أَفَكُلَّما جاءَكُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ كان اليهود من بني إسرائيل إذا أتاهم رسول بخلاف ما يهوون كذبوه، وإن تهيأ لهم قتله قتلوه. وقد عرف عنهم قتل بعض الأنبياء، كما أنهم قاموا بمحاولة لقتل محمد، إذ أهدت امرأة يهودية شاة مسمّمة إلى الرسول، وقال ﵇ عند موته «ما زالت أكلة خيبر تعاودني»، وكان ذلك إشارة إلى أكله قطعة من لحم تلك الشاة المسممة
٨٨ - وَقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا ما يُؤْمِنُونَ
(غلف) جمع أغلف، والأغلف هو ما أحاط به غلاف، فالمعنى: قلوبنا مغشاة بأغطية مانعة من وصول أثر دعوتك إليها. وشبيه بذلك ما حكاه القرآن من قولهم:
قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ ويفسر المعتزلة هذه الآية بأسلوب يبين أن ما ادعاه هؤلاء من أن قلوبهم غلف لم يكن سوى تأثير كفرهم وعنادهم. يقول الزمخشري.
«ثم ردّ الله أن تكون قلوبهم مخلوقة كذلك لأنها خلقت على الفطرة والتمكن من قبول الحق، بأن الله لعنهم وخذلهم بسبب كفرهم، فهم الذين غلفوا قلوبهم بما أحدثوا من الكفر الزائغ عن الفطرة وتسببوا بذلك في منع الألطاف التي تكون لمن يتوقع إيمانهم، وللمؤمنين». أما أهل السنة فيرون أن الله خلق قلوبهم على هذه الصورة حينما اختاروا الكفر على الإيمان.
стр. 247
وهذا الجدل لا يقدم ولا يؤخر، بل المهم هنا هو أن هؤلاء اليهود جابهوا الرسول بقولهم إن قلوبهم غلف لا سبيل لها للاستماع إلى دعوته، وكان ذلك عنادا وكفرا، لعنهم الله عليه.
فَقَلِيلًا ما يُؤْمِنُونَ هؤلاء الناس- برغم ادعائهم الإيمان- لا يؤمنون إلا بالقليل مما أنزله الله عليهم.
ويجوز أن تكون القلة بمعنى العدم، كما يقال: قليلا ما يفعل، بمعنى لا يفعل البتة. قال الكسائي: تقول العرب: مررنا بأرض قليلا ما تنبت، يريدون لا تنبت شيئا.
٨٩ - وَلَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ .... الآية
كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هو القرآن مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ يؤيد لهم صدق دينهم، ويدعوهم إلى دين الإسلام وهو المكمل لرسالات السماء التي سبقته، جاء يبني عليها، وينقل العالم إلى مرحلة جديدة، مبنية على الإقرار بما سبق نزوله على الأنبياء، متضمنة مبادئ جديدة جاءت لمصلحة الإنسانية بعد أن قطعت مرحلة طويلة من تاريخها.
وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا قيل في سبب النزول وجوه. أحدها: أن اليهود من قبل مبعث محمد ونزول
стр. 248
القرآن كانوا يستفتحون أي يسألون الفتح والنصرة، وكانوا يقولون: اللهم افتح علينا وانصرنا بالنبي الأميّ.
ثانيها: أن اليهود كانوا يقولون لأعدائهم من المشركين. قد أظلّ زمان نبيّ يخرج بتصديق ما قلنا فنقتلكم بنصرته.
فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا من الحق الذي تجلى في رسالة محمد ونزول القرآن كَفَرُوا بِهِ بغيا وحسدا وحرصا على الرئاسة. فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ لم يقل فلعنة الله عليهم، بل قال:
فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ ليكون ذلك إيذانا بأن استحقاقهم اللعنة إنما مرده لكفرهم. ويقصد باللعنة الحرمان من خيرات الآخرة، لأن المبعد من خيرات الدنيا لا يكون ملعونا. فاللعنة تمثل في الجزاء الذي يلاقيه الكافر يوم الحساب.
стр. 249
[القسم الثالث] أعلام المفسّرين وأمثلة من تفسيراتهم للاستاذ عبد الله الشريف
стр. 250
أعلام المفسرين في هذا الفصل نستعرض بعض الكتب المدونة في التفسير، وهي قليل من كثير، فدراستها جميعا أمر لا يتيسر للباحث بسهولة، لعدم إمكان جمعها من جهة، ولكثرة عددها من جهة أخرى. وسوف نتكلم عن أشهر الكتب التي تداولها الباحثون في التفسير، لنلقي الضوء على أعلام المفسرين من حيث الأهمية والشهرة، فنعرض نبذة مختصرة عن المؤلف، ثم نبين خصائص كتابه وطريقته فيه.
جامع البيان في تفسير القرآن لابن جرير الطبري
التعريف بالمؤلف
هو أبو جعفر، محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الطبري، إمام جليل، ومجتهد عظيم، له تصانيف مشهورة، وأصله من طبرستان، ولد سنة ٢٢٤ هـ، ولما بلغ الثانية عشرة من عمره رحل من بلده طالبا العلم، يطوف
стр. 251
الاقاليم، ساعيا في مصر والشام والعراق، إلى أن استقر به المقام في بغداد، حيث بقي إلى أن وافته المنيّة سنة ٣١٠ هـ.
وهو واحد من اعلام الأئمة، يؤخذ رأيه، ويرجع الى قوله، لمكانته في العلم، وقدرته على الفتوى، فقد كان حافظا لكتاب الله الكريم، بصيرا بآياته، فقيها في أحكامه، ملما بالحديث والسنة، مطلعا على أقوال الصحابة والتابعين ومن خلفهم.
كان ابو العباس بن سريح يقول فيه: محمد بن جرير فقيه عالم. وهي شهادة صادقة، دلت عليها آثار ابن جرير في علوم متعددة حيث أنتج في علم القراءات والتفسير، والحديث، والفقه، والتاريخ.
ويعتبر الطبري مرجعا في التفسير، كما يعتبر مرجعا في التاريخ الاسلامي، يقول ابن خلكان عنه: إنه كان من الأئمة المجتهدين، لم يقلد أحدا. ومع أن ابن جرير كان له مذهبه الخاص المنفرد المستقل، وأقوال واختيارات، وأتباع ومقلدون (١) فقد نقل عنه انه كان شافعي المذهب أول طريقه، وقال في ذلك:
أظهرت فقه الشافعي، وافتيت به ببغداد عشر سنين، وتلقاه مني ابن بشار الأحول، استاذ أبي العباس بن سريح.
هذا هو ابن جرير، وهذه أقوال العلماء فيه، وذلك حكمهم عليه، ومنها يتبين لنا قيمته وقدره (٢).
تفسير ابن جرير وأسلوبه فيه
قلنا إن تفسير ابن جرير يعتبر من أشهر التفاسير وأوفاها، كما يعتبر مرجعا أول عند المفسرين سواء منهم الذين عنوا بالتفسير النقلي أو العقلي، لما فيه من توجيه القول، والاستنباط، وترجيح القول على غيره، بأسلوب يعتمد على صحة النقل ودقة البحث واكتماله.
стр. 252
وتفسير ابن جرير يقع في ثلاثين جزءا من الحجم الكبير، وله طبعات متعددة.
وأقوال العلماء في تفسير ابن جرير من الشرق والغرب، كثيرة تجمع على عظيم قيمته، وتتفق على أنه مرجع لا غنى عنه لطالب التفسير. قالوا عنه:
وكتابه- يعني تفسير الطبري- أجل التفاسير وأعظمها، فإنه يتعرض لتوجيه الأقوال، وترجيح بعضها على بعض، والاعراب، والاستنباط، فهو يفوق بذلك على تفاسير الأقدمين (١). وقالوا: أجمعت الأمة على أنه لم يصنف مثل تفسير الطبري (٢). كما قال شيخ الاسلام ابن تيمية: وأما التفاسير التي في أيدي الناس، فأصحها تفسير محمد بن جرير الطبري، فإنه يذكر مقالات السلف بالأسانيد الثابتة وليس فيه بدعة، ولا ينقل عن المتهمين، (٣) ويذكر صاحب لسان الميزان: أن ابن خزيمة استعار تفسير ابن جرير من ابن خالويه فرده بعد سنين ثم قال: نظرت فيه من أوله الى آخره فما أعلم على أديم الارض أعلم من ابن جرير (٤).
ونستطيع القول بأن تفسير ابن جرير هو التفسير الأول بين الكتب، زمنا وفنا وصناعة، أما أوليته الزمنية، فلأنه أقدم كتاب في التفسير وصل الينا، وما سبقه من محاولات في التفسير ذهبت بمرور الزمن، وأما أوليته من ناحية الفن والصناعة، فذلك عائد لما يمتاز به الكتاب من الطريقة البديعة التي سلكها فيه، حتى أخرجه للناس كتابا له قيمته ومكانته.
أسلوب ابن جرير في التفسير:
الباحث في طريقة ابن جرير في تفسيره، يشاهد أولا، أنه إذا أراد تفسير
стр. 253
آية من القرآن الكريم يقول: القول في تأويل قوله تعالى ... ثم يبدأ تفسير الآية مستشهدا بما أثر عن الصحابة والتابعين من تفسير فيها، عارضا كل قول روي عن الصحابة أو التابعين في الآية التي ذكر فيها قولان أو أكثر.
وتفسير الطبري يتعرض أيضا لتوجيه الاقوال، ويرجح بعضها على بعض، كما يتعرض عند ما تدعو الحاجة إلى توضيح الناحية الإعرابية، كما يشرح استنباط الحكم الشرعي الذي يمكن أخذه من الآية مع سرد الأدلة وترجيح ما يختاره.
موقفه من المفسرين بالرأي فقط
لقد كان الطبري معارضا كل المفسرين الذين يعتمدون في التفسير على الاستقلال بالرأي، مشددا إلى ضرورة الرجوع الى العلم الراجح عند الصحابة أو التابعين، وما نقل عنهم بسند صحيح مستفيض، واجدا في ذلك وحده أسلوب التفسير الصحيح، مثال ذلك:
عند قوله تعالى في الآية (٦٥) من سورة البقرة وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ.
يقول ابن جرير «حدثني المثنى، قال: حدثنا ابو حذيفة، قال: حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ.
قال: «مسخت قلوبهم ولم يمسخوا قردة، وإنما هو مثل ضربه الله لهم، كمثل الحمار يحمل أسفارا» ثم يعقب ابن جرير بعد ذلك على قول مجاهد فيقول
стр. 254
وهذا القول الذي قاله مجاهد، قول لظاهر ما دل عليه كتاب الله مخالف الخ» (١)
رأي ابن جرير في الأسانيد:
كان غالبا لا يتعقب الأسانيد بتصحيح أو بتضعيف، وإن كان يلتزم في تفسيره ذكر الروايات بأسانيدها، وهو ذات الاسلوب الذي سار عليه في تاريخه.
ومع هذا فابن جرير يقف من السند أحيانا موقف الناقد البصير، فيعدل من يعدل من رجال الاسناد، ويجرح من يجرح منهم، ويرد الرواية التي لا يثق بصحتها، ويعطي رأيه المناسب فيها، فمثلا:
عند تفسيره لقول الله تعالى في الآية (٩٤) من سورة الكهف فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً عَلى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا يقول «روي عن عكرمة في ذلك- بشأن ضم السين وفتحها في كلمة «سدّا» ما حدثنا به أحمد بن يوسف، قال: حدثنا القاسم، قال: حدثنا حجاج عن هارون، عن أيوب، عن عكرمة قال: ما كان من صنعة بني آدم فهو السدّ يعني بفتح السين. وما كان من صنع الله فهو السدّ، ثم يعقب على هذا السند فيقول: وأما ما ذكر عن عكرمة في ذلك، فإن الذي نقل ذلك عن أيوب هارون، وفي نقله نظر، ولا نعرف ذلك عن أيوب من رواية ثقاة أصحابه». (٢)
رأي ابن جرير في القراءات
نرى أن ابن جرير يعنى بذكر القراءات وينزلها على المعاني المختلفة، وغالبا ما يرد القراءات التي لا تعتمد على الأئمة المعتبرين عنده وعند علماء القراءات، وكذلك تلك التي تقوم على أصول مضطربة بما يكون فيها من تغيير وتبديل لكتاب
стр. 255
الله، ثم يتبع ذلك برأيه في آخر الأمر، مع توجيه رأيه بالأسباب، فمثلا عند قول الله تعالى:
وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عاصِفَةً (١).
يذكر أن عامة قرّاء الأمصار قرءوا (الرّيح) بالنصب على أنها مفعول لسخرنا المحذوف، وأن عبد الرحمن الأعرج قرأ (الريح) بالرفع على أنها مبتدأ ثم يقول:
«والقراءة التي لا استجيز القراءة بغيرها في ذلك ما عليه قراء الأمصار لإجماع الحجة من القراء عليه».
وعناية ابن جرير بالقراءات وتوجيهها، ترجع الى أنه كان من علماء القراءات المشهورين، حتى قالوا عنه: إنه ألف فيها مؤلفا خاصا في ثمانية عشر مجلدا ذكر فيه جميع القراءات من المشهور والشاذ، وعلل ذلك وشرحه، واختار منها قراءة لم يخرج بها عن المشهور» (٢). وإن كان هذا الكتاب قد ضاع بمرور الزمن ولم يصل الينا، شأن الكثير من مؤلفاته.
معالجة ابن جرير للأحكام الفقهية:
نرى في تفسير الطبري أن ابن جرير يعرض للأحكام الفقهية ساردا أقوال العلماء ومذاهبهم، ثم يعطي رأيه الذي يختاره، بترجيح علميّ قيّم، مع الشرح بالدليل، فمثلا يقول عند تفسيره لقول الله تعالى وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وَزِينَةً وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ (٣)
стр. 256
إن الآية لا تدل على حرمة شيء من ذلك، يقصد أقوال العلماء في حكم أكل لحوم الخيل والبغال والحمير.
ثم أبدى رأيه الذي اختاره، والصواب من القول في ذلك عندنا ما قاله أهل القول الثاني- أي أنّ الآية لا تدل على الحرمة- وذلك انه لو كان في قوله تعالى:
لِتَرْكَبُوها دلالة على أنها لا تصلح إذا كانت للركوب للأكل، لكان في قوله فِيها دِفْءٌ وَمَنافِعُ وَمِنْها تَأْكُلُونَ (١) دلالة على أنها لا تصلح إذا كانت للأكل والدفء للركوب. وفي اجماع الجميع على أن ركوب ما قال تعالى وَمِنْها تَأْكُلُونَ جائز حلال غير حرام، دليل واضح على أن أكل ما قال لِتَرْكَبُوها جائز حلال غير حرام، الا بما نصّ على تحريمه، أو
وضع على تحريمه دلالة من كتاب أو وحي إلى رسول الله ﷺ ، فأما بهذه الآية فلا يحرم أكل شيء. وقد وضع الدلالة على تحريم لحوم الحمر الأهلية بوحيه إلى رسول الله ﷺ ، وعلى البغال بما قد بيّنا في كتابنا كتاب الأطعمة بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع، إذ لم يكن هذا الموضع من مواضع البيان عن تحريم ذلك. وإنما ذكرنا ما ذكرنا ليدل على أن لا وجه لقول من استدل بهذه الآية على تحريم لحم الفرس». (٢)
стр. 257
رأيه في أمور العقيدة
الباحث في تفسير الطبري يرى أن صاحبه تعرّض لبعض النواحي الكلامية عند كثير من آيات القرآن الكريم، بما يشهد لعلمه الممتاز في أمور العقيدة، فهو يناقش بعض الآراء الكلامية بإجادة وقوة، موافقا لأهل السنة في آرائهم، متصديا للرد على المعتزلة في كثير من آرائهم الاعتقادية، فنراه مثلا يجادلهم مجادلة حادّة في تفسيرهم العقلي التنزيهي للآيات التي تثبت رؤية الله عند أهل السنّة كما نراه يذهب الى ما ذهب اليه السلف من عدم صرف آيات الصفات عن ظاهرها، مع المعارضة لفكرة التجسيم والتشبيه، والرد على أولئك الذين يشبهون الله بالانسان. فمثلا عند تفسير قول الله تعالى وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ ... (١)
يقول: وهذا خبر من الله تعالى ذكره عن جرأة اليهود على ربهم، ووصفهم إياه بما ليس من صفته توبيخا لهم بذلك، وتعريفا منه نبيّه ﷺ قديم جهلهم واغترارهم به، وانكارهم جميع جميل اياديه عندهم، وكثرة صفحه عنهم وعفوه عن عظيم إجرامهم، واحتجاجا لنبيه محمد ﷺ بأنه نبيّ مبعوث ورسول مرسل، إن كانت هذه الأنباء التي أنبأهم بها كانت من خفيّ علومهم ومكنونها، التي لا يعلمها إلا أحبارهم وعلماؤهم دون غيرهم من اليهود، فضلا عن الأمة الأمية من العرب الذين لم يقرءوا كتابا ولا وعوا من علوم أهل الكتاب علما، فأطلع الله على ذلك نبيّه محمدا ﷺ ، ليقرر عندهم صدقه، ويقطع بذلك حجتهم. يقول تعالى ذكره: وقالت اليهود من بني إسرائيل يد الله مغلولة، يعنون أن خير الله ممسك وعطاءه محبوس عن الاتساع عليهم، كما قال تعالى ذكره في تأديب نبيّه (صلى) «ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط» وإنما وصف تعالى ذكره اليد بذلك والمعنى العطاء،
стр. 258
لأن عطاء الناس وبذل معروفهم الغالب بأيديهم، فجرى استعمال الناس في وصف بعضهم بعضا إذا وصفوه بجود وكرم، أو ببخل وشح وضيق، بإضافة ما كان من ذلك في صفة الموصوف إلى يديه كما قال الأعشى في مدح رجل:
يداك يدا مجد فكف مفيدة ... وكف إذا ما ضنّ بالزاد تنفق
... إلى أن يقول: فخاطبهم الله بما يتعارفونه ويتحاورونه بينهم في كلامهم فقال: «وقالت اليهود يد الله مغلولة» يعني بذلك انهم قالوا: إن الله يبخل علينا ويمنعنا فضله فلا يفضل، كالمغلولة يده الذي لا يقدر أن يبسطها بعطاء ولا بذل معروف. تعالى الله عمّا قالوا، فقال الله مكذبهم ومخبرهم بسخطه عليهم:
«غلّت أيديهم» يقول: أمسكت أيديهم عن الخيرات وقبضت عن الانبساط». (١)
انصراف ابن جرير عمّا لا فائدة فيه
والطبري في تفسيره لا يهتم كغيره بالأمور التي لا تغني ولا تفيد، انظر اليه عند تفسير قول الله تعالى وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ (٢) يعرض لمحاولات قدماء المفسرين في تحديد عدد الدراهم، هل هي عشرون؟
أو اثنان وعشرون؟ أو أربعون؟ ... إلى آخر ما ذكر من الروايات .. ثم يعقب على ذلك كله بقوله «والصواب من القول أن يقال: إن الله- تعالى ذكره- أخبر أنهم باعوه بدراهم معدودة غير موزونة، ولم يحد مبلغ ذلك بوزن ولا عدد، ولا وضع عليه دلالة في كتاب ولا خبر من الرسول ﷺ ، وقد
стр. 259
يحتمل أن يكون كان اثنين وعشرين، وأن يكون كان أربعين، وأقل من ذلك وأكثر، وأيّ ذلك كان فإنها كانت معدودة غير موزونة، وليس في العلم بمبلغ وزن ذلك فائدة تقع في دين، ولا في الجهل به دخول ضرّ فيه، والإيمان بظاهر التنزيل فرض، وما عداه فموضوع عنا تكلّف علمه». (١)
رجوعه إلى الشعر القديم
نجد ابن جرير يرجع أحيانا إلى شواهد من الشعر القديم بشكل واسع، متبعا في هذا ما أثاره ابن عباس في ذلك، فمثلا عند تفسير قول الله تعالى ... فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً ... (٢)
يقول: «قال أبو جعفر، والأنداد جمع ندّ، والنّد: العدل والمثل كما قال حسان بن ثابت:
أتهجوه ولست له بندّ ... فشركما لخير كما الفداء
يعني بقوله: ولست له بند، لست له بمثل ولا عدل، وكل شيء كان نظيرا لشيء وشبيها فهو له ندّ» (٣)، ثم يسوق الروايات عمن قال ذلك من السلف ..
كما كان الطبري يتعرض أيضا لمذاهب النحويين من البصريين والكوفيين في النحو والصرف، ويوجه الاقوال، تارة على المذهب البصري، وأخرى على المذهب الكوفي؛ محتكما الى ما هو معروف من لغة العرب، ومن الرجوع الى الشعر القديم ليستشهد به على ما يقول، وتعرضه للمذاهب النحوية عند ما تمس الحاجة، جعل كتابه يحتوي على جملة كبيرة من المعالجات اللغوية والنحوية، التي أكسبت الكتاب شهرة عظيمة.
стр. 260
وإجمالا نقول: إن شخصية ابن جرير الأدبية والعلمية، جعلت تفسيره مرجعا مهما من مراجع التفسير بالرواية، فترجيحاته المختلفة تقوم على نظرات أدبية ولغوية (١) وعلمية قيّمة، فوق ما جمع فيه من الروايات الأثرية المتكاثرة؛ فكتاب تفسير القرآن، لابن جرير، الذي بيّن فيه أحكامه، وناسخه ومنسوخه، ومشكله وغريبه، ومعانيه، واختلاف أهل التأويل والعلماء في أحكامه وتأويله، والصحيح لديه من ذلك، وإعراب حروفه، والكلام على الملحدين فيه، والقصص وأخبار الأمة والقيامة، وغير ذلك مما حواه من الحكم والعجائب كلمة كلمة، وآية آية، من الاستعاذة والى أبي جاد، كتاب جيّد فلو ادعى عالم أن يصنّف منه عشرة كتب كل كتاب منها يحتوي على علم مفرد وعجيب مستفيض لفعل (١).
стр. 261
تفسير القرآن العظيم لأبي الفداء ابن كثير
التعريف بالمؤلف:
هو الإمام الكبير، عماد الدين، أبو الفداء، إسماعيل بن عمرو بن كثير بن ضوء بن كثير بن زرع البصري الدمشقي، واحد من فقهاء الشافعية، حضر مع أخيه الى دمشق صغيرا بعد وفاة أبيه. فسمع من كبار المفسرين والمحدثين والفقهاء، وقرأ على الآمدي وابن عساكر وغيرهما، وأخذ عن ابن تيمية وتحمس لآرائه، حتى قال بعضهم فيه: إنه كانت له خصوصية بابن تيمية، ومناضلة عنه، وأتباع له في كثير من آرائه، وكان يفتي برأيه في مسألة الطلاق، وامتحن بسبب ذلك وأوذي. (١)
وقال آخر: كان قدوة العلماء والحفاظ، وعمدة أهل المعاني والألفاظ، ولي مشيخة أم الصالح بعد موت الذهبي. وبعد موت السبكي مشيخة الحديث الأشرفية مدة يسيرة ثم أخذت منه (٢).
ولد في سنة ٧٠٠ هـ وتوفي عن عمر يناهز الرابعة والسبعين، ودفن عند شيخه ابن تيمية في مقبرة الصوفية، بعد أن كفّ بصره في آخر عمره.
стр. 262
درجته العلمية
ابن كثير، كان على جانب كبير من العلم والفضل، كما يشهد له بذلك رأي العلماء فيه، خصوصا في الحديث والتاريخ والتفسير، له كتاب في التاريخ سمّاه البداية والنهاية وأخرج كتاب طبقات الشافعية، وصلت كتبه شتى البلاد في حياته، وانتفع منها الناس بعد وفاته، كان محدثا فقيها، « ... كثير الاستحضار، قليل النسيان، جيد الفهم (١)»، قال فيه ابن حبيب: «زعيم أرباب التأويل، سمع وجمع وصنّف، وأطرب الأسماع بالفتوى وشنف، وحدث فأفاد، وطارت أوراق فتاويه في البلاد، واشتهر بالضبط والتحرير، وانتهت اليه رئاسة العلم في التاريخ والحديث والتفسير، فهو إذن: الإمام المفتي، المحدث البارع، فقيه متفنن، محدث متقن، مفسر نقال، وله تصانيف مفيدة (٢). أخذ عنه كثيرون من تلاميذه اسلوبه في التصنيف، وطريقته في النقل والرواية، قال فيه أحدهم: «أحفظ من أدركناه لمتون الحديث، وأعرفهم بجرحها ورجالها، وصحيحها وسقيمها، وكان أقرانه وشيوخه يعترفون له بذلك، وما أعرف أني واجتمعت به على كثرة ترددي عليه والا واستفدت منه».
والذين اعتنوا بالبحث في انتاج ابن كثير، وقرءوا تفسيره أو كتابه في التاريخ، وجدوا فيه، شخصية عميقة الفهم، واسعة الاطلاع، غزيرة العلم.
تفسير ابن كثير وطريقة التأليف فيه:
يعتبر تفسير ابن كثير من أشهر كتب التفسير المأثور، وهو بذلك يأتي في المرتبة الثانية بعد تفسير ابن جرير الطبري، يروي فيه أبو الفداء عن المفسرين من السلف،
شرح كتاب الله تعالى، بأحاديث النبي ﷺ ، وبالآثار المسندة الى أصحابها، مع التعليق عليها جرحا وتعديلا. أعاد طبعه المرحوم الشيخ
стр. 263
احمد شاكر أخيرا بعد أن جرّده من الاسانيد، وكان مطبوعا في أربعة أجز كبار.
تعرّض ابن كثير للأمور التي تتعلق بالقرآن وتفسيره في مقدمة مطوّلة، على جانب عظيم من الأهمية العلمية، أخذ معظمها من كلام أستاذه ابن تيمية.
يمتاز بطريقة خاصة في التفسير، فهو يذكر الآية أولا ثم يفسرها بالعبارة السهلة الموجزة، مع توضيحها بآية أخرى على سبيل المقارنة بينهما إن أمكن ذلك، تبيانا للمعنى وإظهارا للمراد، وهو شديد العناية بهذا الاسلوب الذي يطلق عليه تفسير القرآن بالقرآن. وبعد ذلك يبدأ في سرد الأحاديث النبوية التي تتعلق بالآية، مبيّنا ما يستدل منه على تأكيد المعنى، معقبا شرحه بأقوال الصحابة والتابعين ومن يليهم من علماء السلف.
ولمعرفة ابن كثير بفنون الحديث وأحوال الرجال، كان يرجح الأقوال على بعضها، ويبين درجة الرواية تضعيفا أو تصحيحا، تعديلا لبعض الرواة أو تجريحا.
ولم يفت ابن كثير أن يلفت نظر القارئ الى المنكرات الاسرائيليات في التفسير المأثور، محذرا منها على وجه الاجمال مرّة. وعلى وجه التعيين والبيان مرّة أخرى، فمثلا عند تفسيره لأول سورة «ق» يقول: ... «وقد روي عن بعض السلف، أنهم قالوا: ق جبل محيط بجميع الأرض يقال له جبل قاف، وكأن هذا والله وأعلم من خرافات بني إسرائيل التي أخذها عنهم بعض الناس، لما رأى من جواز لرواية عنهم مما لا يصدق ولا يكذب، وعندي أن هذا وأمثاله وأشباهه من اختلاق بعض زنادقتهم، يلبسون به على الناس أمر دينهم، كما افترى في هذه الأمة مع جلالة قدر علمائها وحفاظها وأئمتها أحاديث عن النبي ﷺ ، وما بالعهد من قدم، فكيف بأمة بني اسرائيل مع طول المدى وقلة الحفاظ النّقاد فيهم، وشربهم الخمور، وتحريف علمائهم الكلم عن مواضعه، وتبديل كتاب الله وآياته؟ وانما أباح الشارع الرواية عنهم في قوله «وحدثوا عني بني اسرائيل
стр. 264
ولا حرج» فيما قد يجوّزه العقل، فأما فيما تحيله العقول، ويحكم فيه بالبطلان، ويغلب على الظنون كذبه، فليس من هذا القبيل والله أعلم». (١)
دخول ابن كثير في المناقشات الفقهية
نلاحظ في تفسير ابن كثير انه كان يدخل في المناقشات الفقهية، فيذكر أقوال العلماء، ويسرد أدلتهم، ويوضّح آراءهم عند ما يشرح آية من آيات الاحكام، فمثلا عند تفسيره لقول الله تعالى شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ، فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ، وَمَنْ كانَ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ، يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ. (٢)
نراه يورد أقوال الفقهاء: «وهاهنا مسائل تتعلق بهذه الآية (إحداها) أنه قد ذهب طائفة من السلف إلى أن من كان مقيما في أول الشهر ثم سافر في أثنائه فليس له الافطار بعذر السفر، والحالة هذه لقوله فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وإنما يباح الافطار لمسافر استهل الشهر وهو مسافر. ثم يبدي ابن كثير رأيه بقوله: وهذا القول غريب نقله أبو محمد بن حزم في كتابه المحلّى عن جماعة من الصحابة والتابعين، وفيما حكاه عنهم نظر والله أعلم، فإنه قد ثبتت السنة عن رسول الله ﷺ أنه خرج في شهر رمضان لغزوة الفتح، فسار حتى بلغ الكديد ثم أفطر، وأمر الناس بالفطر، أخرجه صاحبا الصحيح. ويستمر في
стр. 265
؟ رد أقوال الفقهاء ... (الثانية) ذهب آخرون من الصحابة والتابعين إلى وجوب الإفطار في السفر لقوله فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ والصحيح قول الجمهور أن الأمر في ذلك على التخيير وليس بحتم لأنهم كانوا يخرجون مع رسول الله ﷺ في شهر رمضان، قال: فمنا الصائم ومنا المفطر فلم يعب الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم، فلو كان الافطار هو الواجب لأنكر عليهم الصيام، بل الذي ثبت من فعل رسول الله ﷺ أنه كان في مثل هذه الحالة صائما لما ثبت في الصحيحين عن أبي الدرداء قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في شهر رمضان في حرّ شديد حتى إن كان أحدنا ليضع يده على رأسه من شدة، وما فينا صائم إلا رسول الله (صلى) وعبد الله بن رواحة. (الثالثة) قالت طائفة منهم الشافعي: الصيام في السفر أفضل من الافطار لفعل النبي (صلى) كما تقدم، وقالت طائفة: بل الافطار أفضل أخذا بالرخصة ولما ثبت عن رسول الله (صلى) أنه سئل عن الصوم في السفر فقال: «من أفطر فحسن ومن صام فلا جناح عليه» وقال في حديث آخر «عليكم برخصة الله التي رخص لكم» وقالت طائفة هما سواء لحديث عائشة أن حمزة بن عمرو الأسلمي قال: يا رسول الله إني كثير الصيام، أفأصوم في السفر؟
فقال: «إن شئت فصمّ وإن شئت فأفطر»، وهو في الصحيحين، وقيل إن شق الصيام فالإفطار أفضل لحديث جابر أن رسول الله ﷺ رأى رجلا قد ظلل عليه فقال: «ما هذا»؟ قالوا صائم فقال: «ليس من البرّ الصيام في السفر» أخرجاه، فأما إن رغب عن السنّة ورأى أن الفطر مكروه إليه، فهذا يتعين عليه الافطار، ويحرم عليه
الصيام، والحالة هذه لما جاء في مسند الإمام أحمد وغيره عن ابن عمر وجابر وغيرهما: من لم يقبل رخصة الله كان عليه من الإثم مثل جبال عرفه (الرابعة) القضاء هل يجب متتابعا، أو يجوز فيه التفريق؟
فيه قولان: (أحدهما) أنه يجب التتابع لأن القضاء يحكي الأداء (والثاني) لا يجب
стр. 266
التتابع بل إن شاء فرّق وإن شاء تابع، وهذا قول جمهور السلف والخلف، وعليه ثبتت الدلائل، لأن التتابع إنما وجب في الشهر لضرورة أدائه في الشهر، فأما بعد انقضاء رمضان، فالمراد صيام أيام عدّة ما أفطر، ولهذا قال تعالى فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ثم قال تعالى:
يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ (١) وبهذا يتضح لنا أن ابن كثير كان يخوض في خلافات الفقهاء، عن دراية وعلم، وحسن اطلاع وتدقيق وضبط، ساردا أدلتهم، شارحا مذاهبهم، كلما تكلم عن آية من آيات الأحكام، ومع ذلك فهو لا يسرف كما أسرف غيره من الفقهاء المفسرين.
وتفسير ابن كثير بعمومه، من خير كتب المأثور، بأسلوب لم يؤلف فيه على نمطه مثله.
стр. 267
مفاتيح الغيب للإمام محمد الرّازي
تعريف بالمؤلف
هو أبو عبد الله محمد بن عمر بن الحسين بن الحسن بن علي، التميميّ، البكريّ، الطبرستاني، الرّازي، الملقب بفخر الدين، والمعروف بابن الخطيب الشافعي، ولد سنة ٥٤٤ هـ وتوفي- ﵀ سنة ٦٠٦ هـ، وقد قيل في سبب وفاته: إنه كان بينه وبين الكرّامية خلاف كبير وجدل في أمور العقيدة، فكان ينال منهم وينالون منه سبّا وتكفيرا، حتى سمّوه فمات على إثر ذلك مسموما. (١)
كان- ﵀ متكلم عصره، وفريد زمنه، إماما في التفسير والكلام، والعلوم العقلية، وعلوم اللغة، جمع كثيرا من العلوم ونبغ فيها، ولقد أكسبه نبوغه العلمي شهرة عظيمة، فكان العلماء يقصدونه من البلاد، ويأتون لمجلسه من مختلف الأقطار والأمصار.
خلّف للناس مجموعة كبيرة من تصانيفه في الفنون المختلفة، وانتشرت في البلاد، ورزق فيها الخطوة الواسعة، والسعادة الكبيرة، حيث اشتغل الناس بها، وأعرضوا عن غيرها من كتب الذين سبقوه، أخذ العلم عن والده ضياء الدين
стр. 268
المعروف بخطيب الريّ، وعن الكمال السمعاني والمجد الجيلي، وكثير من العلماء الذين عاصرهم ولقيهم. وله فوق شهرته العلمية شهرة عظيمة في الوعظ، حتى قيل إنه كان يعظ الناس بالعربية والفارسية، وكان شديد التأثر في وعظه إلى حد أنه كان يغلب عليه البكاء، من أهم المصنفات التي أخرجها: تفسيره الكبير، المعروف بتفسير فخر الدين الرّازي، المسمّى بمفاتيح الغيب الذي نحن بصدده، وله تفسير مستقل لسورة الفاتحة في مجلّد واحد، وله في علم الكلام: كتاب البيان والبرهان في الرد على أهل الزّيغ والطغيان، والمطالب العالية. كما له في أصول الفقه كتاب المحصول، وفي الحكمة الملخّص، وفي الطلسمات السرّ المكنون، وشرح الإشارات لابن سينا، وشرح عيون الحكمة، كما شرح المفصّل في النحو للزمخشري والوجيز في الفقه للإمام الغزالي، مما يدل على سعة علم الرجل، وغزارة ثقافته.
طريقة الرّازي في تفسيره «مفاتيح الغيب»
هو تفسير يقع في ثماني مجلدات كبار، طبع وتداولته أيدي أهل العلم.
وردت فيه أقوال تدعو للحيرة، قد لا يوفق الباحث للوصول إلى حلّ لمشكلها.
ولقد قال ابن قاضي شهبة: إن الفخر الرازي لم يتم كتابه. وأكد هذا ابن خلكان في وفيات الأعيان، فمن يا ترى أكمل هذا التفسير؟ وكم من الأجزاء أو السور أتم؟
لقد تضاربت الأقوال في هذا الموضوع، وتعددت الآراء فيه: ..
(ا) صاحب كشف الظنون يقول: «وصنّف الشيخ نجم الدين أحمد بن محمد القمولي تكملة له وتوفي سنة ٧٢٧ وقاضي القضاة، شهاب الدين بن خليل الدمشقي، كمل ما نقص منه أيضا، وتوفي سنة ٦٣٩ هـ (١).
стр. 269
(ب) ابن حجر العسقلاني يقول: «الذي أكمل تفسير فخر الدين الرازي، هو أحمد بن محمد بن أبي الحزم مكي نجم الدين المخزومي القمولي مات سنة ٧٢٧ هـ وهو مصري» (١). وفي هذين القولين ما يتفق على أن الرازي لم يتم تفسيره.
(ج) يعود صاحب كشف الظنون فيقول: «الذي رأيته بخط السيد مرتضى نقلا عن شرح الشفا للشهاب، أنه وصل فيه إلى سورة الأنبياء (٢). وفي هذا القول توضيح أو بعض توضيح للتساؤل حول أي موضع وصل الفخر الرازي في تفسيره؟
(د) لو تتبعنا التفسير نفسه لوجدنا عبارات يستدل منها تأكيد أقوال العلماء في مسألة عدم اتمام الرّازي لتفسيره. فعند شرحه للآية الكريمة يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ ... (٣)
يتعرض لموضوع النيّة في الوضوء، مستشهدا على اشتراط النيّة بقول الله تعالى وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ (٤).
مبيّنا أن الإخلاص عبارة عن النية ثم يقول: وقد حققنا الكلام في هذا الدليل في تفسير قول الله تعالى وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ.
فليرجع إليه في طلب زيادة الاتقان» (٥). وهذه العبارة تدلّ من حيث ظاهرها
стр. 270
المجرد عن كل شيء بأن الفخر الرازي فسر سورة البيّنة، أي وصل إليها في تفسيره.
(هـ) عند تفسيره لقول الله تعالى:
جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (١).
وردت عبارة تقول: «المسألة الأولى أصولية، ذكرها الإمام فخر الدين ﵀ في مواضع كثيرة، ونحن نذكر بعضها .. » (٢). وهي تدلّ من حيث ظاهرها أيضا بأن الرازي لم يكمل تفسيره، ولم يصل به إلى هذه السورة.
ولعل الإمام الرازي- وهو مجرد رأي- كتب تفسيره المشهور إلى سورة الأنبياء ثم شرح في تكملته شهاب الدين الدمشقي ولكنه لم يتمه، فأكمل ما بقي منه نجم الدين القمولي. أو لعل الامام الرازي قد كتب تفسيرا مستقلا لسورة البيّنة، أو للآية المذكورة وحدها، وعموما، فإن القارئ لتفسيره، لا يستطيع أن يميّز بين أصل وتكملة، ولا يتمكن من الوقوف على حقيقة المقدار الذي كتبه الرازي، أو المقدار الذي كتبه صاحب التكملة، إذ ليس فيه تفاوت في المسلك أو المنهج، بل جري على نمط واحد من أول الكتاب إلى آخره، وبطريقة واحدة.
والذي يعنينا قوله، إن تفسير الرازي، يمتاز عن غيره من كتب التفسير، بالفيض الواسع حين البحث، وفي نواح متعددة من العلم، مما جعله ذا شهرة واسعة بين العلماء، «فقد جمع فيه كل غريب وغريبة (٣). فهو كتاب شبيه بالموسوعات العلمية في علم الكلام، وفي علوم الكون والطبيعة، وتلك ناحية غلبت عليه، حتى كادت تقلل من أهمية الكتاب كتفسير للقرآن الكريم فقالوا فيه «إن الامام فخر الدين الرازي ملأ تفسيره بأقوال الحكماء والفلاسفة، وخرج من شيء إلى شيء، حتى يقضي الناظر العجب» (٤).
стр. 271
ملاحظات حول تفسير الرازي
أولا: رأي الرازي في المعتزلة:
فهو كسنّي يرى ما يراه أهل السنة، ويعتقد بكل ما يقررونه من مسائل علم الكلام، فيعرض لمذهب المعتزلة عند كل فرصة، بذكر أقوالهم والردّ عليها، ردا لا يراه البعض شافيا ولا كافيا، حتى قال فيه الحافظ بن حجر: «وكان يعاب بإيراد الشبهة الشديدة، ويقصر في حلّها حتى قال بعض المغاربة: «يورد الشبهة نقدا ويحلّها نسيئة» (١)
ثانيا- اهتمام بالنحو والبلاغة وبعلوم الفقه والأصول
تراه في كتابه يستطرد لذكر المسائل الأصولية، والنحوية، والبلاغية، وإن كان لا يتوسع في ذلك توسعه في مسائل العلوم الكونية والرياضية.
كما أنه يذكر مذاهب الفقهاء في كل آية من آيات الأحكام، مروجا مذهب الشافعي الذي يقلّده- بالأدلة والبراهين.
ثالثا- الاهتمام بالعلوم الفلسفية والرياضية
فهو يعرض كثيرا لأقوال الفلاسفة، ويرد عليهم ويفنّد أقوالهم. بصياغة تتفق ونمط استدلالاتهم العقلية في كل بحث إلهيّ، بما يؤكد تأييده لمذهب أهل السنّة، مكثرا من الاستطراد إلى العلوم الرياضية والطبيعية، وغيرها من العلوم الحادثة في الملّة، على ما كانت عليه في عهده، كالهيئة الفلكية وغيرها.
رابعا- الاهتمام بكثرة الاستنباطات والاستطرادات
وهذا واضح من مقدمة تفسيره، حيث لا يسعك إلا أن تحكم على الفخر
стр. 272
الرازي بهذا الحكم، وهذا ظاهر من ولعه بهذا الاسلوب كلما استطاع إيجاد الصلة بين المستنبط أو المستطرد إليه وبين اللفظ القرآني، يقول في المقدمة: «اعلم أنه مرّ على لساني في بعض الأوقات، أن هذه السورة الكريمة- يريد الفاتحة- يمكن أن يستنبط من فوائدها ونفائسها عشرة آلاف مسألة، فاستبعد هذا الحساد، وقوم من أهل الجهل والغيّ والعناد، وحملوا ذلك على ما ألفوه من أنفسهم من التعلقات الفارغة عن المعاني، والكلمات الخالية عن تحقيق المعاقد والمباني، فلما شرعت في تصنيف هذا الكتاب، قدمت هذه المقدمة، لتصير كالتنبيه على أن ما ذكرناه أمر ممكن الحصول، قريب الوصول ... » (١)
стр. 273
أنوار التنزيل وأسرار التأويل لقاضي القضاة ناصر الدين البيضاوي
التعريف بالمؤلف
هو قاضي القضاة، ناصر الدين أبو الخير، عبد الله بن عمر بن محمد بن عليّ، البيضاوي الشافعي، وهو من بلاد فارس، ولي القضاء بشيراز، وتوفي بمدينة تبريز، على اختلاف في سنة وفاته، قال ابن كثير: توفي ٦٨٥ هـ. وقال السبكي: سنة ٦٩١ هـ.
له مصنفات كثيرة أهمها: أنوار التنزيل وأسرار التأويل في تفسير القرآن الكريم، وكتاب المنهاج وشرحه في أصول الفقه، وكتاب الطوالع في أصول الدين، وهي كتب مشهورة ومتداولة بين أهل العلم.
قال عنه ابن قاضي شهبة في طبقاته: «صاحب المصنّفات، وعالم اذربيجان، وشيخ تلك الناحية، ولي قضاء شيراز». وقال السبكي: «كان إماما مبرزا نظارا خيرا، صالحا متعبدا»، وقال ابن حبيب: «تكلم كل من الأئمة بالثناء على مصنفاته، ولو لم يكن له غير المنهاج الوجيز لفظه لكفاه» (١)
стр. 274
طريقة البيضاوي في تفسيره
جمع العلّامة في تفسيره بين التأويل والتفسير، على مقتضى قواعد اللغة العربية، وقرر فيه الأدلة على أصول أهل السنة.
وهو كتاب مختصر عن تفسير الكشاف للزمخشري، باستثناء أقوال المعتزلة التي تركها البيضاوي ولم يأخذ بها، وإن كان في بعض الأحيان يقف موقف الزمخشري في التفسير.
فصاحب الكشاف كان يذكر في نهاية كل سورة حديثا يبيّن فضلها وما لقارئها من الثواب والأجر عند الله، وهي أحاديث موضوعة باتفاق أهل الحديث؛ فوقع البيضاويّ فيما وقع فيه الزمخشري، وروى الأحاديث في آخر تفسيره لكل سورة.
موقفه من الآيات الكونية
البيضاوي إذا عرض للآيات الكونية، لا يتركها بدون أن يخوض في مباحث الكون والطبيعة، ولعلها ظاهرة سرت إليه من طريق التفسير الكبير للفخر الرازي، حيث استمدّ منه وأخذ عنه، يقول في تفسير قول الله تعالى ... فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ (١).
موضحا حقيقة الشهاب: «الشهاب ما يرى كأنّ كوكبا انقض»، ثم يرد على من يخالف ذلك فيقول: «وما قيل إنه بخار يصعد إلى الأثير فيشتعل فتخمين إن صح لم يناف ذلك .. » (٢)
موقفه من مذهب أهل السنّة ومذهب المعتزلة
نجد من تفسيره بأنه يقرّر في أغلب الأحيان مذهب أهل السنّة ومذهب
стр. 275
المعتزلة، عند ما يعرض لآية لها صلة بنقطة من نقط النزاع بينهم. انظر إليه كيف يعرض لبيان معنى الإيمان والنفاق عند أهل السنة والمعتزلة والخوارج، بتوسع ظاهر وترجيح منه لمذهب أهل السنّة عند تفسيره لقول الله تعالى ... الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (١) وكذلك عند ما يفسّر قول الله تعالى وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (٢) فيتعرض للخلاف الذي بين أهل السنّة والمعتزلة فيما يطلق عليه اسم الرزق، ويذكر وجهة نظر كل فريق، مع ترجيحه لمذهب أهل السنة.
والبيضاوي يستمد من تفسير الامام الرّازي، ومن تفسير الراغب الأصفهاني ويضم لذلك بعض الآثار الواردة عن الصحابة والتابعين، كما أنه يعمل فيه عقله، فيضمنه نكتا بارعة، واستنباطات دقيقة، ولطائف رائعة، في أسلوب رائع موجز، وفطنة نيّرة، وعبارة دقيقة لا تخفى على ذي بصيرة ثاقبة. اهتم البيضاوي بالصناعة النحوية ولكنه لم يتوسع فيها ولم يستفض، كما أنه ذكر القراءات ولكنه لم يلتزم بالمتواتر منها فذكر الشواذ.
موقفه من الروايات الإسرائيلية
كان ﵀ مقلّ جدا من ذكر الروايات الإسرائيلية، وهو يصدر الرواية بقوله: «روي أو قيل»، إشعارا منه بضعفها».
أنظر اليه عند تفسير قول الله تعالى
стр. 276
فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقالَ أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ (١).
يقول بعد أن فرغ من تفسير الآية: روي أنه ﵇ لما أتم بناء بيت المقدس تجهّز للحج ... فهو يروي القصة ويقف منها موقف المجوّز لها، غير قاطع بصحتها، فيقول: «ولعل في عجائب قدرة الله وما خصّ به خاصة عباده أشياء أعظم من ذلك، يستكبرها من يعرفها، ويستنكرها من ينكرها» (٢)
البيضاوي كما يقول في مقدمة تفسيره
قال بعد الديباجة في مقدمة تفسيره « ... ولطالما أحدث نفسي بأن أصنّف في هذا الفن- يعني التفسير- كتابا يحتوي على صفوة ما بلغني من عظماء الصحابة، وعلماء التابعين، ومن دونهم من السلف الصالحين، وينطوي على نكات بارعة، ولطائف رائعة، استنبطتها أنا ومن قبلي من أفاضل المتأخرين، وأماثل المحققين، ويعرب عن وجوه القراءات المشهورة المعزوّة إلى الائمة الثمانية المشهورين، والشواذ المروية عن القرّاء المعتبرين، إلا أن قصور بضاعتي يثبطني عن الإقدام، ويمنعني عن الانتصاب في هذا المقام، حتى سنح لي بعد الاستخارة ما صمم به عزمي على الشروع فيما أردته، والإتيان بما قصدته، ناويا أن أسميه بأنوار التنزيل وأسرار التأويل .. (٣)
ثم يشير الى أنه اختصر من تفسير الكشّاف ولخّص منه، ضمن ما اختصره ولخصه من كتب التفسير الأخرى، غير أنه ترك ما فيه من نزعات الضلال، وشطحات الاعتزال، فيقول: «وقد اتفق إتمام تعليق سواد هذا الكتاب المنطوي على فرائد فوائد ذوي الألباب، المشتمل على خلاصة أقوال أكابر الأئمة، وصفوة آراء
стр. 277
اعلام الأمة، في تفسير القرآن وتحقيق معانيه، والكشف عن عويصات ألفاظ ومعجزات مبانيه، مع الايجاز الخالي عن الإخلال، والتلخيص العاري عن الإضلال، الموسوم بأنوار التنزيل وأسرار التأويل (١).
وكتاب تفسير البيضاوي، كما يصفه صاحب كشف الظنون، كتاب عظيم الشأن، غنيّ عن البيان، لخص فيه من الكشاف ما يتعلق بالإعراب والمعاني والبيان، ومن التفسير الكبير ما يتعلق بالحكمة والكلام، ومن تفسير الراغب ما يتعلق بالاشتقاق وغوامض الحقائق ولطائف الاشارات، وضم اليه ما روى زناد فكره من الوجوه المعقولة، فجلا رين الشك عن السريرة، وزاد في العلم بسطة وبصيرة. ولكونه متبحرا جال في ميدان فرسان الكلام، فأظهر مهارته في العلوم حسبما يليق المقام، كشف القناع تارة عن وجوه محاسن الإشارة، وملح الاستعارة وهتك الأستار الأخرى عن أسرار المعقولات بيد الحكمة ولسانها، وترجمان المناطقة وميزانها، فحل ما أشكل على الأنام، وذلل لهم صعاب المرام، وأورد في المباحث الدقيقة ما يؤمن به عن الشبه المضلّة، وأوضح لهم مناهج الأدلة». (٢)
وجملة القول أنّ كتاب تفسير البيضاوي، ملخّص جيّد، فيه ما لا يستغني عنه من أراد أن يفهم كلام الله، ويقف على أسراره ومعانيه.
стр. 278
الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل للإمام الزمخشري
التعريف بالمؤلف
هو أبو القاسم، محمود بن عمر بن عمر الخوارزمي، الإمام الحنفي المعتزلي، الملقب بجار الله، لأنه سافر الى مكة وجاور بها زمانا حتى عرف بهذا اللقب واشتهر به وصار كأنه علم عليه. ولد سنة ٤٦٧ هـ بزمخشر، وهي قرية في خوارزم، وتوفي سنة ٥٣٨ بجرجانية خوارزم بعد عودته من مكة، حيث رثاه الكثيرون، وقال بعضهم:
فأرض مكة ندّى الدمع مقلتها ... حزنا لفرقة جار الله محمود (١)
لقي كبار العلماء وأخذ عنهم عند ما قدم بغداد، ولقد ذاع صيته وطار ذكره حتى صار إمام عصره من غير مدافعة، وكان كلما دخل إلى بلد اجتمع عليه اهلها وتتلمذوا له، كما اعترف بفضل علمه وغزارة فقهه كل من ناظره أو ناقشه.
«كان الزمخشري معتزلي الاعتقاد، متظاهرا باعتزاله، حتى نقل عنه: أنه كان إذا قصد صاحبا له واستأذن عليه في الدخول، يقول لمن يأخذ له الإذن:
قل له، أبو القاسم المعتزلي بالباب. وأول ما صنّف كتاب الكشاف كتب
стр. 279
استفتاح الخطبة «الحمد لله الذي خلق القرآن» فيقال إنه قيل له: متى تركته على هذه الهيئة هجره الناس ولا يرغب أحد فيه، فغيّره بقوله «الحمد لله الذي جعل القرآن» وجعل عندهم بمعنى خلق، والبحث في ذلك يطول. ورأيت في كثير من النسخ، «الحمد لله الذي أنزل القرآن» وهذا إصلاح الناس لا إصلاح المصنّف» (١) وللزمخشري مؤلفات كثيرة منها: الفائق في تفسير الحديث، والمفصل في النحو، والمحاجّة في المسائل النحوية، وأساس البلاغة في اللغة، والمفرد والمركب في العربية، وكتابه المشهور في التفسير وهو ما نحن بصدده الآن.
وقصة التعليق على خطبة الكشاف، هل كتب الزمخشري «خلق» مكان «أنزل ثم غيّرها أنكرها بعض العلماء، وردّوها. «قال بعض الطلبة: إنه كان في الأصل كتب (خلق) مكان (أنزل) وأخيرا غيّره المصنّف حذرا عن الشناعة الواضحة.
وهذا قول ساقط جدا، وقد عرضته على أستاذي فأنكره غاية الإنكار، وأشار إلى أن هذا القول بمعزل عن الصواب لوجهين:
أحدهما: أن الزمخشري لم يكن أهلا لأن تفوته اللطائف المذكورة في أنزل وفي نزل في مفتتح كلمة خالية من ذلك.
والثاني: أنه لم يكن يأنف من انتمائه إلى الاعتزال، وإنما كان يفتخر بذلك، وأيضا أتى عقيبه بما هو صريح في المعنى- حيث قال: أنشأه كتابا ساطعا بيانه ...
وقد رأيت النسخة التي بخط يده بمدينة السلام، مختبئة في تربة الإمام أبي حنيفة، خالية عن أثر كشط وإصلاح» (٢)
أسلوب الزمخشري في تأليفه للتفسير
لقد أضفى الزمخشري على كتابه نبوغه العلمي والأدبي، ولفت إليه أنظار العلماء وعلّق به قلوب المفسرين، لما امتاز به من الإحاطة بعلوم البلاغة والاعراب
стр. 280
والبيان والادب، وكتابه- بصرف النظر عما فيه من الاعتزال، تفسير لم يسبقه إليه أحد، بيّن فيه من وجوه الإعجاز وأظهر فيه جمال النّظم القرآني وبلاغته، وكشف فيه جمال القرآن وسحر بلاغته، لما برع فيه من المعرفة بكثير من العلوم، خصوصا إلمامه بلغة العرب، ومعرفته بأشعارهم.
اهتم الزمخشري في تفسيره بالنّواحي البلاغية القرآن، وتذرّع بالمعاني اللغوية لنصرة مذهبه الاعتزالي، فكان إذا مر بلفظ يشتبه عليه ظاهره ولا يتفق مع مذهبه، يحاول بكل جهده أن يبطل هذا المعنى الظاهر، وأن يثبت للفظ معنى آخر موجودا في اللغة.
كما اعتمد على الفروض المجازية، متذرعا بالتمثيل والتخييل فيما يستبعد ظاهره، هذا، وأن الزمخشري انتصر لمذهبه الاعتزالي وأيده بكل ما يملك من قوّة الحجة وسلطان الدليل، كما سار على مبدأ حمل الآيات المتشابهة على الآيات المحكمة عند ما تصادفه آية تخالف مذهبه وعقيدته. ولم يكن بعد هذا ليّنا في خصومته لأهل السنّة، بل كان حادّا عنيفا، يتهم خصمه بالزيغ والضلال، ويرميه بأوصاف يسلكه بها في قرن واحد مع الكفرة الفجرة، كلما تعرّض لناحية العقيدة. متعصبا للمعتزلة، إلى حدّ يجعله يخرج خصومه السنيين من دين الله وهو الاسلام.
هذا، وإن الزمخشري- ﵀ تعرّض إلى حدّ ما وبدون توسع، إلى المسائل الفقهية التي تتعلق ببعض الآيات القرآنية، باعتدال ليس فيه تعصب لمذهبه الحنفيّ. أما ذكر الروايات الإسرائيلية فقد أقلّ منها، ما ذكره من ذلك إمّا أن يصدره بلفظ روي، ليشعر القارئ بضعف الرواية وبعدها عن الصحة، وإما أن يفوّض علمه الى الله سبحانه.
تفصيل الملاحظات على تفسير الكشاف
(١) ذكر الروايات الإسرائيلية
كان الزمخشري في الغالب عند ذكره للروايات التي لا يلزم من التصديق بها مساس بالدين يبدأ تفسيره بقوله «روي» لشعوره
стр. 281
بأن الرواية ضعيفة وبعيدة عن الصحة ولاعتقاده بأنها من الاسرائيليات، أما إذا كانت الرواية ذات مساس بالدين وتعلق به فقد كان ينبّه على درجة الرواية ومبلغها من الصحة أو الضعف ولو بطريق الإجمال.
يقول في تفسير قول الله تعالى:
وَقالَ فِرْعَوْنُ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يا هامانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحاً ... (١)
«روي أنه لما أمر ببناء الصرح، جمع هامان العمال حتى اجتمع خمسون ألف بنّاء سوى الأتباع والأجراء، وأمر بطبخ الآجر والجص ونجر الخشب وضرب المسامير، فشيده حتى بلغ ما لم يبلغه بنيان أحد من الخلق، فكان الباني لا يقدر أن يقوم على رأسه يبني، فبعث الله تعالى جبريل ﵇ عند غروب الشمس فضربه بجناحه فقطعه ثلاث قطع، وقعت قطعة على عسكر فرعون فقتلت ألف ألف رجل، ووقعت قطعة في البحر، وقطعة في المغرب ولم يبق أحد من عماله إلا قد هلك، ويروى في هذه القصة أن فرعون ارتقى فوقه فرمى بنشّابه إلى السماء، فأراد الله أن يفتنهم، فردت إليه ملطوخة بالدم، فقال: قد قتلت إله موسى، فعندها بعث الله جبريل ﵇ لهدمه والله أعلم بصحته» (٢) فنحن نلاحظ هنا أن القصة صدّرها بقوله «روي» وعقب عليها بقوله «والله أعلم بصحته» مما يدل على أنه متشكك في صحة هذه الرواية.
(٢) حملة صاحب الكشاف على أهل السنّة:
الزمخشري كما قلنا، عنيف في خصومته، حريص على أن يحوّل الآيات القرآنية التي وردت في حق الكفار إلى ناحية مخالفيه في العقيدة من أهل السنة،
стр. 282
يبالغ في السخرية والاستهزاء بهم، ويحقرهم ويرميهم بالأوصاف المقذعة، وأحيانا يسميهم القدرية، تلك التسمية التي أطلقها أهل السنة على منكري القدر، فرماهم بها الزمخشري لأنهم يؤمنون بالقدر، حتى أنه جعل حديث رسول الله صلى عليه وسلم الذي حكم فيه على القدرية بأنهم مجوس هذه الأمة، منصبا عليهم.
يقول في تفسير قول الله تعالى قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها، وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها (١) «وأما قول من زعم أنّ الضمير في زكى ودسّ لله تعالى، وأن تأنيث الراجع إلى من، لأنه في معنى النفس، فمن تعكيس القدرية الذين يوركون (٢) على الله قدرا هو بريء منه ومتعال عنه، ويحيون لياليهم في تمحل الفاحشة ينسبونها إليه» (٣).
ويقول في تفسير قول الله تعالى وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى فَأَخَذَتْهُمْ صاعِقَةُ الْعَذابِ الْهُونِ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (٤).
ولو لم يكن في القرآن حجة على القدرية الذين هم مجوس هذه الأمة بشهادة نبيّها ﷺ وكفى به شاهدا- إلا هذه الآية لكفى بها حجة» (٥).
فالزمخشريّ أراد أهل السنّة حين اعتبر الآية حجّة على القدرية الذين هم مجوس هذه الأمة، وهي تسمية المعتزلة لهم بذلك لقولهم: جميع الحوادث- خيرا
стр. 283
كانت أو شرا من أفعال العباد الاختيارية أو غيرها- فهي بقضاء الله تعالى وقدره، خلافا للمعتزلة: حيث ذهبوا إلى أن جميع الأفعال الاختيارية ليست بقضائه تعالى وقدره، ولا تأثير له فيها أصلا.
(٣) التعصب للمعتزلة
وهو واضح جليّ في أكثر من موضع من كتابه، يقول في تفسير قول الله تعالى شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ ... (١)
«فإن قلت ما المراد بأولي العلم الذين عظمهم هذا التعظيم، حيث جمعهم معه ومع الملائكة في الشهادة على وحدانيته وعدله؟ قلت: هم الذين يثبتون وحدانيته وعدله بالحجج والبراهين القاطعة، وهم علماء العدل والتوحيد- يريد أهل مذهبه- فإن قلت: ما فائدة هذا التوكيد- يعني في قوله: إن الدين عند الله الإسلام- قلت: فائدته أنّ
قوله: لا إله إلا هو توحيد، وقوله قائما بالقسط تعديل، فإذا أردفه قوله «إنّ الدّين عند الله الإسلام، فقد أذن أن الإسلام هو العدل والتوحيد، وهو الدين عند الله، وما عداه فليس عنده في شيء من الدين.
وفيه أن من ذهب الى تشبيه أو ما يؤدي إليه كإجازة الرؤية، أو ذهب إلى الجبر الذي هو محض الجور، لم يكن على دين الله الذي هو الاسلام». (٢)
ويقول في تفسير قول الله تعالى وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذاباً عَظِيماً (٣):
стр. 284
«هذه الآية فيها من التهديد والإيعاد، والإبراق والإرعاد، أمر عظيم وخطب غليظ، ومن ثم روي عن ابن عباس ما روي من أنّ توبة قاتل المؤمن عمدا غير مقبولة، وعن سفيان: كان أهل العلم إذا سئلوا، قالوا: لا توبة له، وذلك محمول منهم على الاقتداء بسنّة الله في التغليظ والتشديد، وإلا فكل ذنب ممحوّ بالتوبة، وناهيك بمحو الشرك دليلا، وفي الحديث (لزوال الدنيا أهون على الله من قتل امرئ مسلم) وفيه (لو أن رجلا قتل بالمشرق وآخر رضي بالمغرب لأشرك في دمه) وفيه (إن هذا الانسان بنيان الله، ملعون من هدم بنيانه). وفيه (من أعان على قتل مؤمن بشطر كلمة جاء يوم القيامة مكتوب بين عينيه: آيس من رحمة الله). والعجب من قوم يقرءون هذه الآية ويرون ما فيها، ويسمعون هذه الأحاديث العظيمة وقول ابن عباس بمنع التوبة، ثم لا تدعهم أشعبيتهم وطماعيتهم الفارغة، واتباعهم لهواهم، وما يخيل إليهم مناهم، أن يطمعوا في العفو عن قاتل المؤمن بغير توبة أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها (١).
فإن قلت: هل فيها دليل على خلود من لم يتب من أهل الكبائر؟ قلت: ما بين الدليل وهو تناوله له قوله (ومن يقتل) أي قاتل كان، من مسلم أو كافر، تائب أو غير تائب، إلا أن التائب أخرجه الدليل، فمن ادّعى إخراج المسلم غير التائب فليأت بدليل مثله). (٢)
وهو بهذا التفسير، إنما يتيه على خصومه من أهل السنّة نصرة لمذهبه، ويندد حيث يقولون بجواز مغفرة الذنب وإن لم يتب منه صاحبه، وبأن صاحب الكبيرة لا يخلد في النار.
стр. 285
(٤) حمل الآيات المتشابهة على الآيات المحكمة عند ما يصادم النصّ القرآني مذهب المعتزلة:
وهو مبدأ سار عليه الزمخشري، واعتمده في تفسيره، فإذا مرّ بآية تعارض مذهبه، وآية اخرى في موضوعها تشهد له بظاهرها نراه يدعي الاشتباه في الاول والإحكام في الثانية، ثم يحمل الأولى على الثانية، وبهذا يرضي هواه المذهبي، وعقيدته الاعتزالية.
فهو في تفسير قول الله تعالى لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ (١).
وقوله تعالى وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ، إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ (٢) يرى أن الآية الأولى محكمة، والآية الثانية متشابهة، وعليه فيجب أن تكون الآية الثانية متفقة مع الآية الأولى، ولا سبيل إلى ذلك إلا بحملها عليها وردها إليها، فمذهب المعتزلة يرى عدم جواز رؤية المخلوق لله تعالى، ومذهب أهل السنة يرى الجواز.
وإذا كان الزمخشري قد تأثر في تفسيره بعقيدته الاعتزالية، فمال بالألفاظ القرآنية إلى المعاني التي تشهد لمذهبه، أو تأولها بحيث لا تتنافى معه على الاقل، فإنه في محاولاته هذه قد برهن بحق على براعته وقوة ذهنه، وصوّر لنا مقدار ما كان من التأثر والتأثير بين التفسير وهوى العقيدة. وليس لنا أن نغضّ الطرف عن تفسير الزمخشري، تأثرا بمذهب السنّة، أو كراهة لمذهب المعتزلة، وبخاصة بعد