Полный текст (332 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
٢٧ - الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ .
النقض الفسخ. والعهد هو الميثاق. والمراد بهؤلاء الناقضين عهد الله أحبار اليهود المتعنتون، أو منافقوهم، أو الكفار بوجه عام. وعهد الله هو الفطرة الطبيعية التي فطر عليها الناس، وما ركز في عقولهم من الحجة على التوحيد، كأنه أمر وصاهم به الله ووثقه عليهم. وقيل عهد الله إلى خلقه ثلاثة عهود: العهد الأول أخذه على جميع ذرية آدم بأن يقروا بربوبيته، وهو قوله تعالى:
وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى (الاعراف: ١٧٢) وعهد خص به النبيين أن يبلغوا الرسالة ويقيموا الدين، وهو قوله تعالى:
وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وعهد خص به العلماء، وهو قوله تعالى:
وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ والظاهر أن المقصود من الآية أن ناقضي العهد هم الكفار، الذين خرجوا عن الميثاق الذي يربط بين الناس وخالقهم، وهو إيمانهم به، بموجب الفطرة السليمة، والعقل الذي ركزه فيهم.
وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ
стр. 177
وهذا بقطعهم الأرحام، وكذلك بمعاداتهم للمؤمنين. أو ربما كان المقصور قطعهم ما بين الأنبياء من الصلة والاجتماع على الحق، ذلك لأنهم كانوا يؤمنون ببعضهم، ويكفرون بالبعض الآخر، في حين أن رسالات السماء ترتبط بجوهر واحد وحقيقة واحدة.
وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ بقطع السبيل، ونشر الكفر، وصرف الناس عن الاستماع إلى رسالة الحق.
أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ وذلك لأنهم استبدلوا النقض بالوفاء، والقطع بالوصل، والفساد بالصلاح، والعقاب بالثواب.
٢٨ - كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ
(معنى الاستفهام هو الإنكار والتعجب، أي كيف تكفرون بالله ومعكم ما بصرف عن الكفر ويدعو إلى الإيمان؟
وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ الواو للحال. والأموات جمع ميت. ويقال لعادم الحياة ميت. قالى تعالى:
وَأَحْيَيْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً فالناس قبل أن يخلقوا كانوا في حالة عدم، أو فقدان للحياة. ويطلق الموت على فاقد الحياة من الجماد. قال تعالى:
وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ
стр. 178
ويجوز أن يكون اطلاق الموت على الجماد استعارة لاجتماعهما في أن لا روح ولا إحساس.
ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ كما وهب الله الإنسان الحياة، فإنه سوف يميته، لكنه وعد بإعادة الناس إلى الحياة ومحاسبتهم. فالإحياء هنا هو النشور. ولست أوافق على تفسيره بأنه الإحياء في القبر. فالإنسان سوف يبعث، ويعود إلى ربه، حيث يحاسبه، ويكون مصيره النهائي رهنا بإرادة الله.
٢٩ - هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ .
تشير هذه الآية الكريمة إلى منزلة الإنسان بين مخلوقات الله. لقد خلق الله كل شيء من أجل الإنسان، فلا يجوز أن يستعبد في سبيل المادة، كما لا يجوز أن يعتبر أي شيء من الموجودات المادية أهم من الإنسان. إن أهم ما تطمح إليه الحضارة البشرية هو الوصول إلى المستوى الذي يجعل الإنسان سيدا حقيقيا للأرض ما عليها. وربما تجاوزت في طموحها الأرض، وتطلعت إلى كواكب السماء.
لقد بين القرآن الكريم أن كل الموجودات المادية إنما خلقت لخدمة الإنسان، وهذا هو التصور المثالي للقيمة الإنسانية بالقياس إلى غيرها من القيم.
ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ الاستواء هو الاعتدال والاستقامة. وأهل السنة لا يتصدّون لتفسير معنى الآية، وهم يرون أن الاستواء معلوم، والكيف مجهول. أما المعتزلة فيتصدّون للتفسير.
يقول الزمخشري: «ثم استوى إلى السماء أي قصد إليها بإرادته ومشيئته بعد خلق
стр. 179
ما في الأرض من غير أن يريد فيما بين ذلك خلق شيء آخر. والمراد بالسماء جهات العلو. والضمير في (فسوّاهنّ) ضمير مبهم، وو سَبْعَ سَماواتٍ تفسيره. ومعنى تسويتهن تعديل خلقهن أو إتمام خلقهن.
وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ فمن ثم خلقهن خلقا مستويا محكما من غير تفاوت. وفي إحكام مواقع الكواكب، وما يقوم بينها من مسافات، وما يحكمها من قوانين توصل العلم إلى كشف جانب منها دلائل على إحكام الخلق واستوائه.
٣٠ - وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قالَ إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ .
بدأت هنا قصة خلق الإنسان وما انطوت عليه من حكمة إلهية. لقد أخبر الله ملائكته أنه سيجعل في الأرض خليفة هو آدم وذريته، يسكنون الأرض ويعمرونها. وكلمة خليفة من قبيل الاستعارة، فالله موجود في كل مكان، ولا حاجة به إلى من يخلفه. لكن المقصود أن الله وكل الأرض للإنسان، يعمل فيها بأمر ربه، فكأنما قد استخلفه عليها. أما القول بأن الخلافة هنا تعني أن بني آدم يخلفون الملائكة في سكنى الأرض، فهذا ما لا نجد دليلا عليه في نص الآية.
стр. 180
وقول الملائكة أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ دليل على أن حكمة الله تخفى أسرارها على كافة مخلوقاته، لا يستثنى منهم الملائكة. فهؤلاء قد علموا أن الإنسان وقد فطر من جسد وروح سوف يمتحن بالمادة، وما يرتبط بها من الشهوات، وما قد يقود اليه ذلك من الإفساد وسفك الدماء. وكل ذلك بدا أمام نظرهم عديم الجدوى، حيث هم في عالم الملكوت يسبحون ويقدسون، ولا يرون فائدة لخلق الإنسان.
قالَ إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ فعلم الله وسع ما لا يعلمه أحد من مخلوقاته. مهما علت منزلته، وكل خلقه حكمة وصلاح.
ويتخذ الصوفية من قصة آدم رمزا لتمجيد الإنسان في أكمل صوره، فهو بتحقيق الكمال يكون جديرا بخلافة الله في أرضه. والإنسان الكامل- على هذا- هو أفضل مخلوقات الله. ومن هنا دعوا كل مؤمن إلى العمل على التحقيق بصفات الكمال.
٣١ - وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ .
لما سأل الملائكة عن وجه الحكمة في خلق آدم وذريته وإسكانه إياهم في الأرض، وأخبر الله تعالى عن وجه الحكمة في ذلك على سبيل الإجمال بقوله:
إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ أراد تعالى أن يزيدهم بيانا وأن يفصل لهم ذلك المجمل فبين لهم من فضل آدم
стр. 181
ما لم يكن معلوما لهم، وذلك بأن علم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم عليهم ليظهر بذلك كمال فضله، وقصورهم عنه في العلم، وهكذا يتأكد ذلك الجواب الإجمالي بهذا الجواب التفصيلي.
وقد أثار تفسير هذه الآية بعض المشكلات الفكرية. من ذلك مثلا أن بعض المتكلمين وهم الأشعري والجبائي والكعبي ذهبوا- على أساس هذه الآية- إلى أن اللغات توقيفية، وأن الألفاظ كانت موجودة قبل خلق آدم، وأن الله هو الذي علم الإنسان اللغات. وهذا تأويل بعيد، لا يمكن أن يستقر على قاعدة متينة من الواقع.
وخير من ذلك أن يقال إن معنى تعليم الله إياه أن يخلق فيه إذ ذاك بموجب استعداده علما ضروريا تفصيليا بأسماء جميع المسميات وأحوالها وخواصها اللائقة بكل منها، فيتلقاها آدم بمقتضى استعداده وقدرته العقلية، وقابليته الفكرية.
وهناك تفسير صوفي يذهب إلى أن تعليم الأسماء تضمن علم ما كان وما يكون إلى يوم القيامة.
كذلك هناك تفسير فلسفي يفسر تعليم آدم الأسماء بأن الله خلقه من أجزاء مختلفة وقوى متباينة مستعدا لإدراك أنواع المدركات من المعقولات والمحسوسات والمتخيلات والموهومات وألهمه معرفة ذوات الأشياء وأسمائها وخواصها وأصول العلم وقوانين الصناعات وتفاصيل آلاتها، وكيفيات استعمالها.
ومهما يكن فإن الله قد حبا آدم بعلم لم يكن للملائكة عهد به، وجعله في موقف القدرة على مواجهة حياته التي يسرها له الخالق. ومن أهم ما يمتاز به الإنسان قدرته على الرمز للأشياء بأسماء يصطلح عليها، وهذه القدرة أساس من أسس العلم الإنساني. أما نوع العلم الذي تلقاه آدم، وهل كان ألفاظا لغوية أم إلهاما فكريا، وما نوع اللغة التي خاطب الله بها الملائكة، فهذا مما لم يفصله القرآن، فكل تفسير يذكر في هذا الصدد إنما هو من قبل التخمين والرجم بالغيب.
وحسبنا أن نقول إن الله خلق في آدم قدرة على معرفة الأشياء وتمييزها، والرمز إليها بأسماء، وكانت هذه القدرة هي الأساس الأول للمعرفة الإنسانية.
стр. 182
ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ الضمير في (عرضهم) للمسميات التي دلت عليها الأسماء.
فَقالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ في هذا القول نوع من اللوم للملائكة على اعتراضهم، وإظهار لعجزهم.
وهنا نتساءل: ما الذي عرضه الخالق على الملائكة؟ إنه عرض أصحاب الأسماء، أي أنه عرض المسميات على الملائكة وفيهم من يعقل وفيهم من لا يعقل فقال: عرضهم، غلب العقلاء فأجرى على الجميع كناية من يعقل كقوله:
«والله خلق كل دابة من ماء فمنهم من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي على رجلين ومنهم من يمشي على أربع». أجرى عليهم كناية من يعقل. وفي قراءة أبيّ ثمّ عرضها وفي قراءة ابن مسعود ثمّ عرضهن وعلى هاتين القراءتين يصح أن يكون الضمير عائدا إلى الأسماء.
ويتصدى المفسرون للحديث عن كيفية العرض، وهم- بطبعية الحال- يختلفون في ذلك، فما أقوالهم في مثل هذا الأمر إلا من قبيل التخمين. قيل إنما عرضها على الملائكة بأن خلق الأسماء التي علمها آدم حتى شاهدتها الملائكة، وقيل صور في قلوبهم هذه الأشياء فصارت كأنهم شاهدوها، وقيل: عرض عليهم من كل جنس واحدا وأراد بذلك تعجيزهم.
стр. 183
إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ فيما ادعيتم علمه من أسرار الحكمة الإلهية، حتى تساءلتم عن حكمة خلق آدم وذريته.
٣٢ - قالُوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ
الحكمة نقيض السفه. والإحكام الإتقان. والحكمة هي التي تقف بك على أمر الحق الذي لا يخلطه باطل، والصدق الذي لا يشوبه كذب. ويقال: حكمة بالغة. ورجل حكيم إذا كان ذلك شأنه، وكانت معه أصول من العلم والمعرفة.
بالحكمة في الإنسان هي العلم الذي يمنع صاحبه من الجهل.
قال الملائكة: تنزيها لك وتعظيما عن أن يعلم الغيب أحد سواك. أو تنزيها لك وتعظيما عن أن يعترض على فعلك، مهما جهلنا الحكمة فيه.
لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا معناه: إنا لا نعلم إلا بتعليمك، وليس هذا فيما علمتنا. ولو أنهم اقتصروا على قولهم: لا علم لنا لكان كافيا في الجواب، لكن أرادوا أن يضيفوا إلى ذلك تعظيم الله والاعتراف بإنعامه عليهم بالتعليم، وأن جميع ما يعلمونه إنما هو مما تفضل الله به عليهم. وبهذا تقرر فضل آدم إذ علّمه الله ما لم يعلم الملائكة ورفع بهذا درجته عندهم.
إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ أي العالم بجميع المعلومات. والعليم صيغة مبالغة من علم. فالعليم فوق العالم.
وقيل إنها تعني أن الملائكة أثبتوا لله ما نفوه عن أنفسهم من العلم، الذي لا يحتاج صاحبه إلى تعلم، في حين أن ما علموه كان تعليما تفضل به الله عليهم.
стр. 184
الْحَكِيمُ الذي لا يشوب علمه جهل ولا يتطرق إليه وهم.
٣٣ - قالَ يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمائِهِمْ قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ
أمر الله آدم أن يخبر الملائكة بأسماء المسميات التي عرضها عليهم.
فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمائِهِمْ وضح الحق لديهم، وعرفوا حكمة الله في خلق آدم.
قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ وهو تفصيل لجوانب من علم الله الذي أحاط بغيب السماوات والأرض، وأحاط بكل ما يبديه المخلوق أو يخفيه. وكان قد أجمل وصف هذا العلم في قوله:
إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ
٣٤ - وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبى وَاسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ
تجلى عصيان إبليس في مخالفته صريح الأمر الإلهي بالسجود لآدم. لقد كان الأمر بالسجود واجب الطاعة، مهما بدا للملائكة من وضوح فضلهم لتمسكهم
стр. 185
بطاعة الله وتسبيحه، وابتعادهم عن المعاصي التي رأوا أن بعض ذرية آدم سوف تتورط فيها، فتفسد في الأرض وتسفك الدماء.
ولهذا فإن إباء إبليس وكبره قاداه إلى الكفر، وأخرجاه من زمرة الملائكة، بعد أن تكشفت طبيعته أمام هذا الامتحان. ولقد نقل القرآن الكريم في موضع آخر احتجاج إبليس لعصيانه.
قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (الاعراف: ١٢، ص: ٧٦) وأنت ترى كيف تبدو هذه الحجة واهية، وتدل على الطبيعة الخسيسة التي اتصف بها هذا الشيطان. فما النار وما الطين أمام قدرة الخالق؟ وهل يجوز لمخلوق أن يتباهى بفضله أمام خالقه. إن قول الشيطان: أنا خير منه هو قول شائع في دنيا الناس، ينطق به كثير منهم، ويتجلى فيه مرض العجب الذي يصيب النفس فيبث فيها الحقد على الآخرين، كما أنه يصيب العقل بالغفلة. والاستكبار والتكبر والتعظم والتجبر نظائر، وحقيقة الاستكبار الأنفة مما لا ينبغي أن يؤنف منه وهو أيضا رفع النفس إلى درجة لا تستحقها.
٣٥ - وَقُلْنا يا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْها رَغَداً حَيْثُ شِئْتُما وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ
السكنى من السكون لأنها نوع من اللبث والاستقرار.
أَنْتَ تأكيد للضمير المستكن في
стр. 186
اسْكُنْ، ورَغَداً وصف للمصدر، أي كلا أكلا رغدا واسعا رافها.
حَيْثُ للمكان المبهم، فهو يعني أيّ مكان من الجنة، شِئْتُما كانت إباحة الأكل من أي موضع في الجنة، حتى لا يبقى لهما عذر في التناول من شجرة واحدة بين أشجارها التي تفوق الحصر. وكانت الشجرة فيما قيل الحنطة أو الكرمة أو التينة.
فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ أي من الذين ظلموا أنفسهم بمعصية الله.
هناك تفصيلات قد يسأل عنها في تفسير هذه الآية، منها موضع الجنة التي سكنها آدم في أول الأمر. وهذا من الغيب المحجب الذي لا نعرف شيئا عنه، ولا ضرورة لمعرفته من أجل فهم الآية.
وتتضمن هذه الآية أساسا مهما من أسس التشريع، قوامه أن طاعة الله الله واجبة، في جميع الأحوال، مهما خفي سرّ التكليف على العقل. فآدم قد أبيح له الأكل من جميع الأشجار فيما عدا شجرة واحدة. وقد يميل العقل المجرد إلى مناقشة هذا الأمر، والقول بأنه لا فرق بين شجرة وأخرى، ويغري الإنسان بمخالفة صريح الأمر. إن هذه الآية تعلمنا أن طاعة الأمر الصريح مقدمة على كل قياس نظري، أو تفكير منطقي بحت. ولقد كان أمر آدم وزوجته بألا يأكلا من الشجرة تدريبا لهما على الالتزام بما تأمر به شريعة الله. لقد كان
стр. 187
امرأ ينمي الإرادة الإنسانية، في مواجهة الرغبات والشهوات. وكأن هذا التدريب على استخدام الإرادة كان إكمالا لخلق آدم.
٣٦ - فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ عَنْها فَأَخْرَجَهُما مِمَّا كانا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ
فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ عَنْها بمعنى أذهبهما عنها وأبعدهما. وقيل إن المعنى هو: فحملها الشيطان على الزلّة بسببها أي فأصدر الشيطان زلتهما عنها. وقرئ فأزالهما أي فأبعدهما. وقد ذكر القرآن بعض ما وسوس به الشيطان لآدم وحواء.
قالَ ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ (٧: ٢٠) فَأَخْرَجَهُما مِمَّا كانا فِيهِ من النعيم والكرامة، أو من الجنة.
وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ قيل إن هذا خطاب لحواء وآدم وإبليس، والصحيح أنه لآدم وحواء، والمراد
стр. 188
هما وذريتهما لأنهما لما كانا أصل الإنس ومتشعبهم جعلا كأنهما الإنس كلهم والدليل عليه قوله:
قالَ اهْبِطا مِنْها جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ويدل على ذلك أيضا قوله: فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ، وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ.
وهذا حكم يعم الناس جميعا، ومعنى بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ما عليه الناس من التعادي والتباغي وتضليل بعضهم لبعض. والهبوط:
النزول الى الأرض.
مُسْتَقَرٌّ موضع استقرار، أو استقرار، وَمَتاعٌ أي تمتع بالعيش.
إِلى حِينٍ يمكن أن يعني إلى يوم القيامة على اعتبار أن الخطاب للبشرية جميعا في حياتها على الأرض. ويمكن أن يعني إلى الموت، على اعتبار أن الإنسان يعيش في الدنيا فترة مؤقتة تنتهي بالموت.
٣٧ - فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ
стр. 189
معنى تلقي الكلمات استقبالها بالأخذ والقبول والعمل بها حين علمها. وقرئ بنصب آدم ورفع الكلمات، على أنها استقبلته بأن بلغته واتصلت به. وقد نقل القرآن الكريم كلمات آدم في التعبير عن توبته، وذلك قوله تعالى:
قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ (الاعراف: ٢٣) فَتابَ عَلَيْهِ أي فرجع عليه بالرحمة والقبول، والأصل في التوبة ندم الإنسان على ما مضى من القبيح، والعزم على أن لا يعود إلى مثله في القبح.
وهنا نرى طبيعة آدم التي هي في حقيقتها طبيعة خيرة، وكيف أدرك أنه أخطأ، وأن الذنب الذي اقترفه كان من فعل يديه، فلم ينسب ذنبه إلى ربه، كما فعل الشيطان، حين نسب خطيئته إلى الله فيما نقل عنه القرآن من قوله:
رَبِّ بِما أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ (١٥: ٣٩) فهنا ينسب الشيطان ضلاله إلى الله، وقد استقبلت توبة آدم بالغفران، ولم تكن الخطيئة آدم تبعات تقع على أبنائه، بل كل إنسان مسئول عن عمله.
٣٨ - قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْها جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ
تكرار الأمر بالهبوط للتأكيد. ويفسر الفخر الرازي تكرار الأمر بالهبوط على الوجه الآتي:
стр. 190
إن آدم وحواء لما أتيا بالزلة أمرا بالهبوط فتابا بعد الأمر الأول، ووقع في قبلهما أن الأمر بالهبوط لما كان بسبب الزلة، فبعد التوبة وجب أن لا يبقى الأمر بالهبوط، فأعاد الله تعالى الأمر بالهبوط مرة ثانية ليعلما أن الأمر بالهبوط ما كان جزاء على ارتكاب الزلة حتى يزول بزوالها، بل الأمر بالهبوط باق بعد التوبة لأن الأمر به كان تحقيقا للوعد المتقدم في قوله:
إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً أي بيان ودلالة. وقيل أنبياء ورسل. وعلى هذا القول الأخير يكون الخطاب في قوله:
اهْبِطُوا لآدم وحواء وذريتهما.
واختلف حول تفسير الهدى هنا، وهل يفهم منه أن الإيمان يكون بالشرع أو أنه من موجبات العقل. وذهب أهل السنة إلى أن الشريعة هي التي تدعو إلى الإيمان، وأنه لا حكم قبل الشرع. أما المعتزلة فيرون الإيمان من موجبات العقل وأنه لا يشترط فيه بعثة الرسل وإنزال الكتب، وأنه إن لم يبعث الله رسولا ولم ينزل كتابا كان الإيمان به وتوحيده واجبا، لما ركب فيهم من العقول، ونصب لهم من الأدلة، ومكنهم من النظر والاستدلال.
٣٩ - وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ
وَالَّذِينَ كَفَرُوا
стр. 191
أي جحدوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أي دلالاتنا وما أنزلناه على الأنبياء.
أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ أي الملازمون للنار.
هُمْ فِيها خالِدُونَ أي دائمون. وفي هذه الآية دلالة على أن من مات مصرا على كفره غير تائب منه، وكذب بآيات ربه، فهو مخلد في النار. وآيات الله دلائله وكتبه المنزلة
على رسله.
٤٠ - يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ
إسرائيل هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم. وبهذه الآية تدخل سورة البقرة في مرحلة جديدة، هي الحديث عن بني إسرائيل، وما كان منهم خلال العصور السالفة على الإسلام. فالخطاب في قوله تعالى يا بَنِي إِسْرائِيلَ هو لجميع اليهود. وقيل هو ليهود المدينة وما حولها.
اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ أراد بذلك النعم التي أنعم بها على أسلافهم من كثرة الأنبياء فيهم، ونزول
стр. 192
الكتب التي وجّهت إليهم، وإنجائهم من فرعون ومن الغرق، وإنزال المن والسلوى عليهم، وعد النعمة على آبائهم نعمة عليهم لأن الأولاد يتشرفون بفضيلة الآباء.
وذكر النعمة بلفظ الواحد والمراد بها الجنس كقوله تعالى:
وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها والواحد لا يمكن عده.
وربما كان التذكير هنا لا يقتصر على ما أنعم به الله عليهم في سالف أزمانهم، بل يتعدى ذلك إلى ما أنعم به عليهم في واقع حالهم، فقد حفظهم في الماضي من اضطهادات وقعت عليهم، ويسر حياتهم في مناطق كثيرة من الأرض، وحفظ عليهم وحدتهم وتماسكهم.
وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ يريد بالعهد جميع الأوامر والنواهي التي عهد بها إليهم، وأمرهم بتنفيذها.
وكان من الأوامر- زمن البعثة النبوية- دعوتهم إلى الإيمان بمحمد ورسالته.
وتعبر عن ذلك الآية التي تجيء بعد هذه الآية.
وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ أي خافوني في نقض العهد. وفي هذه الآية دليل على وجوب شكر نعم الله.
٤١ - وَآمِنُوا بِما أَنْزَلْتُ مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ
قوله ..
أَوَّلَ كافِرٍ
стр. 193
يعني أول الكافرين.
فهذه الآية تدعو اليهود إلى الإيمان بما أنزل الله على محمد من رسالته التي جاءت مصداقا لما أنزل عليهم. إن ما في القرآن من دعوة للتوحيد جاءت مصداقا لما أنزل عليهم من قبل. كما أن في التوراة ذكرا لظهور النبي وبشارة بقدومه، فكان ينبغي على اليهود- وهم من أهل والكتاب والتوحيد- ألا يكونوا أول الكافرين به. ولقد كان اليهود وغيرهم من أهل الكتاب يبشرون بين العرب بظهور النبي ويستفتحون به، فلما بعث كان أمرهم على العكس. قال تعالى: فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ.
وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلًا الاشتراء يوضع موضع الاستبدال، وكذا الثمن يوضع موضع البدل والعوض عنه، فإذا اختير على ثواب الله شيء من الدنيا فقد جعل ذلك الشيء ثمنا عند فاعله. قال ابن عباس: إن رؤساء اليهود مثل كعب بن الأشرف وحيي بن أخطب وأمثالهما كانوا يأخذون من فقراء اليهود الهدايا، وعلموا أنهم لو اتبعوا محمدا لانقطعت عنهم تلك الهدايا، فأصروا على الكفر لئلا ينقطع عنهم ذلك النفع المادي. فقيمة مثل هذا النفع المادي قليلة جدا بالنسبة للإيمان وثوابه، ومن هنا وصف إعراض أشراف اليهود عن الإيمان من أجل هدايا أتباعهم شراء للثمن القليل بآيات الله. وكذلك روي أن علماء اليهود كانوا يأخذون الرشا من أجل كتمان أمر الرسول، وتحريف آيات التوراة التي تبشر بظهوره.
وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ يقرب معناه مما تقدم من قوله وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ والفرق أن الرهبة عبارة عن الخوف، واما الاتقاء فإنما يحتاج إليه عند الجزم
стр. 194
بحصول ما يتقى منه، فكأنه تعالى أكد هنا وجوب خوفهم من العذاب المحقق.
٤٢ - وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ
اللبس شبيه بالتغطية والتعمية. وضد اللبس الإيضاح. واللباس ما واريت به جسدك.
إن قوله تعالى:
وَآمِنُوا بِما أَنْزَلْتُ في الآية السابقة هو أمر بترك الكفر والضلال. أما قوله:
وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ فهو أمر بترك الإغواء والإضلال. وإضلال الغير له سبل مختلفة، فإن كان ذلك الغير قد سمع دلائل الحق، فإضلاله يكون بتشويش تلك الدلائل عليه، وإن كان لم يسمعها فإضلاله إنما يمكن بإخفاء تلك الدلائل عنه، ومنعه من الوصول إليها. وقوله:
وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ إشارة إلى السبيل الأول وهو تشويش الدلائل عليه. أما قوله وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ فهو إشارة إلى السبيل الثاني من سبل الإضلال، وهو منع الغير من الوصول إلى الدلائل.
أما الباء في قوله:
стр. 195
بِالْباطِلِ فالأظهر أنها باء الاستعانة، كما تقول: كتبت بالقلم. والمعنى ولا تلبسوا الحق بسبب الشبهات التي توردونها على السامعين، وما تقومون به من تحريف الدلائل أو إخفائها.
وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أن محمدا نبي حق وردت الإشارة إليه في كتبكم، أو وأنتم تعلمون البعث والجزاء وما يكون فيه من عقوبة للكفار والضالين، أو وأنتم تعلمون ما نزل من العقاب وما ينزل من ذلك بمن كذب على الله. والخطاب متوجه إلى رؤساء أهل الكتاب.
٤٣ - وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ
لما أمرهم الله بالإيمان أولا ثم نهاهم عن لبس الحق بالباطل وكتمان دلائل النبوة ثانيا ذكر بعد ذلك بيان ما لزمهم من الشرائع، وذكر من جملة الشرائع ما كان أكثرها دلالة على الطاعة وهي الصلاة أعظم العبادات البدنية المقترنة بخشوع الروح، والزكاة التي هي أعظم العبادات المالية. والدعوة إلى إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة هنا إجمالية. وقد بين الرسول للناس أركان الصلاة.
والأصل في الصلاة الدعاء، ثم أصبحت علما على طريقة العبادة المعروفة، التي علّمها الرسول لأمته. أما الزكاة فهي في اللغة عبارة عن النماء. يقال زكا الزرع إذا نما. وتدل أيضا على التطهر. قال تعالى:
قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى أي تطهر. والزكاة قد وصفت في حديث للرسول بأنها «تزيد الرزق وتكثر
стр. 196
المال وتعمر الديار، فهي من هنا شبيهة بمعنى النماء كما أنها وصفت بأنها تطهر وتنقي. قال تعالى:
خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها (التوبة: ١٠٣) وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ أي صلوا مع المصلين، فيكون المعنى هنا متضمنا الدعوة إلى صلاة الجماعة، بعد أن دعت الآية إلى أداء الصلاة بوجه عام. وربما كان الأمر بالركوع هنا أمرا عاما بالخضوع، فيكون الكلام هنا منطويا على دعوتهم لترك التكبر، وللشعور بالتواضع والخضوع أمام الله وهذا الوجه الثاني أفضل.
٤٤ - أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ
في الآية استفهام يعبّر عن التقريع والتعجب.
أما البرّ فهو اسم جامع لأعمال الخير. ومنه برّ الوالدين. ويوصف العمل الخيّر بأنه عمل مبرور، أي رضيه الله. وقد يكون بمعنى الصدق، كما يقال:
برّ في يمينه، أي صدق ولم يحنث. ووصف الله التقوى بأنها من البرّ. قال:
وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى كان اليهود يتظاهرون بالتدين، فيأمرون الناس بطاعة الله وينهون عن معصيته، وهم كانوا يتركون الطاعة ويقدمون على المعصية.
وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ
стр. 197
أي وأنتم تقرءون التوراة وتدرسونها وتعلمون بما فيها من الحث على أفعال البر والإعراض عن أفعال الإثم.
أَفَلا تَعْقِلُونَ تنطوي هذه العبارة على تعجب للعقلاء من فعلهم. فهؤلاء كانوا يدعون إلى الطاعة ويحثون الناس عليهما بالدعوة والموعظة، لكنهم كانوا هم أنفسهم سادرين في المعاصي. والأولى بالداعي أن يعظ نفسه قبل أن يعظ غيره، وأن ينصح نفسه قبل أن يقدم على نصح سواه. قال علي بن أبي طالب: قصم ظهري رجلان عالم متهتك وجاهل متنسك. وروى أنس من حديث الرسول عن المعراج قوله: «مررت ليلة أسري بي على قوم تقرض شفاههم بمقاريض من النار، فقلت يا أخي، يا جبريل، من هؤلاء؟ فقال: هؤلاء خطباء من أهل الدنيا كانوا يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم».
وعن الشعبي: «يطلع قوم من أهل الجنة الى قوم من أهل النار فيقولون:
لم دخلتم النار؟ ونحن إنما دخلنا الجنة بفضل تعليمكم فقالوا: إنا كنا نأمر الناس الخير ولا نفعله».
ويقول الشاعر:
لا تنه عن خلق وتأتي مثله ... عار عليك إذا فعلت عظيم
ابدأ بنفسك فانهها عن غيّها ... فإذا انتهت عنه فأنت حكيم
فهناك يقبل إن وعظت ويقتدى ... بالرأي منك وينفع التعليم
٤٥ - وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخاشِعِينَ .
لما أمر الله اليهود بالإيمان، وبترك الإضلال، وبالتزام الشرائع وهي الصلاة
стр. 198
والزكاة، وكان ذلك شاقا عليهم لما فيه من ترك الرئاسات والإعراض عن المال والجاه، لا جرم عالج الله تعالى هذا المرض فقال:
وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ كأنه قيل: واستعينوا على ترك ما تحبون من الدنيا، والدخول فيما تستثقله طباعكم من قبول دين محمد بالصبر أي بحبس النفس عن اللذات، فإنكم إذا كلفتم أنفسكم ذلك مرنت عليها، وخف عليها. ثم إذا ضممتم الصلاة إلى ذلك تم الأمر لأن المشتغل بالصلاة لا بد وأن يكون مشتغلا بذكر الله وذكر جلاله وقهره، وذكر رحمته وفضله، فإذا تذكر رحمته مال إلى طاعته، وإذا تذكر عقابه ترك معصيته، فيسهل عند ذلك اشتغاله بالطاعة وترك المعصية.
وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخاشِعِينَ الضمير في إنها عائد إلى الصلاة، أي الصلاة ثقيلة إلا على الخاشعين. وثقل الصلاة بالنسبة لغير الخاشع أمر واضح. فلا بد من اقتناع قلبي بالإيمان ليسهل أداء الصلاة. أما من لم يخشع فهو لا يعتقد أن في أداء الصلاة ثوابا ولا في تركها عقابا، فيصعب عليه فعلها. أما الخشوع فهو الخضوع.
٤٦ - الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ راجِعُونَ
الظن هنا بمعنى العلم. ولا يجوز أن يفسر الظن هنا بالاعتقاد الذي يقارنه تجويز النقيض. فلو كان هذا الظن مقصودا لاقتضى أن يكون صاحبه غير جازم بيوم القيامة، وهذا كفر لا يتمشى مع معنى الآية. ففي هذه الآية مدح على الظن، فوجب أن يكون معنى الظن هنا هو العلم الذي يفيد اليقين. ونظيره قوله تعالى: إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ.
стр. 199
أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ أي أنهم يوقنون بالعودة إلى الله. وقد استدل أهل السنة بقوله مُلاقُوا رَبِّهِمْ على جواز رؤية الله تعالى. أما المعتزلة فقالوا: لفظ اللقاء لا يفيد الرؤية. قال تعالى:
وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً وقال:
وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ وهو قول موجه إلى الكافر والمؤمن.
وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ راجِعُونَ المراد من الرجوع إلى الله تعالى الرجوع إلى حيث لا يكون لهم مالك سواه، وأن لا يملك لهم أحد غيره نفعا ولا ضرا، فيكون ما توهموه من نفع عند غير الله قد تكشفت حقيقته، وغدا هباء لا طائل وراءه.
٤٧ - يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ
أعاد الله هذا الكلام مرة أخرى توكيدا للحجة عليهم، وتحذيرا لهم من عواقب محاربة النبي محمد. وقد قرن قوله هذا بالوعيد الذي احتوته الآية التالية، وفيها قوله تعالى:
стр. 200
وَاتَّقُوا يَوْماً ...
فالآية تذكر بسالف النعم، والآية التالية تحذر من عاقبة العصيان، أما قوله تعالى وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ فالمقصود به أن الله فضلهم على أهل زمانهم، فقد حباهم بدين قائم على التوحيد، وكان إيمانهم به مما رفع قدرهم على أهل زمانهم الذين لم يهتدوا للإيمان.
٤٨ - وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْها عَدْلٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ
اتقاء اليوم هو اتقاء لما يحصل في ذلك اليوم من العقاب، فاليوم نفسه لا يتقى، ولا بد أن يأتي هذا اليوم لأهل الجنة وأهل النار جميعا، فلا سبيل إلى الإفلات منه.
لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً لا تحمل نفس عن نفس شيئا في يوم القيامة، ولا تذود عنها شيئا يصيبها، بل يفر المرء فيه من أخيه وأمه وأبيه. فطاعة المطيع لا تقضي عن العاصي ما كان واجبا عليه. فالأمر بالنسبة للطاعات ليس شبيها بالعلاقات المادية في الدنيا، حيث يستطيع الرجل أن ينوب عن أخيه في حمل الأعباء، فيقضي عنه دينه، أو يحمل عنه بعض أعبائه. فالطاعات واجبة على كل انسان، وأداؤها مفروض عليه، ومن هنا لا تجزي نفس عن نفس شيئا يوم الحساب.
وَلا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ الشفاعة أن يستوهب أحد لأحد شيئا ويطلب له حاجة، وأصلها من الشفع
стр. 201
كان صاحب الحاجة كان فردا، فصار الشفيع له شفعا أي أنه صار قرينا مؤيدا له. والضمير في قوله وَلا يُقْبَلُ مِنْها راجع الى النفس الثانية، وهي العاصية التي تحتاج إلى الشفاعة، ومع ذلك، فلو جاءت بشفاعة شفيع لا يقبل منها. ويجوز أن يرجع الضمير إلى النفس الأولى على أنها لو شفعت لغيرها لم تقبل شفاعتها، كما أنها لا تجزي عنها شيئا.
وَلا يُؤْخَذُ مِنْها عَدْلٌ أي فدية. وأصل الكلمة من معادلة الشيء تقول: ما أعدل بفلان أحدا، أي لا أرى له نظيرا. قال تعالى:
ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ تحذر هذه الآية من تعودوا في الدنيا على أن يحلّوا بالمال كل مشكلاتهم، فتبين أن من كفر لا يكون يوم القيامة قادرا على افتداء نفسه مهما كان الثمن الذي يقدمه. قال تعالى:
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَباً وَلَوِ افْتَدى بِهِ (آل عمران: ٩١) وقدم الشفاعة على المال هنا، وفي ذلك إشارة إلى حرص اليهود على المال، حيث يؤثرون الخلاص عن طريق الشفاعة، فإن عز ذلك عليهم فعن طريق المال.
وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ التناصر يكون في الدنيا على أساس القرابة أو الصداقة. فالنصر هو دفع الشدائد، ولا أحد يستطيع أن يدفع عذاب الله عن عمن استحق هذا العذاب.
стр. 202
يرى المعتزلة أن هذه الآية تنفي إمكان الشفاعة للعصاة. فالمعتزلة يرون أن شفاعة الرسول تكون للمستحقين للثواب، وتأثير الشفاعة تكون في أن تحصل لهم زيادة في
الثواب. واستدلت المعتزلة بهذه الآية وبغيرها على أن الشفاعة لا تكون لأهل الكبائر. أما أهل السنة فيقولون إن لشفاعة الرسول تأثيرها في إسقاط العذاب عن المستحقين للعقاب، إما بأن يشفع لهم يوم القيامة حتى لا يدخلوا النار، أو بأن يخرجهم من النار إن كانوا قد دخلوها. ومعروف أن أهل السنة لا ينعتون مرتكب الكبيرة بالكفر إذا كان قد أقر بالإيمان. ومن هنا أجازوا أن يشمله اللطف الإلهي. لكن الشفاعة لا تكون للكفار. أما المعتزلة فهم بناء على قولهم بالوعد والوعيد أي بوجوب مكافأة المطيع ومعاقبة العاصي، لا يقولون بإمكان الشفاعة يوم القيامة.
٤٩ - وَإِذْ نَجَّيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ يُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ
قدم الله تعالى ذكر نعمه على بني إسرائيل إجمالا، ثم بين بعد ذلك أنواع تلك النعم على سبيل التفصيل، ليكون أبلغ في التذكير وأعظم في الحجة. فكأنه قال: اذكروا نعمتي، واذكروا إذ فرقنا بكم البحر. وهذه الآية تذكر النعمة الأولى وهي إنجاء اليهود من آل فرعون. أصل الانجاء والتنجية هو التخليص، وللفعل لغتان: نجّي وأنجى. وقالوا للمكان العالي نجوة لأن من صار إليه نجا أي تخلص، ولأن الموضع المرتفع بائن عما انحط عنه، فكأنه متخلص منه.
(آل) أصلها أهل ولذلك يصغر بأهيل، فأبدلت هاؤه ألفا، وخصّ استعماله بأولي الخطر والشأن كالملوك وأشباههم. وقيل: الأهل أعم من الآل. يقال أهل الكوفة وأهل البلد، ولا يقال آل الكوفة وآل البلد. فمعنى ذلك أن الآل تطلق على أقارب الرجل وخاصة أهله.
стр. 203
يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ يقال سامه خسفا إذا أولاه ظلما. قال عمرو بن كلثوم:
اذا ما الملك سام الناس خسفا ... أبينا أن نقر الخسف فينا
وأصله من سام السلعة إذا طلبها، كأنه بمعنى يبغونكم سوء العذاب ويريدونه بكم. والسوء مصدر ساء. وسوء الخلق وسوء الفعل يعني قبحهما. وسوء العذاب والعذاب كله سيّئ- يعني أشده وأصعبه، فهو بالغ القبح إذا قيس بسائر أنواع العذاب.
يُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ يقتلون الذكور من أبنائكم دون الإناث. ولم يقل يذبّحون رجالكم وهو اللفظ المقابل للنساء في قوله وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ لأن الذكور كانوا يقتلون أطفالا فلم يكونوا يبلغون مبلغ الرجال، أما النساء فكن يعشن ويصلن إلى مرحلة البلوغ. والتعبير عن الإبقاء على الإناث بقوله ويستحيون نساءكم تجسيم للمشكلة التي كان يواجهها اليهود إذ كان مجتمعهم بتحول رويدا رويدا إلى مجتمع نسائي وفي هذا ما كان يهدد بانقراضهم.
وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ البلاء هو الاختبار والامتحان. قال تعالى:
وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً (الأنبياء: ٣٥) وقال:
وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ (الأعراف: ١٦٨)
стр. 204
فان كان المراد بالبلاء هنا المحنة كان راجعا إلى عمل فرعون، الذي سلّطه الله عليهم ليختبر صلابتهم وثباتهم، ثم نصرهم عليه في نهاية الأمر. وإن كان المراد بالبلاء النعمة فهو راجع إلى ما أنعم الله به عليهم من النعم التي ذكّرهم بها هنا، ومنها انجاؤهم من آل فرعون بعد ما لقوا على أيديهم الأهوال، فكان حدوث هذه النعمة مصدر ابتلاء لهم، واختبار لمدى اعترافهم بفضل الله عليهم.
٥٠ - وَإِذْ فَرَقْنا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْناكُمْ وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ
تشير هذه الآية إلى خروج بني إسرائيل من مصر، وتروي معجزة حققها الله على يد نبيه موسى، إذ واجه بنو إسرائيل البحر، وكان فرعون وجنوده يطاردونهم، فأمر الله موسى أن يضرب بعصاه البحر، فانفلق البحر عن طرق يابسة مرّ فوقها بنو إسرائيل، وعبروا البحر سالمين، ولما رأى فرعون هذه الطرق اليابسة اقتحم البحر بجنوده متابعا لهم، فغشيهم البحر، وأغرقهم بمياهه. برغم هذه المعجزة الباهرة التي وقعت لبني إسرائيل، على يد موسى، فإنهم عادوا إلى العصيان من جديد، فكان العقوق والعصيان في أوائلهم، كما كان في أواخرهم حين خاطبهم القرآن مذكّرا بنعم الله عليهم في سالف الزمن، فما سمعوا ولا انقادوا.
وقد علل المعتزلة وقوع مثل هذه المعجزة على النحو التالي: «إنّ في المكلفين من يبعد عن الفطنة والذكاء، ويختص بالبلادة، وعامة بني إسرائيل كانوا كذلك، فاحتاجوا في التنبيه إلى معاينة الآيات العظام كفلق البحر ورفع الطور وإحياء الموتى، ألا ترى أنهم بعد ذلك مروا بقوم يعبدون الأصنام، فقالوا يا موسى اجعل لنا إلا لها كما لهم آلهة».
وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ أي وأنتم تبصرون ما وقع بهم من هلاك، وتشاهدون هذه المعجزة العظيمة التي أدت إلى هلاك عدو كان يطلب إهلاككم.
стр. 205
٥١ - وَإِذْ واعَدْنا مُوسى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ
ترك موسى قومه أربعين ليلة، وكان الله قد وعده أن ينزل عليه كتابا يبين للناس ما يعملون وما يتركون، فاستخلف أخاه هارون على قومه، وقصد إلى الطور حيث تلقى الوحي من ربه، ونزلت عليه التوراة. ولما عاد إلى قومه وجدهم يعبدون العجل الذي أغراهم السامري بعبادته.
هذا النزوع إلى الوثنية حقيقة سجلها التاريخ على بني إسرائيل في أوائل عهدهم. فمن المعروف أن دولة إسرائيل القديمة قد انقسمت إلى دولتين بعد موت سليمان هما
دولة يهوذا والدولة السامرية الشمالية. وقد انتشرت في الدولة السامرية الشمالية عبادة العجول الذهبية على نطاق واسع.
وكان اتخاذهم العجل إلها بعد ما خصّهم به الله من المعجزات، وما حباهم به من الكرامة، دليلا على رسوخ الجهل في طبيعتهم، وتسلط العناد وحب المال على نفوسهم. فقد كانت عبادتهم للعجول الذهبية رمزا لهذا الجشع وتلك المادية التي غلبت عليهم خلال العصور، وجعلتهم موضع سخط الناس.
وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ لأنفسكم بهذه الوثنية التي سوف تجر عليكم أقسى أنواع العقاب. أو وأنتم ظالمون بارتكابكم هذا الفعل، وإشراككم بربكم قال تعالى:
إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ذلك لأن ارتكابه ينطوي على ضرر لا نفع فيه، ومن هنا يكون فاعله ظالما، لأنه يظلم نفسه. قال تعالى في وصف أحد الجاحدين: «ودخل جنته وهو ظالم لنفسه فقال ما أظن أن تبيد هذه أبدا».
стр. 206
٥٢ - ثُمَّ عَفَوْنا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
(العفو) اسم لاسقاط العقاب المستحق. فمع ارتكاب اليهود هذه الآثام عفا عنهم الله، وبعث إليهم الأنبياء بعد موسى، لعلهم يشكرون نعمة العفو، ويلزمون الطاعة.
٥٣ - وَإِذْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَالْفُرْقانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ
وهذه نعمة أخرى من نعم الله ذكّر بها بني إسرائيل، هي إنزاله على موسى الكتاب، وإيتاؤه الآيات الباهرات التي تفرق بين الحق والباطل. وقد استدل المعتزلة بهذه الآية على أن الله يريد من الناس الهدى، ولولا ذلك لما كانت هناك فائدة لنزول الكتب السماوية. فلو كان الله هو الذي يخلق الكفر في الناس ما نفعهم إنزال الكتب عليهم. ويجيب على ذلك أهل السنة بأن الله علم منذ الأزل ما يكون عليه كل إنسان، وخلقه وفقا لما كان عليه مآله في الحياة الدنيا. وربما لم تكن الآية بحاجة إلى مثل هذا التحليل الفلسفي، فهي تحكي قصة نبي أرسله الله إلى قومه، وآتاه الكتاب والآيات، لعلهم يفيدون من هذه الرسالة السماوية ومما يريهم النبي من آيات الله، فيهديهم ذلك إلى الإيمان.
(الفرقان) قيل في تفسيره إنه الآيات التي تفرق بين الحق والباطل، وهي المعجزات التي جرت على يد موسى، وقيل إنه وصف للتوراة لأنها هي التي جاءت بالشرائع التي تفرق بين الحق والباطل.
٥٤ - وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بارِئِكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ
стр. 207
(الْبارِئُ هو الخالق، الذي خلق الخلق بريئا من التفاوت، وهو مع ذلك يتميز بعضه عن بعض بالأشكال المختلفة والصور المتباينة.
وقال بعض المفسرين إن الآية تتضمن أمرا لليهود بأن يقتلوا أنفسهم، أو بأن يقتل المؤمنون منهم من ارتدوا. ولعل المقصود اقتلوا النفس الأمارة بالسوء، وذلك بالإخلاص في العبادة وبالتوبة الصادقة. يقال: قتل الرجل نفسه ندما، وهذا- في اعتقادنا- هو الأقرب إلى الإمكان في فهم الآية. إن في قتل النفس الأمارة بالسوء، وذلك بإخضاعها لمشقة العبادة، وحرمانها من الشهوات واللذات الدنيوية ما يجعلها تتقرب من الله بعد اقتراف جريمة الكفر، وذلك بعبادة العجل والصوفية يعتبرون القتل هنا رمزا لإخضاع النفس وقتل هواها بالرياضة والتعبد.
٥٥ - وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ
صورة أخرى تنعكس فيها بلادة الحس عند اليهود، والعناد والتمسك بالمادية إلى أقصى الحدود. لقد رأوا المعجزات الباهرات، ومع ذلك لم يقتنعوا، بل طالبوا موسى بأن يريهم الله جهرة. ثم إن هذه الصورة تبين أنهم لا يقفون عند حد في مطامعهم.
لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ أي لا نصدقك ولا نعترف بنبوتك حتى نرى الله جهرة عيانا. أصل الجهرة من الظهور يقال جهرت الشيء كشفته، ويقال صوت جهير، ورجل جهوري
стр. 208
الصوت إذا كان صوته عاليا. ويقال وجه جهير إذا كان ظاهر الوضاءة. وإنما قالوا جهرة تأكيدا، لئلا يتوهم متوهم أن المراد بالرؤية العلم أو التخيل، على ما يراه النائم.
فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ للمفسرين في ذلك وجهان: أولهما أن صاعقة نزلت من السماء فقتلتهم، ثم أحياهم الله بعد ذلك. وثانيهما أنهم قد اعترتهم إغماءة أفقدتهم الوعي، ثم أفاقوا منها.
ويستدل القائلون بالوجه الثاني على ذلك بقوله تعالى:
وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ولو كانت الصاعقة هي الموت لامتنع كونهم ناظرين إلى الصاعقة، كما أنه تعالى قال في حق موسى:
وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً أثبت الصاعقة في حقه مع أنه لم يكن ميتا، لأنه قال:
فَلَمَّا أَفاقَ والإفاقة لا تكون عن الموت بل عن الإغماء.
٥٦ - ثُمَّ بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
إذا كان تفسير الصاعقة بالموت المحقق هو الوجه الصحيح، فالبعث هنا كان إحياء من الموت. وإذا كان التفسير بالإغماء هو الصحيح، فالبعث هنا يعني الإفاقة والوعي.
وقد وصف الله يقظة أهل الكهف بعد نومهم الطويل بأنها بعث.
قال تعالى: «فضربنا على آذانهم في الكهف سنين عددا، ثم بعثناهم لنعلم أي
стр. 209
الحزبين أحصى لما لبثوا أمدا. فكأن اعماء المصعوق كان شبيها بالموت وكانت تجربة مروا بها نتيجة لتبجحهم، ومطالبتهم برؤية الله جهرة، فأذاقهم الله موتا أو غشية شبيهة بالموت، ثم أعادهم إلى الحياة، لعلهم بعد هذه التجربة يكونون من المؤمنين الشاكرين.
٥٧ - وَظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الْغَمامَ وَأَنْزَلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَما ظَلَمُونا وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ
من النعم التي ذكر بها الله بني اسرائيل أيضا ما عبرت عنه هذه الآية.
وَظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الْغَمامَ أي وجعلنا الغمام يظلكم، وذلك في التيه. يروى أنه سخر لهم السحاب يظلمهم من الشمس.
وَأَنْزَلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى المنّ طعام شبيه في شكله بالثلج، كان ينزل عليهم من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس. أما السلوى فهي السماني، فكانوا يذبحون منها ما يكفيهم.
وَما ظَلَمُونا وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ أي وما ظلمونا بعصيانهم لكنهم ظلموا أنفسهم بكفر هذه النعم.
٥٨ - وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطاياكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ
стр. 210
كان اليهود بعد التيه باحثين عن الاستقرار فأمروا بأن يدخلوا القرية. والقرية المذكورة هنا لم يعرف تحديدها من نص القرآن الكريم، وقال المفسرون إن المقصود بها بيت المقدس، وقيل المقصود أريحا. ومهما يكن الأمر، فإن هؤلاء اليهود كانوا في ذلك الوقت جماعة من الساميين الذين يتجولون في مناطق من سيناء أو العقبة، باحثين عن موضع يستقرون فيه، شأنهم شأن غيرهم من الجماعات السامية التي كانت تتجول في تلك الأزمنة القديمة، باحثة لها عن موضع تستقر فيه، وكانت الشعوب السامية متشابهة النشأة متقاربة التراث. وقد أمروا بأن يسكنوا إحدى القرى ولا بد أن قادتهم عينوا لهم الموضع المقصود.
فَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً دعوة لهم لاستئناف حياة جديدة بعد محنة التشرد في البلاد، فأتيح لهم أن يعيشوا مستقرين كغيرهم من الناس، وأن يأكلوا من ثمرات الأرض.
وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً دخول الباب ساجدين هنا يعني دخولهم القرية متواضعين خاضعين لله تائبين من ذنوبهم. وقد أجهد بعض المفسرين أنفسهم في تفسير معنى دخول الباب ساجدين، فمنهم من قال إن باب القرية كان صغيرا فوجب السجود للدخول فيه، ومنهم من قال إن المقصود هو الركوع لا السجود، ثم تحيروا في التوفيق بين السجود وبين التحرك للدخول، وكل هذا مما لا طائل وراءه، ولا حاجة بنا إلى القول به. وكفانا أن نفهم أن السجود هنا كناية عن الخضوع لله، ومثل هذا الخضوع كان ضروريا لهم بعد ما اقترفوا من الذنوب، كذلك كان ضروريا لهم ليحسن استقرارهم مع غيرهم في مناطق هجرتهم، فالتعالي والغرور اللذان كانا من صفات اليهود حيثما استقروا، كثيرا ما سببا لهم سخط الناس عليهم، وجعلهم عنصرا بغيضا في كل أرض هاجروا إليها.
وَقُولُوا حِطَّةٌ
стр. 211
بعد أن امرهم بدخول الباب على وجه الخضوع، وليس على هيئة العراة الفاتحين، أمرهم بأن يقولوا ما يدل على التوبة، فالتائب عن الذنب لا بد أن يكون خاضعا مستكينا، وكان أن أمرهم بأن يقولوا قولا يدل على ندمهم واعترافهم بما كان من أخطائهم، لتكتمل بذلك صور التوبة، من ندم قلبي، واعتراف باللسان، فالحاصل أن هؤلاء القوم أمروا بأن يدخلوا الباب على وجه الخضوع، وأن يذكروا بلسانهم التماس غفران الذنوب، حتى يكونوا جامعين بين ندم القلب، وخضوع الجوارح والاستغفار باللسان.
وكلمة (حطّة) تعني قولا دالا على التوبة والندم والخضوع، فالتوبة تكون بندم القلب، وكذلك بذكر لفظ يعبر به اللسان عن حصول الندم في القلب.
وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ يعني أنّ من كان محسنا بهذه الطاعة والتوبة فإنا نغفر له خطاياه، ونزيده على غفران الذنوب إعطاء الثواب الجزيل، كما قال:
لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ أي نجازيهم بالإحسان إحسانا وزيادة. وربما كان غفران الخطايا يختص به من أذنب ثم تاب، أما قوله وسنزيد المحسنين فيقصد به زيادة الثواب للمطيعين الدائبين على التمسك بالطاعات.
٥٩ - فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ
стр. 212
فبدّل الذين ظلموا ما أمرهم به من التوبة، والاعتراف بالذنب، بالانهماك في الشهوات، والعودة إلى العصيان.
وقد تكررت في الآية عبارة «الذين ظلموا» زيادة في تقبيح أمرهم، وإيذانا بأن إنزال الرجز عليهم إنما كان لظلمهم.
(والرّجز) هو العذاب، والدليل على ذلك قوله تعالى: وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ أي العقوبة. ويقال إن هذا الرجز كان وباء أصابهم فأمات منهم الألوف في أيام قلائل. والفسق هو الخروج من طاعة الله إلى معصيته. ويقال فسقت الرطبة إذا خرجت من قشرها، وهذا هو الأصل المادي للمعنى الشرعيّ. وقد عين الله نوع الظلم الذي ارتكبه هؤلاء، وذلك بأن وصفه بأنه من الفسق. والفسق لا بد أن يكون من الكبائر. فوصفهم بأنهم ظلموا لم يعين نوع الإثم الذي ارتكبوه، حتى جاء قوله تعالى:
بِما كانُوا يَفْسُقُونَ فبين أن ظلمهم كان بارتكابهم الكبائر.
٦٠ - وَإِذِ اسْتَسْقى مُوسى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ
تروي هذه الآية قصة معجزة أخرى تحققت لموسى، وكانت نعمة تفضل بها لله على قومه، فقد ظمئوا، ولم يكن هناك ماء، فالتمس موسى من الله السقيا
стр. 213
لقومه، فأمره أن يضرب بعصاه الحجر، فانفجرت منه عيون بعدد قبائل بني إسرائيل. لقد كانوا اثنتي عشرة قبيلة فانفجرت لكل قبيلة عين يجري ماؤها في جدول. ولا بد أن هذا قد وقع لهم إبان وجودهم في أرض التيه، وكان تفجر الماء على هذه الصورة معجزة لموسى، وفضلا تكرم به الله على قوم موسى.
ويتحدث الفخر الرازي عن المعجزات على النحو التالي:
«كيف يعقل خروج المياه العظيمة من الحجر الصغير؟
الجواب: هذا السائل إما أن يسلم بوجود الفاعل المختار أو ينكره، فإن سلم فقد زال السؤال، لأنه قادر على أن يخلق الجسم كيف شاء، كما خلق البحار وغيرها، وإن نازع فلا فائدة له في البحث عن معنى القرآن، والنظر في تفسيره.
وهذا هو الجواب عن كل ما يستبعدونه من المعجزات التي حكاها الله في القرآن من إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص».
قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ أي أن كل قبيلة من قبائل اليهود قد علمت العين التي خصصت لها، ولم يكن أحد ينازعها فيها.
كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ ويتضمن ذلك أمرا لهم بأن ينعموا بما وهبهم الله من الرزق، وأن يستمدوا من الرزق قوة على الطاعات وصالح الأعمال، لا أن يكون الرزق مصدر نشاط لهم في الشر واقتراف الآثام. (العثي) هو مطلق التعدي، فالأمر لهم هنا أن يتركوا العدوان الذي يحدثون به الفساد في الأرض.
٦١ - وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ ... ... الآية
стр. 214
عَلى طَعامٍ واحِدٍ المراد ما رزقوا في التيه من المنّ والسلوى. فان قيل: هما طعامان فلماذا قالوا عَلى طَعامٍ واحِدٍ والجواب على ذلك أنهم أرادوا الواحد ما لا يختلف ولا يتبدل. فلو كان على مائدة الرجل ألوان عدة يداوم عليها كل يوم لا يبدلها، قيل: لا يأكل فلان إلا طعاما واحدا. (الزمخشري).
فَادْعُ لَنا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِها وَقِثَّائِها وَفُومِها وَعَدَسِها وَبَصَلِها يخرج لنا يعني: يظهر لنا ويوجد. و (البقل) ما أنبتته الأرض من الخضر، والمراد به أطايب البقول التي يأكلها الناس كالنعناع والكرفس والكراث وأشباهها.
(وفومها) الفوم هو الحنطة. وقيل هو الثوم، ويدل على ذلك قراءة ابن مسعود «وثومها».
تمول الزمخشري: «وهو للعدس والبصل أوفق».
قالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ الَّذِي هُوَ أَدْنى الذي هو أقل منزلة وأدون مقدارا. والدنوّ والقرب يعبّر بهما من قلة المقدار.
اهْبِطُوا مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ ما سَأَلْتُمْ أي انحدروا إليه من التيه. ويعرف الزمخشري بلاد التيه بأنها ما بين بيت المقدس إلى قنّسرين. والمراد أي مصر من الأمصار التي توجد بها مثل هذه الحاصلات الزراعية. وقيل إن المقصود أرض مصر، وتؤيد هذا قراءة الأعمش:
«اهبطوا مصر» بدون تنوين.
стр. 215
وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ أي جعلت الذلة محيطة بهم مشتملة عليهم، فهم فيها كما يكون في القبة من ضربت عليه. أو ألصقت بهم حتى لزمتهم، كما يضرب الطين على الحائط فيلزمه.
وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ من قولك: باء فلان بفلان اذا كان حقيقا بأن يقتل به، لمساواته له ومكافأته، أي صاروا أحقاء بغضبه.
ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ إشارة إلى ما تقدم من ضرب الذلة والمسكنة، وما استحقوه من غضب الله، أي ذلك الذي أصابهم كان من جراء كفرهم وقتلهم الأنبياء. وقد قتلت اليهود شعيا وزكريا ويحيى وغيرهم.
وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ قتل الأنبياء لا يكون إلا بغير الحق. لكن هذه العبارة ذكرت هنا لبيان أن اليهود القتلة لم يقتلوا الأنبياء لذنب اقترفوه إزاءهم، فكل ما فعلوه أنهم نصحوهم، وقاتل الناصح لا يكون محقا، فمن هنا كان ذكر عبارة «بغير الحق» مفيدا تجسيم عدوانهم، وشناعة جرمهم.
ذلِكَ تكرار للاشارة.
بِما عَصَوْا
следующие страницы →