال حين يعود الظلام، فلا حركة وإنما جمود، ولهذا صور القرآن الكريم هذا بقوله وَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا أي وقفوا ثابتين في مكانهم، فليس في هذه العبارة ذلك التصوير للتحفز للحركة كلما حانت الفرصة لذلك بالتماع البرق. والمهم أن الآيتين تعبران بالتصوير البياني عن حيرة المنافقين وفزعهم، فهم في هذه الحيرة شبيهون بمن أخذته السماء في الليلة المظلمة مع رعد وبرق وصواعق. ٢١ - يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ تدخل هذه السورة الكريمة في مرحلة جديدة بهذه الآية. فبعد أن ذكرت تلك الطوائف الثلاث، وهم المؤمنون والكفار والمنافقون، تبدأ هنا إقامة الدليل على التوحيد والنبوة والمعاد. يخاطب الله المكلّفين فيذكرهم بنعمته عليهم إذ أوجدهم بعد أن لم يكونوا شيئا، فهم مدينون له بهذا الوجود، وكذلك تدين له الأجيال السابقة من البشر بوجودها. وما دام الإنسان قد توقف وجوده على إرادة الخالق، فلا أقل من أن يكون في حياته ملتزما بطاعته.

стр. 168

والعبادة موافقة الأمر، ويدخل فيها التوحيد بالقلب، والخضوع بالنفس، والاستسلام للحكم. ويقال: اعبدوه بالتجرد من المحظورات، والتجلد في أداء الطاعات، ومقابلة الواجبات بالخشوع والإذعان. وقوله لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ يعلّمهم معنى الخوف والرجاء من الله، فالإنسان عليه أن يبذل جهده في الطاعات لعله بذلك يكون من أهل التقوى، ولعله بعد ذلك يفوز بالجزاء الأوفى. ٢٢ - الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً وَالسَّماءَ بِناءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ . يذكّر الله عباده بأن من موجبات عبادتهم له أيضا أنه رازقهم، فهذه الأرض في رحابتها وتنوع ثمارها، جعلت مقرا لهم. ومن فوقهم هذه السماء تمطرهم بالماء الذي يرويهم وينبت لهم مختلف الثمرات. الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً يعني أن الله خلق الأرض ووطأ أكنافها للناس، وجعلهم قادرين على الاستقرار فيها. وَالسَّماءَ بِناءً إن ذلك الفضاء الرحب المحيط بنا، بما فيه من كواكب ونجوم يقف على هذه الصورة كأنه البناء المحكم. ولقد توصل العلم الحديث إلى أن هناك قوانين طبيعية تحكم هذا الوضع المتماسك. فلو اختلت نسب الجاذبية بين أجرام الكون،

стр. 169

وكانت هذه الأجرام تسير على غير قوانين محكمة، فهل كان هذا البناء يستقر. إن الكون بمختلف أجرامه يقف كالبناء المحكم، وهذا دليل على قدرة الخالق، وعظمة خلقه. وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ فمن عجائب القدرة ذلك الماء الذي يمتزج بالتربة فيخرج مختلف الثمرات التي ينعم بها الإنسان. فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ من جعل لله ندا بعد أن رأى مظاهر قدرته، ودلائل عظمته فقد ضل ضلالا بعيدا، فهنا دعوة إلى إبعاد ما يؤدي إلى الشرك. وربما اتخذ بعض الناس من مخلوقات الدنيا أندادا لله، فقد يستعبد المال بعضهم فينسون خالقهم، وقد يستعبد متسلط أتباعه كأنه خالقهم. والإنسان بما أوتي من قدرة على التمييز قادر على معرفة خالقه، كما أنه يستطيع بالفطرة أن يدرك معنى التوحيد. وهنا يكون الشرك- مع وجود العلم والإدراك- مما يزيد من شناعة هذا الجرم. فالله قد علم الإنسان ما لم يعلم، فوجب عليه أن يعرف خالقه بهذا العلم. ٢٣ - وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ لما احتج الخالق على الكفار والمشركين بما يثبت الوحدانية ويبطل الشرك، فذكر كيف خلق الناس أحياء قادرين، وخلق الأرض التي هي مثواهم ومستقرهم، وخلق السماء بناء عجيبا، وأنزل منها الماء الذي يحيي الأرض ويخرج الثمرات، وهي كلها أدلة موصلة إلى التوحيد، مبطلة للشرك، لأن شيئا من المخلوقات لا يقدر على إيجاد شيء منها، عطف على ذلك ما هو الحجة على إثبات نبوة محمد، وما يقرر إعجاز القرآن.

стр. 170

كان المشركون يقولون عن القرآن إنه لو كان من عند الله لم ينزل نجوما، سورة بعد سورة، وآيات في اثر آيات، على حسب النوازل، وعلى سنن ما نرى عليه أهل الخطابة والشعر حيث يخطبون أو ينظمون الشعر في المناسبات التي تدعو إليهما، فلو أنزله الله لأنزله جملة. قال تعالى: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً هذه الآية ترد على اعتراض المشركين فتقول: إن كنتم في شكّ ممّا أنزل الله على محمد فأتوا بسورة من مثله، تجاريه في بيانه وحكمته وحسن نظمه. وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ الشهداء جمع شهيد بمعنى الحاضر، أو القائم بالشهادة مِنْ دُونِ اللَّهِ أي غير الله، فالمعنى: ادعوا الذين اتخذتموهم آلهة من دون الله، وزعمتم أنهم أربابكم. وقيل إن الشهداء تعني الأعوان والأنصار، فيكون المعنى حينذاك: وادعوا من يشهدون لكم من دون الله على أنكم قد استطعتم معارضة القرآن. إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ فيما زعمتم من قدرتكم على معارضة القرآن. ففي آية أخرى حكى القرآن عن المشركين أنهم قالوا: لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا. ٢٤ - فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ

стр. 171

فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا يعني فيما مضى. وَلَنْ تَفْعَلُوا أي لن تقدروا على ذلك فيما يأتي. فَاتَّقُوا النَّارَ أي اجتنبوا دخول النار بتصديق النبي، وطاعة الله. الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ خصت هذه العبارة الناس إلى جانب الحجارة بأنهم يكونون وقود النار. وفي هذا إشارة للمسئولية الخاصة التي يتحملها الإنسان، بوصفه هو الكائن المكلف من بين المخلوقات. أما كون الحجارة وقودا للنار فدليل على شدة اشتعالها وقوة إحراقها. فهذه النار قد أعدت للكافرين. ٢٥ - وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ، كُلَّما رُزِقُوا مِنْها مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً قالُوا هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ، وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً، وَلَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ، وَهُمْ فِيها خالِدُونَ سنة الله في كتابه أن يذكر الترغيب مع الترهيب، تنشيطا للناس في التزام الطاعات، وتثبيطا لهم عن اقتراف الذنوب، فلما ذكر الكفار وأعمالهم وأوعدهم بالعقاب، أتبع ذلك بذكر المؤمنين وأعمالهم وتبشيرهم بقوله:

стр. 172

وَبَشِّرِ والمأمور بقوله وَبَشِّرِ هو الرسول ﵇، أو كل أحد من علماء المؤمنين، وفضل التفسير الثاني، لأنه يؤذن بأن الأمر لعظمه، وفخامة شأنه، جدير بأن يبشر به كل من قدر على البشارة به. والبشارة هي الإخبار بما يظهر سرور المخبر به. ومنه البشرة لظاهر الجلد، وتباشير الصبح ما ظهر من أوائل ضوئه. وأما فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ فمن العكس في الكلام الذي يقصد به الاستهزاء الزائد في غيظ المستهزأ به، كما يقول الرجل لعدوّه: أبشر بقتل أبنائك. والصَّالِحاتِ مفردها صالحة، وهي مثل الحسنة في جريها مجرى الاسم. والصالحات كل ما استقام من الأعمال بدليل العقل والكتاب والسنة. والجنة هي البستان من النخل والشجر المتكاثف. ومادة جنّ تدور على معنى الستر والاختفاء، ومنها الجنّ والجنون والجنين والجنة والجان والجنان. ومعنى جمع الجنة وتنكيرها أن الجنة اسم لدار الثواب كلها، وهي مشتملة على جنان كثيرة، مرتبة مراتب بحسب أعمال العاملين، لكل طبقة منهم جنة من تلك الجنان. تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا المراد أن الأنهار تجري من تحت أشجارها، كما ترى الأشجار النابتة على

стр. 173

شواطئ الأنهار الجارية. ففيها ذلك الجمال الذي تألفه كل نفس، وتسعد به كل روح. كُلَّما رُزِقُوا مِنْها مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً قالُوا هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ يفسر هذا على وجهين. إما أن هؤلاء رأوا ما رزقوه في الآخرة شبيها بما رزقوه في الدنيا، من حيث المظهر، وإما أنهم يعدون ما ينالونه في الآخرة رزقا وعدوا به في الدنيا لقاء حسن عملهم. وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً أي أن الثمرات التي رزقوا بها جاءت مشابهة لما عهدوا في مظهرها، وإن اختلفت في حقيقتها. وَلَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ أزواج جمع زوج، والمرأة زوج الرجل، والرجل زوج المرأة. وَهُمْ فِيها خالِدُونَ أي ظافرون بنعيم أبديّ لا يزول. ٢٦ - إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً ...... الآية لما ذكر الله تعالى الذباب والعنكبوت في كتابه وضرب به مثلا ضحكت اليهود وقالوا: ما يشبه هذا كلام الله فنزل إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا

стр. 174

أي لا يترك ضرب المثل بالبعوضة ترك من يستحي أن يتمثل بها لحقارتها. وأصل الحياء تغير وانكسار يعتري الإنسان من تخوف ما يعاب به ويذم. ولا يجوز على الخالق التغير وخوف الذم، فالذي يصدق على الإنسان ويجوز في حقه، لا يجوز في حق الله. فالإنسان في مقاييسه ينظر باحتقار للحشرات، ويحسب أن نظرته هذه تصدق على الله، خالق كل شيء. ويجوز أن تقع هذه العبارة في كلام الكفرة إذ يسألون: أما يستحي ربّ محمد أن يضرب مثلا بالذباب والعنكبوت؟ فجاءت على سبيل المقابلة، وإطباق الجواب على السؤال. (ما) إبهامية، وهي التي إذا اقترنت باسم نكرة أبهمته إبهاما وزادته عموما كقولك: «أعطني كتابا ما»، تريد أيّ كتاب. (بعوضة) عطف بيان لمثلا. (فما فوقها) أي فما تجاوزها وزاد عليها في المعنى الذي ضربت فيه مثلا، وهو القلة والحقارة، وربما تفسر أيضا بأن ما فوقها هو ما زاد عليها في الحجم، فكأنه بذلك يرد على ما استنكروه من ضرب المثل بالذباب والعنكبوت، وهما أكبر منها حجما. فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ، وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ ماذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا

стр. 175

(أمّا) حرف فيه معنى الشرط، ولذا يجاب بالفاء. وفائدته في الكلام أنه يعطيه زيادة في التوكيد. تقول زيد ذاهب، فإذا أردت توكيده، وأنه لا محالة ذاهب، قلت: أما زيد فذاهب. ولذا فسرها سيبويه بقوله: مهما يكن من شيء فزيد ذاهب. وهذا التفسير يفيد كونه تأكيدا، وأنه في معنى الشرط. وفي إيراد الجملتين مصدرتين به إحماد عظيم لشأن المؤمنين، واعتداد بليغ بعلمهم أنه الحق، ونعي على الكافرين إغفالهم التفكر والتدبر، واندفاعهم بالكلمة الحمقاء. وفرق كبير بين هذا التعبير وبين أن يقول: فالذين آمنوا يعلمون أنه الحق، والذين كفروا يقولون ... و (مثلا) منصوب على التمييز أو على الحال. يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً إن المؤمنين الذين عادتهم الإنصاف والنظر في الأمور بعين العقل، إذا سمعوا بهذا التمثيل علموا أنه الحق، أما الكفار الذين غلب الجهل على عقولهم فهم إذا سمعوه كابروا وعاندوا، وقابلوه بالإنكار وحكموا عليه بالبطلان، فذلك هو سبب هدى المؤمنين وضلال الفاسقين. وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ الفسق هو الخروج عن القصد. والفاسق في الشريعة هو الخارج عن الأمر بارتكاب الكبيرة، وهذا في مذهب أهل السنة. أما في مذهب المعتزلة فهو نازل لين المنزلتين، أي بين منزلة المؤمن والكافر.

стр. 176

٢٧ - الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ . النقض الفسخ. والعهد هو الميثاق. والمراد بهؤلاء الناقضين عهد الله أحبار اليهود المتعنتون، أو منافقوهم، أو الكفار بوجه عام. وعهد الله هو الفطرة الطبيعية التي فطر عليها الناس، وما ركز في عقولهم من الحجة على التوحيد، كأنه أمر وصاهم به الله ووثقه عليهم. وقيل عهد الله إلى خلقه ثلاثة عهود: العهد الأول أخذه على جميع ذرية آدم بأن يقروا بربوبيته، وهو قوله تعالى: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى (الاعراف: ١٧٢) وعهد خص به النبيين أن يبلغوا الرسالة ويقيموا الدين، وهو قوله تعالى: وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وعهد خص به العلماء، وهو قوله تعالى: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ والظاهر أن المقصود من الآية أن ناقضي العهد هم الكفار، الذين خرجوا عن الميثاق الذي يربط بين الناس وخالقهم، وهو إيمانهم به، بموجب الفطرة السليمة، والعقل الذي ركزه فيهم. وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ

стр. 177

وهذا بقطعهم الأرحام، وكذلك بمعاداتهم للمؤمنين. أو ربما كان المقصور قطعهم ما بين الأنبياء من الصلة والاجتماع على الحق، ذلك لأنهم كانوا يؤمنون ببعضهم، ويكفرون بالبعض الآخر، في حين أن رسالات السماء ترتبط بجوهر واحد وحقيقة واحدة. وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ بقطع السبيل، ونشر الكفر، وصرف الناس عن الاستماع إلى رسالة الحق. أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ وذلك لأنهم استبدلوا النقض بالوفاء، والقطع بالوصل، والفساد بالصلاح، والعقاب بالثواب. ٢٨ - كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (معنى الاستفهام هو الإنكار والتعجب، أي كيف تكفرون بالله ومعكم ما بصرف عن الكفر ويدعو إلى الإيمان؟ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ الواو للحال. والأموات جمع ميت. ويقال لعادم الحياة ميت. قالى تعالى: وَأَحْيَيْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً فالناس قبل أن يخلقوا كانوا في حالة عدم، أو فقدان للحياة. ويطلق الموت على فاقد الحياة من الجماد. قال تعالى: وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ

стр. 178

ويجوز أن يكون اطلاق الموت على الجماد استعارة لاجتماعهما في أن لا روح ولا إحساس. ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ كما وهب الله الإنسان الحياة، فإنه سوف يميته، لكنه وعد بإعادة الناس إلى الحياة ومحاسبتهم. فالإحياء هنا هو النشور. ولست أوافق على تفسيره بأنه الإحياء في القبر. فالإنسان سوف يبعث، ويعود إلى ربه، حيث يحاسبه، ويكون مصيره النهائي رهنا بإرادة الله. ٢٩ - هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ . تشير هذه الآية الكريمة إلى منزلة الإنسان بين مخلوقات الله. لقد خلق الله كل شيء من أجل الإنسان، فلا يجوز أن يستعبد في سبيل المادة، كما لا يجوز أن يعتبر أي شيء من الموجودات المادية أهم من الإنسان. إن أهم ما تطمح إليه الحضارة البشرية هو الوصول إلى المستوى الذي يجعل الإنسان سيدا حقيقيا للأرض ما عليها. وربما تجاوزت في طموحها الأرض، وتطلعت إلى كواكب السماء. لقد بين القرآن الكريم أن كل الموجودات المادية إنما خلقت لخدمة الإنسان، وهذا هو التصور المثالي للقيمة الإنسانية بالقياس إلى غيرها من القيم. ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ الاستواء هو الاعتدال والاستقامة. وأهل السنة لا يتصدّون لتفسير معنى الآية، وهم يرون أن الاستواء معلوم، والكيف مجهول. أما المعتزلة فيتصدّون للتفسير. يقول الزمخشري: «ثم استوى إلى السماء أي قصد إليها بإرادته ومشيئته بعد خلق

стр. 179

ما في الأرض من غير أن يريد فيما بين ذلك خلق شيء آخر. والمراد بالسماء جهات العلو. والضمير في (فسوّاهنّ) ضمير مبهم، وو سَبْعَ سَماواتٍ تفسيره. ومعنى تسويتهن تعديل خلقهن أو إتمام خلقهن. وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ فمن ثم خلقهن خلقا مستويا محكما من غير تفاوت. وفي إحكام مواقع الكواكب، وما يقوم بينها من مسافات، وما يحكمها من قوانين توصل العلم إلى كشف جانب منها دلائل على إحكام الخلق واستوائه. ٣٠ - وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قالَ إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ . بدأت هنا قصة خلق الإنسان وما انطوت عليه من حكمة إلهية. لقد أخبر الله ملائكته أنه سيجعل في الأرض خليفة هو آدم وذريته، يسكنون الأرض ويعمرونها. وكلمة خليفة من قبيل الاستعارة، فالله موجود في كل مكان، ولا حاجة به إلى من يخلفه. لكن المقصود أن الله وكل الأرض للإنسان، يعمل فيها بأمر ربه، فكأنما قد استخلفه عليها. أما القول بأن الخلافة هنا تعني أن بني آدم يخلفون الملائكة في سكنى الأرض، فهذا ما لا نجد دليلا عليه في نص الآية.

стр. 180

وقول الملائكة أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ دليل على أن حكمة الله تخفى أسرارها على كافة مخلوقاته، لا يستثنى منهم الملائكة. فهؤلاء قد علموا أن الإنسان وقد فطر من جسد وروح سوف يمتحن بالمادة، وما يرتبط بها من الشهوات، وما قد يقود اليه ذلك من الإفساد وسفك الدماء. وكل ذلك بدا أمام نظرهم عديم الجدوى، حيث هم في عالم الملكوت يسبحون ويقدسون، ولا يرون فائدة لخلق الإنسان. قالَ إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ فعلم الله وسع ما لا يعلمه أحد من مخلوقاته. مهما علت منزلته، وكل خلقه حكمة وصلاح. ويتخذ الصوفية من قصة آدم رمزا لتمجيد الإنسان في أكمل صوره، فهو بتحقيق الكمال يكون جديرا بخلافة الله في أرضه. والإنسان الكامل- على هذا- هو أفضل مخلوقات الله. ومن هنا دعوا كل مؤمن إلى العمل على التحقيق بصفات الكمال. ٣١ - وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ . لما سأل الملائكة عن وجه الحكمة في خلق آدم وذريته وإسكانه إياهم في الأرض، وأخبر الله تعالى عن وجه الحكمة في ذلك على سبيل الإجمال بقوله: إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ أراد تعالى أن يزيدهم بيانا وأن يفصل لهم ذلك المجمل فبين لهم من فضل آدم
следующие страницы →