الباب الثالث أثر القراءات المتواترة في الأحكام الشرعية
стр. 107
تمهيد في طبيعة اختلاف القراءات وجدواها:
لا بدّ هنا من التّذكير بالقاعدة التي بسطنا القول فيها (١) حول وجوب إعمال القراءات المتواترة جميعا، وأن تعدد القراءات ينزّل منزلة تعدّد الآيات، وكلاهما قاعدة اتّفاقية لا يوجد لها مخالف من أهل التوحيد. وإذا نقل عن بعض الأقدمين تشكّكهم في بعض وجوه القراءة المتواترة؛ فإن مردّ ذلك بكل تأكيد هو عدم ثبوت تواتر هذه القراءة عندهم في ذلك الزمان. أما وقد اتّفقت الأمة على التّواتر في هذه الوجوه، فلا مندوحة من القول بأن سائر هذه الوجوه قرآن منزل، بالاتفاق بين سائر أهل الملّة.
كذلك ينبغي القول بأن هذه الاختلافات ليست متناقضة بمعنى أن المفسّر يلجأ إلى هدر أحد الوجهين إذا اعتمد الآخر؛ بل هي ذات معان متضامنة يكمل بعضها بعضا، وقد يدلّ الوجه على ما لا يدلّ عليه أخوه، ولكنه لا ينافره ولا يضادّه، بل يمنحك معنى جديدا يضيء لك سبيل التفسير.
ثم إن هذه الوجوه كما سنرى يسيرة قليلة، وهي لا تشبه في شيء اختلاف الأمم الأولى في كتبها، لا شكلا ولا مضمونا.
فمن حيث الشكل يختلف أهل الكتاب في إثبات أسفار بحالها أو إسقاطها، ربما تتجاوز عدتها عشرات الصفحات، فأين ذلك مما نحن فيه من إثبات فتحة أو ضمة، أو واو أو فاء، أو فتح أو إمالة، أو إدغام أو إظهار.
ومن حيث المضمون فإن اختلافهم في ثبوت الأسفار ينتج عنه تبدل عقائد كاملة، ونقض أول النصوص لآخرها، وآخرها لأولها، واتّهام قوم لقوم بالعبث والهوى والتّحريف والتّبديل، فأين ذلك مما نحن فيه من تكامل المعاني بوجوه القراءات المتواترة المشروعة، وتآزر الوجوه جميعا على إثبات غايات التّنزيل ومقاصده، وتلقي سائر القرّاء وجوه القراءة المتواترة جميعها بالقبول والاحترام، والاتّفاق بينهم أن سائر ما في الصحف تنزيل من الوحي الأمين، ما لأحد فيه أدنى اجتهاد أو اختراع.
стр. 108
وقد أوردنا هذه المقدمة البسيطة على سبيل التذكير، وقد سبق القول في هذا المعنى في الفصول الخاصة بتاريخ القراءات، وأسانيدها، وفرشياتها، فيمكن مراجعة التفصيل هناك، ولنشرع الآن في المقصود.
تمهيد في تصنيف الأحكام الشرعية الناشئة من اختلاف القراءات المتواترة:
يمكن إجمال الأحكام الشرعية التي تنشأ من اختلاف القراءات في نوعين اثنين:
١ - أحكام اعتقادية.
٢ - أحكام عملية.
ويندرج تحت الأولى ما يلزم المكلّف اعتقاده من أحكام الوحدانية، والنّبوات، والغيبيّات، وفق ما جرى عليه علماء التوحيد.
ويندرج تحت الثانية ما يلزم المكلّف اتّباعه من الأحكام الفقهية العملية من عبادات، ومعاملات، وأحكام نكاح، وحدود، وجهاد، وفق ما جرى عليه علماء الفقه.
وسنجري في استقصائنا هنا على وفق هذا التّقسيم، حيث نخصّص لكل واحد من النّوعين فصلا، ولكل فصل مباحث متعددة.
وقبل البدء في استقصاء هذه الأحكام نقدّم هذا الجدول التّفصيلي لسائر المسائل الشرعية التي تنتج عن اختلاف القراءات المتواترة.
стр. 109
جدول إحصائي بالأحكام الشرعية ([الأحكام الاعتقادية])
التي تنتج من اختلاف القراءات المتواترة، وهو فصلان:
الفصل الأول الأحكام الاعتقادية م/ الرسم المصحفي/ الوجه الغائب/ عنوان المسألة (وفق قاعدة إعمال سائر القراءات المتواترة) ١ - / ملك يوم الدين/ ملك/ جواز تسمية المولى بالملك والمالك ٢ - / وإذ واعدنا موسى/ وإذ وعدنا/ يكون من الله سبحانه الوعد والمواعدة ٣ - / ولكل وجهة هو مولّيها/ مولّاها/ الله يولي العبد وجهته، والعبد يتولى ما أراد له الله ٤ - / ولولا دفع الله الناس/ دفاع/ يكون من الله سبحانه الدفع والدفاع ٥ - / إنّ الدين عند الله الإسلام/ أن الدين/ الإسلام هو الدين عند الله بتقريره سبحانه، وبشهادة الملائكة ٦ - / وكلمة الله هي العليا/ وكلمة/ كلمة الله هي العليا، وقد يزيدها الله علوا ٧ - / فالله خير حافظا/ حفظا/ من أسمائه سبحانه الحافظ ٨ - / ولا يشرك في حكمه أحدا/ ولا تشرك/ وحدانية الله سبحانه أمر تكويني وتكليفي ٩ - / وما كنت متّخذ المضلّين عضدا/ وما كنت/ لا يتخذ الله سبحانه ولا الرسول ﷺ أعوانا من المضلّين ١٠ - / هنالك الولاية لله الحق/ الولاية/ لله سبحانه على عباده الولاية والولاية ١١ - / لأهب لك غلاما/ ليهب/ يجوز نسبة الأفعال إلى غير الله مجازا ١٢ - / إن الله يدافع عن الذين آمنوا/ يدفع/ معونة الله للمؤمنين تكون دفعا ودفاعا ١٣ - / ليعلم أن قد أبلغوا/ ليعلم/ الله سبحانه يكشف بعض الغيب لرسله ليعلم الناس صدقهم، وليعلم الله امتثالهم
стр. 110
م/ الرسم المصحفي/ الوجه الغائب/ عنوان المسألة ١٤ - / ما ننسخ من آية أو ننسها/ ننسأها/ لله سبحانه أن ينسخ آياته، وأن يؤجلها كذلك ١٥ - / ولا تسئل عن أصحاب الجحيم ولا تسأل/ الرسول غير مسئول عن الكفار بعد إنذارهم، فلا ينبغي أن يسأل عنهم ١٦ - / وإذ أخذ الله ميثاق النّبيين لما/ صار النّبيّون أهلا للميثاق بسبب ما آتاهم آتيتكم من كتاب وحكمة/ لما آتيناكم/ الله من الكتاب والحكمة، وقد أتاهم ذلك ليؤمنوا بنبي آخر الزمان ١٧ - / وما يفعلوا من خير فلن/ العمل الصالح له أجر صالح، سواء صدر من يكفروه/ تفعلوا/ أهل الكتاب المؤمنين، أو من الأمة المحمدية ١٨ - / وما كان لنبي أن يغلّ/ يغل/ النّبي لا يغلّ ولا يغلّ ١٩ - / وليحكم أهل الإنجيل/ وليحكم/ أنزل الله الإنجيل ليحكم الناس به، فعلى أهل الإنجيل أن يحكموا بما أنزل الله فيه ٢٠ - / هل يستطيع ربّك/ تستطيع ربّك/ الحواريون يستفسرون عن قدرة الله، ويحثّون عيسى ابن مريم على الطلب منه سبحانه ٢١ - / والسابقون الأولون من/ والأنصار/ سائر الأنصار، وخاصة السابقون الأولون منهم المهاجرين والأنصار/ تشملهم رحمة الله ورضوانه ٢٢ - / إنه عمل غير صالح/ عمل غير/ قد يظهر من الأنبياء عمل غير صالح، وكذلك من أبنائهم ٢٣ - / وظنّوا أنهم قد كذبوا/ كذّبوا/ تبلغ الرسل حدّا بليغا من صدود الناس، وإعراضهم؛ حتى تسوء ظنونهم بمن صدّقهم، وبمن كفر بهم ٢٤ - / فناداها من تحتها/ من تحتها/ الملاك يكون تحت مريم، ومريم تسمع النداء من تحتها ٢٥ - / فظنّ أن لن نقدر عليه/ أن لن يقدر/ قد يلقي الشيطان في نفوس الأنبياء ظن السوء، فيدفع الله ذلك ٢٦ - / رسول الله، وخاتم النّبيين/ وخاتم/ الرسول ﷺ زينة الأنبياء، وهو آخرهم ٢٧ - / وقيله يا ربّ/ وقيله/ الله سبحانه عليم بصبر النّبي ﷺ ، ويتهدد المشركين بالحساب والعذاب ٢٨ - / لا تقدّموا بين يدي الله ورسوله لا تقدّموا/ النهي عن التقدم على النّبي ﷺ شكلا ومضمونا ٢٩ - / وما هو على الغيب بضنين/ بظنين/ نفي تهمة كتم الوحي، وتهمة الظن عن النّبي ﷺ ٣٠ - / لتركبنّ طبقا عن طبق/ لتركبنّ/ الله سبحانه يخبر أن الناس يتقلبون من حال إلى حال، ويبشر النّبي ﷺ بأنه سير تقي أطباق السموات
стр. 111
م/ الرسم المصحفي/ الوجه الغائب/ عنوان المسألة ٣١ - / فأزلّهما الشيطان عنها/ فأزالهما/ يجوز نسبة فعل الإزالة إلى الشيطان على سبيل المجاز ٣٢ - / وما يشعركم أنها إذا جاءت/ إنها إذا جاءت/ التأكيد على أن المشركين لن يؤمنوا؛ ولو جاءتهم الآيات ٣٣ - / دينا قيما ملة إبراهيم/ قيّما/ الإسلام هو الدين المستقيم الذي ينبغي أن تقوم له وجوه الموحدين ٣٤ - / هنالك تبلو كل نفس ما أسلفت/ تتلو/ الإنسان يوم القيامة يبلو ما أسلف، ويتلو ما أسلف ٣٥ - / لا جرم أن لهم النار وأنهم مفرطون/ مفرّطون/ الكفار فرّطوا في دينهم، ففرّط الله بهم يوم القيامة ٣٦ - / ما كان ينبغي لنا أن نتخذ أن نتخذ/ من عبد من دون الله على غير إرادة منه؛ لم يؤاخذ إن أخلص التوحيد ٣٧ - / دابّة من الأرض تكلّمهم أن تكلّمهم إنّ/ يجب الاعتقاد بخروج الدّابة، ويجب الاعتقاد بأنها الناس كانوا/ تتكلم مع الخلق ٣٨ - / لا يسّمّعون إلى الملأ الأعلى/ لا يسمعون/ نفي السماع والاستماع إلى الملأ الأعلى من قبل الشياطين ٣٩ - / الملائكة الذين هم عباد الرحمن عند الرحمن/ الملائكة عند الله وهم عباده ٤٠ - / وقد أخذ ميثاقكم/ أخذ/ الميثاق الذي أخذ على المؤمنين موثق بنسبته إلى الله ٤١ - / يوم القيامة يفصل بينكم/ يفصّل/ الله سبحانه يفصل بين العباد يوم القيامة، ويفصّل لهم أعمالهم ٤٢ - / ذو العرش المجيد/ المجيد/ الله سبحانه مجيد، وعرش الله مجيد ٤٣ - / في لوح محفوظ/ محفوظ/ القرآن محفوظ في اللوح، واللوح محفوظ بأمر الله ٤٥ - / ولا تظلمون فتيلا/ ولا يظلمون/ الله سبحانه لا يظلم المؤمنين، ولا يظلم المنافقين ٤٦ - / إن الذين فرّقوا دينهم/ فارقوا/ النّبي ﷺ بريء ممن فرّق الدين، وممن فارق الدين ٤٧ - / أمرنا مترفيها/ آمرنا/ إذا أراد الله هلاك القرى أمر المترفين بالفساد، وأعانهم على التآمر فاستوجبوا الهلاك ٤٨ - / وجعلنا لمهلكهم موعدا/ لمهلكهم/ يكون هلاك القرى بسبب مقدر، وزمن مقدر ٤٩ - / من الذين فرّقوا دينهم وكانوا شيعا/ فارقوا/ من فرّق الدين، أو فارق الدين؛ فهو من المشركين ٥٠ - / وصدّ عن السبيل/ وصدّ/ صدّ الله فرعون عن الهدى، وقام فرعون بصدّ الناس عن سبيل الله
стр. 112
م/ الرسم المصحفي/ الوجه الغائب/ عنوان المسألة ٥١ - / سواء محياهم ومماتهم/ سواء/ لن يجعل الله المتقين والفساق سواء، فالفساق يستوي محياهم ومماتهم لأنه لا فائدة منهم ٥٢ - / فهل عسيتم إن تولّيتم/ تولّيتم/ يجب أن يحذر الإنسان من الإفساد في الأرض؛ خاصة إذا ولي شئون الناس ٥٣ - / لا يلتكم من أعمالكم شيئا/ يألتكم/ الله سبحانه يجزي المحسنين أجرهم دون إنقاص ٥٤ - / ولا تفرحوا بما آتاكم/ أتاكم/ على المؤمنين أن لا يفرحوا بالنّعم فرحا يطغيهم
стр. 113
[جدول إحصائي بالأحكام الشرعية] الأحكام الفقهية
الفصل الثاني الأحكام الفقهية م/ الرسم المصحفي/ الوجه الغائب/ عنوان المسألة ٥٥ - / وامسحوا برءوسكم وأرجلكم/ وأرجلكم/ جواز المسح على الخفين، ووجوب غسل الأرجل ٥٦ - / ولا تقربوهنّ حتى يطهرن/ يطّهّرن/ وجوب اعتزال النساء حتى يطهرن، واستحباب تطهّرهن قبل الغشيّ ٥٧ - / أو لامستم النساء/ لمستم/ وجوب الوضوء من لمس النساء، ومن ملامستهن ٥٨ - / ونصفه وثلثه/ ونصفه/ النبي ﷺ يقوم نصف الليل، وأدنى من نصف الليل ٥٩ - /ماذا ينفقون قل العفو/ قل العفو/ قل لهم يا محمد: أنفقوا العفو، فالعفو هو المطلوب في الصدقة ٦٠ - / واتّخذوا من مقام إبراهيم مصلّى/ واتّخذوا/ الناس يتّخذون من مقام إبراهيم مصلى، والمولى سبحانه يزكي ذلك ويأمر به ٦١ - / فدية طعام مسكين/ مساكين/ فدية الإفطار طعام مسكين عن كل يوم، وهكذا فبعدد الأيّام إطعام مساكين ٦٢ - / أجعلتم سقاية الحاج/ سقاة/ سقاة الحجاج لا ينفعهم عملهم بدون إيمان، فالسقاية عمل صالح إن كان معه إيمان ٦٣ - / وعمارة المسجد الحرام/ وعمرة/ الرجال الذين عمروا البيت، وإعمارهم له لا يعدل الإيمان ٦٤ - / فجزاء مثل ما قتل من النّعم/ فجزاء مثل/ جزاء الصائد أن ينحر مثل ما قتل من الأنعام؛ بتقدير ذوي عدل، فإن لم يوجد له مثل فليحكم به ذوا عدل منكم ٦٥ - / ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا/ ليقضوا- وليوفوا- غرض الحج أن يقضوا تفثهم، ويوفوا نذورهم، نذورهم وليطوّفوا/ وليطوّفوا/ ويطوفوا بالبيت فليفعلوا ذلك
стр. 114
م/ الرسم المصحفي/ الوجه الغائب/ عنوان المسألة ٦٦ - / والذين عقدت أيمانكم فآتوهم عاقدت/ الحليف يستحق نصيبه إن انعقد حلفه بالتعاقد، نصيبهم/ أو بمحض يمينك ٦٧ - / وما آتيتم من ربا ليربو/ أتيتم/ فعل الرّبا، وإيتاؤه حرام في أموال الناس ٦٨ - / ليربو في أموال الناس/ لتربو/ الرّبا حرام، سواء ربا بقصد الرّبا، أو بدون قصد م/ الرسم المصحفي/ الوجه الغائب/ عنوان المسألة ٦٩ - / إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله أن يخافا/ المخالعة تحلّ من الزوجين إن خافا ألا يقيما حدود الله، وتطلب من الأولياء؛ إذا خشي على الزوجين ألا يقيما حدود الله ٧٠ - / ومتّعوهن على الموسع قدره/ قدره/ الموسع والمقتر يمتعان كل بحسب قدره وقدره ٧١ - / لا يحلّ لكم أن ترثوا النساء كرها/ كرها/ تحريم إرث النساء كرها، وكرها ٧٢ - / إلا أن يأتين بفاحشة مبيّنة مبيّنة/ إذا ظهرت الفاحشة من المرأة جاز عضلها، سواء كانت الفاحشة مبيّنة أو مبيّنة ٧٣ - / قانتات حافظات للغيب بما/ حفظ الله/ المؤمنات يحفظهن الله بحفظه، وهن يحفظن أمر الله حفظ الله/ في سلوكهن ٧٤ - / أو التابعين غير أولي الإربة من غير أولي/ لا حرج في إبداء الزينة للتابعين الموصوفين، الرجال/ أو المختصين بأنهم غير أولي الإربة من الرجال ٧٥ - / وقرن في بيوتكن/ وقرن/ نساء النبي ﷺ مأمورات بالقرار في البيوت، والوقار فيها م/ الرسم المصحفي/ الوجه الغائب/ عنوان المسألة ٧٦ - / قل فيهما إثم كبير/ اثم كثير/ في الخمر إثم كبير وكثير ٧٧ - / فإذا أحصنّ فإن أتين بفاحشة/ أحصنّ/ الإماء إذا زوجن أو تزوجن، فأتين إثما، فعقوبتهن فعليهن نصف/ نصف عقوبة الحرائر ٧٨ - / أن النفس بالنفس والعين بالعين/ والعين بالعين/ القصاص وفق العين بالعين؛ شرع من قبلنا، وهو مستأنف علينا أيضا ٧٩ - / أنّ غضب الله عليها إن كان من أن غضب الله/ يجب أن تعلم الملاعنة أنّ غضب الله سينزل بها إن الصادقين/ صدق زوجها، بل إنه قد غضب فعلا
стр. 115
م/ الرسم المصحفي/ الوجه الغائب/ عنوان المسألة ٨٠ - / ولا تقاتلوهم عند المسجد/ لا يجوز قتال المشركين، ولا قتلهم عند المسجد الحرام/ ولا تقتلوهم/ الحرام إلا إن
بدءونا بالقتال فيه ٨١ - / ادخلوا في السّلم كافة/ في السّلم/ وجوب دخول المسلمين في السّلم وفي السّلم ٨٢ - / وإن تصبروا وتتقوا لا يضرّكم/ لا يضركم/ الله سبحانه أكرم عباده الصابرين بأنهم لا يصيبهم كيدهم شيئا/ ضرر ولا ضير ٨٣ - / ولا تقولوا لمن ألقى إليكم/ إذا ألقى رجل إلينا السلام أو السّلم، فلا يجوز أن السلام/ السّلم لست/ نتهمه بعدم الإيمان ٨٤ - / وإن تلووا أو تعرضوا/ تلوا أو تعرضوا/ ليّ الواجد ظلم، والوالي محاسب عند الله ٨٥ - / لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم والكفار/ يحرم تولي الكفار سواء اتخذوا ديننا هزوا ولعبا أو لا هزوا ولعبا من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار أولياء ٨٦ - / والذين آمنوا ولم يهاجروا/ ليس للمسلم ولاية، ولا ولاية على المسلمين حتى يهاجر ما لكم من ولايتهم من شيء/ من ولايتهم ٨٧ - / إنهم لا أيمان لهم/ لا إيمان لهم/ ليس للمشركين إيمان ولا أيمان ٨٨ - / أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا/ يقاتلون/ يؤذن للمسلمين بالجهاد إن قاتلوا أو قوتلوا في سبيل الله ٨٩ - / فلا تهنوا وتدعو إلى السّلم/ إلى السّلم/ لا يدعو المسلمون إلى التسليم، ولا إلى الاستسلام ٩٠ - / واتقوا الله الذي تساءلون به/ والأرحام/ اتقوا الأرحام أن تقطعوها، واذكروا أن بعضكم والأرحام/ يسأل بعضا بالأرحام نظرا لمنزلتها بينكم ٩١ - / ولكن يؤاخذكم بما عقّدتم الأيمان/ عقدتم/ المرء مؤاخذ باليمين إذا عقده أو عقّده المبحث السادس: الأقضية ٩٢ - / إن جاءكم فاسق بنبإ فتبيّنوا/ فتثبّتوا/ على القاضي أن يتبين ويتثبت في الحكم
стр. 116
الفصل الأول الأحكام الاعتقادية
تمهيد في طبيعة الخلافات في الأحكام الاعتقادية:
مرّ بك في الجدول السالف أن المسائل الاعتقادية التي يدل لها تعدد القراءات منحصرة في أربع وخمسين مسألة تتوزع على الشكل الآتي:
المطلب الأول: ثلاث عشرة مسألة في الإلهيات.
المطلب الثاني: سبع عشرة مسألة في النّبوّات.
المطلب الثالث: ثلاث عشرة مسألة في الغيبيّات.
المطلب الرابع: إحدى عشرة مسألة في العمل والجزاء.
وهذا الاختلاف في القراءات أكسب المفسرين فوائد جمة، وأضاء كثيرا من المعاني المجملة في الآيات، وأذن بفهم بعض النصوص فهما لا تدل له القراءة الواحدة.
ومن المعلوم أن مباحث الاعتقاد لا سبيل إليها إلا بالتواتر، قرآنا أو سنّة، ولذلك فإنّ استجلاء القراءات المتواترة التي تدلّ على أبواب العقيدة من آكد الفروض على الأمّة؛ لأنّها أدقّ السّبل لبلوغ عقيدة الحق التي أذن بها الله .
وقد أثبتّ لك الآية كما هي في رسم المصحف، ثم أوردت وجوه القراءات المتواترة عليها، ثم عطفت بإيراد أقوال الأئمة في دلالة الآية وفق وجوه القراءة المختلفة.
وقد اعتمدت في هذا الفصل على المفسرين من علماء العقيدة كالإمام الفخر الرازي، والإمام ابن كثير، واختيارات القرطبي في جامعه فيما يتصل بأبواب العقائد، وكذلك استعنت بالكتب المصنّفة في الاحتجاج للقراءات، وقد أشرت لكلّ منهم في الحاشية لدى النقل عنه، ثم مضيت في التأليف بين أقوالهم بما يحقق الفائدة المتوخاة من تحصيل وجوه القراءة المختلفة.
стр. 117
ولم أورد من القراءات إلا ما كان متواترا، إلا ما كان في المسألة الأولى، فقد أوردته استئناسا أردت به التنويه إلى وجود نقل غير متواتر في كثير من الآي، ولكن ليس لهذا النقل وزن في المسائل الشرعية.
تمهيد في علاقة القراءات بالمحكم والمتشابه:
وقبل الخوض في أثر القراءات المتواترة في الأحكام الشرعية من المفيد أن نعرض هنا لمسألة المحكم والمتشابه وعلاقته بالقراءات، حيث يتبادر إلى الأذهان أن ما اختلفت فيه القراءات من النّص القرآني إنما هو من المتشابه، وأن الأسلم في تأويله أن يفوض علمه إلى الله سبحانه وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ، وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ، كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا [آل عمران: ٣/ ٦].
ولا بدّ قبل الخوض في هذه المسألة من تحديد معنى المحكم والمتشابه لدى الأصوليين.
فالمحكم هو الواضح الدلالة، الظاهر الذي لا يحتمل النّسخ. والمتشابه هو الخفي الذي لا يدرك معناه عقلا ولا نقلا، وهذا التعريف هو المختار عند الحنفية كما نقله الآلوسي (١).
واختار الأصوليون أن المحكم هو ما لا يحتمل إلا وجها واحدا من التأويل، أما المتشابه فهو ما احتمل أوجها، وقد رفع هذا القول إلى ابن عباس (٢).
وثمة اختيارات أخرى في تعريف المحكم والمتشابه، مؤداها إلى واحد من الرأيين السالفين، ولعل أجمع هذه التعريفات ما فصله السرخسي في أصوله بقوله:
المتشابه: هو ما خفي باللفظ نفسه، وانقطع رجاء معرفة المراد منه لمن اشتبه عليه، فأصبح لا يرجى إدراك معناه أصلا (٣).
стр. 118
وقد وردت الإشارة في التنزيل العزيز إلى المحكم والمتشابه، ففيه ما يشير إلى أن الكتاب العزيز كله محكم:
الر* كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ [هود: ١١/ ١ - ٢].
وفيه ما يشير إلى أن الكتاب العزيز متشابه:
اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ [الزّمر: ٣٩/ ٢٣].
وفيه ما يشير إلى أن الكتاب منه محكم ومنه متشابه:
هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ، وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ [آل عمران: ٣/ ٧].
وليس بين هذه الثلاثة أدنى تعارض، فمعنى إحكامه في الآية الأولى أنه منظم ومتقن، كأنه بناء مشيد أحكم الله سبحانه نظمه وقرآنه وبيانه.
ومعنى تشابهه في الآية الثانية أنه على نسق واحد في الإعجاز والفصاحة والبلاغة والبيان، يشبه بعضه بعضا من جهة أنه في سائره تنزيل من حكيم حميد، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وأما أن بعضه محكم وبعضه متشابه، فمعناه أن من القرآن ما اتّضحت دلالته على مراد الله تعالى منه، ومنه ما خفيت دلالته على هذا المراد الكريم، فالأول هو المحكم، والثاني هو المتشابه.
وجرى العمل لدى الأصوليين على إطلاق الحكم في مقابلة المتشابه تارة، وفي مقابلة المنسوخ تارة أخرى.
فمما جاء في التنزيل العزيز من مقابلة النسخ بالإحكام:
стр. 119
فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [الحج: ٢٢/ ٥٢].
ومما جاء في التنزيل من مقابلة النسخ بالتشابه:
هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ [آل عمران: ٣/ ٧].
وقد ثبت بالاستقراء أن آيات الأحكام ليس فيها متشابه، بل هي جميعا مما أحكم من الكتاب (١)، وما كان منها غير واضح الدلالة فإنه يكشف إبهامه، ويظهر خفاؤه، ويفصل إجماله بالأدلة الشرعية من الكتاب والسّنة ووسائل الاستدلال بهما.
وهناك طريقتان عند علماء الكلام والتوحيد لمعرفة حكم المتشابه، اشتهرت الأولى عن السّلف، واشتهرت الثانية عن الخلف.
فطريقة السلف: الامتناع عن التأويل، مع الاعتقاد بحقية المراد الإلهي، والتسليم بمراد الشارع منه، ودليلهم قول الله سبحانه: وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ، وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ [آل عمران: ٣/ ٧]، وذلك على تحتم الوقف بعد لفظ الجلالة، فتكون معرفة تأويله مقصورة على المولى سبحانه، لا يقدر أن يحيط بها من خلقه أحد، فالحكم الأصولي عندهم هو التوقف عن التأويل، مع اعتقاد أن قول الله حق، وتفويض علم ذلك إلى الله تعالى بدون بحث في تأويله.
وطريقة الخلف: تأويل المتشابه بما يوافق اللغة، ويلائم تنزيه الله سبحانه عما لا يليق به،
стр. 120
فعلى سبيل المثال: نزول الله سبحانه إلى سماء الدنيا متشابه، لإيهامه التّحول في الذّات العليّة، ووصفه باليد والعين والاستواء متشابه لإيهامه مشابهة الحوادث، وتقرير أنه في السماء متشابه لأنه يتعارض مع كونه بكل شيء محيط، وهكذا ...
ولا يخفى أن منشأ تخالف الطريقتين؛ إنما هو الاضطراب في تحديد الوقف في الآية، فقد اختار السلف الوقف عند لفظ الجلالة كما بيّنّا، واختار الخلف عدم الوقف، واعتبار الواو عاطفة، على أساس أن الله سبحانه علم الراسخين في العلم أمر تأويله، فهم به عارفون (١).
وقد نقل هذا القول عن الصحابي الجليل ابن عباس، كما في الطبري أن ابن عباس كان يقول: أنا من الراسخين في العلم، وأنا أعلم تأويله (٢).
ولكن نقل الطبري نفسه عن ابن عباس أيضا أنه قرأ: (وما يعلم تأويله إلّا الله ويقول الرّاسخون في العلم آمنّا به) (٣)، فتكون قراءته بذلك بمثابة الجزم بأن علم المتشابه محصور في المولى سبحانه، وعلى العباد التّسليم، والله أعلم.
وقد اختار صاحب كتاب (أصول الفقه الإسلامي) مذهب السلف، والقول بالتسليم والتّفويض لله بمراده، وأشار إلى أنه لا يترتب على هذا الخلاف نتيجة عملية، ولا صلة لهذا البحث بالأحكام الشرعية (٤).
ونشير هنا إلى أن التّفويض غنية المؤمن، وفيه سلامة اعتقاده، وتمام أدبه مع الله ، ولكن إذا عرضت للمرء الشّبهات، أو قصد بيان العقيدة الإسلامية لأهل الشكوك، فإنه لا مندوحة من التأويل الدافع لإيهام التناقض، ويكون المؤول حينئذ يدفع الفتنة لا يبتغيها، فلا يكون مشمولا بقوله سبحانه: فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ [آل عمران: ٣/ ٧].
стр. 121
وتجد اختصار هذه المعاني جميعا في عبارة الأصوليين:
(مذهب السلف أسلم، ومذهب الخلف أحكم، والله سبحانه أعلم) (١).
وبعد الذي قدمته لك من مذاهبهم في التّشابه والإحكام، فإنه ظهر لك أن أمر اختلاف القراءات في آيات الأحكام ليس من باب التشابه، بل إن القراءات المتواترة في الآية الواحدة سبيل إلى دفع التّشابه المتوهم فيها.
ومن الأمثلة الظاهرة على أن تواتر القراءة يدفع توهم التّشابه ما يلي (٢):
قوله تعالى: وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيها (٣) [البقرة: ٢/ ١٤٨].
الظاهر فيها استلاب التّكليف من العبد، وقد دفع هذا الظاهر بالقراءة المتواترة:
(ولكلّ وجهة هو مولّاها) (٤).
قوله تعالى: لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ (٥) [الجن: ٧٢/ ٢٨].
الظاهر فيها تعليل مجريات الأحداث بقصد اطلاع المولى على صنيع أنبيائه، فدفع هذا التّوهم بالقراءة المتواترة: (ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربّهم) (٦).
قوله تعالى: حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا (٧) [يوسف: ١٢/ ١٠٩].
الظاهر فيها أن الرّسل ظنّوا أن الوحي الإلهي كذبهم، فدفع هذا التّوهم بالقراءة المتواترة:
وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا (٨).
стр. 122
قوله تعالى: وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ (١) [الأنبياء: ٢١/ ٨٧].
الظاهر فيها أن ذا النّون ﵇ ظنّ أنه أعجز الله بهربه، فدفع هذا التّوهم بالقراءة المتواترة: فظن أن لن يقدر عليه (٢)، أي من قبل قومه.
وتجد لذلك أمثلة كثيرة حين تخوض في الباب الآتي المخصص لأثر القراءات المتواترة في الأحكام الشرعية.
ولكن يرد هنا سؤال: هل يتعيّن هنا أن نأخذ بالقراءة المتواترة المجلية للتّوهم، ونطرح القراءة المتواترة الأولي التي ينشأ منها التّشابه؟
والجواب: إن هذا لا مساغ له البتة، وقد بسطنا القول في صدر هذه الرسالة في وجوب اعتقاد المتواتر كله تنزيلا إلهيّا، ولكن تقبل القراءة التي جلا فيها المعنى على أنها آية محكمة، وتقبل القراءة التي خفي فيها المعنى على أنها من المتشابه الذي يفوض علمه إلى الله تعالى.
هذا وإن علماء التفسير لم يسلّموا لآية بعينها بأنها من المتشابه، بل جرت أقلامهم في تفسير سائر التنزيل، وحملوه على وجوه يدفع فيها التناقض، بوسائل مختلفة من الخبر واللغة والرأي، وهو ما تجده في ثنايا هذه الدراسة.
стр. 123
المبحث الأول الإلهيّات
المسألة الأولى:
قوله تعالى: ملك يوم الدين [الفاتحة: ١/ ٤].
قرأ عاصم والكسائي ويعقوب وخلف: مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ، وقرأ الباقون بغير ألف:
ملك يوم الدين.
وليس في هذا الموضع من المتواتر إلا هذان الوجهان (١).
وقد احتجّ أبو زرعة للقولين في كتابه حجة القراءات، فنقل عن أصحاب القصر احتجاجهم بنظائر ذلك في الكتاب العزيز: يُسَبِّحُ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ [الجمعة: ٦٢/ ١]، وكذلك: مَلِكِ النَّاسِ* إِلهِ النَّاسِ [النّاس: ١١٤/ ٢ - ٣]، فَتَعالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ [المؤمنون: ٢٣/ ١١٦]. فهذه كلها تقرأ عند الكل بالقصر، وكان أبو عمرو البصري (٢) يقول: «ملك تجمع مالكا، ولكن مالك لا تجمع ملكا»، وهو ما عبّر عنه أبو عبيد القاسم بن سلام (٣) بقوله: «إن كل ملك مالك، وليس كل مالك ملكا»، وكان أبو عمرو يقول: «هلا قلتم: فتعالى الله المالك الحق؟» (٤).
стр. 124
وأضاف أبو زرعة إلى حجج من روى بالقصر حججا أخرى تدل أنه كان يرى هذا الرأي إذ لم ينسبها لقائل بعينه فقال:
«وحجة أخرى وهي أن وصفه بالملك أبلغ في المدح من وصفه بالملك، وبه وصف نفسه سبحانه؛ فقال: لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ فامتدح بملك ذلك، وانفراده به يومئذ، فمدحه بما امتدح نفسه به حق وأولى من غيره، والملك إنما هو من ملك لا من مالك، لأنه لو كان منه لقال:
(الملك اليوم؟) بكسر الميم (١).
وقال ابن الجوزي: وقراءة ملك أظهر في المدح؛ لأن كل ملك مالك، وليس كل مالك ملكا (٢).
ثم أورد حجة من قرأ بالمدّ فنقل عنهم قولهم: «إن مالكا يحوي الملك ويشتمل عليه ويصير الملك مملوكا لقوله جلّ وعزّ: قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ [آل عمران: ٣/ ٢٦]، فقد جعل الملك للمالك، فصار مالك أمدح» (٣).
واستدلّ كذلك بأن شاعرا جاء إلى النّبي ﷺ يشكو امرأته فقال: «يا مالك الملك، وديّان العرب»، فقال النّبي ﷺ : «مه! ذلك الله» (٤).
ويستدلّ كذلك من قرأ بالمدّ، بأن قراءة المدّ فيها زيادة حرف، وزيادة المبنى تدلّ على زيادة المعنى غالبا، كذلك فإنها تفيد في زيادة الحسنات، إذ تعهد الله لقارئ القرآن لكل حرف بعشر حسنات، وهذه الآية العظيمة في سورة الفاتحة، وهي مما يتكرر في كل ركعة، وفي أحوال كثيرة، فتكون زيادة هذه الألف، وقد ثبتت بالتواتر أرجى في تحصيل الحسنات (٥).
ونشير إلى أن لفظة (مالك) هنا رويت في المتواتر بوجهين اثنين كما أسلفنا، ولكنها
стр. 125
رويت أيضا على ثلاثة عشر وجها آخر، فيكون مجموع ما قرئت به خمسة عشر وجها، ونوردها هنا لتكون إشارة تدلّ لغيرها أن في قراءات الآحاد والشّواذ وجوها كثيرة لا يصلح أن تهمل فتفوت منها فوائد كثيرة:
١ - مالك: قرأها عاصم، والكسائي (١)، وكذلك يعقوب، وخلف بن هشام القارئ (٢).
٢ - ملك: قرأها نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، وحمزة (٣).
٣ - ملك: رويت عن عائشة، وسعد بن أبي وقاص (٤).
٤ - ملك: رويت عن أنس بن مالك (٥).
٥ - مالك: رويت عن أبي هريرة، وقرأ بها الأعمش، والمطوعي (٦).
٦ - ملك يوم: رويت عن علي بن أبي طالب، وقرأ بها يحيى بن يعمر (٧)، وقرأ بها أبو حنيفة (٨).
٧ - ملك: قرأ بها الشعبي، وأبو عثمان النّهدي (٩).
٨ - ملك: رويت عن أبي هريرة، وقرأ بها عاصم الجحدري (١٠).
٩ - مالك يوم: رويت عن عمر بن عبد العزيز، وقرأ بها عون بن أبي شداد العقيلي (١١).
١٠ - مالك يوم: قرأ بها أبو عبيد، وعون العقيلي بن أبي شداد (١٢).
стр. 126
١١ - مليك: رويت عن أبي بن كعب، وقرأ بها أبو رجاء العطاردي (١).
١٢ - ملكا يوم: قرأ بها ابن أبي عاصم (٢).
كما رويت: ملّاك وملك، ولم تنسب لقائل بعينه (٣)، أضف إلى ذلك ما روي عن الكسائي، ويحيى بن يعمر من إمالتها (٤).
وثمرة الخلاف:
أن الله يوصف بالملك ويوصف بالمالك، وكلاهما من أسمائه الحسنى سبحانه، قال اللقاني في الجوهرة (٥):
وعندنا أسماؤه العظيمة ... كذا صفات ذاته قديمة
واختير أن اسماه توقيفيّة ... كذا الصفات فاحفظ السمعيه
فالقراءتان نص توقيفي في جواز إطلاق اسم المالك والملك على الله (٦).
والحقّ أن ذلك ليس حكما استقلّت به هذه الآية، بل هو توكيد لنصوص أخرى ظاهرة في القرآن الكريم، منها قوله سبحانه:
قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ [آل عمران: ٣/ ٢٦].
وقوله: هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ [الحشر: ٥٩/ ٢٣].
وإنما استقلّت هاتان القراءتان بجواز إضافة هذين الاسمين الجليلين إلى يوم القيامة، فتقول هو سبحانه: ملك القيامة، ومالك القيامة.
стр. 127
المسألة الثانية:
قوله تعالى: وَإِذْ واعَدْنا مُوسى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً [البقرة: ٢/ ٥١].
قرأ أبو عمرو يعقوب، وأبو جعفر: (وإذ وعدنا موسى) بغير ألف، وقرأ الباقون:
وَإِذْ واعَدْنا مُوسى (١).
وكذلك في سورة الأعراف: وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً [الأعراف: ٧/ ١٥١]، وفي سورة طه: وَواعَدْناكُمْ جانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ [طه: ٢٠/ ٨٢].
وقد احتجّ قارئا البصرة أبو عمرو، ويعقوب لقراءتها بأن المواعدة إنما تكون بين الآدميين، وأما الله فإنه المنفرد بالوعد والوعيد، واستدلّ أبو عمرو بقول الله : إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ [إبراهيم: ١٤/ ٢٣].
وحجة الجمهور أن المواعدة كانت من الله ومن موسى، فكانت من الله أن واعد موسى لقاءه على الطّور ليكلّمه ويكرمه بمناجاته، وواعد موسى ربّه المصير إلى الطّور لما أمره به (٢).
وثمرة الخلاف:
من الجانب الاعتقادي أن قراءة الجمهور دليل على جواز نسبة بعض الأفعال إلى العبد على سبيل المجاز، وإن كانت قد صدرت من الله وحده على سبيل الحقيقة.
ومع أن اعتقاد أهل الحق أن الله خالق أفعال العباد، ولكنه أذن هنا سبحانه بنسبة بعض الأفعال إلى العباد، وليس هذا المعنى مستقلّا في هذه الآية بل له نظائر كثيرة في القرآن الكريم.
стр. 128
وقد اجتمع الحقيقة والمجاز في قوله تعالى: وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ [الصّافّات: ٣٧/ ٩٦].
فنسب العمل إليهم بقوله: تعملون، ولكنه أخبر أنه سبحانه خلقهم وخلق أعمالهم.
والتّقدير: والله خلقكم، وخلق أعمالكم، وهذا مذهب أهل السّنة أن الأفعال خلق لله ، واكتساب للعباد، وفي هذا إبطال مذهب القدرية والجبرية (١).
وفي الجوهرة (٢):
فخالق لعبده وما عمل ... موفّق لمن أراد أن يصل
وخاذل لمن أراد بعده ... ومنجز لمن أراد وعده
وقد نهج بعض من انتصر لقراءة الجمهور بأن الألف هنا ليست للمفاعلة، بل الوعد من الله لا غير، نظير ما تقول: (طارقت نعلي وسافرت)، والفعل من واحد على ما تكلمت به العرب (٣)، كذلك تقول: خاطبت القوم، فتورد الألف هنا، ولا تريد بها المفاعلة، إذ المخاطبة منك وحدك، ومنهم الاستماع ليس إلا.
стр. 129
المسألة الثالثة:
قوله تعالى: وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيها [البقرة: ٢/ ١٥٧].
قرأ ابن عامر الشامي: (ولكلّ وجهة هو مولّاها) (١).
وقرأ باقي العشرة: وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيها (٢).
وحجة ابن عامر أن العبد يولي هذه القبلة، ولم ينسب الفعل إلى فاعل بعينه، وهذا أصفى في التوحيد، إذ المولى عزّ سلطانه هو المنفرد بالتدبير، فيكون الضمير (هو) كناية عن الاسم الذي أضيفت إليه لفظة (كل) وهو الفاعل، وحيث أقيم التركيب هنا مقام ما لم يسم فاعله، كان (هو) بمثابة نائب فاعل، والفاعل هنا هو الله سبحانه تصريحا.
وقرأ باقي العشرة هُوَ مُوَلِّيها أي متّبعها وراضيها، وحجتهم في ذلك ما روي عن مجاهد بن جبر: (ولكلّ وجهة هو موليها) أي لكل صاحب ملّة وجهة أي قبلة هو موليها أي مستقبلها (٣).
ولا شكّ أن ما عند الجمهور من تواتر أقوى مما يروى إلى مجاهد، ولكنهم أوردوه للاستئناس بما فيه من التأويل، وليس للإسناد إليه في الإقراء، وكذلك قال القاضي ابن العربي المالكي:
(وقرئ هو مولّاها، يعني المصلّي، والتقدير أن المصلّي هو موجه نحوها، وكذلك قيل في قراءة من قرأ هو موليها، إن المعنى أيضا هو متوجّه نحوها، والأول أصح في النظر، وأشهر في القراءة والخبر) (٤).
стр. 130
وثمرة الخلاف:
أن أي قبلة يتولاها العبد إنما تولاها بأمر الله وإرادته، فهو يولي وجهه إليها بإرادته مجازا، وبإرادة الله حقيقة، فهو مولّيها بإرادته وسعيه، ومولّاها بإرادة الله وأمره.
وهكذا فإن تصريح القرآن بوجود إرادة للعبد لا ينفي حقيقة أن الله سبحانه هو خالق الأفعال جميعا: وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ [الصّافّات: ٣٧/ ٩٦]، وهذا المعنى البديع، بما فيه من تأليف بين إرادة الله وإرادة العبد لا يظهر إلا من القراءتين جميعا؛ إذ لا تستقل بتبيانه واحدة منهما.
وأشير هنا أن هذا التأليف توافرت عليه الأدلة السمعية حيث نسب الفعل إلى العبد مجازا وإلى الله حقيقة، وزادته هاتان القراءتان توكيدا وظهورا.
وفي كتاب الله من المعنيين جميعا قوله سبحانه: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا وَما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدانَا اللَّهُ [الأعراف: ٧/ ٤٣]، فنسب الاهتداء إلى العبد مجازا فقال: (لنهتدي) ثم علّقه بإرادة الله سبحانه بقوله: وَما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدانَا اللَّهُ.
واختار الرازي الجصاص في تفسيره أن الآية دليل على صحة التوجه إلى جهة القبلة، إذ لا يتصور أن يصيب الناس في توجّههم من الآفاق عين الكعبة، فتكون الآية كالتيسير من المولى سبحانه لأهل الآفاق بقبول توجّههم، ولو لم يصيبوا عين الكعبة حقيقة (١).
ولا يخفى أن اختيار الجصاص هذا محلّه التأويل لا القراءة، لأنه وارد على كلا القراءتين، وقد تقدم قبل قليل الوجه الذي ساقه ابن العربي المالكي، وهو قريب من اختيار الجصاص (٢).
стр. 131
المسألة الرابعة:
- قوله تعالى: وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ [البقرة: ٢/ ٢٥١].
قرأ نافع وأبو جعفر ويعقوب: (ولولا دفاع الله النّاس) بالألف.
وقرأ الباقون: دَفْعُ اللَّهِ مصدر من (دفع دفعا) وحجتهم أن الله لا مدافع له، وأنه هو المنفرد بالدفع من خلقه، وكان أبو عمرو يقول (إنما الدفاع من الناس والدفع من الله)، وحجة نافع أن الدفاع مصدر من (دفع) كالكتاب من (كتب) كما قال: كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ فالكتاب مصدر ل (كتب) الذي دلّ عليه قوله: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ لأن المعنى: كتب هذا التحريم عليكم، ويجوز أن يكون مصدرا ل (فاعل) تقول: (دافع الله عنك الشيء) (يدافع مدافعة ودفاعا)، والعرب تقول: أحسن الله عنك الدفاع، ومثل ذلك (عافاك الله)، ومثل (فاعلت) للواحد كثير، قال الله: قاتَلَهُمُ اللَّهُ (١) [التّوبة: ٩/ ٣٠].
وثمرة الخلاف:
جواز أن يقال: دفاع الله للناس لوجود القراءة المتواترة، وإن هذا المعنى مقرر في آيات أخرى لم تستقلّ به هذه الآية وحدها، كما في قوله سبحانه: قاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ.
وعليه فإن قراءة (دفاع) تأتي كالإذن بجواز إضافة ألف المفاعلة، لما حقّه أن يصدر عن الذات الإلهية وحدها، وذلك على سبيل المشاكلة والتّنبيه إلى فساد قصدهم وبطلان سعيهم.
стр. 132
المسألة الخامسة:
قوله تعالى: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ، إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ [آل عمران: ٣/ ١٨].
قرأ الكسائي: (أنّ الدّين عند الله الإسلام) بفتح الهمزة.
وقرأ الباقون: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ بكسر الهمزة (١).
فتكون قراءة الكسائي بفتح الهمزة، على أن العبارة تصريح بنص شهادة الله، والملائكة، وأولي العلم بأن الدين عند الله الإسلام.
وتكون قراءة الجمهور بكسر الهمزة على أنه كلام مستأنف، مصدّر بالتوكيد.
وقد أطال الإمام المفسّر الطبري في ردّ قراءة الفتح فقال: كان بعض البصريين يتأول قوله شهد الله: قضى الله، ويرفع الملائكة بمعنى: والملائكة شهود وأولو العلم، وهكذا قرأت قرّاء أهل الإسلام بفتح الألف من أنه على ما ذكرت من إعمال شهد في (أنه) الأولى، وكسر الألف من (إن) الثانية وابتدائها؛ سوى أن بعض المتأخرين من أهل
العربية كان يقرأ ذلك جميعا بفتح ألفيهما بمعنى: شهد الله أنه لا إله إلا هو، وأن الدين عند الله الإسلام، فعطف بأن الدين على أنه الأولى ثم حذف واو العطف، وهي مراده في الكلام، واحتجّ في ذلك بأن ابن عباس قرأ ذلك:
(شهد الله إنّه لا إله إلّا هو) الآية، ثم قال: أن الدّين عند الله الإسلام بكسر الأولى وفتح الثانية، بإعمال شهد فيها، وجعل (إن) الأولى اعتراضا في الكلام غير عامل فيها شهد (٢).
стр. 133
ثم اشتدّ الطبري في الإنكار على من قرأ بالفتح فقال: وزعموا أن ابن مسعود قرأ: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ بفتح أنه، وكسر إن؛ من: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ على معنى إعمال الشهادة في أن الأولى، وأن الثانية مبتدأة، فزعم أنه أراد بقراءته إياهما بالفتح جمع قراءة ابن عباس، وابن مسعود، فخالف بقراءته ما قرأ من ذلك على ما وصفت جميع قرّاء أهل الإسلام، المتقدمين منهم والمتأخرين، بدعوى تأويل على ابن عباس، وابن مسعود، زعم أنهما قالاه، وقرآ به (١).
ثم أنكر إسناد القراءة إلى ابن عباس، وابن مسعود، فقال: وغير معلوم ما ادّعى عليهما برواية صحيحة ولا سقيمة، وكفى شاهدا على خطأ قراءته خروجهما من قراءة أهل الإسلام (٢).
ثم جزم بوجوب القراءة بالكسر فقال: والصواب- إذا كان الأمر على ما وصفنا من قراءة ذلك- فتح الألف من (أنه) الأولى، وكسر الألف من (إن) الثانية (٣).
وإنما بسطنا القول عن شيخ المفسرين الإمام الطبري ليتبين حرصهم واشتغالهم بتحقيق القراءة الصحيحة، ولو في الجزئيات التي لا ينبني عليها خلاف ذو معنى.
وقد سبق القول إن إنكار الإمام الطبري لقراءة متواترة؛ إنما منشؤه عدم ثبوت تواتر إسنادها عنده كما صرّح، فقد كان غالب نهج الطبري إذا أشار إلى ورود قراءتين ثبت لديه تواترها أن يقول: والقول عندي أن كلا القراءتين متواتر، والحكم بهما جميعا (٤).
ولو أن ابن مجاهد سبق الطبري (٥)، وقدم ما اجتمع لديه من أسانيد قراءة الكسائي لجزم الطبري بالمتواتر، والتمس لوجوه التأويل كما صنع في مثيلات هذا المقام (٦).
стр. 134
وثمرة الخلاف:
تتجلى في أن الوحي قد ورد من المولى سبحانه بأكثر من صيغة توكيد على أن الدين عند الله هو الإسلام.
فقد جاءت قراءة الجمهور تفيد هذه الحقيقة بطريق ورود التوكيد بالحرف (إن) على أنه استئناف كلام.
وجاءت قراءة الكسائي تضيف إلى هذه الحقيقة شهادة الله سبحانه، والملائكة، وأولي العلم.
فليس ثمة تعارض بين القراءتين، ولكن الوجوه تتكامل في الدلالة على المعنى بوسائل التوكيد المتعددة.
стр. 135
المسألة السادسة:
قوله تعالى: وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [التّوبة: ٩/ ٤٠].
قرأ سائر القرّاء: وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيا على الاستئناف.
وانفرد يعقوب بالقراءة بالفتح: (وكلمة الله هي العليا) على العطف (١).
وضمّ القرطبي إلى يعقوب الأعمش في اختيار قراءة النّصب، ولكنه نقل عن الفرّاء استنكاره لذلك من جهة اللغة (٢)؛ إذ لا تقول العرب: أعتق زيد غلام أبي زيد، بل تقول:
أعتق زيد غلام أبيه. وتمام الفصاحة أن يقال: وكلمته هي العليا.
ولكن التصريح في هذا المقام باسم الله أبلغ، وهو عادة القرآن العظيم فيما له مقام تشريف، أو موجب تنبيه؛ كما في قوله سبحانه: إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها* وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها [الزّلزلة: ٩٩/ ١ - ٢]، فكرر ذكر الفاعل مع أن في الضمير غنية، وكذلك قوله: حَتَّى إِذا أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَما أَهْلَها [الكهف: ١٨/ ٧٧]، فكرر ذكر الأهل مع أن في إيراد الضمير غنية. ومثل ذلك ما أنشد لسيبويه:
لا أرى الموت يسبق الموت شيء ... نغّص الموت ذا الغنى والفقيرا (٣)
وهذا الاحتجاج، وردّه من باب تحصيل الحاصل محمول على عدم ثبوت تواتر القراءة عند المنكرين، وإلا فإنه بعد ثبوت تواتر القراءة ليس للكلّ إلا التّسليم بجواز القراءة بها، وضبط قواعد العربية عليها، وليس العكس.
стр. 136
وثمرة الخلاف:
فيما أفادته الآية من معان، فقد فهمنا من قراءة النصب أن الله جعل كلمته عليّة ظاهرة، ثم عاد فقرر أن علوّ كلمته سبحانه قديم لم يطرأ بعد أن لم يكن، فالمسألة مسألة إبداء وليست مسألة ابتداء، فكلمة الله عالية أصلا، ولكن ظنّ بعض الناس خلاف ذلك فأظهر المولى سبحانه إرادته حين قدر نصرة النّبي ﷺ على المشركين يوم الغار.
هذا ما يمكن به التأليف بين القراءتين، ولكن ثمة معنى آخر في قراءة يعقوب المتواترة في غاية الأهمية لم أجد من نبّه إليه، وهو أن الإخبار من المولى سبحانه بجعل الشيء لا يعني حدوثه، وهي المسألة التي طارت بها المعتزلة قديما في الاحتجاج لقولهم إن القرآن مخلوق؛ حيث قالوا: كل مجعول فهو مخلوق، ووجهوا ذلك إلى قول الله : إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١) [الزّخرف: ٤٣/ ٣].
وقوله: وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا [الشّورى: ٤٢/ ٥٢]، فأوهموا باستدلالهم حدوث القرآن، على أساس أنه مجعول.
فماذا ستقول المعتزلة لهذه القراءة المتواترة، أن الله جعل كلمته هي العليا يوم الهجرة؟ فهل كانت غير ذلك من قبل؟ وهل طرأ عليها العلوّ طروّا بعد أن لم يكن؟ ...
стр. 137
المسألة السابعة:
قوله تعالى: فَاللَّهُ خَيْرٌ حافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ [يوسف: ١٢/ ٦٤].
قرأ حمزة، والكسائي، وحفص، وخلف: فَاللَّهُ خَيْرٌ حافِظاً بالألف.
وحجتهم قوله حكاية عن إخوة يوسف: وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ [يوسف: ١٢/ ٦٣]، فقال يعقوب حين قالوا: وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ: فَاللَّهُ خَيْرٌ حافِظاً، وأخرى وهي أن في حرف عبد الله- بن مسعود-: (فالله خير الحافظين) جمع حافظ.
وقرأ الباقون: (فالله خير حفظا)، وحجتهم: قوله: وَنَحْفَظُ أَخانا [يوسف: ١٢/ ٦٥]، فلما أضافوا إلى أنفسهم قال يعقوب: (فالله خير حفظا) من حفظكم الذي نسبتموه إلى أنفسكم.
قال الفرّاء: (حفظا) تجعل ما بعد (خير) مصدرا، وتنصب على التفسير، وتضمر بعد (خير) اسم المخاطبين. فكأن تقديره: (فالله خيركم حفظا). وجرى مجرى قولك: (فلان أحسن وجها)، تريد: (أحسن الناس وجها) ثم تحذف القوم، فكذلك (خيركم حفظا)، ثم تحذف الكاف والميم. قال الزّجاج: (حفظا) منصوب على التمييز، و (حافظا) منصوب على الحال، ويجوز أن يكون (حافظا) على التمييز أيضا (١).
وثمرة الخلاف:
أن قراءة حمزة والكسائي أفادتنا حكما ضروريّا، وهو أن من أسماء الله الحسنى: الحافظ، ومثل هذا الاسم لا يكون إلا عن توقيف، قال اللّقاني:
واختير أن اسماه توقيفية ... كذا الصفات فاحفظ السمعية (٢)
стр. 138
وقد ورد التصريح في الكتاب العزيز باسمه تعالى الحفيظ في مواضع كثيرة:
وَرَبُّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ [سبأ: ٣٤/ ٢١].
إِنَّ رَبِّي عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ [هود: ١١/ ٥٧].
كما ورد اسمه سبحانه (الحافظ) بصيغة الجمع مرة واحدة في سورة الأنبياء في قوله سبحانه:
وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حافِظِينَ [الأنبياء: ٢١/ ٨٢].
وحيث تواترت القراءة فقد وجب المصير إليها، ولا خلاف بين الأمة أن الحافظ اسم من أسماء الله الحسنى، تباركت أسماؤه وجلّت صفاته، وإن هذه القراءة إن لم تستقلّ بجواز إطلاق هذه التسمية فقد وكّدت ذلك. ولا نزاع فيما دلّت عليه قراءة الجمهور من أن المولى سبحانه خير حفظا، فهو مما أجمع عليه الموحدون.
стр. 139
المسألة الثامنة:
- قوله تعالى: ما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً [الكهف: ١٨/ ٢٦].
قرأ ابن عامر: (ولا تشرك في حكمه أحدا) بالتاء والجزم على النهي.
أي: لا تنسبن أحدا إلى علم الغيب. فالخطاب لرسول الله ﷺ ، والمراد غيره.
ويقوي التاء ما بعده، وهو قوله: وَاتْلُ ما أُوحِيَ [الكهف: ١٨/ ٢٧].
قال الفرّاء: (وهو وجه غير مدفوع) كما قال: وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ [القصص: ٢٨/ ٨٨].
وقرأ الباقون: وَلا يُشْرِكُ بالياء، وضم الكاف على الخبر.
المعنى: ولا يشرك الله في حكمه أحدا.
قال الزجاج: قد جرى ذكر علمه وقدرته، فأعلم جلّ وعزّ أنه لا يشرك في حكمه- مما يخبر به من الغيب- أحدا، كما قال جلّ وعزّ: عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً [الجنّ: ٧٢/ ٢٦].
وكان السّدي يقول: وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً أي لا يشاور في أمره وقضائه أحدا (١).
وثمرة الخلاف:
أن قراءة ابن عامر على سبيل الأمر، وقراءة الجمهور على سبيل الخبر، فكأنه سبحانه أخبر أن ماله من شريك، ثم نهى النّبي ﷺ ، والمسلمين من بعده أن يشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا.
وكلا المعنيين له نظائر كثيرة في القرآن الكريم، ولكن لا سبيل لدرك المعنيين في هذا المقام إلا من خلال القراءتين المتواترتين.
стр. 140
المسألة التاسعة:
قوله تعالى: ما أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً [الكهف: ١٨/ ٥١].
قرأ سائر العشرة إلا أبا جعفر: وَما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً.
وقرأ أبو جعفر: (وما كنت متّخذ المضلّين عضدا) (١).
وظاهر أن الضمير بالضم للمتكلم يعود إلى المولى إذ لم يتّخذ سبحانه عضدا من المضلّين، وفي قراءة أبي جعفر، فإن الضمير بالفتح للمخاطب، وهو النّبي ﷺ .
وقد أورد الألوسي في روح المعاني أن الحسن وشيبة قرآ بمثل ما قرأ يعقوب (٢)، والمعنى أنه لا يصح لك الاعتضاد بهم إذ مرادهم تنضر الناس من الدخول في الإسلام،
وأشار إلى أن ذلك نزل حين طلب المشركون من النّبي ﷺ أن يخصهم بمجلسه، ويطرد عنهم فقراء المسلمين (٣).
وثمرة الخلاف في هذا الباب جليلة وعظيمة، فقد دلّت قراءة الجمهور أن الله لا يتّخذ عضدا من المضلّين، وهذا متّفق عليه بين سائر أهل الملة، ولكن أضافت قراءة أبي جعفر معنى آخر جليلا، وهو أن النّبي ﷺ لا يتّخذ عضدا من المضلّين، وهو أمر تكويني وتكليفي، ولا يجوز أن يقال بأن النّبي ﷺ اتّخذ أحدا من المضلّين عضدا له وعونا، بعد أن دلّت لهذا القراءة المتواترة، وقد بيّنت لك جزم ابن الجزري بتواترها (٤).
ومن هذه المقدمة يظهر لنا أن السؤال الذي يوجه هنا لعامة الشيعة كيف يمكن أن يكون
стр. 141
رسول الله ﷺ قد عهد إلى أبي بكر وعمر وعثمان بجليل الأعمال، وأخطر المسئوليات مما لا ينكره القوم، ثم هم بعد ذلك من المضلّين؟! أليس ذلك طعنا في أمانة النّبي ﷺ ، واتّهاما له بالإعراض عن أمر ربّه بعد أن نهاه عن اتّخاذ المضلّين عضدا وعونا؟! وهكذا فإن اتّهام كبار الصحابة بالفسق والخيانة ما هو في الحقيقة إلا اتّهام مبطن لمقام النّبي ﷺ ؛ الذي نهاه الله أن يتّخذ أعوانا من المضلّين.
ومع أني لم أعثر على استدلال بهذه القراءة لأحد من المفسّرين، ولكن القراءة كما ترى من أظهر الأدلة على عدالة الصحابة، واستقامتهم، وتزكيتهم، إذ لا ينازع الشيعة في أنّ النّبي ﷺ أصهر إلى الشيخين، ودفع ابنتيه إلى عثمان، وعهد إلى الصّدّيق بمعاضدته في الهجرة، واستشار عمر في أمر الأسرى وأمور أخرى، وعهد إلى عثمان بمفاوضة قريش يوم الحديبية، فكيف يسند إليهم هذه الأعمال الجليلة، وهي من أبرز أشكال المعاضدة والمناصرة، ثم يقولون بعد ذلك: إن هؤلاء الصحابة كانوا من المضلّين! وأين يمضون بمذهبهم في وجه هذه الآية المتواترة: (وما كنت متخذ المضلّين عضدا)، والحق أن عدالة الصحابة من المسائل التي تضافرت عليها الأدلة من القرآن والسّنة الصحيحة، وحظيت بإجماع السّلف من أهل السّنة والجماعة، وقد لخّص الإمام أبو زرعة عبيد الله بن عبد الكريم الرازي مذهب الأمة الإسلامية في عدالة الصحابة ومبررات هذا المذهب بقوله:
«إذا رأيت الرجل ينتقص أحدا من أصحاب رسول الله ﷺ فاعلم أنه زنديق، لأن الرسول ﷺ عندنا حقّ، والقرآن حق، وإنما أدى إلينا هذا القرآن والسّنن أصحاب رسول الله ﷺ ، وإنما يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسّنة، والجرح بهم أولى، وهم زنادقة» (١).
стр. 142
المسألة العاشرة:
قوله تعالى: هُنالِكَ الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ [الكهف: ١٨/ ٤٤].
قرأ حمزة والكسائي: (هنالك الولاية) بكسر الواو؛ أي: السلطان والقدرة لله.
وقرأ الباقون: هُنالِكَ الْوَلايَةُ بالفتح أي النّصرة لله.
قال الفرّاء: من فتح الواو يقول: النّصرة. يقال: (هم أهل ولاية عليك). أي:
متناصرون عليك. وكان تأويل الكلام: هنالك النّصرة لله ينصر أولياءه، ويعزّهم، ويكرمهم. وهما مصدران، فالكسر مصدر الوالي. تقول: وليت الشيء ولاية، وهو بين الولاية، والمفتوح مصدر (للولي) تقول: هذا ولي بين الولاية (١).
وثمرة الخلاف:
أن الآية تتضمن اثنين من الأسماء الحسنى لله ، وهما الولي والوالي، وقد وردت نظائر ذلك في القرآن الكريم:
ما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً [الكهف: ١٨/ ٢٦].
ما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ والٍ [الرّعد: ١٣/ ١١].
стр. 143
المسألة الحادية عشرة:
قوله تعالى: إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيًّا [مريم: ١٩/ ١٩].
قرأ قالون بخلف عنه، وورش، وأبو عمرو، ويعقوب: (ليهب لك غلاما زكيّا) بالياء، وقرأ الباقون: لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيًّا بالهمزة (١).
وقد أخبر الآلوسي أن الزهري، وابن مناذر، واليزيدي، والحسن، وشيبة قرءوها بالياء أيضا (٢).
والحاصل أنهما قراءتان متواترتان، جاءت الأولى بالتصريح بالواهب سبحانه بصيغة الغيبة، كما جاءت الثانية بصيغة المتكلم وهو هنا الملك، على أساس أنه يمتثل أمر ربّه، بل وردت في بعض مصاحف السّلف تفسيرا: أمرني أن أهب لك غلاما (٣).
ولا شك أن تواتر القراءة بالياء يستلزم أن تكون قد رسمت في بعض المصاحف العثمانية كذلك، ولكنني لم أجد أحدا أشار إلى هذا المعنى.
ولا مندوحة من ثبوت القراءة المتواترة بالوجهين، وما نقل عن بعضهم من أن الأصل (لأهب) ولكن أبدلت الهمزة ياء تعسف لا مبرر له؛ إذ ليست كذلك مذاهب الأربعة (٤) في الهمزات.
стр. 144
وثمرة الخلاف:
أن القراءة الأولى صرّحت بأن الواهب هو الله ، وهذا محلّ اتفاق بين أهل التوحيد، لكن جاءت القراءة الثانية بالإذن بنسبة الأفعال إلى غير الله مجازا، وإن تكن سائر الأفعال إنما تعود في الحقيقة لله دون سواه.
والحق أن هذا المعنى ليس مما انفردت به هذه الآية بل له نظائر كثيرة في القرآن منها قوله سبحانه: وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً وَآتاهُمْ تَقْواهُمْ [محمّد: ٤٧/ ٧]، وقوله: فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ [الصّف: ٦١/ ٥]، مع أن الهداية والإضلال على سبيل الحقيقة بيد الله وحده، ولكن تبارك الذي لا يسأل عما يفعل وهم يسألون.
стр. 145
المسألة الثانية عشرة:
قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يُدافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا [الحج: ٢٢/ ٣٨]، قرأ ابن كثير وأبو عمرو:
(إنّ الله يدفع عن الذين آمنوا) بغير ألف. دفع من (يدفع دفعا). وحجتهما: أن الله لا يدافعه شيء، وهو يدفع عن الناس، فالفعل له وحده لا لغيره.
وقرأ الباقون: إِنَّ اللَّهَ يُدافِعُ بالألف. وحجتهم: أن (يدافع) عن مرات متواليات؛ لأن قول القائل (دافعت عن زيد) يجوز أن يراد به: دفعت عنه مرة بعد مرة، وليس ينحى به نحو (قاتلت زيدا)، بل ينحى به نحو قوله: قاتَلَهُمُ اللَّهُ، والفعل له لا لغيره، ونحو هذا:
(طارقت النعل وسافرت) (١).
وثمرة الخلاف:
أنه يجوز وصف الله بأنه يدافع عن المؤمنين استنادا إلى قراءة الجمهور، دون أن يستلزم ذلك إثبات الفعل لغيره ؛ إذ هو وحده له الخلق والأمر تبارك الله ربّ العالمين.
قال الشوكاني في فتح القدير: قوله تعالى: يُدافِعُ صيغة المفاعلة هنا مجردة عن معناها الأصلي، وهو وقوع الفعل من الجانبين كما تدلّ عليه القراءة الأخرى- قراءة الكوفيين والشامي والمدني- وقد ترد هذه الصيغة ولا يراد بها معناها الأصلي كثيرا مثل: عاقبت اللص ونحو ذلك (٢).