الفردوس؛ فإنه أوسط الجنة، وأعلى الجنة، وفوقه عرش الرحمن، ومنه تفجر أنهار الجنة» (١).
وكان من دعاء النّبي ﷺ عند الكرب: «لا إله إلا الله العليم الحليم، لا إله إلا الله ربّ العرش العظيم، لا إله إلا الله ربّ السماوات وربّ الأرض وربّ العرش الكريم» (٢).
وقد اشتهر الجدل بين علماء الكلام قديما في طبيعة العرش، وهل هو مكان الله كما يقول بعض أهل التّفويض، أم هو اسم لملكوته سبحانه كما يقول أهل التأويل الذين ينزهون الله سبحانه عن المكان (٣).
وبسط الأدلة في هذه المسألة يطول حتى يخرج البحث عن وجهته، وأكتفي هنا بإيراد دفع قاضي القضاة، عماد الدين عبد الجبار بن أحمد لدلالة هذه الآية على صفة المكان فقال: ذو العرش المجيد لا يدل على قول المشبهة في أن العرش مكانه (٤)، لأن هذه الإضافة تصح في فعله كما تصحّ في المكان.
ولو شاء الله سبحانه لقطع الجدل في ذلك وجعل الناس أمة واحدة، وأنزل نصوصا لا تقبل التأويل، فالمسألة في النهاية مسألة نصوص، فمن توقف في أمر الجهة فإنه لم يستند إلى هوى بل ثمة نصوص قرآنية كثيرة في ذلك منها على سبيل المثال:
إِنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ [آل عمران: ٣/ ١٢٩].
ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ، وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سادِسُهُمْ، وَلا أَدْنى مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ ما كانُوا [المجادلة: ٥٨/ ٧].
وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلكِنْ لا تُبْصِرُونَ [الواقعة: ٥٦/ ٨٥].
стр. 212
وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ [ق: ٥٠/ ١٦].
وَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلهٌ [الزّخرف: ٤٣/ ٨٤].
ومن أثبت الجهة فإنه استند إلى نصوص أيضا منها مثلا:
أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ [تبارك: ٦٧/ ١٦].
يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ [النّحل: ١٦/ ٥٠].
يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ [السّجدة: ٣٢/ ٥].
وغير ذلك من النصوص.
وليس يهمّ هنا الانتصار لأحد القولين، وإنما يجب الاعتذار لكلا الفريقين، وبيان أن عمدة الكلّ في ذلك النصوص، فلا موجب للطعن في عقائد المسلمين وإيمانهم إذا اختاروا القول بالجهة، أو اختاروا غير ذلك.
وما قلناه في الجهة إنما هو أثر تطبيقي لتأويل ما ورد في القرآن الكريم من آيات العرش بين مثبتي الجهة، والقائلين بنفيها.
المسألة الثالثة عشرة:
قوله تعالى: بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ* فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ [البروج: ٨٥/ ٢٢].
قرأ نافع: (في لوح محفوظ). وقرأ الباقون: فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ (١).
ففي قراءة نافع المدني جعله نعتا للقرآن كأنه قال: بل هو قرآن محفوظ في اللوح، ومعنى الحفظ هنا الأمان من التّحريف، والتّبديل، والتّغيير.
وعلى قراءة الجمهور فالظاهر أنه صفة للّوح، والمراد أن اللّوح محفوظ من وصول الشياطين إليه.
وقد اعترض بعض من انتصر لقراءة أهل العراق ومكة على اختيار نافع فقالوا: إن فيه تقديم
стр. 213
الصفة المركبة على المفردة، وهو خلاف الأصل (١)، ولكن هذا الاعتراض لا يسقط اعتماد اختيار نافع للوجه المتواتر المذكور؛ إذ تواتر النقل يدفع كل شبهة، ولكن مع ذلك فإن نظائر هذا في القرآن كثير، فمن ذلك قوله سبحانه في سورة سبأ: أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ [سبأ: ٣٤/ ٧]، وهي قراءة ابن كثير وحفص ويعقوب، وكذلك قوله سبحانه في الجاثية: لَهُمْ عَذابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ [الجائية: ٤٥/ ١١]، وهي قراءة ابن كثير، وحفص، ويعقوب أيضا.
وثمرة الخلاف:
أن من الغيبيات التي يلزم المكلّف اعتقادها معرفة اللوح، فاللوح المحفوظ المشهور سجّل كتب الله سبحانه فيه أعمال الخلائق، وأرزاقها، وفيه ما كان، وما هو كائن إلى يوم القيامة، وما تسقط من ورقة، ولا حبّة في ظلمات الأرض، ولا رطب، ولا يابس إلا في كتاب مبين.
قال ﷺ : «كان الله ﵎ قبل كل شيء، وكان عرشه على الماء، وكتب في اللوح ذكر كل شيء» (٢).
واللوح مخلوق، والقرآن فيه منذ أن أذن الله أن يكون كلامه القديم في ذلك اللوح، وهذا القيد ضروري حتى لا يلتبس على الناس أن حدوث اللوح يلزم منه حدوث القرآن، فالقرآن في علم الله قديم، وهو كلام الله، وهو صفة قديمة قائمة بذاته سبحانه.
وأما وصف اللوح فلم يرد فيه حديث صحيح (٣)، وغاية ما أورده المفسرون نقول عن بعض السّلف من باب المرسل والمقطوع، وكثير منها إسرائيليات لا يطمئن لها القلب، غاية الأمر أننا نؤمن باللوح على مراد الله، وكما قال الله سبحانه، ونكل تفصيل كل ذلك إلى المولى .
وتظهر دلالة القراءتين أن اللوح محفوظ، وأن القرآن محفوظ، أفادت المعنى الأول قراءة الجمهور، وأفادت المعنى الثاني قراءة نافع، وكلاها حكم غيبي يجب اعتقاده، دلّت عليه القراءة المتواترة.
стр. 214
المبحث الرابع في العمل والجزاء
المسألة الأولى:
قوله تعالى: وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا [النّساء: ٤/ ٧٧]، قرأ بعضهم (يظلمون) بالياء.
وحجتهم قوله: وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى فأخبر عنهم، ولم يقل: (خير لكم)، وأن الكلام أيضا جرى قبل ذلك بلفظ الخبر عنهم، فقال: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ.
وقرأ الباقون: وَلا تُظْلَمُونَ بالتاء، أي أنتم وهم. وحجّتهم قوله: أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ (١).
وقال القرطبي في الجامع لأحكام القرآن: «الضمير في يظلمون عائد على المذكورين ممن زكى نفسه، وممن يزكيه الله » (٢).
وثمرة الخلاف:
أن عمل أهل النفاق لا يحبط بمجرد النّفاق، بل قد قال الله : (ولا يظلمون فتيلا) والآية وردت في أهل النفاق، فكانت دليلا على أنهم مجزيون بإحسانهم، لا يظلمون منه شيئا.
ولكن هذا الفهم من قراءة الثلاثة ليس محلّ اتّفاق أيضا، فقد نقل الآلوسي أن ضمير الغيبة هنا، عائد إلى ظاهر (من) في قوله: (والآخرة خير لمن اتّقى ولا يظلمون فتيلا)، وهو أقرب مذكور، والله أعلم (٣).
стр. 215
المسألة الثانية:
قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ [الأنعام: ٦/ ١٥٩].
قرأ حمزة، والكسائي: (إنّ الذين فارقوا) بالألف، وفي الروم أيضا. ومعنى (فارقوا) أي: زايلوا. وقد روي أن رجلا قرأ عند علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه: إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ ... فقال عليّ: «لا والله ما فرّقوه، ولكن فارقوه» (١)، ثم قرأ: (إنّ الذين فارقوا دينهم) أي: تركوا دينهم الحق الذي أمرهم الله باتّباعه، ودعاهم إليه.
وقرأ الباقون: فَرَّقُوا دِينَهُمْ من التّفريق. تقول: فرّقت المال تفريقا، وحجتهم قوله بعد: وَكانُوا شِيَعاً أي صاروا أحزابا وفرقا.
وقد نقل أبو زرعة عن عبد الوارث (٢) قوله: وتصديقها قوله: كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ يدلّك على أنهم صاروا أحزابا وفرقا، والمعنيان متقاربان لأنّهم إذا فرّقوا الدّين فقد فارقوه (٣).
وثمرة الخلاف:
بيان شؤم مفارقة الجماعة والتّشيّع لغير كتاب الله، فقد سمى القرآن هذا السلوك تفريقا للدين- في قراءة- ومفارقة للدّين- في قراءة أخرى- فكانت القراءة بالقراءتين جميعا أوزع في النفوس، وأذهب للهوى، وأدعى إلى اجتماع الشّمل، ونبذ التّحزّب والفرقة.
стр. 216
المسألة الثالثة:
قوله تعالى: وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها [الإسراء: ١٧/ ١٦].
قرأ يعقوب: (آمرنا مترفيها) بالمدّ. وقرأ الباقون: أَمَرْنا مُتْرَفِيها (١).
وقد تواتر إسناد هاتين القراءتين، ولكن ثمة وجه ثالث قرئت به هذه الآية، واشتهر عند العلماء، ولكنه لم يتواتر إسنادا، وقد قرأ به ابن عباس، وأبو عثمان النهدي، وزيد بن علي، وأبو العالية، وعلي، والحسن، والباقر، ومجاهد بن جعفر، ومحمد بن علي (٢). كما نسبت هذه القراءة إلى عاصم، وأبي عمرو البصري (٣).
وقد أشرت إلى هذه القراءة؛ وهي شاذة إسنادا لاشتهارها بين العلماء، ولأنهم يستأنسون بها في مواضع التفسير، فيكون المعنى أن الله يسلط شرار القرى على دهمائها فيعصون الله، فإذا فعلوا ذلك أهلكهم الله، وذلك منه سبحانه تحذير للأمة أن تجتهد في تولية الأخيار، وصرف الأشرار.
وأما قراءة يعقوب فقد قرأ بها أيضا جمع عظيم من السّلف منهم الحسن، وقتادة، وأبو حياة الشامي، وخارجة (٤) عن نافع، وحماد بن سلمة عن ابن كثير، وعلي، وابن عباس (٥)، وقد قام القرطبي بتوجيه معناها ودلالتها، فقال: (آمرنا) بالمدّ والتخفيف، أي أكثرنا جبابرتها وأمراءها. قاله الكسائي، وقال أبو عبيدة: آمرته بالمدّ، وأمرته، لغتان بمعنى: كثرته، ومنه الحديث: «خير المال مهرة مأمورة، أو سكة مأبورة» أي كثيرة النّتاج والنّسل (٦).
стр. 217
ولكن هذا الذي روي عن أبي عبيدة من أن الوجهين لغتان في معنى واحد غير مسلّم، فقد قال الكسائي: لا يقال من الكثرة إلا آمرنا بالمدّ (١).
ولعل صيغة القصر التي تأتي بمعنى التّكثير هي التي وردت مكسورة: (أمر)، وهي لم ترد في المتواتر، وإنما نسبها الطبري للحسن البصري، ويحيى بن عمرو، وعكرمة، وابن عباس (٢).
ومن ذلك قول لبيد:
كل بني حرة مصيرهم ... قلّ، وإن أكثرت من العدد
إن يغبطوا يهبطوا، وإن أمروا ... يوما يصيروا للهلك والنّكد (٣)
وكذلك ما قاله أبو سفيان لدى خروجه من لدن قيصر: «لقد أمر أمر ابن أبي كبشة، إنه ليخافه بني الأصفر» (٤)، وقد انتصر أبو عبيدة لاختياره بأنها لغات في المعنى الواحد، وقال: إنما اخترنا (أمرنا) لأن المعاني الثلاثة تجتمع فيها من الأمر، والإمارة، والكثرة (٥).
وثمرة الخلاف:
إنما تظهر في غير ما اختاره أبو عبيدة، فيكون الجمع بين ذلك بالقول إن قراءة القصر أفادت أن الله سبحانه هو الذي يسبب الأسباب، ويخلق أفعال العباد، ويأمر بما يشاء، فيأمر المترفين بالفساد، أمر إلهام وتيسير، فيفسدوا في القول الأرض، فيحق القول على المفسدين.
وفي قراءة المدّ نفهم أن الله يكثر المترفين، ويزيد فيعددهم إذا أراد إهلاك القرى، فيحقّ عليهم القول بما ظلموا.
فهذان المعنيان يوضحان خفايا التدبير الإلهي في إهلاك القرى، ولا سبيل إلى معرفة هذين المعنيين إلا من خلال تعدد القراءة المتواترة (٦).
стр. 218
وثمة معنى ثالث يفهم من قراءة القصر، وهو على تقدير مضمر: (أمرنا مترفيها بالاستقامة، ففسقوا فيها، فحق عليها القول) ويقوي هذا المذهب ورود جوابه بفاء العطف التي تفيد العطف والتعقيب مع الفور.
ولا يخفى أن محل الخلاف هنا هو التأويل وليس القراءة.
فائدة:
اشتهرت في هذه الآية قراءة (أمّرنا مترفيها) على معنى أن الله إذا تعلّقت إرادته بإهلاك القرى؛ يسّر للمترفين والمفسدين سبيل تملكها والأمارة عليها، فيكون في ذلك خراب القرى وهلاكها، وهو سبب من الأسباب التي يقدمها الله لإنفاذ إرادته.
وهذه القراءة على اشتهارها لم تحظ برتبة التواتر المطلوبة، على الرغم من أنها رويت عن اثنين من أصحاب التواتر وهما: عاصم، وأبو عمرو البصري، ولكن من غير طريق الشاطبي، وابن الجزري، فلم نتيقن تواترها إلى أحدهما، كما رويت أيضا عن ابن عباس، وأبي عثمان النهدي، وزيد بن علي، وأبي العالية، والحسن بن علي، ومحمد الباقر، ومجاهد بن جبر، ومحمد بن علي (١).
ولا شك أن هذا المعنى الذي دلّت له هذه القراءة يضيء جانبا من معانيها، وله في الاستدلال المنزلة ذاتها التي للأحاديث الموقوفة على الصحابة، وكذلك ما هو من كلام السلف الصالح في التفسير، ولكن لا يصحّ اعتقادها قرآنا، لعدم ثبوت التواتر بوجه يقيني.
وقد قدمت طرفا من توجيه هذه القراءة في صدر هذه المسألة (٢)، وقد سبق، ورود طرف.
стр. 219
المسألة الرابعة:
قوله تعالى: وَجَعَلْنا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِداً [الكهف: ١٨/ ٥٩].
قرأ أبو بكر- شعبة بن عياش- راوي عاصم: (وجعلنا لمهلكهم موعدا) (١) بفتح الميم واللام. أي: جعلنا لهلاكهم موعدا. جعله مصدرا (هلك، مهلك، مهلكا)، وكل ما كان على (فعل، يفعل)، فاسم المكان منه على (مفعل) والمصدر على (مفعل) بفتح العين.
وقرأ حفص: لِمَهْلِكِهِمْ بفتح الميم، وكسر اللام. أي: لوقت هلاكهم. قال الزّجاج:
(مهلك): اسم للزمان على (هلك يهلك) وهذا زمن مهلك مثل جلس يجلس. فإذا أردت المصدر قلت: (مهلك) بفتح اللام كقولك: (مجلس)، فإذا أردت المكان قلت: (مجلس)
بكسر اللام. حكى سيبويه عن العرب أنهم يقولون: (أنّت النّاقة على مضربها) أي: على وقت ضرابها.
وقرأ الباقون: (لمهلكهم) بضم الميم، وفتح اللام. أي: جعل لإهلاكنا إياهم موعدا.
قال أهل البصرة: تأويل (المهلك) على ضربين: على المصدر، وعلى الوقت. فمعنى المصدر: (لإهلاكهم)، ومعنى الوقت: لوقت إهلاكهم. قالوا: وهو الاختيار؛ لأن المصدر من (أفعل) في المكان، والزمان يجيء على (مفعل) كقوله: وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ [الإسراء: ١٧/ ٨٠].
وثمرة الخلاف:
أن المولى سبحانه أخبر أن هلاك الأمم ووقت هذا الهلاك ومكانه كل ذلك مقرر بأجل مسمى عند الله .
وإنما تظهر هذه المعاني من التأليف بين القراءات الثلاث، وهي معاني كمل بعضها بعضا- كما ترى- لا تتنافر ولا تتدابر (٢).
стр. 220
المسألة الخامسة:
قوله تعالى: مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ [الرّوم: ٣٠/ ٣٢].
قرأ حمزة، والكسائي: (من الذين فارقوا دينهم وكانوا شيعا). وقرأ الباقون: مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً.
وقد سبق تحرير هذا الخلاف في سورة الأنعام في قوله سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ وذلك في المسألة الثانية من هذا المطلب.
وثمرة الخلاف:
هي ما بيّناه من قبل من بيان شؤم مفارقة الجماعة، والتّشيّع لغير كتاب الله، فقد اعتبر القرآن الحكيم تفريق الدين بمنزلة مفارقته، وهو تصريح كما ترى شديد في ذمّ الفرقة، والتّناحر في الجماعة الإسلامية الواحدة.
وهذه التّسوية بين مفارقة الدين، وخلق الفرقة بين المسلمين هي المفهومة من اتّحاد المآل بالنسبة لكل واحد من الأمرين.
стр. 221
المسألة السادسة:
قوله تعالى: وَكَذلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ، وَما كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبابٍ [غافر: ٤٠/ ٣٧].
قرأ الكوفيون، ويعقوب: وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ بضمّ الصاد. وقرأ الباقون: (وصدّ عن السّبيل) بفتح الصاد (١).
فتكون قراءة الأولين على ما لم يسم فاعله، فكانت الآية إخبارا عن انحرافه وفجوره، وأن ذلك كان بإرادة الله سبحانه، وأمره، وقدره، وذلك مثل قوله سبحانه: وَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ [التّوبة: ٩/ ٨٧]، وحجتهم أن الكلام هنا أتى عقب الخبر من الله، فلفظ ما لم يسمّ فاعله، وهو قوله: وَكَذلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ فجرى الكلام بعده بترك تسمية الفاعل ليأتلف الكلام على نظام واحد (٢).
وتكون قراءة الباقين على أساس الفاعل هنا مصرح به، وهو فرعون؛ إذ هو الذي يصدّ عن سبيل الله، ويشهد له قول الله : الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمالَهُمْ [محمد: ٤٧/ ١].
وثمرة الخلاف:
كما قد رأيت في أنه يجوز نسبة الأفعال إلى العباد على سبيل المجاز، وأن الله سبحانه هو المالك المتصرف الأول والآخر، وهذا الاعتقاد نعمة للمتّقين، وقرّة عين للموحّدين، إذ به لا يقنط العبد من رحمة الله، ويضرع في رجائه أن يصلح عباده إذ هو سبحانه المتصرّف الحقّ، لا يسأل عما يفعل وهم يسألون، وكذلك فإنه لا يكفّ عن واجب البلاغ، والدعوة لسائر الخلق.
стр. 222
المسألة السابعة:
قوله تعالى: أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَواءً مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ .. [الجاثية: ٤٥/ ٢١].
قرأ حمزة، والكسائي، وخلف، وحفص: سَواءً مَحْياهُمْ بالنصب، وجعلوه المفعول الثاني من (نجعلهم)، والهاء والميم المفعول الأول، وإن جعلت كَالَّذِينَ آمَنُوا المفعول الثاني، نصبت (سواء) على الحال، وترفع (محياهم) بمعنى: استوى محياهم ومماتهم. والمعنى: أحسبوا أن نجعلهم سواء محياهم ومماتهم؟ أي: أن يعطوا في الآخرة كما أعطوا في الدّنيا.
وقرأ الباقون: (سواء) بالرفع (١)؛ جعلوه مبتدأ، وما بعده خبرا عنه.
قال مجاهد: قوله: (سواء محياهم ومماتهم) أي: يموت المؤمن على إيمانه، ويبعث عليه، ويموت الكافر على كفره، ويبعث عليه. وهذا التفسير يدلّ على هذه القراءة (٢).
قال القرطبي: «وقرأ العامة: سواء بالرفع على أنه خبر ابتداء مقدّم، أي: محياهم ومماتهم سواء، والضمير في (محياهم ومماتهم) يعود على الكفار، أي: محياهم سوء، ومماتهم كذلك، وقرأ حمزة، والكسائي، والأعمش: سواء؛ بالنّصب» (٣).
واختار أبو عبيدة أي نجعلهم سواء، وقال: تمّ الكلام عند الصالحات. ثم استأنف فقال:
سَواءً مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ أي: سواء حياة الكافر ومماته. هو كافر حياته ومماته، والمؤمن مؤمن حياته ومماته (٤).
وأيّا كان المعنى فإن هذه الآية من أكثر الآيات وعيدا، ومنها توجل قلوب المؤمنين، ومن المناسب هنا أن نورد طرفا من أدب السلف الصالح في تلاوة هذه الآية: قال إبراهيم بن الأشعث:
كثيرا ما رأيت الفضيل بن عياض يردد من أول الليل إلى آخره هذه الآية، ثم يقول: ليت شعري
стр. 223
من أي الفريقين أنت (١)؟ وقام بشير مولى الربيع بن هيثم ذات ليلة يصلي، فمرّ بهذه الآية، فمكث ليلة حتى أصبح لم يعدها ببكاء شديد (٢).
وثمرة الخلاف:
أن الله أنكر على الفسقة ظنونهم بأنهم ينالون في الآخرة مثل الذي نالوه في الدنيا، وهو ما دلّت له قراءة النصب، ونظيره في التّنزيل العزيز قول صاحب الجنّة: وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْها مُنْقَلَباً [الكهف: ١٨/ ٣٦].
وكذلك أخبر المولى أن المرء يبعث على ما مات عليه، وهو ما دلّت عليه قراءة الرفع، إذ تمّ المعنى بنفي المساواة بين المؤمنين والفسقة، ثم استأنف فقال: سواء محياهم ومماتهم، وتمام معنى هذا الوجه ما نقله الطبري عن مجاهد بن جبر قال: المؤمن في الدنيا والآخرة مؤمن، والكافر في الدنيا والآخرة كافر (٣).
وكما ترى فإن المعاني متعاونة، وما كان لنا أن نحيط بها لولا ما أنزل الله عليه هذا الكتاب من قراءات متواترة.
стр. 224
المسألة الثامنة:
قوله تعالى: فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ [محمد: ٤٧/ ٢٢].
قرأ رويس: (فهل عسيتم إن تولّيتم) بضم التاء والواو، وكسر اللام. وقرأ الباقون:
فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ بفتح الجميع (١).
وقد انفرد رويس برواية وجه الضّم عن يعقوب في المتواتر، ولكن هذه القراءة اشتهرت لدى الأئمة، وأطال المفسّرون في توجيهها، وقد روي هذا الوجه عن كثير من الصحابة والتابعين منهم علي بن أبي طالب، وأويس القرني، وابن أبي إسحاق (٢). قال المسيب بن شريك: نزلت هذه الآية في بني أمية، وبني هاشم، واستدلّ لهم القرطبي بما روى عبد الله بن مغفل قال: سمعت النّبي ﷺ يقول: «(فهل عسيتم إن تولّيتم أن تفسدوا في الأرض) ثم قال: هم هذا الحي من قريش أخذ الله
عليهم إن ولوا الناس ألا يفسدوا في الأرض ولا يقطعوا أرحامهم» (٣).
وقال الزمخشري في توجيه قراءة علي ﵁: أي إن تولاكم ولاة غشمة خرجتم معهم، ومشيتم تحت لوائهم، وأفسدتم بإفسادهم (٤). ونقل الطبري عن بعض السّلف أنه بمعنى الولاية، ونقل ذلك عن الكلبي (٥).
وقال قتادة في توجيه قراءة الفتح: فهل عسيتم إن توليتم عن كتاب الله أن تفسدوا في الأرض بسفك الدم الحرام، وتقطعوا أرحامكم (٦).
وروي كذلك وجه ثالث في القراءة، ولكن لم ينسب لأحد، وهو (فهل عسيتم إن ولّيتم
стр. 225
أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم) (١)، وهو كما ترى في معنى الولاية بحذف تاء المضارعة من (تولّي).
وثمرة الخلاف:
أن الآية العظيمة اشتملت على وعيد شديد في حقّ المفسدين في الأرض وقاطعي الأرحام، وأشارت إلى أن هذه المفاسد تتحصل عادة في أمرين اثنين:
الأول: هو التّولّي والإعراض عن كتاب الله، وهو ما دلّت له قراءة الفتح.
الثاني: هو الولاية على شئون العباد إذا لم يلتزم الوالي أمر الله ونهيه على قدم الاستقامة، وقد دلّت لذلك قراءة الضّم.
وهكذا فقد أفاد تعدد القراءة وجها جديدا من التّحذير والتّنبيه لولاة الأمور؛ إذ أمروا بتقوى الله فيما خوّلهم من أقدار العباد، وفي مثل هذا المعنى تواترت الأخبار عن النّبي ﷺ ، من ذلك قوله ﷺ : «ما من إمام ولا وال بات ليلة سوداء غاشّا لرعيّته إلّا حرّم الله عليه الجنة، وعرفها يوجد يوم القيامة من مسيرة سبعين سنة» (٢).
ومثله قوله ﷺ : «إن الولاة يجاء بهم يوم القيامة فيقومون على جسر جهنم، فمن كان مطواعا لله يناوله الله بيمينه حتى ينجيه، ومن كان عاصيا انخرق به الجسر إلى واد من نار يلتهب التهابا» (٣).
واشتهر في هذا المعنى قول النّبي ﷺ لأبي ذر لما سأله الإمارة: «يا أبا ذر! إنك تسأل الإمارة، وإنك ضعيف، وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة، إلا من أخذ بحقّها، وأدّى الذي عليه فيها» (٤).
стр. 226
المسألة التاسعة:
قوله تعالى: إِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمالِكُمْ شَيْئاً [الحجرات: ٤٩/ ١٤].
قرأ أبو عمرو البصري، ويعقوب: (لا يألتكم من أعمالكم شيئا) (١). وقرأ الباقون:
لا يَلِتْكُمْ (٢).
والوجهان بإثبات الهمزة وإسقاطها في معنى واحد، وهو الإنقاص، أي: لا ينقصكم من أعمالكم شيئا. ومثله قوله سبحانه: وَما أَلَتْناهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ [الطّور: ٥٢/ ٢١]، أي:
ما أنقصناهم من عملهم من شيء.
وألته: حبسه عن وجهه، وصرفه؛ مثل لاته يليته، وهما لغتان حكاهما اليزيدي عن أبي عمرو بن العلاء، ومنه قول عبد الرحمن بن عوف يوم الشورى: ولا تغمدوا سيوفكم عن أعدائكم فتولتوا أعمالكم، أي تنقصوها (٣).
ولا تجد في مرسوم المصاحف ما يشير إلى اختيار البصريّين: أي أبو عمرو ويعقوب؛ إذ المرسوم المشتهر لا يساعد على تصوّر إقحام همزة بين الياء واللام، ولم يشر أحد أنها كذلك في المصحف البصري، ولكن يجب القول بأنها كذلك في أحد المصاحف العثمانية لإطباقهم على تواترها، واتّفاقهم أنه لا يجزم بصحة قراءة إلا مع ثبوت التواتر، وموافقة أحد المصاحف العثمانية، وأحد وجوه النحو.
وقد أوردت لك هذا الوجه مع أنه لا يترتب عليه حكم جديد في مسائل الاعتقاد، ولكن أردت به التّنبيه إلى هذا الوجه من لزوم تقدير الهمزة في مرسوم أحد مصاحف الأمصار التزاما بإجماعهم.
وبالجملة فإنه ليس ثمة ثمرة ظاهرة لهذا لأن الاتّفاق منعقد بين المفسرين على توحّد المعنى في القراءتين، وأنهما لغتان لمعنى واحد، وقد بسط ابن منظور في اللسان أدلة الفريقين فراجعها.
стр. 227
المسألة العاشرة:
قوله تعالى: وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ [الحديد: ٥٧/ ٢٣].
قرأ أبو عمرو البصري: (ولا تفرحوا بما أتاكم). وقرأ الباقون: وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ (١).
فدلّت قراءة أبي عمرو على النّهي عن الفرح بما أتاكم- أي: جاءكم- وهو اسم جامع لكل ما قد يأتيك من المولى سبحانه من صنوف النعم المبهجة، وقد ورد الفرح في القرآن الكريم ممدوحا، وورد مذموما، فمما أخبر المولى به بصيغة المدح قوله سبحانه: قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا [يونس: ١٠/ ٥٨].
ومما أخبر به المولى بصيغة الذّم قول قوم قارون: إِذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ [القصص: ٢٨/ ٧٦].
ثم صرّحت قراءة الباقين بأن على المؤمن أن لا يفرح فرحا مبهجا مطغيا ينسيه واجب الشكر لله ، مع يقينه بأن هذا الآتي من النعيم إنما هو عطية من الله .
وثمرة الخلاف:
تظهر في أننا نهينا عن الفرح بما يأتينا من المسرّات فرحا يشغلنا عن الخلاق سبحانه، وهو ما دلّت له قراءة أبي عمرو، وأفادت قراءة الباقين أن هذا النّهي عن الفرح يجب أن يدفعنا إلى التّوهّم أن هذه الأرزاق من رازق غيره سبحانه، بل يجب العلم بأنه سبحانه هو الرزاق وحده، ومع ذلك فينبغي أن لا نفرح فرحا مطغيا لا نؤدي معه واجب الشكر.
هذا ما أفاده اختلاف القرّاء في تحقيق المعاني، وأما دلالة الآية بجملتها؛ فأكثر المفسرين على أن النّهي والفرح المنهي عنهما إنما يقتصران على ما كان من أعراض الدنيا الزائلة، وأما ما كان من رحمة الله، وقبوله، ومغفرته، فإنه يستوجب الفرح، وما كان من سخط الله وغضبه فإنه يستلزم الحزن، وفي الحديث: «إذا سرّتك حسنتك، وساءتك سيئتك فأنت مؤمن» (٢).
стр. 228
وروى عكرمة عن ابن عباس: ليس من أحد إلا وهو يحزن ويفرح، ولكن المؤمن يجعل مصيبته صبرا، وغنيمته شكرا، والحزن والفرح المنهي عنهما هما اللذان يتعدى فيهما إلى ما لا يجوز (١).
стр. 229
الفصل الثاني الأحكام الفقهية
المبحث الأول العبادات
المسألة الأولى:
قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ [المائدة: ٥/ ٦].
قال أبو زرعة: قرأ نافع، وابن عامر، والكسائي، وحفص: وَأَرْجُلَكُمْ بالفتح، وحجتهم أنها معطوفة على الوجوه والأيدي؛ فأوجبوا الغسل عليهما.
عن أبي عبد الرحمن- عبد الله بن عمر- قال: «كنت أقرأ، والحسن والحسين قريبا من علي ﵁، وعنده ناس قد شغلوه، فقرأنا: وَأَرْجُلَكُمْ فقال رجل: (وأرجلكم) بالكسر، فسمع ذلك علي ﵁، فقال: «ليس كما قلت»، ثم تلا: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ، هذا المقدم والمؤخر في الكلام» (١). قلت: وفي القرآن الكريم من هذا التقديم والتأخير كثير، قال الله: الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ [المائدة: ٥/ ٥]، ثم قال: وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الْمُؤْمِناتِ وعطف ب الْمُحْصَناتُ على الطَّيِّباتُ، وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكانَ لِزاماً [طه: ٢٠/ ١٢٩]، ثم قال: وَأَجَلٌ مُسَمًّى فعطف (الأجل) على (الكلمة) وبينهما كلام، فكذلك ذلك في قوله: وَأَرْجُلَكُمْ عطف بها على الوجوه والأيدي على ما أخبرتك به من التقديم والتأخير.
стр. 230
وأخرى هي صحة الأخبار عن رسول الله ﷺ أنه توضأ فغسل رجليه، وأنه رأى رجلا يتوضأ وهو يغسل رجليه فقال: «بهذا أمرت»، وقال ﷺ : «ويل للأعقاب، وبطون الأقدام من النار»، وعن ابن مسعود قال: «خلّلوا الأصابع بالماء لا تلحقها النّار» (١).
وقال عبد الملك: قلت لعطاء: «هل علمت أحدا من أصحاب رسول الله ﷺ مسح على القدمين»؟ فقال: «والله ما أعلمه». والأخبار كثيرة في هذا المعنى، قال الزّجاج: الدليل على أن الغسل هو الواجب في الرجل، وأن المسح لا يجوز تحديد قوله: إِلَى الْكَعْبَيْنِ كما جاءت في تحديد اليد إِلَى الْمَرافِقِ، ولم يجئ في شيء من المسح تحديد، قال: وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ بغير تحديد في القرآن، قال: ويجوز أن يقرأ (وأرجلكم) على معنى (واغسلوا) لأن قوله: إِلَى الْكَعْبَيْنِ دلّ على ذلك كما وصفنا، وينسق بالغسل على المسح كما قال الشاعر:
يا ليت بعلك قد غدا ... متقلّدا سيفا ورمحا
والمعنى: متقلّدا سيفا، وحاملا رمحا.
وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وحمزة، وأبو بكر: (وأرجلكم) خفضا، عطفا على الرءوس، وحجتهم في ذلك ما روي عن ابن عباس أنه قال: «الوضوء غسلتان ومسحتان». وقال الشعبي:
نزل جبرائيل بالمسح، ألا ترى أنه أهمل ما كان مسحا، ومسح ما كان غسلا في التّيمم.
والصواب من القول ما عليه فقهاء الأمصار؛ أن الغسل هو الواجب في الرجلين، ويجوز أن يكون قوله: (وأرجلكم) بالخفض حملت على العامل الأقرب للجوار، وهي في المعنى الأول؛ كما يقال: (هذا جحر ضبّ خرب) فيحمل على الأقرب، وهو في المعنى الأول.
قال الفرّاء: وقد يعطف بالاسم على الاسم ومعناه يختلف كما قال : يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ* بِأَكْوابٍ وَأَبارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ [الواقعة: ٥٦/ ١٧ - ١٨]. ثم قال:
وَحُورٌ عِينٌ وهن لا يطاف بهن على أزواجهن (٢)
стр. 231
وقال ابن الأنباري: لما تأخرت الأرجل بعد الرءوس نسقت عليها للقرب والجوار (١).
وقد أخذت عامة الشيعة بأن الآية نصّ في أن الواجب المسح لا الغسل، وحجتهم في ذلك قراءة الكسر، وهي كما علمت متواترة، وتوجيهها إلى المسح معقول.
ولكن ماذا صنع القوم بقراءة النّصب وهي أيضا متواترة، وهي قراءة عاصم برواية حفص، وعامة الشيعة يلتزمونها اليوم؟
وجّه الشّيعة استدلالهم إلى أن قراءة النّصب أيضا تفيد المسح لا الغسل، وأن فعل: مسح، قد يتعدى بالباء وقد يتعدى بدون باء، فكأن تقدير العبارة: وامسحوا رءوسكم وأرجلكم، فلحقت الباء بالرءوس للإشارة إلى تبعيض المسح، وبقيت الأرجل على النّصب وهو الأصل، وهذه عبارة المفسّر الشيعي الطباطبائي: «وقرئ: وأرجلكم بالنّصب، وأنت إذا تلقّيت الكلام مخلّى الذهن غير مشوب الفهم لم يلبث أن تقضي أن أَرْجُلَكُمْ منصوب على موضع رُؤُسَكُمْ وهو النصب- أي: بنزع الخافض- وفهمت من الكلام وجوب غسل الوجه واليدين، ومسح الرأس والرجلين، ولم يخطر ببالك أن ترد أَرْجُلَكُمْ إلى وُجُوهَكُمْ في أول الآية مع انقطاع الحكم في قوله: فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ بحكم آخر، وهو قوله: وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ فإن الطبع السليم يأبى حمل الكلام البليغ على ذلك، وكيف يرضى طبع متكلم بليغ أن يقول مثلا: قبلت وجه زيد ورأسه، ومسحت بكتفه ويده، بنصب يد عطفا على وجه زيد، مع انقطاع الكلام الأول، وصلاحية قوله: (يده) لأن يعطف على محل المجرور المتّصل به، وهو أمر جائز دائر، كثير
الورود في كلامهم» (٢).
ثم عطف الطباطبائي بالرّد على استدلال أهل السّنة والجماعة في قولهم: إن قراءة الجرّ وردت على سبيل العطف في اللفظ دون المعنى، وذلك كما ورد في شعر العرب علفتها تبنا، وماء باردا، فقال: «وفيه أن مرجعه إلى تقدير فعل يعمل عملا يوافق إعراب حال العطف، كما يدل عليه ما استشهد به من الشعر، وهذا المقدر في الآية إما فَاغْسِلُوا وهو يتعدى بنفسه لا بحرف الجرّ، وإما غيره وهو خلاف ظاهر لا دليل عليه من جهة اللفظ البتة، وأيضا ما استشهد به من الشعر إما من قبيل المجاز العقلي، وإما بتضمين علفت معنى أعطيت، وأشبعت، ونحوهما.
стр. 232
وأيضا الشعر المستشهد به يفسد معناه لو لم يعالج بتقدير ونحوه، فهناك حاجة إلى العلاج قطعية، وأما الآية فلا حاجة فيها إلى ذلك من جهة اللفظ» (١).
وهكذا فقد أورد الطباطبائي حجج الشيعة الإمامية في توجيه الآية إلى معنى المسح دون معنى الغسل، وقد أطلنا في النقل عنهم في هذا الباب لأن المسألة من المسائل التي أطال القوم في بيانها، والاستدلال لها.
وهكذا فإن عامة الإمامية قد أخذت بهذه القراءة، وجعلت الواجب مسح الرجلين لا غسلهما، واستدلوا لذلك بما أخرج أبو داود من حديث أوس بن أوس الثقفي أنه رأى رسول الله ﷺ أتى كظامة قوم بالطائف، فتوضأ، ومسح على نعليه وقدميه (٢)، وبما روي عن علي، وابن عباس، وأنس، لكن قد ثبت عنهم الرجوع عن ذلك.
قال الشوكاني (٣): وأما الموجبون للمسح، وهم الإمامية، فلم يأتوا مع مخالفتهم الكتاب والسّنة المتواترة قولا وفعلا بحجة نيّرة، وجعلوا قراءة النصب عطفا على محلّ قوله: بِرُؤُسِكُمْ والسبب في ذكر الغسل والمسح في الأرجل بحسب قراءتي النصب والجر- كما ذكر الزمخشري (٤) - هو توقّي الإسراف؛ لأن الأرجل مظنة لذلك.
ويلاحظ أن الإمامية في إيران اليوم يقرءون بقراءة عاصم من رواية حفص، وهي في مصاحفهم بالنصب وَأَرْجُلَكُمْ وهذا يقوي ما نقله بعض الفقهاء من ثبوت رجوعهم عن ذلك (٥).
وأما الجواب على ما أورده الجعفرية فهو في ثلاث شعب:
الأول: أما قولهم بأن الفصل بين المتعاطفين ضعف في البلاغة، فإنه يرد عليه بما ورد من نظائر كثيرة لذلك التعاطف في الكتاب العزيز، كقوله سبحانه: وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكانَ لِزاماً وَأَجَلٌ مُسَمًّى [طه: ٢٠/ ١٣٢]،
стр. 233
فقد كمل الكلام بقوله: لكان لزاما، ثم عطف بقوله: وأجل مسمى، وذلك نكتة بديعة أراد به تهويل أمر الكلمة الإلهية فعجّل بجوابها، ثم عطف ببيان السبب الثاني وهو الأجل المسمّى.
ومثل ذلك قوله سبحانه: الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الْمُؤْمِناتِ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ [المائدة: ٥/ ٥]، وليس ثمة عاقل يجيز عطف المحصنات هنا على أقرب مذكور؛ إذ ليست الآية في إباحة أكلهن، بل الآية في إباحة زواجهن، وحمل الْمُحْصَناتُ على الاستئناف ضعيف، لأنه لا بدّ فيه من تقدير الخبر، وإذا جاز التقدير وعدمه، فعدم التقدير أولى اتّفاقا.
الثاني: قال الطباطبائي: «إن حمل مسح الأرجل على الغسل دون مسح الرءوس؛ ترجيح بلا مرجح، وليت شعري ماذا يمنعه أن يحمل كل ما ورد المسح فيه مطلقا من كتاب أو سنّة على الغسل، وبالعكس، وما المانع حينئذ أن يحمل روايات الغسل على المسح، وروايات المسح على الغسل، فتعود الأدلة عن آخرها مجملات لا مبين لها؟» (١).
والجواب: أن هذا الحمل لم يتمّ من دون نصّ من السّنة الصحيحة، وقد قدمنا طرفا من الأدلة من جهة السّنة المطهرة لوجوب الغسل في الرجلين (٢). وأيضا يشهد لذلك المعقول، فإن الرجلين هما مجتمع الأوساخ والأقذار، وفيهما يرشح ويستقر الأذى والجراثيم، فكان غسلهما وتنظيفهما بالماء هو المطلوب، إلا إذا كانا معصومين بالخف، فيمكن حينئذ المسح على الأخفاف كما بيّنته السّنة المطهرة.
الثالث: أما قولهم بأن العطف مع التّجاور مفيد للعطف اللفظي والمعنوي لا محالة، فهو أيضا إلزام بغير ما ملزم، ويرد عليه ما قدمنا من كلام العرب: هذا حجر ضبّ خرب (٣)
، وكذلك ما ورد في التنزيل العزيز من مثل قوله سبحانه:
стр. 234
بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ* فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ [البروج: ٨٥/ ٢١ - ٢٢].
ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ* فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ [البروج: ٨٥/ ١٥ - ١٦].
وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ [الجاثية: ٤٥/ ١١].
وكلها قراءات متواترة لا تنكرها عامة الشيعة، ولا يصح حملها إلا على العطف اللفظي دون المعنوي.
وجملة القول أن القوم لا يختلفون في صحة القراءة، ولكن يختلفون في توجيهها، ويمكن القول: إن الغسل في المسح، ومتضمن لمعناه، فيكون الخروج من الخلاف بالغسل، أولى من الانفراد بالقول بالمسح، ولو تواردت عليه الأقيسة.
وأيضا فإنه لما حدد غاية المطلب إلى الكعبين، دلّ على أنه غسل لا مسح، إذ هو الذي تتبدى آثار غمره بالماء، نظير ما أمر في الأيدي بقوله: إِلَى الْمَرافِقِ.
وأما الحكمة من تخلف التعاقب بين المغسولات، فهي ظاهرة في إفادة الترتيب في الوضوء، فقد أتى سبحانه على ذكر سائر المغسولات والممسوحات في الوجه واليدين والرأس، ثم ببيان الواجب تجاه الرجلين، ومن المعلوم أن عامة الفقهاء جعلوا الترتيب مطلوبا في الوضوء، فاعتبره الشافعية والحنابلة فرضا، واعتبره الحنفية والمالكية سنّة مؤكدة (١).
ولا مناص قبل ذلك كله من قبول القراءتين جميعا لدى ثبوت تواترهما، وقد يجد القائلون بالمسح وجها في قراءة الجرّ، ولكن لا يمكن أن يجدوا وجها في قراءة النصب إلا مع التّعسف، والله أعلم.
وثمرة الخلاف:
أن غسل الرجلين ركن في الوضوء، عملا بالقراءة المتواترة، وأرجلكم، ولما ورد في ذلك من النصوص القاطعة الصحيحة.
стр. 235
أخرج أحمد والشيخان عن عبد الله بن عمر ﵁ قال: «تخلف عنّا رسول الله ﷺ في سفره، فأدركنا وقد أرهقنا العصر، فجعلنا نتوضأ، ونمسح على أرجلنا، قال: فنادى بأعلى صوته: «ويل للأعقاب من النار، مرتين أو ثلاثا» (١) وفي معناه حديث مسلم عن أبي هريرة: « ... ثم غسل رجله اليمنى حتى أشرع في الساق، ثم غسل رجله اليسرى حتى أشرع في الساق، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ» (٢).
وأخرج الدارقطني عن جابر ﵁ قال: «أمرنا رسول الله ﷺ إذا توضأنا للصلاة أن نغسل أرجلنا» (٣).
وعلى هذا أطبق أهل السّنة والجماعة، فليس في مذاهبهم من أمر الرجلين إلا الغسل، والله أعلم.
وأما القراءة المتواترة بالخفض وأرجلكم، وهي قراءة ابن كثير، وأبي عمرو، وحمزة، وشعبة، فهي محمولة على المسح على الخفين المأذون به شرعا، والمروي عن نحو سبعين من أصحاب رسول الله ﷺ .
وكذلك فقد نقل عن بعض المفسرين أن الجرّ هنا محض مجاورة، وهو محمول على العامل الأقرب للجوار، وقد أوردت لك قبل قليل نقل أبي زرعة لهذا القول غير معزو لأحد، واحتجاجه بقول أعرابي: هذا جحر ضبّ خرب.
стр. 236
المسألة الثانية:
قوله تعالى: وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ، فَإِذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ [البقرة: ٢/ ٢٢٢].
قرأ حمزة، والكسائي، وشعبة عن عاصم، وخلف العاشر: (حتّى يطّهّرن) بتشديد الطاء، والهاء.
وقرأ الباقون: حَتَّى يَطْهُرْنَ بتخفيف الطاء، وإسكان الراء (١).
وعلى قراءة التشديد فإن المعنى متجه إلى أن اجتناب النساء في المحيض، متصل إلى غاية اغتسالهن بالماء بعد انقطاع الدم، وذلك أن الله أمر عباده بما يقدرون عليه، (وهي على وزن تفعلن فيجب أن يكون لها فعل، وفعلها إنما هو الاغتسال، لأن انقطاع الدم ليس من فعلها) (٢).
وقد أجرى هؤلاء تركيب الكلمة على أساس أن أصلها: (حتى يتطهرن) ثم أدغمت التاء في الطاء، وقد رويت هذه القراءة عن عبد الله بن مسعود، وأبي بن كعب ﵄ (٣).
ويدلّ لهم أن في قراءة التشديد زيادة مبنى، وهي أمارة زيادة المعنى، فلا بدّ من انقطاع، وأما قراءة التّخفيف فإنهم وجّهوا المعنى فيها إلى أن اجتناب النساء في المحيض متصل إلى غاية انقطاع الدم عنهن، وليس إلى الاغتسال. قال الزجاج: «يقال طهرت المرأة وطهرت إذا انقطع الدم عنها» (٤).
وقد ذهب الفقهاء مذاهب مختلفة في تحريرهم لدلالة الآية وفق وجوه قراءاتها المتعددة، فذهبت الشافعية والمالكية إلى أن قراءة التخفيف لا تلغي دوام المنع إلى حين الاغتسال، وعبارتهم
стр. 237
في ذلك: «إن الله تعالى شرط لحلّ الوطء شرطين: انقطاع الدم والغسل، فالأول: من قوله سبحانه: حَتَّى يَطْهُرْنَ أي ينقطع دمهن، والثاني: من قوله : فَإِذا تَطَهَّرْنَ أي اغتسلن بالماء فَأْتُوهُنَّ فتصير إباحة وطئها موقوفة على الغسل. وهذا هو رأي الحنابلة أيضا في حرمة الوطء- الجماع (١) -.
أما الحنفية فقد اختاروا أن الحائض تحلّ لزوجها إذا انقطع دمها بعد استيفاء عادتها، أما لو انقطع دون استيفاء عادتها فإنها لا تحلّ، فمن كانت عادتها عشرة أيام لم تحلّ حتى تستوفي العشرة، ولو انقطع دمها لأربع أو لخمس (٢)، ولا مزيد عندهم للحيض فوق عشرة أيام لحديث: «أقلّ الحيض ثلاثة أيام، وأكثره عشرة» (٣).
وخلاصة مذهب الحنفية أن المرأة لا تحلّ لزوجها إذا طهرت قبل استيفاء عادتها حتى تغتسل، فإن استوفت عادتها، وأدركها وقت صلاة فإنها تحلّ لزوجها، لثبوت الصلاة دينا في ذمّتها، والصلاة لا تلزم إلا الخالية من الحيض، فكان استواؤهما في الحكم قرينة اشتراكهما في تحرير السّبب.
ومع ذلك فقد نصّ الحنفية على استحباب الغسل في كل حال قبل الوطء خروجا من الخلاف.
وقد انتصر الرازي الجصاص لاختيار الحنفية، وعقد مقارنة بديعة بين وجوه القراءة المتواترة في هذا الباب، وجزم بأن إعمال القراءتين يؤدي إلى ما اختاره الحنفية.
قال الجصاص: «فإن قيل هلّا كانت القراءتان كالآيتين تستعملان معا في حالة واحدة؟
قيل له: لو جعلناهما كالآيتين كان ما ذكرناه أولى، من قبل أنه لو وردت آيتان تقتضي إحداهما انقطاع غاية الدم لإباحة الوطء، والأخرى تقتضي الغسل غاية لها، لكان الواجب استعمالهما، وعلى حالين، على أن تكون كل واحدة منهما مقرّة على حقيقتها فيما اقتضته من حكم الغاية،
стр. 238
ولا يمكن ذلك إلا باستعمالها في حالين على الوجه الذي بيّنّا، ولو استعملناها كما يقول المخالف لكان فيها إسقاط إحدى الغايتين لأنه يقول: إنها وإن طهرت وانقطع دمها لم يحل له أن يطأها حتى تغتسل» (١).
وهكذا فإن استدلال الحنفية ماض في إعمال القراءتين جميعا، على أساس أن الشطر الأول من الآية: وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ أفاد معنى تامّا لا حاجة للمزيد عليه، وهو الجزم بانتفاء التحريم لدى انتهاء الحيض، على ما بيّناه.
ولكن كيف وجه الحنفية الإطناب الوارد في الشطر الثاني من الآية: فَإِذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ؟
قال الرازي الجصاص: «هو إطلاق من حظر وإباحة، وليس هو على الوجوب، كقوله تعالى: فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ [الجمعة: ٦٢/ ١٠]، وقوله: وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا [المائدة: ٥/ ٢]، وهو إباحة وردت بعد حظر.
وقوله: مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ قال ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، والربيع بن أنس:
يعني في الفرج، وهو الذي أمر بتجنّبه من قبل الطّهر دون الحيض. وقال ابن الحنفية: من قبل النكاح دون الفجور» (٢).
فجعل للشطر الآخر فائدة ثانية، ثم عطف بقوله: «قال أبو بكر: هذا كله مراد الله تعالى لأنه مما أمر الله به، فانتظمت الآية جميع ذلك» (٣).
وهكذا فإن الحنفية- كما اختار الجصاص- جعلوا سبيل إعمال القراءتين في أن تكون قراءة التخفيف تامة المعنى عند قوله سبحانه: يَطْهُرْنَ فقد أفادت حَتَّى معنى وافيا في جعل ما قبلها مغايرا لحكم ما بعدها، وكان ما بعدها منصرفا إلى الدلالة على المنع من إتيانهن في غير ما أذن به الله.
стр. 239
وأما القراءة بالتّشديد فإنها لا تتأتى في اختياره إلا بإسقاط ما أدّت إليه قراءة التخفيف، إذ لازمها: أن من انقطع دمها- وإن طهرت- لم يحل وطؤها للزوج حتى تغتسل، وهو عكس ما أدّت إليه قراءة التّخفيف.
ولم ينصّ الجصاص (١) على ردّ قراءة التّشديد ولكنه جعلها بمنزلة المؤكدة على تحقق الطّهر وانقطاع دم الحيض يقينا، وهو ما يتمّ عندهم بانقضاء عشرة أيام على دخول الحيضة، أو مرور عدة أيام مع انقطاع الدم لوقت يتّسع للاغتسال، وستر العورة، وأداء الصلاة، ودخول وقت صلاة آخر، إذ إن ذلك يرتب أن الصلاة دين في ذمّتها، فكيف تكون الصلاة دينا في ذمّتها وهي لم تطهر بعد؟
ولكن هذا كما ترى محض استدلال عقلي لا تقوم به حجة مقنعة في إسقاط الأخذ بالقراءة المتواترة، وفي هذا الاستدلال إلزام الخصم بما لا يلزمه، إذ لم يقل مخالفوهم بقولهم هذا في ثبوت الصلاة دينا على من وصفنا حالتها.
وقد ردّ الشافعية والمالكية على مذهب الحنفية في هذا الباب بأجوبة كثيرة متجهين إلى أن المولى سبحانه اشترط لإباحة الوطء شرطين اثنين وهما: الطّهر والتّطهّر، فالطّهر مفهوم من قوله سبحانه: حَتَّى يَطْهُرْنَ، والتّطهّر مفهوم من قوله سبحانه: فَإِذا تَطَهَّرْنَ.
وللقاضي ابن العربي مناقشة مستفيضة في هذه المسألة أطال فيها القول، وردّ فيها اختيار أبي حنيفة، وانتصر لرأي مالك، وعزاه أيضا إلى الزهري، وربيعة بن فروخ، والليث بن سعد، وإسحاق بن راهويه، وأحمد بن حنبل، وأبي ثور.
وقد اخترت أن أنقل لك هذه المناقشة بطولها لما فيها من بديع الاحتجاج؛ قال القاضي أبو بكر العربي في تأويل قوله تعالى: فَإِذا تَطَهَّرْنَ: قد اختلفت الناس اختلافا متباينا نطيل النفس فيه قليلا وفيه ثلاثة أقوال:
الأول: إن معنى قوله تعالى: حَتَّى يَطْهُرْنَ حتى ينقطع دمهن. قاله أبو حنيفة،
стр. 240
ولكنه ناقض في موضعين؛ قال: إذا انقطع دمها لأكثر الحيض حينئذ تحلّ. وإن انقطع دمها لأقل الحيض لم تحلّ حتى يمضي وقت صلاة كامل.
الثاني: لا يطؤها حتى تغتسل بالماء غسل الجنابة. قاله الزهري، وربيعة، والليث، ومالك، وإسحاق، وأحمد، وأبو ثور.
الثالث: تتوضأ للصلاة. قاله طاوس، ومجاهد.
فأما أبو حنيفة فينتقض قوله بما ناقض فيه، فإنه تعلق بأن الدم إذا انقطع لأقل الحيض لم يؤمن عودته. قلنا: ولا تؤمن عودته إذا مضى وقت صلاة فبطل ما قلته.
والتّعلق بالآية يدفع من وجهين:
أحدهما: أن الله تعالى قال: وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ- مخففا- وقرئ: (حتّى يطّهّرن) مشددا. والتخفيف وإن كان ظاهرا في استعمال الماء فإن التشديد فيه أظهر، كقوله تعالى: وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا [المائدة: ٥/ ٦]، فجعل ذلك شرطا في الإباحة وغاية للتحريم.
فإن قيل: المراد بقوله تعالى: حَتَّى يَطْهُرْنَ حتى ينقطع عنهن الدّم: وقد يستعمل التشديد موضع التّخفيف، فيقال: تطهّر بمعنى طهر، كما يقال: قطع وقطّع ويكون هذا أولى لأنه لا يفتقر إلى إضمار، ومذهبكم يفتقر إلى إضمار قولك: بالماء.- أي فإذا تطهرن بالماء-.
قلنا: لا يقال: طهّرت المرأة بمعنى انقطع دمها، ولا يقال: قطّع- مشددا- بمعنى قطع مخففا، وإنما التشديد بمعنى تكثير التخفيف.
جواب آخر، وهو أنه قد ذكر بعده ما يدلّ على المراد فقال: فَإِذا تَطَهَّرْنَ والمراد بالماء، والظاهر أن ما بعد الغاية في الشرط هو المذكور في الغاية قبلها، فيكون قوله تعالى:
حَتَّى يَطْهُرْنَ مخففا. وهو معنى قوله: يَطْهُرْنَ مشددا- بعينه جمع بين اللغتين في الآية كما قال تعالى: فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ [التّوبة: ٩/ ١٠١].
وقال الكميت:
وما كانت الأبصار فيها بغيب ... ولا غيّبا فيها إذ النّاس غيّب
стр. 241
وقيل: إنّ قوله تعالى: فَإِذا تَطَهَّرْنَ ابتداء كلام لا إعادة لما تقدّم. ولو كان إعادة لاقتصر على الأول فقال: حتى يطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله، خاصّة فلما زاد عليه دلّ على أنّه استئناف حكم آخر.
فالجواب أن هذا خلاف الظاهر. فإنّ المعاد الشّرط هو المذكور في الغاية بدليل ذكره بالفاء، ولو كان غيره لذكره بالواو، وأما الزيادة عليه فلا تخرجه عن أن يكون بعينه، ألا ترى أنه لو قال: لا تعط هذا الثوب زيدا حتى يدخل الدار فإذا دخل الدار فأعطه الثوب ومائة درهم لكان هو بعينه، ولو أراد غيره لقال: لا تعطه حتى يدخل الدار، فإذا دخل، وجلس، فافعل كذا وكذا. هذا طريق النّظم في اللسان.
جواب آخر وذلك أن قولهم: إنّا لا نفتقر في تأويلنا إلى إضمار، وأنتم تفتقرون إلى إضمار.
قلنا: لا يقع بمثل هذا ترجيح، فإن هذا الإضمار من ضرورة الكلام هذا كالمنطوق به» (١).
وهكذا فقد أورد ابن العربي جوابين اثنين لما استدلّت به الحنفية، ثم عطف بجواب ثالث من جهة أن تعدّد القراءة، وتكرر الاشتراط بلاغة مرادة في القول لا يصحّ اجتزاء المعاني من أحدهما دون استكمال ما أدّت إليه العبارة بمجموعها، فقال: «جواب ثالث: وهو التعلّق الثاني من الآية، إنا نقول: نسلم أن قوله تعالى: حَتَّى يَطْهُرْنَ معناه: حتى ينقطع دمهنّ، لكنه لما قال بعد ذلك: فَإِذا تَطَهَّرْنَ كان معناه: فإذا اغتسلت بالماء، فوقف الحكم- وهو جواز الوطء- على الشرطين، وصار ذلك كقوله تعالى: وَابْتَلُوا الْيَتامى حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ [النّساء: ٤/ ٦]، فعلّق الحكم وهو جواز دفع المال على شرطين:
الأول: بلوغ النكاح، والثاني: إيناس الرّشد، فوقف عليهما ولم يصح ثبوته بأحدهما.
وكذلك في قوله تعالى في المطلّقة ثلاثا: فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ [البقرة: ٢/ ٢٣٠]، ثم جاءت السّنة باشتراط الوطء، فوقف التّحليل على الأمرين جميعا، وهما انعقاد النكاح، ووقوع الوطء» (٢).
стр. 242
وثمرة الخلاف:
أننا هنا أمام ثلاث نقاط وردت في تحديد الغاية التي ينتهي إليها تحريم الوطء في الحيض:
الأولى: حتّى يطهرن.
الثانية: حتى يطّهّرن.
الثالثة: فإذا تطهّرن.
وهذه الثلاثة جميعا قرآن، رسمت الأخيرة منها في سائر المصاحف، فيما تناوبت المصاحف العثمانية في إثبات الأولى والثانية، وسائرها قرآن منزل، محل لاستنباط الأحكام.
وإذا ثبت هذا فإن أي قول يشير إلى ردّ واحد منها فهو قول مردود، يطعن في سلامة التّنزيل، ولا يلتمس لقائله عذر إلا عدم علمه بتواتر الإسناد.
وإذا كان ذلك كذلك فإن دلالة الآية بلا ريب فيما اختاره الشافعية والمالكية من أن الوطء لا يتمّ إلا بعد استيفاء سائر الشروط التي نصّت عليها الآية بوجوهها المتواترة.
وإذا تذكرت أن الحنفية أيضا استحبّوا الغسل قبل الوطء، بل منعوا الوطء قبل الاغتسال لمن لم تستوف عادتها، ولو انقطع الدم أدركت أن فجوة الخلاف ضاقت بين القوم، ولم يبق بينهم خلاف ظاهر إلا في مسألة واحدة وهي: إذا انقطع دم الحيض لعشرة أيام فهل يجب اغتسالها قبل الوطء؟
قالت المالكية، والشافعية: يجب، وقالت الحنفية: يستحب.
وهنا المنهج يستقيم به إعمال المعاني كلها، ولا يشكل بعدئذ أن الآية تحتمل الإذن بإتيانهن قبل التّطهّر، كما يدلّ لذلك ظاهر قراءة الجمهور، إذ إن استكمال نصّ الآية بقوله:
وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ يدفع هذا الإشكال كله.
وقد صرّح الفخر الرازي في مفاتيح الغيب بالمعنى الأول مشيرا إلى شطر الآية الأول فقال:
«من خفف فهو زوال الدم من طهرت المرأة من حيضها؛ إذا انقطع الحيض، والمعنى: لا تقربوهن
стр. 243
حتى يزول عنهن الدم. ومن قرأ بالتشديد فهو على معنى يتطهرن» (١). ولكن استدلال الشافعية، والمالكية الذي قدمناه أدعى إلى إعمال الأقوال جميعا، وردّ ما اختلفوا فيه إلى ما اجتمعوا عليه أولى.
المسألة الثالثة:
قوله تعالى: أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا [النّساء: ٤/ ٤٣].
قرأ حمزة، والكسائي، وخلف: (أو لمستم النّساء). وقرأ الباقون: أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ (٢).
وكذلك في سورة المائدة في آية الوضوء: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ، وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا، وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ [المائدة: ٥/ ٦].
فقد قرأ الكوفيون إلا عاصما بالقصر: لمستم، ومراده في ذلك أن اللمس هو ما دون الجماع كالقبلة، والغمزة، واللمس باليد، وهو مذهب ابن عمر، وابن مسعود، وسعيد بن جبير، وإبراهيم النّخعي، وابن شهاب الزهري. وبذلك فإنهم يجعلون الفعل هنا للرجال دون النساء (٣).
وأما اختيار الباقين فإنهم فهموا منه المجامعة، إذا الألف للمفاعلة، والمفاعلة تكون من اثنين، واستدلوا لذلك بما روي في التفسير أنّ عليّا ﵁ قال: لامَسْتُمُ النِّساءَ: أي جامعتم، ولكن الله يكني».
وروي أيضا عن ابن عباس قوله: «هو الغشيان والجماع» (٤).
стр. 244
وعن سعيد بن جبير قال: كنا في حجرة ابن عباس، ومعنا عطاء بن أبي رباح، ونفر من الموالي، وعبيد بن عمير، ونفر من العرب، فتذاكرنا اللماس، فقلت أنا، وعطاء، والموالي:
اللماس: اللمس باليد. وقال عبيد بن عمير، والعرب: هو الجماع، فدخلت على ابن عباس فأخبرته، فقال: غلبت الموالي، وأصابت العرب، ثم قال: إن اللمس، والمسّ، والمباشرة إلى الجماع ما هو- أي هي الجماع- ولكن الله يكني ما شاء بما شاء (١).
وليس في اللغة تفريق بين اللمس والملامسة إلا من جهة ألف المفاعلة فيها، فاللمس ما ظهر من اللامس، والملامسة ما اشترك فيها اثنان، وقال ابن منظور في اللسان: «قال ابن الأعرابي:
لمسته لمسا، ولامسته ملامسة، ويفرق بينهما فيقال: اللمس قد يكون معرفة الشيء بالشيء، والملامسة أكثر ما جاءت من اثنين» (٢).
وقال: اللمس: كناية عن الجماع، لمسها يلمسها ولامسها، وكذلك الملامسة، وفي التنزيل العزيز: أو لمستم النساء، وقرئ: أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ (٣). وهكذا فإن النّحاة لا يميّزون بين اللّمس والملامسة من جهة أصل الدلالة، وبذلك يكون الجدل في دلالة هذه الآية ليس ناشئا عن خلاف القراءة، وإنما عن تعدد التأويل، واعتبار الحقيقة والمجاز في اللفظ، واحتفاظه بالقرائن.
وثمرة الخلاف:
في القراءة لا تعود بنتيجة على التأويل، لأن الذين اعتبروا اللمس باليد ناقضا تأولوا عليه القراءتين، وكذلك من اعتبر الجماع هو الناقض المقصود، فإنه تأوّل عليه القراءتين. فلا مطمع إذن في توجيه القراءة لمذهب دون مذهب، والفقهاء يوردون في الاحتجاج في هذا المقام قرائن الأحوال.
فقد اختار الشافعية أن (لمستم) ظاهرة في مجرد اللمس من غير جماع، وأما قراءة لامَسْتُمُ فقد جعلوها مبالغة في اللمس، ولم يصرفوها إلى معنى آخر، وقالوا: لما أورد الجماع
стр. 245
بقوله: لا جُنُباً [النّساء: ٤/ ٤٣]، كان تكرار ذلك غير فصيح (١)، واستدلّوا كذلك بما قدمناه من مذهب ابن مسعود (٢).
واختار الحنفية أن اللّمس والملامسة حقيقة في الجماع، ولكن الله يكني (٣)، وقد استدلوا لذلك بما قدمناه من مذاهب الصحابة كابن عباس وعلي بن أبي طالب ﵄ (٤).
وقد توسّط المالكية فجعلوا نقض الوضوء بلمس المتوضئ البالغ لشخص يلتذ به عادة، فجعلوا الضابط لنقض الوضوء حصول اللذة، ونصّوا على أن القبلة تنقض الوضوء مطلقا بين البالغين لأنها مظنّة الشهوة، وهو شبيه برأي الحنابلة في المشهور (٥).
وهو ما دلّت له عبارة ابن العربي المالكي: «راعى مالك في اللمس القصد، وجعله الشافعي ناقضا للطهارة بصورته كسائر النواقض»، ثم أورد دليلا على ما اختاره في قوله: «إن الله تعالى أنزل اللمس المفضي إلى خروج المذي منزلة التقاء الختانين المفضي إلى خروج المني، فأما اللمس المطلق فلا معنى له، وذلك مقرر في مسائل الخلاف» (٦).
قال ابن جرير الطّبري: وأولى القولين في ذلك بالصواب قول من قال: أراد الله بقوله:
أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ الجماع دون غيره من معاني اللمس لصحة الخبر عن رسول الله ﷺ أنه قبّل بعض نسائه ثم صلّى، ثم روى عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ يتوضأ ثم يقبّل، ثم يصلّي.
وعن عائشة أن رسول الله ﷺ قبّل بعض نسائه، ثم خرج إلى الصلاة، ولم يتوضأ، قال عروة: قلت من هي إلا أنت، فضحكت (٧).
ويمكن الجمع بين القراءتين أن الله أمر بالوضوء من غشيان النساء، وذلك على سبيل الحتم، ثم أمر به من مسهنّ على سبيل النّدب، وإنما صرف المعنى هاهنا من الحتم إلى النّدب
стр. 246
ثبوت الرواية عن عروة عن عائشة كما أثبتها الطبري هاهنا. وهو ما اختاره الحنابلة على المشهور إذ قالوا: «وإذا لم ينتقض الوضوء بمسّ أنثى، فإنه يستحب» (١).
المسألة الرابعة:
قوله تعالى: إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ ...
[المزمّل: ٧٣/ ٢٠].
قرأ نافع، وابن عامر، وأبو عمرو: (ونصفه وثلثه) بالكسر، حملوه على الجار، أي: تقوم أدنى من نصفه ومن ثلثه.
والمعنى في ذلك يكون على تأويل: إن ربك يعلم أنك تقوم أحيانا أدنى من ثلثي الليل، وأحيانا أدنى من نصفه، وأحيانا تقوم أدنى من ثلثه، غير عارف بالمقدار في ذلك التحديد بدلالة قوله بعدها: عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ، وقوله: وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ فكأنه قال: أنا أعلم من مقادير قيامك بالليل ما لا تعلم من تحديد الساعات من آخر الليل.
قال أبو عبيد: الاختيار الخفض في (نصفه وثلثه)، لأن الله تعالى قال: عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فكيف يقدر على أن يعرضوا نصفه وثلثه.
وقرأ الباقون: بالنصب، بوقوع الفعل أي يقوم نصفه وثلثه (٢).
وحجّتهم في ذلك أن النّصب أصح في النظر: قال الله لنبيّه ﷺ : قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا ... [المزمّل: ٧٣/ ٢]، أي صل الليل إلا شيئا منه تنام فيه، وهو الثلث، والثلث يسير عند الثلثين، ثم قال: نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا أي من الثلث قليلا. أي: نصفه أو انقص من النصف قليلا إلى الثلث، أو زد على النصف إلى الثلثين. فإذا قرأت بالخفض كان معناه أنهم كانوا يقومون أقل من الثلث.
وفي هذا مخالفة لما أمروا به لأن الله تعالى قال: قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا* نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا
стр. 247
إلى الثلث، أو زد على الثلث، ولم يأمرهم بأن ينقصوا من الثلث شيئا. وأما قوله:
عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ أي: لن تطيقوه كما قال ﷺ : «استقيموا، ولن تحصوا» (١)، أي: ولن تطيقوا، والله أعلم (٢).
وثمرة الخلاف:
أن منطوق الآية نصّ في أن النّبي ﷺ والصحابة الكرام كانوا يقومون أجزاء مختلفة من الليل، فمرة يقوم أدنى من الثلثين، ومرة يقوم نصف الليل، ومرة ثلث الليل، ومرة أدنى من نصف الليل، ومرة أدنى من ثلثه، وهذا ما دلّت له القراءتان، فدلّت قراءة نافع، وابن عامر، وأبي عمرو على قيامه ﷺ أقل من النصف وأقل من الثلث، فيما دلّت قراءة الباقين على قيامه النصف والثلث، وذلك بمجموعه تيسير الأمة، وتخفيف عليها، إذ النّبي ﷺ في مقام الأسوة، وإذا صحّ عنه قيام ذلك من الليل كان ذلك إذنا لأمته، في تخيّر ما يقدر العبد عليه من أحوال القيام.
وهل القيام في حقّ النّبي ﷺ فريضة كما اختاره الغزالي، أم هو وأمته سواء (٣)؟ وهذا الذي اختاره الغزالي من أن القيام فريضة في حقّ النّبيّ ﷺ هو ما دلّ له حديث: «ثلاثة عليّ فريضة ولأمّتي تطوّع: قيام الليل، والوتر، والسواك» (٤)، وهذا الحديث لو صحّ لقطع كل نزاع في أن القيام تعين فريضة في حقّ النّبي ﷺ ، ولكن معالجة إسناد الحديث- كما يظهر لك- تكشف أنه لا ينهض مستقلّا في إثبات ذلك.
стр. 248
وقد اختار الآلوسي أن القيام فرض على النّبي ﷺ وعلى أمته، فنسخ ذلك في حقّ أمته ﷺ ، وبقي في حقّه ﷺ بناء على ما أخرجه ابن أبي حاتم عن الضّحاك قال: نسخ قيام الليل إلا عن النّبي ﷺ (١).
وقد تأوّل القائلون بافتراضه عليه ﷺ قوله تعالى: نافِلَةً لَكَ، أي: كرامة لك، وهو قول مقاتل (٢).
لكن ردّ القرطبي على ذلك فقال: وفي هذا التأويل بعد لوجهين: أحدهما: تسمية الفرض بالنفل، وذلك مجاز لا حقيقة (٣)، وليس ثمة مساغ يبرر العدول عن الحقيقة إلى المجاز.
ثم قال: الثاني: قوله ﷺ : «خمس صلوات افترضهن الله على العباد» (٤)، وقوله تعالى:
«وهي خمس وهنّ خمسون لا يبدّل القول لدي» (٥)، وهذا نصّ، فكيف يقال: افترض عليه صلاة زائدة على الخمس؛ هذا ما لا يصح (٦).
ثم جزم القرطبي في اختياره أن التّهجد نافلة في حق الرسول ﷺ كما في حق أمته فقال:
وعلى هذا يكون الأمر بالتّنفّل على جهة النّدب، ويكون الخطاب للنّبي ﷺ لأنه مغفور له، فهو إذا تطوع بما ليس بواجب عليه كان ذلك زيادة في الدرجات، وغيره من الأمة تطوعهم كفارات وتدارك لخلل يقع في الفرض (٧).
стр. 249
المسألة الخامسة:
قوله تعالى: وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى [البقرة: ٢/ ١٢٥].
قرأ ابن عامر، ونافع: (واتّخذوا) بفتح الخاء، وقرأ الباقون: وَاتَّخِذُوا بكسر الخاء (١).
فمؤدّى قراءة ابن عامر ونافع الإخبار عن فعل الأولين، فهي محض خبر، وأما قراءة الجمهور فهي في مقام إنشاء الأمر باتّخاذ المقام مصلّى.
وهذه المسألة من موافقات عمر بن الخطاب ﵁، أخرج البخاري عن أنس عن عمر بن الخطاب قال: «وافقت ربّي في ثلاث، ووافقني ربّي في ثلاث، قلت: يا رسول الله إن نساءك يدخل عليهن البر والفاجر، فلو أمرتهن أن يحتجبن، فنزلت آية الحجاب، وقلت:
يا رسول الله لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى، فنزلت: وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى، واجتمع على رسول الله ﷺ نساؤه في الغيرة، فقلت لهن: عسى ربّه إن طلّقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن مسلمات مؤمنات قانتات ... فنزلت» (٢).
وثمرة الخلاف:
أن مقام إبراهيم ﵇ لم يزل مصلى، فقد اتّخذه بنو إبراهيم بعد أبيهم، وقد أمر الله النّبي ﷺ وأمّته بإقرار ذلك وجعله مصلى، وهذا المعنى بجملته لا يفهم من إحدى القراءتين دون الأخرى، ولا بدّ من إعمالهما معا ليتضح ذلك.
وليس لهذا الخلاف ثمرة فقهية ظاهرة، ولكنه أفاد خبرا في أن مقام إبراهيم لم يزل مصلى يتّخذه المتحنفون على ملّته، فجاءت الشريعة بإقرار ذلك ثم الحثّ عليه.
وفيه من الفوائد التربوية أن ليس كل قديم ينبذ، وأن اقتفاء الأبناء هدي آبائهم وتراثهم ليس مذموما على إطلاقه، وأن ركوب أهل الباطل لبعض مراكب الحق لا يشين الحق في ذاته.
стр. 250
المسألة السادسة:
قوله تعالى: وَيَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ [البقرة: ٢/ ٢١٩].
قرأ أبو عمرو البصري: (قل العفو) بالرفع، وقرأ الباقون: قُلِ الْعَفْوَ بالنصب (١).
ومقتضى قراءة البصري أنه جعلها مبتدءا في الكلام، فكان المعنى أن المطلوب في الإنفاق هو العفو.
وجعلها الباقون مفعولا لفعل الأمر: المقدّر، أي: أنفقوا العفو.
والمعنيان متقاربان من جهة الدلالة، متفاوتان من جهة الأسلوب، والعفو نقيض الجهد (٢)، وهو ما ينفقه المرء دون أن يضيّق على نفسه ويقتّر على عياله، والجهد: أن ينفق ما يجهده ويستفرغ وسعه، ومنه قولهم: «خذي العفو مني تستديمي مودّتي» ويقال للأرض السهلة: العفو (٣).
وأما تشريع صدقة العفو فقد رفع وجوبه وبقي استحبابه، وإنما رفع وجوبه بفرض أنصبة الزكاة ومقاديرها، أخرج ابن إسحاق، وابن أبي حاتم أن نفرا من الصحابة حين أمروا بالنفقة في سبيل الله أتوا النّبي ﷺ ، فقالوا: إنا لا ندري ما هذه النفقة التي أمرنا بها في أموالنا، فما ننفق منها؟ فأنزل الله: وَيَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ. وكان الرجل قبل ذلك ينفق ماله حتى ما يجد ما يتصدق به، ولا يجد ما يأكل حتى يتصدّق عليه (٤).
وأخرج مسلم في الصحيح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى- وابدأ بمن تعول» (٥).