← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 38031

مدخل إلى تفسير القرآن وعلومه

عدنان زرزور

Полный текст (277 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

المقام، لأن التواتر إنما يكمن حقيقة في موافقة هذا المكتوب في الصحف، بشهادة أي عدد كان، لما كان يحفظه الصحابة في صدورهم- بل إن الكتابة ليست شرطا في التواتر أصلا- حيث تلقوا عمل أبي بكر بالقبول، وتمت عليه موافقتهم .. فكأن جمع المتفرق- «فتتبعت القرآن أجمعه من العسب واللخاف وصدور الرجال» - كان سبيلا ليعارض بالمجتمع «ليشترك الجميع في علم ما جمع فلا يغيب عن جمع القرآن أحد عنده منه شيء، ولا يرتاب أحد فيما يودع المصحف، ولا يشكّوا في أنه جمع عن ملأ منهم» (١) كما قال الزركشي- ﵀. هذا الجمع العلني والإعلامي، في مجتمع فضل وعلم ودين، هو الذي قال فيه علي بن أبي طالب- ﵁: «أعظم الناس في المصاحف أجرا أبو بكر، رحمة الله على أبي بكر هو أول من جمع كتاب الله» (٢). ٣ - وأخيرا، فإن من أبرز ما تضمنه حديث زيد السابق (٣) أن الصحف التي جمع فيها القرآن- بين لوحين أو أجزاء متفرقة- كانت عند أبي بكر الخليفة- ﵁، ثم آلت إلى سيدنا عمر من بعده، ثم صارت إلى حفصة بنت عمر أمير المؤمنين، ولم توضع عند عثمان لأن عمر- ﵄ ترك الخلافة شورى من بعده في ستة فلا يحسن دفع هذه الصحف إلى واحد منهم، ولعله لو فعل ذلك لفهم على أنه من أمارات الترجيح! يضاف إلى ذلك أن حفصة- رضوان الله عليها- هي زوجة النبيّ ﷺ وأم المؤمنين، وكانت متمكنة من

стр. 107

القراءة والكتابة، فضلا عن حفظها للقرآن الكريم عن ظهر قلب، فبقيت هذه الصحف عندها إلى أن طلبها منها الخليفة عثمان بن عفان، كما سنرى في الفقرة التالية: ثالثا- نسخ المصاحف على عهد عثمان- ﵁ -: ١ - كان الجمع الذي تم في عهد الصدّيق، إذن، جمعا عاما، أو جمعا «رسميا» قام به الخليفة، وشارك فيه جمهور الصحابة أو جماعة المسلمين: الحافظ بحفظه والكاتب بكتابته. إلا أن هذا الجمع لم يرد له أبو بكر- ﵁ أن يكون «قاضيا» على الصحف الخاصة التي جمع فيها بعض الصحابة القرآن لأنفسهم، كما فعل عبد الله بن مسعود وأبو موسى الأشعري والمقداد بن عمرو وأبيّ بن كعب وعلي بن أبي طالب- وكان غالب هذا الجمع يتمثل في تسجيلهم لما كانوا يسمعونه من النبيّ ﷺ من القرآن- لأن همّ أبي بكر وعمر كان مصروفا لمبدأ الجمع الموثق الذي يتم على ملأ من الحفاظ وعامة المسلمين، والذي كان من أركانه بعض أصحاب هذه الصحف أو المصاحف؛ ولهذا فإن هذه الصحف لم تختلف عن المصحف السابق إلا في ترتيب السور من ناحية، وفي بعض القراءات التفسيرية والقراءات ذات الطابع اللهجي من ناحية أخرى (١)، لأنهم إنما كانوا يدونون هذه الصحف لأنفسهم، وتأكيدا أو تطبيقا لمبدأ نزول القرآن على سبعة أحرف، كما سنشير إلى ذلك في بحث قادم. وقد علّل صاحب كتاب المباني اختلافهم في ترتيب السور «بأن الواحد منهم إذا حفظ سورة أنزلت على رسول الله ﷺ أو كتبها ثم خرج في سرية فنزل في وقت تغيّبه سورة، فإن كان إذا رجع فأخذ في حفظ ما ينزل بعد رجوعه وكتابته فيتتبع ما

стр. 108

فاته على حسب ما يستهل له، فيقع فيما يكتبه تقديم وتأخير من هذا الوجه». قال: «وليس يقدح في الثقة بالقرآن أن كانت السور متفرقة على غير ولاء، بعد أن كانت معروفة عند عامّتهم، محفوظة عن أن يزاد فيها أو ينقص، كما أنه ليس يقدح في قصائد زهير والأعشى وغيرهما من الشعراء أن تكون قصائدهم متفرقة، ثم تجمع بين دفتين فتقدم قصيدة وتؤخر أخرى» (١). أما الاختلاف بالزيادة والنقص- فيما وراء الأحرف السبعة- أو بعبارة أدق: الاختلاف بالنقص، فلم يكن له وجود، ومن ظن ذلك فقد غفل عن النقطة التي أشرنا إليها، وهي أن هذه الصحف صحف خاصة، وربما دوّن صاحبها على صحيفة من الصحف دعاء أو حديثا وهو يأمن أنه ليس من القرآن، أو ترك تدوين سورة يعلم أنها من القرآن ... فمصحف ابن مسعود- على سبيل المثال- زعم بعضهم أنه كان يخلو من سورة الحمد! قال ابن قتيبة: «وكيف يظن به ذلك وهو- أي ابن مسعود من أشد الصحابة عناية بالقرآن؟ ولكن ذهب فيما يظن أهل النظر إلى أن القرآن إنما جمع وكتب بين اللوحين مخافة الشك والنسيان والزيادة والنقصان، ورأى ذلك لا يجوز على سورة الحمد- فاتحة الكتاب- ... فلما أمن عليها العلّة التي من أجلها كتب المصحف ترك كتابتها وهو يعلم أنها من القرآن» (٢). غير أن تعدد المصاحف بجوار مصحف أبي بكر، وانتشار القراء في الأمصار، تسبب في تعدد القراءات، واختلاف القراء. فكانت الحلقة الثالثة أو المرحلة الأخيرة من مراحل جمع القرآن الكريم، أو من مراحل توثيقه ونشره، قام بها عثمان بن عفان- ﵁. وفي ذلك يروي لنا البخاري الخبر التالي:

стр. 109

«عن أنس بن مالك أن حذيفة بن اليمان قدم على عثمان وكان يغازي أهل الشام في فتح أرمينية وأذربيجان مع أهل العراق، فأفزع حذيفة اختلافهم في القراءة، فقال حذيفة لعثمان: يا أمير المؤمنين أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى! فأرسل عثمان إلى حفصة أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف ثم نردها إليك، فأرسلت بها حفصة إلى عثمان فأمر زيد بن ثابت، وعبد الله بن الزبير، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام فنسخوها في المصاحف، وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش فإنما نزل بلسانهم ففعلوا، حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف ردّ عثمان الصحف إلى حفصة. فأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا، وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق» (١). وتوضح بعض الروايات الأخرى عند أبي داود وفي كتابي (البرهان) و (الإتقان) أن الاختلاف في القراءة الذي لاحظه حذيفة، والذي ظهر عند اجتماع الجيوش الإسلامية الوافدة من الأقاليم- سورية والعراق- يعود إلى أن أهل الشام كانوا يتبعون قراءة «أبيّ بن كعب» والعراقيين يتبعون قراءة ابن مسعود .. وبعضهم يقرأ بقراءة أبي موسى الأشعري، فقال بعضهم لبعض: «قراءتنا خير من قراءتكم ... » (٢) وهذا أمر يفزع من مثله، وإن دلّ على شيء- فيما وراء

стр. 110

الاختلاف في القراءة الذي يسمح به نزول القرآن على سبعة أحرف- فإنما يدل على أن شيئا من الطابع الفردي أو الشخصي قد أسبغ على مصحف أبي بكر على الرغم من العناية التي بذلت في جمعه (١) وإن الذي ساعد على ذلك- فيما يبدو لنا- بقاؤه محفوظا بعناية عند الخليفتين الأولين، إلى جانب طبيعة المكانة المتكافئة أو المتقاربة التي يحتلها الصحابة عموما، والتي لا تجعل من الخليفة رجلا متميزا في المجتمع الإسلامي في ذلك الوقت. ولهذا فإن الواجب الآن، بعد الاختلاف الذي أشار إليه حذيفة، يقتضي إعطاء مصحف أبي بكر فرصة النشر والتعميم على الأقاليم الإسلامية، وجعله وثيقة للناس كافة. وهذا ما فعله عثمان بن عفان كما تدل على ذلك الروايات الكثيرة، وكما أقره عليه الصحابة- رضوان الله عليهم- عند ما قالوا له: نعم ما رأيت (٢). ٣ - تشير رواية البخاري السابقة إلى أن اللجنة التي انتدبت للقيام بهذا العمل كانت مؤلفة من أربعة من خيرة الصحابة وثقات الحفاظ، ثلاثة من قريش، وواحد من الأنصار وهو زيد بن ثابت. وجاء في بعض الروايات أن الذين انتدبوا للقيام بهذا العمل أكثر من هذا العدد (٣)، ويبدو أن اللجنة التي «كلّفت» من قبل الخليفة تتألف من أربعة، إلا أن اجتماع الصحابة على العمل واشتراكهم في الإقرار بأن النبيّ ﷺ قرأ على هذا النحو- الذي نجده الآن في المصاحف- وتثبّت الجماعة في ذلك .. هو الذي أوهم كثرة العدد في اللجنة الرسمية التي أنيط بها العمل المذكور؛ أخرج ابن أشتة من طريق أيوب عن قلابة أن عثمان بن عفان- وقد راعه اختلافهم- قال: يا أصحاب محمد اجتمعوا فاكتبوا للناس إماما، فكتبوا، فكانوا إذا اختلفوا وتدارءوا

стр. 111

في آية قالوا: هذه أقرأها رسول الله فلانا، فيرسل إليه وهو على رأس ثلاث من المدينة، فيقال له: كيف أقرأك رسول الله ﷺ آية كذا وكذا؟ فيقول: كذا وكذا، فيكتبونها وقد تركوا لذلك مكانا. وفي رواية أخرى أن عثمان، بعد أن أحضروا الصحف التي كانت في بيت حفصة «كان يتعاهدهم، فكانوا إذا ادّرءوا في شيء أخّروه. قال: فظننت إنما كانوا يؤخرونه لينظروا أحدثهم عهدا بالعرضة الأخيرة فيكتبونه على قوله (١). وتشير هذه الرواية، مع سابقتها: كيف أقرأك رسول الله؟ إلى أن الخلاف كان في الحرف، أو في وجه القراءة، على التحقيق. بالإضافة إلى الخلاف في طريقة الرسم والكتابة، كما دلّت عليه رواية البحاري. ٤ - وقد استهدف عثمان- ﵁ من عمله في نشر القرآن وتعميمه أمرين أساسيين: الأول: منع التماري في القرآن والشجار بين المسلمين بشأن القراءات المختلفة، لأن المصاحف العثمانية أضفت الصفة الشرعية على القراءات المختلفة التي كانت تدخل في إطار النص المدون، ولها أصول نبويّ مجمع عليه. الثاني: حماية النص القرآني ذاته من أي تحريف، نتيجة إدخال «بعض العبارات المختلف عليها نوعا ما، أو أي شروح يكون الأفراد قد أضافوها إلى مصاحفهم بحسن نية» (٢). ومن هنا يمكن لنا أن نتبين قاعدة اللجنة العثمانية في جمع القرآن على النحو التالي:

стр. 112

رابعا- قاعدة عثمان في الجمع ومزايا المصاحف العثمانية: ١ - كتابة القرآن بلغة قريش لأنه إنما نزل بلسانهم، وهكذا احتفظت كلمة «تابوت» التي كانت تكتب «تابوه» في المدينة بشكلها المكي. أخرج البخاري والترمذي، قال ابن شهاب: اختلفوا يومئذ في (التابوت) فقال زيد: (التابوة) وقال ابن الزبير وسعيد بن العاص (التابوت) فرفع اختلافهم إلى عثمان، فقال اكتبوه (التابوت) فإنه بلسان قريش (١). قال ابن عطية: قرأه زيد بالهاء، والقرشيون بالتاء، فأثبتوه بالتاء (٢). ٢ - جرّدت المصاحف العثمانية من كل ما ليس قرآنا، كالشروح والتفاسير التي كان يكتبها بعض الصحابة في مصاحفهم مثل قوله تعالى: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ [سورة البقرة، الآية ١٩٨] فقد كتبها ابن مسعود: «ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم (في موسم الحج) (٣) وقرأ غيره «وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة- صالحة- غصبا» بزيادة كلمة «صالحة» بطريق الشرح والتفسير، أو للإشارة إلى سبب النزول أو أخذا منه، لأنهم- كما قدمنا- كانوا يكتبون هذه المصاحف لأنفسهم، ويدونون عليها بعض التفاسير؛ لأنهم محققون لما تلقوه عن النبيّ ﷺ قرآنا، فهم آمنون من الالتباس. ٣ - كانت هذه المصاحف خالية من الإعجام أو النقط والشكل، مما فسح

стр. 113

المجال لقراءة القرآن بأي من الحروف السبعة التي نزل عليها، وبذلك لم يسقط عثمان- ﵁ شيئا من قراءات القرآن، ولم يمنع أحدا من القراءة بأي حرف شاء ما دامت هذه الحروف كلها منقولة بالتواتر عن النبيّ ﷺ ، ورسول الله يقول: «فأيّ ذلك قرأتم أصبتم فلا تماروا» كما سنوضح ذلك في بحث الأحرف السبعة. (أ) فإن كان في الكلمة الواحدة أكثر من قراءة، وكان رسمها يقرأ بأكثر من وجه عند تجردها من النقط والشكل، وبجميع القراءات، رسمت في جميع المصاحف برسم واحد، نحو قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا [سورة الحجرات، الآية ٦]. فقد كانت تكتب «فسوا» وتصلح أن تقرأ «فتثبتوا» وهي قراءة أخرى. وكذلك كلمة «ننشزها» من قوله تعالى: وَانْظُرْ إِلَى الْعِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها [سورة البقرة، الآية ٢٥٩] فإنّ تجرّدها من النقط والشكل يجعلها صالحة لأن تقرأ «ننشرها» وهي قراءة معروفة أيضا. فإن قيل إن الرسم العثمان الخالي من الشكل والنقط، يتيح المجال للكثير من الألفاظ القرآنية أن تقرأ بأكثر من وجه واحد، فهل تجوز القراءة بهذه الوجوه؟ قلنا إن الأمثلة المذكورة التي صلح الرسم فيها للقراءتين المذكورتين إنما جاز القراءة فيهما لورود الدليل القاطع على صحة القراءة بهما؛ إما لأن رسول الله ﷺ قرأ بهما، أو لأن أحد الصحابة قرأ بأحدهما بحضوره فأقرّه النبيّ ولم ينهه عن ذلك. أما ما وراء ذلك فلا تجوز القراءة فيه بغير الوجه الواحد المروي بطريق التواتر. ولذلك اعتبرت قراءة «شاذة» كل ما وجد عليها دليل آحادي غير متواتر ولو صلح الرسم للقراءة بها، كقراءة: إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ برفع لفظ الجلالة ونصب كلمة «العلماء» فهي قراءة شاذة، لأن القراءة المروية عن الثقات؛ بنصب لفظ الجلالة ورفع العلماء.

стр. 114

(ب) أما إذا كان اللفظ القرآني الذي جاء فيه أكثر من رواية متواترة يتعذر رسمه في الخط محتملا لجميع الوجوه- بدون إعجام- فإنهم كانوا يرسمونه في بعض المصاحف برسم يدل على قراءة- أو حرف- وفي بعض آخر برسم يدلّ على قراءة أخرى، كقراءة «وصّى» بالتضعيف، و «أوصى» بالهمز، الواردتين في قوله تعالى: وَوَصَّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ [سورة البقرة، الآية ١٣٢]. وغني عن البيان أنهم لم يكونوا يكتبون بالرسمين في مصحف واحد! حتى لا يظن أن الثاني تصحيح للأول- على سبيل المثال- خصوصا إذا كتب أولهما في الأصل، والآخر في الحاشية، أو أن الأول أصل، والثاني فرع أو جائز أو محتمل، فيرجح أحدهما على الآخر بدون مرجح. أو حتى لا يتوهم متوهم أن اللفظ نزل مكررا بالوجهين في قراءة واحدة. ونقول هنا تعقيبا على هذه الفقرة (ج) بنقطتيها هاتين: إن المصاحف العثمانية التي كتبت على هذا النحو، وأضحت معتمد القرّاء في البلاد التي وجّه إليها عثمان بهذه المصاحف .. كانت وراء اختيارات القرّاء من الأحرف التي نزل عليها القرآن الكريم، أو السبب في التزامهم برسم المصحف الذي وصل إلى مصرهم؛ قال القرطبي: إن عثمان- ﵁ «وجّه للعراق والشام ومصر بأمهات، فاتخذها قرّاء الأمصار معتمد اختياراتهم، ولم يخالف أحد منهم مصحفه على النحو الذي بلغه. وما وجد بين هؤلاء القرّاء السبعة من الاختلاف في حروف يزيدها بعضهم وينقصها بعضهم، فذلك لأن كلا منهم اعتمد على ما بلغه في مصحفه ورواه؛ إذ كان عثمان كتب تلك المواضع في بعض النسخ، ولم يكتبها في بعض؛ إشعارا بأن كل ذلك صحيح، وأن القراءة بكل منها جائزة» (١). وأخيرا، فإن عثمان- ﵁ كلّف اللجنة بنسخ عدد من

стр. 115

المصاحف بعث بها إلى عدد من الأمصار في الدولة الإسلامية، قال بعض العلماء: إنها سبع نسخ، ورجح الأكثرون أنها كانت خمس نسخ؛ أخرج ابن أبي داود من طريق حمزة الزيات قال: «أرسل عثمان أربعة مصاحف، وبعث منها إلى الكوفة بمصحف، فوقع عند رجل من مراد، فبقي حتى كتبت مصحفي منه» وقال ابن أبي داود: «وسمعت أبا حامد السجستاني يقول: كتب سبعة مصاحف. فبعث واحدا إلى مكة، وآخر إلى الشام، وآخر إلى البحرين، وآخر إلى الكوفة ... وحبس بالمدينة واحدا» (١). خامسا- حرق الصحف والمصاحف الأخرى: (شبهات وردّ): ثم أمر سيدنا عثمان بعد ذلك بما سوى ذلك من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرّق لأن الأمر لم يعد يحتمل التهاون أو التأخير بعد ما نجم من خلاف، وبعد ما تمّ من التحرّي والضبط في نسخ مصحف أبي بكر- ﵁، أو الصحف التي كانت لدى السيدة حفصة- ﵂. ولهذا فقد استجاب أصحاب «المصاحف» السابقة لأمر الخليفة وقاموا بحرق مصاحفهم سوى عبد الله بن مسعود الذي لم يكتف بالرفض .. حتى حرّض الآخرين- وقد أزعجه استجابتهم فيما يبدو- على الرفض! وبخاصة حين وصلت نسخة الكوفة من مصاحف عثمان السابقة. أخرج ابن أبي داود في «المصاحف» والترمذي مرسلا من حديث الزهري «أن عبد الله بن مسعود- ﵁ كره لزيد بن ثابت نسخ المصاحف، وقال: يا معشر المسلمين، أعزل عن نسخ المصحف، ويتولّاها رجل، والله لقد أسلمت وإنه لفي صلب رجل كافر! - يريد زيد بن ثابت- يا أهل العراق اكتموا المصاحف التي عند كم وغلّوها، فإن الله يقول: وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ [سورة آل عمران، الآية ١٦١] فاتقوا الله

стр. 116

بالمصاحف. قال الزهري: فبلغني أن ذلك كره من مقالة ابن مسعود: رجال من أفاضل أصحاب رسول الله ﷺ » (١). قلت: ولعبد الله بن مسعود- ﵁ أن يغضب لعدم مشاركته، أو لعدم استدعائه للمشاركة في هذا العمل التاريخي المشرّف، ولكن ما كان لغضبه أن يصل إلى حد التعريض بزيد بن ثابت الذي كان كاتب الوحي لرسول الله ﷺ ، وبأمر لا يجمل التعريض بمثله؛ علما بأن بعض العلماء يقول: إن زيدا كان أحفظ للقرآن من عبد الله؛ إذ وعاه كله ورسول الله ﷺ حيّ- ووعاه معه على هذا النحو: أبيّ بن كعب، ومعاذ بن جبل، وأبو الدرداء، وحفصة، وعائشة ... وآخرون- في حين أن ابن مسعود حفظ منه في حياة رسول الله نيّفا وسبعين سورة، ثم تعلّم الباقي بعد وفاة الرسول ﷺ (٢). يضاف إلى ذلك أن زيدا- ﵁ لم يشتهر عنه اختيار قراءة بعينها- أو الانحياز لها- كما فعل ابن مسعود، علما بأن الأمر الآن أو في هذه المرحلة: أمر تقعيد الأحرف، وحسم الاختلاف في القراءة. هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن عمل اللجنة نسخ أو استنساخ، وليست جمعا جديدا للقرآن، كما قد توهم بعض الروايات الضعيفة! (٣) ومعنى ذلك أن الدواعي لتكليف ابن مسعود في هذا العمل، أو لانتظار حضوره من الكوفة إلى المدينة .. لم تكن قائمة! قال الحافظ ابن حجر: «والعذر لعثمان في ذلك أنه فعله بالمدينة، وعبد الله بن مسعود بالكوفة. ولم يؤخر ما عزم عليه من ذلك إلى أن يرسل إليه ويحضر. وأيضا فإن عثمان إنما أراد نسخ الصحف التي كانت جمعت في عهد أبي بكر .. وكان الذي

стр. 117

نسخ ذلك هو زيد بن ثابت، وكان كاتب الوحي، فكانت له في ذلك أولوية ليست لغيره» هو وسائر أعضاء اللجنة من قرّاء المدينة- ﵃ أجمعين-. وعلى أية حال، فإن عبد الله بن مسعود- ﵁ بعد أن سكت عنه الغضب، أو بعد أن ذهبت حدّة المفاجأة، وربما بعد أن اطلع على عمل اللجنة من خلال مصحف الكوفة- فيما نرجح- قام بإحراق مصحفه، وأقر بما قام به الخليفة الراشد- ﵁. وقد أشار إلى ذلك صاحب كتاب «المصاحف» في فقرة خاصة عقدها تحت عنوان: «رضا عبد الله بن مسعود لجمع عثمان- ﵁ في المصاحف». أما ما يزعمه الغلاة من الشيعة أن عثمان حرص على حرق المصاحف ليخفي التبديل الذي أحدثه في النص القرآني! فأهون من أن يلتفت إليه، بعد كلّ ما قدمناه عن كتابة القرآن وحفظه، وعن المنهج الذي اتّبع في جمعه ونسخه! ونكتفي- فقط- بالقول: إن عثمان ﵁ لو فعل شيئا من ذلك- سواء أكان متعلقا بسيدنا علي- ﵁، على وجه الخصوص، أم بغيره- لراجعه حفظة القرآن! اللهم إلا إذا زعم هؤلاء أن هؤلاء الحفظة من المهاجرين والأنصار، من بقي منهم في المدينة، ومن تفرق منهم في سائر الأمصار .. تواطئوا جميعا على ذلك!! والأسئلة التي تطرح نفسها أمام هذا البهتان: لم يفعلون ذلك؟ وكيف؟ ولماذا لم يؤثر عن علي- ﵁ إنكار أو اعتراض؟ ولمن شاء، من العقلاء، أو من أصحاب الأهواء، أن يصدّق أن الصحابة الذين لم يشفع عندهم تكرار البسملة في صدر ثلاث عشرة ومائة سورة من القرآن الكريم .. أن يصدّروا بها السورة الوحيدة الباقية- سورة التوبة- لأنهم لم يسمعوا رسول الله ﷺ يفتتح بها هذه السورة! أقول: لمن شاء أن يصدق أن هؤلاء الذين بلغ بهم الالتزام والتدقيق هذا المبلغ يحرّفون القرآن، أو يتلاعبون فيه بالزيادة والنقصان! أيّ سخف هذا؟ بل أي جهل وزندقة وإلحاد!

стр. 118

ومن الجدير بالذكر أن ابن مسعود، في كل ما نقل عنه في اعتراضه أو ثورته السابقة، لم يعترض إلا على إلزامه بالأحرف أو القراءات التي تضمّنها مصحف عثمان، وهو- أي ابن مسعود- الذي قرأ من في رسول الله ﷺ ! كما كان يقول (١)، ولم يعترض حتى على ترتيب هذا المصحف! وبحسبنا في هذه العجالة أن نقول: إن من سهل عليه أن يطعن في جميع الصحابة والمسلمين الأوائل من المهاجرين والأنصار لزعم قامت الأدلة على نقيضه من القرآن نفسه، الذي أثنى الله تعالى فيه على صحابة نبيّه الكرام في أكثر من موضع، سهل عليه أن يقول ما شاء؛ يقول الدكتور محمد عبد الله دراز- ﵀: «ونظرا لغيرة المسلمين الأوائل ... يستحيل علينا أن نعلّل قبول الكافّة لمصحف عثمان دون منازعة أو معارضة بأنه راجع إلى انقياد غير متبصّر من جانبهم! ولقد قرر «نولدكه» أن ذلك يعد أقوى دليل على أن النص القرآني «على أحسن صورة من الكمال والمطابقة» (٢). وينقل عن «لوبلوا» قوله: «إن القرآن هو اليوم الكتاب الرباني الوحيد الذي ليس فيه أي تغيير يذكر». وكان «وموير» قد أعلن ذلك قبله إذ قال: «إن المصحف الذي جمعه- نسخه- عثمان قد تواتر إلينا بدون أي تحريف. ولقد حفظ بعناية شديدة بحيث لم يطرأ عليه أي تغيير يذكر، بل نستطيع أن نقول: إنه لم يطرأ عليه أي تغيير على الإطلاق في النسخ التي لا حصر لها والمتداولة في البلاد الإسلامية الواسعة .. فلم يوجد إلا قرآن واحد لجميع الفرق الإسلامية المتنازعة، وهذا

стр. 119

الاستعمال الإجماعي لنفس النص المقبول من الجميع حتى اليوم يعد أكبر حجة ودليل على صحة النص المنزل الموجود معنا ... » (١). هذا، وقد عبّر أحد علماء الشيعة الإمامية أو الجعفرية- شيخ الطائفة أبو جعفر الطوسي- عن هذا المعنى فقال: «إن اعتقادنا في جملة القرآن الذي أوحى به الله تعالى إلى نبيّه محمد ﷺ هو كل ما تحتويه دفتا المصاحف المتداول بين الناس. وعدد السور المتعارف عليه هو ١١٤ سورة، أما عندنا فسورتا الضحى والشرح تكونان سورة واحدة، وكذلك سورتا الفيل وقريش، وأيضا سورتا الأنفال والتوبة. أما من ينسب إلينا الاعتقاد في أن القرآن أكثر من هذا فهو كاذب» (٢). بل إن هذا الفرق في طريقة تقسيم السور وترقيمها فرق نظري عند هؤلاء العلماء لأن نسخهم في الواقع لا تختلف عن النسخ المتداولة عند المسلمين من أهل السنّة فيما نعلم. ويكفي إن زعم لك زاعم أن لديه «سورة مجهولة» أو نصا مفقودا، أن تلاحظ- فقط- الفرق بين التراكم الركيك من العبارات، والكلمات

стр. 120

المسروقة من القرآن نفسه، وبين أناقة الأسلوب القرآني وتناسقه!! ومن هنا فإن مثل هذه المزاعم لم توجد إلا بعد مضي بضعة قرون على عصر نزول القرآن الكريم. حين بعد الناس عن سليقة اللغة وأسباب البيان بوجه عام. ولم تجد مثل هذه المزاعم رواجا إلا عند نفر من الأعاجم بوجه خاص، وبعد أن قاوموا- لأسباب إثنية وعقائدية- عوامل الاستعراب في القرنين الرابع والخامس الهجريين. وقد فات أصحاب هذه المزاعم أن سيّدنا عليا لا يرضى بهذا الاختلاق- وحاشاه من ذلك- بل أرادوا الطعن في نهاية المطاف بعلي بن أبي طالب نفسه- كرّم الله وجهه ورضي الله عنه-، وأرادوا مخالفته ومناقضته ومناقضة الإسلام والقرآن جميعا ... روى أبو بكر الأنباري عن سويد بن غفلة قال: «سمعت علي بن أبي طالب- كرّم الله وجهه- يقول: يا معشر الناس اتقوا الله وإياكم والغلوّ في عثمان وقولكم حرّاق مصاحف! فو الله ما حرقها إلا عن ملأ منّا أصحاب رسول الله ﷺ ». وعن عمر بن سعيد قال: قال علي بن أبي طالب- ﵁: «لو كنت الوالي وقت عثمان لفعلت في المصاحف مثل ما فعل» (١). ومعنى ذلك أن الدواعي لفعل عثمان ذي النّورين ﵁ كانت قائمة، وأن ما فعله لم يتم في الخفاء، ولكن بعلم الصحابة ومشورتهم، ولو كان علي يعلم أن في شيء من ذلك إسقاطا أو تجاوزا لما تجاوز هو عنه! ... ولئن جاز عليه- وحاشاه من ذلك- أن يتجاوزه وهو في صف المعارضة، كما تصوّره بعض الروايات، فإن من غير الجائز أن يشتغل وهو خليفة لمدة تقرب من ست سنوات بمقاتلة من خالفوه في السياسة عن تصحيح القرآن ومقاتلة الذين رضوا بتحريفه وتبديله! بل إنه كان يتلوه على هذا الوجه ويؤمّ الناس فيه بالصلاة. وصدق الله

стр. 121

العظيم: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ (٩) وكذب الزائغون والمرجفون! وأخيرا، فإننا لا نشك- بهذه المناسبة- في أن الذين ينسبون القرآن إلى التحريف والتبديل، وإلى الزيادة والنقصان، يخرجون إلى ساحة الكفر لتكذيبهم بهذا التكفل الإلهي الذي حفظه من ذلك! ولأن معنى قوله تعالى: أُحْكِمَتْ آياتُهُ «منع الخلق من القدرة على أن يزيدوا فيها، أو ينقصوا منها، أو يعارضوها بمثلها» كما قال بعض العلماء (١) والله تعالى أعلم. سادسا- رسم المصحف أو الرسم العثماني: يراد بالرسم: رسم الحروف الهجائية التي تدل على الكلام، ويراد بالرسم العثماني: رسم القرآن بالطريقة التي تمت على عهد الخليفة الراشد عثمان بن عفان- ﵁، وهي الطريقة التي اتبعتها اللجنة الرباعية المتقدمة التي وكل إليها أمر استنساخ مصاحف الأمصار. وإذا كان الأصل في المكتوب- كما يقال- أن يوافق المنطوق تمام الموافقة من غير تعديل ولا تغيير، فإن المصاحف العثمانية لم تجر على هذا الأصل تماما فوجدت بها حروف كثيرة جاء رسمها غير موافق لأداء النطق، بحسب بعض قواعد خاصة في الخط والهجاء. وتعود هذه القواعد الخاصة جميعا إلى الحذف والزيادة والبدل والوصل والفصل، وما فيه قراءتان فيكتب على إحداهما (٢) مما أسهم في شرحه وضرب الشواهد القرآنية عليه، كثير من العلماء منهم السيوطي في الإتقان، والزركشي في البرهان الذي أفاض في ذلك تحت عنوان «اختلاف رسم الكلمات في المصحف والحكمة فيه» (٣) إلى جانب العلماء الآخرين الذين أفردوا هذا الفن

стр. 122

بالتأليف، منهم أبو عمرو الداني في كتابه «المقنع» وأبو العباس المراكشي في كتابه «عنوان الدليل في مرسوم خط التنزيل» وغيرهما. وقد بقي هذا الرسم العثماني سنّة متبعة إلى يوم الناس هذا، لا يغير ولا يبدل، وإلى ذلك ذهب علماء المسلمين على مدى العصور، فكرهوا أو حرّموا تغييره تبعا لتغير رسوم الهجاء باختلاف الزمان والمكان؛ وزيادة في الحيطة والخشية والحذر من أي تغيير يعود أو يصيب النص القرآني ولو في ناحية شكلية محضة؛ سئل الإمام مالك: «هل يكتب المصحف على ما أحدثه الناس من الهجاء؟ فقال: لا .. إلا على الكتبة الأولى» وقال الإمام أحمد بن حنبل: «يحرم مخالفة خط مصحف عثمان في واو أو ياء أو ألف أو غير ذلك». أما صور اختلاف الرسم العثماني عن «الرسم الإملائي» فكثيرة، ذكر ابن قتيبة أن من أشهرها حذف ألف التثنية: قال «رجلن» - قال رجلان- وكتابة: «الصلاة، والزكاة، والحياة» بالواو: الصلاة، والزكوة، والحيوة. وكتابة «الربو» - الربا- بالواو. كما كتبوا «فمال الذين كفروا» بلام منفردة. وكتبوا «أو لا أذبحنّه» بزيادة ألف، وكذلك «ولا أوضعوا خلالكم» بزيادة ألف بعد لام ألف. قال ابن قتيبة: «وهذا أكثر في المصحف من أن نستقصيه» ونحن- في هذه العجالة- أولى بهذا القول من ابن قتيبة ﵀. والذي يمكن أن نختم به هذه الفقرة، تأكيدا لما ذهب إليه العامة من كراهية تغيير هذا الرسم، أن الذي رفضه العلماء خلال العصور هو: إخضاع الرسم العثماني للتغيير بحسب تطور قواعد الرسم والإملاء، لا ترك ذلك الرسم مخالفا لهذه القواعد ... لأن المصاحف العثمانية لم تكتب في الأصل بغير الرسم والإملاء الذي كان قائما وقت تدوينها، أو التي وضعت عند تدوين المصاحف (١)؛ فدعوى

стр. 123

مخالفة الرسم العثماني لقواعد الإملاء ... هكذا بإطلاق، أمر غير صحيح. أما كراهية إخضاع هذا الرسم للتطوير والتعديل الذي يطرأ مع الأيام فقد علمت سببه، وهو لذلك أمر يجب تأييده ... ولا تخلو لغة من اللغات الحية اليوم من حروف تكتب ولا تلفظ، أو من حروف تكتب على وجه وتلفظ- في بعض الكلمات- على وجه آخر ... إلخ، وهي أمور يصيبها التلميذ عن طريق التعلم ... والقرآن عماد العربية وكتابها ... والأمر في لغته التعليم، وفي القرآن الكريم نفسه المشافهة والتلقي كما قلنا في أكثر من مرة. أما الدعوة إلى تغيير هذا الرسم تحت شعار المعاصرة والتسهيل فأعجب ما فيها- وعجائبها كثيرة لا مجال هنا للإفاضة فيها وفي الرد عليها وتقويمها- أن تكون في عصر الوسائل التعليمية المتنوعة الكثيرة والمتقدمة! وقد حفظ القرآن، وتعمم رسمه، وبقي اللسان العربي وقواعد الإملاء .. وقواعد النحو طيلة هذه القرون الخمسة عشر! وبدون تلك الوسائل التعليمية الحديثة ... فهل يستقيم عند دعاة المعاصرة هذه- لا مطلق المعاصرة بالطبع- أن يقال فيهم وفي أبناء جيلهم ما لا نرتضيه لهم من الكسل والضعف وغير ذلك.

стр. 124

الفصل الخامس الآيات والسور وترتيبهما أولا- تعريف الآية والسورة: ١ - تطلق «الآية» في اللغة على عدة معان، منها: المعجزة، والجماعة، والعلامة الظاهرة، والعبرة. وتجمع على: آي وآيات وآياء. أما في المصطلح، أو في القرآن الكريم، فهي عبارة عن طائفة من القرآن منقطعة عمّا قبلها وعمّا بعدها، لها مبدأ ومقطع. ومندرجة في سورة. وتعرف توقيفا على الأرجح. وقد سميت الآية من القرآن- أو هذه الطائفة منه- آية، لأنها علامة لانقطاع الكلام الذي قبلها من الذي بعدها وانفصاله. فهي بائنة من أختها ومنفردة! ولهذا كان الوقوف على رءوس الآي سنّة متّبعة. وقيل: لما كانت الجملة التامة من القرآن علامة على صدق الآتي بها، وعلى عجز المتحدّى بها .. سمّيت آية. وقد رجّح كثير من العلماء هذا التعليل (١). وفي الآيات الطويل والقصير، وأقصرها كلمة واحدة، كقوله تعالى: وَالْفَجْرِ وَالضُّحى في فاتحة هاتين السورتين. ومُدْهامَّتانِ (٦٤) [سورة الرحمن، الآية ٦٤].

стр. 125

وأطول آية في كتاب الله تعالى: آية المداينة، أو آية الدّين، وهي الآية ٢٨٢ من سورة البقرة، وأولها: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ ... وتزيد كلماتها على عشرين ومائة كلمة. وعدد آيات القرآن الكريم ستة آلاف ومائتا آية ونيّف. ٢ - أما «السورة» بدون همز- وهو المشهور- وتجمع على: سور، كغرفة وغرف، فمعناها: المنزل المرتفع، ومنه سور المدينة. أو المنزلة الرفيعة، ومنه قول النابغة: ألم تر أن الله أعطاك سورة ... ترى كل ملك دونها يتذبذب أي منزلة رفيعة على سائر الملوك. وقد قيل في القطعة من القرآن المشتملة على آي ذوات فاتحة وخاتمة- وأقلها ثلاث آيات- سورة لأنها تحيط بالآيات التي تضمها إحاطة السّور، أو لارتفاعها وشرفها. وقد قيل: إنها سميت بذلك لتمامها وكمالها؛ من قول العرب للناقة التامّة: سورة. ولعل هذا أقرب الآراء. ثانيا- عدد السور وأسماؤها واختلاف مقاديرها: وسور القرآن مختلفة طولا وقصرا، فأقصر سورة هي الكوثر، وهي ثلاث آيات قصار، وأطول سورة فيه البقرة وهي ست وثمانون ومائتا آية، ومعظم آياتها من الآيات الطوال. وتبلغ عدد سور القرآن أربعة عشر ومائة سورة يقسمها العلماء إلى أربعة أقسام لكل منها اسم معين، وهي الطّوال والمئين والمثاني والمفصّل. فالطّوال: سبع سور: البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأنعام

стр. 126

والأعراف، وأخيرا يونس أو «الأنفال وبراءة» معا لعدم الفصل بينهما بالبسملة. والمئون: هي السور التي تزيد آياتها على مائة أو تقاربها. والمثاني: هي التي تلي المئين في عدد الآيات، وقال الفراء: هي السور التي آيها أقل من مائة آية لأنها تثنّى- تكرّر وتعاد- أكثر من الطوال والمئين. والمفصّل: هو أواخر القرآن، وصحّح النووي أن أوّله «الحجرات»، وسمّي بالمفصل لكثرة الفصل بين سوره بالبسملة. والمفصل ثلاثة أقسام: طوال وأواسط وقصار، فطواله من أول «الحجرات» إلى سورة «البروج»، وأوسطه من سورة «الطارق» إلى سورة «لم يكن»، وقصاره من سورة «إذا زلزلت» إلى آخر القرآن (١). وأخيرا فإن لكل سورة من سور القرآن اسما واحدا، وهو الأعم الأغلب، وقد يكون لها اسمان، كسورة «البقرة» يقال لها: فسطاس القرآن، لعظمها وبهائها، و «النحل» تسمى سورة النعم، لما عدد الله فيها من النعم على عباده ... وسورة «حم عسق» وتسمى الشورى، وسورة «محمد» ﷺ وتسمى القتال، وسورة «فاطر» وتسمى سورة الملائكة. وسورة «الإسراء» وتسمى سورة بني إسرائيل. وقد يكون لها ثلاثة أسماء أو أكثر كسورة «غافر» والطّول والمؤمن لقوله تعالى فيها: وَقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ وكسورة «الفاتحة» التي تسمى أيضا بأم الكتاب، والسبع المثاني، وأم القرآن. وقد كره بعضهم هذه التسميات بطريق الإضافة، وذهب إلى أن يقال في ذلك: السورة التي يذكر فيها البقرة أو آل عمران ... إلخ، والدليل على صحة التسميات السابقة: الصحيح من المأثور. وقد روى الإمام البخاري في ذلك أحاديث كثيرة، أوردها تحت هذا العنوان: «باب من لم ير بأسا أن يقول: سورة

стр. 127

البقرة وسورة كذا وكذا» وأولها عند أبي مسعود الأنصاري قال: قال النبيّ ﷺ : «الآيتان من آخر سورة البقرة، من قرأ بهما في ليلة كفتاه» (١). ثالث ا- ترتيب الآيات والسور: (أ) ترتيب الآيات: «الإجماع والنصوص المترادفة على أن ترتيب الآيات توقيفي لا شبهة في ذلك» كما قال السيوطي (٢). وقد قال زيد بن ثابت، في الحديث الذي أخرجه البخاري «كنّا عند رسول الله ﷺ نؤلّف القرآن من الرقاع». وعن ابن عباس، في الحديث الذي أخرجه أحمد، وأصحاب السنن قال: «قلت لعثمان: ما حملكم على أن عمدتم إلى «الأنفال» وهي من المثاني وإلى «براءة» وهي من المئين، فقرنتم بينهما ولم تكتبوا بينهما سطر «بسم الله الرحمن الرحيم» ووضعتموهما في السبع الطوال؟ فقال عثمان: كان رسول الله ﷺ تنزل عليه السورة ذات العدد، فكان إذا نزل عليه الشيء دعا من كان يكتب فيقول: ضعوا هؤلاء الآيات في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا، وكانت «الأنفال» من أوائل ما نزل بالمدينة، وكانت «براءة» من آخر القرآن نزولا، وكانت قصتها شبيهة بقصتها فظننت أنها منها، فقبض رسول الله ﷺ ولم يبين لنا أنها منها، فمن أجل ذلك قرنت بينهما ولم أكتب بينهما سطر «بسم الله الرحمن الرحيم» ووضعتها في السبع الطوال». وأخرج الإمام أحمد عن عثمان بن أبي العاص قال: كنت جالسا عند رسول الله ﷺ إذ شخص ببصره ثم صوّبه، ثم قال: «أتاني جبريل فأمرني أن أضع

стр. 128

هذه الآية هذا الموضع من هذه السورة:* إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى [سورة النحل، الآية ٩٠]. ولقد كان النبيّ ﷺ يقرأ في الصلاة السور القرآنية على مسمع من الصحابة مرتبة الآيات على نحو وجودها في الرقاع، وفي المصاحف بعد ذلك، كقراءته لسورة «الروم» في صلاة الفجر، وسورة «هل أتى على الإنسان» في صبح يوم الجمعة، وقراءته سورة «الجمعة» وسورة «المنافقين» أو سورتا «الأعلى» و «الغاشية» في صلاة الجمعة. وروى الإمام مسلم من حديث حذيفة قال: «صليت مع النبيّ ﷺ ذات ليلة فافتتح «البقرة» فقلت: يركع عند المائة ثم مضى فقلت: يصلي بها ركعة، فمضى ثم افتتح «النساء» فقرأها ... الحديث». وهنالك أحاديث في فضائل السور، وأحاديث أخرى في تحديد بعض الآيات من بعض السور، كخواتيم سورة البقرة، أو العشر الأوائل من سورة الكهف، أو العشر الأواخر منها ... مما يدل على تأليفها على هذا النحو (١). والذي يبدو لنا أن موضوع التوقيف في ترتيب الآيات في السورة الواحدة مما لا يتصور فيه خلاف، بعد هذا، ولأن مسألة «النظم» القرآني التي تشكل أبرز دلائل الإعجاز في القرآن- كما سنرى- تعود إلى ذلك الترتيب، مما يدل على أنه من عمل الوحي يقينا، والله أعلم. (ب) ترتيب السور: أما ترتيب السور في المصحف على ما هو عليه فقد ذهب جمهور العلماء إلى أنه توقيفي كترتيب الآيات سواء بسواء، قال أبو جعفر النحاس: «المختار أن تأليف السور على هذا الترتيب من رسول الله ﷺ لحديث واثلة بن الأسقع قال: قال رسول الله ﷺ : أعطيت مكان التوراة السبع الطوال، وأعطيت مكان الزبور المئين،

стр. 129

وأعطيت مكان الإنجيل المثاني، وفضلت بالمفصّل، قال أبو جعفر: وهذا الحديث يدل على أن تأليف القرآن مأخوذ عن النبيّ ﷺ ، وأنه من ذلك الوقت، وإنما جمع في المصحف على شيء واحد» (١) وروى ابن أبي شيبة في مصنفه أن رسول الله ﷺ كان يجمع المفصّل في ركعة، وأنه قرأ بالسبع الطوال في ركعة. وروى البخاري من حديث عبد الرحمن بن يزيد قال: «سمعت ابن مسعود يقول في: بني إسرائيل- الإسراء- والكهف، ومريم، وطه، والأنبياء: إنهنّ من العتاق الأول، وهنّ من تلادي» (٢) فذكرها نسقا كما استقر ترتيبها. ويؤكد أصحاب هذا الرأي ما ذهبوا إليه بأن المناسبات بين السور لا تقل عن النظم ووجه ارتباط الآيات بعضها ببعض في السورة الواحدة. وقد درج على بيان تلك المناسبات بعض المفسرين، وكانوا يطلبونها بين آخر السورة وأول السورة التي تليها، أو بين أول هذه السورة وجملة السورة السابقة في بعض الأحيان (٣). قال الزركشي: «لترتيب وضع السور في المصحف أسباب تطلع على أنه توقيفي صادر عن حكيم: أحدها بحسب الحروف، كما في الحواميم. وثانيها: لموافقة أول السورة لآخر ما قبلها، كآخر الحمد في المعنى، وأول البقرة. وثالثها: للوزن في اللفظ، كآخر «تبّت» وأول الإخلاص. ورابعها: لمشابهة جملة السورة مثل: (والضحى) و (ألم نشرح) ... » (٤). وقد عبر عن هذا الموقف كذلك ابن الأنباري، ودافع عنه، ولخّص فيه القول على النحو التالي: قال: «إن الله تعالى أنزل القرآن جملة إلى سماء الدنيا، ثم فرّق على النبيّ ﷺ في عشرين سنة، وكانت السورة تنزل في أمر يحدث، والآية جوابا

стр. 130

لمستخبر يسأل. ويوقف جبريل رسول الله ﷺ على موضع السورة والآية؛ فاتّساق السور كاتّساق الآيات والحروف، فكلّه عن محمد خاتم النبيين- ﵇ عن رب العالمين، فمن أخّر سورة مقدّمة، أو قدّم أخرى مؤخرة، فهو كمن أفسد نظم الآيات، وغيّر الحروف والكلمات» (١). ويورد السيوطي القول إن جمهور العلماء، منهم الإمام مالك، على أن ترتيب السور اجتهادي من فعل الصحابة، بدليل اختلاف مصاحفهم في هذا الترتيب، فمصحف علي بن أبي طالب على النزول «اقرأ، المدثّر، نون، المزمّل، تبّت، التكوير ... » ومصحف عبد الله بن مسعود: «البقرة، النساء، آل عمران ... ». ولكن هذا الإطلاق فيما يورده السيوطي- جمهور العلماء! - يتعارض بشكل حاد مع الروايات الصحيحة الدالّة على أن سورا قرآنية كثيرة كانت مرتبة على هذا النحو زمن النبيّ ﷺ . أما ترتيب الصحابة لمصاحفهم فلم يكن أكثر من اختيار وقتي، أو مطلق جمع للقرآن، ولهذا فإنهم لم يلتزموا الدفاع عنه، بل وجدناهم قد التزموا وأقرّوا بالترتيب الذي أقرته اللجنة العثمانية التي تحدثنا عنها. وقال بعض العلماء: إن اختلاف مصاحفهم- أبيّ وعلي وعبد الله- كان قبل العرض الأخير، وأن رسول الله ﷺ رتّب لهم تأليف السور بعد أن لم يكن فعل ذلك (٢). والذي يبدو لنا من مجموع الروايات والآراء حول هذا الموضوع أن معظم سور القرآن الكريم كانت مرتبة على هذا النحو في زمن النبيّ ﷺ ، وأن العدد الأقل. أو عددا قليلا لعلّه لا يتعدى سورتين أو ثلاثا أو بضع سور- على أبعد تقدير- قد رتب على يد الصحابة- رضوان الله عليهم-. قال الإمام البيهقي:

стр. 131

«كان القرآن على عهد النبيّ ﷺ مرتبا سوره وآياته على هذا الترتيب إلا الأنفال وبراءة، لحديث عثمان السابق». وحين أوهم كلام لابن عطية أن هذا القدر الذي رتبه الصحابة أكثر من هذا ... استدرك عليه بعض العلماء المحققين؛ قال ابن عطية- ﵀: «وظاهر الآثار أن السبع الطّوال، والحواميم، والمفصل، كان مرتبا في زمن النبيّ ﷺ . وكان في السور ما لم يرتب، فذلك هو الذي رتّب وقت الكتب» (١). قال أبو جعفر النحاس: «الآثار تشهد بأكثر مما نصّ عليه ابن عطية، ويبقى منها قليل يمكن أن يجري فيه الخلاف». رابعا- حكم مخالفة ترتيب المصحف: إن هذا الترتيب الذي نجده في المصاحف، مبدوءا بسورة الفاتحة، ومختتما بسورة الناس ... قد تم كما رأينا في العهد النبوي وفي الصدر الأول من الإسلام، ومضت الأمة على الالتزام بالعمل به هذه القرون المتطاولة من الزمان ... فصار العمل به والوقوف عنده لازما لا يجوز التحوّل عنه أو المصير إلى غيره، بل لا يجوز ذلك حتى لو كان مستند هذا الترتيب اجتهاد الصحابة- رضوان الله عليهم أجمعين-. لا يجوز إذن طبع المصحف، أو «تأليف سوره في الرسم والخط خاصة» (٢) بحسب عبارة بعض العلماء، على غير هذا الترتيب. أما تلاوة القرآن في الصلاة، وتعليم سوره في المساجد أو دور العلم ... فيجوز فيهما مخالفة هذا الترتيب؛ قال أبو الحسن بن بطّال: «ولا يعلم أن أحدا قال: إن ترتيب ذلك واجب في الصلاة، وفي قراءة القرآن ودرسه، وأنه لا يحل لأحد أن يتلقن الكهف قبل البقرة، ولا الحج قبل الكهف! ألا ترى قول عائشة- ﵂ للذي سألها:

стр. 132

لا يضرّك أيّة قرأت قبل، وقد كان النبيّ ﷺ يقرأ في الصلاة السورة في ركعة، ثم يقرأ في ركعة أخرى بغير السورة التي تليها». ويضيف أبو الحسن قائلا: «وأما ما روي عن ابن مسعود وابن عمر أنهما كرها أن يقرأ القرآن منكوسا، وقالا: ذلك منكوس القلب! فإنما عنيا بذلك من يقرأ السورة- الواحدة- منكوسة، ويبتدئ من آخرها إلى أولها، لأن ذلك حرام محظور ... وفيه إفساد للسورة ومخالفة لما قصد بها» (١). أما ترتيب سور القرآن بحسب النزول، لا للتدوين في المصاحف، ولكن في كتب التفسير، أو بغرض التفسير فقد ذهب إلى جوازه بعض العلماء. وإن كنا نرى أنه غير مستساغ لأن فيه خدشا «لصورة» الإجماع السابق، وقد لا يكون كذلك ممكنا بغير قدر من التجاوز، لأن السورة من القرآن لم تكن تنزل دائما مرة واحدة، أو لم تكن تنزل آية أو آيات من سورة ثانية إلا بعد أن يكتمل بناء السورة السابقة، فالترتيب بحسب النزول لا يمكن وصفه بالدقة .. إلى جانب ما فيه من تضخيم مرحليّة البناء، وتضييق ساحة النص القرآني الذي أراد الله تعالى له أن يكون عاما شاملا، يعين تنجيمه وأسباب نزوله على مزيد من الفهم، لا على الانغلاق في حدود البيئة أو الزمان، ولهذا فإننا نكره العبارات القائلة: المكّي ما وقع خطابا لأهل مكة، والمدني: ما وقع خطابا لأهل المدينة ... ونحو ذلك من العبارات والمواقف التي ملئت بها كتب التفسير!! ولعل هذا أن يكون أحد الأسباب الحاسمة في ترجيح رأي من يقول إن ترتيب السور جميعها كان بتوقيف. حيث تعاقبت السور المكية والمدنية في المصحف. أو تبادلت هذا التعاقب، بل الذي بدئ فيه بأربع سور مدنية طوال تتألف من قرابة ثمانمائة آية .. لم يتقدمها من الآيات المكية سوى سورة الفاتحة، التي تمثل خلاصة العهد المكي، وتتألف من سبع آيات قصار، والله تعالى أعلم.

стр. 133

الباب الثالث إعجاز القرآن * الفصل الأول: الإعجاز: وقوعه ومعناه. * الفصل الثاني: آراء ونظريات حول الإعجاز. * الفصل الثالث: الفاصلة القرآنية.

стр. 134

الفصل الأول الإعجاز: وقوعه ومعناه أولا- مدخل وتمهيد: للحديث عن «إعجاز القرآن» جانبان بارزان: الجانب التاريخي، والجانب الموضوعي. ونعني بالجانب التاريخي: تلك المقدمات والوقائع الدالة على وقوع التحدّي بالقرآن في التاريخ- وبخاصة في زمن النزول- ومعنى هذا التحدّي، ومعنى لزومه في أعناق العالمين إلى يوم الدين. كل ذلك من خلال الوقائع التاريخية الثابتة ذاتها. أما الجانب الثاني، وهو الجانب الموضوعي، فنريد به الوجه- أو الوجوه- التي صار بها القرآن معجزا حتى انفصل من جنس كلام العرب أجمعين، وحتى لزمهم هم وسائر العالمين ذلك العجز المشار إليه. ونعرض في هذا الجانب لأهم النظريات التي قيلت في تفسير هذا الإعجاز. والحديث عن الجانب التاريخي واسع ومتشعب، وبخاصة إذا لزمنا طريقة المتكلمين في التذكير بجملة أخرى من المقدمات التي تعلم ضرورة- أي تعلم من طريق العلم الضروري الذي لا يمكن أن يتطرق إليه الشك- مثل الكلام على ظهور محمد بن عبد الله ﷺ في الجزيرة العربية، وما كان من أمر دعوته العالمين إلى الإيمان بنبوّته، وأنّ دينه خاتمة الرسالات، وما كان من شأنه مع قومه في الدعوة والسلم والحرب ... إلخ، ثم الانتقال التفصيلي بعد ذلك إلى وقائع التحدّي،

стр. 135

ووقائع الإيمان الكثيرة من خلال سماع هذا القرآن ... ثم الحديث عن معجزة القرآن، ومحلها من سائر معجزات النبيّ ﷺ ... إلخ. ولكننا آثرنا هنا أن نعرض لطرف واحد من هذه الجوانب- وأكثرها مسلّم أو معروف- وهو الجانب التاريخي المباشر، وبالقدر الذي يصلح مدخلا وتمهيدا كاشفا للحديث عن الجانب الموضوعي الذي سنتولى الحديث عنه في الفصل القادم. ونقدم هنا للحديث عن هذين الجانبين بملاحظتين هامتين: الأولى: أن القرآن الكريم هو معجزة النبيّ ﷺ الكبرى أو الرئيسة، ودليله على النبوّة، وأنه لا ينطق عن الهوى إن هو إلّا وحي يوحى، وأن هذه المعجزة يقابلها في معجزات الأنبياء السابقين- أي في دليلهم على نبوّتهم- تلك الأمور الناقضة للعادة، والمخالفة للمألوف من سنن الكون والطبيعة. وعلى الرغم من أن المعجزة على هذا النحو ليست أمرا مناقضا للعقل، لأن التلازم الموجود في واقع الطبيعة بين الأسباب والنتائج، أو بين الأسباب والمسببات ليس تلازما عقليا كتلازم المقدمة والنتيجة في القضايا العقلية أو المنطقية أو الرياضية، وإنما هو تلازم المشاهدة والإحصاء، أي تلازم «التجربة» ليس غير! أقول: على الرغم من ذلك فإن من خصائص النبيّ ومن خصائص رسالته ﷺ أن الله هيأ له معجزة عقلية علمية بيانية يدركها الإنسان أو يزداد علما بآفاقها وميادينها بمقدار إمعانه في العقل والفهم، وبمقدار ما يقف عليه من قوانين الكون وسنن الطبيعة .. لا بمقدار ما يتم أمامه من تجاوز لهذه القوانين، أو تعطيل لتلك السنن! إن هذا التعطيل- في معجزات الأنبياء السابقين- كعدم إحراق النار لسيدنا إبراهيم- ﵇، أو قلب العصا حيّة لموسى- ﵇ على سبيل المثال، يحمل الإشارة إلى أن الله تعالى الذي وضع هذه السنن في الطبيعة، هو الذي يقف عملها لنبيّ من الأنبياء .. ليدل الناس على أنه رسوله، وأنه صادق في دعواه التبليغ عن ربّه .. مقدّر هذه السنن .. وواضع هذه القوانين! وغني

стр. 136

عن البيان أن نشير بهذه المناسبة إلى أن هذه السنن التي وضعت من أجل أن يتعامل معها الإنسان، ويسخر من خلالها الكون لمنفعته، من وجه، ويرى فيها- من وجه آخر- آية الحكمة والدلالة على الخلق والإبداع. لا يمكن لها أن تحكم على واضعها ومقدرها بطبيعة الحال! فالله تعالى وضعها للأنام، وحين يبطل عملها في موقف من المواقف فمن أجل مصلحة الأنام كذلك! الملاحظة الثانية: أما الملاحظة الثانية فهي مبنية على هذه الملاحظة الأولى، ومنطلقة منها، وهي أن اختلاف الكلاميين والبلاغيين وسائر العلماء والدارسين على وجه العموم في تفسير الإعجاز، أو في تعيين الوجه الذي صار به القرآن معجزا حتى استحال على الثّقلين جميعا أن يأتوا بسورة مثله ... لا ينفي وقوع الإعجاز وثبوته، أو يقلل من شأن القضية؛ بل على العكس من ذلك تماما لأنه يضعنا أمام الملاحظة السابقة، أو أمام ما نسميه عادة «البعد التاريخي للقرآن» فإذا كان القرآن يخاطب الناس أو يخاطب به الناس في جميع العصور؛ فمن الراجح أن جيلا من الأجيال، أو عصرا من العصور لا يستقل بتقديم نظرية أو رأي يفسر به إعجاز القرآن من كل وجه .. نقدم هذه الملاحظة الآن مع تسليمنا بأن الإعجاز الذي وقع به التحدّي إنما كان وجها بيانيا أو بلاغيا صرفا، كما سنوضح ذلك في الفصل التالي. ونكتفي هنا بالإشارة إلى أن هذه الملاحظة هي التي ستفسر لنا أن شعورنا- مع بعدنا النسبي عن السليقة العربية- بحقيقة الإعجاز ونحن نقرأ القرآن أو نستمع إليه أكبر من أن تفسره، أو تتسع لتفسيره جميع النظريات والآراء التي قيلت في هذا الباب على أهمية بعضها البالغ في الأخذ بيدنا نحو تفهم المزيد من أسباب ذلك الإعجاز الضارب في التاريخ .. والخالد كذلك في المستقبل. ونذكر بهذه المناسبة بأن أبا بكر الباقلاني صاحب الكتاب القيم في «إعجاز القرآن» - على ما في كتابه من جوانب قد نعرض لنقد بعضها فيما بعد- كان يخامره ذلك الشعور فيما يبدو، حين قدم في كتابه طائفة من أبلغ ما وصل إلينا من

стр. 137

كلام العرب، بما في ذلك بعض خطب النبيّ ﷺ نفسه، وخطب سيدنا على بن أبي طالب- كرّم الله وجهه-، وخطب أخرى لسائر أرباب الفصاحة والبيان في الجاهلية والإسلام .. ليضع بين يديك فيما يبدو- أي الباقلاني- الموقف العملي، أو الدرس التطبيقي الذي تحسه أنت وتعيشه- كما يقال- والذي يثبت لك انفصال كلام الله عن سائر أنواع الكلام بوجوه من البيان صار بها معجزا ... وإن قصّر بالكاتب علمه وقلمه عن إدراك هذه الوجوه، أو عن نقلها والتعبير عنها ... هذا في كتاب الباقلاني جانب إيجابي فيما نقدر، نحب بهذه المناسبة أن ننوّه به ونلفت النظر إليه. ثانيا- الإعجاز حقيقة تاريخية: قال الجاحظ: «بعث الله محمدا ﷺ أكثر ما كانت العرب شاعرا وخطيبا، وأحكم ما كانت لغة، وأشد ما كانت عدّة، فدعا أقصاها وأدناها إلى توحيد الله وتصديق رسالته فدعاهم بالحجة، فلما قطع العذر وأزال الشبهة، وصار الذي يمنعهم من الإقرار: الهوى والحميّة دون الجهل والحيرة، حملهم على حظهم بالسيف، فنصب لهم الحرب ونصبوا له، وقتل من عليتهم وأعلامهم وأعمامهم وبني أعمامهم، وهو في ذلك يحتج بالقرآن، ويدعوهم صباحا ومساء إلى أن يعارضوه- إن كان كاذبا- بسورة واحدة أو بآيات يسيرة، فكلما ازداد تحديا لهم بها، وتقريعا لعجزهم عنها، تكشف عن نقصهم ما كان مستورا، وظهر منه ما كان خفيا! فحين لم يجدوا حيلة ولا حجة قالوا له: أنت تعرف من أخبار الأمم ما لا نعرف، فلذلك يمكنك ما لا يمكننا، قال: فهاتوا مفتريات!! فلم يرم ذلك خطيب، ولا طمع فيه شاعر ... ولو تكلّفه (أي لو استطاعه) لظهر ذلك، ولو ظهر لوجد من يستجيده ويحامي عليه ويكابر فيه، ويزعم أنه قد عارض وقابل وناقض. فدل ذلك العاقل على عجز القوم مع كثرة كلامهم واستقامة لغتهم، وسهولة

стр. 138

ذلك عليهم، وكثرة شعرائهم، وكثرة من هجاه منهم، وعارض شعراء أصحابه وخطباء أمته، لأن سورة واحدة وآيات يسيرة كانت أنقض لقوله، وأفسد لأمره، وأبلغ في تكذيبه، وأسرع في تفريق أتباعه، من بذل النفوس، والخروج من الأوطان، وإنفاق الأموال. وهذا من جليل التدبير الذي لا يخفى على من هو دون قريش والعرب في الرأي والعقل بطبقات. ولهم القصيد العجيب، والرجز الفاخر، والخطب الطوال البليغة، والقصار الموجزة، ولهم الأسجاع، والمزدوج، واللفظ المنثور. ثم يتحدى به أقصاهم بعد أن ظهر عجز أدناهم، فمحال- أكرمك الله- أن يجتمع هؤلاء كلهم على الغلط في الأمر الظاهر، والخطأ المكشوف البين، مع التقريع بالنقص، والتوقيف على العجز، وهم أشد الخلق أنفة، وأكثرهم مفاخرة، والكلام سيد عملهم وقد احتاجوا إليه، والحاجة تبعث على الحيلة في الأمر الغامض، فكيف بالظاهر الجليل المنفعة!! وكما أنه محال أن يطيقوه ثلاثا وعشرين سنة على الغلط في الأمر الجليل المنفعة، فكذلك محال أن يتركوه وهم يعرفونه ويجدون السبيل إليه، وهم يبذلون أكثر منه» اه. نقلنا لك هذا النص بطوله من كلام هذا الإمام من أئمة الفكر والبيان في أدب العرب، لأنه يلخص جميع المقدمات التاريخية التي كنا نود الحديث عنها، ويغني فيها ما تغنيه المطوّلات. إلى جانب ما أشار إليه من نقاط كثيرة أخرى يصعب بسط الكلام فيها في مثل هذه الفصول الموجزة. وبحسبنا هنا أن نشير إلى تأثير القرآن الكريم في العرب كأنه السحر، ولكنه ليس بالسحر «فشتان بين السحر في تخييله، وبين القرآن في اشتماله على الحق الذي لا خداع فيه ولا تخييل» (١) كما يقول الشيخ الزفزاف ﵀، وكان ذلك فيهم منذ اللحظة الأولى لنزول القرآن، سواء منهم من شرح الله صدره للإسلام، ومن جعل على بصره غشاوة. قال صاحب

стр. 139

التصوير الفني في القرآن: «وإذا تجاوزنا عن النفر القليل الذين كانت شخصية محمد ﷺ وحدها هي داعيتهم إلى الإيمان في أول الأمر، كزوجه خديجة، وصديقه أبي بكر، وابن عمه علي، ومولاه زيد، وأمثالهم، فإنا نجد القرآن كان العامل الحاسم، أو أحد العوامل الحاسمة في إيمان من آمنوا أوائل الدعوة، يوم لم يكن لمحمد ﷺ حول ولا طول، ويوم لم يكن للإسلام قوة ولا منعة. وقصة إيمان عمر بن الخطاب، وتولي الوليد بن المغيرة نموذجان من قصص كثيرة للإيمان والتولّي، وكلتاهما تكشف عن هذا السحر القرآني الذي أخذ العرب منذ اللحظة الأولى، وتبيّنان في اتجاهين مختلفين عن مدى هذا السحر القاهر الذي يستوي في الإقرار به المؤمنون والكافرون» (١). بل بلغ من تأثير القرآن فيهم أنهم خافوا على من يعرف بليغ القول من قومهم أن يسلموا لسماع القرآن، فقالوا لهم: لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ (٢٦) [سورة فصلت، الآية ٢٦]. إنها طريقة في النصر والغلب طريفة وسابقة: والغوا فيه!! .. أي لا تمكنوا الناس من سماع القرآن، وذلك بما تحدثونه، عند قراءة النبيّ له، من صخب وتشويش وضوضاء! روى البيهقي في دلائل النبوة أن أبا جهل بن هشام، وأبا سفيان بن حرب، والأخنس بن شريق كانوا يتواصون ألا يستمعوا لهذا القرآن، ويحذرون الناس أن يميلوا إلى سحره! ولكنهم تحت تأثير لا يستطيعون مقاومته كانوا يتسلّلون تحت جنح الظلام إلى حيث يستمعون إلى النبيّ وهو يقرأه في الكعبة .. فإذا انصرفوا بعد القراءة تلاقوا في الطريق فأخذوا يتلاومون ويتعاهدون ألا يعودوا .. وذلك خوفا من أن يقتدي بهم الملأ من قريش .. وفي الليلة الثالثة اجتمعوا وتلاقوا مستنكرين، فلما كان الصباح ذهب الأخنس بن شريق إلى أبي سفيان فقال له: أخبرني أبا حنظلة عما سمعت من بيان محمد! فقال: لقد سمعت أشياء أعرفها

стр. 140

وأعرف ما يراد منها! فقال الأخنس: وأنا كذلك. ثم انصرف إلى أبي جهل ليسأله عما سأله أبا سفيان، فقال أبو جهل في غيظ: تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف! أطعموا فأطعمنا، وحملوا فحملنا، وأعطوا فأعطينا! حتى إذا تجاثينا على الركب، وكنا كفرسي رهان قالوا: منا نبيّ يأتيه الوحي من السماء، فمتى ندرك هذه؟! والله لا نسمع إليه ولا نصدقه! لو كان هؤلاء لا يستشعرون روعة القرآن، أو لا يدركون سحره وتأثيره لما تعاهدوا على اجتنابه ثم اندفعوا إلى الاستماع إليه، ثم بم نعلل- كما يقول بعض النقاد- «حرص الأخنس على سؤال أبي سفيان وأبي جهل عن أثر القرآن في نفسيهما، وقد حرصا على الاستماع إليه حرص الكاره الغضوب لا المعجب الودود؟ أما أبو سفيان فقد أجمل وأبهم! وأما أبو جهل فقد انفجر حنقا يكشف عن نفسه الستار الخادع إذ يعلن أن المسألة ليست مسألة الوحي، ولكنها مسألة المنافسة بين بني عبد مناف وبني مخزوم». ولهذا لم يكن قولهم: لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ [سورة الشعراء، الآية ٢٦]. وقولهم: أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٥) [سورة الفرقان، الآية ٥]. أو قولهم: قَدْ سَمِعْنا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٣١) [سورة الأنفال، الآية ٣١] ... لم يكن هذا إلا تعبيرا عن الجحود، والعناد والمكابرة، واللجاج في الباطل «كالذي ينكر ضوء الشمس وقد بهرت عينيه لعلة تدفعه إلى البهتان» لأننا لا ندري لماذا لم يقولوا مثله؟! ولهذا لم يعارضوه حين فاجأهم التحدّي في سورة يونس: أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٣٨) [الآية ٣٨]! والمعنى هنا كما قال الجاحظ: هاتوا مفتريات! أو حين نزل عليهم بعد ذلك في سورة الإسراء: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ

стр. 141

الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً (٨٨) [الآية ٨٨]. أما تولي الوليد بن المغيرة الذي أشرنا إليه آنفا، فقد أخرج الحاكم عن ابن عباس أن النبيّ ﷺ قام يصلي في المسجد، وأخذ يقرأ القرآن، والوليد بن المغيرة قريب منه يستمع قراءته، فلما فطن النبيّ لاستماعه أعاد القراءة. قال: فكأنه رقّ له، فانطلق إلى مجلس قومه بني مخزوم. فقال: والله لقد سمعت من محمد آنفا كلاما ما هو من كلام الإنس، ولا من كلام الجن، وإن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإنّ أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وإنه ليعلو وما يعلى، وإنه ليحطم ما تحته. فقالت قريش: صبأ والله الوليد، والله لتصبأنّ قريش كلهم! فقال أبو جهل: أنا أكفيكموه! وقعد إليه حزينا وكلّمه بما أحماه، وما زال به حتى أتى مجلس قومه، فقال: تزعمون أن محمدا مجنون، فهل رأيتموه يخنق؟ وتقولون إنه كاهن، فهل رأيتموه قط يتكهّن؟ وتزعمون أنه شاعر، فهل رأيتموه يتعاطى شعرا- وفي رواية: والله ما في قريش رجل أعلم بالشعر أو رجزه أو قصيده مني، ولا والله ما يشبه الذي يقول محمد شيئا من هذا الشعر أو ذلك الرجز- وتزعمون أنه كذاب، فهل جرّبتم عليه شيئا من الكذب؟ فقالوا في ذلك كله: اللهم لا، ثم قالوا: فما هو؟! ... ففكّر وقدّر، ثم قال: ما هو إلا سحر يؤثر، أما رأيتموه يفرق بين الرجل وأهله وولده ومواليه؟ فارتج النادي فرحا، وتفرقوا معجبين بقوله (١). وهذا هو ما أشار إليه سبحانه بقوله: إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (١٨) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (١٩) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (٢٠) ثُمَّ نَظَرَ (٢١) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (٢٢) ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ (٢٣) فَقالَ إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (٢٤) [سورة المدثر، الآيات ١٨ - ٢٤]. يقول بعض الأدباء النقاد في التعقيب على قصة الوليد هذه: «هذا هو

стр. 142

الوليد بن المغيرة، فكر فقدر ثم ذهب إلى أن القرآن سحر يؤثر، وظن أن نسبة السحر إلى محمد كافية أن تصد الناس عنه، ولكن غيره من ذوي الرصانة النقدية ينظرون في القرآن كما نظر الوليد، وهم على عدائهم للدعوة المحمّدية، يتفقون مع الوليد على أن القرآن ليس شعرا أو رجزا أو قصيدا، ويزيدون فيخالفونه فيما زعم من السحر، لأنهم من بيئة تعرف السحر والكهانة حق المعرفة، ولا ترى فيما يصدع به محمد من الآيات مشابها لما يأتي به السحرة من الرقى والعزائم، فقرآنه بمنزلة معجزة من البيان لا يجوز لعاقل يحترم تفكيره أن ينسبه إلى رقى السحرة وعزائم الكهنة» اه. ثالثا- معنى الإعجاز، أو الإعجاز الذي وقع به التحدّي: هذا الإعجاز ما وجهه، وما حقيقته، وبم صار القرآن مباينا لكلام العرب؟ هل صار مباينا لهذا الكلام من وجه بياني صرف؟ أم بخصائص موضوعية تتصل بالأمور الغيبية والتشريعية الأخرى التي جاء بها القرآن الكريم، والتي لم يكن في وسع أحد- كائنا من كان- أن يأتي بها في بلد كمكة، وظرف كالظرف الذي وجد فيه محمد- ﵊. إن الدراسات النفسية التحليلية والاجتماعية كما قلنا في مبحث الوحي، اتفقتا على مصدر القرآن وعلى صحة النبوّة، وأن نسبة القرآن إلى الله تعالى ليس ادّعاء أو محض افتراء، ولكن هل في ذلك دليل على إعجاز القرآن الذي نحن بصدده؟ هذه النقطة الهامة- قبل الحديث عن أوجه الإعجاز البيانية، والإعجاز الموضوعي- كما يسمى تجوّزا- قد جلّاها تجلية رائعة الأستاذ الكبير محمود شاكر، فذكر هنا حقيقتين هامتين يحسن نقلهما هنا بقلمه قبل الخوض في هذا الموضوع وبيان آراء العلماء فيه:

стр. 143

قال الأستاذ محمود شاكر: «ولا مناص لمتكلم في إعجاز القرآن من أن يتبين حقيقتين عظيمتين قبل النظر في هذه المسألة، وأن يفصل بينهما فصلا ظاهرا لا يلتبس، وأن يميز أوضح التمييز بين الوجوه المشتركة التي تكون بينهما: أولاهما: أن (إعجاز القرآن) كما يدل عليه لفظه وتاريخه هو دليل النبيّ ﷺ على صدق نبوته، وعلى أنه رسول من الله يوحى إليه هذا القرآن. وأن النبيّ ﷺ كان يعرف «إعجاز القرآن» من الوجه الذي عرفه منه سائر من آمن به من قومه من العرب، وأن التحدّي الذي تضمنته آيات التحدّي من نحو قوله تعالى: أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١٣) فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٤) [سورة هود، الآيات ١٣ - ١٤]. وقوله: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً (٨٨) [سورة الإسراء، الآية ٨٨]. إنما هو تحد بلفظ القرآن ونظمه وبيانه لا بشيء خارج عن ذلك، فما هو بتحد بالإخبار بالغيب المكنون، ولا بالغيب الذي يأتي تصديقه بعد دهر من تنزيله، ولا بعلم ما لا يدركه علم المخاطبين به من العرب، ولا بشيء من المعاني مما لا يتصل بالنظم والبيان. ثانيتهما: أن إثبات دليل النبوة، وتصديق دليل الوحي، وأن القرآن تنزيل من عند الله كما نزلت التوراة والإنجيل والزبور وغيرها من كتب الله سبحانه، لا يكون منها شيء يدل على أن القرآن معجز، ولا أظن أن قائلا يستطيع أن يقول: إن التوراة والإنجيل والزبور كتب معجزة، بالمعنى المعروف في شأن إعجاز القرآن من أجل أنها كتب منزلة من عند الله. ومن البيّن أن العرب قد طولبوا بأن يعرفوا دليل نبوّة رسول الله، ودليل صدق الوحي الذي يأتيه، بمجرد سماع القرآن نفسه، لا بما يجادلهم به حتى يلزمهم الحجة في توحيد الله، أو تصديق نبوّته، ولا بمعجزة

стр. 144

كمعجزات إخوانه من الأنبياء مما آمن على مثله البشر. وقد بيّن الله في غير آية من كتابه أن سماع القرآن يقتضيهم إدراك مباينته لكلامهم وأنه ليس من كلام البشر، بل هو كلام رب العالمين، وبهذا جاء الأمر في قوله تعالى: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ (٦) [سورة التوبة، الآية ٦]. فالقرآن المعجز هو البرهان القاطع على صحة النبوة، أما صحة النبوة فليست برهانا على إعجاز القرآن، والخلط بين هاتين الحقيقتين، وإهمال الفصل بينهما في التطبيق والنظر، وفي دراسة «إعجاز القرآن» قد أفضى إلى تخليط شديد في الدراسة قديما وحديثا، بل أدى هذا الخلط إلى تأخر «علم إعجاز القرآن» و «علم البلاغة» عن الغاية التي كان ينبغي أن ينتهيا إليها (١). يتبين من خلال هاتين الملاحظتين، ومن خلال الموقف الذي عرضناه في السابق- موقف العرب من القرآن- ومن خلال مطالبة النبيّ ﷺ لعشيرته وقومه أن يؤمنوا بدعوته ورسالته ويقرّوا له بصدق نبوّته بدليل واحد هو هذا الذي يتلوه عليهم من قرآن يقرؤه، يتبين من كل هذا: المعنى المراد بإعجاز القرآن. وهو أن القرآن يحمل في بيانه الدليل الكافي على أنه ليس من كلام البشر إذ لا معنى للمطالبة بالإقرار بمجرد التلاوة، إلا أن هذا المقروء عليهم كان هو في نفسه آية فيها أوضح الدليل على أنه ليس من كلامه ﷺ ، ولا من كلام بشر مثله. ثم لا معنى لهذه المطالبة البتة إلّا أن يكون في طاقة هؤلاء السامعين أن يميزوا تمييزا واضحا بين الكلام الذي هو من نحو كلام البشر، والكلام الذي ليس من نحو كلامهم، كما يقول الأستاذ شاكر. والله تعالى أعلم.

стр. 145

الفصل الثاني آراء ونظريات حول الإعجاز قامت حول إعجاز القرآن دراسات كثيرة قديمة وحديثة، وذهب المفسرون وعلماء البلاغة في تفسير هذا الإعجاز مذاهب شتى. وإذا كان من البين عندنا أن الإعجاز الذي وقع به التحدّي- وهو المراد من الإعجاز عند الإطلاق بالطبع- كان وجهه بيانيا صرفا، على نحو ما هدتنا إليه الملاحظات السابقة. وعلى الرغم من تسليم الكثيرين بهذا الرأي إلّا أن بعضهم لا يمتنع من الحديث عن «الإعجاز الغيبي» - بمعنى ما أشار إليه القرآن من أمور على أنها ستقع في المستقبل، وكان كما أخبر- وعن «الإعجاز العلمي» أي ما أشار إليه القرآن من علوم ومعارف كونية، وعن «الإعجاز التشريعي» ... إلخ، موردا كلمة «الإعجاز» في غير إطارها التاريخي السابق، وهذا ما دعانا إلى التقييد المشار إليه، بوصفه لونا من ألوان الاحتياط، وبيان «المجال» الحقيقي للإعجاز، فقلنا: الإعجاز الذي وقع به التحدّي. ونكتفي هنا بالكلام على أهم النظريات التي قيلت في تفسير هذا الإعجاز البياني أو الإعجاز الذي وقع به التحدّي، أو على أهم الخطوط البارزة في تلك النظريات. ونبدأ بالإشارة إلى فكرة أو شبهة ظاهرة الفساد خرجت من كل معايير التحدّي السابق، وهي نظرية الصرفة!
следующие страницы →