Полный текст (332 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
بعد أن امرهم بدخول الباب على وجه الخضوع، وليس على هيئة العراة الفاتحين، أمرهم بأن يقولوا ما يدل على التوبة، فالتائب عن الذنب لا بد أن يكون خاضعا مستكينا، وكان أن أمرهم بأن يقولوا قولا يدل على ندمهم واعترافهم بما كان من أخطائهم، لتكتمل بذلك صور التوبة، من ندم قلبي، واعتراف باللسان، فالحاصل أن هؤلاء القوم أمروا بأن يدخلوا الباب على وجه الخضوع، وأن يذكروا بلسانهم التماس غفران الذنوب، حتى يكونوا جامعين بين ندم القلب، وخضوع الجوارح والاستغفار باللسان.
وكلمة (حطّة) تعني قولا دالا على التوبة والندم والخضوع، فالتوبة تكون بندم القلب، وكذلك بذكر لفظ يعبر به اللسان عن حصول الندم في القلب.
وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ يعني أنّ من كان محسنا بهذه الطاعة والتوبة فإنا نغفر له خطاياه، ونزيده على غفران الذنوب إعطاء الثواب الجزيل، كما قال:
لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ أي نجازيهم بالإحسان إحسانا وزيادة. وربما كان غفران الخطايا يختص به من أذنب ثم تاب، أما قوله وسنزيد المحسنين فيقصد به زيادة الثواب للمطيعين الدائبين على التمسك بالطاعات.
٥٩ - فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ
стр. 212
فبدّل الذين ظلموا ما أمرهم به من التوبة، والاعتراف بالذنب، بالانهماك في الشهوات، والعودة إلى العصيان.
وقد تكررت في الآية عبارة «الذين ظلموا» زيادة في تقبيح أمرهم، وإيذانا بأن إنزال الرجز عليهم إنما كان لظلمهم.
(والرّجز) هو العذاب، والدليل على ذلك قوله تعالى: وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ أي العقوبة. ويقال إن هذا الرجز كان وباء أصابهم فأمات منهم الألوف في أيام قلائل. والفسق هو الخروج من طاعة الله إلى معصيته. ويقال فسقت الرطبة إذا خرجت من قشرها، وهذا هو الأصل المادي للمعنى الشرعيّ. وقد عين الله نوع الظلم الذي ارتكبه هؤلاء، وذلك بأن وصفه بأنه من الفسق. والفسق لا بد أن يكون من الكبائر. فوصفهم بأنهم ظلموا لم يعين نوع الإثم الذي ارتكبوه، حتى جاء قوله تعالى:
بِما كانُوا يَفْسُقُونَ فبين أن ظلمهم كان بارتكابهم الكبائر.
٦٠ - وَإِذِ اسْتَسْقى مُوسى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ
تروي هذه الآية قصة معجزة أخرى تحققت لموسى، وكانت نعمة تفضل بها لله على قومه، فقد ظمئوا، ولم يكن هناك ماء، فالتمس موسى من الله السقيا
стр. 213
لقومه، فأمره أن يضرب بعصاه الحجر، فانفجرت منه عيون بعدد قبائل بني إسرائيل. لقد كانوا اثنتي عشرة قبيلة فانفجرت لكل قبيلة عين يجري ماؤها في جدول. ولا بد أن هذا قد وقع لهم إبان وجودهم في أرض التيه، وكان تفجر الماء على هذه الصورة معجزة لموسى، وفضلا تكرم به الله على قوم موسى.
ويتحدث الفخر الرازي عن المعجزات على النحو التالي:
«كيف يعقل خروج المياه العظيمة من الحجر الصغير؟
الجواب: هذا السائل إما أن يسلم بوجود الفاعل المختار أو ينكره، فإن سلم فقد زال السؤال، لأنه قادر على أن يخلق الجسم كيف شاء، كما خلق البحار وغيرها، وإن نازع فلا فائدة له في البحث عن معنى القرآن، والنظر في تفسيره.
وهذا هو الجواب عن كل ما يستبعدونه من المعجزات التي حكاها الله في القرآن من إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص».
قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ أي أن كل قبيلة من قبائل اليهود قد علمت العين التي خصصت لها، ولم يكن أحد ينازعها فيها.
كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ ويتضمن ذلك أمرا لهم بأن ينعموا بما وهبهم الله من الرزق، وأن يستمدوا من الرزق قوة على الطاعات وصالح الأعمال، لا أن يكون الرزق مصدر نشاط لهم في الشر واقتراف الآثام. (العثي) هو مطلق التعدي، فالأمر لهم هنا أن يتركوا العدوان الذي يحدثون به الفساد في الأرض.
٦١ - وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ ... ... الآية
стр. 214
عَلى طَعامٍ واحِدٍ المراد ما رزقوا في التيه من المنّ والسلوى. فان قيل: هما طعامان فلماذا قالوا عَلى طَعامٍ واحِدٍ والجواب على ذلك أنهم أرادوا الواحد ما لا يختلف ولا يتبدل. فلو كان على مائدة الرجل ألوان عدة يداوم عليها كل يوم لا يبدلها، قيل: لا يأكل فلان إلا طعاما واحدا. (الزمخشري).
فَادْعُ لَنا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِها وَقِثَّائِها وَفُومِها وَعَدَسِها وَبَصَلِها يخرج لنا يعني: يظهر لنا ويوجد. و (البقل) ما أنبتته الأرض من الخضر، والمراد به أطايب البقول التي يأكلها الناس كالنعناع والكرفس والكراث وأشباهها.
(وفومها) الفوم هو الحنطة. وقيل هو الثوم، ويدل على ذلك قراءة ابن مسعود «وثومها».
تمول الزمخشري: «وهو للعدس والبصل أوفق».
قالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ الَّذِي هُوَ أَدْنى الذي هو أقل منزلة وأدون مقدارا. والدنوّ والقرب يعبّر بهما من قلة المقدار.
اهْبِطُوا مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ ما سَأَلْتُمْ أي انحدروا إليه من التيه. ويعرف الزمخشري بلاد التيه بأنها ما بين بيت المقدس إلى قنّسرين. والمراد أي مصر من الأمصار التي توجد بها مثل هذه الحاصلات الزراعية. وقيل إن المقصود أرض مصر، وتؤيد هذا قراءة الأعمش:
«اهبطوا مصر» بدون تنوين.
стр. 215
وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ أي جعلت الذلة محيطة بهم مشتملة عليهم، فهم فيها كما يكون في القبة من ضربت عليه. أو ألصقت بهم حتى لزمتهم، كما يضرب الطين على الحائط فيلزمه.
وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ من قولك: باء فلان بفلان اذا كان حقيقا بأن يقتل به، لمساواته له ومكافأته، أي صاروا أحقاء بغضبه.
ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ إشارة إلى ما تقدم من ضرب الذلة والمسكنة، وما استحقوه من غضب الله، أي ذلك الذي أصابهم كان من جراء كفرهم وقتلهم الأنبياء. وقد قتلت اليهود شعيا وزكريا ويحيى وغيرهم.
وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ قتل الأنبياء لا يكون إلا بغير الحق. لكن هذه العبارة ذكرت هنا لبيان أن اليهود القتلة لم يقتلوا الأنبياء لذنب اقترفوه إزاءهم، فكل ما فعلوه أنهم نصحوهم، وقاتل الناصح لا يكون محقا، فمن هنا كان ذكر عبارة «بغير الحق» مفيدا تجسيم عدوانهم، وشناعة جرمهم.
ذلِكَ تكرار للاشارة.
بِما عَصَوْا
стр. 216
أي بسبب ارتكابهم أنواع المعاصي وخروجهم على حدود الله في كل موقف، مع كفرهم بآيات الله وقتلهم الأنبياء.
ويجوز أن يكون المعنى: إنهم عصوا وبالغوا في العصيان والعدوان حتى قادهم ذلك إلى الكفر بآيات الله وقتل النبيين بغير الحق، فتكون الإشارة في ذلِكَ بِما عَصَوْا إلى الكفر وقتل الأنبياء، حيث كانت هذه الأفعال نتيجة الإغراق في الإثم والعدوان.
٦٢ - إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالنَّصارى وَالصَّابِئِينَ .... الآية
الذين آمنوا تحتمل تفسيرات مختلفة، فيمكن أن يكون المقصود بهم المسلمون.
وربما كان المقصود بهم النصارى الذين آمنوا بعيسى قبل بعثة النبي، لكن هذا التفسير ينفيه ذكر النصارى في الآية ذاتها وَالَّذِينَ هادُوا هم اليهود.
وَالصَّابِئِينَ أطلق لفظ الصابئين على جماعات مختلفة من أهل الأديان، فمنهم جماعة من عبدة النجوم سموا بالصابئين، وهؤلاء هم الصابئون الحرانيون، ومنهم فرقة من النصارى كانوا يعرفون بالصابئين. والظاهر أن هذه الفرقة هي المقصودة في هذه الآية، لأن عبدة النجوم من الوثنيين بدون خلاف. وقد وصفهم المفسر أبو السعود بأنهم قوم بين النصارى والمجوس، وهو وصف قريب من الحقيقة، لأنهم كانوا فرقة مسيحية متأثرة بغير المسيحية من الآراء المجوسية.
стр. 217
مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ والمعنى أن كل من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا من الجماعات كلها فلهم أجرهم عند ربهم، ولهم الثواب يوم القيامة على إيمانهم. وهذه الآية تبين موقف المؤمنين من أهل الكتاب الذين صدقوا في إيمانهم قبل بعث الرسول، فهؤلاء لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، ولن يكون مصيرهم مثل مصير العصاة من بني إسرائيل الذين قص القرآن في الآيات السابقة أنباء عصيانهم وكفرهم وقتلهم النبيين.
فإن قيل: ولماذا النص على أن أهل الكتاب المؤمنين قبل نسخ أديانهم يثابون على ذلك، وهذا مما هو مسلم به، فالجواب على هذا أن الآيات السابقة على هذه الآية أفاضت في شرح مثالب اليهود وتعداد جرائمهم، حتى ليكاد قارئ هذه الآيات يحسبهم جميعا من الخاطئين. فجاءت هذه الآية لتبين موقف الصالحين منهم، ومن أهل الكتاب بوجه عام، وتقرنهم بأهل الإيمان في استحقاق الثواب.
وللمفسرين في هذه الآية كلام كثير غير مقنع.
ومن المشكلات في تفسير الآية قوله تعالى:
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وقد ذكر أكثر المفسرين أن المقصود بهؤلاء المنافقون، وهو تفسير غريب، قادهم إليه اعتبار الفرق المذكورة كلها من أهل الضلال، وأن من آمن بالله منهم وصدق باليوم الآخر وعمل صالحا، فلهم أجرهم. يقول الفخر الرازي: «إنه سبحانه بين في هذه الفرق الأربعة أنهم اذا آمنوا بالله فلهم الثواب في الآخرة ليعرف أن جميع أرباب الضلال إذا رجعوا عن ضلالهم وآمنوا بالدين الحق فان الله يقبل إيمانهم وطاعتهم ولا يردهم عن حضرته البتة. واعلم أنه قد دخل في الإيمان بالله الإيمان بما أوجبه، أعني الإيمان برسله، ودخل في الإيمان باليوم الآخر جميع أحكام الآخرة، فهذان القولان قد جمعا كل ما يتصل بالأديان في حال التكليف
стр. 218
وفي حال الآخرة من ثواب وعقاب». هذا أحسن آراء القدامى في تفسير الآية، لكني أرى أن تفسيرها على الوجه الذي ذكرناه أولى.
٦٣ - وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ
وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ واذكروا وقت أخذنا ميثاقكم بالمحافظة على ما في التوراة والعمل بأحكامها.
وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ عطف على قوله:
(أخذنا) أو حال، أي وقد رفعنا فوقكم الطور كأنه ظلة. روي أن موسى لما جاءهم بالتوراة وقرءوا ما فيها من التكاليف الشاقة كبرت عليهم فأبوا قبولها، فرفع فوقهم الطور وقال لهم موسى: إن قبلتم وإلا ألقي عليكم، حتى قبلوا.
وفي هذا إشارة إلى عناد اليهود، ورفضهم التسليم لحكم العقل، منذ ذلك الزمن القديم. يقول الرازي: «من الملاحدة من أنكر إمكان وقوف الثقيل في الهواء بلا عماد، وأما الأرض فقالوا إنما وقفت لأنها بطبعها طالبة للمركز، فلا جرم وقفت في المركز، ودليلنا على فساد قولهم أنه سبحانه قادر على كل الممكنات، ووقوف الثقيل في الهواء من الممكنات، فوجب أن يكون الله قادرا عليه» خُذُوا ما آتَيْناكُمْ من الكتاب
стр. 219
(بقوّة) أي بجدّ وعزيمة، (واذكروا ما فيه) واحفظوا ما في الكتاب وادرسوه ولا تنسوه ولا تغفلوا عنه، لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ لكي تتقوا المعاصي، أو لعلّكم أن تنتظموا في سلك المتقين، أو لعلكم تطلبون التقوى.
٦٤ - ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ
ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ ثم أعرضتهم عن الميثاق والوفاء به.
فلولا ما تفضل الله به عليكم من الإمهال وتأخير العذاب عنكم لكنتم من الخاسرين، أي من الهالكين.
وربما كان المقصود بفضل الله عليهم هنا توفيقهم للتوبة.
٦٥ - وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ
سبتت اليهود إذا عظمت يوم السبت. وقد اعتدى أناس من اليهود في يوم السبت أي جاوزوا ما حدّ لهم فيه من التجرد للعبادة وتعظيمه، واشتغلوا بالصيد.
وكان ذلك نتيجة لاختبار إلهي، فقد كانت الحيتان تظهر في البحر يوم السبت، فإذا مضى السبت تفرقت ولم تظهر. وقد ذكر القرآن ذلك في موضع آخر. قال تعالى:
стр. 220
إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ، كَذلِكَ نَبْلُوهُمْ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ (الأعراف: ١٦٣).
وروي عن ابن عباس تفسير الآية على الوجه التالي: «إن هؤلاء القوم كانوا في زمان داود ﵇ بأيلة على ساحل البحر بين المدينة والشام، وهو مكان من البحر يجتمع إليه الحيتان من كل أرض في شهر من السنة، حتى لا يرى الماء لكثرتها، وفي غير ذلك الشهر في كل سبت خاصة، وهي القرية المذكورة في قوله:
وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ ....
(الأعراف: ١٦٣).
فحفروا حياضا عند البحر وشرعوا إليها الجداول، فكانت الحيتان تدخلها فيصطادونها يوم الأحد، فذلك الحبس في الحياض هو اعتداؤهم في السبت، ثم إنهم أخذوا السمك واستغنوا بذلك، وهم خائفون من العقوبة، فلما طال العهد استسن الأبناء بسنة الآباء، واتخذوا الأموال، فمشى إليهم طوائف من أهل المدينة الذين كرهوا الصيد يوم السبت ونهروهم فلم ينتهوا وقالوا: نحن في هذا العمل منذ زمان، فما زادنا الله به إلا خيرا، فقيل لهم: لا تغتروا فربما نزل بكم العذاب والهلاك، فأصبح القوم وهم قردة خاسئون، فمكثوا كذلك ثلاثة أيام ثم هلكوا».
ويرى الفخر الرازي أن في ذكر هذه القصة إظهارا لمعجزة محمد فإن قوله: ولقد علمتم كان خطابا لليهود الذين كانوا في زمن محمد ﵇، فلما أخبرهم محمد عن هذه الواقعة، مع أنه كان أميا لم يقرأ ولم يكتب ولم يخالط القوم دل ذلك على أنه ﵇ إنما عرفه من الوحي.
стр. 221
وقد رأى مجاهد أن المسخ لم يقع على صور الآدميين بل إن الله مسخ قلوبهم ولم يمسخ صورهم، وهو مثل قوله تعالى:
كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً ونظيره أن يقول الأستاذ للمتعلم البليد الذي لا ينجح: كن حمارا. واحتج على امتناع المسخ الجسدي بأمرين:
الأول: أن الانسان هو هذا الهيكل المشاهد والبنية المحسوسة، فإذا أبطلها وخلق في تلك الأجسام تركيب القرد وشكله، كان ذلك إعداما للإنسان وإيجادا للقرد، فيرجع حاصل المسخ على هذا القول إلى أنه تعالى أعدم الأعراض التي باعتبارها كانت تلك الأجسام إنسانا، وخلق فيها الأعراض التي باعتبارها كانت قردا، فهذا يكون إعداما وإيجادا، ولا يكون مسخا.
الثاني: لو جوزنا ذلك لما أمنا في كل ما نراه قردا أو كلبا أنه كان إنسانا عاقلا، وذلك يفضي إلى الشك في المشاهدات.
وقد رد على هذين بأن هيكل الإنسان قابل للتغيير من النحف إلى الضخامة، فالهيكل ليس جوهر الإنسان، ومن ثم فلا استحالة لتغييره بالقدرة الخالقة التي تقول للشيء كن فيكون.
ومن الطريف أن البحث لم يقف عند هذا بل تطرق إلى موضوعات مختلفة، منها أثر المسخ على الفهم والإدراك وهل وقع المسخ على الجسم فقط أم على الفهم والإدراك. وقال البعض إن المسخ لو وقع على الجسم وكذلك على الفهم والإدراك لم يكن هناك عذاب، لأن القردة الحقيقية لا تتعذب من طبيعتها، وهنا تصدى البعض فقال إن المسخ قد وقع على الجسد وبقي الإدراك سليما حتى يخجل هؤلاء الناس مما اقترفوه، ويدركوا ما نالهم من العقاب.
وحرص المفسرون أيضا على بيان أن هذه القردة لم تتناسل، بل هلكت بعد ثلاثة أيام، حتى لا يقال بأن من القردة ما ولد لآدميين.
стр. 222
وهذه الآية لا تؤدي إلى القول بنظرية التناسخ المشتهرة عند الهنود، فهي لم تعد أن ذكرت حادثة وقعت لجماعة من العصاة، عقابا لهم على عصيانهم، وعلى العكس من ذلك عقيدة التناسخ التي تقيم نظاما للكون على أساس من هذه النظرية.
بقي أن نشرح كلمة (خاسئين) والخاسئ هو الصاغر المبعد المطرود.
٦٦ - فَجَعَلْناها نَكالًا لِما بَيْنَ يَدَيْها وَما خَلْفَها وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ
فَجَعَلْناها اختلف في تفسير الضمير، أي في تعيين ما يعود إليه الضمير على وجوه:
الأول: جعلناها يعني المسخة التي مسخوها. الثاني: يعني جعلنا القردة نكالا.
الثالث: جعلنا قرية أصحاب السبت نكالا. الرابع: جعلنا هذه الأمة نكالا، لأن قوله تعالى: وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ يدل على الأمة أو الجماعة.
والوجوه الثلاثة الأولى ممكنة أما الوجه الرابع فتأويل بعيد.
(النّكال) هو العقوبة الغليظة الرادعة للناس عن الإقدام على مثل تلك المعصية. وأصله من المنع والحبس، ومنه النكول عن اليمين وهو الامتناع منها. ويقال للقيد النكل، وللجام الثقيل أيضا نكل لما فيهما من المنع والحبس. قال تعالى: «إن لدينا أنكالا وجحيما». ومنه أيضا التنكيل. قال تعالى:
стр. 223
وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْساً وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا والمعنى: إنا جعلنا ما جرى على هؤلاء القوم عقوبة رداعة لغيرهم.
لِما بَيْنَ يَدَيْها أي لما يحضرها من القرون والأمم، وَما خَلْفَها أي لما بعدها من الأمم والقرون لأن مسخهم ذكر في كتب الأولين فاعتبروا بها، واعتبر بها من بلغ إليه خبر هذه الواقعة.
وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ إنّ من عرف الأمر الذي نزل بهم يتعظ ويخاف، إن فعل مثل فعلهم أن ينزل به مثل ما نزل بهم، وإن لم ينزل عاجلا فلا بد من أن يخاف من العقاب الآجل الذي هو أعظم وأكثر دواما. وخص المتقون بالذكر لأنهم أكثر الناس تأثرا بآيات الله، واتعاظا بها.
٦٧ - وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قالُوا أَتَتَّخِذُنا هُزُواً قالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ .
تبدأ هنا قصة البقرة التي سميت بها السورة كلها، وخلاصتها أنه كان في بني إسرائيل شيخ موسر فقتل ابنه بنو أخيه ليرثوه، وطرحوه على باب مدينة، ثم جاءوا يطالبون بديته، فأمرهم الله أن يذبحوا بقرة ويضربوه ببعضها ليحيى فيخبرهم بقاتله.
стр. 224
قالُوا أَتَتَّخِذُنا هُزُواً أتجعلنا مكان هزو، أو أهل هزو، أو مهزوا بنا، أو الهزو نفسه لفرط استهزائك بنا.
قالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ الهزو في مثل هذا من باب الجهل والسفه، فموسى ينقل أمرا تلقاه من ربه، ولا مجال للمزح في مثل ذلك.
٦٨ - قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا فارِضٌ وَلا بِكْرٌ عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ فَافْعَلُوا ما تُؤْمَرُونَ
تساءل بنو إسرائيل عن هذه البقرة العجيبة التي أمرهم موسى أن يذبحوها ويضربوا الميت ببعضها ليحيى، وطلبوا منه أن يدعو الله ليزيدهم بيانا لصفات هذه البقرة.
ال فارِضٌ هي المسنة. وقد فرضت فروضا فهي فارض. والبكر في البقر هي الفتية التي لم تلد. وقيل هي التي ولدت بطنا واحدا، أي جاءت بباكورة نسلها. والباكورة هي أول الثمر. والأظهر أنها هي التي لم تلد.
وال عَوانٌ هي النصف أي متوسطة العمر. وقيل هي التي ولدت بطنا بعد بطن. ويقال حرب عوان إذا كانت حربا قد قوتل فيها مرة بعد مرة.
стр. 225
بَيْنَ ذلِكَ بين يقتضي شيئين فأكثر، ودخوله على ذلك لأن ذلك إنما يشير إلى شيئين هما الفارض والبكر. فالعوان نصف بين الفارض والبكر. أما الإشارة بذلك إلى مؤنثين وهما الفارض والبكر، مع أن «ذلك» إنما هو للإشارة إلى الفرد المذكر فقد جاء على تأويل: بين ما تقدم ذكره، من أجل الاختصار. فكأنما الكلام:
بقرة لا فارض ولا بكر بل هي عوان بين ما تقدم أو بين ما سبق ذكره.
فَافْعَلُوا ما تُؤْمَرُونَ ما تؤمرونه، بمعنى ما تؤمرون به، وذلك مثل قولك: أمرتك الخير.
٦٩ - قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما لَوْنُها قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها تَسُرُّ النَّاظِرِينَ
لما عرف بنو إسرائيل حال السن شرعوا بعد ذلك في تعرف حال اللون فأجابهم الله تعالى بأنها صفراء فاقع لونها، والفقوع أشد ما يكون من الصفرة وأنصعه، يقال في التوكيد: أصفر فاقع، وأسود حالك، وأحمر قان، وأخضر ناضر. (تسر الناظرين) أي أن هذه البقرة لحسن لونها تسرّ من نظر إليها.
٧٠ - قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا، وَإِنَّا إِنْ شاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ
وَإِنَّا إِنْ شاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ قيلت في تفسير هذه العبارة وجوه:
أولها: وإنا بمشيئة الله نهتدي للبقرة المأمور بذبحها عند تحصيلنا أوصافها التي تمتاز بها عما عداها.
стр. 226
ثانيها: وإن شاء الله تعريفنا إياها بالزيادة لنا في البيان نهتدي إليها.
وثالثها: وإنا إن شاء الله على هدى في استقصائنا في السؤال عن أوصاف البقرة، أي نرجو ألا نكون على ضلالة فيما نفعله من هذا البحث.
ورابعها: إنا إن شاء الله نهتدي للقاتل، إذا وصفت لنا البقرة المطلوبة وصفا يميزها عن سواها.
٧١ - قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لا شِيَةَ فِيها قالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوها وَما كادُوا يَفْعَلُونَ
لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ أي لم تذلّل لحراثة الأرض. فالدابة الذلول هي الطيّعة التي يسهل تسخيرها في العمل.
وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ أي أنها ليست من الدواب التي تستخدم في سقاية الحرث.
مُسَلَّمَةٌ فسرت هذه الكلمة على وجوه عدة:
أولها: أنها مسلّمة أي بريئة من العيوب كلها.
وثانيها: أنها بريئة من آثار العمل الذي ذكر.
وثالثها: أنها مسلّمة من الشية التي هي خلاف لونها، أي خلصت صفرتها من اختلاط سائر الألوان بها. وهذا القول الأخير ضعيف، لأن قوله (لا شية فيها)
стр. 227
يعبر عن هذا المعنى، وهو براءة لونها الأصفر من امتزاجه بغيره من الألوان.
قالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ يعني الآن ظهرت حقيقة ما أمرنا به، وتميزت البقرة المطلوبة عن غيرها.
فَذَبَحُوها وَما كادُوا يَفْعَلُونَ يعبر هذا القول عن نوع من تردد اليهود في القيام بالذبح المطلوب، وذلك يمكن أن يفسر بأنهم استكثروا الثمن الذي كان عليهم دفعه لقاء هذه البقرة فترددوا، أو لأنهم خافوا انكشاف أمر جريمة القتل، فترددوا في تنفيذ الأمر الإلهي.
٧٢ - وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيها وَاللَّهُ مُخْرِجٌ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ
فَادَّارَأْتُمْ فِيها فاختلفتم واختصمتم في شأنها، لأن المتخاصمين يدرأ بعضهم بعضا، أي يدفعه ويزحمه. أو تدافعتم بمعنى طرح قتلها بعضكم على بعض. أو دفع بعضكم بعضا عن البراءة واتهمه.
وَاللَّهُ مُخْرِجٌ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ أي مظهر لا محالة ما كتمتم من أمر القتل.
٧٣ - فَقُلْنا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها كَذلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتى وَيُرِيكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ
стр. 228
(اضربوه) الضمير يشير إلى القتيل. وقد أشير إليه من قبل بقوله تعالى:
وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً لكن الضمير في اضربوه جاء مذكرا لأنه كان من المعروف أن القتيل رجل.
بِبَعْضِها أي بجزء من جسم البقرة. وقد ذكر بعض المفسرين العضو الذي ضرب به القتيل، وجاءوا في ذلك باجتهادات كثيرة، لا يرجح أحدها على الآخر. والآية نصت على أن يضرب بأي قسم من جسد البقرة. وهناك كلام محذوف يستفاد من السياق تقديره: فضربوه فحيي.
كَذلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتى خطاب لمن أنكر قدرة الله على إحياء الموتى. وقد يكون هذا الخطاب موجها لبني إسرائيل الذين شهدوا إعادة القتيل إلى الحياة. وقد يكون موجها لكل من أنكر ذلك في زمن النبي ﷺ .
فالمعنى: كذلك يحيي الله الموتى يوم القيامة.
وَيُرِيكُمْ آياتِهِ أي دلائله على أنه قادر على كل شيء لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ أي لعلكم تحكّمون في الأمر عقولكم وتعلمون أن من قدر على إحياء النفس على هذه الصورة قادر على بعث الموتى يوم القيامة.
стр. 229
وفي قصة البقرة حكم أشار اليها المفسرون. منها أنه يستحب تقديم القربان للتقرب إلى الله، ومنها أن القربان يجب أن يكون جيدا منتخبا، ومنها أن الناس يتكلفون ثمن شراء القربان وفي ذلك نوع من التضحية، ومنها أن بعث القتيل وقع بناء على أفعال أمرهم الله بها، فنفذوها بأيديهم، وكلها مما لا يحيي الموتى، فضرب قتيل بقتيل لا يولد حياة، لكن الله بقدرته جعل هذا الضرب مؤثرا فقام القتيل من الموت وأخبر بقاتليه. وكان ذلك كله آية أجراها الله تحت أعين هؤلاء الناس، ليبين لهم كيف يحيي الموتى، حتى يؤمنوا بالبعث، ويصدقوا بأن من أحيى قتيلا على هذه الصورة قادر على إحياء الموتى، كما وعد في كتبه.
٧٤ - ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً ... الآية
من شأن القلب أن يتأثر ويعتبر بالدلائل والآيات، وفي هذا ما يمهد سبيل الطاعة، ويصرف عن الإحساس بالتمرد والعتو والتكبّر، فإذا عرض للقلب عارض أخرجه عن هذه الصفة صار في عدم التأثر شبيها بالحجر، وهنا يوصف لقلب بأنه قاس غليظ، أو بأنه قلب متحجّر لا ينفذ إليه إحساس.
مِنْ بَعْدِ ذلِكَ يحتمل أن يكون المقصود: من بعد ما اظهره الله من آياته بإحياء القتيل عند ضربه ببعض جسم البقرة، أو أن المقصود: من بعد كل ما أظهره الله لكم من آياته وبيناته فتكون الإشارة إلى جميع الآيات والمعجزات التي تقدم ذكرها.
أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً إن الحجارة لو كانت عاقلة ولقيتها هذه الآيات لقبلتها، كما قال: «لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله».
(إن الأحجار ينتفع بها من بعض الوجوه، ويظهر منها الماء في بعض الأحوال، أما قلوب هؤلاء فلا نفع فيها البتة، ولا تلين لطاعة الله بوجه من الوجوه).
стр. 230
وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْماءُ أي أن من الحجارة ما يندى بالماء الكثير فتفيض منه الأنهار، ومنها ما يندى بالماء القليل فتتفجر منه العيون، وهؤلاء قلوبهم في صلابتها لا تندى بشيء من الخير لهم ولا لسواهم.
وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ هو من قبيل قوله تعالى:
لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ (الحشر: ٢١) فلو جعل الله في الجبل العقل والفهم لصار كذلك. كما أن الحجر لا يستعصي على التشكل بما يراد له، في حين أن هذه القلوب قد استعصت على كل آية وموعظة أرادت صرفها عن عنادها وكفرها. لو أن الله أراد لجبل أن يدكّ لخر خاشعا، فما بال هؤلاء تتجلى أمام عيونهم آيات الله، ويدعوهم الأنبياء للإيمان، فيصمون عن دعوتهم الآذان، ويغلقون دونها القلوب.
وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ المعنى أن الله تعالى محيط بما يعمله هؤلاء القساة، محص لأعمالهم، فهو يجازيهم بها في الدنيا والآخرة، وهو كقوله تعالى:
وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا وفي هذا وعيد لهم، ينبههم إلى إحاطة الله بكل عمل يعملونه، ولو كان من مكنونات القلوب.
стр. 231
٧٥ - أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ ما عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ
أفتطمعون أيها المؤمنون أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ من طريق النظر والاعتبار، والانقياد للحق باختيارهم وَقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ أي من هم في مثل حالهم من أسلافهم يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ إذ تبلغهم رسالته واضحة جلية مدعمة بالآيات البينات، ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ ما عَقَلُوهُ أي يغيّرون معناه، أو يتأولونه على غير تأويله، أو يعمد أحبارهم إلى استغلال سذاجة الناس، وجهلهم، فيوجهونهم أي وجهة يريدونها مدعين أنهم يأمرون بما أمرت به التوراة. وقد كان اليهود الذين عاصروا الرسول ينكرون نبوته، برغم أنهم كانوا على علم بظهور النبي، إذ أن الأحبار كانوا يصرفون الناس عن الإيمان، ويحثونهم على التكذيب، ويظهرون لهم النبي بمظهر المدعي، وذلك برغم الأدلة الكثيرة التي كانت تبيّن لهم صدقه، وارتباط دعوته بما سبقها من الأديان، بما فيها دين بني إسرائيل.
وَهُمْ يَعْلَمُونَ
стр. 232
ما اقترفوا من الإثم بتحريف كلام الله. أو وهم يعلمون ما ينتظرهم من العقاب، جزاء على ما ارتكبوه من التحريف والتزييف.
٧٦ - وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلا بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ قالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ
مما روي عن ابن عباس أنه قال: إن منافقي أهل الكتاب كانوا إذا لقوا أصحاب محمد ﷺ قالوا: آمنا بالذي آمنتم به، ونشهد أن صاحبكم صادق، وأن قوله حق، ونجده بنعته وصفته في كتابنا، ثم إذا خلا بعضهم إلى بعض قال الرؤساء لهم: أتحدثونهم بما فتح الله عليكم في كتابه من نعته وصفته ليحاجّوكم به، أما معنى قوله لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أي ليكون لهم الحجة عليكم عند الله في الدنيا والآخرة، في إيمانكم بالنبي، إذ كنتم مقرّين به، ومخبرين بصحة أمره من كتابكم، فهذا يبيّن حجتهم عليكم عند الله. وقال ابن الأنباري: معنى عِنْدَ رَبِّكُمْ أي في حكم ربكم، كما يقال هذا حلال عند الشافعي، أي في حكم الشافعي.
أَفَلا تَعْقِلُونَ أي أفلا تفقهون أيها القوم أن إخباركم محمدا وأصحابه بما تخبرونهم به من وجود نعت محمد في كتبكم حجة عليكم عند ربكم يحتجون بها عليكم.
стр. 233
وقيل إن معناه أفلا تعقلون أيها المؤمنون أنهم لا يؤمنون، فلا تطمعوا في ذلك.
وهذا قول ضعيف، أفضّل عليه القول السابق، فالعبارة مرتبطة بحديث المنافقين حين يخلو بعضهم إلى بعض.
٧٧ - أَوَلا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ
هؤلاء اليهود الذين يعرفون الله، ويعرفون أنه يعلم السرّ والعلن، كيف يجيزون لأنفسهم أن يسلكوا إزاء الحق هذا النهج من النفاق، ظانين أنهم بذلك يتخلّصون من المسئولية. وقال البعض إن المعنى: أن الله يعلم ما يسرون من كفرهم إذا خلا بعضهم إلى بعض، وما يعلنون من قولهم آمنا إذا لقوا أصحاب محمد. والقول الأول هو رأي أكثر المفسرين.
٧٨ - وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ إِلَّا أَمانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ
استنبط الفخر الرازي من هذه الآية ومن سابقاتها وصفا لطوائف اليهود التي عاندت الرسول فقال: الفرقة الأولى هي الضالة المضلة وهم الذين يحرفون الكلم عن مواضعه، والفرقة الثانية هم المنافقون، والفرقة الثالثة هم الذين يجادلون المنافقين ويدعونهم إلى إخفاء ما عرفوه، أما الفرقة الرابعة فهم المذكورون في هذه الآية، وهم العامة الأميّون الذين لا معرفة عندهم بقراءة ولا كتابة، وطريقتهم التقليد، وقبول ما يقال لهم، فبين الله تعالى أن الذين يمتنعون عن قبول الإيمان ليس سبب ذلك الامتناع عندهم واحدا، بل لكل جماعة منهم سبب يتعلق بهم.
(الأميّ) من لا يحسن القراءة والكتابة. والأمانيّ جمع أمنية.
стр. 234
لا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ إِلَّا أَمانِيَّ يعني لا يعلمون من الكتاب إلا ما تتمناه قلوبهم. قال تعالى: وَقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى تِلْكَ أَمانِيُّهُمْ أي ما تتمناه قلوبهم.
وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ ليس علمهم بالكتاب إلا من قبيل الظنون والأوهام، فهم بعيدون عن كل علم يقيني. وفي هذه الآية دليل على أن التقليد في الأمور التي يجب العلم بها غير جائز، وأن الاقتصار على الظن في أبواب الديانات لا يجوز، وأن الحجة بالكتاب قائمة على جميع الخلق، ما دام العلم به قد بلغهم، وأن من الواجب أن يكون التعويل على معرفة معاني الكتاب لا على مجرد تلاوته.
٧٩ - فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هذا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا ... الآية
الويل هو العذاب والهلاك.
هؤلاء كذبوا على الله بأن نسبوا إليه ما لم ينزل، فكان إثمهم أنهم كذبوا على الله، وأنهم أضلوا الناس بهذا الكذب، وأنهم مهدوا بمثل هذه الكتابة سبيلا مستمرا للإضلال.
وقد زاد في شناعة إثمهم أنهم فعلوا ذلك كله من أجل الثمن القليل أي الكسب الدنيوي الحقير، فهم لم يفعلوا هذا التحريف ديانة بل إنما فعلوه طلبا للمال والجاه. وهذا يدل على أن أخذ المال على الباطل وإن كان بالتراضي فهو محرم، وقوله:
فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ
стр. 235
يدل على أن كتابتهم لما كتبوه ذنب عظيم بانفراده، وكذلك أخذهم المال عليه، فلذلك أعاد ذكر الويل في الكسب.
وقد اختلف في تفسير قوله تعالى:
مِمَّا يَكْسِبُونَ هل المراد ما كانوا يأخذون على هذه الكتابة والتحريف فقط أو المراد بذلك سائر معاصيهم، والأقرب في نظام الكلام أنه راجع إلى المذكور من المال المأخوذ على هذا الوجه، فالعبارة معناها: عذاب لهم وخزي لهم مما يجمعون من المال الحرام والرشى التي يأخذونها من العوام.
٨٠ - وَقالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْداً فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ، أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ
وَقالُوا أي قالت اليهود.
لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ أي لن تصيبنا إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً أي إلا أياما قلائل، كقوله تعالى:
دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ (يوسف: ٢٠)
стр. 236
والمعدودة إذا أطلقت كان معناها القليلة. ويروى في تفسير هذه الآية عن ابن عباس ومجاهد أن الرسول قدم المدينة واليهود تزعم أن مدة الدنيا سبعة آلاف سنة، وإنما يعذب الله بكل ألف سنة يوما واحدا، ثم ينقطع العذاب. وقيل: إنهم كانوا يقولون إن العذاب يمتد أربعين يوما هي مدة عبادتهم للعجل.
ومهما يكن الأمر فإن اليهود قد أبدوا نوعا من الغرور والتبجح بادعائهم أنهم لن يعذبوا سوى أيام معدودة.
(قل أتخذتم عند الله عهدا فلن يخلف الله عهده) أي قل لهم يا محمد:
أقولكم هذا عهد اتخذتموه عند الله. فهذا الاستفهام الإنكاري ينطوي على استهزاء باليهود الذين تجرءوا على الله فحددوا له فعله في الآخرة، وكأنما صلتهم به شبيهة بصلة إنسان يعقدون معه معاهدة يتفقون فيها على شروط التعامل التي يعاملهم بمقتضاها، ويتوقعون منه ألا يخلف ما عاهدهم عليه. حقا إن الله لا يخلف وعده، لكن أين هو الوعد الذي وعدهم وحدّد لهم بمقتضاه ألا تمسهم النار إلا أياما معدودة؟
أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ أم تتحدثون عن الله بالباطل جهلا منكم به، وبجزاء العمل والثواب والعقاب.
٨١ - بَلى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ
بَلى جواب لقولهم لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً. والفرق بين بلى ونعم أن بلى جواب النفي، ونعم جواب الإيجاب. لقد رد الله على اليهود قولهم:
لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً فقال:
بَلى
стр. 237
أي ليس الأمر كما قالوا. (من كسب سيئة) اختلف في معنى السيئة فقيل هي الشرك، وقيل هي الكبيرة الموجبة للنار، وقيل هي الذنوب التي يعذب مرتكبها بالنار. وأصل الكسب العمل الذي يجلب به نفع أو يدفع به ضرر، وكل عامل عملا بمباشرة منه له ومعاناة فهو كاسب.
وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ يحتمل أمرين: أحدهما: أنها أحدقت به من كل جانب، كقوله تعالى:
«وإن جهنم لمحيطة بالكافرين».
والثاني: أن المعنى أهلكته، من قوله وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ وقوله:
وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ وهذا كله بمعنى البوار والهلاك. فالمراد أنها سدّت عليهم طريق النجاة.
فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ أي يصحبون النار ويلازمونها.
هُمْ فِيها خالِدُونَ أي دائمون أبدا.
استدل الخوارج بهذه الآية على أن مرتكب الكبيرة مخلد في النار. وعلى العكس من ذلك من يقولون بأن أهل الإيمان لا ينطبق عليهم حكم هذه الآية ولو ارتكبوا الكبائر. ويرى هؤلاء أن قوله تعالى: وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ يقوي هذا المعنى،
стр. 238
لأن مثل هذا العاصي تحدق به خطاياه وتشتمل عليه حتى لا يجد منها مخلصا ولا مخرجا، ولو كان معه شيء من الطاعات لم تكن السيئة محيطة به من كل جانب.
٨٢ - وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ
في هذه الآية وعد لأهل التصديق والطاعة بالخلود في الجنة. والقرآن الكريم يذكر الوعد دائما إلى جانب الوعيد، فالله يظهر بوعده كمال رحمته، وبوعيده كمال حكمته. ويختلف أهل السنة والجماعة مع المعتزلة حول معنى الإيمان فيذهب أهل السنة إلى أنه الاعتقاد الصادق من غير أن يدخل فيه العمل، أما المعتزلة فيرون أن الإيمان تصديق واعتقاد وعمل. يقول أهل السنة إن قوله تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ يفيد أن الإيمان يختلف عن العمل، فلو دل الإيمان على العمل الصالح لكان ذكر العمل الصالح بعد الإيمان تكرارا، أما المعتزلة فيقولون بأن الإيمان وإن كان يدخل فيه جميع الأعمال الصالحة، إلا أن قوله آمن لا يفيد إلا أنه فعل فعلا واحدا من أفعال الإيمان، فلهذا حسن أن يقول والذين آمنوا وعملوا الصالحات. والخلاصة أنهم يختلفون حول تحديد معنى الإيمان هل هو الاعتقاد وحده أم هو الاعتقاد والعمل مقترنين معا.
٨٣ - وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ ... الآية
وَإِذْ واذكروا إذ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ أي عهدهم. وقيل: الميثاق هو الأدلة من جهة العقل والشرع، وقيل هو
стр. 239
المواثيق التي يأخذها الأنبياء على أممهم، والعهد والميثاق لا يكون الا بالقول، فكأنه قال: أمرناهم ووصيناهم وأكّدنا عليهم.
لا تَعْبُدُونَ إخبار في معنى النهي، كما تقول: تذهب لفلان تقول له كذا، تريد الأمر، وهو أبلغ من صريح الأمر والنهي، لأنه كان قد سورع إلى الامتثال بالنسبة للأمر، والانتهاء بالنسبة للنهي، فهو يخبر عنه، وكأن الفعل المطلوب قد وقع.
إِلَّا اللَّهَ وحده دون ما سواه مما اتخذوه أندادا.
وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وبأن تحسنوا إلى الوالدين إحسانا. والإحسان الذي أخذ عليهم الميثاق أن يفعلوه هو ما فرض على المسلمين أيضا من برّ بالوالدين، وإحسان إليهما، وقول جميل، ورأفة، ورقة في المعاملة عبر عنها الكتاب الكريم بخفض جناح الذل لهما.
وَذِي الْقُرْبى أي ووصاكم بذي القربى أن تصلوا قرابته وَالْيَتامى أي ووصاكم باليتامى أن تعطفوا عليهم بالرأفة والرحمة وَالْمَساكِينِ أي وبالمساكين أن تؤتوهم حقوقهم التي أوجبها الله عليكم في أموالكم.
стр. 240
وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ يفسر الفخر الرازي معنى قول الحسن كما يلي: قال أهل التحقيق: كلام الناس مع الناس إما أن يكون في الأمور الدينية أو الأمور الدنيوية، فإن كان في الأمور الدينية فإما أن يكون في الدعوة إلى الإيمان، وهو مع الكفار، أو في الدعوة إلى الطاعة، وهو مع الفساق. أما الدعوة إلى الإيمان فلا بد وأن تكون بالقول الحسن، كما قال تعالى لموسى وهارون بصدد دعوتهما لفرعون:
فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى أمرهما تعالى بالرفق مع فرعون. وقال لمحمد:
وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ وأما دعوة الفساق فالقول الحسن فيه معتبر: قال تعالى:
ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ أما في الأمور الدنيوية فمن المعلوم بالضرورة أنه إذا أمكن التوصل إلى الغرض بالتلطف في القول لم يحسن سواه، فثبت أنّ جميع آداب الدين والدنيا داخلة تحت قوله:
وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ اختلف فيمن أريدوا بقوله ثم توليتم على وجهين: أحدهما أنهم من تقدم من بني إسرائيل وثانيهما أن الخطاب في العبارة لمن كان في عصر النبي من اليهود يعني أعرضتم بعد ظهور المعجزات كإعراض أسلافكم.
стр. 241
إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ إذا اعتبرنا المقصود بالتولي من تقدم من بني إسرائيل، فالاستثناء هنا للقلة منهم التي بقيت على دينها. وإذا كان المقصود بمن تولوا هم اليهود في عصر النبي فالقلة المستثناة هم اليهود الذين اهتدوا للإسلام.
وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ أي وأنتم قوم دأبكم الإعراض ونبذ المواثيق.
٨٤ - وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ .
لا يفعل ذلك بعضكم ببعض، جعل غير الرجل نفسه إذا اتصل به أصلا أو دينا. وقيل: من قتل غيره فكأنما قتل نفسه لأنه يجلب على نفسه القصاص.
فالميثاق قد دعاهم إلى نبذ ما كان يقوم بينهم من صراع.
وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أي ولا يعتدي بعضكم على البعض الآخر بإخراجهم من ديارهم.
ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ بالميثاق واعترفتم على أنفسكم بلزومه وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ عليها. كقولك: فلان مقر على نفسه بكذا شاهد عليها.
وهناك خلاف حول من قصدوا بهذه الآية، أهم أسلاف اليهود، أم اليهود في
стр. 242
زمن النبي، فقيل نزلت في أسلاف اليهود، كما قيل إنها نزلت في بني قريظ والنضير. وهي من جهة المعنى منطبقة على السلف والخلف من اليهود.
٨٥ - ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ ... الآية
قال السدّي: «إن الله أخذ على بني إسرائيل في التوراة الميثاق أن لا يقتل بعضهم بعضا ولا يخرج بعضهم بعضا من ديارهم، وأيّما عبد أو أمة وجدتموه من بني إسرائيل فاشتروه وأعتقوه، وكانت بنو قريظة حلفاء الأوس وبنو النضير حلفاء الخزرج، حين كان بينهما ما كان من العداوة والقتال، فكان كل فريق يقاتل مع حلفائه، فإذا غلبوا خربوا ديارهم، وأخرجوهم منها، ثم إذا أسر رجل من الفريقين جمعوا له مالا، فيفدونه، فعيرتهم العرب وقالت: كيف تقاتلونهم ثم تفدونهم، فيقولون: أمرنا أن نفديهم، وحرّم علينا قتالهم، ولكن نستحي أن نذلّ حلفاءنا، فذمّهم الله تعالى على المناقضة».
ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ خطاب خاص بالحاضرين من اليهود، فيه توبيخ لهم وتذكير بسوء فعلهم.
تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ تبدأ الآية الكريمة هنا تفصيل أحوالهم المنكرة وأولها قتل بعضهم للبعض الآخر وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِنْكُمْ مِنْ دِيارِهِمْ وهذا هو الإثم الثاني الذي أخذته عليهم الآية.
تَظاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ تتعاونون على إخراجهم مع سواكم، وأنتم بفعلكم هذا متلبسون بالإثم والعدوان.
стр. 243
وَالْإِثْمَ هو الفعل الذي يستحق فاعله الذم واللوم.
وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسارى تُفادُوهُمْ أسارى جمع أسير وهو من يؤخذ قهرا. والأسر هو الشدّ.
تُفادُوهُمْ أي تخرجوهم من الأسر بإعطاء الفداء.
وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْراجُهُمْ وكان الأولى بكم أن تبتعدوا عن إيقاع الضر بهم، إذ أخرجتموهم من ديارهم.
أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ الهمزة استفهام إنكاري والإيمان ببعض الكتاب هو الإيمان بما أمرتهم به التوراة من مفاداة أسراهم، وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ وهو ما نصت عليه التوراة من حرمة القتال بينهم، وإخراج بعضهم البعض من ديارهم.
فَما جَزاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يُرَدُّونَ إِلى أَشَدِّ الْعَذابِ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ
стр. 244
الخزي هو الذمّ العظيم والتحقير البالغ. والتنكير في قوله خزي يدل على أن الذم واقع في النهاية العظمى.
٨٦ - أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ
هؤلاء اختاروا وآثروا بعض متع الحياة الدنيا ومنافعها على الآخرة، فاستحقوا عذاب الآخرة في أعنف صوره، ولن يكون لهم هناك من نصير يلجئون إليه حتى يدفع عنهم العذاب، ومن يذله الله فما له من ناصرين.
٨٧ - وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ .... الآية
الْكِتابَ هو التوراة وَقَفَّيْنا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ أي أتبعنا، مأخوذ من الشيء يأتي في قفا الشيء أي بعده. وتشير هذه الآية إلى رسل بني إسرائيل الذين توالى ظهورهم وهم يوشع وشمويل وشمعون وداود وسليمان وشعيا وأرميا وعزير وحزقيل وإلياس واليسع ويونس وزكريا ويحيى وغيرهم.
واختلف في معنى إرسال هؤلاء الرسل، وهل كانوا حملة رسالات أم كانوا مجرد دعاة لحفظ شريعة موسى أو تجديد ما اندرس من معالمها.
ذهب البعض إلى أن الرسل تواتر ظهورهم في بني إسرائيل بعد موسى، وظهر بعضهم في أثر بعض والشريعة واحدة، حتى ظهر عيسى فجاء بشريعة جديدة، واستدلوا على ذلك بقوله تعالى:
وَقَفَّيْنا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ فإنه يقتضي أنهم على حدّ واحد في الشريعة، يتبع بعضهم بعضا فيها ويذهب البعض الآخر إلى أن كل رسول لا بد أن يضيف جديدا.
стр. 245
واذا كان لنا أن نأخذ بقول الباحثين المحدثين فهم يرون أن الكتب الخمسة الأولى من العهد القديم هي توراة موسى، أما الباقي فهي فصول أحدث تاريخا منها. كما أن القرآن أخبر عن إيتاء داود الزبور. فمعنى ذلك أن هؤلاء الرسل كانوا يضيفون بعض الإضافة إلى ما جاء به موسى. وربما اقتصرت هذه الاضافة على مجرد التوضيح والدعوة إلى إحياء معالم الشريعة.
وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ الرسل الذين جاءوا إلى بني إسرائيل بعد موسى كانوا تابعين له في شريعته، حتى جاء عيسى، فأتى بدين جديد نسخ به دين موسى.
أما البينات فهي المعجزات من إحياء الموتى وغير ذلك مما عرف من معجزاته.
وقيل إن البينات هي الإنجيل فهو أشمل للرسالة وللمعجزات.
وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ قيل في تفسير روح القدس وجوه متعددة، منها أنه جبريل، ويذكر أنه سمي روح القدس بمعنى الروح المقدسة، كما يقال حاتم الجود، فوصف بذلك تشريفا له وبيانا لعلو مرتبته، أو لأن الدين يحيا به كما يحيى الجسم بالروح، فهو المكلف بإنزال الوحي على الأنبياء. وقيل إنه روحاني كسائر الملائكة لكن روحانيته أتم
وأكمل فسمي روح القدس.
ومن المفسرين من قال إن روح القدس هو الإنجيل، ومثله قوله تعالى في القرآن رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ومنهم من قال إنه الاسم الذي كان عيسى يحيي به الموتى.
ومنهم من قال إنه الروح الذي نفخ في عيسى، فجعله يولد بطريق مخالف لسائر البشر.
стр. 246
أَفَكُلَّما جاءَكُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ كان اليهود من بني إسرائيل إذا أتاهم رسول بخلاف ما يهوون كذبوه، وإن تهيأ لهم قتله قتلوه. وقد عرف عنهم قتل بعض الأنبياء، كما أنهم قاموا بمحاولة لقتل محمد، إذ أهدت امرأة يهودية شاة مسمّمة إلى الرسول، وقال ﵇ عند موته «ما زالت أكلة خيبر تعاودني»، وكان ذلك إشارة إلى أكله قطعة من لحم تلك الشاة المسممة
٨٨ - وَقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا ما يُؤْمِنُونَ
(غلف) جمع أغلف، والأغلف هو ما أحاط به غلاف، فالمعنى: قلوبنا مغشاة بأغطية مانعة من وصول أثر دعوتك إليها. وشبيه بذلك ما حكاه القرآن من قولهم:
قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ ويفسر المعتزلة هذه الآية بأسلوب يبين أن ما ادعاه هؤلاء من أن قلوبهم غلف لم يكن سوى تأثير كفرهم وعنادهم. يقول الزمخشري.
«ثم ردّ الله أن تكون قلوبهم مخلوقة كذلك لأنها خلقت على الفطرة والتمكن من قبول الحق، بأن الله لعنهم وخذلهم بسبب كفرهم، فهم الذين غلفوا قلوبهم بما أحدثوا من الكفر الزائغ عن الفطرة وتسببوا بذلك في منع الألطاف التي تكون لمن يتوقع إيمانهم، وللمؤمنين». أما أهل السنة فيرون أن الله خلق قلوبهم على هذه الصورة حينما اختاروا الكفر على الإيمان.
стр. 247
وهذا الجدل لا يقدم ولا يؤخر، بل المهم هنا هو أن هؤلاء اليهود جابهوا الرسول بقولهم إن قلوبهم غلف لا سبيل لها للاستماع إلى دعوته، وكان ذلك عنادا وكفرا، لعنهم الله عليه.
فَقَلِيلًا ما يُؤْمِنُونَ هؤلاء الناس- برغم ادعائهم الإيمان- لا يؤمنون إلا بالقليل مما أنزله الله عليهم.
ويجوز أن تكون القلة بمعنى العدم، كما يقال: قليلا ما يفعل، بمعنى لا يفعل البتة. قال الكسائي: تقول العرب: مررنا بأرض قليلا ما تنبت، يريدون لا تنبت شيئا.
٨٩ - وَلَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ .... الآية
كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هو القرآن مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ يؤيد لهم صدق دينهم، ويدعوهم إلى دين الإسلام وهو المكمل لرسالات السماء التي سبقته، جاء يبني عليها، وينقل العالم إلى مرحلة جديدة، مبنية على الإقرار بما سبق نزوله على الأنبياء، متضمنة مبادئ جديدة جاءت لمصلحة الإنسانية بعد أن قطعت مرحلة طويلة من تاريخها.
وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا قيل في سبب النزول وجوه. أحدها: أن اليهود من قبل مبعث محمد ونزول
стр. 248
القرآن كانوا يستفتحون أي يسألون الفتح والنصرة، وكانوا يقولون: اللهم افتح علينا وانصرنا بالنبي الأميّ.
ثانيها: أن اليهود كانوا يقولون لأعدائهم من المشركين. قد أظلّ زمان نبيّ يخرج بتصديق ما قلنا فنقتلكم بنصرته.
فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا من الحق الذي تجلى في رسالة محمد ونزول القرآن كَفَرُوا بِهِ بغيا وحسدا وحرصا على الرئاسة. فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ لم يقل فلعنة الله عليهم، بل قال:
فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ ليكون ذلك إيذانا بأن استحقاقهم اللعنة إنما مرده لكفرهم. ويقصد باللعنة الحرمان من خيرات الآخرة، لأن المبعد من خيرات الدنيا لا يكون ملعونا. فاللعنة تمثل في الجزاء الذي يلاقيه الكافر يوم الحساب.
стр. 249
[القسم الثالث] أعلام المفسّرين وأمثلة من تفسيراتهم للاستاذ عبد الله الشريف
стр. 250
أعلام المفسرين في هذا الفصل نستعرض بعض الكتب المدونة في التفسير، وهي قليل من كثير، فدراستها جميعا أمر لا يتيسر للباحث بسهولة، لعدم إمكان جمعها من جهة، ولكثرة عددها من جهة أخرى. وسوف نتكلم عن أشهر الكتب التي تداولها الباحثون في التفسير، لنلقي الضوء على أعلام المفسرين من حيث الأهمية والشهرة، فنعرض نبذة مختصرة عن المؤلف، ثم نبين خصائص كتابه وطريقته فيه.
جامع البيان في تفسير القرآن لابن جرير الطبري
التعريف بالمؤلف
هو أبو جعفر، محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الطبري، إمام جليل، ومجتهد عظيم، له تصانيف مشهورة، وأصله من طبرستان، ولد سنة ٢٢٤ هـ، ولما بلغ الثانية عشرة من عمره رحل من بلده طالبا العلم، يطوف
следующие страницы →