← Таджвид и кираат

Таджвид и кираат · id 38020

القراءات المتواترة وأثرها في الرسم القرآني والأحكام الشرعية

محمد الحبش

Полный текст (358 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

وقوله: فَكَذَّبُوا رُسُلِي [سبأ: ٣٤/ ٤٥]، وجعلوا الضمير في (ظنوا) للرّسل، والظّن بمعنى اليقين. وحجتهم في ذلك أن ذكر الرّسل قد تقدم، ولم يتقدم ذكر المرسل (إليهم) فيجعل الضمير له، وإذا كان ذلك كذلك فالأولى أن يجعل الضمير للرّسل، فيكون الفعلان للرّسل، ويصير كلاما واحدا. ومعنى الآية: (حتى إذا استيأس الرّسل من إيمان قومهم، وظنّوا- أي أيقنوا- أن قومهم قد كذبوهم؛ جاءهم نصرنا أي جاء الرّسل نصرنا) (١). قالوا: ومعنى الآية: (حتى إذا استيأس الرّسل ممن كذبهم من قومهم أن يصدّقوهم، وظنّت الرّسل أن من قد آمن بهم من قومهم قد كذّبوهم، جاءهم نصر الله عند ذلك). قالت عائشة ﵂: (لم يزل البلاء بالرسل حتى خافوا أن يكون من معهم من المؤمنين قد كذبوهم) (٢). وثمرة الخلاف: أن التّأليف بين القراءات أفادنا عددا من المعاني لا سبيل إلى معرفتها لو لم تتعدّد هذه القراءات المتواترة. فقد دلّت قراءة الكوفيين، وأبي جعفر بالتخفيف أن نصر الله سبحانه آت، وأن من إرهاص هذا النصر أن يستئيس الرسل من إيمان قومهم، وأن تظهر شكوك بعض المؤمنين بقولهم: إن الرّسل قد أخلفوا ما وعدوا به من النصر، وكذلك قولهم: إن الرّسل قد كذبتهم فيما وعدتهم به من حلول العذاب بالمشركين. وهذه المعاني كلها تدلّ لها قراءة التّخفيف، وهي تحمل الأنبياء ومن بعدهم من المصلحين، والدّعاة على الصبر، والتّحمل إذا رأوا شكوك الناس في رسالاتهم، ودعواتهم. ودلّت قراءة الباقين بالتّشديد أن إعراض الناس، وتكذيبهم بالهدى، وصدّهم عن سبيل الله لا ينبغي أن يدفع إلى يأس الدّعاة، واستسلامهم بل هو إرهاص بقرب نصر الله ودنو فرجه.

стр. 177

ومقتضى القراءة الأخيرة أن الرّسل يبلغون حدّا من الصّبر والضراعة مع ازدياد استكبار المستكبرين، وعتوهم إلى حدّ يجعلهم يشكون بمن معهم من المؤمنين أنهم لا يخلصون في إيمانهم، وبهذا المعنى قالت عائشة ﵂: (لم يزل البلاء بالرّسل حتى خافوا أن يكون من معهم من المؤمنين قد كذبوهم) (١). ولا شك أن هذه المعاني جميعا تزيد من عقيدة المؤمن بقرب نصر الله كلما ازداد البلاء، واشتدت المحن، وهي كما ترى لا تتعارض في الفهم بل تتآزر، وتتكامل. قال قوم: إن الظّن هنا ليس بمعنى اليقين بل لفظه معناه (٢). وهو مذهب قوي، وهو لا يغيّر شيئا مما قدّمناه، بل يؤيّده ويدلّ له. المسألة الحادية عشرة: قوله تعالى: فَناداها مِنْ تَحْتِها أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا [مريم: ١٩/ ٢٤]. قرأ أبو عمرو، وابن كثير، وابن عامر، وشعبة بن عاصم، ورويس: (فناداها من تحتها) بفتح الميم، والتاء. جعلوا (من) اسما، وجعله النداء له. المعنى: فناداها الذي تحتها؛ وهو عيسى، و (تحتها) صلة (من). وحجتهم ما روي عن أبي بن كعب قال: الذي خاطبها هو الذي حملته في جوفها. قرأ الباقون: مِنْ تَحْتِها بكسر الميم والتاء. أي: فناداها جبريل من بين يديها. وحجتهم ما روي عن ابن عباس: مِنْ تَحْتِها قال: جبريل، ولم يتكلم عيسى حتى أتت به قومها. وقال آخرون، منهم الحسن البصري: (من تحتها: عيسى)، فكأنه جعل الفاعل مستترا في (ناداها).

стр. 178

المعنى: فناداها عيسى من تحتها، وهو أجود الوجهين. وذلك أنه جرى ذكره في قوله: فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ ... [مريم: ١٩/ ٢٢]. فلما أتى الفعل بعد ذكره دلّ على أنه فعل المذكور، وأنه مستتر في فعله، فالكسر أعم. وذلك أن من كسر يحتمل المعنى أن يكون الملك ويحتمل أن يكون عيسى ﵇ (١). وثمرة الخلاف: أن قراءة أبي عمرو، وابن كثير، وابن عامر، وشعبة قد أفادت الإشارة إلى المنادي فكانت (من) هي الاسم الموصول المعرف بالمنادي، بينما أفادت قراءة الباقين أن مكان المنادي كان تحت السيدة مريم، أما الضمير الدّال عليه، فهو مستتر في قوله سبحانه: فناداها، ولا تعارض بين الفائدتين. ويبقى الخلاف في تعيين المنادي أهو جبريل أم السيد المسيح، وليس هذا الخلاف ناشئا عن اختلاف القراءة. قال الشوكاني في فتح القدير: فَناداها مِنْ تَحْتِها أي جبريل لما سمع قولها، وكان أسفل منها تحت الأكمة، وقيل تحت النخلة، وقيل: المنادي هو عيسى (٢). وروي عن ابن عباس أن المنادي هنا هو جبريل، ولم يتكلم عيسى حتى أتت به قومها، وقد أورد أستاذنا الدكتور الزحيلي هذا الرأي (٣)، ولا شك أنه يتضمن الثناء على السيدة الطاهرة بوصفها بزيادة اليقين؛ إذ أشارت إليه كما أمرت، ولم تكن تعلم أنه سينطق في المهد؛ إذا كان الذي ناداها من تحتها عند المخاض إنما هو جبريل.

стр. 179

فإن كان المنادي عيسى ﵇، لم يكن لنا أن نثبت لها ما قدمناه من هذه الصفة، والله سبحانه أعلم. المسألة الثانية عشرة: قوله تعالى: فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنادى فِي الظُّلُماتِ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ [الأنبياء: ٢١/ ٨٧]. قرأ يعقوب: (فظنّ أن لن يقدر عليه). وقرأ الباقون: فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ (١). وتوجيه قراءة يعقوب أن نبي الله يونس ﵇ أراد الفرار من قومه لئلا يطاله أذاهم، فيكون كفار قومه في مقام نائب الفاعل المضمر في هذا المقام. وبمثل قراءة يعقوب قرأ عبيد بن عمير، وقتادة، والأعرج لكن مع التشديد: (فظنّ أن لن يقدّر عليه). وقرأ عبد الله بن أبي إسحاق، والحسن البصري، وابن عباس مثلما قرأ يعقوب بدون تشديد (٢). وعلى قراءة يعقوب المتواترة، وقراءة قتادة، والأعرج الشاذة لا يوجد ما يعكر فهم النّص، إذ من شأن الأنبياء أن يظنوا أن الله لن يقدّر عليهم المصيبة، وأن يظنوا أن الكفرة لن يقدروا على إيذائهم، وذلك إحساس بشري مشروع لا يقدح في عصمة المرسلين. ولكن الإشكال إنما يتوجه على قراءة الجمهور، وذلك كما روي عن معاوية بن أبي سفيان أنه استدعى ابن عباس يوما، فقال له: لقد ضربتني أمواج القرآن البارحة فغرقت فيها، فلم أجد لنفسي خلاصا إلا بك. قال: وما هي يا معاوية؟ فقرأ هذه الآية، وقال: أو يظن نبي الله أن لا يقدر عليه؟ فقال ابن عباس: هذا من القدر لا من القدرة (٣).

стр. 180

وهذا في الحقيقة من بدائع الكلم، إذ جعل نَقْدِرَ هنا من التقدير، وهذا كما ترى ظنّ محمود يندرج تحت حسن الظن بالله، ويتضمن اعتقاد نبي الله يونس بأن الله لن يقدر عليه العقوبة، بل يعفو ويرحم. وقد أفاض الإمام القرطبي في الرّد على من تأوّل الآية هنا بمعنى أن إبليس استزلّه، وأوقع في ظنه إمكان ألا يقدر الله عليه بمعاقبته، فقال القرطبي: هذا قول مردود مرغوب عنه لأنه كفر، مع أنه صرح بروايته عن سعيد بن جبير (١). وثمة توجيه آخر لقراءة الجمهور وهو على جعل نقدر هنا بمعنى نضيق، ويدل لذلك قوله تعالى: اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ [الرّعد: ١٣/ ٢٦]، وقوله: وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتاهُ اللَّهُ [الطّلاق: ٦٥/ ٧]، وهو قول مروي عن سعيد بن جبير، وعطاء، والحسن البصري (٢). فهناك إذن توجيهان لقراءة الجمهور أنها بمعنى: التقدير، وبمعنى التّضييق. ويشهد للقول بأنه التقدير أيضا ما روي أن عمر بن عبد العزيز قرأها: (فظنّ أنه لن نقدر عليه)، وبمثل ذلك روي عن قتادة، والفراء، وأنشد ثعلب: فليست عشيات اللوى برواجع ... لنا أبدا ما أورق السلم النضر ولا عائد ذاك الزمان الذي مضى ... تباركت ما تقدر يقع، ولك الشكر (٣) وثمرة الخلاف: أن نبي الله يونس- وهو النبي المعصوم- لما ترك قومه وقع في ظنه شيئان: الأول: أن قومه لن يقدروا على إيذائه حين يفرّ منهم، وهو ما دلّت له قراءة يعقوب بصيغة المبني للمجهول. الثاني: أن الله لن يقدر عليه بمعنى: لن يقدر عليه، أي: لن يعجل حسابه ويؤاخذه بالإياس من قومه (٤)، وهو ما دلّت له قراءة الجمهور، وهو حسن ظن بالله، وحسن اعتقاد بعفوه، ورحمته.

стр. 181

وإن يونس قد برم بقومه لطول ما ذكرهم فلم يذكروا، وأقاموا على كفرهم، فراغمهم، وظن أن ذلك يسوغ حيث لم يفعله إلا غضبا لله، وأنفة لدينه، وبغضا للكفر وأهله. فالتأليف بين القراءتين أفادنا الاطّلاع على خواطر نبي الله يونس، وهو يولي قومه، وهي كما ترى خواطر لا تقدح في العصمة، بل تكشف لنا زيادة مزايا الفضل في هذا النّبي الكريم ﷺ . المسألة الثانية عشرة: قوله تعالى: ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ وَلكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ [الأحزاب: ٣٣/ ٤٠]. قرأ عاصم: وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ بفتح التاء. وقرأ الباقون: (وخاتم النّبيّين) بكسر التاء (١). الخاتم والخاتم لغتان في معنيين اثنين: الخاتم: الزينة، والخاتم: الختام والطابع وكذلك بالكسر، وقد أطبقت معاجم اللغة على ذلك (٢). وليس بين الفتح والكسر دلالة تشريعية إذ الأمر كما بيّناه تعدّد لغات لمقصود واحد، وهو ما دلّت عليه مراجع اللغة المعتمدة. ولكن يبدو في المسألة دلالة أخرى في تكامل المعنى من القراءتين المتواترتين، وهو أن خاتم بالكسر اسم فاعل، وخاتم بالفتح اسم ذات، وكلاهما وصف له ﷺ بأنه ختم الرّسل وأنه ﷺ ختمهم، وذلك بمعنى الختام، وبمعنى الزينة جميعا. ولست أجد هنا ثمرة للخلاف من جهة الأحكام الشرعية، ولكني أوردت هذه المسألة في هذا

стр. 182

المقام نظرا لأن فرقة مارقة ظهرت أيام الاحتلال البريطاني للهند؛ وهي الفرقة القاديانية (١) استغلت جهل العامة باللغة فروّجت لضلالتها بأن القراءة المتواترة لا تدلّ على أكثر من أن النّبي ﷺ زينة للرّسل، وليس ختاما لهم. وهذه الضلالة مردودة عند أهل الاعتبار من وجهين: الأول: لم ينفرد أحد من أهل اللغة المحتجّ بهم بهذا التفصيل، فالخاتم والخاتم كلاهما يحتوي المعنى ذاته من الختام والزينة، فالانفراد بأحد المعنيين تحكم، وهو أمر لم يؤدّ إليه من قبل اختيار أحد من النّحاة المشهورين. وقد قدّمت لك طرفا من اختيارات الجواهري، والفيروزآبادي، وابن منظور في الصفحة السالفة (٢). الثاني: لو سلمنا جدلا بأن الخاتم بالكسر هو الزينة، ولا يدل على الختام، على أساس أن قراءة الفتح وحدها تفيد ختم النّبوة، فكيف يسوغ لمسلم أن يقبل إحدى القراءتين المتواترتين، وينبذ أختها، مع أنهما في الثّبوت سواء عند سائر المسلمين، وليست إحداهما أولى من أختها بالقبول من جهة الإسناد؟ وهكذا فإن مسألة ختم النّبوة منصوص عليها في القرآن الكريم، كما دلّت على ذلك القراءات المتواترة التي لا ينكرها إلا كافر. وهذه الأدلة من القرآن الكريم مؤيدة بالأدلة المتظاهرة من السّنة النّبوية التي أجمع أهل السّنة والجماعة على تصحيحها. قال النّبي ﷺ : «سيكون في أمّتي ثلاثون كذّابا، كلّهم يزعم أنّه نبي، وأنا خاتم النّبيين، لا نبيّ بعدي» (٣).

стр. 183

وعن جابر بن عبد الله أن النّبي ﷺ قال: «إنما مثلي في الأنبياء كمثل رجل بنى دارا فأكملها وأحسنها إلا موضع لبنة، فكان من دخلها ونظر إليها، فقال: ما أحسنها إلا موضع هذه اللبنة، فأنا موضع اللبنة، ختم بي الأنبياء» (١). ولم يشتهر القول بنفي ختم النّبوة إلا عند القاديانية، وهي فرقة ضالّة بإجماع المسلمين، وبحسبك من ضلالهم، وانحرافهم علاقتهم بالاستعمار، ودعوتهم الخبيثة إلى نسخ الجهاد والركون إلى الكفار والمشركين. وفي ختام هذه المسألة ننقل تلخيصا لمعنى ختم النّبوة ودلالات ذلك، من بحث علمي نفيس بعنوان: هيمنة القرآن وعالميته وخلوده، للباحث العلامة الشيخ أحمد علي الإمام قال فيه: «وكانت النّبوة التي جاءت به خاتمة النّبوات، فكانت صالحة لكل زمان ومكان، وكذا كان القرآن مما استلزم أن يكون هذا الكتاب عالميّا وخالدا. ذلك أن خاتمية الرسالة وتوقّف النّبوات يتطلب استمرارية القيم في القرآن الكريم، والمعايير، والموجّهات، فكان الخلود للقرآن لتخليد هذه القيم، وكان ختام النّبوّات جميعا يتطلب أن لا تنحصر هذه القيم، والموجّهات في أمّة من الأمم دون غيرها لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ. وختم النّبوة يعني أن القرآن هو آخر رسالة إلى الناس، فلا كتاب بعد القرآن، ولو علم الله أن الناس يحتاجون إلى رسالة أخرى من بعد ذلك لما كان القرآن الكريم هو الرسالة الخاتمة، فإن رحمة الله بالبشر لا تتركهم بغير دليل، وهداية وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ [الأنبياء: ٢١/ ١٠٧]. ونتيجة لختم النّبوة يلزم أن تكون صالحة لكل زمان ومكان، وأن تكون الرسالة لجميع البشر تحقيقا للعالمية. وأن تكون الرسالة ميسرة للقرآن والعمل وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ [القمر: ٥٤/ ١٧]. وأحكامها قائمة على التيسير لا التعسير يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ [البقرة: ٢/ ١٨٥]، حيث لا حرج ولا مشقة وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ

стр. 184

[الحج: ٢٢/ ٧٨]، والتكليف على الوسع لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها [البقرة: ٢/ ٢٨٦]. كما جاءت هذه الرسالة لترفع عنّا الإصر والأغلال التي كانت على من سبقنا وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ [الأعراف: ٧/ ١٥٧]، وقد ظلّ نداء المسلمين على الدوام دعاء يتلى آناء الليل، وأطراف النهار رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ [البقرة: ٢/ ٢٨٦]، وحينئذ لا تكون ثمة حاجة لشيء من الرسالات السابقة تحقيقا لمعنى الهيمنة، ولا يكون ثمة احتمال لضياع الرسالة الخاتمة فيكتب الله لها الحفظ والخلود) (١). المسألة الرابعة عشرة: قوله تعالى: وَقِيلِهِ يا رَبِّ إِنَّ هؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ [الزخرف: ٤٣/ ٨٨] قرأ عاصم وحمزة: وَقِيلِهِ يا رَبِّ بكسر اللام على معنى (وعنده علم الساعة (٢)، وعلم قيله). وقرأ الباقون: بالنصب. قال الأخفش: منصوب على وجهين: أحدهما على العطف على قوله: أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ ... [الزخرف: ٤٣/ ٨٠]، وقيله أي: ونسمع قيله، وعلى قوله: وقال: قيله. قال الزجاج: «الذي أختاره أنا أن يكون نصبا على معنى: (وعنده علم الساعة، ويعلم قيله)، فيكون المعنى: (أنه يعلم الغيب، ويعلم قيله) (٣). وثمرة الخلاف: أن الله سبحانه أخبر أنه يعلم خبر قيله، وأسفه على قومه، وهو ما دلّت له قراءة الخفض، ثم تهددهم بقوله: أم يحسبون أنّا لا نسمع سرّهم ونجواهم، أي: ويحسبون أنّا لا نسمع قيله يا ربّ ... ، ثم أخبر بأنه يسمع ذلك كله، ورسلنا لديهم يكتبون. وهو ما دلّت له قراءة النصب. وبالجملة فإن الجمع بين القراءتين يفيد علم الله بصبر نبيّه، ويفيد كذلك تهديده للمشركين في إعراضهم عن هدي النّبي ﷺ .

стр. 185

المسألة الخامسة عشرة: قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [الحجرات: ٤٩/ ١]، قرأ يعقوب: (لا تقدموا)، وقرأ الباقون: لا تُقَدِّمُوا (١). فيكون المعنى على اختيار يعقوب النهي عن التقدم على النّبي ﷺ في المشي، والقيام بسائر الأفعال، وذلك على تقدير حذف إحدى تاءتي: تتقدموا (٢). وهي فعل لازم، وبمثل قراءة يعقوب قرأ الضحاك (٣) أيضا. وأما قراءة الجمهور فقد جاءت بفعل متعد من غير التصريح بالمفعول، وقد حذف المفعول إيذانا بالعموم، ليتناول كل ما يقع في النفس مما يقدم، وقريب من ذلك قوله سبحانه: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ [العلق: ٩٦/ ١]، فقد حذف المفعول ليشمل كل قراءة نافعة، وثمة وجه آخر لحذف المفعول هنا أورده الزمخشري إذ قال: إنه لم يقصد قصد مفعول، ولا حذفه، بل توجّه بالنّهي إلى نفس المتقدم كأنه قيل: لا تقدموا على التّلبس بهذا الفعل، ولا تجعلوه منكم بسبيل كقوله تعالى: هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ (٤) [غافر: ٤٠/ ٦٧]. وثمرة الخلاف: تظهر فيما تحصل من معان جديدة ومفيدة، فمقتضى الآية هنا النهي عن التقدم على رسول الله ﷺ فعلا؛ كما دلّت قراءة يعقوب، وقولا؛ كما دلّت قراءة الباقين. فهي إذن مشتملة على وجوب الأدب معه ﷺ وعدم التّقدم عليه، ومشتملة أيضا على وجوب طاعته واتباعه ﷺ فيما أمر به. وليس ثمة سبيل لاستخلاص ذينك المعنيين من هذه الآية إلا من خلال تعدّد القراءات كما رأينا. قال القاضي ابن العربي المالكي: الآية أصل في ترك التّعرض لأقوال النّبي ﷺ ، وإيجاب

стр. 186

اتّباعه، والاقتداء به، وكذلك قال النّبي ﷺ في مرضه: «مروا أبا بكر فليصل بالناس» فقالت عائشة لحفصة: قولي له: إن أبا بكر رجل أسيف، وإنه متى يقم مقامك لا يسمع الناس من البكاء، فمر عليّا (١)، فليصلّ بالناس، فقال ﷺ : «إنكن لأنتنّ صواحب يوسف، مروا أبا بكر فليصلّ بالناس» (٢). وكذلك فقد أورد القاضي ابن العربي خمسة أسباب لنزول الآية تكشف لك أن كلا المعنيين مراد حيث دلّت عليه الآية، وبسط الأسباب الخمسة كما يلي: الأول: إن قوما كانوا يقولون لو أنزل في كذا وكذا، فأنزل الله هذه الآية. قاله قتادة. الثاني: نهوا أن يتكلموا بين يدي كلامه. قاله ابن عباس. الثالث: لا تفتاتوا على الله ورسوله في أمر حتى يقضي الله على لسان رسوله ﷺ ما يشاء. قاله مجاهد. الرابع: نزلت في قوم ذبحوا قبل أن يصلّي النّبي ﷺ ، فأمرهم أن يعيدوا الذبح. قاله الحسن. الخامس: لا تقدموا أعمال الطاعة قبل وقتها. قاله الزجاج (٣). وأورد القرطبي سببا سادسا وهو أن النّبي ﷺ أراد أن يستخلف رجلا على المدينة يوم قصد خيبر، فأشار عليه عمر برجل آخر فنزلت (٤). ويناسب أن يكون الرابع والخامس سببا للآية كما قرأ يعقوب، وأن تكون الأسباب الأخرى واردة على ما قرأ الباقون. قال ابن العربي: هذه الأقوال كلها صحيحة تدخل تحت العموم، فالله أعلم ما كان السبب المثير للآية، ولعلها نزلت دون سبب (٥).

стр. 187

المسألة السادسة عشرة: قوله تعالى: وَما هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ [التكوير: ٨١/ ٢٤]. قرأها ابن كثير، وأبو عمرو، والكسائي، ورويس: (وما هو على الغيب بظنين) (١)، من الظّن والتّهمة. وقرأ الباقون: وَما هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ (٢) من البخل. ففي قراءة ابن كثير وأصحابه نفى الله سبحانه عن نبيّه الكريم ﷺ تهمة الوهن والظّن، فيما يبلغه للعباد من أمر الغيب والوحي. وظنين، صيغة (فعيل)، من ظنّ، جاءت اسم فاعل، خلافا للقياس في نظائرها: منّ، وحنّ، وأنّ؛ حيث اسم فاعلها حنّان، ومنّان، وأنّان. وفي قراءة الباقين نفى الله سبحانه عن نبيّه الكريم ﷺ تهمة كتم شيء من الوحي، فأخبر أن ما هو على الغيب بضنين، من البخل، ويدلّ له قول السيدة عائشة ﵂ لابن أختها عروة: أين أنت من ثلاث من حدثك بهن فقد كذب ... ومن حدثك أنه كتم شيئا من الوحي فقد كذب (٣). وذلك كله من أصول العقيدة يدلّ له العقل، ويدلّ له النقل في مواطن كثيرة، وتزيده هذه الآية توكيدا على توكيد. وثمرة الخلاف: أنه يلزم المكلّف اعتقاد سلامة النّبي ﷺ من أمرين اثنين: من الضّن بالغيب، ومن الظّن بالغيب، فهو لم يكتم شيئا مما أوحي إليه، وكذلك لم يتلقّ ما تلقّى ظانّا، ولا واهما، وإنما تلقّاه بيقين، وأدّاه بيقين. ولم يكن لك أن تدرك المعنيين جميعا لولا ما تواتر من القراءة الصحيحة.

стр. 188

وهذه المعاني التي دلّت لها الآية من أصول العقيدة يدلّ لها النقل، ويدلّ لها العقل في مواطن كثيرة، وتزيده هذه الآية توكيدا على توكيد. وفي التّنزيل: قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ [الكهف: ١٨/ ١٠٧]. وقد أدّى النّبي ﷺ ما أوحي إليه فلم يضنّ بشيء، وكان في بعض ما أدّاه عتب عليه شديد، ولو كان له أن يبدله من تلقاء نفسه لكتم ذلك، وقد قالت السيدة عائشة ﵂: لو كان رسول الله ﷺ كاتما شيئا من الوحي لكتم هذه الآية: وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ، وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ [الأحزاب: ٣٣/ ٣٧]. وكذلك قوله تعالى: عَبَسَ وَتَوَلَّى* أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى * وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى* أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى * أَمَّا مَنِ اسْتَغْنى * فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى* وَما عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى* وَأَمَّا مَنْ جاءَكَ يَسْعى * وَهُوَ يَخْشى * فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى [عبس: ٨٠/ ١ - ١٠]. وكذلك قوله تعالى: ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ، تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ* لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ [الأنفال: ٨/ ٦٧ - ٦٨]. وكذلك قوله سبحانه: وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ* لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ* ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ* فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ [الحاقّة: ٦٩/ ٤٤ - ٤٧]. فهذه الآيات ونظائرها تضمّنت عتبا شديدا على النّبي ﷺ ، ولو كان له أن يضنّ بشيء من الوحي لضنّ بهذا. وأما باب الظّن فقد رزقه الله سبحانه من اليقين ما لم يؤته أحد، وبحسبك أنه بشّر سراقة بن مالك بن جعشم بسواري كسرى وتاجه وهو طريد خائف، يخاف أن يتخطّفه الناس، وبشّر المسلمين بكنوز كسرى وقيصر يوم الخندق، وإن المشركين ليطوقون المدينة كما يطوق السوار المعصم، والمنافقون بداخل المدينة يغلون بالنّفاق ويقولون: ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً [الأحزاب: ٢٣/ ١٢]، واليهود يغدرون من الخلف ويكيدون للإسلام والمسلمين.

стр. 189

وأخرج الترمذي في جامعه في كتاب التفسير سورة المائدة: (فبينما نحن كذلك سمعت صوت السلاح، فقال النّبي ﷺ : من هذا؟ فقالوا: سعد، وحذيفة جئنا نحرسك يا رسول الله، فنام ﷺ حتى سمعت غطيطه، ونزلت هذه الآية: وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ، فأخرج رسول الله ﷺ رأسه من قبة أدم، وقال: «انصرفوا أيها الناس؛ فقد عصمني الله» (١). فأنت ترى أنه صرف الحرس على رغم حاجته إليهم لمجرد أنه تلقى من الله وعدا بالعصمة، فقد كان يقينه بعصمة الله أعظم من ثقته بعصمة الناس. وهذه المعاني كما ترى مجتمعة في قوله سبحانه: وَما هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ. المسألة السابعة عشر: قوله تعالى: لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ [الانشقاق: ٨٤/ ١٩]. قرأ ابن كثير، وحمزة، والكسائي، وخلف (٢): (لتركبنّ طبقا) بفتح الباء، أي: لتركبن يا محمد حالا بعد حال. يذكر حالات النّبي ﷺ من يوم أوحي إليه إلى يوم قبضه الله، وقد روي أيضا: «لتركبن يا محمد سماء بعد سماء» يعني في المعارج. وقال آخرون منهم ابن عباس: «لتركبن أي لتصيرن الأمور حالا بعد حال بتغيرها، واختلاف الأزمان» يعني الشدة (٣). ف (الأمور) فاعلة وتكون التاء لتأنيث الجمع. وقال آخرون منهم ابن مسعود: إنه قرأ (لتركبنّ) - أي السماء- حالا بعد حال، تكون وردة كالدهان، وتكون كالمهل في اختلاف هيأتها. فتكون التاء لتأنيث السماء. وقرأ الباقون: لَتَرْكَبُنَّ برفع الباء. وحجتهم في ذلك أنه يخاطب الناس في ذلك، لأنه ذكر من يؤتى كتابه بيمينه وبشماله، ثم ذكر ركوبهم طبقا عن طبق، ثم قال: فَما لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ المعنى: لتركبن حالا بعد حال من إحياء، وإماتة، وبعث حتى تصيروا إلى الله.

стр. 190

عن الحسن قال: لتركبن حالا بعد حال، ومنزلا بعد منزل (١). وعن مجاهد (٢): لتركبنّ أمرا بعد أمر (٣). وثمرة الخلاف: أن الآية نصّت على شيئين اثنين: الأول: أن الناس يتقلّبون في أحوال مختلفة من الموت إلى القبر إلى البرزخ إلى الحساب إلى حيث يؤمر بهم، وهو ما دلّت له قراءة الجمهور. الثاني: أن النّبي ﷺ موعود من الله ووعد الله حق لا يخلف الله الميعاد- موعود أن يرقى به طبقا عن طبق، وقد رأيت قوة التفسير الذي أشار إلى أنها العدة بالمعراج، وقد دلّت لهذا المعنى قراءة ابن كثير، وحمزة، والكسائي، وخلف العاشر. والحاصل أن اختلاف القراءتين مردّه إلى تقدير الضمير، أهو مفرد أم جمع؟ فإن كان مفردا كما قرأه ابن كثير وأصحابه: فهو إما النّبي ﷺ كما مرّ بك، أو السماء كما روي عن ابن مسعود كما قدمنا. وإن كان المضمر جماعة كما في قراءة الجمهور، فالآية إخبار عن أحوال الناس يوم القيامة، وما ينتظرهم من معاد. وهذه الدّلالات جميعا من مقاصد الآية، لا تتعارض، ولا تتناقض، وسبيل معرفتها هو القراءة المتواترة بالضّم والفتح جميعا.

стр. 191

المبحث الثالث الغيبيّات المسألة الأولى: قوله تعالى: فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ عَنْها فَأَخْرَجَهُما مِمَّا كانا فِيهِ [البقرة: ٢/ ٣٦]. قرأ حمزة: (فأزالهما الشيطان عنها) (١)، وقرأ الباقون: فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ عَنْها (٢). فقراءة حمزة من الإزالة، وهي نقيض الثبات، ويقوي قراءته قوله سبحانه: فَأَخْرَجَهُما مِمَّا كانا فِيهِ، وهو في اقتضاء الظاهر أكثر من الوسوسة. أما قراءة الجمهور: فَأَزَلَّهُمَا من الزّلل، وهو نتيجة وسوسته وإغرائه، والوسوسة حديث النفس، يقال: وسوست إليه نفسه وسوسة، ووسواسا بكسر الواو، وكان ذلك عن طريق القسم لهما إنه لمن النّاصحين: وَقاسَمَهُما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ [الأعراف: ٧/ ٢١]. وأما السبيل التي بها وسوس لآدم فلم يصح فيها خبر، وغاية ما دلّت عليه النصوص القرآنية أنه غرّه باليمين الفاجرة وأغراه بالملك، وهو نقل عن ابن عباس قال: أتاه الملعون من جهة الملك. وثمرة الخلاف: أنه يجوز نسبة الفعل إلى الشيطان على سبيل المجاز، وهو ما دلّت عليه قراءة حمزة، وليس هذا المعنى جديدا مبتدعا في الآية؛ بل له نظائر كثيرة في القرآن، ولكنه مؤيّد لها ومظاهر، أقربها قوله سبحانه: فَأَخْرَجَهُما مِمَّا كانا فِيهِ [البقرة: ٢/ ٣٦]، فنسب الإخراج إليه مع أنه لم يكن منه إلا الوسوسة، وكان الإخراج بأمر الله على سبيل الحقيقة.

стр. 192

والقراءتان متظاهرتان في التوكيد أن على المؤمن أن يتقي كيد الشيطان، فقد بلغ من كيده أنه أزل نبيّا وأزاله عن نعمته، وتكرّر الخبر في القرآن لأهميته وعظم دلالته، وإن كان ذلك الأثر كله مقدّر بأمر الله سبحانه، وأمرك بدراستها وفهمها. فيكون ما دلّت عليه قراءة الجمهور أن سعي الشيطان مقتصر على الوسوسة، وما دلّت عليه قراءة حمزة أن سعيد قد يتعدّاها إلى الكيد المفضي إلى ركوب المحظور. وليس بين القراءتين تناقض بل إن قراءة حمزة أفادت معنى جديدا، وهي متواترة ينبغي التزامها، وهذا يشبه ما هو مقرّر عند علماء الاصطلاح من قبول وزيادة الثقة. المسألة الثانية: - قوله تعالى: قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ، وَما يُشْعِرُكُمْ أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ [الأنعام: ٦/ ١٠٩]. قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وشعبة: (وما يشعركم إنّها إذا جاءت) بكسر الألف. قال اليزيدي: الخبر متناه عند قوله: وَما يُشْعِرُكُمْ أي: ما يدريكم؟ ثم ابتدأ الخبر عنهم: (إنهم لا يؤمنون إذا جاءتهم) وكسروا الألف على الاستئناف. قال سيبويه: سألت الخليل عن قوله: (وما يشعركم إنّها إذا جاءت) ما منعها أن تكون كقولك: (وما يدريك أنه لا يفعل؟)، فقال: لا يحسن ذلك في هذا الموضع، إنما قال: وَما يُشْعِرُكُمْ ثم ابتدأ، فأوجب، فقال: (إنها إذا جاءت لا يؤمنون) لو قال: (وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون) كان عذرا لهم، وحجّتهم قوله [بعدها]: وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ .. إلى قوله: ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا فأوجب لهم الكفر، وقال: وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ، أي: إن الآية إن جاءتهم لم يؤمنوا [لما لم يؤمنوا] أول مرّة. وقرأ الباقون: أَنَّها إِذا جاءَتْ بالفتح. قال الخليل: إن معناها: لعلها إذا جاءت لا يؤمنون. قال: وهذا كقولهم: (ايت السوق أنك تشتري لنا شيئا) أي لعلك.

стр. 193

يروى في التفسير (١) أنهم اقترحوا الآيات، وقالوا: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً [الإسراء: ١٧/ ٩٣] .. إلى قوله: حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتاباً نَقْرَؤُهُ فأنزل الله: قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وَما يُشْعِرُكُمْ أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ (٢)، أي لعلها إذا جاءت لا يؤمنون على رجاء المؤمنين. وقال آخرون: بل المعنى: (وما يشعركم أنّها إذا جاءت يؤمنون) فتكون (لا) مؤكدة للجحد كما قال: وَحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ بمعنى: (وحرام عليهم أن يرجعوا). قال الفرّاء: «سأل الكفّار رسول الله ﷺ أن يأتيهم بالآية التي نزلت في الشعراء إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ». وقال المؤمنون: يا رسول الله سل ربّك أن ينزلها حتى يؤمنوا، فأنزل الله: وَما يُشْعِرُكُمْ أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ أي (إذا جاءت يؤمنون) و (لا) صلة كقوله: ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ أي أن تسجد. وقراءة حمزة، وابن عامر: (إذا جاءت لا تؤمنون) بالتاء. وحجتهما قوله: وَما يُشْعِرُكُمْ. قال مجاهد: قوله: وَما يُشْعِرُكُمْ خطاب للمشركين الذين أقسموا، فقال جلّ وعزّ: وما يدريكم أنكم تؤمنون. وقرأ الباقون: بالياء، إخبار عنهم. وحجتهم قوله: وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ ولم يقل: (أفئدتكم) (٣). وثمرة الخلاف: أن القراءتين غير متعارضتين في المعنى؛ وإن أوهم السياق التّعارض، وهي على تقدير التقرير، أو المفعولية، تفيد أن المشركين لن يؤمنوا ولو جاءتهم الآيات، وهذا قررته آيات كثيرة:

стр. 194

وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتاباً فِي قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ [الأنعام: ٦/ ٦]. وَلَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ باباً مِنَ السَّماءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ* لَقالُوا إِنَّما سُكِّرَتْ أَبْصارُنا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ [الحجر: ١٥/ ١٤ - ١٥]. وفي توكيد المعنى جاءت الآية التالية: وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ [الأنعام: ٦/ ١٠٩]. وهذا السياق يدفع توهّم أن تكون الآية عتابا للمؤمنين كما يشعر به قوله سبحانه: وَما يُشْعِرُكُمْ، على قراءة الفتح. وهكذا فإن جماهير المفسرين متّفقون على معنى أن الآيات لن تكون سببا لإسلامهم، فلا تنتظروا دخولهم في الإسلام بها إلا أن يشاء الله، ولكن أكثرهم يجهلون. وللقرطبي في هذه الآية تعليل لطيف أنقله لك بنصّه: قوله تعالى: قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ أي قل يا محمّد: الله القادر على الإتيان بها، وإنما يأتي بها إذا شاء. وَما يُشْعِرُكُمْ أي: وما يدريكم إيمانهم، فحذف المفعول، ثم استأنف فقال: (إنها إذا جاءت لا يؤمنون) بكسر إن، وهي قراءة مجاهد، وأبي عمرو، وابن كثير. ويشهد لهذا قراءة ابن مسعود (وما يشعركم إذا جاءت لا يؤمنون). وقال مجاهد، وابن زيد: المخاطب بها المشركون، وتمّ الكلام. حكم عليهم بأنهم لا يؤمنون، وقد أعلمنا في الآية بعد هذه أنهم لا يؤمنون، وهذا التأويل يشبه قراءة من قرأ (تؤمنون) بالتاء. وقال الفرّاء وغيره: الخطاب للمؤمنين، لأن المؤمنين قالوا للنّبي ﷺ : يا رسول الله، لو نزلت الآية لعلهم يؤمنون، فقال الله تعالى: وَما يُشْعِرُكُمْ أي: يعلمكم ويدريكم أيها المؤمنون. أَنَّها بالفتح، وهي قراءة أهل المدينة، والأعمش، وحمزة، أي: لعلها إذا جاءت لا يؤمنون. قال الخليل: أَنَّها بمعنى لعلها، حكاه عن سيبويه، وفي التّنزيل: وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى أي أنه يزّكّى. وحكي عن العرب: ايت السوق أنّك تشتري لنا شيئا، أي: لعلك، وهو اختيار إمام اللغة الخليل بن أحمد الفراهيدي، وقال أبو النّجم:

стр. 195

قالت لشيبان ادن من لقائه ... لأن تغدي القوم من شوائه وقال عدي بن زيد: أعازل ما يدريك أنّ منيّتي ... إلى ساعة في اليوم أو في ضحى الغد أي: لعلني. وقال دريد بن الصّمة: أريني جوادا مات هزلا لأنني ... أرى ما ترين أو بخيلا مخلّدا أي: لعلني. وهو في كلام العرب كثير (أنّ) بمعنى لعلّ. وحكى الكسائي أنه كذلك في مصحف أبي بن كعب: (وما أدراكم لعلها). وقال الكسائي، والفرّاء: أن (لا) زائدة، والمعنى: وما يشعركم أنها- أي الآيات- إذا جاءت المشركين يؤمنون، زيدت (لا) كما زيدت (لا) في قوله تعالى: وَحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ لأن المعنى: وحرام على قرية مهلكة رجوعهم. وفي قوله: ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ والمعنى: ما منعك أن تسجد. وضعّف الزّجاج، والنّحاس، وغيرهما زيادة (لا) وقالوا: هو غلط وخطأ؛ لأنها إنما تزاد فيما لا يشكل. وقيل: في الكلام حذف، والمعنى: وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون، أو يؤمنون، ثم حذف هذا لعلم السامع، ذكروا النحاس وغيره (١). ونقل أبو الشيخ (٢) عن ابن عباس قال: أنزلت في قريش ومعناها: وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها، قل إنما الآيات عند الله، وما يشعركم يا معشر المسلمين أنها إذا جاءت لا يؤمنون إلا أن يشاء الله فيجبرهم على الإسلام (٣).

стр. 196

المسألة الثالثة: قوله تعالى: قُلْ إِنَّنِي هَدانِي رَبِّي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً [الأنعام: ٦/ ١٦١]. قرأ نافع، وأبو جعفر المدنيان، وأبو عمرو البصري: (دينا قيّما ملّة إبراهيم حنيفا) أي مستقيما. وقرأ الباقون: دِيناً قِيَماً بالتخفيف (١). قال أبو زرعة دينا قيما بكسر القاف؛ أي: مستقيما (٢)، أي: لا عوج فيه (٣)، وعلى ذلك جرى أكثر المفسرين أنها لغتان في الكلمة الواحدة، حتى نقل أبو زرعة عن الفراء قوله: في هذه الكلمة لغات. العرب تقول: هذا قيّام أهله، وقوّام أهله، وقيّم أهله، وقيم أهله (٤). ونظائر القراءة بالتشديد في الكتاب العزيز قوله تعالى: ذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ، وكذلك قوله سبحانه: فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ. وثمرة الخلاف: إنما تظهر من تعقّب معاني الكلمتين، فقد رأيت أن عامة المفسّرين جزموا بأنهما لغتان من الاستقامة، وبذلك تكون ثمرة الخلاف محدودة في إظهار توسع لغوي لأحد الألفاظ العربية. ولكن رأيت في فتح القدير للشوكاني معنى آخر للقيم بالتشديد؛ حيث قال ما نصّه: الدين القيم، الدين المأمور بإقامة الوجه له (٥). فعلى ذلك تكون قراءة التشديد أفادتنا معنى جديدا للفظة المذكورة. فيكون من دلالة قراءة التخفيف أن الإسلام دين مستقيم لا عوج فيه، ناطق بمراد الله هاد إلى أمره.

стр. 197

ويكون من دلالة قراءة التشديد أن الإسلام هو الدين الذي ينبغي أن تقوم له وجوه الموحّدين. وهما وصفان للإسلام لم نكن لنفهم دلالتهما إلا بالقراءتين جميعا. المسألة الرابعة: قوله تعالى: هُنالِكَ تَبْلُوا كُلُّ نَفْسٍ ما أَسْلَفَتْ، وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ [يونس: ١٠/ ٣٠]، قرأ حمزة، والكسائي، وخلف: (هنالك تتلو كل نفس ما أسلفت) بالتاء. وقرأ الباقون: هُنالِكَ تَبْلُوا كُلُّ نَفْسٍ ما أَسْلَفَتْ (١) بالباء. وهما معنيان كما ترى، فالقراءة بالتاء إخبار عن حال العباد حينما تبسط الصحف أمامهم يوم القيامة فيقرئون ما فيها، ونظيرها قول الله : اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً [الإسراء: ١٧/ ١٣]، وقيل: بل معناه تتبع كل نفس ما قدمت في الدنيا، ومنه قول الشاعر: إن المريب يتبع المريبا ... كما رأيت الذيب يتلو الذيبا (٢) وأما القراءة بالباء فهي من الاختبار والابتلاء، أي: تختبر ما قدمت من عمل صالح، وغيره، وتعاين نتيجته، ومنه قوله تعالى: إِنَّا بَلَوْناهُمْ كَما بَلَوْنا أَصْحابَ الْجَنَّةِ [ن: ٦٨/ ١٧]، أي اختبرناهم كما اختبرنا أصحاب الجنة. وثمرة الخلاف: كما ترى في إضافة معنى جديد في تفسير الآية، حيث يلزم الاعتقاد أن العبد يوم القيامة يتلو ما أسلف، ويبلو ما أسلف، فيندفع عنه بتلاوة الصحائف توهمه ضياع بعض عمله، ويندفع عنه بابتلاء الصحائف توهمه أنه لم يؤت جزاء ما عمل، وهذه المسألة من الغيبيات التي يكلف المؤمن باعتقادها، وكما ترى فإن كل واحد من المعنيين دلّت له قراءة متواترة يتحتّم على المسلم تصديقها والتزامها.

стр. 198

المسألة الخامسة: قوله تعالى: لا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ [النّمل: ١٦/ ٦٢]. قرأ نافع: (وأنّهم مفرطون)، وقرأ أبو جعفر: (وأنّهم مفرّطون)، وقرأ الباقون: وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ (١). والتّفريط هو التضييع، وفرط في الأمر أي قصر فيه، وضيّعه حتى فات (٢)، ومنه قول كعب بن مالك في تخلّفه: وتفارط الغزو أي: فات وقته (٣). ومثله قول الله سبحانه: وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطاً [الكهف: ١٨/ ٢٨]، أي متروكا، ترك فيه الطاعة وغفل عنها (٤). ودلالة القراءات الثلاث بحسب متعلقاتها؛ فقراءة نافع على تقدير الفاعلية، وقراءة أبي جعفر على المبالغة فيها، وقراءة الجمهور على تقدير المفعولية، وهذه المعاني جميعا لازمة المشركين في الآخرة كما دلّت القراءة المتواترة. ونقل الزمخشري وجها آخر لأبي جعفر في الكشاف وهو: مفرّطون (٥)، وهو أيضا صيغة مبالغة من قراءة الجمهور، ولكن هذا النقل عن أبي جعفر لم يبلغ رتبة التواتر، فالعهدة فيه على رواته. وثمرة الخلاف: تظهر لك في التأليف بين المعاني التي دلّت لها تلك الوجوه، فالقرآن وصف الكفرة بأنهم مفرطون في حقّ أنفسهم، وفي حقّ دينهم، ضيّعوا فرائض الله، وتركوا أوامره، والقراءة الثانية أفادت المبالغة في هذا المعنى، فدلّت على عنادهم في التّفريط، والتّهاون في أمر الله ونهيه.

стр. 199

وأخبرت القراءة الثالثة بأن الله سبحانه جازاهم من جنس ما يفعلون، فكما فرطوا في أمر الله وضيّعوه، فرّط الله في أمرهم وضيّعهم، وهو من المشاكلة التي وردت مرارا في القرآن الكريم، ونظائرها: نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ [التّوبة: ٩/ ٦٧]، اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ [البقرة: ٢/ ١٥]، وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ [آل عمران: ٣/ ٥٤]. ولا شكّ أن سبيل إدراك هذه المعاني جميعا من منطوق آية واحدة؛ إنما هو بتحصيل الوجوه الثلاث من القراءة المتواترة والله أعلم. المسألة السادسة: قوله تعالى: قالُوا سُبْحانَكَ ما كانَ يَنْبَغِي لَنا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِياءَ [الفرقان: ٢٥/ ١٨]. قرأ أبو جعفر المدني: (ما كان ينبغي لنا أن نتّخذ) بصيغة المبني للمجهول. وقرأ الباقون: ما كانَ يَنْبَغِي لَنا أَنْ نَتَّخِذَ (١). ونقل الزمخشري في الكشاف في توجيه قراءة أبي جعفر أن هذا الفعل- يعني:- اتخذ- يتعدى إلى مفعول واحد، كقولك: اتّخذ زيد وليّا، وإلى مفعولين، كقولك: اتّخذ زيد فلانا وليّا. أي ما ينبغي لنا أن نعبد من دون الله، قال الله تعالى: أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ، وقال: وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلًا، فالقراءة الأولى من المتعدي إلى واحد، وهو من أولياء، والأصل أن نتّخذ أولياء فزيدت (من) لتأكيد معنى النفي. والثانية من المتعدي إلى مفعولين، فالأول ما بني له الفعل، والثاني من أولياء، ومن للتّبعيض، أي لا نتّخذ بعض أولياء (٢). وتبدو قراءة أبي جعفر أوضح في السياق، إذ المطلوب هنا ليس تبرئة المعبودات من عبادة غير الله، بل المطلوب تنزيه المعبود سبحانه من وجود شريك له، ولكن تكلّم النّحويون في هذا الوجه، فقال أبو عمرو البصري، زبان بن العلاء: لو كانت نتخذ لحذفت (من) الثانية، فتقول:

стр. 200

أن نتخذ من دونك أولياء، وبمثل هذا القول قال أبو عبيدة، وعيسى بن عمر، وقد قال بردّ هذه القراءة في اللغة الإمام القرطبي في الجامع في نقل عزاه إلى النحاس يطول نقله، ومثل له بقولك: ما اتّخذت رجلا وليّا (١)، وقولك: ما اتّخذت من رجل وليّا. وهو يشبه ما قدمته لك من اختيار الزمخشري؛ إذ لا يحسن أن تقول: ما اتّخذت من رجل من ولي. وثمرة الخلاف: أن المعبودات من دون الله من أنبياء وصالحين، وكذلك من أحجار، ونجوم، وأشجار إنما هي موحدة لله ، على الفطرة التي فطر الله عليها الخلق، إلا ما يكون من أمر الطواغيت والشياطين، الذين يدعون الناس إلى عباداتهم، كما قال الله سبحانه حكاية عن فرعون: فَحَشَرَ فَنادى فَقالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى. وعليه فإن الآية دلّت على أمرين اثنين: الأول: أن الكائنات جميعا في الأصل موحدة، ما ينبغي أن تتخذ من دون الله من أولياء، وهو ما دلّت له قراءة الجمهور. الثاني: أن بعض المخلوقات عبدت من دون الله على غير إرادة منها، فهي موحدة طائعة، لا تحمل إثم عبّادها وزيغهم إذا أقرّت بين يدي الله بالتوحيد، كما عبد بعض الكفرة عيسى بن مريم، وعبد بعضهم عزيرا، وكلاهما نبيّ كريم، لا يضرّه وزر عابديه، إذ كان قد سبق منهم دعوتهم إلى عقيدة التوحيد، وهذا المعنى دلّت له قراءة أبي جعفر. وكنت أحبّ في هذا الباب أن أقف على رأي للإمام اللغوي الحجة أبي زرعة فإن من عاداته أن يبسط القول في مثل هذه المسائل، ولكنه يلتزم في كتابه الحجة الانتصار للسبعة، وليس منهم أبو جعفر، لذلك فإنني لم أقف على نقل لأبي زرعة في هذا المقام. ومع ذلك فإنه لا يخفى أن اعتراض بعضهم على قراءة أبي جعفر محمول على عدم ثبوت تواترها عندهم، ولو ثبت عندهم التواتر لم تكن لهم مندوحة من قبول ذلك في اللغة والاستنباط.

стр. 201

المسألة السابعة: قوله تعالى: وَإِذا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ [النّمل: ٢٧/ ٨٢]. قرأ عاصم، وحمزة، والكسائي: أَنَّ النَّاسَ بفتح الألف. واحتجّوا بقراءة ابن مسعود: (تكلّمهم بأن الناس) بالباء، فلما سقطت الباء حكى عليها بالنصب. وقرأ الباقون: (إنّ النّاس) بالكسر على الاستئناف. جعلوا اللام عند قوله تُكَلِّمُهُمْ تامّا (١). وثمرة الخلاف: أن قراءة الجمهور ألزمت المسلم باعتقاد خروج الدّابة كشرط من أشراط الساعة، وهو ما دلّت عليه نصوص من السّنة. أخرج نعيم بن حماد عن ابن شوذب قال: قال عمر: لا تخرج دابة الأرض حتى لا يبقى في الأرض مؤمن (٢). وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ثلاث إذا خرجن لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل، أو كسبت في إيمانها خيرا: طلوع الشمس من مغربها، والدّجّال، ودابّة الأرض» (٣). وهذا المعنى دلّت له قراءة الكوفيين أيضا، وزادت عليه بأن ذكرت كلام الدّابة أَنَّ النَّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ، فأضافت هذه القراءة معنى جديدا في أشراط الساعة يلزم اعتقاده. والدّابة التي جاءت بها الآية العظيمة من أظهر علامات الساعة، وهي إحدى الأشراط التي لا يحلّ إنكارها، لأنها ورد بها الخبر في القرآن العظيم وفي السّنة الصحيحة، وأكثر الأحاديث بسطا لخبر الدّابة إنما هو حديث حذيفة بن أسيد الغفاري، وقد خرجه جماعة من أهل السّنن:

стр. 202

«تكون للدّابة ثلاث خرجات من الدّهر: فتخرج خرجة من أقصى اليمين حتى ينشر ذكرها في أهل البادية، ولا يدخل ذكرها القرية- يعني مكة- ثم تمكث زمانا طويلا بعد ذلك، ثم تخرج خرجة أخرى قريبا من مكة، فينتشر ذكرها في أهل البادية، وينشر ذكرها بمكة، ثم تكمن زمانا طويلا، ثم بينما الناس يوما بأعظم المساجد على الله حرمة، وخيرها، وأكرمها على الله؛ المسجد الحرام، لم يرعهم إلّا وهي في ناحية المسجد ترغو ما بين الركن والمقام إلى باب بني مخزوم على الخارج من المسجد، تنفض على رأسها التراب، فارفضّ الناس عنها شتّى ومعا، وتثبت لها عصابة من المؤمنين وعرفوا أنهم لن يعجزوا الله، فبدت بهم فجلت وجوههم حتى تجعلها كأنها الكواكب الدّرية، ثم ولّت في الأرض لا يدركها طالب، ولا يعجزها هارب، حتى إنّ الرجل ليقوم يتعوّذ منها بالصلاة فتأتيه من خلفه، فتقول: يا فلان الآن تصلي؟! فيقبل عليها بوجهه فتسمه في وجهه، ثم تذهب، ويتجاوز الناس في دورهم، وفي أسفارهم ويشتركون في الأموال، ويصطحبون في الأمصار، ويعرف المؤمن من الكافر، حتى إن المؤمن ليقول للكافر: يا كافر اقضني حقي، وحتى إن الكافر يقول للمؤمن، يا مؤمن اقضني حقي» (١). وأقوال المفسرين في وصف الدّابة متقاربة، وإنما عمدتهم على النصوص الواردة في وصفها، ولعل أقوى الوجوه في ذلك ما اختاره ابن عمر ﵁ (٢) من أنها الجسّاسة الوارد ذكرها في الصحاح. وتجمع آراء المفسرين على أنها حيوان يخرج من بعض أطراف الحجاز (٣)، ثم تدخل مكة فتكون للناس واعظا ناطقا تحدّثهم بآيات الله.

стр. 203

وهكذا فإن التواتر المتحقّق في القراءتين يلزم المسلم أن يعتقد بخروج الدّابة وأن يعتقد بكلامها المذكور في الآية (١). وثمة قراءة شاذة منقولة عن بعض السّلف وهي: (دابة من الأرض تكلمهم) (٢) أي تجرحهم، وهي شاذة أريد بها نفي صفة الكلام عن الدّابة، وهو خطأ في العقيدة؛ إذ يلزم الاعتقاد أنها تتكلّم كما دلّت له القراءة المتواترة. المسألة الثامنة: قوله تعالى: لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جانِبٍ [الصّافات: ٣٧/ ٨]. قرأ حمزة، والكسائي، وحفص: لا يَسَّمَّعُونَ بالتشديد. وقرأ الباقون بالتّخفيف، وحجّتهم ما روي عن ابن عباس أنه قرأ: (لا يسمعون)، وقال: (هم يسّمّعون ولكن لا يسمعون) [والدّليل] على صحة قول ابن عباس أنهم (يسّمّعون، ولكن

стр. 204

لا يسمعون) قوله: وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهاباً رَصَداً [الجنّ: ٧٢/ ٩]. وقوله [بعدها]: إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ ... [الصّافات: ٣٧/ ١٠]، فعلم بذلك أنهم يقصدون للاستماع، ومن حجتهم أيضا إجماع الجميع على قوله: إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ [الشعراء: ٢٦/ ٢١٢]، وهو مصدر (سمعت)، والقصة واحدة. وتأويل الكلام: وحفظا من كل شيطان مارد لئلا يسمعوا، بمعنى أنهم ممنوعون بالحفظ عن السمع. فكفّت (لا) من (أن) كما قال: كَذلِكَ سَلَكْناهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ، لا يُؤْمِنُونَ بِهِ ... [الشّعراء: ٢٦/ ٢٠٠ - ٢٠١]، بمعنى: لئلا يؤمنوا به، فكفّت (لا) من (أن) كما كفّت (أن) من (لا) في قوله تعالى: يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا [النّساء: ٤/ ١٧٦]، فإن قال قائل: فلو كان هذا هو الوجه لم يكن في الكلام (إلى) ولكان الوجه أن يقال: لا يسمعون الملأ الأعلى. قلت: العرب تقول: سمعت زيدا، وسمعت إلى زيد، فكذلك قوله: لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلى وقد قال جلّ وعزّ: وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا [الأعراف: ٧/ ٢٠٤]، وقال: وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ [الأنعام: ٦/ ٢٥]، فيعدّي الفعل مرة ب- (إلى) ومرة باللام كقوله: وَهَداهُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [النّحل: ١٦/ ١٢١]، والْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا [الأعراف: ٧/ ٤٣]، وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ [النّحل: ١٦/ ٦٨]، وقال: بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها (١) [الزّلزلة: ٩٩/ ٥]. ومن قرأ: يَسَّمَّعُونَ فالأصل: (يتسمعون) فأدغم التاء في السين لقرب المخرجين. وحجتهم في أنهم منعوا من التّسمع؛ الأخبار التي وردت عن أهل التأويل بأنهم كانوا يتسمعون الوحي، فلما بعث رسول الله ﷺ رموا بالشّهب، ومنعوا، فإذا كانوا عن التّسمع ممنوعين كانوا عن السّمع أشدّ منعا وأبعد منه، لأن المتسمع يجوز أن يكون غير سامع، والسامع قد حصل له الفعل، قالوا: فكان هذا الوجه أبلغ في زجرهم؛ لأن الإنسان قد يتسمّع ولا يسمع، فإذا نفي التّسمع عنه

стр. 205

فقد نفى سمعهم من جهة التّسمع، ومن جهة غيره، فهو أبلغ (١)، وهو ما تدلّ له قاعدة: (زيادة المبنى تدلّ على زيادة المعنى)، فاشتمل نفي التّسمّع على نفي السماع، وزاد عليه نفي القدرة على السماع ومحاولته. وثمرة الخلاف: أن اعتقاد المؤمن بوجود الجن؛ لا يجوز أن يحمله على اعتقاد أن الجنّ تعلم من الغيب شيئا، فقد أخبر الله بصريح النّص أنّ الجن لا يسمعون من خبر الملأ الأعلى شيئا، وهو ما دلّت له قراءة الجمهور. وجاءت قراءة حمزة، والكسائي، وحفص بنفي الاستماع فضلا عن السمع لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلى [الصّافات: ٣٧/ ٨]، ومقتضى القراءتين وجوب اعتقاد المسلم بنفي معرفة الغيب عن الجن كما الإنس، إلا من ارتضى من رسول، عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً* إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ [الجن: ٧٢/ ٢٦ - ٢٧]. وهذا المعنى هو المنصوص عليه في سورة سبأ: فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ ما لَبِثُوا فِي الْعَذابِ الْمُهِينِ [سبأ: ٣٤/ ١٤]. ومجمل اعتقاد أهل السّنة والجماعة في أمر الجنّ أنهم خلق من خلق الله كالملائكة، لا نعرف من حقيقتهم إلا ما جاءنا عن طريق الخبر الصادق، أي عن طريق كتاب الله وسنّة رسول الله ﷺ ، وقد جاءت النصوص ببيان بعض أوصافهم، ومنها: أولا: أنهم صنف غير صنف الملائكة، مخلوقون من مارج من نار. قال تعالى: خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ كَالْفَخَّارِ* وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مارِجٍ مِنْ نارٍ [الرّحمن: ٥٥/ ١٤ - ١٥]. ثانيا: أنهم مخلوقون قبل الإنس، ودليل ذلك قوله تعالى: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ* وَالْجَانَّ خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نارِ السَّمُومِ [الحجر: ١٥/ ٢٦ - ٢٧]. ثالثا: أنهم لهم ذريّة، قال الله تعالى: أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا [الكهف: ١٨/ ٥٠].

стр. 206

رابعا: أنهم يروننا من حيث لا نراهم، قال الله تعالى: إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ، إِنَّا جَعَلْنَا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ [الأعراف: ٧/ ٢٧]. خامسا: أنهم مخلوقات قابلة للعلم والمعرفة، ذات إرادة واختيار، مكلّفون بالإيمان والعبادة، قال تعالى: وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ* ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ [الذّاريات: ٥١/ ٥٦ - ٥٧]. سادسا: أنهم قسمان: مؤمنون وكافرون، وقد دلّت آيات سورة الجنّ على ذلك وفيها: وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولئِكَ تَحَرَّوْا رَشَداً* وَأَمَّا الْقاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً [الجنّ: ٧٢/ ١٤ - ١٥]. سابعا: أنهم يحاسبون يوم القيامة على ما أسلفوا، قال تعالى: وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً يا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقالَ أَوْلِياؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنا قالَ النَّارُ مَثْواكُمْ خالِدِينَ فِيها إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ [الأنعام: ٦/ ١٢٨]. ثامنا: أن لهم قدرات كبيرة، ومهارات صناعية، وقد أخبر الله سبحانه عنهم أنهم أسهموا في عمران مملكة سليمان، وحمل عروش الملوك إليه: يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِنْ مَحارِيبَ وَتَماثِيلَ وَجِفانٍ كَالْجَوابِ وَقُدُورٍ راسِياتٍ اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ [سبأ: ٣٤/ ١٣]. وقال تعالى: فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخاءً حَيْثُ أَصابَ* وَالشَّياطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ [ص: ٣٨/ ٣٦ - ٣٧]. وقال تعالى: قالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ [النّمل: ٢٧/ ٣٩]. تاسعا: أنهم كانوا يستمعون العلم من السماء قبل بعثة النّبي ﷺ ، فلما بعث حجبوا عن خبر السماء، قال تعالى: وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّماءَ فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً* وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهاباً رَصَداً (١) [الجنّ: ٧٢/ ٨ - ٩].

стр. 207

المسألة التاسعة: قوله تعالى: وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً، أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ وَيُسْئَلُونَ [الزّخرف: ٤٣/ ١٩]. قرأ نافع، وابن عامر، وابن كثير: (وجعلوا الملائكة الذين هم عند الرحمن) بالنون. وحجتهم قوله: إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ [الأعراف: ٧/ ٢٠٦]. وقرأ الباقون: عِبادُ الرَّحْمنِ جمع عبد. وحجتهم قوله: بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ، فقد جاء في التنزيل بالأمرين جميعا. وفي قوله: (عند الرحمن) دلالة على رفع المنزلة والتقريب كما قال: وَلَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ [النّساء: ٤/ ١٧٢]، وليس من قرب المسافة. وفي قوله: عِبادُ الرَّحْمنِ دلالة على تكذيبهم في أنهم إناث كما قال: أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِناثاً وَهُمْ شاهِدُونَ (١) [الصّافات: ٣٧/ ١٥٠]. وثمرة الخلاف: أن قراءة الشامي، والمكي، والمدني نصّت على الإذن بوصف الملائكة أنهم عند الله، و (عند) هنا هي مسألة مكان، لا مسألة مكان كما سبق بيانه، ونظيره في التنزيل العزيز: إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ [الأعراف: ٧/ ٢٠٦]. وأفادت قراءة الكوفيين، والبصري توكيدا لحقيقة أن الملائكة ليسوا بإناث، وهم لا يوصفون كذلك بالذكورة وليس لهم وصفها. ولا يخفى أن الإنكار الشديد الوارد في الآية متّجه إلى ما ظهر من المشركين من فساد اعتقاد في إثبات صفة الأنوثة للملائكة، وليس لمحض التسمية. قال عبد القاهر الجرجاني في الإعجاز: «فأما قوله تعالى: وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً فإنما جاء على الحقيقة التي وصفتها، وذاك إن المعنى على أنهم أثبتوا للملائكة صفة الإناث، واعتقدوا وجودها فيهم، وعن هذا الاعتقاد صدر عنهم ما صدر من الاسم، أعني

стр. 208

إطلاق اسم البنات، وليس المعنى أنهم وضعوا لها لفظ الإناث أو لفظ البنات اسما من غير اعتقاد معنى، وإثبات صفة. هذا محال لا يقوله عاقل» (١). والخلاصة فإن الآية جاءت في قراءتيها تتضمن التهويل والإنكار على من اعتقد في الملائكة الكرام أوصافا غير التي أخبر المولى سبحانه عنها، فأخبر عن الملائكة كما في قراءة أهل الشام، والحجاز أنهم عنده سبحانه، فجعل من يطعن في كرامتهم واقعا في المحظور المخالف للعقيدة الإسلامية. المسألة العاشرة: قوله تعالى: وَقَدْ أَخَذَ مِيثاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [الحديد: ٥٧/ ٨]. قرأ أبو عمرو البصري: (وقد أخذ ميثاقكم). وقرأ الباقون: وَقَدْ أَخَذَ مِيثاقَكُمْ (٢). وقد اختار أبو عمرو أن يجري الآية على ما لم يسمّ فاعله، وقد اتّفق سائر القرّاء على بنائها للمجهول في قوله سبحانه: أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الْكِتابِ. وثمرة الخلاف: تظهر في تعظيم أمر الميثاق، فقد نسب أخذ الميثاق في قراءة أبي عمرو إلى ما لم يسمّ فاعله، وهو يفيد تهويل شأن الميثاق، ثم جاءت القراءة الأخرى بالتصريح أن الميثاق إنما هو مع الله ، فيكون بذلك أوقع في النفوس وأهيب. وهكذا فليس بين القراءتين تنافر أو تضادّ، ولكن قراءة أبي عمرو بالتّصريح بعائدية الفاعل؛ أفادت معنى جديدا؛ وهو التصريح بأن الميثاق إنما هو بين الله وبين المؤمنين.

стр. 209

المسألة الحادية عشرة: قوله تعالى: يَوْمَ الْقِيامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ [الممتحنة: ٦٠/ ٣]. قرأ ابن عامر: (يوم القيامة يفصّل بينكم). وقرأ عاصم، ويعقوب: (يوم القيامة يفصل بينكم). وقرأ الباقون: يَوْمَ الْقِيامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ (١). ثمرة الخلاف: ليس في هذه الوجوه معنى تستقلّ به القراءة؛ أي لا يظهر في غيرها من النصوص، بل هي تدلّ بمجموعها على بعض أحوال يوم القيامة كما جاءت في وصفها الآيات والسّنن الصحاح. فقد أخبرت الآية بأن الله يفصل بين العباد، أي يفرق بينهم، فيدخل أهل طاعته الجنة، وأهل معصيته النار (٢)، وهو ما دلّت له قراءة الجمهور. ثم أضافت قراءة عاصم ويعقوب معنى آخر، وهو أن الله يفصل بين العباد يوم القيامة؛ بمعنى الحكم والقضاء، فهو يصدر قوله الفصل الذي لا يراجع. فيما أشارت قراءة ابن عامر إلى التمييز بين العباد منسوبا إلى ما لم يسمّ فاعله وهو لون من التهويل والوعيد. ولا شك أن الآية بقراءاتها الثلاث أوقع في النفس، وأبعد أثرا، وأبلغ تأثيرا. ولكن يجب القول إن هذه المعاني ليست مما انفردت به الآية هنا، بل وردت المعاني ذاتها في نصوص أخرى، وازدادت هنا وضوحا وتوكيدا. فمن الآيات التي أخبرت عن التفريق بين الخلائق يوم القيامة: وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ [الرّوم: ٣٠/ ١٤].

стр. 210

ومن الآيات التي أشارت إلى قضاء الله وفصله بين الخلائق: قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيها إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبادِ [غافر: ٤٠/ ٤٨]. المسألة الثانية عشرة: قوله تعالى: وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ* ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ [البروج: ٨٥/ ١٤ - ١٥]. قرأ حمزة، والكسائي، وخلف: (وهو الغفور الودود* ذو العرش المجيد). وقرأ الباقون: ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ. فالمجيد على قراءة أهل الكوفة صفة للعرش، وعلى قراءة الجمهور صفة للمولى سبحانه، والمجد هو الشرف، وقد تحيّر علماء اللغة في الجزم بمرادف واحد للمجد، فتعددت أقوالهم في ذلك (١)، ولكن أكثرهم على ما اختار أبو زرعة أنه الشرف، ويمكن أن يقال: المجد: ذروة كل شيء (٢). وثمرة الخلاف: أن القراءة بالرفع أفادتنا اسما من أسمائه ، وهو المجيد، وهذا الاسم ورد صريحا في قوله تعالى: رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ [هود: ١١/ ٧٣]. وأفادت القراءة بالخفض أن العرش أيضا يقال له: عرش مجيد، وذلك كله من الغيبيات التي لا سبيل للمرء إلى معرفتها باجتهاد، إنما تعرف بالتواتر النّقلي. وأما تفصيل القول في مسألة العرش فليس من شرط دراستنا في هذا المقام، ولكن نورد في هذا المقام بعض ما أوردته الصحاح عن النّبي ﷺ في وصف العرش حيث لا سبيل للجزم بأي من أوصاف العرش الكريم إلا عن طريق النقل: عن أبي هريرة ﵁ أن النّبي ﷺ قال: «إن في الجنة مائة درجة أعدّها الله للمجاهدين في سبيله، كل درجتين ما بينهما كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم الله فسلوه

стр. 211

الفردوس؛ فإنه أوسط الجنة، وأعلى الجنة، وفوقه عرش الرحمن، ومنه تفجر أنهار الجنة» (١). وكان من دعاء النّبي ﷺ عند الكرب: «لا إله إلا الله العليم الحليم، لا إله إلا الله ربّ العرش العظيم، لا إله إلا الله ربّ السماوات وربّ الأرض وربّ العرش الكريم» (٢). وقد اشتهر الجدل بين علماء الكلام قديما في طبيعة العرش، وهل هو مكان الله كما يقول بعض أهل التّفويض، أم هو اسم لملكوته سبحانه كما يقول أهل التأويل الذين ينزهون الله سبحانه عن المكان (٣). وبسط الأدلة في هذه المسألة يطول حتى يخرج البحث عن وجهته، وأكتفي هنا بإيراد دفع قاضي القضاة، عماد الدين عبد الجبار بن أحمد لدلالة هذه الآية على صفة المكان فقال: ذو العرش المجيد لا يدل على قول المشبهة في أن العرش مكانه (٤)، لأن هذه الإضافة تصح في فعله كما تصحّ في المكان. ولو شاء الله سبحانه لقطع الجدل في ذلك وجعل الناس أمة واحدة، وأنزل نصوصا لا تقبل التأويل، فالمسألة في النهاية مسألة نصوص، فمن توقف في أمر الجهة فإنه لم يستند إلى هوى بل ثمة نصوص قرآنية كثيرة في ذلك منها على سبيل المثال: إِنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ [آل عمران: ٣/ ١٢٩]. ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ، وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سادِسُهُمْ، وَلا أَدْنى مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ ما كانُوا [المجادلة: ٥٨/ ٧]. وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلكِنْ لا تُبْصِرُونَ [الواقعة: ٥٦/ ٨٥].

стр. 212

وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ [ق: ٥٠/ ١٦]. وَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلهٌ [الزّخرف: ٤٣/ ٨٤]. ومن أثبت الجهة فإنه استند إلى نصوص أيضا منها مثلا: أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ [تبارك: ٦٧/ ١٦]. يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ [النّحل: ١٦/ ٥٠]. يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ [السّجدة: ٣٢/ ٥]. وغير ذلك من النصوص. وليس يهمّ هنا الانتصار لأحد القولين، وإنما يجب الاعتذار لكلا الفريقين، وبيان أن عمدة الكلّ في ذلك النصوص، فلا موجب للطعن في عقائد المسلمين وإيمانهم إذا اختاروا القول بالجهة، أو اختاروا غير ذلك. وما قلناه في الجهة إنما هو أثر تطبيقي لتأويل ما ورد في القرآن الكريم من آيات العرش بين مثبتي الجهة، والقائلين بنفيها. المسألة الثالثة عشرة: قوله تعالى: بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ* فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ [البروج: ٨٥/ ٢٢]. قرأ نافع: (في لوح محفوظ). وقرأ الباقون: فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ (١). ففي قراءة نافع المدني جعله نعتا للقرآن كأنه قال: بل هو قرآن محفوظ في اللوح، ومعنى الحفظ هنا الأمان من التّحريف، والتّبديل، والتّغيير. وعلى قراءة الجمهور فالظاهر أنه صفة للّوح، والمراد أن اللّوح محفوظ من وصول الشياطين إليه. وقد اعترض بعض من انتصر لقراءة أهل العراق ومكة على اختيار نافع فقالوا: إن فيه تقديم

стр. 213

الصفة المركبة على المفردة، وهو خلاف الأصل (١)، ولكن هذا الاعتراض لا يسقط اعتماد اختيار نافع للوجه المتواتر المذكور؛ إذ تواتر النقل يدفع كل شبهة، ولكن مع ذلك فإن نظائر هذا في القرآن كثير، فمن ذلك قوله سبحانه في سورة سبأ: أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ [سبأ: ٣٤/ ٧]، وهي قراءة ابن كثير وحفص ويعقوب، وكذلك قوله سبحانه في الجاثية: لَهُمْ عَذابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ [الجائية: ٤٥/ ١١]، وهي قراءة ابن كثير، وحفص، ويعقوب أيضا. وثمرة الخلاف: أن من الغيبيات التي يلزم المكلّف اعتقادها معرفة اللوح، فاللوح المحفوظ المشهور سجّل كتب الله سبحانه فيه أعمال الخلائق، وأرزاقها، وفيه ما كان، وما هو كائن إلى يوم القيامة، وما تسقط من ورقة، ولا حبّة في ظلمات الأرض، ولا رطب، ولا يابس إلا في كتاب مبين. قال ﷺ : «كان الله ﵎ قبل كل شيء، وكان عرشه على الماء، وكتب في اللوح ذكر كل شيء» (٢). واللوح مخلوق، والقرآن فيه منذ أن أذن الله أن يكون كلامه القديم في ذلك اللوح، وهذا القيد ضروري حتى لا يلتبس على الناس أن حدوث اللوح يلزم منه حدوث القرآن، فالقرآن في علم الله قديم، وهو كلام الله، وهو صفة قديمة قائمة بذاته سبحانه. وأما وصف اللوح فلم يرد فيه حديث صحيح (٣)، وغاية ما أورده المفسرون نقول عن بعض السّلف من باب المرسل والمقطوع، وكثير منها إسرائيليات لا يطمئن لها القلب، غاية الأمر أننا نؤمن باللوح على مراد الله، وكما قال الله سبحانه، ونكل تفصيل كل ذلك إلى المولى . وتظهر دلالة القراءتين أن اللوح محفوظ، وأن القرآن محفوظ، أفادت المعنى الأول قراءة الجمهور، وأفادت المعنى الثاني قراءة نافع، وكلاها حكم غيبي يجب اعتقاده، دلّت عليه القراءة المتواترة.

стр. 214

المبحث الرابع في العمل والجزاء المسألة الأولى: قوله تعالى: وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا [النّساء: ٤/ ٧٧]، قرأ بعضهم (يظلمون) بالياء. وحجتهم قوله: وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى فأخبر عنهم، ولم يقل: (خير لكم)، وأن الكلام أيضا جرى قبل ذلك بلفظ الخبر عنهم، فقال: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ. وقرأ الباقون: وَلا تُظْلَمُونَ بالتاء، أي أنتم وهم. وحجّتهم قوله: أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ (١). وقال القرطبي في الجامع لأحكام القرآن: «الضمير في يظلمون عائد على المذكورين ممن زكى نفسه، وممن يزكيه الله » (٢). وثمرة الخلاف: أن عمل أهل النفاق لا يحبط بمجرد النّفاق، بل قد قال الله : (ولا يظلمون فتيلا) والآية وردت في أهل النفاق، فكانت دليلا على أنهم مجزيون بإحسانهم، لا يظلمون منه شيئا. ولكن هذا الفهم من قراءة الثلاثة ليس محلّ اتّفاق أيضا، فقد نقل الآلوسي أن ضمير الغيبة هنا، عائد إلى ظاهر (من) في قوله: (والآخرة خير لمن اتّقى ولا يظلمون فتيلا)، وهو أقرب مذكور، والله أعلم (٣).

стр. 215

المسألة الثانية: قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ [الأنعام: ٦/ ١٥٩]. قرأ حمزة، والكسائي: (إنّ الذين فارقوا) بالألف، وفي الروم أيضا. ومعنى (فارقوا) أي: زايلوا. وقد روي أن رجلا قرأ عند علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه: إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ ... فقال عليّ: «لا والله ما فرّقوه، ولكن فارقوه» (١)، ثم قرأ: (إنّ الذين فارقوا دينهم) أي: تركوا دينهم الحق الذي أمرهم الله باتّباعه، ودعاهم إليه. وقرأ الباقون: فَرَّقُوا دِينَهُمْ من التّفريق. تقول: فرّقت المال تفريقا، وحجتهم قوله بعد: وَكانُوا شِيَعاً أي صاروا أحزابا وفرقا. وقد نقل أبو زرعة عن عبد الوارث (٢) قوله: وتصديقها قوله: كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ يدلّك على أنهم صاروا أحزابا وفرقا، والمعنيان متقاربان لأنّهم إذا فرّقوا الدّين فقد فارقوه (٣). وثمرة الخلاف: بيان شؤم مفارقة الجماعة والتّشيّع لغير كتاب الله، فقد سمى القرآن هذا السلوك تفريقا للدين- في قراءة- ومفارقة للدّين- في قراءة أخرى- فكانت القراءة بالقراءتين جميعا أوزع في النفوس، وأذهب للهوى، وأدعى إلى اجتماع الشّمل، ونبذ التّحزّب والفرقة.
следующие страницы →