← Таджвид и кираат

Таджвид и кираат · id 38020

القراءات المتواترة وأثرها في الرسم القرآني والأحكام الشرعية

محمد الحبش

Полный текст (358 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

رسول الله ﷺ قد عهد إلى أبي بكر وعمر وعثمان بجليل الأعمال، وأخطر المسئوليات مما لا ينكره القوم، ثم هم بعد ذلك من المضلّين؟! أليس ذلك طعنا في أمانة النّبي ﷺ ، واتّهاما له بالإعراض عن أمر ربّه بعد أن نهاه عن اتّخاذ المضلّين عضدا وعونا؟! وهكذا فإن اتّهام كبار الصحابة بالفسق والخيانة ما هو في الحقيقة إلا اتّهام مبطن لمقام النّبي ﷺ ؛ الذي نهاه الله أن يتّخذ أعوانا من المضلّين. ومع أني لم أعثر على استدلال بهذه القراءة لأحد من المفسّرين، ولكن القراءة كما ترى من أظهر الأدلة على عدالة الصحابة، واستقامتهم، وتزكيتهم، إذ لا ينازع الشيعة في أنّ النّبي ﷺ أصهر إلى الشيخين، ودفع ابنتيه إلى عثمان، وعهد إلى الصّدّيق بمعاضدته في الهجرة، واستشار عمر في أمر الأسرى وأمور أخرى، وعهد إلى عثمان بمفاوضة قريش يوم الحديبية، فكيف يسند إليهم هذه الأعمال الجليلة، وهي من أبرز أشكال المعاضدة والمناصرة، ثم يقولون بعد ذلك: إن هؤلاء الصحابة كانوا من المضلّين! وأين يمضون بمذهبهم في وجه هذه الآية المتواترة: (وما كنت متخذ المضلّين عضدا)، والحق أن عدالة الصحابة من المسائل التي تضافرت عليها الأدلة من القرآن والسّنة الصحيحة، وحظيت بإجماع السّلف من أهل السّنة والجماعة، وقد لخّص الإمام أبو زرعة عبيد الله بن عبد الكريم الرازي مذهب الأمة الإسلامية في عدالة الصحابة ومبررات هذا المذهب بقوله: «إذا رأيت الرجل ينتقص أحدا من أصحاب رسول الله ﷺ فاعلم أنه زنديق، لأن الرسول ﷺ عندنا حقّ، والقرآن حق، وإنما أدى إلينا هذا القرآن والسّنن أصحاب رسول الله ﷺ ، وإنما يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسّنة، والجرح بهم أولى، وهم زنادقة» (١).

стр. 142

المسألة العاشرة: قوله تعالى: هُنالِكَ الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ [الكهف: ١٨/ ٤٤]. قرأ حمزة والكسائي: (هنالك الولاية) بكسر الواو؛ أي: السلطان والقدرة لله. وقرأ الباقون: هُنالِكَ الْوَلايَةُ بالفتح أي النّصرة لله. قال الفرّاء: من فتح الواو يقول: النّصرة. يقال: (هم أهل ولاية عليك). أي: متناصرون عليك. وكان تأويل الكلام: هنالك النّصرة لله ينصر أولياءه، ويعزّهم، ويكرمهم. وهما مصدران، فالكسر مصدر الوالي. تقول: وليت الشيء ولاية، وهو بين الولاية، والمفتوح مصدر (للولي) تقول: هذا ولي بين الولاية (١). وثمرة الخلاف: أن الآية تتضمن اثنين من الأسماء الحسنى لله ، وهما الولي والوالي، وقد وردت نظائر ذلك في القرآن الكريم: ما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً [الكهف: ١٨/ ٢٦]. ما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ والٍ [الرّعد: ١٣/ ١١].

стр. 143

المسألة الحادية عشرة: قوله تعالى: إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيًّا [مريم: ١٩/ ١٩]. قرأ قالون بخلف عنه، وورش، وأبو عمرو، ويعقوب: (ليهب لك غلاما زكيّا) بالياء، وقرأ الباقون: لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيًّا بالهمزة (١). وقد أخبر الآلوسي أن الزهري، وابن مناذر، واليزيدي، والحسن، وشيبة قرءوها بالياء أيضا (٢). والحاصل أنهما قراءتان متواترتان، جاءت الأولى بالتصريح بالواهب سبحانه بصيغة الغيبة، كما جاءت الثانية بصيغة المتكلم وهو هنا الملك، على أساس أنه يمتثل أمر ربّه، بل وردت في بعض مصاحف السّلف تفسيرا: أمرني أن أهب لك غلاما (٣). ولا شك أن تواتر القراءة بالياء يستلزم أن تكون قد رسمت في بعض المصاحف العثمانية كذلك، ولكنني لم أجد أحدا أشار إلى هذا المعنى. ولا مندوحة من ثبوت القراءة المتواترة بالوجهين، وما نقل عن بعضهم من أن الأصل (لأهب) ولكن أبدلت الهمزة ياء تعسف لا مبرر له؛ إذ ليست كذلك مذاهب الأربعة (٤) في الهمزات.

стр. 144

وثمرة الخلاف: أن القراءة الأولى صرّحت بأن الواهب هو الله ، وهذا محلّ اتفاق بين أهل التوحيد، لكن جاءت القراءة الثانية بالإذن بنسبة الأفعال إلى غير الله مجازا، وإن تكن سائر الأفعال إنما تعود في الحقيقة لله دون سواه. والحق أن هذا المعنى ليس مما انفردت به هذه الآية بل له نظائر كثيرة في القرآن منها قوله سبحانه: وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً وَآتاهُمْ تَقْواهُمْ [محمّد: ٤٧/ ٧]، وقوله: فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ [الصّف: ٦١/ ٥]، مع أن الهداية والإضلال على سبيل الحقيقة بيد الله وحده، ولكن تبارك الذي لا يسأل عما يفعل وهم يسألون.

стр. 145

المسألة الثانية عشرة: قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يُدافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا [الحج: ٢٢/ ٣٨]، قرأ ابن كثير وأبو عمرو: (إنّ الله يدفع عن الذين آمنوا) بغير ألف. دفع من (يدفع دفعا). وحجتهما: أن الله لا يدافعه شيء، وهو يدفع عن الناس، فالفعل له وحده لا لغيره. وقرأ الباقون: إِنَّ اللَّهَ يُدافِعُ بالألف. وحجتهم: أن (يدافع) عن مرات متواليات؛ لأن قول القائل (دافعت عن زيد) يجوز أن يراد به: دفعت عنه مرة بعد مرة، وليس ينحى به نحو (قاتلت زيدا)، بل ينحى به نحو قوله: قاتَلَهُمُ اللَّهُ، والفعل له لا لغيره، ونحو هذا: (طارقت النعل وسافرت) (١). وثمرة الخلاف: أنه يجوز وصف الله بأنه يدافع عن المؤمنين استنادا إلى قراءة الجمهور، دون أن يستلزم ذلك إثبات الفعل لغيره ؛ إذ هو وحده له الخلق والأمر تبارك الله ربّ العالمين. قال الشوكاني في فتح القدير: قوله تعالى: يُدافِعُ صيغة المفاعلة هنا مجردة عن معناها الأصلي، وهو وقوع الفعل من الجانبين كما تدلّ عليه القراءة الأخرى- قراءة الكوفيين والشامي والمدني- وقد ترد هذه الصيغة ولا يراد بها معناها الأصلي كثيرا مثل: عاقبت اللص ونحو ذلك (٢).

стр. 146

المسألة الثالثة عشرة: قوله تعالى: لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ وَأَحاطَ بِما لَدَيْهِمْ وَأَحْصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً [الجن: ٧٢/ ٢٨]. قرأ رويس: (ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربّهم). وقرأ سائر الباقين: لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ (١). فالفعل عند رويس مبني للمجهول، وقد قرأ بذلك من السلف الزهري، وابن أبي عبلة (٢)، والمراد أن الله سبحانه يسلك الرسل مسلكهم ليعلم من أراد الله له أن يعلم أن الرّسل قد أبلغوا رسالات ربّهم فلم يكتموها. وأما قراءة الباقين فهي على المبني للمعلوم، وهو أقرب مذكور- أي الرسول- فيعلم أن الرّسل من قبله قد أدّوا الرسالة كما أراد الله ، وأن جبريل قد أبلغه رسالة ربّه، وأن الله يحفظ الوحي ليؤديه الأنبياء. ولم أجد لدى المفسرين من رفع الضمير هنا إلى الله سبحانه إلا عزوا عزاه القرطبي إلى الزجاج (٣)؛ قال: أي ليعلم الله أن رسله قد أبلغوا رسالاته، كقوله تعالى: وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ، والمعنى هنا: ليعلم الله ذلك علم مشاهدة كما علمه غيبا. ويمكن أن يقال: إن الله سبحانه يكشف بعض الغيب لرسله ليعلم صدقهم، وليعلم الله امتثالهم.

стр. 147

وثمرة الخلاف: تظهر هنا في التأليف بين وجه الجمهور على ما تأوّله الزّجاج ووجه رويس. فقد فهم من وجه الجمهور على ما تأوّله الزجاج جواز تعلّق بعض علم الله سبحانه بحصول الأفعال، فيكون علمه سبحانه من قبل وقوع الحدث علم غيب، ومن بعده علم مشاهدة، ولهذا الوجه أدلة من التنزيل قدم الزجاج منها قوله سبحانه: وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ [آل عمران: ٣/ ١٤٣]. ويفهم من وجه البناء للمجهول- وهو ما اختاره رويس- أن المراد أن يعلم الله من أراد بأن الرّسل بلّغوا الرسالات، وأن الله حفظ الوحي، فلم يضع منه شيء. والله أعلم.

стр. 148

المبحث الثاني النّبوات المسألة الأولى: قوله تعالى: ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها [البقرة: ٢/ ١٠٦]. قرأ ابن كثير وأبو عمرو: (أو ننسأها) (١). وقرأ الباقون: أَوْ نُنْسِها. وتأوّل ابن كثير، وأبو عمرو الآية على أنها من التأخير، بحسب قراءتهما، ونقل أبو زرعة عنهما تأويلهما الآية بعبارة: ما ننسخ من آية، فنبدل حكمها، أو نؤخر تبديل حكمها؛ فلا نبطله؛ نأت بخير منها. ويكون المعنى ما نرفع من آية، أو نؤخّرها فلا نرفعها (٢). ومنه قولهم: نسأت الإبل عن الحوض إذا أخّرتها، ومنه قولهم: أنسأ الله أجلك (٣). ومنه الحديث: «من أحبّ أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أثره فليصل رحمه» (٤). وأما المعنى على قراءة الجمهور؛ فإنه من النّسيان، وهو أن الله إذا شاء أنسى النّبي ﷺ شيئا من القرآن، وهو ما يدلّ عليه صريح قول الله : سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى * إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ [الأعلى: ٨٧/ ٦ - ٧]. واختار هذا الرأي أيضا أبو عبيد، القاسم بن سلام، ولكنه أطلق، ولم يخص به النّبي ﷺ

стр. 149

وحده، فقال: «إن الله إذا شاء أنسى من القرآن من يشاء أن ينسيه» (١)، وهو كما ترى غير مخصوص بما ضبطه به ابن قتيبة بأنه أراد: (أو ننسكها) من النسيان (٢). وقد اختار الجصاص في تفسير أحكام القرآن أن قراءة ننسأها إنما هي بأن يؤخرها فلا ينزلها سبحانه، وينزل بدلا منها ما يقوم مقامها في المصلحة، أو يكون أصلح للعباد منها، ويحتمل أن يؤخر إنزالها إلى وقت يأتي، فيأتي بدلا منها لو أنزلها في الوقت المتقدم، فيقوم مقامها في المصلحة (٣). فيكون اختيار الرازي الجصاص هنا أن الآية دلالة على إنساء التنزيل، بينما اختار أبو زرعة أنها دلالة على إنساء النسخ. ويتحصل هنا ثلاثة أقوال: ١ - ننسها: من النسيان. ٢ - ننسأها: من الإنساء، وهو التأخير؛ بمعنى تأخير النسخ. ٣ - ننسأها: من الإنساء بمعنى تأخير التّنزيل. وكما ترى فإن الخلاف في تأويل الإنساء في قراءة ابن كثير، وأبي عمرو أنتج قولا ثالثا، والأقوال الثلاثة متكاملة ينهض بعضها ببعض، ولا يتعذر على اللبيب الإفادة من الأوجه الثلاثة مجتمعة لتكامل مقاصدها. وثمرة الخلاف: أن التنزيل العزيز يطرأ عليه إنساء ونسيان، فقد يؤخر الله نسخ حكم فيبقى متلوّا معمولا به، وهو النسيء؛ أي التأجيل، حتى يأتي ما ينسخه. وقد ينساه النّبي ﷺ بإذن الله وأمره، قال سبحانه: سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى * إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ [الأعلى: ٨٧/ ٦ - ٧]، فيرفع من التنزيل، ثم يكون من الله سبحانه ما ينسخه من وحي يتنزل. وهكذا فإن ورود قراءتين اثنتين أفاد معنيين اثنيين، لم يكن لك أن تدركهما بقراءة واحدة، وكل واحدة من القراءتين تضيف صفة جديدة للتنزيل الإلهي على الأنبياء الكرام.

стр. 150

وقد اجتمع المعنيان جميعا في حديث واحد، وهو ما أخرجه ابن جرير الطبري عن قتادة، وعزاه السيوطي إلى أبي داود في ناسخه عن ابن عباس قال: «كانت الآية تنسخ الآية، وكان نبي الله يقرأ الآية والسورة، وما شاء الله من السورة، ثم ترفع فينسها الله نبيّه، فقال الله يقصّ على نبيّه: ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها يقول: فيها تخفيف، فيها رخصة، فيها أمر، فيها نهي» (١). وللعلامة الآلوسي اختيار ينتهي به إلى اتّحاد القراءتين في المعنى؛ يقول: «وقرئ: ننسأها، وأصله من نسأ بمعنى آخر، والمعنى نؤخرها في اللوح المحفوظ، فلا ننزلها، أو نبعدها من الذهن بحيث لا يتذكر معناها، ولا لفظها، وهو معنى ننسها، فتتّحد القراءتان» (٢). وتجدر الإشارة في هذا المقام إلى أن النّسخ جائز عقلا، وواقع سمعا، وقد أنكرته على النّبي ﷺ طائفة من اليهود، فنزلت آية النّسخ في الرّدّ عليهم (٣). وقد اتّفق السّلف على وقوعه لم ينكر ذلك أحد، لكن نقل عن أبي مسلم الأصفهاني (٤) إنكاره لوقوع النّسخ في القرآن، واحتجّ لذلك بأدلة ثلاثة: الأول: إن الله قال: لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ [فصّلت: ٤١/ ٤٢]. قال: فلو جاز النّسخ لجاز أن يأتيه الباطل. الثاني: إن النّسخ الذي تشير إليه الآية هو نسخ الإسلام للشرائع السابقة، لا نسخ القرآن بعضه لبعض. الثالث: أن الآية لا تزيد دلالتها على أن النّسخ لو وقع لأدّى إلى خير منه، ولكنه لم يقع (٥).

стр. 151

والحق أن اعتراض أبي مسلم، ومثله بعض المعاصرين اليوم، منشؤه عدم فهم النّسخ على وجه الحقيقة. فالنّسخ في الواقع ليس تغيرا في حال الخالق؛ بل هو تغيير في حال المخلوق، فهي أمور يبديها لا أمور يبتديها، أمور يظهرها لا أمور تظهر له، سبحانه وتعالى عما يقولون علوّا كبيرا. والنّسخ لا يتعلّق بالعقائد والأخبار، وإنما يتعلّق بالإنشاء (١)، وهذا الباب متّصل بأحوال الخلق؛ إذ يصلحهم، ويصلح لهم في حال ما لا يصلحهم، ولا يصلح لهم في حال آخر. ألا ترى أن الطبيب يأمرك بالحمية اليوم وينهاك عنها غدا، ويصف لك الدواء اليوم ويأمرك باجتنابه غدا، والطبيب هو الطبيب، لم يتغير في حاله، وفي عمله شيء، وإنما تغيّر المريض. وأظهر الدلالة على وقوع النّسخ هذه الآية الصريحة التي لا يقرؤها أحد بحيدة إلا يفهم منها ما فهمته الأمة، وكذلك قول الله : وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ قالُوا إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ [النّحل: ١٦/ ١٠١]. وأما وقوعه بالفعل فهو أكثر من أن يستدلّ له بمثال، ومع ذلك نعد من الأمثلة قول الله تعالى: سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ ما وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها [البقرة: ٢/ ١٤٢]. فهذا دليل ظاهر أنهم أمروا باستقبال قبلة، ثم نسخ هذا الأمر، وأمروا باستقبال سواها. وقوله تعالى: الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ، وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ [الأنفال: ٨/ ٦٥]. وهو دليل ظاهر أنهم أمروا بأكثر من ذلك، ثم خفّف الله عنهم بنسخ الأمر السابق. قال الإمام المفسر القرطبي: «وقد أنكرت طوائف من المنتمين للإسلام من المتأخرين جواز النّسخ، وهم محجوجون بإجماع السّلف السابق على وقوعه في الشريعة».

стр. 152

وقال: «معرفة هذا الباب أكيدة، وفائدته عظيمة، لا تستغني عن معرفته العلماء، ولا ينكره إلا الجهلة الأغبياء» (١). ثم إن النّسخ صورة واضحة لمرونة هذا الدين، ومسايرته لشتى أحوال الناس في انتقالهم وترقيهم، وهو بحق مفخرة من مفاخر التشريع الإسلامي، ودليل أكيد على صلاحيته لكل زمان ومكان. ولدى ثبوت تواتر القراءتين؛ فإنه يلزم الاعتقاد أن القرآن العظيم يطرأ عليه نسيان وإنساء- تأخير- وذلك كله بأمر الله وحكمته. ويلزم الاعتقاد أن الناسخ والمنسوخ جميعا قديم في علم الله ، وإنما هي مسائل أظهرها المولى سبحانه في آجالها، ولا يقال: إنها بدت له بعد أن لم تكن بادية، بل هي في علمه سبحانه قديمة، وفي اطّلاع الناس عليها طارئة عليهم. ويلزم الاعتقاد كذلك أن ما يطرأ من النسيان على النّبي ﷺ من هذا الباب ليس مردّه إلى خلل في التّبليغ، بل هو محض إرادة إلهية قديمة، قضاها الله سبحانه ووقّتها في آجالها. المسألة الثانية: قوله تعالى: وَلا تُسْئَلُ عَنْ أَصْحابِ الْجَحِيمِ [البقرة: ٢/ ١١٩]. قرأ نافع، ويعقوب: (ولا تسأل عن أصحاب الجحيم) (٢)، وقرأ الباقون: وَلا تُسْئَلُ عَنْ أَصْحابِ الْجَحِيمِ. فهي في القراءة الأولى ناهية جازمة، وفي الثانية نافية، وقد احتجّ أبو زرعة للفريقين،

стр. 153

فقال: حجة ابن نافع ما روي في التفسير أن النّبي ﷺ قال: ليت شعري، ما فعل أبواي؟ فنزلت: (ولا تسأل عن أصحاب الجحيم)، فنهاه الله عن المسألة (١). وهذا الحديث الذي احتجّ به أبو زرعة ﵀ لا تقوم به حجة، ولم أعثر على وجه يقويه، وقد قال الحافظ السيوطي عند إيراده لهذا الحديث في الدّر: قلت هذا مرسل ضعيف الإسناد، ثم نقل أن عبد بن حميد، وابن جرير، والمنذر أوردوه عن محمد بن كعب القرظي. ثم أورد السيوطي رواية أخرى أخرجها ابن جرير عن داود بن عاصم أن النّبي ﷺ قال ذات يوم: أين أبواي؟ .. فنزلت. ثم قال السيوطي: والآخر- أي الحديث الآخر- معضل الإسناد، ضعيف لا تقوم به ولا بالذي قبله حجة (٢). ولكن إسقاط هذه الحجة لا ينفي أن قراءة نافع هذه متواترة، ولكن ينبغي التماس سبب آخر لورودها لإقامته مقام الاحتجاج. وأما جمهور القرّاء فقد قرءوها ب (لا) نافية، وثمة قراءة أخرى لابن مسعود غير متواترة، تظاهر هذا المعنى وهي: (ولن تسأل عن أصحاب الجحيم) (٣). وحاصل توجيه قراءة الجمهور أنها على الاستئناف كأنه قال: وليست تسأل عن أصحاب الجحيم، أي بعد بلاغهم ما أوحي إليك، أو على الحال كأنه قال: وأرسلناك غير سائل عن أصحاب الجحيم (٤). وثمرة الخلاف: أن إحدى القراءتين أفادت نهيا عن السؤال عن المشركين، ومقتضى النهي هنا ترك التّأسّف عليهم بعد أن حققت عليهم كلمة الله، وذلك أن النّبي ﷺ كان كثير التّأسف على إعراض المشركين.

стр. 154

حتى قال له الله : فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً [الكهف: ١٨/ ٦]. وأفادت القراءة الثانية معنى آخر وهو أن النّبي ﷺ لا يسأل عن أصحاب الجحيم يوم القيامة، ولا يحاسب عنهم بعد أن بلّغهم رسالة الله، وأنه لا تزر وازرة وزر أخرى، وأن الناس مجزيون بما قدموا، وما على الرسول إلا البلاغ المبين. وكما ترى فليس بين القراءات تنافر وتضادّ، بل كل قراءة أفادت معنى جديدا، وتعدّد القراءات ينزل منزلة تعدّد الآيات. وإذا كانت هذه الآية لم يثبت لها سبب نزول تنهض به حجة (١) يتصل بوالدي النّبي ﷺ ؛ فإنه ينبغي التأكيد على صرفها عن ذلك، تأدّبا مع النّبي ﷺ ، واستدلالا بقول الله سبحانه: وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [الإسراء: ١٧/ ١٥]، ولا خلاف أن من لم يدرك بعثة النّبي ﷺ فهو من أهل الفترة، قال تعالى: يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ [المائدة: ٥/ ١٩]. وقال تعالى: لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ [السّجدة: ٣٢/ ٣]. وأهل الفترة ناجون على الأصح، استدلالا بقول الله سبحانه: وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا، وهو مذهب الأشاعرة خلافا لما ذهبت إليه الماتريدية من وجوب معرفة الله بالعقل، وما قالته المعتزلة من أن الأحكام كلها تثبت بالعقل (٢)، وإن كنا نعتذر للماتريدية بأن مؤدّى قولهم، أنه لو لم يرد به الشرع لأدركه العقل استقلالا لوضوحه، وليس كما قالت المعتزلة مستندة إلى التحسين العقلي. قال الباجوري: والمذهب الحق أن أهل الفترة؛ وهم من كان في أزمنة الرّسل أو في زمن الرسول الذي لم يرسل إليهم ناجون، وإن بدّلوا وغيّروا أو عبدوا الأصنام (٣).

стр. 155

ولكن يرد على هذا المذهب ما ورد في صحيح مسلم عن أنس ﵁ أن رجلا قال: يا رسول الله، أين أبي؟ قال: في النار، قال: فلما قفى الرّجل دعاه فقال: إن أبي وأباك في النار (١). وقد أجاب العلماء عن هذا الحديث إجابات كثيرة؛ منها أنه حديث آحاد فلا يعارض القطعي من القرآن الكريم، كما في قوله تعالى: وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [الإسراء: ١٧/ ١٥]. ومنها أن في الحديث اضطرابا، إذ لم تتفق الرواة في حديث مسلم على قول النّبي ﷺ : «إن أبي وأباك في النار»، ففي رواية أنه قال ﷺ بدل ذلك: «إذا مررت بقبر كافر فبشّره بالنار». ومثله ما رواه البزار، والطبراني، والبيهقي من حديث سعد بن أبي وقاص أن أعرابيّا قال لرسول الله ﷺ : أين أبي؟ فقال: في النار. قال: فأين أبوك؟ قال: حيثما مررت بقبر كافر فبشّره بالنار (٢). وقد انتصر الزين الحلبي لهذا المذهب مستدلّا بما أورده الخطيب عن عائشة والقسطلاني في المواهب اللدنية أن الله أحيا والدي النّبي ﷺ حتى آمنا به (٣). ولكن هذا الاستدلال لا ينهض حجة في هذا المقام إذا الحديث في هذا المعنى باطل، وقال الحافظ ابن كثير إنه حديث منكر جدّا، وسنده مجهول، وقد جزم ابن دحية بأنه موضوع (٤).

стр. 156

على أن نقض الاستدلال بهذا الوجه لا يضعف ما اختاره الأشاعرة من نجاة أهل الفترة لعموم الأدلة التي قدمناها. المسألة الثالثة: قوله تعالى: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ [آل عمران: ٣/ ٨١]. قرأ حمزة: (وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم) (١) بكسر اللام. جعل (ما) بمعنى الذي، والمعنى: (وإذ أخذ الله ميثاق النّبيين للذي آتيتكم) أي لهذا، فهذه اللام لام الإضافة، واللام متعلقة ب (أخذ ميثاق)، والمعنى: (أخذ الميثاق لإتيانه الكتاب، والحكمة أخذ الميثاق). قال الفرّاء: «من كسر اللام يريد: أخذ الميثاق للذي آتاهم من الحكمة». قال الزجاج: «ويكون الكلام يؤول إلى الجزاء كما تقول: لما جئتني أكرمتك»، فيكون المراد أن الله سبحانه أخذ منهم الميثاق أن يحفظوا ما آتاهم من كتاب وحكمة. وقرأ الباقون: لَما آتَيْتُكُمْ بفتح اللام. كان الكسائي يقول: (معناه مهما آتيتكم) على تأويل الجزاء، قال: «وجوابه فَمَنْ تَوَلَّى وهذه اللام تدخل في (ما) وفي (من) على وجه الجزاء». قال الزجاج: (ما) هاهنا على ضربين: يصلح أن تكون للشرط والجزاء، وهو أجود الوجهين؛ لأن الشرط يوجب أن كل ما وقع من أمر الرسل فهذه طريقته. واللام دخلت في (ما) كما تدخل في (إن) الجزاء إذا كان في جوابها القسم. قال الله تعالى: وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ [الإسراء: ١٧/ ٨٨]، وقال: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ [الإسراء: ١٧/ ٨٦]، فاللام في (إن) دخلت مؤكدة موطئة للام القسم، ولام القسم

стр. 157

هي اللام التي لليمين لأن قولك: (والله لئن جئتني لأكرمنّك) إنما حلفك على فعلك، إلا أن الشرط معلّق به، فلذلك دخلت اللام على الشرط، فإذا كانت (ما) بمعنى الجزاء؛ موضعها نصب بقوله: آتَيْتُكُمْ، وتقدير الكلام (أي شيء آتيتكم) فتكون اللام الأولى على (ما) دخلت للتوكيد أي توكيد الجزاء، واللام الثانية في قوله: لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ [آل عمران: ٣/ ٨١]، لام القسم، قال: ويجوز أن تكون (ما) في معنى (الذي) ويكون موضعها الرفع، المعنى: أخذ الله ميثاق أي استخلصهم للذي آتيتكم- المعنى آتيتكموه- لتؤمنن به وحذف الهاء من قوله: (آتيتكموه) لطول الاسم (١). وقال الزمخشري في الكشاف: اللام في لَما آتَيْتُكُمْ لام التوطئة، لأن أخذ الميثاق في معنى الاستخلاف، وفي لَتُؤْمِنُنَّ لام جواب القسم، وما يحتمل أن تكون المتضمنة لمعنى الشرط، ولَتُؤْمِنُنَّ سدّ مسدّ جواب القسم، والشرط جميعا. وقرأ حمزة: (لما آتيتكم) بكسر اللام، ومعناه لأجل إيتائي إياكم بعض الكتاب والحكمة، ثم لمجيء رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به، على أن (ما) مصدرية، والفعلان معها، أي آتيتكم، وجاءكم في معنى المصدرين (٢). وثمرة الخلاف: أن كلّا من الآيتين أفادت معنى جديدا، فأفادت الأولى أن الميثاق إنما أخذه الله على تكليفهم بتبليغ ما أوتوا من الكتاب والحكمة. وأفادت قراءة الجمهور أن الميثاق أكرم به النّبيون بما رزقوا من الكتاب والحكمة، فبينما فهم من الأولى أن الحكمة والكتاب هما موضوع الميثاق الذي واثقهم الله عليه، فهم من الثانية أن الله جعلهم من أهل الميثاق ببركة ما وفّوا به من أمر الكتاب والحكمة (٣)، فليس بين القراءتين تضادّ، والمؤمن يؤمن بالكتاب كله.

стр. 158

ويتأكد هنا أن دلالة قراءة الجمهور على أن الميثاق نعمة نالها الأنبياء ببركة وفائهم بعهد الله، لا ينبغي أن يقودنا إلى تصوّر أن النّبوّات تتأتى عن طريق الكسب والسعي، فهذا خلاف المقرر في عقيدة الحق: ولم تكن نبوّة مكتسبة ... ولو رقى في الخير أعلى عقبة بل ذاك فضل الله يؤتيه لمن ... يشاء جلّ الله واهب المنن (١) بل هو إعداد الله سبحانه لمن سبق أن اختارهم بعلمه وفضله، رسلا مبشّرين ومنذرين، ولله الأمر من قبل ومن بعد. المسألة الرابعة: قوله تعالى: وَما يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ [آل عمران: ٣/ ١١٥]. قرأ حمزة، والكسائي، وحفص، وخلف: وَما يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ بالياء فيهما. وحجتهم قوله قبلها: مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ آناءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ* يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ .. الآية [آل عمران: ٣/ ١١٣ - ١١٤]. وكذلك: وَما يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ أي هؤلاء المذكورون وسائر الخلق داخل معهم. وقرأ الباقون بالتاء فيهما. وحجتهم قوله قبلها: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [آل عمران: ٣/ ١١٠]. (وما تفعلوا من خير فلن تكفروه) أيها المخاطبون بهذا الخطاب (٢).

стр. 159

وثمرة الخلاف: أن القراءة بالتاء (وما تفعلوا من خير فلن تكفروه) موجهة إلى الأمة القائمة، وهو معنى تظاهرت على الدلالة عليه نصوص كثيرة، وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ [المزمّل: ٧٣/ ٢٠]، أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ [آل عمران: ٣/ ١٩٥]. وأما القراءة بالياء فقد أفادت معنى جديدا؛ وهو أن الله لن يضيع إحسان أهل الكتاب، فيثيب المحسن منهم ويعاقب المسيء، وهذا المعنى الذي انفردت به هذه الآية تصريحا وتخصيصا دلّت عليه آيات كثيرة تلميحا وإشارة: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ* وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ [الزّلزلة: ٩٩/ ٧ - ٨]، إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ [التّوبة: ٩/ ١١٩]، مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [الجاثية: ٤٥/ ١٥]، ولا يخفى أن المقصود بأهل الكتاب هنا مؤمنوهم. ولكن هذا المعنى الأخير لا يصادم القطعي من النصوص في بطلان أعمال الكافرين، بعد أن ورد صريح النّص، وانعقد إجماع الأمة، على ذلك. قال الله : أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَلِقائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً [الكهف: ١٨/ ١٠٠]، والجمع بين النصوص أن الآية إنما تخصّ أهل الكتاب الذين دخلوا في الإسلام كما يدلّ لذلك سبب نزولها (١): أخرج ابن أبي حاتم والطبراني وابن منده في الصحابة عن ابن عباس قال: لما أسلم عبد الله بن سلام، وثعلبة بن سعيد، وأسيد بن سعيد، وأسد بن عبد، ومن أسلم من يهود معهم فآمنوا، وصدقوا، ورغبوا في الإسلام؛ قالت أحبار اليهود، وأهل الكفر منهم: ما آمن بمحمد واتبعه إلا أشرارنا، ولو كانوا خيارنا ما تركوا آباءهم وذهبوا إلى غيرهم، فأنزل الله في ذلك: لَيْسُوا سَواءً مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ الآية. وأخرج أحمد وغيره عن ابن مسعود قال: أخّر رسول الله ﷺ صلاة العشاء ثم خرج إلى المسجد فإذا الناس ينتظرون الصلاة فقال: أما أنه ليس من أهل هذه الأديان أحد يذكر الله هذه

стр. 160

الساعة غيركم، وأنزلت هذه الآية: لَيْسُوا سَواءً مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ حتى بلغ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (١). وكذلك فإن السياق ظاهر في هذه الدلالة؛ وهي أن الذين دخلوا في الإسلام منهم هم المعنيون بالخطاب، فبعد أن ذكر سبحانه خبر مؤمني أهل الكتاب في هذه الآية عقّب فورا بذكر كافريهم فقال: وَما يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ* إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً، وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٢). وهذا المعنى هو ما اختاره ابن العربي، بل نقل الإجماع عليه فقال: وقد اتّفق المفسّرون أنها نزلت (٣) في من أسلم من أهل الكتاب، وعليه يدلّ ظاهر القرآن، ومفتتح الكلام نفي المساواة بين من أسلم منهم، ومن بقي منهم على الكفر، إلا أنه روي عن ابن مسعود أن معناه نفي المساواة بين أهل الكتاب وأمة محمد ﷺ ، وقد روي عن ابن عباس أنها نزلت في عبد الله بن سلام، ومن أسلم معه من أهل الكتاب، وقوله: لَيْسُوا سَواءً تمام كلام، ثم ابتدأ الكلام بوصف المؤمنين بالإيمان والقرآن والصلاة، وهذه الخصال هي من شعائر الإسلام، لا سيما الصلاة وخاصة في الليل وقت الراحة. وقيل: إنّها الصلاة مطلقا. وقيل: إنّها صلاة المغرب والعشاء الآخرة. قال ابن مسعود: خرج النّبي ﷺ ليلة وقد أخّر الصلاة فمنّا المضطجع، ومنّا المصلّي، فقال النّبي ﷺ إنه لا يصلي أحد من أهل الأرض هذه الصلاة غيركم. والصحيح أنه في الصلاة مطلقا، وعن أبي موسى عنه ﵊: ما من أحد من النّاس يصلّي هذه الساعة غيركم. وهذه في العتمة تأكيد للتخصيص وتبيين للتفضيل. وهكذا فإنه هنا أشار إلى أن المخاطبين بالثناء في هذه الآية إنما هم من أسلم من أهل الكتاب، وقد أخبر النّبي ﷺ عن عظيم أجرهم فقال: «ثلاثة لهم أجران، ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين: رجل من أهل الكتاب آمن بنبيّه وأدرك النّبي ﷺ ، فآمن به، واتّبعه، وصدّقه، فله أجران،

стр. 161

ورجل مملوك أدى حقّ الله، وحقّ مواليه ... ورجل كانت عنده أمة، فأدّبها، فأحسن تأديبها، ثم أعتقها، وتزوّجها .. » (١) الحديث، ولا عبرة بعدئذ لأنساب القوم وأصولهم، فشرف النسب أدعى إلى تغليظ الحساب منه إلى تهوينه. قال ابن تيمية: (الصواب المقطوع به أن كون الرجل كتابيّا، أو غير كتابي هو حكم مستقل بنفسه لا بنسبه، وكل من تدين بدين أهل الكتاب فهو منهم، سواء كان أبوه أو جده دخل في دينهم أو لم يدخل، وسواء كان دخوله قبل النّسخ أو التّبديل، أو بعد ذلك، وهذا مذهب جمهور العلماء كأبي حنيفة، ومالك، والمنصوص الصريح عن أحمد) (٢). وقال: (وإذا كان ذلك كذلك، فكل من تديّن بهذا الكتاب الموجود عند أهل الكتاب فهو من أهل الكتاب، وهم كفار تمسكوا بكتاب مبدّل منسوخ، وهم مخلدون في نار جهنم كما يخلد سائر أنواع الكفار، والله تعالى مع ذلك شرع إقرارهم بالجزية، وأحلّ طعامهم، ونساءهم) (٣). أقول: هذا رأي ابن تيمية، ولكني أرى أن الآية تشمل كذلك من أقر بنبوة محمد ﷺ وتوحيد الخالق من أهل الكتاب، ولو تعبد على دينه الأول، إذ هو مقتضى العدل الإلهي، وظاهر نص الآية (وما يفعلوا من خير فلن يكفروه والله عليم بالمتقين) [آل عمران: ٣/ ١١٥]، ويشهد له ما رواه ابن كثير في تفسيره في سبب نزول الآية: (ولله المشرق والمغرب) أن طائفة من الصحابة أنكروا صلاة النبي ﷺ على النجاشي، وقالوا: إنه لم يصل صلاتنا، ولم يستقبل قبلتنا، ومات وهو يصلي إلى بيت المقدس، فأنزل الله: (ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله إن الله واسع عليم) [البقرة: ٢/ ١١٥]. ولا شك أن الذين أخبرت عنهم الآية بأنهم من أهل الجنة ليسوا أولئك الذين كفروا بالقرآن، وآمنوا بالكتب المحرّفة، بل هم بلا ريب أهل الكتاب الذين آمنوا بوحدانية الله ونبوة محمد ﷺ .

стр. 162

المسألة الخامسة: قوله تعالى: وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ [آل عمران: ٣/ ١٦١]. وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وعاصم: (أن يغلّ) بفتح الياء وضم الغين. أي: ما كان لنبيّ أن يخون أصحابه فيما أفاء الله عليهم. وحجتهم في ذلك أن النّبي ﷺ جمع الغنائم في غزاة. فجاءه جماعة من المسلمين فقالوا: ألا تقسم بيننا غنائمنا؟ فقال ﷺ : «لو أن لكم مثل أحد ذهبا ما منعتكم درهما، أترونني أغلكم مغنمكم» فنزلت وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ (١)، أي ما ينبغي أن يجور في القسم، ولكن يعدل، ويعطي كل ذي حق حقه. عن ابن عباس قال: نزلت على رسول الله ﷺ في قطيفة حمراء فقدت في غزوة بدر، فقال من كان مع النّبي ﷺ : «لعل رسول الله ﷺ أخذها» فأنزل الله الآية (٢). وحجة أخرى وهي أن المستعمل في كلام العرب أن يقال لمن فعل ما لا يجوز له أن يفعل: (ما كان لزيد أن يفعل كذا وكذا، وما كان له أن يظلم) ولا يقال: (أن يظلم) لأن الفاعل فيما لا يجوز يقال له: (ما كان ينبغي أن يفعل ذلك) نظير قوله: وَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وكما قال: ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ ألا ترى أنهم المستغفرون، ولم يقل: (أن يستغفروا). وقرأ الباقون: (أن يغلّ) بضم الياء وفتح الغين. أي ما كان لنبي أن يغله أصحابه أي يخونوه، ثم أسقط (الأصحاب) فبقي الفعل غير مسمى فاعله، وتأويله: ما كان لنبي أن يخان (٣). وحجتهم ما ذكر عن قتادة قال: (ما كان لنبي أن يغلّه أصحابه الذين معه من المؤمنين) (٤)، ذكر لنا أن هذه الآية نزلت على النّبي ﷺ يوم بدر، وقد غلّ طوائف من أصحابه.

стр. 163

وقال آخرون: (معنى ذلك: وما كان لنبيّ أن يتّهم بالغلول) قال الفراء: (يغلّ أي يسرق ويخوّن، أي ينسب إلى الغلول يقال: أغللته أي نسبته إلى الغلول. وقال آخرون: ما كان لنبي أن يغلّ) أي يلفى غالّا أي خائنا. كما يقال: (أحمدت الرجل) إذا وجدته محمودا (١). وثمرة الخلاف: أن القراءة الأولى نفت الغلول عن النّبي ﷺ ، وهو معلوم من الدين بالضرورة، إذ يجب للأنبياء الأمانة والصدق. أما القراءة الثانية فقد نفت الغلول عن أصحاب الأنبياء، أو قل: نفت إمكانية الغلول من أصحاب الأنبياء ثم حذف الفاعل، وأسند إلى ما لم يسمّ فاعله. وهل هو أمر تكويني أو تكليفي؟ الظاهر أنه تكويني إذ (ما) هنا نافية، متضمن معنى التكليف. وليس بين القراءتين تضادّ، والجمع بينهما ممكن بدون اعتساف، إذ كل واحدة أفادت معنى جديدا، والله تعالى أعلم. وما ورد من إنكار ابن عباس، وابن مسعود، ومجاهد (٢)، وغيرهم لقراءة (أن يغل) على المبني للمجهول، فهي محمولة على عدم ثبوت تواترها لديهم، ولو ثبت تواترها لم يحل لهم أن ينكروها. وعبارة مجاهد: كان ابن عباس ينكر على من يقرأ: (وما كان لنبيّ أن يغلّ)، ويقول: كيف لا يكون له أن يغل، وقد كان له أن يقتل، قال الله: وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ، ولكن المنافقين اتّهموا النّبي ﷺ في شيء من الغنيمة فأنزل الله: وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ (٣) تبرئة للنّبي ﷺ .

стр. 164

ولا يخفى أن إنكار ابن عباس مستند إلى قياس، والقياس لا ينهض حجة في ردّ التواتر كما هو معلوم. وتتضمن قراءة (يغلّ) معنى آخر أيضا، وهو أن أصحاب الأنبياء لا يجوز لهم بحال أن يغلوا أنبياءهم، فقد يظن بعض المنافقين أن غلولهم للأنبياء مغفور، لأن ما بين أيدي الأنبياء من المال إنما هو مال الأمة، وهم من الأمة، فجاءت الآية محذرة من هذا التوهم، مصرّحة بتحريم غلول الأموال في كل حال. المسألة السادسة: قوله تعالى: وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ [المائدة: ٥/ ٤٧]. قرأ حمزة: (وليحكم أهل الإنجيل) بكسر اللام، وفتح الميم. جعل اللام لام كي، ونصب الفعل بها، وكأنه وجّه معنى ذلك إلى وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدىً وَنُورٌ وَمُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ [المائدة: ٥/ ٤٦]. وكي يحكم أهله بما أنزل الله فيه. وقرأ الباقون: وَلْيَحْكُمْ ساكنة اللام، والميم على الأمر، فأسكنوا الميم للجزم، وأسكنوا اللام للتخفيف. وحجتهم في ذلك أن الله أمرهم بالعمل بما في الإنجيل كما أمر نبينا ﷺ في الآية بعدها بالعمل بما أنزل الله إليه في الكتاب بقوله: وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ (١).

стр. 165

وثمرة الخلاف: أنه من قرأ بالنصب جعلها متعلقة بقوله: وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ، أي لكي يحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه، وهو محلّ اتّفاق بين المسلمين؛ لأن أهل الكتاب كانوا مأمورين أن يحكموا بما في الإنجيل. أما القراءة بالجزم على أساس أن اللام لام الأمر، فهي أيضا إلزام لهم بالحكم بما في الإنجيل الحق من وجوب اتّباع النّبي ﷺ كما يجدونه في كتبهم. فالخلاف بين القراءتين شكلي، والاتفاق منعقد على المعنى (١). وبمثل ذلك نقل القرطبي عن النحاس قوله: والصواب عندي أنهما قراءتان حسنتان؛ لأن الله لم ينزل كتابا إلا ليعمل بما فيه، وأمر بالعمل بما فيه فصحتا جميعا (٢). وليس في أيّ من القراءتين دليل للنصارى اليوم فيما يزعمونه من أن القرآن أمرهم بالاحتكام إلى الإنجيل، إذ إن الإنجيل الذي أمروا بالاحتكام إليه في نصّ القرآن؛ هو ذلك الإنجيل الذي يتضمن وحدانية الله، وبشرية السيد المسيح والبشارة بالمصطفى ﷺ ؛ قال الله : وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلهاً واحِداً لا إِلهَ إِلَّا هُوَ سُبْحانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ [التّوبة: ٩/ ٣١]. وقال تعالى: مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ [المائدة: ٥/ ٧٥].

стр. 166

وقال: وَإِذْ قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يا بَنِي إِسْرائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جاءَهُمْ بِالْبَيِّناتِ قالُوا هذا سِحْرٌ مُبِينٌ [الصّف: ٦١/ ٦]. فليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه! بل إن نصارى هذا الزمان يخالفوننا فيما نلجئهم إليه من أمر نزول الكتاب على السيد المسيح كما أخبر الله : وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدىً وَنُورٌ [المائدة: ٥/ ٤٦]. فهم لا يعتقدون ذلك أصلا، ويرون أن الكتاب المقدس عندهم هو محض إلهامات تلقاها الرّسل والحواريون، فدوّنوها ولم تكن وحيا تلقاه السيد المسيح عن ربّه! وهكذا فإن العقل والنقل متفقان أنه ليس في دار السعادة منزل للذين يكذبون رسل الله، ويعرضون عن هداهم. قال ابن تيمية: (فمن كان أبوه من أهل الكتاب قبل النّسخ والتّبديل، ثم إنه لما بعث الله عيسى ومحمدا ﷺ كفر بهما وبما جاءا به من عند الله، واتّبع الكتاب المبدّل المنسوخ كان كفره من أغلظ الكفر، ولم يكن كفره أخفّ من كفر من دخل بنفسه في هذا الدين المبدّل، ولا له بمجرد نسبه حرمة عند الله، ولا عند رسوله، ولا ينفعه دين آبائه إذا كان هو مخالفا لهم، فإن آباءه كانوا إذ ذاك مسلمين، فإن دين الله هو الإسلام في كل وقت، فكل من آمن بكتب الله ورسله في كل زمان فهو مسلم، ومن كفر بشيء من كتب الله ورسله فليس مسلما في أي زمان كان) (١).

стр. 167

المسألة السابعة: قوله تعالى: إِذْ قالَ الْحَوارِيُّونَ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ [المائدة: ٥/ ١١٢]. وقرأ الكسائي: (هل تستطيع ربّك) (١). وقرأ الباقون: هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ (٢). وتوجيه قراءة الكسائي: هل تقدر يا عيسى أن تسأل ربك؛ لأنهم كانوا مؤمنين، وقد أثنى الله عليهم، وأوحى إليهم (٣)، كما في قوله تعالى: وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي [المائدة: ٥/ ١١١]، وكانت عائشة تقول: كان القوم أعلم بالله من أن يقولوا: (هل يستطيع ربك) إنما قالوا: (هل تستطيع ربّك) (٤). واحتجّ أبو زرعة لاختيار الكسائي بقوله: الله تعالى سمّاهم حواريين، ولم يكن الله ليسميهم بذلك وهم برسالة رسوله كفرة. قال أهل البصرة- يريد الكسائي وأصحابه- المعنى: (هل تستطيع سؤال ربك) فحذف السؤال، وألقى إعرابه على ما بعده فنصبه كما قال: واسأل القرية، أي أهل القرية (٥). والمراد أنهم حين ذكروا الاستطاعة أرادوا بها الاحتجاج للسيد المسيح عليهم، كأنهم قالوا:

стр. 168

إنك مستطيع، فما يمنعك؟ ولا يستقيم الكلام إلا على تقدير ذلك، ألا ترى أنه لا يصح أن يقول: (هل تستطيع أن يفعل غيرك) (١). وأما قراءة الجمهور بالغيبة والرفع فيجب توجيهها إلى تأويل الاستطاعة بمعنى الرغبة، أي هل يرضى ربك أن ينزل المائدة إن سألته ذلك، كما يقول من يبتغي النصرة من عزيز: أتقدر أن تساعدني في ذلك، وهو يعلم قدرته واستطاعته، ولكنه لون من الأدب تعرفه العرب في كلامها (٢). وقيل المعنى: هل يقدر ربك، وكان هذا السؤال في ابتداء أمرهم قبل استحكام معرفتهم بالله ؛ ولهذا قال عيسى في الجواب: (اتّقوا الله إن كنتم مؤمنين) (٣). ولكن اعترض القرطبي على هذا التأويل لأن الحواريين خلفاء الأنبياء ودخلاؤهم وأنصارهم، كما قال الله حكاية عنهم وإقرارا لهم: قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ [الصّف: ٦١/ ١٤]، وقد قال النّبي ﷺ : «إن لكل نبي حواري، وحواريي الزبير» (٤)، ولا يخفى أن معرفة الله سبحانه أول الواجبات على المؤمن، فكيف يصبح هؤلاء حواريين للسيد المسيح ثم لا يعرفون صفة القدرة منه (٥). ولعل أحسن تأويل لذلك أن يقال: إنهم عرفوا الله معرفة استدلال وأخبار، فأرادوا علم معاينة وشهود، كما قال إبراهيم ﵇: رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى [البقرة: ٢/ ٢٦٠]، فإن إبراهيم من أعظم المؤمنين بقدرة الله سبحانه وكماله ووحدانيته، ثم سأل الآية علّل ذلك بقوله: بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي [البقرة: ٢/ ٢٦٠]، وكذلك قال الحواريون: نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْها وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنا وَنَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشَّاهِدِينَ [المائدة: ٥/ ١١٣].

стр. 169

وقد أنكر الزمخشري في الكشاف ذلك كله، وقال: إنهم قالوا ذلك لفساد عقيدتهم ونصه في ذلك: إن الله ما وصفهم بالإيمان والإخلاص وإنما حكى ادعاءهم لهما، ثم أتبعه قوله: إذ قالوا، فآذن أن دعواهم كانت باطلة، وأنهم كانوا شاكّين، وقولهم: (هل يستطيع ربك) كلام لا يرد مثله عن مؤمنين معظمين لربّهم (١). وثمرة الخلاف: أن المؤمن قد يسأل الله بعض آيات قدرته وهو مؤمن، ليزداد إيمانا، ولا يطعن ذلك في شيء من إيمانه، وقد سبق إلى ذلك الخليل إبراهيم، والحواريّون الكرام. ودلّت قراءة الجمهور على جواز سؤال الله آياته بلفظ الاستطاعة، وهو ما قرره ابن العربي القاضي المالكي المفسّر حيث أدخل اسم المستطيع في أسماء الله تعالى وقال: لم يرد به كتاب ولا سنة اسما، ولكن ورد فعلا (٢)، وذكر قول الحواريين: هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ. وذلك على اختيار القرطبي في تفسيره، بأن ذلك لم يصدر من الحواريين عن جهل بالله ، بل عن علم ومعرفة، ولم ينكر الذكر عليهم سؤالهم، وهي مسألة اعتقاد لا تختلف فيها الشرائع (٣). وأما قراءة الكسائي فلا تدلّ على هذا المعنى، وغايتها إضمار ما عادته الإظهار؛ أي: هل تستطيع أن تدعو ربّك. وكما ترى فإن القراءتين أفادتا معنيين مختلفين، ولكنهما غير متنافرين، والله تعالى أعلم.

стр. 170

المسألة الثامنة: قوله تعالى: وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ [التّوبة: ٩/ ١٠٢]. قرأ يعقوب: (والأنصار الذين اتّبعوهم بإحسان). وقرأ الباقون: وَالْأَنْصارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ (١). فتكون قراءة يعقوب بالرفع عطفا على السابقين الأولين، وتكون قراءة الجمهور بالخفض عطفا على المهاجرين. وثمرة الخلاف: أن قراءة الجمهور نصت على مزية فضل للسابقين من الأنصار، وهم الذين آووا ونصروا، من الذين شهدوا بيعة العقبة، أما قراءة يعقوب فقد جعلت فضل الأنصار عامّا إذا لم تدخل عليهم (من) التبعيض، فجعلت لسائر الأنصار مزية رضوان الله، من شهد منهم العقبة ومن لم يشهدها. فتكون حصيلة قراءة الجمهور أن رضوان الله مكتوب لثلاثة أصناف: الأول: السابقون الأولون من المهاجرين. الثاني: السابقون الأولون من الأنصار. الثالث: الذين اتّبعوهم بإحسان. وتكون حصيلة قراءة يعقوب أن رضوان الله مكتوب لثلاثة أصناف: الأول: السابقون الأولون من المهاجرين. الثاني: الأنصار (بعموم سابقهم ولاحقهم). الثالث: الذين اتّبعوهم بإحسان.

стр. 171

فيكون في قراءة يعقوب زيادة مزية للأنصار، وهي أن سائر الأنصار مشمولون بالرضوان والجنة. وقد رويت قراءة يعقوب عن عمر بن الخطاب ﵁، فقرأ (والأنصار) عطفا على (والسّابقون) (١). وعلى قراءة الخفض فإن السابقين من المهاجرين والأنصار هم الذين صلّوا إلى القبلتين كما اختاره سعيد بن المسيب، أو الذين شهدوا بيعة الرضوان عام الحديبية في قول الشعبي، أو أهل بدر في قول محمد بن كعب، وعطاء بن يسار (٢). على أن شمول الأنصار بالرضوان والجنة كما دلّت عليه قراءة الرفع لا يعني استواءهم في المنزلة والقرب، فقد صرح القرآن بأنهم ليسوا سواء، كذلك يقتضي العدل، ويشهد العقل؛ قال الله : لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقاتَلَ، أُولئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقاتَلُوا، وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى، وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ [الحديد: ٥٧/ ١٠]. ومعلوم أن الأنصار ركن الإسلام، وهم الذين آووا ونصروا، وهم الذين شملتهم دعوة النّبي ﷺ بقوله: «اللهم ارحم الأمصار وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار». وقد أفاضت كتب الحديث في استقصاء الروايات الكثيرة التي ورد فيها فضل الأنصار ومنزلتهم، ومما أخرجه إمام المحدثين البخاري من ذلك: عن أبي هريرة ﵁ أن أبا القاسم ﷺ قال: «لو أنّ الأنصار سلكوا واديا أو شعبا لسلكت في وادي الأنصار، ولولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار»، فقال أبو هريرة ﵁: ما ظلم- بأبي وأمي- آووه ونصروه (٣). وعن البراء ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «الأنصار لا يحبهم إلا مؤمن، ولا يبغضهم إلا منافق، فمن أحبّهم أحبّه الله، ومن أبغضهم أبغضه الله» (٤).

стр. 172

وعن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «آية الإيمان حبّ الأنصار، وآية النّفاق بغض الأنصار» (١). ولا شك أن مزايا الأنصار كثيرة، وفضلهم عظيم، وقد زادتهم هذه الآية شرفا ومكانة. ولا تنافر بين القراءتين، بل قراءة يعقوب في فضلهم عامة، وقراءة الجمهور في تخصيص السابقين منهم بمنزلة أعلى من القرب والرضوان، والله أعلم. المسألة التاسعة: قوله تعالى: قالَ يا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ [هود: ١١/ ٤٦]. قرأ الكسائي ويعقوب: (إنّه عمل غير صالح) بنصب اللام والراء. وحجّته حديث أم سلمة قالت: قلت يا رسول الله كيف أقرأ: عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ أو عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ؟ فقال: عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ بالنصب (٢). فالهاء في هذه القراءة عائدة على ابن نوح لأنه جرى ذكره قبل ذلك فكني عنه. وكان بعض أهل البصرة ينكر هذه القراءة، واحتجّ لذلك بأن العرب لا تقول: (عمل غير حسن) حتى تقول: (عمل عملا غير حسن). وقد ذهب عن وجه الصواب فيما حكاه؛ لأن القرآن نزل بخلاف قوله، قال الله تعالى: وَمَنْ تابَ وَعَمِلَ صالِحاً [الفرقان: ٢٥/ ٧١]. معناه: ومن تاب، وعمل عملا صالحا. وقال: وَاعْمَلُوا صالِحاً [سبأ: ٣٤/ ١١]، ولم يقل: (عملا). وقال في موضع آخر: إِلَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صالِحاً [الفرقان: ٢٥/ ٧٠]. وقال: وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ [النّساء: ٤/ ١١٤]، ولم يقل: (سبيلا غير سبيل المؤمنين)، فكذلك قوله: (إنّه عمل غير صالح) معناه: (إنه عمل عملا غير صالح).

стр. 173

وقرأ الباقون: إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ بفتح الميم، وضم اللام والراء. وحجتهم ما روي في التفسير، جاء في قوله: إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ أي: (إن سؤالك إياي أن أنجي كافرا عمل غير صالح)؛ لأن نوحا قال: رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي [هود: ١١/ ٤٥]، فقال الله تعالى: إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ الذين وعدتك أن أنجيهم، إن سؤالك إياي عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ، وقيل: لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ أي: من أهل دينك. فالهاء في قراءتهم كناية عن السؤال، ولم يجر له ذكر ظاهر، وذلك جائز فيما قد عرف موضعه أن يكنى عنه، أو جرى ما يدلّ عليه كقوله : وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً [آل عمران: ٣/ ١٨٠]، فكنّى عن البخل لأنه ذكر الذين يبخلون اكتفاء به عن ذكر البخل، وكنّى به، وقال: حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ [ص: ٣٨/ ٣٣]، يعني الشمس. وهذه أعلام لا يجهل موضعها؛ قال الشاعر: إذا نهى السّفيه جرى إليه ... وخالف، والسّفيه إلى خلاف فقال: (جرى إليه)، ولم يجر ذكر السّفه، ولكن لما ذكر السّفيه دلّ على السّفه. والسؤال في قصة نوح لم يجر له ذكر، ولكنه لما ذكر إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي دلّ على السؤال. وقال آخرون منهم الزجاج: (الهاء كناية عن ابن نوح)، أي إنه ذو عمل غير صالح كما قال الشاعر: ترتع ما رتعت حتى إذا ادّكرت ... فإنما هي إقبال وإدبار (١) أي: ذات إقبال وإدبار.

стр. 174

وثمرة الخلاف: أن إحدى القراءتين قررت أن ابن نوح عمل عملا غير صالح، وهو إعراضه عن هدي أبيه، وهي قراءة الكسائي ويعقوب. وأفادت قراءة الجمهور أن سؤال نوح عن ولده عمل غير صالح، وهي تقرير أنه قد تصدر من الأنبياء الصغائر والذنوب، ولكن لا يقرون عليها؛ قال الله : فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ [غافر: ٤٠/ ٥٥]. لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ [الفتح: ٤٨/ ٢]. وهذا التأويل هو اختيار جمع من مفسّري السّلف، وأنا أنقل لك اختياراتهم كما أوردها السيوطي في الدّر المنثور: أخرج ابن جرير: إنه عمل غير صالح، يقال: سؤالك عما ليس لك به علم. وأخرج أبو الشيخ عن سعيد بن جبير أنه قرأ: عمل غير صالح؛ قال: معصيته نبي الله، وأخرج أبو الشيخ، وابن جرير عن مجاهد ﵁ في قوله: فلا تسألن ما ليس لك به علم؛ قال: بيّن الله لنوح ﵇ أنه ليس بابنه، وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ عن ابن زيدون: أني أعظك أن تكون من الجاهلين. قال: أن تبلغ بك الجهالة أني لا أفي بوعد وعدتك حتى تسألني، قال: فإنها خطيئة، ربّ إني أعوذ بك أن أسألك. وأخرج أبو الشيخ عن ابن المبارك قال: لو أن رجلا اتّقى مائة شيء، ولم يتّق شيئا واحدا لم يكن من المتّقين. ولو تورّع عن مائة شيء، ولم يتورّع عن شيء واحد لم يكن ورعا، ومن كان فيه خلّة من الجهل كان من الجاهلين، أما سمعت إلى ما قال نوح ﵇: إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي، قال الله: إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ. وأخرج أبو الشيخ عن الفضيل بن عياض قال: بلغني أن نوحا ﵇ لما سأل ربّه فقال: يا ربّ إن ابني من أهلي، فأوحى الله إليه: يا نوح إن سؤالك إياي إن ابني من أهلي عمل غير صالح، فلا تسألني ما ليس لك به علم إني أعظك أن تكون من الجاهلين؛ قال: فبلغني أن نوحا بكى على سؤاله أربعين عاما (١).

стр. 175

المسألة العاشرة: قوله تعالى: حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا [يوسف: ١٢/ ١١١]. اعلم أن المفسرين متفقون في صرف رواية التخفيف كُذِبُوا عن ظاهرها (١)، ولهم في ذلك تحرير لطيف سيأتي إيراده. قرأ أهل الكوفة وهم: عاصم، وحمزة، والكسائي، وكذلك أبو جعفر، وخلف (٢): وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا بالتخفيف من قولك: (كذبتك الحديث) أي: لم أصدقك. وفي التّنزيل: وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ [التّوبة: ٩/ ٩٠]، وفيها وجهان من التفسير. أحدهما: حتى إذا استيأس الرسل من إيمان قومهم، وظن قومهم أن الرسل قد كذبوا، بمعنى أخلفوا ما وعدوه من النّصر؛ جاء الرسل نصرنا، فجعل الضمير في قوله: ظَنُّوا للقوم. وجعل (الظّن) موافقا لفظه معناه. فإن قيل: كيف يجوز أن يحمل الضمير في ظَنُّوا على القوم، والذي تقدم ذكره الرّسل؟ قيل: إن ذلك لا يمنع لأن ذكر الرّسل يدلّ على المرسل (إليهم)، فلهذا جاز أن يحمل الضمير على المرسل (إليهم). والوجه الآخر: حتى إذا استيأس الرسل من إيمان قومهم، وظنّ قومهم أن الرّسل قد كذبتهم فيما أخبروهم به من أنهم إن لم يؤمنوا بهم نزل بهم العذاب، ثم ردّ إلى ما لم يسمّ فاعله، فقيل: إنهم كناية عن القوم. وقرأ أهل الحجاز، والبصرة، والشام، وهم: نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، وكذلك يعقوب (٣): (كذّبوا) بالتشديد. وفي التّنزيل: وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ [الأنعام: ٦/ ٣٤].

стр. 176

وقوله: فَكَذَّبُوا رُسُلِي [سبأ: ٣٤/ ٤٥]، وجعلوا الضمير في (ظنوا) للرّسل، والظّن بمعنى اليقين. وحجتهم في ذلك أن ذكر الرّسل قد تقدم، ولم يتقدم ذكر المرسل (إليهم) فيجعل الضمير له، وإذا كان ذلك كذلك فالأولى أن يجعل الضمير للرّسل، فيكون الفعلان للرّسل، ويصير كلاما واحدا. ومعنى الآية: (حتى إذا استيأس الرّسل من إيمان قومهم، وظنّوا- أي أيقنوا- أن قومهم قد كذبوهم؛ جاءهم نصرنا أي جاء الرّسل نصرنا) (١). قالوا: ومعنى الآية: (حتى إذا استيأس الرّسل ممن كذبهم من قومهم أن يصدّقوهم، وظنّت الرّسل أن من قد آمن بهم من قومهم قد كذّبوهم، جاءهم نصر الله عند ذلك). قالت عائشة ﵂: (لم يزل البلاء بالرسل حتى خافوا أن يكون من معهم من المؤمنين قد كذبوهم) (٢). وثمرة الخلاف: أن التّأليف بين القراءات أفادنا عددا من المعاني لا سبيل إلى معرفتها لو لم تتعدّد هذه القراءات المتواترة. فقد دلّت قراءة الكوفيين، وأبي جعفر بالتخفيف أن نصر الله سبحانه آت، وأن من إرهاص هذا النصر أن يستئيس الرسل من إيمان قومهم، وأن تظهر شكوك بعض المؤمنين بقولهم: إن الرّسل قد أخلفوا ما وعدوا به من النصر، وكذلك قولهم: إن الرّسل قد كذبتهم فيما وعدتهم به من حلول العذاب بالمشركين. وهذه المعاني كلها تدلّ لها قراءة التّخفيف، وهي تحمل الأنبياء ومن بعدهم من المصلحين، والدّعاة على الصبر، والتّحمل إذا رأوا شكوك الناس في رسالاتهم، ودعواتهم. ودلّت قراءة الباقين بالتّشديد أن إعراض الناس، وتكذيبهم بالهدى، وصدّهم عن سبيل الله لا ينبغي أن يدفع إلى يأس الدّعاة، واستسلامهم بل هو إرهاص بقرب نصر الله ودنو فرجه.

стр. 177

ومقتضى القراءة الأخيرة أن الرّسل يبلغون حدّا من الصّبر والضراعة مع ازدياد استكبار المستكبرين، وعتوهم إلى حدّ يجعلهم يشكون بمن معهم من المؤمنين أنهم لا يخلصون في إيمانهم، وبهذا المعنى قالت عائشة ﵂: (لم يزل البلاء بالرّسل حتى خافوا أن يكون من معهم من المؤمنين قد كذبوهم) (١). ولا شك أن هذه المعاني جميعا تزيد من عقيدة المؤمن بقرب نصر الله كلما ازداد البلاء، واشتدت المحن، وهي كما ترى لا تتعارض في الفهم بل تتآزر، وتتكامل. قال قوم: إن الظّن هنا ليس بمعنى اليقين بل لفظه معناه (٢). وهو مذهب قوي، وهو لا يغيّر شيئا مما قدّمناه، بل يؤيّده ويدلّ له. المسألة الحادية عشرة: قوله تعالى: فَناداها مِنْ تَحْتِها أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا [مريم: ١٩/ ٢٤]. قرأ أبو عمرو، وابن كثير، وابن عامر، وشعبة بن عاصم، ورويس: (فناداها من تحتها) بفتح الميم، والتاء. جعلوا (من) اسما، وجعله النداء له. المعنى: فناداها الذي تحتها؛ وهو عيسى، و (تحتها) صلة (من). وحجتهم ما روي عن أبي بن كعب قال: الذي خاطبها هو الذي حملته في جوفها. قرأ الباقون: مِنْ تَحْتِها بكسر الميم والتاء. أي: فناداها جبريل من بين يديها. وحجتهم ما روي عن ابن عباس: مِنْ تَحْتِها قال: جبريل، ولم يتكلم عيسى حتى أتت به قومها. وقال آخرون، منهم الحسن البصري: (من تحتها: عيسى)، فكأنه جعل الفاعل مستترا في (ناداها).

стр. 178

المعنى: فناداها عيسى من تحتها، وهو أجود الوجهين. وذلك أنه جرى ذكره في قوله: فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ ... [مريم: ١٩/ ٢٢]. فلما أتى الفعل بعد ذكره دلّ على أنه فعل المذكور، وأنه مستتر في فعله، فالكسر أعم. وذلك أن من كسر يحتمل المعنى أن يكون الملك ويحتمل أن يكون عيسى ﵇ (١). وثمرة الخلاف: أن قراءة أبي عمرو، وابن كثير، وابن عامر، وشعبة قد أفادت الإشارة إلى المنادي فكانت (من) هي الاسم الموصول المعرف بالمنادي، بينما أفادت قراءة الباقين أن مكان المنادي كان تحت السيدة مريم، أما الضمير الدّال عليه، فهو مستتر في قوله سبحانه: فناداها، ولا تعارض بين الفائدتين. ويبقى الخلاف في تعيين المنادي أهو جبريل أم السيد المسيح، وليس هذا الخلاف ناشئا عن اختلاف القراءة. قال الشوكاني في فتح القدير: فَناداها مِنْ تَحْتِها أي جبريل لما سمع قولها، وكان أسفل منها تحت الأكمة، وقيل تحت النخلة، وقيل: المنادي هو عيسى (٢). وروي عن ابن عباس أن المنادي هنا هو جبريل، ولم يتكلم عيسى حتى أتت به قومها، وقد أورد أستاذنا الدكتور الزحيلي هذا الرأي (٣)، ولا شك أنه يتضمن الثناء على السيدة الطاهرة بوصفها بزيادة اليقين؛ إذ أشارت إليه كما أمرت، ولم تكن تعلم أنه سينطق في المهد؛ إذا كان الذي ناداها من تحتها عند المخاض إنما هو جبريل.

стр. 179

فإن كان المنادي عيسى ﵇، لم يكن لنا أن نثبت لها ما قدمناه من هذه الصفة، والله سبحانه أعلم. المسألة الثانية عشرة: قوله تعالى: فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنادى فِي الظُّلُماتِ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ [الأنبياء: ٢١/ ٨٧]. قرأ يعقوب: (فظنّ أن لن يقدر عليه). وقرأ الباقون: فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ (١). وتوجيه قراءة يعقوب أن نبي الله يونس ﵇ أراد الفرار من قومه لئلا يطاله أذاهم، فيكون كفار قومه في مقام نائب الفاعل المضمر في هذا المقام. وبمثل قراءة يعقوب قرأ عبيد بن عمير، وقتادة، والأعرج لكن مع التشديد: (فظنّ أن لن يقدّر عليه). وقرأ عبد الله بن أبي إسحاق، والحسن البصري، وابن عباس مثلما قرأ يعقوب بدون تشديد (٢). وعلى قراءة يعقوب المتواترة، وقراءة قتادة، والأعرج الشاذة لا يوجد ما يعكر فهم النّص، إذ من شأن الأنبياء أن يظنوا أن الله لن يقدّر عليهم المصيبة، وأن يظنوا أن الكفرة لن يقدروا على إيذائهم، وذلك إحساس بشري مشروع لا يقدح في عصمة المرسلين. ولكن الإشكال إنما يتوجه على قراءة الجمهور، وذلك كما روي عن معاوية بن أبي سفيان أنه استدعى ابن عباس يوما، فقال له: لقد ضربتني أمواج القرآن البارحة فغرقت فيها، فلم أجد لنفسي خلاصا إلا بك. قال: وما هي يا معاوية؟ فقرأ هذه الآية، وقال: أو يظن نبي الله أن لا يقدر عليه؟ فقال ابن عباس: هذا من القدر لا من القدرة (٣).

стр. 180

وهذا في الحقيقة من بدائع الكلم، إذ جعل نَقْدِرَ هنا من التقدير، وهذا كما ترى ظنّ محمود يندرج تحت حسن الظن بالله، ويتضمن اعتقاد نبي الله يونس بأن الله لن يقدر عليه العقوبة، بل يعفو ويرحم. وقد أفاض الإمام القرطبي في الرّد على من تأوّل الآية هنا بمعنى أن إبليس استزلّه، وأوقع في ظنه إمكان ألا يقدر الله عليه بمعاقبته، فقال القرطبي: هذا قول مردود مرغوب عنه لأنه كفر، مع أنه صرح بروايته عن سعيد بن جبير (١). وثمة توجيه آخر لقراءة الجمهور وهو على جعل نقدر هنا بمعنى نضيق، ويدل لذلك قوله تعالى: اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ [الرّعد: ١٣/ ٢٦]، وقوله: وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتاهُ اللَّهُ [الطّلاق: ٦٥/ ٧]، وهو قول مروي عن سعيد بن جبير، وعطاء، والحسن البصري (٢). فهناك إذن توجيهان لقراءة الجمهور أنها بمعنى: التقدير، وبمعنى التّضييق. ويشهد للقول بأنه التقدير أيضا ما روي أن عمر بن عبد العزيز قرأها: (فظنّ أنه لن نقدر عليه)، وبمثل ذلك روي عن قتادة، والفراء، وأنشد ثعلب: فليست عشيات اللوى برواجع ... لنا أبدا ما أورق السلم النضر ولا عائد ذاك الزمان الذي مضى ... تباركت ما تقدر يقع، ولك الشكر (٣) وثمرة الخلاف: أن نبي الله يونس- وهو النبي المعصوم- لما ترك قومه وقع في ظنه شيئان: الأول: أن قومه لن يقدروا على إيذائه حين يفرّ منهم، وهو ما دلّت له قراءة يعقوب بصيغة المبني للمجهول. الثاني: أن الله لن يقدر عليه بمعنى: لن يقدر عليه، أي: لن يعجل حسابه ويؤاخذه بالإياس من قومه (٤)، وهو ما دلّت له قراءة الجمهور، وهو حسن ظن بالله، وحسن اعتقاد بعفوه، ورحمته.
следующие страницы →